العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 53-92

ويطلع عليها بخبر أو قرينة، والتعيين اختيار يَصْدُر عن شهوة، فلا يحْلُفُه الوارث فيه، كما لو أسْلَم الكافر على أكْثَرَ من أرْبَع، ومات قبْل الاختيار.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق أنه يطَّرد الخلاَف في البَيَان والتعيين معاً.
والطريق الثاني في الأصل، وبه قال القَفَّال: أنه إن مات والزوجتان حيتان، فنقطع بأنَّه لا يقُوم الوارث مَقَامه في البيان ولا في التعيين؛ لأنَّه لا غَرَضَ له في ذلك، فإن الحال لا يختلف بين أن يُخَلِّف زوجة أو أكثر، وإن ماتَتْ إحداهما، ثم مات الزوج، ثم الأخرى، وعَيَّن الوارث الأُولَى للطَّلاق، فنقطع بقبول قوله؛ لأنه يَضُرُّ بنفسه؛ من جهة أنَّه يحرم مورثه عن ميراث الأُولَى، ويشرك الثانية في تركه مورثه، وإن عيَّن الأولى للنكاح، والثانية للطلاق، أو مات الزوج بعدما ماتَتَا، ففيه القولان، ثم يَعُود التَّرْتِيب المَذْكُور في البيان والتعيين وذَكَر الشيخ أبو حامد أنَّه إنَّما يوجد القولان منصوصَيْن فيما إذا توسَّط موْت الزوج موتيهما، وعيَّن الوارث الآخرة للطلاق، ومنهما أُخِذَ الخلاف في سائر الصُّوَر، ولذلك عَبَّر معبِّرون عن الخلاف بالوجهين والأظهر حيْث اتفقت الطريقتان على إثبات الخلاف، فيقوم الوارث مقام الموروث، وحيث اختلف المَنْع 1. التفريع: إذا لم يقمِ الوارث مقام الموروث، أو قلنا يقوم فقال الوارث: لا أعْلَمُ، فإن مات الزَّوْج قبلهما، فيُوقَفُ ميراث زوجه بينهما حتى يصطلحا، أو يصطلح ورثتهما بَعْد موتهما، وإن ماتتا قبْل موت الزَّوْج، فيُوقَفُ من تركتهما ميراثُ زَوْج، وإن توسط موته موْتَهُما، وُقِفَ من تركة الأولى ميراثُ زوج؛ ومن تركة زوج؛ ميراث زوجة حتَّى يحصل الاصطلاح، وإن قلنا: يقوم مقامه، فإن مات الزَّوْج قبلهما فتعْيينُ الوارث لتعيينه، وقد بيَّنا حُكْمه، وإن ماتت الزوجتان ثم مَاتَ الزَّوْج، فإذا بيَّن الوارث إحداهما، فلورثة الأخرى تَحْلِيفُه أنه لا يَعْلَم أن مورِّثَه طلَّق مورثتهم، وإن توسَّط موْتُه موتيهما وبيّن الوارث الطَّلاقَ في الأولى، وجرينا على قوله، لم نُحلِّفْه؛ لأنه يُقِرُّ على نفسه وَيَضُرُّ بِهَا 2، وإن بين الطلاق في المتأخرة، فلوارثِ الأُولَى تحليفُه؛ لأنَّه يروم الشركة في تركتها، فيحلف أنَّه لا يعْلَم أن مورثه طلَّقها, ولوارث الثانية تحليفُه؛ لأنَّه يروم حرمانه من ميراث الزَّوْج فيحلف على البَتِّ أن مورثه طلَّقها؛ لأن يمين الإِثبات تكون على البَتِّ.
وقوله في الكتاب "وإذا ماتَ الزَّوْجُ وماتَتَا" كلمة و"ماتتا" لا حاجة إليها، إذا قلْنا

بالطريق الأشْهَر، وإذا وقعت فليحمل على أن المعنى: "وقَدْ مَاتَتَا" إشارةً إلى أنَّه إذا مات بعد موتهما فهو موضِعُ الخِلاَف في أن الوارث هلْ يَقُوم مقام المورِّث باتفاق الطريقتين؟ أمَّا إذا كانتا حيتين، فلا يجيء الخلاف على الطريق الثاني.
فرْعٌ: شَهِدَ شاهدان مِنْ ورثة الزَّوْج أَنَّ المطلَّقة منهما فُلانَةٌ فتقبل شهادتهما إذا مات الزوج قبلهما؛ لأنه لا تهمه، ولا تقبل إن ماتتا قبْلَه لجرهما نقل 1 الميراث بشهادتهما، وإن توسَّط موت الزوج موتهما، فإن شهدا بطَلاَق التي ماتَتْ قبله، قُبِلَتْ؛ لأن هذه الشَّهَادة تُضِرُّ بهما من وجْهَيْن: أحدهما: حرمان الزوج من ميراث الأُولَى.
والثاني: شركة الأُخْرَى في إرثه، وإن شهدا بطلاق التي ماتت بعده [لا تقبل] لجرهما النفع بشهادتهما بعكس الوجهين.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ولو قال: إن كَانَ هَذَا غُرَاباً فَعَبْدِي حُرٌّ وَإِلاَّ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ البَيَانِ فَفِي وَجْهٍ يُعَيِّنُ الوَارِثُ، وَفِي وَجْهٍ نَقْرَعُ بَيْنَهُمَا لأَنَّ القُرْعَةَ تُعْمَلُ فِي العِتِقْ، فَإنْ خَرَجَ عَلَى العَبْدِ عَتَقَ، وإنْ خَرَجَتْ عَلَى المَرأَةِ لَمْ تُطَلَّقْ إِذْ لاَ أَثَرَ لِلقُرْعَةِ فِي الطَّلاَقِ، وَهَلْ يَرِقُّ العَبْدُ فِيهِ وَجْهَان.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه البقيَّة فيما إذا كان الإبْهَام بين الطَّلاق والعِتْق، فإن قال: إنْ كان هذا الطَّائِر غراباً، فعَبْدي حُرٌّ، وإن لم يكنَ فزوجتي طالقٌ، أو 2 دخل جماعة في ظلمة، فقال: إنَّ كان أوَّلَ من دَخَل زيْدٌ، فعَبْدي حرٌّ، وإلا فزوجتي طالقٌ، وأشكل الحال، وفيه مسألتان: إحداهما: ذكر القاضي ابن كج أن أبا الحُسَيْن حَكَى وجْهاً، أنَّه يُقْرَع بين العبد والمرأة، كما سنذكر فيما إذا مَاتَ الحالف وعلى هذا فلو فَرَعْنا فخرجت القُرْعةُ على العبْد، ثم قال: تبينت أن الحنث كان في الطلاق، لم ينقص حُكْم القرعة، وحكَمْنا بوقوع الطلاق، والصحيح أنه لا قُرْعَة ما دام الحالف حياً؛ لأنَّ البيان متوقَّع منْه، وقد يُطْلِعُه الفحْص على كيفية الحال بعد الشَّك والتردد، ولكن يُمْنَع من الاستمتاع بالمرأة، ومن استخدام العَبْد والتصرُّف فيه؛ لتيقن التحريم في أحدهما، وعليه نفقة المرأة إلى البيان، وكذلك نفقة العَبْد في أصحِّ الوجهين.
والثاني: أنَّه يؤجره الحاكم، وينفق عليه من أجرته، فإن فَضَل شيْء منها حَفِظَه إلى أن يتبيَّن الحال، وإذا تبيَّن، وقال؛ حنثت في يمين المرأة، طُلِّقَتْ، ثم إن صدَّقه

العَبْد، فذاك، ولا يمين عليه، وحكى الحناطي وجهاً أنه يحلفَ؛ لِمَا فيه من حَقِّ الله تعالى، وإن كَذَّبه، وادعى العِتْقُ صدِّق السيد بيمينه، فإن نَكَل، حَلَف، وحُكِمَ باليمين المردودة، وإن قال حنثت في يمين العبد، عَتَقَ العبد، ثم إن صَدَّقته المرأة، فلا يمين عليه، وفيه الوجْه المذكور، وإن كَذَّبته حَلَف، فإن نكل حلَفَت، وحكم بطلاقها أيْضاً وقوله: "لم أحنث في يمين العَبْد" في جواب دَعْواه وغير جواب دَعْواه، كقوله: حنثت في يمين المرأة؛ وكذا قوله: "لم أحْنَثْ في يمين المرأة، وقوله حنثت في يمين العَبْد".
ولو قال: لم أعلم في أيِّهما حنثت، ففي "الشامل" وغيره، أنَّهما إن صدَّقَاه بقي 1 الأمْر موقوفاً كما سَبَق، وإنْ كذَّباه، حلف على نفي العِلْم، فإن حلف، فالأمر موقوفٌ، وإِن نَكَل، حَلَف المُدَّعِي منهما، وقُضِيَ به بما يدعيه، ولو ادعى أحدهما الحَنِث في يمينه، فقال في الجواب: لا أدري، لم يكُنْ هذا إقراراً بالحَنِث في حَقِّ الآخر، فإن عُرِض عليه اليمين، وحلف على [نفي] ما يَدَّعي، فهو مقر بالحنث في حق الآخر، ولو كان قَدْ علَّق طلاق نسوة، وادَّعَيْن الحَنِث عليه، فإن نَكَل، فحلف بعضهن دون بعض، حُكِمَ بطلاق من حلَفَتْ دوَّنْ لم تحلف، ولو ادَّعَت واحدة، ونَكَل عن اليمين، فحلَفَتْ، حُكِم بطلاقها, وله أن يحلف إذا ادَّعَت الأخرى ولا يُجعَل نكوله في حقِّ واحدة نكولاً في حقِّ الأخرى، واعْلَمْ أن ما سَبَقَ ذكْره من الأمر بالبيان أو التعيين والحبس والتعزير عنْد الامتناع، قد أشاروا إلى مثْله هاهنا، لكن إذا قُلْنَا إنه إذا قال: لا أَدْرِي يحلف عليه وقنع منه بذلك، فيكون والتضييق إلى أن يبيِّن أو يقول: لا أدري، ويحلف علَيْه، وهكذا ينْبَغِي أن يكون في الحكم الطلاق بين الزوجتين، والله أَعلْم.
الثانية: إذا 2 مات الزَّوْج قَبْل البيان، فهل يقُوم الوارث مَقَامه، فيه طريقان: أحدهما: أنَّه على الخلاف في الطلاق المبهم بين الزوجين.
والثاني: القَطْع بالمَنْع، لظهور تُهْمة الوارث؛ بأن يزعم الحَنِث في الطلاق، فيسقط زحمة المرأة في التركة ويستبقي الملك في العبد، وبأن للقرعة مدخلاً في العتق، فكان تحكيمها أَوْلَى من الرجوع إلى الوارث، وقضية هذا التوجيه تحكيم القرعة عنْد إبهام العِتْق بيْن الرقيقين والذي نَصَّ الفحول على ترجيحه أنَّه لا يقوم الوارث مَقَام المُوَرِّث في البيان وإن أثبتنا الخِلاَف، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ تخصيصُ الخلاف بما إذا عيَّن الوارث الحَنِث في يمين المرأة، أما إذا عَكَس، فيقطع بالجواز على موجب قوله؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفسه وَيضرُّ بِهَا بتشريك المرأة في التركة وإخراج العبد عن التركة، وهذا حسن موافق تقدَّم في الطلاق المبهم.

وإذا لم يُعْتَبَر بيان الوارث أو اعتبرناه، وقال: لا أعْلَم لي بالحال فيقرع بين المرأة والعبد، فلعلها تخرج على العبد، فإنها مأمورة في العِتْق، وإن لم تُؤَثِّر في الطلاق، كما يصغي إلى شَهَادة رجُل وامرأتين في السرقة لتأثيرها في الضَّمَان، وإن لم تُؤَثِّر في القطع، وإن خرجَتْ على العبد عَتَق، ويكون العِتْق من الثلث، إن كان الحَلِف في مَرَض المَوْت، وترث المرأة إلاَّ إذا كانت وادعت الحَنِث في يمينها، والطلاق بائن، وإن خرجت على المرأة لم تُطَلَّق لكن الورع أن تَدَع الميراث، وهل يَرِقُّ العبد؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن القرعة تعمل في العتق والرق، فكما يعتق إذا خرجت القرْعة، يَرِقُّ إذا خرجت على عديله؛ وعلى هذا يزول الإِشكال، ويتصرف الوارث في العبد كيْف شاء، وأصحُّهما المَنْع؛ لأنَّ القرعة لم تؤثر فيما خرجت عليه، فيبعد تأثيرها في غيره، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أن القُرْعة تُعَاد إلى أن تَخْرُجَ عليه قَال الإِمام: وعنْدي؛ يجب أن يخرج القائل به عن أحزاب الفقهاء، ومن قال به فلْيقطع بِعِتق العَبْد، وليترك تضييع الزمان في إخراج القُرْعَة، وهذا قوي قويم، لكن الحنّاطي حكى الوجْه عن أبي علي بن أبي هريرة، وهو زعيم عظيم الفقهاء لا يتأتى إخراجه عن أحزابهم.
وأصحهما: أن الإشكال يَبْقَى بحاله ويوقف عنْهما جميعاً في الابتداء، والحاصل أنَّا كنَّا نبغي من القُرْعةَ بياناً، فلم نظفر به، وإن قلنا: إن الوارث تقوم مقامه، رجَعْنا إلَيْه، فإن عيَّن الحنث في يمين العَبْد عتق، وورثت المرأة، وإن عكس، فللمرأة تحليفه، ويكون حلفه على البت، وللعبد أن يَدَّعِيَ العتق، ويحلفه، ويكون حلفه على أنَّه لا يَعْلَم أن مورثه حَنَث في يمينه، ونقل الحناطي وجْهاً عن ابن سُرَيْج: أنَّه إذا لم يبين الورثة، يوقف إلى أن يموتوا، ويخلفهم آخرون، وهكذا إلى أن يحصل له بيان، والظاهر ما بيَّنَّا، وهو الإِقْرَاع إذا لم يبينوا ونقل وجهاً أن الحالف إذا لم يبين حكم عليه بالعتق والطلاق معاً وإذا لم يبين إلى أن مات أو جن أقر بالبيان، وضُيِّق عليه، وكيف ما قُدِّرَ فهو ضعيف، والله أعلم.
وهذا تمام الكلام في الشطر الأول من الكتاب ونختمه بصور هي من شرائط هذا الشَّطْر، وربَّما يقع فيها ما تَسْهُل معرفته من أصولها أو أخواتها الَّتِي تقدَّمت، لكنَّا أوردْناها إذْ وجدْنَاها مسطُورةً، فلا تخلو في الأغلب عن زوائد وفوائِدَ: فيما جمع من "فتاوى القفَّال" وغيره أنَّه لو قال: طلقْتُ، ولم يزد، لا يقع الطلاق، وإن نوى لأنَّه لم يَجْرِ للمرأة ذكرٌ، ولا دلالة، فهو كما [لو] 1 قال: "امرأتي" ونوى الطلاق، وأنه لو قال

[يتوارزني من يك] 1 ولم يزد عليه، لا يقع الطلاق، وإن نَوَى، ولو قال [اكريتوزن منى بهزار طلاق] 2 ولمْ يقل (هشته اى) 3 فإن كان في غرضه أن يقول (هشته اى) 4 (شم ندم)؛ فسكت أو أسكته غيره لا يقع الطلاق؛ لأن الطلاق يقع بتمام اللفظ ولم يتم، وإن أراد الإِيقاع بقوله (هزار طلاق) 5 وقع وصلح للكتابة.
وأنه لو قال: طلقتك واحدة أو ثنتين، على سبيل الإنْشَاء فيختار ما شاء من واحدة أو اثنتين، كما لو قَالَ: أعتقت هذه أو هذَيْن، وأنَّه لو قال لوليِّ امرأته: زَوِّجْها، كان إقراره بالفراق، ولو قال: لها: انْكِحي، لم يكن إقراراً لأنها لا تَقْدِر على أن تنْكِح، لكن السابق إلى الفَهْم من ذلك ما هو المفهوم من قوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] وأنه لو قال لامرأته وزمرته (هرجائي كي خواهى، رويم) 6 لم يدر أنوى الطلاق أم لا؟ وإن نواه، أَنَوَى واحدةً أو أكثر؟ فالاحتياط أن يراجعها، إن لم تنقض مدة العدة، وتجدِّدُها إن انقضت، والاحتياط التمام أن يطلقها طلقة ولا ينكحها حتى تَنْكِح زوجاً غيْره، وأنَّه إذا قالت له زوجته: تزوجت عائشة بنت عبد الله، فقال: إن تزوجْتُ عائشةَ بنْت عبد الله، فهي طالقٌ، ثم قال: أردتُّ غيرها, لم يُصَدَّق، كما لو قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالقٌ، وقال: أردتُّ الأجنبيَّة، وقد سَبَق ما في الصورتين من الخلاف، وفي "فتاوى الشيخ الحُسَيْن الفرَّاء" أنه إذا قال لزوجته وأجنبية: إحداكما طالقٌ، ثم قال ما عينت واحدة بقلبي، يحكم بوقوع الطلاق، وإنَّما يتصرف الطَّلاَق عن الزوْجة، إذا قال: أردتُّ الأجنبية، حُكيَ عن أبي العبَّاس الرُّويانيِّ روايةُ وجهَيْن فيمن له امرأتان، فقال: امرأتي طالقٌ مشيراً إلى واحدة منْهما، وقال: أردتُّ الأخرى.
أحد الوجهين أنَّه يُقْبَل، ويقع الطلاق على الأخرى، ولا تلزمه الإِشارة شيئاً.
والثاني: يحكم بوقوع الطلاق عليهما على المشار إليها بظاهر الإِشارة، وعلى الأخرى 7 بقوله: "أردتها".
وفيه أنَّه لو قال: أنْتِ طالقٌ كألف، يُرْجَع إلى نيته، فإن نوى اثنين أو ثلاثاً، فهو

ما أراد، وإن لم يَنْو شيئاً فواحدة وأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ، حتى تتم ثلاثٌ، ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه تقع ثلاثاً، وبه قال: أبو حنيفة -رحمه الله-.
والثاني: يُرْجَع إليه، فإن لم ينوِ شيئاً، فتقع واحدة، ويقرب منْه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ حتى أكمل ثلاثاً أو أوقع عليك ثلاثاً، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ ألواناً من الطَّلاق، فيُرْجع إلى نيته، فإن لم يَنْوِ شيئاً، وقَعَت واحدة، وأنَّه لو قال: يا مطلَّقة، أنت طالقٌ، وكان قد طلَّقها قَبْل ذلك، فقال أردتُّ تلْكَ الطلقة، يُقْبَل قوله، أو يقع طلقة أخْرى؟ فيه وجهان، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً أوْ لا بإسكان الواو لا يقع شيْءٌ؟ قال في "التتمة" هو كما لو قال "هل أنت طالقٌ ولو قال أوْ لا أنتِ طالقٌ، بتشديد الواو، وهو يعرف العربية، يقع الطلاق، والمعنى أنْتِ أوَّلٌ في الطلاق، وذكر إسماعيل البوشنجي أنَّه لو قال لإِحْدى نسائه: أنْتِ طالقٌ، وفلانة أو فلانة، فإن أراد ضمَّ الثانية إلى الأُولى فهما حزب والثالثة: حزب والطلاق مردّد بين الأوليين والثالثة، فإن عين الثَّالثَة: طُلِّقت وحدها، وإن عيَّن الأوليين أو إحداهما طُلِّقَتَا، وإن ضَمَّ الثانية إلى الثالثة، وجعلهما حزباً، والأولى حزباً طلقت الأُولَى وإحدى الأخريين، والتعيين إليه، وهذا الضم والتخريب يعرف من قرينة الوقْفة والنغمة على ما ذَكرْنا في صيغ التعيين، فإن لم تُوجَدْ قرينةٌ قال: الذي أراه أن يفصل إن كان الرجُل عرافاً بالعربية، فقضية الواو العاطفة الجَمْع بيْن الأولى والثانية في الحُكْم، فيجعلان حزباً واحداً، والثَّالثة حزباً، وإن لم يكن عارفاً بها فتُطَلَّق الأُولَى بيقين ويخيّر بين الأخريين، للشَّكِّ، وأنه إذا قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً إلا نصفاً، يراجع، ولو قال عنيت إلا نصفَها، تقع طلقتان، وإن قال إلا نصْفَ طلقة طُلِّقت ثلاثاً، ويجيْء الوجه الذاهب إلى أن استثناء النِّصْف كاستثناء الكُلِّ، وإن قال: طَلَّقْت ولم أنْوِ شيئاً، حمل على استثناء النِّصْف من الجميع، وأنه لو قالت له امرأته: طلِّقني وطلِّقني وطلِّقني، فقال: طلَّقتك أو قد طلَّقْتك، إن نوى الثلاث، تقع الثلاث، وإن نوى واحدةً وقعَتْ واحدة، وإن لم ينوي شيئاً فالقياس أن تقع واحدة، وكذا لو قالت طلِّقني طلِّقني طلِّقني، فقال: طلَّقْتك أو قد طلَّقتك أو قَالَتْ: طلِّقْني ثلاثاً، فقال أنتِ طالقٌ أو طلقتك أو قد طلقتك، وأنَّه لو طلقها طلقة رجعيَّة، ثم قال: جعلتها ثلاثاً، فهو لغْوٌ لا يقع به الثلاث؛ لأنَّه تصرُّف في طلاق قد قضى ونفذ.
وقال: أبو حنيفة يقع الثلاث، وأنَّه لو قال: لنسائه الأرْبَع، وقد جلَسْن صفاً: الوُسْطَى منكن طالقٌ، فعن أصحاب أبي حنيفة أنَّه لا يقع الطَّلاق على واحدة منْهن، لأنَّه ليس للأربع وسْطَى قال فيه وجهان، ولم يزد على هذا، والمفهوم مما أجْراه في المسألة أنَّ أحد الوجهين يوافق مذهبهم.

والثاني: أنَّه يقع الطلاق على الوسطيين؛ لأنَّ الاتحاد ليس بشرط في وقوع اسم الأوسط والوسطى (1)، وأنه لو قال لامرأتيه، المدخول بهما: أنتما طالقتان، ثم قال قبل أن يراجعهما إحداكما طالقٌ ثلاثاً، ولم يَنْوِ معيَّنة أو قال: أنْتِ يا طالق يا فلانة ثلاثاً أو أنت طالق يا فلانة ثلاثاً، ثم انقضت عدَّة إحداهما، لم تتعيَّن الأخرى؛ لوقوع الطلاق عليهما خلافاً لمحمد بن الحَسَن، بل يبقى الإبهام، فإن عيَّن في التي بَقِيَت عدتها، فذاك وإن عيَّن في الثانية، فيُبْنَى على أن التّعْيينَ بيان الواقع أو هو إيقاع؟ إن قلْنَا بالأول صَحَّ، وإن قلنا بالثاني فلا لأن الثانية لا تَقْبَلُ الإِيقاع، قال [و] (2) الأوَّل أشبَه بالمَذْهب، وإذا انْقَضَت عدَّتها, لم يجز التزويج بواحدة منهما قبْل التعيين إلاَّ إذا نَكَحَت زوجاً آخَر، وذكر البوشنجي -رحمه الله- أنَّه لو قال لامرأته: أنْتِ طالقٌ عن هذا العَمَل لا ينبغي أن يقضي بوقوع الطلاق عليها لا ظاهراً ولا باطناً؛ لأن التطليق (3) تخليص، وإنما خَلَّصَها عن العمل لا عن قيد النكاح، وإنما ينصرف عنْد الإطلاق إلى قيد النكاح؛ للعرف الشائع، وحَكَى فيما إذا قال لعبده (ازاد كردم ويرا) (4) أمرين، هَلْ يعتق؟ اختلافَ جواب عن مشايخه الَّذين لقيهم -رحمهم الله- وإيانا.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الشَّطْرُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ في التَّعْلِيقَاتِ،

وَفِيهِ فُصُولٌ وَفُرُوع

ٌ: (الفَصْلُ الأوَّلُ في التَّعْلِيقِ بِالأَوْقَاتِ):

فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ طُلِّقَتْ عِنْدَ اسْتِهْلاَلِ الهِلاَلِ، وَلَوْ قَالَ: فِي يَوْم السَّبْتِ فَعِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وَلَوْ قَالَ: آخِرَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ النِّصْفِ الأخِيرِ، وَلَوْ قَالَ: أَوَّلَ آخِر الشَّهْرِ فَهُوَ أَوَّلُ اليَوْمِ الأَخِيرِ، وَقِيلَ: أَوَّل النِّصْفِ الآخِرِ، وَلَوْ قَالَ: آخِر الأَوَّلِ فَهُوَ آخِرُ اليَوْمِ الأوَّلِ، وَقِيلَ: آخِرَ اللَّيْلَةِ الأُولَى، وَقِيلَ: آخِرَ النِّصْفِ الأَوَّلِ، وَلَوْ قَالَ: فِي سَلْخِ الشَّهْرِ فَهُوَ آخِرُ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: أَوَّلَ اليَوْمِ الأَخِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تبيَّن في أوَّل الطَّلاَق أن غَرَض هَذا الشَطْرِ الكَلاَمُ في تعليق الطَّلاَق بالشروط، وهو جائِزٌ، واستأنسوا له بما رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" 5 وقاسُوه على العِتْق؛ فإن الشرع ورد بالتدبير، وهو تعليق العتق بالموت،1234

والطلاق والعتق يتقاربان في كَثِير من الأحكام قالُوا: والمعنى فيه أن المرأة قدْ تخالف الرَّجُل في بَعْض مقاصده، فتفعل ما يَكْرَهُه، وتمتنع عن ما يرغب فيه، ويَكْرَه الرَّجُلُ طلاقَهَا، من حيْث إنَّه أبْغَضُ المباحات، ومن حيْثُ إنَّه يرجو موافقتها، فيحتاج إلى تعْليق الطَّلاق بفعل ما يكْرَهُه، أو ترك ما يريده، فإمَّا أن تمتنع ولا تفعل، فيحصل غَرَضُه، أو تخالف، فتكون هي المختارة للطلاق، وإذا علَّق الطَّلاق بشرط، لم يجُزْ له الرجوع عنه كما لو عَقَد اليمين على فعْل، ولا فَرْق في جواز التَّعليق أن يكُون الشَّرْط معلومَ الحُصُول، أو موهومَ الحْصُول، ولا يقع الطلاق في النوعين إلا بوجوده، وعن مالك أنَّه إذا علَّق بصفة يتحقق وجودها كمجيء الشَّهْر، وطلوع الشمس يقَع الطَّلاق في الحال.
ولا يحْرُم الوطء قبْل وجُود الشَّرط، ووقوع الطلاق، وعن مالك -رحمه الله- أنَّه قال: إذا قال: إنْ لم أفْعَلْ كذا، فأنْتِ طالقٌ يمتنع من الوطء إلى أن يفْعَلَه؛ لأن الحَنِثَ يَحْصُل بترك الفِعْل، والأصْل في الفعل العَدَمُ، ولو علَّق طلاقها بصفة، ثم قال: عَجَّلت تلْكَ الطلقة المعلقة، لم تتعجل، لتعلُّقها بذلك الوقت المستقبل، كما لو نَذَر صوم يوم معين، وكَمَا أن الجُعْل في الجعالة لَمَّا تعلق استحقاقه بالعَمَل، لم يتعجَّل بتعجيل، المالك وفيه وجْه آخر عن رواية الشَّيْخ أبي عليٍّ وغيره، وإذا قلنا بالظاهر فلو طلق وقال: عجلت لك الطَّلاق، راجَعْنَاه فإن قال: أردتُّ تلك الصفة، صدَّقاناه بيمينه، ولم يتعجَّل شيْء، وإن أراد طلاقاً مبتدأً وقعت طلقة في الحال ولو عقب لفظ الطلاق بحَرْفِ الشرط، فقال: أنْتِ طالقٌ، إنْ، فمنعه غيْره من الكلام؛ بأنْ وضَعَ يده عَلى فيه، ثم قال: أردتُّ أن أعلِّق بصفة كذا، صُدِّق بيمينه، لدَلالَة حرف الشرط على ما يَدَّعيه، وإنما حَلَّفْناه؛ لجواز أن يَكُونَ قَصْده التعليق على شيء حاصل مثْل أن يقول: إن كُنْتُ قد فعَلْتُ كذا، وكان قدْ فَعَل، ولو قطَع الكلام مختاراً حُكِمَ بوقوع الطلاق؛ لأن ظاهر الحَال أنَّه نَدِمَ على التعليق إن قَصَده وعَدَل إلى التنجيز، ولو ذَكَر حرْف الجزاء، ولم يذْكُر شرطاً بأن قال: فأنْتِ طالقٌ، ثم قال: أردتُّ ذكْر صفة، فسَبَق لساني إلى الجزاء، فعن القاضي كحُسَيْن؛ أنَّه لا يُقْبَل قوله في الظاهر؛ لأنَّه متهم قد خاطبها بصريح الطلاق، وحَرْف الفاء يحتمل غير الشَّرْط، وربما كان في عزْمه أن يقول: أمَّا بعدُ، فأنتِ طالقٌ، ولو قال: إن دخلت الدَّار أنت طالق، وحذف، حرف الجزاء، فقد أطْلَق في "التهذيب" وغيْره أنَّه يحمل على التَّعْليق.
وقال إسماعيل البوشنجي: يراجع، فإن قال: أردتُّ التنجيز، آخذناه به، وإن قال: أردتُّ التعليق، أو تعذرت المراجعة حُمِل على التعليق، ولو قال: إن دخلْت الدار، وأنت طالقٌ بالواو قال صاحب "التهذيب" -رحمه الله- إن قال: أردتُّ التعليق، فأقمت الواو مُقَام الفاء، قُبِلَ قوله.

ولو قال: أردتُّ جَعْل الدخول وطلاقها شرطين لعتق أو طلاق قبل، وإن قال: قَصَدتُّ التنجيز، تنجز الطلاق، قال البوشنجي -رحمه الله- إن قال لم أقصد شيئاً قضي بوقوع الطلاق في الحال، وألغى حرف العطف؛ كما لو قال لامرأته ابتداءً: وأنت طالقٌ، ولو قال أنت طالقٌ وإن دخلت الدار طلقت في الحال، دخلت الدار أو لم تدخل، وكذا لو قال وإن دخلت الدار أنت طالقٌ ولم يذكر الواو في "أنت طالق".
ولو علق الطلاق بشرط ثم قال: أردت إيقاع الطلاق في الحال فسبق لساني إلى الشرط؛ فإذا تغليظ منه على نفسه فيؤاخذ بموجبه، وقد ذكرنا من قبل معرض الاستشهاد.
إذا، عرفت ذلك فإن صاحب الكتاب أودع هذا الشطر فصولاً هي قواعد ممهدةٌ وفروعاً هي توابع مبددة فهما قسمان: أولهما: الفُصُول، وهي ستة: الأول: في التعليق بالأوقات، فإذا قال أنتِ طالقٌ في شَهْر كذا، طُلِّقت عنْد استهلال الهلال، لأنَّ اسم رمضان مثلاً متحقِّق عند مجيْء أول جزء منه، وإذا تحققت الصفة الَّتي هي متعلَّق الطلاق، وقع الطلاق، ولم يعتبر دوامها وانتهاؤها؛ ألا تَرَى أنَّه إذا علَّق الطلاق بدخول الدار، فحَصَل في أوَّلِها، وقَع الطَّلاق، ولم يعتبر بوسْطها والوصول إلى صدْرها، قال الإِمام -رحمه الله- وقد يظن أن الشهر لَمَّا جُعِل ظرفاً للطلاق، فيشترط لوقوع الطلاق سَبْق زمان من ذلك الشَّهر، لكنه وَهِمَ، وليس المعنيُّ بالظَّرْف من الزمان إلا زمان ينطبق عليه الفِعْل، ولم يذكروا هاهنا خلافاً؛ أخذاً مما سَبَق في السَّلَم مع اتجاه التسوية، ولو قال: أنتِ طالقٌ في غُرَّة شهر كذا، أو أوله أو في رأس الشهر، أو ابتدائه أو دخوله أو استقباله أو إذا جاء شهْر كذا، تُطلَّق عنْد أوَّل جزْء من الشهر، ولو رأى الهلال قبْل غروب الشمس، لم يقع الطَّلاق حتَّى تغرب الشَّمس؛ لأن أول الشَّهْر حينئذ يحْصُل، ولو قال: في نهار شهْر كذا أو في أول يَوْم منْه، وقَع عنْد طُلُوع الفَجْر في اليوم الأوَّل لا عنْد الاستهلال.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ في يَوْم كذا، وقع عند طلوع فجْر ذلك اليَوْم، وعنْد أبي حنيفة عند انتهاء ذلِكَ اليَوْم بغروب الشمس، كما أن الصَّلاة عنْده تجب بآخر الوقت، وحكى الحناطي قولاً مثْل مذهبه، وطرَده في الشَّهر أيضاً، وعلى هذا قياسُ ما لَوْ قال: في وقْت الظهر أو العَصْر، ولو قال: أردتُّ بقولي في شَهْر كذا، أو يَوْم كذا وسْط الشهر، أو اليوم أو آخرهما، لم يُقْبَل في الظاهر ويدين، هذا هو المَشْهُور، وفي كتاب القاضي ابن كج وغيره وجْه: أنَّه يُقْبَل في الظاهر، ولو قال: أردت بقولي "في غُرَّة شهر كذا" اليَوْمَ الثاني أو الثالث، فكذلك الحُكْم؛ لأن اسْم الغُرَّة، يقع على الثلاث، أما لو قال: أردتُّ به المنتصف لم يُدَيَّن، وكذا لو قال: في رأْس الشَّهر، ثم قال: أردتُّ السادسَ عَشَرَ.

ولو قال: في رَمَضَان: أنْتِ طالقٌ في رمضان، وقع في الحال، ولو قال: في أول رمضان أو إذا جاء رمضان، وقع في أول رمضان القَابل.
وقوله في الكتاب "فعند طلوع الفجر" ليعلم بالحاء والواو، وكذا قوله: "عند استهلال الهلال" بالواو وأُعْلِمَ بالحاء أيضاً؛ لأنَّهُ حُكِي عن أبي حنيفة في الشَّهْر مثْل ما رُوِيَ عنه في اليوم، والله أعلم، الكلام في صورتين: إحداهما: لو قال: أنتِ طالقٌ في آخر شَهْر كذا، فوجهان: أحدهما: أنَّه يقع الطلاق في آخر جُزْء من الشَّهْر، فإنَّه الآخر المطلق، وهو المفهوم من اللفظ.
والثاني: يقع في أول جُزْء من لَيْلة السَّادس عشر؛ لأن النصف الثاني كلَّه في آخر الشَّهْر، فيقع الطلاق في أوَّله، كما وقع في أول الشهر إذا قال: أنتِ طالقٌ في شهْر كذا وفي "التهذيب" وجْه ثالث؛ وهو أنَّه يقَعُ في أول اليوم الأخير؛ حمْلاً للآخر على اليوم الآخر، وإيراده يقتضي ترجيحَهُ، وعلى هذا القياس، لو قال: أنتِ طالقٌ في آخِرَ السَّنة، فعلى الوجه الأوَّل تطلَّق آخر جزء من السنة، وعلى الثاني: أَوَّلَ الشهْر السابع، ولو قال: أنتِ طالقٌ في آخر طهر له تطلق في آخر جزء من الطُّهْر، وعلى الثاني: في أول النصْف الثاني منْه، ولو قال: أنتِ طالقٌ في أول آخر الشهر، فوجهان، وقال أكثرهم: يقع في أول اليوم الأخير، وعن ابن سُرَيْج: في أول النصْف الآخر، وهو أول جُزْء من ليلة السَّادس عشر، وحَكَى القاضي ابن كج عن أبي بكر الصيرفي -رحمه الله- أو غيره: أنَّه يقَعُ في أول [اليوم] السَّادِسَ عَشَر؛ لأنَّه أول يوم من النِّصْف الآخر، ولو قال: أنْتِ طالقٌ في آخر أول الشهر، فوجهان، قال أكثرهم، يقع الطَّلاق عنْد غروب الشمس في اليوم الأول، وعن ابن سُرَيْج: يقع في آخر النِّصْف الأول، وهو عنْد غروب اليَوْم الخامسَ عَشَرَ، وفيه وجْه ثالث: أنَّه يقع عنْد آخر الليلة الأولى، ولا يُعْتَبَر مُضِيُّ اليوم، وهذا ما ذَكَره صاحبُ "التتمة" بدلاً عن الوجْه الأوَّل، فقال: لو قال: "أنتِ طالقٌ آخِرَ أوَّل آخر الشهر، فمَنْ جعَل آخر الشهر اليومَ الأخير، قال: يقع الطلاق عنْد غروب الشمس في اليوم الأخير؛ لأنَّ ذلك اليَوْم هو آخر الشهر، وأوَّلُه طلوع الفجر، وآخر أوله غروب الشمس، ومَن حَمَل الآخر على النِّصْف الثاني، فأوَّلُه ليلة السادس عشر، فيقع الطلاق في آخر جُزْء من هذه الليلة، ولو قال: أنتِ طالقٌ أوَّلَ آخر الشهْر، قاله: يقع الطلاق عنْد استهلال الهلال على الوجهين؛ لأنا إن جعلْنا الأول الليلة الأولى، فآخِرُها عنْد طلوع الفجر، وأوَّل هذه الآخرة عنْد الاستهلال، وإن جعلْنا الأول النِّصْف الأول، فآخره غروب الشَّمْس اليوم الخامس عشر، وأول هذا الآخر الاستهلاك.
الثانية: إذا قال: أنتِ طالقٌ في سَلْخ الشهر، ففيه وجوهٌ:

أحدها: أنَّه يقَعُ في آخر جُزْء من الشهر؛ لأن الانسلاخ يَحْصُل به، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد -رحمه الله- وإيراد الكتاب يَقْتضي ترجيحه.
والثاني: وهو المذكور في "التهذيب" و"التتمة" أنَّه يقع في أول اليوم الآخر من الشهر، فإن السلخ المُطْلَق، يقَعُ عليه، فيتعلَّق الطَّلاق بأوله، وعن رواية صاحب "التقريب" وجْهٌ أنَّه يقَع بمضيِّ أول جزء من الشهْر؛ فإنه يأخذ في الانسلاخ من حينئذٍ، قال الإِمام: اسْم السَّلْخ يقَع على الثلاثة الأخيرة من الشهر، كما تقع الغرة على الثلاثة الأُوَل، فيُحْتَمَل أن يقع في أول جزء من الأيَّام الثلاثة 1. فرْعٌ: عن "التتمة" لو قال، أنتِ طالقٌ، عنْد انتصاف الشهر، يقع الطلاق عنْد غروب شمْس اليوم الخامس عشر، وإن كان الشَّهْر ناقصاً؛ لأنه المفهومُ من إطلاق النصْف، ولك أن تقول: يُحْتَمَل أن يقَع في أول الخامس عشر؛ لأنَّه يُسَمَّى النصف والمنتصف، فيتعلق الطَّلاق بأوله؛ ويوضِّحه أن ليلة [البراءة] تسمى ليلة النصف من شعبان.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ نصْف النصف الأول من الشهر، يَقع الطَّلاق عنْد طلوع فجْر اليوم الثامن لأن نصف النصف سبع ليالي، ونصف وسبعة أيام ونصف والليل سابقٌ على النهار، فيُقَابَل نصف ليلة بنصف يوم، ويُجْعَل ثمان ليال وسبعة أيام نصفاً وسبع أيام نصفاً، وسبع ليال وثمانية أيام نصفاً.
ولو قال: أنتِ طالقٌ نصْفَ يوم كذا، طُلِّقَت عنْد الزوال؛ فإنَّه المفهوم من لَفْظ النصْف، وإن كان اليوم يُحْسَب من طلوع الفَجْر شَرعاً، ويكون نصفه الأول أطول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: بِاللَّيلِ إِذَا مَضَى يَوْمٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتُطَلَّقُ آخِرَ الغَدِ، وَلَوْ قَالَ بِالنَّهَارِ فَإِذَا عَادَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا مَضَتِ السَّنَةُ فَعِنْدَ أَوَّلِ هِلاَلِ المُحَرَّمِ وَإنْ كَانَ قَرِيباً، وَلَوْ قَالَ: إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَإِلَى مُضِيِّ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْراً، وَالشَّهْرُ الأوَّلُ المُنْكَسِرُ يُكَمَّلُ ثَلاَثينَ يَوْماً مِنَ الآخِرِ يُحْتَسَبُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْراً بِاْلأَهِلَّةِ بَعْدَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو قال: إذا مَضَى يَوْمٌ فأنْتِ طالقٌ، نُظِرَ؛ إن قاله باللَّيْل، فتُطَلَّق عنْد غروب الشمس من الغدِ، فحينئذٍ يتحقَّق مضي يوم، وإن قاله بالنهار، طُلِّقَتْ، إذا جاء مِثْلُ ذلك الوقت من اليَوْم الثاني، هكذا أطلقوه، ولكن فيه تلفيق اليوم من البعضين [المفترقين]، فقد سَبَق في "الاعتكاف" أنَّه لو نذر أن يعتكف يوماً، لم يَجُزْ تفريق السَّاعَات في أصَحِّ الوجهين.
ولو فرض انطباق التعليق على أول نَهَارٍ، طُلِّقَت عنْد غروب الشمس ولو قال:

أنت طالقٌ إذا مضى اليَوْم، بالأَلِف والَّلام"، فإن قاله نهاراً [طلقت عنْد غروب شمسه] وإن لم يبق من الغروب إلا قَدْر يسير؛ لأنه عرف بالألِف واللام، فيَنْصَرِف إلى اليَوْم الَّذي هو فيه، بخلاف ما إذا نَكَر، فإنَّه يقتضي يوماً كاملاً، ولو قال ذلك بالليل كان لَغْواً؛ لأنه لا نَهَار، حتَّى يُحْمَل على المعهود، ولا يمكن العمل على الجِنْس، قال في "التتمة".
ولو قال: أنْتِ طالقٌ اليَوْمَ، طُلِّقَت، وفي الحال، إن قاله نهاراً، وإن قاله ليلاً فكذلك، ويلغو قوله اليوم؛ لأنَّه لم يعلق، وإنما أوقع وسَمَّى الوقت بغير اسْمٍ، ولو قال: أنْتِ طالقٌ الشهر أو السنة، وقَعَ في الحال.
ولو قال: إذا مَضَى شهْرٌ، فأنتِ طالقٌ، فلا يقع حتَّى يمضي شهرٌ كاملٌ، فإن اتَّفَقَ في ابتداء هلال الشَّهْر وقع الطلاق، إذا مضى كاملاً أو ناقصاً، إلا فإن قاله بالليل، اعْتُبِرَ مُضِيُّ ثلاثين يوماً ومن ليلة الحادي والثلاثين تقدر ما سَبَق من تلْك الليلة على النقلين، وإن قاله 1 بالنَّهَار، فيُكَمَّل بعْد التعليق من اليوم الحادي والثلاثين، ولو قال: إذا مضى الشهر طلقت، إذا انقضى الشَّهر الهلالي، وكذلك لو قال: إذا مَضَتِ السنة، كان التعليق ببقية السنة العربية، فيقع الطَّلاَق عنْد استهلال المحرم، وإن كَانَ قريبًا, ولو قال: إذا مَضَت سنة، بالتنكير لم يقَعْ، حتى يمضي اثنا عَشَر شَهْراً، ثم إن لم ينكسر الشهر، الأول، وَقَع الطلاق بمعنى اثني عشر شهراً بالأهلة فرِضَتْ كاملةً أو ناقصةً، وأشار، الإِمام -رحمه الله- إلى أن تصور عدم الانكسار عَسِيرٌ، لكن يظهر قرينته فيما إذا قال: إذا مضَتْ من أول رمضان سَنَةٌ، فأنتِ طالقٌ، وإن انكسر الشهْر الأول عد ما بقي إلى الاستهلال، واحْتسِبَ بعْده أحَدَ عَشَرَ شهْراً بالأهلة، ويُكمل الباقي من شهْر التعليق ثلاثين وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إذا انكسر شَهْرٌ، انكسر الكُلُّ، واعتبر الجميع بالعدد، وللأصحاب وجْه مثله، وقد ذَكرنا ذلك في "السَّلَم"، ولو شك فيما كان قد بَقِيَ من شهْر التعليق بَعْد ما انقضى أَحَدَ عَشَرَ شَهْراً لم يقع الطلاق إلا باليقين، وذكر الحناطي وجهَيْن 2 في حل الوطء حال التردُّد.
ولو قال: أردتّ بالسنة السنة الفارسية أو الرومية دِينَ، ولم يُقْبَل، في الظاهر؛ لأنها تطوَّلت، فهو يريد تأخير الطَّلاق، ونقل الحناطي وجْهاً آخر أنَّهُ يُقْبَل، وهو الذي أورده القاضي ابن كج؛ لعموم العرف به، والمشهور الأوَّل 3. ولو قال: أردتُّ بقولي: "السنة" سنةً كامةً دِينَ ولم يُقْبَل في الحكم.
ولو قال: أردتُّ بقولي: "سنة" بقية السنة، فقد غَلَّظَ على نفسه.

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بِالأَمْسِ لَمْ يُسْتَنَدْ إلَى الأَمْسِ وَيَقَعُ في الحَالِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ الآنَ طَلاَقاً يَنْعَكِسُ حُكْمُهُ إلَى المَاضِي نَفَذَ فِي الحَالِ وَلَمْ يَنْعَكِسْ، وَقِيلَ: يَلْغُو لأَنَّهُ وَصَفَهُ بِمُحَالٍ فَصَارَ كَمَا إِذَا قَالَ: إنْ طِرْتُ أَوْ صَعِدْتُّ إلَى السَّمَاءِ أَوْ أَحْيَيتُ مَيِّتاً، وَقِيلَ في التَّعْلِيقِ بِالصُّعُودِ وَالإِحْيَاءِ إنَّهُ أَيْضاً يَقَعُ، وَقِيلَ في الإِحْيَاءِ يَقَعُ دُونَ الصُّعُودِ فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِ فُلاَنٍ بِشَهْرِ أَوْ قَبْلَ قُدُومِهِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ قَدِمَ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ تَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قَبْلَهُ بِشَهْرٍ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ: طَالِقٌ أَمْسٍ غَداً أَوْ غَداً أَمْسِ وَقَعَ اليَوْمَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي الشَّهْرِ المَاضِي ثُمَّ قَالَ: أَردتُّ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أَوْقَعْتُهَا بِالأَمْسِ قُبِلَ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدتُّ أَنَّ زَوْجاً آخَرَ طَلَّقَهَا أَوْ طَلَّقْتُهَا وَأَبَنْتُهَا ثُمَّ جَدَّدتْ النِّكَاحَ لَمْ يُقْبَلْ إلا بِبَيِّنَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور نوردها كما ينبغي، ولا نحافظ على ترتيب الكِتَاب: إحداهما: إذا علَّق الطَّلاق بصفة مستحيلةٍ عُرفاً؛ كما إذا قال إن طِرْت أو صَعِدت السماء، فأنتِ طالقٌ، أو عَقْلاً؛ كما إذا قال: إنْ أحييت مَيِّتاً، ففي "النهاية" أن حاصل ما ذكره الأصحاب ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأنَّه لم ينجّزه حتَّى ينجّز، ولكن علَّقه، ولم توجَد الصفة المعلَّق عليها، وقد يكون الغرضُ من التعليق بِغَيْر المُمْكِن أن يمتنع وقوع الطلاق حسب امتناع المعلَّق عليه، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40].
الثاني: أنَّه وَقَعَ في الحال، ويلغو، التعليق بالمحال؛ لأن التعليقَ أيضاً يثْبُت إذا كان المعلَّق عليه مما يرتقب حصولُه، فإذا لم يكُنْ، كذلك بَطَل التعليق، وبَقِيَ التطليقُ من غَيْر تعليق؛ ولهذا نَقُول إذا قال: لغَيْرِ المدخول بها: أنتِ طالقٌ للسَّنة يلْغُو الوصْف، ويقَعُ الطَّلاق.
والثالث: يُفْرَق بين الطيران والصُّعُود، وبين الإِحياء، فلا يقع فيهما ويقع الإِحياء، والفرق أن الاستحالة فيهما عرفيَّة، وهما ممكنان في العَقْل، وفي قدرة الله تعالى الإِقدار عليهما وقد أُسْرِيَ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورُفِعَ عيسَى -عليه السلام-، وأُعطِيَ جعفرٌ -رضي الله عنه- جناحَيْن يطير بهما، وأمَّا الإِحياء فلا يَقْدِرُ علَيْه إلا الله تعالى، والتعليقُ بما لا إمكان له مستنكرٌ، فيُلْغَى، واتفق الناقلون في التعليق بالمستحيل عرفاً؛ كالطيران والصعود، وحَمْل الجبل الثقيل، ونحوها أن الأظهر عَدَم الوقوع وهو المنصوص، وكذا حال الخلاف عنْد الإِمام وجماعة في التعليق المستحيل عقلاً، كإحياء المَيِّت، والجمع بين السواد والبَيَاض.

وقال صاحب "التتمة" -رحمه الله- "المَذْهَبُ أن يُلْغَى التعليق به، ويقع الطَّلاق في الحال، وأُلْحِق به التعليق بالمستحيل شرعاً، كما لو قال: إنْ نُسِخَ وجوبُ المكتوبات الخمس أو صَوْمِ رمضان، فأنْتِ طالقٌ، ولا يَخْفى أن المراد من إحياء الميِّت الذي أطلقْناه حقيقته فأما إذا علَّق بالإِحياء بالمعنى المراد في قوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيُلْحَق ذلك بالطيران، وصعود السماء.
الثانية: إذا قال: أنْتِ طَالِقٌ أمْسِ أو الشهر الماضي أو في الشهر الماضي، فله أحوال: إحداها: أن يقول: أردتُّ أن يقع في الحال طلاقٌ يستند إلى أمس أو الشهر الماضي، فلا شك أنَّه لا يُسْنَد، وهل يَقَع في الحال؟ فيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": نعم؛ لأنَّه أوقع الطَّلاق في الحال، وقَصَد إثبات حُكْم من قَبْل أيضاً، فيثبت ما يمكن ثبوتُه، ويلغو ما لا يمكن.
والثاني: ونسبه أبو الفرج الزاز إلى أبي إسحاق، أنَّه لا يقع؛ لأنَّه إنَّمَا أوقع طلاقاً مستقلاًّ أمَّا إذا لم يمكن إسناده، وجَب ألاّ يقع.
الثانية: أن يقول: لم أوقع في الحال طلاقاً، ولكن أردتُّ إيقاعه في الزمان الماضي، فالنصُّ أنه يقع في الحال، وحَكَى الربيعُ قولاً: أنَّه لا يَقَع، كما لو قال: إنْ طِرْت أو صعدت السماء، فأنت طالقٌ؛ فإنَّه نصَّ على أنَّه لا يقَعُ، واختلف الأصحاب، فعن ابن خيْران أنَّ الصورتَيْن على قولَيْن بالنقل والتخريج، وجْه الوقُوع أنَّه خاطَبها بالطلاق وربَطه بشيْءٍ ممتنعٍ، فيلغو الرَّبْط، ويقع الطلاق، كما لو قال: أنتِ طالقٌ للبدعة ولا بدعة في طلاقها، ووجْه المنع أنَّه أوْقَع الطَّلاق في الزمان السابق أو بشرط، وهو ممتنِعٌ، فإذا امتنع وقُوع ما أوقَعَه، لا يَقَع ما لم يُوقِعْه، والوجه الذاهب إلى وقوع الطلاق في التعليق بالصعود ونحْوه على ما تقدَّم مأخوذ من هذا التصرُّف، والأكثرون لم يثبتوا ما حَكَاه الرَّبيع قَوْلاً، وقَطَعوا بوقوع الطَّلاق هاهنا، ووجهوه 1 "بأنه أرسل الطلاق وأراد رفعه بالإِضافة إلى ما مضى، فكان كما لو قال؛ أنتِ طالقٌ طلاقاً لا يقع علَيْكِ، وهناك لم يرسل الطَّلاق، وإنَّما علقه ولمْ يُوجَد المعلَّق علَيْه، وأيضاً فإن الطيران والصُّعود ممكنان في نفسهما وإيقاع الطلاق في رمضان مضى وتصرم بحال.
الثالثة: إذا أراد بهذا الكلام إيقاع الطَّلاق لا في الحال ولا فيما مَضَى، وإنما أردت أني طلّقتها في الشَّهْر الماضي في هذا النِّكَاح، وهي في عدَّة الرجعية، أو بائن

الآن فَيُصدَّق بيمينه، وتكُونُ عِدَّتُها من الوَقْت الَّذي ذَكَره إن صدقته، ويبقى النظر في أنه كان يخالطُها أو لم يخالطها وإن كذَّبته، فالعِدَّة من وقت الأِقرار، وعن القاضي الحُسَيْن: أنَّها إن صدقت، قُبلَ، وإلا فالقَوْل قولها في أنه إنشاءُ الطَّلاق، وحينئذٍ فيُحْكَم علَيْه بطلاقين.
أحدهما: هذا الذي أنشأه.
والثاني: ما أقرَّ به.
ولو قال: أردتُّ أني طلقتُها في الشهر الماضي، وبانت منى، ثم جدَّدتُ النكاحَ أو أن زوجاً آخر طلقها في نكاح سابق، وبانت، فنكحتها، قال الأصحاب: يُنْظر؛ إن عرف نكاح سابق وطلاقه فيه أو أقام 1 على ذلك بيِّنةً، وصدّقته في إرادته، فذاك، وإن كَذَّبَتْه، وقالت لم تُردْ ذلك، وإنما أردتَّ إنشاء طلاق الآن، فيحلف، قالوا: ويخالف هذا ما إذا قال: طلَّقْتُها في هذا النكاح حيْثُ يُصَدَّق، ولا نطالب بالبينة؛ لأنَّه معْتَرِفٌ هناك بطَلاق في هذا النكاح، وهاهنا يريد صرْف الطلاق عن هذا النكاح، وإن لَمْ يُعْرف نكاح سابق، وطلاق في ذلك النكاح، وكان محتملاً، فينبغي أن يُقْبَل التفسير به، وإن لم تقم بيِّنة، وإلاّ يقع الطلاق، وإن كان كاذباً؛ ألا تَرى أنَّه لو ابتدأ، فقال: طَلَّقَكِ في الشهْر الماضي زوجٌ غيْرِي، لا يُحْكَم بوقوع طلاقه، وإن كذب.
الرابعة: لو قال: لم أُرِدْ عند الطلاق شيئاً أو مات، ولم يُفسِّر أو جُنَّ أو خرس، وهو عاجز عن التفهيم بالإِشارة، فالمشهور أنَّه يقع الطَّلاق في الحال، قال الإِمام -رحمه الله- وسببُه أن قوله: "أنْتِ طالق" صريح في تنجيز الطلاق، وقوله "في الشهر الماضي" ملتبس متردِّد بين محامل، فإذا لم يَقْصِد به شيئاً، لُغيَ، وعمل اللفظ المستقل، وحاصله أنَّا نحْكُم بوقوع الطلاق إلا إذا فُسِّر بشيء من التفاسير المذكورة، فيكون الحُكْم عَلَى ما بيّنا، وحكى [الحناطي] 2 وجْهاً آخر: أنَّا لا نحكم بوقوع الطَّلاق، إذا لم نَقِفْ على تفسير، ولو قال: أنتِ طالقٌ للشَّهْر الماضي، ففي "المُجَرد" للقاضي أبي الطيِّب: أنَّا نحكم بوقوع الطلاق في الحال قولاً واحداً، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن شاء فلانٌ، لكن الكلام في مثْل ذلك يُسْتَعْمل للتاريخ، واللفظ محتمل للمعاني المذكورة، فيما إذا قال في الشهر الماضي، والله أعلم.
الصورة الثالثة: قال: إذا مات فلانٌ أو قَدِمَ فلانٌ، فأنتِ طالقٌ قبْله بشهر أو قال: أنتِ طالقٌ قبل أن أضرِبَك بشهْر نُظِرَ إن مات فلان أَو قَدِم فلان أو ضَرَبَها قبْل مُضيِّ شهر من وقْت التعليق، لم يَقَع الطَّلاق سابقاً؛ لأن وقوع الطَّلاق لا يَسْبِق اللفظ الموقع، وأمَّا في الحال ففي "المهذب" حكايته وجْه: أنَّه على الخلاف المذكور في الصُّورة

السابقة، وهي ما إذا قال: أنْتِ طالقٌ للشهر الماضي، والصحيح المعروف أنَّه لا يقع قولاً واحداً، والفرق أن القُدُوم يمكن أن يتأخَّر عن شهْر، ويمكن أن يتقدَّم، والطلاق في الحقيقة معلَّق بزمان يكون بينه وبين القُدُوم شهْرٌ، فوجب اعتبار الصفة، وهناك لا تعليق، وإيقاع الطلاق في الزمان الماضي مُحالٌ، فلُغِيَ، وإذا لم يَقَع الطلاق، فتنحل اليمين، حتى لو ضربها بعْد ذلك، وقد مَضَ شهْرٌ، أو أكثر، لم يَقَع الطلاق.
قال الإِمام -رحمه الله-: ولو قال قائِلٌ: الضرْب المعقود علَيْه ضرْبٌ يقع الطلاق قَبْله بشهر، فلا تنحل اليمين بالضَّرب الأول؛ لما كان بعيداً تخريجاً، على أن المعلَّق عليه إذا وُجِدَ في حال البينونة، لا ينحَلُّ اليمين على ما سبقَتْ حكايته عن الإِصطخري، وإن وُجِدَ الموت أو القُدُوم أو الضرب بَعْد مضيِّ شهر من وقت التعليق، تَبيَّن وقوع الطلاق قبْله بشَهْر، وبحسب العدَّة من يومئذٍ، ولو ماتت وبينها وبيْن القدوم دون شَهْر، لا يرث الزوج منْها، وعن أبي حنيفة أنه يقع الطَّلاق في صورة القدوم، والضرب في الحال، وسَلَّم في صورة الموت الوقوع قبله بشَهْر، ولو خالَعَها قبل قدوم فلان أو موته، فإن كان بين الخُلْع وبين قدوم فلان أو موته أكْثَرُ من شهْر وقَع الخُلْع صحيحاً، ولم يقع الطلاق المعلَّق، وإن كَان بينهما دُون شَهْر، والطلاق المعلَّق ثلاثٌ، فالخُلْع فاسِدٌ، والمال مردود، ولو علَّق عتق عبده كذلك، ثم باعه، وبَيْن البَيْع وموت فلانٍ أو قُدومه أكثر من شَهْر، صحَّ البيع ولم يحصل العتق.
الرابعة: إذا قال: أنت طالقٌ غداً أمْسِ، أو أمْسِ غَد، على الإضافة وقع الطلاق في اليوم لأنه عند أمس وأمس غد ولو قال: أمسِ وغداً أو غداً أمس، لا على الإِضافة، طُلِّقَتْ إذا طلع الفجْر من الغد، ويلغو ذكر الأمس، هكذا أطلقه في "التهذيب" ونقل الإِمام مثْلَه فيما لو قال: أنتِ طالقٌ أمس غداً، وأبدى فيه توقُّفاً؛ لأن قوله أنتِ طالقٌ أمسِ، كقوله أنتِ طالقٌ الشهر الماضي، ولو أطلق هذا اللفظ لتنجز الطَّلاق في الحال، فذِكْر الغَد معه لا يغيِّر هذا المعنى، ولا يقتضي تأخير الطَّلاق، ولو قال: أنتِ طالقٌ اليوم غداً وقَعَتْ في الحال طلقةٌ، ولا يقع الغد أخرى؛ لأنها إذا طُلِّقت اليوم، كانَت طالقاً غداً أيضاً ويُحْتمل أنه لم يُرد إلا ذلك، فلو قال: أردتُّ اليوم [طلقةً] 1 وغداً طلقةً، طُلِّقَت كذلك، إذا لم تبين 2 بالأولى، وإن قال: أردتُّ إيقاع نصْف طلقة اليوم، ونصف طلقة غداً، فكذلك تطلق طلقتين، وإن قال: أردتُّ أن تقع نصْف طلقة اليوم، ونصْفها الآخر غداً، ففي وجه تُطلَّق طلقتين أَيْضاً والأشْبَه أن لا تقع إلا واحدةً لأن النِّصْف الَّذي أخره قدْ تعجل، وهذا ما أورده في "التتمة" وحكى فيما لو قال: أنتِ طالقٌ غداً اليوم، وجهان:

أحدهما: أنَّه لا يقع في الحال شَيْءٌ، ويقع طلقة غداً؛ لأن الطلقة تعلَّقت بالغد، وقوله "اليوم" بعد ذلك كتعجيل الطلاق المعلَّق، وقد مر أنه لا تتعجل، وبهذا قال أبو حنيفة والقاضي أبو حامد، وذكر الشيخ أبو عاصم أنه الصحيح.
والثاني: أن الحكم فيه كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليَوْمَ وغداً وهو المذكور في "التهذيب"، ولو قال: أنتِ طالقٌ اليوم وغداً وبعد غدٍ، تقع في الحال طلقةٌ، والمطلَّقة في وقْت مطلَّقةٌ فيما بعْده، فلا يقع شيْء آخر، كذلك حكاه صاحب "التتمة" ويقربُ من الصورة ما إذا قال: أنتِ طالقٌ اليوم، وإذا جاء الغد، قال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: يراجَعُ إن قال: عنيْتُ طلقةً، تقع اليوم وتبقى مطلقة بعد هذا، لم يقع إلا واحدة، وإن قال: أردتُّ طلقةً اليوم، وطلقة غداً، أوقعناه 1 كذلك وإن كانت مدخولاً بها، وإن لم يكُنْ له نيَّة لا يقضي بالتعدُّد، كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم وغداً، ولو قال: اليوم، ورأس الشهر، فهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم وغداً، ولو قال: اليوم، ورأس الشهر، فهو كما لو قال: اليوم وغداً.
وقال المتولِّي: ولو قال: أنتِ طالقٌ اليومَ، وفي الغدِ وفيما بعْد الغد، يقع في كل يَوْمٍ طلقةٌ؛ لأن الاختلاف في الظرف يوجب التعدد من المظروف وبمثله حَكَم فيما إذا قَل: في الليل وفي النهار، وليس التوجيه بواضح، ويجوز أن يختلف الظرف، ويتَّحد المظروف، ولو قال أنتِ طالقٌ بالليل والنهار، لم تطلَّق إلا واحدة، ولو قال: أنتِ طالقٌ اليوم أو غداً؛ فوجهان عن رواية الشيخ أبي عاصم: أصحُّهما: أنَّها تُطلَّق غداً؛ لأنَّه اليقين، وهذا ما ذكرناه من قبْلُ مستشهدين بالمسألة.
والثاني: يقع في الحال؛ تغليباً للإِيقاع ويوافق الوجه الأول ما ذكَره الشيخ البوشنجي أنه لو قال: أنتِ طالقٌ غداً أو بعْد غد أو إذا جاء الغَدُ أو بعد غد، لا يُقْضَى بوقوع الطلاق في الغد، قال: وعليه استقر رأْيُ أبي بكر الشاشي وابن عقيل ببغداد -رحمهما الله-.
ولو قال: أنتِ طالقٌ اليوم إذا جاء الغد، فعَنِ ابْنِ سريج وصاحب "التقريب": أنَّه لا يقع الطلاق أصْلاً؛ لأنه علَّقه بمجيْء الغد، فلا تُطلَّق قبْله، وإذا جاء الغد مَضَى اليوم الذي جعَلَه محلاًّ للإِيقاع.
والثاني: أنَّه إذا جاء الغد، وقع الطَّلاق مستنداً إلى اليوم، ويكون كما لو قال: إذا قِدَم زيْد، فأنتِ طالقٌ [اليوم] قبل ما إذا جاء الغَدُ مستحيل فيلغو ما ينشأ منْه الاستحالة.
وأمَّا لَفْظ الكتاب، فقوله: "ولو قال: أنْتِ طالقٌ أمْسِ لم يستند إلى الأمس" المراد منْه ما إذا قَصَد إيقاع الطلاق بالأمس.

وقوله: "ولو قال طلقتك الآن طلاقاً" ينعكس حُكْمُه إلى الماضِي المراد منْه إذا قَصَد الإِيقاع في الحال على أن ينعطف، وينعكس على ما مَضَى، وذلك بين في "الوسيط".
وقوله: "وقيل يلغو لأنَّه وصَفَه بمحال" أراد به ما حكي عن الربيع -رحمه الله- الخِلاَفُ حاصلٌ في الصورَتَيْنِ جميعاً إلا أن الإِمام وصاحب الكِتَاب -رحمهما الله- نقَلاَ كلام الرَّبيع فيما إذا أوقع في الحال على أن يَعْطِف على ما مَضَى، والذي تطابقت علَيْه كتب الأكثرين، منْهم ابن الصَّبَّاغ، وصاحِب "التهذيب" نقل كلامه فيما إذا لم يَقْصد الإيقاع في الحال، وإنما قصده في الماضي على ما سَبَق، وقوله آخراً ولو قال "أنتِ طَالقٌ في الشهر الماضي إلى آخره" كان الأحْسَنُ أن يذكره مع مسألة الأمس المذكورة أوَّلاً؛ لأن الحُكْم فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ أمس، وأنتِ طالقٌ في الشهر الماضي واحدٌ، وقوله: "أردتُّ طلقةً رجعيَّةً" حالةً من أحوال المسألة، والأَوْلَى أن يذكر الأحوال مجموعةً، ويجوز إعلام قوله: "قُبل في التعليق بالصعود" والإحياء إنه أيضاً، يقع الطلاق" بالواو؛ لأن في "المهذَّب" وغيره نقل طريقةً قاطعةً بأنه لا يقع الطلاق في التَّعْليق بالصعود، وقوله "تبيَّن وقوع الطلاق قبله بشهر" معلم بالحاء؛ لِمَا حكيناه في صورة القُدُوم.
وقوله: "لم يُقْبَل إلا ببَيِّنة يعني بينةً تقوم على نكاح سابق في طَلاَق فيه، ثم لا يكفي القَبُول بذلك البينة، بل يحلف إذا ادَّعَتْ أنَّه أراد الإِنشاء لا ذلك الطلاق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً فِي كُلِّ سَنَةٍ طَلْقَةً طُلِّقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً فِي الحَالِ وَالثَّانِيَةَ أَوَّلَ المُحَرَّم إِنْ أَرَادَ السِّنِينَ العَرَبِيَّةَ وَإِلاَّ فَإِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَوْ قَالَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ طَلْقَةً طُلِّقَتْ فِي الحَالِ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَالثَانِيَةَ صَبِيحَةَ الغَدِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدتُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ كُلِّ طَلْقَةْ يَوْمٌ فَيُدَيَّنُ، وَهَلْ يُقْبَلُ ظَاهِراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَالَ لامرأته المدخول بها: أنت طالقٌ ثلاثاً في كلِّ سنة، طلقة تعلَّقت الطلقات الثلاثة بالسنين المتَّصلةِ بالتَّعليق، كما يتعلَّق قوله: أجَّرْتُكَ هذه الدار سنةً، بالسنة المتصلة 1 بالعَقْد، وكذا قولُه: واللهِ، لا أُكَلِّمك سنةً، وإذا تعلَّق بها، وقَع في الحال طلقة، ثم إنْ أراد السِّنين العربية، وقَعَت أخْرى عنْد استقبال المُحَرَّم، وأخرى أوَّلَ المُحَرَّم الذي يليه، وإن أراد أن يَكُون بين كل طلقتين سنَةٌ فيقع الثانية عند انقضاء سنَةٍ كاملةٍ من وقْت التعليق، والثالثة عنْد إنقضاء سنة أخرى، وهذا في الحالتين مفروضٌ فيما إذا امتدت العدَّة أو راجَعَها فلو بانت وجدَّد النكاح، ومدَّةُ اليمين باقيةٌ، ففي وقوع

الطَّلاق قَوْلاَ عَوْدِ الحَنِثِ، فإن قُلْنا: يعود، وكان التجديد في خلال السنة، يقَعُ الطَّلاَق، في الحال وإن كان الوقوع في أول السنة لولا البينونة، ولا نقول: إذا مضى أول السنة، فقَدْ فات وقْتُ الوقوع؛ لأنَّ جميع السنة وقت، وإنما وقَع الطلاق في أوَّلها عنْد الإِمكان؛ اتباعاً للرسم، فإذا تعذَّر الوقوع في الأوَّل، تام ما بعْده مَقَامه، وشبه ذلك بأنا توجب الصلاة بأول الوقت، ونوجبها على المَعْذُور إذا زال عُذْره في أثناء الوقت؛ إقامةً لآخر الوقت مُقَام أوَّلِه، فإن أطلق اللفظ فيُنَزَّل على السنين العربية، أو على الاحتمال الثاني فيه وجهان: أشبههما: الثاني وهو الموافق للفظ الكتاب، وإلاَّ فوجهان إن لم يرد شيئاً أصلاً.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً في ثلاثة أيام، أو في كل يوم طلقة، نُظِرَ، إن قاله بالنَّهار، وقعت في الحال طلقةٌ، وبطلوع الفجر في اليوم الثاني أخرى، [وبطلوعه في الثالث أخرى] فلو قال: أردتُّ أن يكون بين كل تطليقتين يومٌ، فَيُدَيَّن، وهل يُقْبَل ظاهراً؟ فيه وجهان: أحدهما: نَعَم، كالسنّة.
والثاني: لا؛ لأنَّ اليوم عبارةٌ عن، هذا الزمان المَحْصُور، لا يدخل بعضه في بعض بخلاف 1 الستة الوجهان ينطبقان على الوجهين في أن من نَذَر اعْتِكَاف يوم هل يجُوز له أن يعتكف ساعاتٍ متفرِّقةً بقَدْر ويوم وقياس ما أجابوا به فيما إذا قال: إذا مَضَى يوم، فأنْتِ طالقٌ أن يقبل، وإن قال: ذلك بالليل، وقعت ثلاث طلقات عند طلوع الفجر في الأيام الثلاثة التالية للتعليق، هذا تمام ما في الكتاب، ويتعلق به كما يتعلق بالأوقات ممَّا يَدْخُل في هذه الترجمة هذه المسائل، لو قال: أنْتِ طالقٌ اليَوْمَ، إن لم أطلِّقْك اليوم، فمضى اليَوْم، ولم يطلِّقْها، فعن ابن سُرَيْج: أنَّه لا يقع الطَّلاق؛ لأنه لم يتحقَّق ما جعَلَه شرطاً للطلاق إلا بمُضِيِّ اليوم، فإذا مَضَى اليوم لم يبق وقت للوقوع، فلا يقع.
وقال الشيخُ أبو حامد -رحمه الله- يَقَع في آخر لحظة من اليَوْم؛ لأنَّ الشَّرْط عدم التطليق 2 في اليوم، والتطليق يقع في اليوم إذا بقي زمان يحتمله، فإذا لم يبق من الزَّمَان ما يتَّسِع للتطليق بعد تحقُّق الشرط، حينئذ فيقع الطلاق 3، والوقوعُ حكْمُ الشرع، فلا يستدعي زماناً يستدعيه، والشرط والجزاء لا يُتَصَوَّر اجتماعهما، ومِثلُ هذا التعليق فَاسِدٌ، كما سيأتي في مسائل الدَّوْر، وفي "فتاوى القَفَّال" -رحمه الله- أنَّه لو

قال: أنتِ طالقٌ في أفْضل الأوقات، طُلِّقَتْ في ليلة القَدْر.
ولو قال: أفضل الأيام، طُلِّقَت يَوْمَ عرفة.
وفي وجه يوم الجمعة عنْد الغروب 1. ولو قال: أنت طالقٌ بيْن الليل والنهار، لا يحكم بوقوع الطلاق ما لم تغْرُب الشمس 2. وأنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ قبْل موتي يقَعُ الطَّلاق في الحال، ولو قال: قُبَل موتي -بضم القاف أو قُبَيل موتي، لا يقع إلا في آخر جُزْء من حياته، ولو قال: بَعْد قبل موتي يقع في الحال؛ لأنَّه بعد قبل الموت، ويُحْتَمَل ألاَّ يَقَع؛ لأن جميع عمره قبْل الموت.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ قبل أن أضربك أو تدخلي الدَّار أو ما لا يتحقَّق وجوده.
قال إسماعيل البوشنجي، هذا يحتمل وَجْهَيْن: أحدهما: أنه يقع الطَّلاَق في الحال، كما لو قال: قَبْل موتي أو مَوْت فلان، وأصحُّهما: أنَّه لا يقَعُ حتَّى يوجد ذلك الفِعْل، فحينئذٍ يَقَع مستندًا إلى أوَّل اللَّفْظ؛ وهذا لأن قولنا هذا قبْل هذا، يستدعي وجودهما، وربَّما لا يكون لذلك الفعْل وجودٌ، ولو قال: أنْتِ طالقٌ تطليقاً قبْلها يوم الأضحى، فيراجع إن أراد الأضحى الذي بين يديه فلا تُطَلَّق حتَّى يجيْء ذلك اليوم، وينقرض ليكون قبل التطليقة، وإن أراد الذي مضى، فيقع الطلاق في الحال، كما لو قَال: يَوْم السبت أنْتِ طالقٌ تطليقةً قبلها يوم الجمعة 3، ولو قال: أنتِ طالقٌ قبْل مَوْت فُلاَن، وفلان بشَهْر، فإن مات أحدهما قبْل الشهر لم يقَعِ الطلاق، وإنْ مات أحدُهُمَا بعْد مُضِيِّ شَهْر فوجهان: أحدهما: أنَّه يقع الطَّلاق قبْل موته بشهْر، وإذا أُوْقِع قبل موته بشَهْر، كان واقعاً قبل موت آخرهما موتاً بأكثر من شَهْر وفي أكثر من شهْر فيكون واقعاً قبْل موتهما بشهر.
الثاني: لا يقع الطلاق أصْلاً؛ لأن الصفة المذكورة لا تَتحقَّق،؛ لأنَّه إذا وقع الطلاق قبل موت الأول بشهر، يكُون قبْل موت الآخر بأكثر من شهْر، فحينئذٍ فلا يقال في مطرد العرف إنَّه قَبْله بشَهْر، إنَّما يُطْلَقُ ذلك إذا انحصر السَّبْق في مقدار شهْر، بلا زيادةٍ ولا نُقْصَانٍ، وهذا الثاني خرجه البوشنجي -رحمه الله-، ونظير المسألة ما إذا

قال: أنتِ طالقٌ قبْل عيدي الفطْر، والأضحى بشَهْر، فعلى الوجْه الأول: تُطلَّق أول رمضان، وعلى الثاني: لا تُطلَّق 1، وفي فتاوى القاضي الحُسَيْن -رحمه الله-: أنه لو قال: أنتِ طالقٌ قبل ما بعده رمضان، وأراد المشهور، طُلِّقت في آخر جزء من اليَوْم من رَجَب، وإن أراد اليوم بليلته، ففي آخر جُزْء من أجزاء اليوم التاسع والعشرين من شعبان، وإن أراد، مجرَّد اليوم فقبيل فجر يوم الثلاثين من شعبان، وإن قال: بعْد ما قبله رمضان، وأراد الشهور، يقع عند استهلال ذي الحجة، وأن أراد الأيام، ففي اليوم الثاني من شوَّال، وحكى أبو العباس الرُّويانيُّ -رحمه الله- وجهَيْن، فيما لو قال أنتِ طالقٌ كلَّ يوم: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنَّها تُطلَّق كلَّ يوم طلقة، حتى يكمل الثلاث.
والثاني: لا تطلَّق إلا واحدة، والمعنى: أنْتِ طالقٌ أبداً 2، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ يوماً ويوماً لا, ولم ينوِ شيئاً، وقعت واحدة، وقال: إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: المفهوم من مُطْلَق اللفظ، وقوعُ ثلاث طلقات، يقع آخرها في اليوم الخامس، فإن قال: عنيت طلقةً يثبُتُ حكمها في يوْم دون يوم، أو تقع في يوم دون يوم، قُبلَ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ إلى شَهْر، ففي "التتمة" وغيره أنَّه يقع الطلاق بعْد مضيِّ شهر، ويتأبد إلا أن يريد تنجيز الطلاق، وتأقيته، فيقع في الحال ويتأبد، واحْتُجَّ [له] 3 بما رُوِيَ عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنَّه سئل عن رجُلٍ قال لامرأته أنتِ طالقٌ إلى سنة، فقال: هي امرأته [سنة]، وبأن هذه اللفظة، كما تحتمل تأجيل الواقع, تحتمل تأجيل الإِيقاع؛ ألا ترى أن القائل يقول إني مسافرٌ إلى شهرين 4، يريد بعْد شهر، وإذا ثَبَت الاحتمالان، وجَب الأخذ باليقين وذكر البوشنجي وجهاً آخر احتمالاً: أنَّه يقع 5 في الحال؛ لأنَّه نجز، وأقَّت كما لو قال إن 6 بعتُك بكذا إلى شَهْر، وذكر أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ غداً، أو عبدي حرٌّ بعد غد، يؤمر بالتعيين، وإذا عيَّن الطَّلاق أو العتق تعيَّن في اليوم الذي ذكَره فيه، وأنه لو قال: طالقٌ أمس، وقد تزوَّجها اليوم، كان الحكم كما لو تزوَّجها قبْل الأمس؛ لأن الطلاق لا ينعطف على الماضِي، فلا فَرْق بين أن تكون منكوحَتَه في الماضي أو لا تكون، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ تطليقةً لا تقع عليْك إلاَّ

غداً، أوقعت طلقة بعد مَجِيء الغد [كما لو قال أنتِ طالقٌ الساعة إذا دخلت الدار كان كما لو قال: أنتِ طالقٌ تطليقةً تقع عليك غداً، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ الساعة، إذا دخلْتِ الدار، كما كان لو قال: أنتِ طالقٌ اليومَ، إذا جاء الغَدُ، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم وإن جاء رأس الشهْر، يقع الطلاق في الحال، كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم]، وإن دخلْتِ الدار.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّعْلِيقِ بالتَّطْلِيقِ وَنَفْيهِ):

فَإِذَا قَالَ: إنْ طَلَّقْتُكِ أَوْ إِذَا أَوْ مَهْمَا أَوْ مَتَى مَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإذَا طَلَّقَهَا طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَطَلْقَةً قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لأَنَّ المُعَلِّقَ يُصَادِفُ حَالَ البَيْنُونَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَالَعَهَا وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَنَّ الجَزَاءَ يَتَأَخَّرُ عنِ الشَّرْطِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لِلمُضَادَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ترجمة الفَصْل التعليق بالتطليق ونفَيْهِ، لكن المسائل الواقعة فيه تنقسم إلى ما يختص بهذا التعليق إلى ما يَشْمَل سائر التعليقات، فلا يختص به على ما نبينه، وأول ما نفتح به الفَصْل بيانُ أدوات التعليق؛ لأنَّه ذكَر عدداً منها في أوَّله، قال الأصحاب: الألفاظ التي يتعلَّق بها الطلاق بالشروط والصفات "من"، "وإن" "وإذا" "ومتى" "ومتى ما" "ومهما" "وكلما" "وأي" 1 مثْلَ أن يقول: من دخلَتِ الدار من نسائي، فهي طالقٌ أو يقول: إن دخلْتِ الدَّار أو 2 "إذا" دخلت أو "متى" أو متى ما أو مهما أو كلما أو "أيَّ" وقت أو زمانٍ، دخلْت الدَّارَ، فأنتِ طالقٌ ثم إن كان التعليق بإثبات فعل، لم يقتضِ شيْء منها الفَوْر، ولم يُشْترط وقوع المعلق عليه في المجلس، إلا إذا كان التعليق بتَحْصيل مالٍ، بأن يقول: إن ضمنت لي ألفاً أو 3 إذا أعطيتني ألفاً، فإنَّه يُشْتَرط الفور في الإِعطاء والضمان في بعض الصيغ المذكورة على ما تقرَّر في "الخُلْع"، وإلاَّ إذا علَّق الطلاق بمشيئتها، فيعتبر الفَوْر في المشيئة على ما سَبَق وسيعود، ولا يقتضي شيْء، من هذه الصيغ تعديد الطَّلاق بتكَرُّر الفعل، بل إذا وُجِد الفعل المعلَّق عليه مرَّةً تنحل اليمين، ولا يؤثر وجوده، مرة ثانية وثالثة إلا كلمة "كلما"؛ فإنها تقتضي التكرار بالوضع والاستعمال، وحكى أبو عبد الله الحناطي وجهاً غريباً أن "متى" ومتى ما

مما تقتضيان التكرار مثْل "كلما"، ووجهاً آخر أن متى ما تقتضيه دون "متى"، إذا عُرِف ذلك، فلو قال "إنْ طلقتُكِ" أو إذا أو متى ما طلقتك، فأنتِ طالقٌ، ثم طلقها، نُظِرَ؛ إن كانت مدخولاً بها، وقَعَت طلقتان إحداهما المنجزة، والأخرى المعلَّقة بالتطليق، ولا فرق بين أن تُطلَّق بالتصريح، أو بالكناية مع النية، ولو طَلَّقها طلقتين وقَعَت طلقتان بالتنجيز وثالثة بالتعليق، فلو قال: لم أْرِد التعليق، وإنما أردتُّ أني إذا طلقتها تكُون مطلَّقة لتلك الطلقة، لم يُقْبَل في الظاهر، ويدين، ولو وَكَّل وكيلاً، فَطلَّقها، وقَع المنجَّز دون المعلَّق؛ لأنَّه علَّق بتطليقه، وينتظم أن يقال: إنه ما طلَّقها وإنما طلقها وكيله، وإن لم يكن مدخولاً بها، وقع ما نجَّزه، وحصَلَت البينونة، فلا يقع شيْء آخر، وتنحل اليمين بما نجز حتى لو نكحها، بعْد ذلك، وطلَّقها لا يجيء الخلاف في عود الحنث، ولو خَلَعها، وهي مدخولٌ بها أو غير مدخول بها، فكذلك لا يقع الطلاق المعلَّق لحصول البينونة بالخُلْع، ثم إن جعلْنا الخُلْع طلاقاً انحلت اليمين، وإن جعلْناه فسخاً، لم تنحل، وقوله في الكتاب وليس ذلك لأن الجزاء يتأخر عن الشرط، ولكن ذلك للمضادَّة أراد به أن من الأصْحَاب مَنْ ذهب إلى أن الطَّلْقة المعلَّقة إنما لم تقع؛ لأن المعلَّقة تتأخَّر عن المنجَّزة، وتترتب عليها, ولا تقع في غير المدخول بها طلقة بعْد طلقة، واحتجوا للترتيب بأن "الفاء" للترتيب والتعقيب، وبالفاء يوصل الطلاق بالشرط، فيقال: إن دخَلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، وبأن الجزاء يتأخر عن الشرط؛ ألا ترى أن قوْل القائل: إن جئتني، أكرمتُك، وأنه لو قال في مرض موتة: إن عتقت غانماً، فسالمٌ حرٌّ، ثم أعتق غانماً، والثلث لا يفي إلا بأحدهما، فيعتق غانم، ولا يُقْرَع بينهما, ولولا تقدُّم الشرط، لأُقْرع بينهما، كما لو قال: أعتقتكما، والَّذي ارتضاه الإِمام -رحمه الله- ونسب إلى المحقِّقين أن المعلَّق بالصفة يقع مع وجود الصفة، فإن الشرط علَّة وضعية، والطلاق معلولها فيتقاربان في الوجود، كالعلة الحقيقة مع معلولها، وإنما التقدُّم والتأخُّر فيها، وأجابوا عن حرف الفاء بأن قول 1 القائل: أنتِ طالقٌ، إن دخلْتِ الدارَ, كقوله إن دخلتِ الدارَ، فأنتِ طالقٌ، ولا فاء، وعن الاستشهاد بقوله: إنْ جئتَنِي, أكرمتك، بأن الإِكرام، فعْل منشأ ولا يتصور إنشاؤه إلاَّ متأخراً عن المجيْء، فيلزم الترتيب ضرورةً وقوعُ الطلاق حكْمٌ شرعي لا يفتقر إلى زمان محْسُوس، فسبيله سبيل العلة مع المعلول، وعن مسألة غانم وسالم بأن عِتْق سالم مشروعٌ بعتق غانم، فلو أقرعنا أمْكَن أن تخرج القرعة على سَالِم فيمكن إعتاقه بدون الشرط، وعتْق غانم ليس بمشروط قال هؤلاء: وإنما لم تقع الطلقة الثانية؛ لأن قوله: إن طلقتُكِ، فأنتِ طالقٌ، معناه إذا صرْتِ مطلَّقة، وكما صارت 2 مطلَّقة، صارت بائناً، والبينونة تنافي وتُضَادُّ وقوع طلقة أخرى،

سواء فيه ابتداؤها ودوامها, وليس كما لو قال: أنتِ طالقٌ طلقتين، فإن البينونة هناك معلولُ الطلقتين، وليست إحداهما مميّزة عن الأخرى، والمنجز هنا يَنْفَصل عن المعلَّق؛ ولذلك قلنا: لو قال: أنتِ طالقٌ طلقةٌ معها طلقة لم تُطلَّق إلا واحدةً على أحَد الوجهين؛ لأنه حصَل وقوع انفصال، وهذا مجازاة على المذْهَب المشهور، وهو أنَّه لا يقع إلا طلقة واحدة، وفي "المجرَّد" للحناطي -رحمه الله- وجْه غريب أنَّه يقع في غيْر المدخول بها، وفي الخلع طلقتان أيضاً، فيجوز أن يعلم؛ لذلك قولُه "وطلقة [قبل] 1 الدخول" بالواو، وكذا قولُه "وكذلك إذا خالَعَها" ويمكن أن يعلم قولُه: "وليس ذلك، لأن الجزاء يتأخر عن الشرط" لِمَا ذكرنا أن بعضهم علَّل به.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ علَّقَ طَلاقَهَا علَى صِفَةٍ وَوُجِدَتْ فَهُوَ تَطْلِيقٌ وَمُجَرَّدُ الصِّفَةِ لَيْسَ إِيقَاعاً وَهُوَ وُقُوعٌ، وَمُجَرَّدُ التَّعْلِيقِ لَيْسَ بِإِيقَاعٍ وَلاَ وُقُوعٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أن تنجيز الطلاق تطليقٌ يقع به الطلقة المعلَّقة بالتطليق، إذا كانت المرأة مدخولاً بها، فكذلك تعليق الطلاق مَعَ وجود الصفَة تطليقٌ، حتى لو قال: إن طلقتك، فأنت طالقٌ، ثم قال: بعْد ذلك: إن دخْلتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، ودخلَتْ، فتطلَّق طلقة بالدخول، وطلق بوجود المعلق، وهو التعليق بالدخول مع الدخول، وكما أن التعليق بالصفة مع الصِّفة تطليقٌ، فهو مع الصفة إيقاع للطلاق أيضاً حتى لو قال: إن أوقعْتُ عليك الطلاق، فأنتِ طالقٌ، ثم إن قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، ودخلَتْ، تقع طلقتان، وفي تعليق الشيخ أبي حامد -رحمه الله- أنه لا يقع إلاَّ طلقة، ولا تقع الطلقة المعلقة بالإِيقاع، وهذا الوجه قد حكاه صاحب "التهذيب"، "والمهذَّب" وادَّعى الذاهب إليه أن لفظ الإِيقاع يقَع على طلاق يباشره، بخلاف لفْظ التطليق، والصحيحُ أنَّه لا فَرْق، ومجرَّد الصفة المعلَّق بها ليْسَت بتطليق ولا بإيقاع للطلاق، لكنه وقوع، فلو كان قد قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، ثم قال: إن طلقتُكَ، فأنتِ طالقٌ، أو إذا أوقعْتُ عليك الطلاق، فأنتِ طالقٌ، ثم دخلَتِ الدار، لا يقع الطلاق المعلَّق بالتطليق، أو الإِيقاع، وإنَّما تقع طلقة واحدة بالدخول، ولو كان قد قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالَقٌ، ثم قال: إن وقَع عليْك طلاقي، فأنت طالقٌ، ثم دخلَتِ الدار، تقع طلقتان، إحداهما للدخول، والأخرى لحُصُول الوقوع، كما لو نجَّز الطلاق أو تأَخَّر التعليق بدخول الدار عن التعليق بوُقوع الطَّلاق، ويكون بتطليق الوكيل كتطليقه؛ لأن الواقع طلاقُه، وإن باشره الوكيل هذا هو الصحيح، وفي "المهذب" ذكْر وجه آخر: أنَّه لا يقع بطلاق الوكيل الطَّلْقة المعلَّقة بالصفة، كما لو كان التعليق

بالتطليق، وأما مجرد التعليق، فليس بتطليق ولا إيقاع ولا وقوع حتى لو قال: إن طلقتُكِ وأوقعْتُ عليْكِ الطلاق، أو وقع عليْك طلاقي، فأنتِ طالقٌ، ثم قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، لم يقَعْ بهذا التعليق شيْءٌ] ولو قال: كُلَّما وقَع عليْك طلاقي، فأنت طالقٌ ثم طلَّقها، يقع عليها ثلاثُ طلقات؛ لأن "كلما" تقتضي التكرار، فتقع ثانية بوقوع الأولى، وثالثة بوقوع الثانية.
ولو قال: كُلَّما طلقتُك، فأنتِ طالقٌ، ثم طلقها، تقع الطلقة المنجزة، وتقع طلقة أخرى؛ لحصول التعليق، وحكى القاضي ابن كج عن القاضي أبي حامِدٍ -رحمه الله- وغيره: أنَّه تقع طلقة ثالثة؛ لأن الثانية الواقعة بوجُود التطليق هو الموقع لها بالتعليق السابق، فكأنه طلَّق مرَّة أخرى، وجعل الحناطي هذا قولاً، ونسَبَه إلى كتاب البويطيِّ، والأصح الاقتصار على طلقتين، ومن أوقع ثلاثاً، يلزمه أن يَجْعَلُ مُجرَّد الصفة بعْد التعليق تطليقاً وإيقاعاً، وإذا قلْنا بالأصح، فلا تنحل اليمين؛ لاقتضاء اللفظِ التكرارَ.
قال في "التهذيب": ولكن لا يظهر له فائدة هاهنا؛ لأنه إذا طلقها مرةً أخرى، كان بالطلقة المنجزَّة مستوفياً للثلاث، ولا تعود اليمين بعد استيفاء الثلاث على المَذْهب، ولو قال: كلما طلقتك فأنتِ طالقٌ، ثم قال: إذا أوقعت عليكِ طلاقِي، فأنتِ طالقٌ، ثم طلقها، طُلِّقت ثلاثاً؛ واحدة منها منجَّزة، واثنتان بالتعليق.
فرُوعٌ: قال: لامرأته: إن أعتقت عبْدي، فأنتِ طالقٌ، ثم قال للعبد: إن دخلْت الدار، فأنتَ حرٌّ، فدخل، عتق، وطُلِّقت المرأة؛ لأن تعليق العتْق بالدخول مع الدخول إعتاق، كما أنه تطليق، ولو قدَّم تعليق العتْق، فقال له: إن دخلْتَ الدار، فأنْتَ حرٌّ، ثم قال لامرأته: إن أعتقْت عبْدي، فأنتِ طالقٌ، ثم دخل العبد الدار، عَتَق، ولم تُطلَّق المرأة؛ لأن الَّذي وُجِد بعْد تعليق طلاقها مجرَّد صفة الدخول، وأنه ليس لإعتاق، كما أنه ليس بتطليق، ولو قدَّم تعليق العتق لكن كان صيغة تعليق الطلاق إذا عتق عبدي أو وَقَع العتق على عبْدي، فأنتِ طالقٌ، ثم دخل عتق، وطُلِّقَت، لحصول العِتْق بعْد تعليق الطَّلاق.
ولو كانَت تحته امرأتان حفْصة وعمرة، فقال لحفصة: إن طَلَّقتُ عمرة، فأنتِ طالقٌ، ثم قال لعمرة: إن دخلتِ الدَّار، فأنت طالقٌ، ودخلَت، طُلِّقت عمرة بالدخول، وحفصة؛ لأن طلاقها معلَّق بتطليق عُمرة، فقد وُجدَ تطليق عمرة بتعليق طلاقها بالدخول مع الدخول.
ولو قال أولاً لعمرة: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ، ثم قال لحفصة إن طَلَّقْتُ عمرة، فأنتِ طالِقٌ، ثم دخلَت عمرة الدار، طُلِّقت هي، ولم تُطلَّق حفصة؛ لأنه لم يوجَدْ بعْد تعليق طلاق حفصة إلا مجرَّدُ الدخول، ومجردُ الصفة ليس بتطليق.
ولو كان صيغة تعليق حفصة؛ مَتَى وقَع طلاقِي على عمْرَةَ، فأنتِ طالقٌ، وعلَّق

طلاق عمرة بدخول الدار قبْل تعليق حفصة أو بعده، ودخلَت عمرة بعْده الدار، طُلِّقَت كلُّ واحدة منهما؛ لوقوع طلاقه على عمرة على التقديرين.
ولو قال لحفصة: إن طَلَّقت عمْرة، فأنتِ طالقٌ، ثم قال لعمرة: إن طَلَّقْت حفْصة، فأنتِ طالقٌ، ثم طَلَّق حفْصة، طُلِّقت حفْصة طَلْقَةً منجَّزة، وتطلَّق عمْرة طلْقةً لأنَّه علَّق طلاقها بتطليق حفْصة، وإذا وقَع الطلاق على عمْرة، طُلِّقت حفْصة طلقةً أُخرى؛ لأن تعليق طلاق عمْرة بطلاق حفْصة يتأخَّر عن تعليق طلاق حفصة، فيكون تعليق طلاق عمرة بطلاق حفْصة وتطليقها مُطَلِّقاً عمرة؛ لما مرَّ أن الصفة مع 1 التعليق تطليق، وحينئذٍ فيكون حانثاً في تعليق طلاقِ حفْصة، فيقع عليها طلْقة أخرى سوى المنجَّزة.
وقال ابن الحدَّاد في "المولدات": لا تقع على حفْصة أيضاً إلا طلقة، وغلَّطَهُ الشارحون فيه، والعجب أنَّه أبْدَى العَذَق من نفسه في جَواب هذِه الصورة، وعرض بالبناء عليها، وهو كما أبْدَى وقوفه إلاَّ أن العُجْبَ أخَذَ برِجْلِه، فزل.
ولو أنَّه طلَّق عمرة بدَلاً عن حفصة، والتعليقات كما صورنا، طُلِّقت عمرة طلْقة منجَّزة، وطلقت حفصة؛ لأنَّ طلاقها معلَّق بتطليق عمْرة، وقد طَلَّقها ولا يعود من وقوع الطلاق عليها طلقة أخرى على عمرة لأن تعليق طَلاَق حفْصة سابقٌ، ولم تُطلَّق حفْصَة بعد تعليق طلاق عمرة منجزًا ولا أحدث تعليق طلاقها، وإنما الَّذي أحْدَث مجرَّد الصفة التي علَّق عليها طلاق حفْصة، ومجرَّد الصفة ليس بتطليق على ما تقدَّم، ولو كان تعليقُ الطَّلاقَيْن بصيغة "إذا" أو "متى" أو "مهما" فكذلك الجواب، وكذا لو كان بصيغة "كلَّما" وإن كانَتْ تقتضي التَّكرار؛ لأن التَّطْليق لم يتكرر كما تقرَّر ولو قال لحفصة: إن وقَع طلاقي على عمرة، فأنتِ طالقٌ، وقال لعمرة: إن وقَع طلاقي على حفْصِة، فأنتِ طالقٌ، ثم طلَّق واحدة منهما، طُلِّقت هي طلقةً منجَّزةً، ويقع على صاحبتها طلقة بحكم الصفة، ثم يَعُود إلى المنجَّز طلاقها طلقة أخرى؛ لحصول صفة الوقوع على صاحبتها، ولو علَّق هكذا بصيغة "كلما" ثم طلَّق واحدة منْهما، طُلِّقت كل واحدة منهما ثلاثاً، ولو قال لحفصة: إذا طلقتك، فعمرة طالقٌ، ثم قال لعمرة: إذا طلقتك، فحفصة طالقٌ، فقد علَّق في هذه الصورة بطلاق المخاطبة طلاق صاحبتها، وفي الصورة السابقة علَّق طلاق المخاطبة بطلاق صاحبتها، والحكم أنَّه إن طَلَّق بعْد ذلك حفْصة طُلِّقَت بالتنجيز طلْقَةً، وطُلِّقت عمْرة بالصفة، وهو طلاقُ حَفْصة، ولم تعُدْ طلقة أخرى إلى حفصة؛ لأن طلاقها معلَّق بتطليق عمرة، ولم تُطلَّق عمرة بعْدما علَّق طلاق حفصة تنجيزاً ولا أحدث تعليقاً، وإنما الذي وُجِدَ الصفةُ الَّتي علَّق بها طلاقَ عمرة، ولو طلَّق عمرة أولاً،

طُلِّقت، وهي طلقة منجزة، وطلقت حفصة بالصفة، وعاد إلى عمرة طلقة أخرى؛ لأنَّه علَّق طلاق حفْصة، بعْد تعليق طلاقها، ووجدت الصفة، وذلك تطليق لحفصة.
ولو قال، وله أربع نسوة: كلَّما طلَّقْتُ واحدةً مِنْكن، والأخريات طوالقُ، فإذا طلق واحدة منْهن، طُلِّقت هي بالتنجيز، والأخريات بحصول الصفة، فإن طَلَّق ثانية، وقَعَت على كل واحدة طلقة أخرى، فإن طلَّق ثالثة؛ ثَمَّ على كل واحدة ثلاث، ولو قال: كلَّما طلقتُ واحدةً منكن، فأنتن طوالقُ، ثم طلق واحدة، تُطلَّق هي طلقتين؛ لأن طلاقها معلَّق بتطليقها، وتُطلَّق كل واحدة من الأخريات طلقة، فإن طلق ثانية، ثَمَّ عليها وعلى الأولى ثلاثُ طلقات، والثالثة والرابعة طلقتا طلقتين طلقتين، فإن طلق الثالثة ثم على الكل ثلاثٌ.
ولو قال: وله ثلاث نسوة، ونكحهن على الترتيب: إن طَلَّقتُ الأولى، فالثانية طالقٌ، وإن طلقتُ الثانية، فالثالثة طالقٌ، وإن طلقت الثالثة، فالأولى طالقٌ، فإن طلق الأولى، طُلِّقت هي بالتنجيز، والثانية بالصفة، ولم تُطلَّق الثالثة؛ لأن طلاقها معلَّق بتطليق الثانية، ولم تُطلَّق بعْد تعليق طلاقها الثانية تنجيزاً، ولا أحدث لها تعليقاً، وإن طَلَّق الثانية، طُلِّقت بالتنجيز، والثالثة بالصفة، ولم تُطلَّق الأولى لِمِثْل ما ذَكَرْنا، وإن طلَّق الثالثة، طُلِّقت بالتنجيز، والأولى بالصفة، وطلقت الثانية أيضاً؛ لأنه بعْد تعليق طلاق الثانية، على طلاق الأولى بطلاق الثالثة، وطلاق الثالثة، والتعليق مع الصفة تطليقٌ، فيكون مطلقاً للأولى، ولو طَلَّق واحدةً منْهن بعينها، ومات قبْل البيان، فإن كان الطلاق قاطعاً للميراث، إما, لأنه طلق ثلاثاً أو لكونه، قبل الدخول، فليس للثانية المخاصمةُ في الميراث؛ لأنها مطلَّقة على كلِّ تقدير على ما تبين، وللأولى والثانية المخاصمةُ؛ [في الميراث] 1؛ لأن احتمال عدم الطلاق قائم في حقِّ كل واحدة، فيتوقَّف الأمر إلى الاصطلاح؛ وهذه الفروع عسرة التصوير، لما فيها من التعقيد، وإذا تَمَّ تصورها, لم يكن فيها إشكال من جهة المعنى، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ وَلَهُ أَرْبَع نِسْوَةٍ: إِذَا طَلَّقْتُ وَاحِدَةً فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ وَإِنْ طَلَّقْتُ اثْنَتَيْنِ فَعَبْدَانِ وإنْ طَلَّقْتُ ثَلاَثاً فَثَلاثَةُ أَعْبُدٍ وَإِنْ طَلَّقْتُ أَرْبَعاً فَأَرْبَعَةُ أَعْبُدٍ ثُمَّ طَلَّقَ الأَرْبَعَ عَتَقَ عَشَرَةُ أَعْبُدٍ لأَنَّهُ حَنِثَ فِي الأَيْمَانِ الأَرْبَعَةِ، وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا بَدَّلَ إِنْ عَتَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَبْداً لأَنَّ فِي الأَرْبَعَةِ أَرْبَعَةَ آحَادٍ وَاثْنَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلاثَةً مَرَّةً وَأَرْبَعَةً مَرَّةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من له أربعُ نسْوة وعبيد، فقال: إن طلقْتُ واحدةً من نسائي، فعبد

من عبيدي حُرٌّ، وإن طلقت اثنتين، فعبدان حرَّان، وإن طلقتُ ثلاثة، فثلاثة أحرار، وإن طلقت أربعة، فأربعةُ أعبد أحرارٌ، ثم طلَّقهن معاً، أو على الترتيب، عَتَق عشَرةُ أعبدٍ، لأنه طلَّق واحدةً، واثنتين، وثلاثاً، وأربعاً، وهذه الأعداد إذا جمعت بلغت عَشَرة، وكذلك الحُكْم لو علَّق بـ"إذا" أو "متى" أو "مهما" أو "ما" لا يقتضي التكرار، أما إذا علَّق هذه التعليقات بكلمة "كلما" ثم طلقهن معاً أو على الترتيب، فظاهر المذهب، وهو المذكور في الكتاب: أنَّه يعتق خمسة عشر عبداً؛ لأن "كلما" تقتضي التكرار، وإذا طلَّق واحدة، حَصَلَت [صفة وهي تطليق واحدةٍ طلاق واحدة فيعتق عبد، وإذا طلَّق أخرى، حصلتْ صفتان طلاق واحدة مرة أخرى، وطلاق ثلاث، فيعتق أربعة أعبد، فإذا طلَّق الرابعة، حصَلَت ثلاث صفات، طلاق واحدة مرةً أخرى، وطلاق اثنتين غيْر الأوليين، وطلاق أربع 1 فيعتق سبْعة، والمجموع خمسة عشر، ووراء هذه وجُوهٌ: أحدها: عن ابن القطَّان: أنه يعتق عشرة، والثاني: أنه يعتق سبعة عشر عبداً؛ لأن في طَلاَق الثالثة وراء الصفتين المذكورتين صفةً أخرى، وهي طلاق اثنتين بعْد الأولى فيعتق عبدان آخران.
والثالث: يعتق عشرون عبداً؛ سبعة عشر؛ لِمَا ذكرنا، وثلاثة؛ لأن في طلاق الرابعة صفةً أخرى وراء الصفات الثلاث، وهو طلاق ثلاثٍ بعْد الأولى، قال في "الشامل" وبهذا قال أصحاب أبي حنيفة، وهذه الوجوه ضعيفة باتفاق الأئمة، أمَّا الأول، فلأنه إسقاطٌ لمقتضي "كلما"، وأما الآخران فلأن الثانية معدودة مع التي قَبْلها في يمين الاثنين، والثالثة معدودة على اللتين قبلها 2 في يمين الثلاث، فلا يعدان مع مَنْ بعدهما من اليمينين، فإن ما عد في عدد مرَّة، لا يُعَدُّ فيه مرة أخرى، واستشهد على ذلك بأنَّه لو قال كلَّما أكلْت نصْفُ رمَّانة، فعبد من عبيدي حُرٌّ، ثم أكل رمانةً، يعتق عبدان؛ لأن أكْلَ نصفي رمانة، لا يقال: يعتق ثلاثة أعبد؛ لأن الربع الثاني مع الثالث نصْف رمانة؛ لأن الربع الثاني عُدَّ مرة مع الأول، فلا يُعد مرة أخرى، وبأنه لو قال: كلما دخلْتُ الدار، فأنتِ طالقٌ، فدخلت [الدار] 3 مرة، وطُلِّقت، ثم دخلت مرة أخرى، تُطلَّق طلقة ثانية، ولا يقال: تُطلَّق طلقتين؛ طلقة بهذه الدخلة، وأخرى بالدخلة الأولى؛ لأن الأولى قد حسبت مرة، فلا تُحْسَب مرَّة أخرى، والشيخ أبو حامد، والإِمام، وجماعة نَفَوْا وجه العشرين، وألزموا مَنْ قال بسبعة عشر أن يقول يعتق العشرين، ترتيباً لما صاروا إلَيْه، ووجه إعتاق سبعة عشر أَوْلَى بالنفي؛ لأن مَنْ لم يقل به، لم يَقْل، ومَنْ قال به يلزمه إلاَّ يقتصر علَيْه، ويقول بالعشرين، وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيِّب وجْه

آخر أنَّه يعتق ثلاثة عَشَر عَبْداً، وأخذ بتطليق واحدة، وثلاثة بتطليق الثانية، وأربعة، بتطليق الثالثة، وخمسة بتطليق الرابعة، لم يكرّر هذا القائل بالرابعة يمين التبيين، واعلم أن العبيد المحكُوم بعتقهم في المسألة مبهمون والرجوع في التعيين إليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ عَدَمَ الطَّلاَقِ لِمَوْتِ أَحَدِهِمَا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قُبَيْلَ المَوْتِ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ إِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا عَلَى الفَوْرِ، وَقِيلَ فِي لُزُومِ الفَوْر قَوْلاَنِ في الْمَسْأَلَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَكلَّمنا في التعليق بالتطليق والغرض الآن فيما إذا علَّق بنفي التطليق، وفي معناه التعليق بنفي الدُّخُول، والضرب، وسائر الأفعال، فإذا قال: إن لم أطلقْك، فأنتِ طالقٌ لم يقع الطلاق، وإنما يقع إذا حصَل اليأس عن الطلاق، ولو قال: إذا لم أطلِّقك، فأنْتِ طالقٌ فإذا مضى زمان يمكنه أن يطلِّق فيه، فلم يطلِّق، طُلِّقت، هذا هو المنصوص في اللفظين، وللأصحاب -رحمهم الله- فيه طريقان: أحدهما: التسوية بين اللفظين؛ لاستعمال كل واحد منهما لمعنى الآخر، والتصرف في النصين بالنقل والتخريج: إحداهما: أنَّه لا يقع الطَّلاق فيهما بمُضِيِّ زمان يمكن فيه التطليقُ من غَيْر تطليق، وإنما يقع عنْد اليأس، كما أن في طرف الإِثبات، لا يختص التعليق بالزمان الأول، وبهذا قال، أبو حنيفة، وأحمد -رحمهما الله-.
والثاني: يقع: إذا مَضَى زمان يمكن فيه التطليق من غير تطليق؛ لأنَّه أول وقت تحقق فيه عَدَم التطليق، والطلاق يقع بأول حُصُول الصفة.
وأصحُّهما: الأخذ بالمنصوص في الطرفين، والفرق أن حَرْف "إن" يدل على أن مجرد الاشتراط لا إشعار له بالزمان، "وإذا" ظرف زمان نازل منزلة "متى" في الدلالة على الأوقات؛ ألا ترى أن القائل إذا قال لك: متى ألقاك استقام لك أن تقول في الجواب: إذا شِئْت، وقَع موقع قولك "مَتَى شِئْت"، ولا يستقيم أن تَقُول، إن شِئْت، وإذا كان كذلك، فقوله: "إن لم أطلقْكِ" معناه: إن فاتني طلاقُكِ، ومدةُ إمكان الطلاق فسيحة، فينتظر الفوات، ومدة ذلك إذا مَضَى زمان يسع التطليق، فلم تطلق، فإذا مَضَى زمانٌ هذا حالُهُ، وجب أن يقع الطَّلاق.
ولو قال: متى لم أطلقك، أو "مهما" أو "أيّ" حِينِ أو وقْتٍ أو كُلَّمَا لم أفعل أو تفعلي كذا، فإذا مَضَى زمان يتسع ذلك الفعل، فلم يَحْصُل، وقَع الطَّلاق، كما في "إذا" على الصحيح، وأشار الحناطي إلى طَرْد الخلاف فيها، وعبَّر الأئمة عن الغرض جواباً على الصحيح، بأن أدوات التعليق كلَّها تقتضي الفور في طرف النفي إلا حَرْف "إن"

فإنها للتراخي، ولك أن تقول: مقصود اللفظ معلومٌ، لكن في إطلاق لفظَي الفور والتراخي هاهنا نَوْعُ توسُّع؛ لأنهما إنما يستعملان في الأفْعَال الَّتي لها أوقات متوسعة، والنظر في التعليقات إلى حُصُول الصفة الَّتي ارتبط بها الطَّلاق، ويستوي في ذلك طرف النفي والإِثبات، وكلمة "إن" حرف شرط يتعلَّق بمعلق الفعل من غير دلالة على الزمان، ففي طرف الإِثبات إذا حَصَل الفعل في أي وقت كان، وقَع الطلاق، وفي طرف النفي يعسر انتفاؤه، والانتفاء المطلَقُ بالانتفاء في الأزمان؛ ألا ترى أنَّه لو حلف أن يكلمه، بَرَّ، إذا كَلَّمَهُ مرةً في عمره، ولو حلَف ألاَّ يكَلِّمه، فإنما يبر إذا امتنع عنه في جميع العمر، أمَّا "إذا"، "ومتى"، "وأي"، "وحين" وما يدل على الزمان، فحاصلها أنه يقول في طرف الإِثبات: أيَّ وقت فعَلْتُ كذا، فأنتِ طالقٌ، فأي وقت فعل، يقع الطلاق، سواءٌ فيه الزمان الأول، وغيره، ويقول في طرف النفي؛ أيِّ وقْت لم أفْعَل كذا، فأنتِ طالقٌ، إذا مضى زمان لم يفْعَلْه، حصلت الصفة، فتعلق 1 بها الطلاق، فلا فرق إذن بين طرفي النفي والإِثبات، إلاَّ في كيفيَّة حصول الصفة.
ولو علَّق النفي بكلمة "إن" وقيده بزمان فقال: إن لم أطلقْكِ اليوم، فأنتِ طالقٌ، فإذا مضى اليوم، ولم يُطلِّق نحكم تفريعاً على الصحيح بوقوع الطلاق قبيل غروب الشمس؛ لحصول اليأس حينئذٍ، ولو قال: إن تركْتُ طلاقك، فأنتِ طالقٌ، فإذا مضى زمانٌ يمكنه أن يُطلِّق، فلم يُطلِّق، طُلِّقَتْ بخلاف طرف النفي، وإن طَلَّقها في الحال واحدةً، ثم سكت لا تقع أخرى؛ لأنَّه لم يترك طلاقها، قال في "التهذيب" ويمثله لو قال: إن سكت عن طلاقك، فأنتِ طالقٌ، فلم يطلقها في الحال طُلِّقت لحصول الصفة، وإن طَلَّقها في الحال، ثم سكت طُلِّقت أخرى بالسكوت، ولا تُطلَّق بعْد ذلك لانحلال اليمين 2. ولو قال: كُلَّما سكت عن طلاقك أو كلما لم أطلقْكِ، فأنت طالقٌ، ومضى ثلاثة

أوقات تسع ثلاث طلقات بلا تطليق، وقعَتْ عليها ثلاثُ طلقات، وهذه الصورُ في المدخول بها، أما غير المدخول بها، فإذا قال لها: كلَّما لم أطلقْكِ، فأنت طالقٌ، ومضَت لحظة، لم يُطلِّقها فيها فَتْطلَّق وتَبِين، ولاَ تُطلَّق الثانية والثالثة، فلو جدَّد نكاحها، وقضينا بعود اليمين، فإذا مضت لحظة، طُلِّقت طلقة أخرى، ولو قال للمدخول بها عقيب هذا التعليق بـ"كلما" طلقتُكِ على ألْفٍ، فقبلت بانت منْه، ولم تُطلَّق الثانية والثالثة، فإن جدَّد نكاحها، عاد قولا عوْد اليمين، ذَكَره في "التهذيب".
قَالَ الغَزَالِيُّ: يَحْصُلُ اليَأْسُ بِجُنُونٍ مُتَّصِلٍ بِالمَوْتِ وَلَكِنَّ تَوَهُّمَ الإِفَاقَةِ يَمْنَعُ الطَّلاَقَ فَإِذَا مَاتَ مَجْنُوناً تَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قُبَيْلَ الجُنُونِ، وَلَوِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ تَجْدِيدِ نِكَاحٍ وَطَلاَقٍ تَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ قَبْلَ الانْفِسَاخِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا فَيُؤَدِّي تَقَدُّمُهُ عَلَى الانْفِسَاخِ إِلَى الدُّورِ، وَإنْ جَدَّدَ النِّكَاحَ بَعْدَ الفَسْخِ وَطَلَّقَهَا فَقَدْ حَصَلَ البرُ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا وَجَوَّزْنَا عَوْدَ الحِنْثِ طُلِّقَتْ في النِّكَاحِ الثَّانِي قَبْلَ المَوْتِ، وَإِنْ لَمْ نَرَ عَوْدَ الحِنْثِ وَجَبَ إِسْنَادُ الطَّلاَقِ إِلَى مَا قَبْلَ الفَسْخِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفْتَ الخلاف في أنه إذا علَّق الطَّلاق بنفي فعْل إما بـ"إِنْ" بـ"إذا" يقع الطلاق بأول زمان يمضي خالياً عن ذلك الفعل، وإنما يقع بفواته واليأس عنْه والغرض التفريع على ذلك الخلاف، فإذا قال: إذا لم أطلقْكِ أو إن لم أطلقْكِ فأنتِ طالقٌ، قلنا: يقع الطلاق إذا مضى زمانٌ, يتسع للتطليق من غَيْر تطليق، فلو أنَّه أكره على الامتناع من التطليق، أو أمسك رجُلٌ على فيه، قال الحناطي -رحمه الله-: يخرج على الخلاف في حنث الناسي والمكره، وإن قلْنا بالصحيح، وفرَّقنا بين "إن" "وإذا"، فلو قال المعلق: أردتُّ بـ"إذا ما يراد بـ"إِنْ"، فيدين، وفي القبول ظاهراً وجهان عن صاحب التقريب" -رحمه الله-، والأشْبَه القَبُول، فقد يقام كل واحد منهما مقام الآخر، وحيث قلْنا: لا يقع الطلاق حتَّى يتحقَّق الفوات واليأس عن التطليق، فلذلك طرق إذا وقَفْتَ عليها عرفْتَ أن قوله في الكتاب "فإنما تبين عدم الطلاق لموت أحدهما" ليْس للحَصْر؛ لأن الموت أظهر الأسباب، وهو واقع لا محالة، فبادر إلى ذكْره؛ لأنه أغلب الطريق الأول، إذا مات أحد الزوجين وَلم يطلِّقها تبين فوات التطليق، فيُحْكَم بوقوع الطلاق قبيل الموت.
قال الإِمام: ولم يَصِرْ أحدٌ من الأصحاب إلى أنه إذا تبيَّن اليأس، يسند الطلاق إلى وقْت اللفظ، وهو محتمل كما إذا 1 مضت عليه سنون، وهو مستطيع للحج،

وقلنا: إنَّه يموت عاصياً، ففي الأصحاب من يبسط المعصية على أول وقْت الاستطاعة، ومنهم من يخصها بالسنة الأخيرة.
قال صاحب الكتاب في "البسيط" إنما لم يصيروا إلَيْه؛ لأن قوله: "إن لم أفعل كذا، فأنت طالقٌ، يحتمل أن يراد به إيقاع [الطلاق في الحال إن لم يتحقق الفعل في العمر، وقد يراد به الإِيقاع إذا حصل إخلاء العُمر عنه، والأصل أن لا طلاق، فأخذ باليقين.
الطريق الثاني: إذا جُنَّ الزوج، لم يوجب ذلك بأساً؛ لأنَّ الإفاقة والتطليق بعده يمكن، فإذا اتصل بالموت تبينا حصول اليأس من وقت الجنون، فتَطلَّق قبيل الجنون، قال في "البسيط" وفي الإسناد إلى ما قَبل الجنون إشكالٌ، [و] 1 كان يجوز أن يقال: يقع قبيل الموت أيضاً، ولا يستند الطلاق إذا لم تحْصُل الإِفاقة المتوقعة إلى ما قَبْل زمان التوقف، كما لم يستند إذا لم يَحْصُل التطليق المتوقع إلى أوَّل زمان التوقف.
الثالثة: إذا فسخ النكاح بسبب، أو انفسخ بردة وغيرها، فلا يَحْصُل اليأس؛ لأنَّ من الجائز أن يجدد نكاحها، وينشئ فيه طلاقاً، وحينئذٍ فلا يكون لمعلق به، وهو فوات التطليق حاصلاً، ولا يختص ما به البِرُّ والحنث بحال النكاح؛ ولذلك نقول: تنحلُّ اليمين بوجود الصفة في حال البينونة، فإذا ماتا أو أحدهما, ولم يوجد تجديدٌ وتطليق، فقد تحقق الفوات، ولا يمكن القوْلُ بوقوع الطلاق هاهنا قبيل الموت فيتعين الإِسناد إلى ما قبل الانفساخ 2 كما أسندنا إلى ما قبل الجُنُون كذلك، ذكره الإِمام على تلوم وتردُّد فيه، وتابعه المصنِّف وغيره على ما ذكَره.
قالوا: وإنما يتأتى، فرْض ذلك في الطَّلاق الرجعيِّ؛ ليمكن اجتماعه مع حصول الانفساخ، فأما إذا كان الطلاق بائناً؛ لكونه قبْل الدخول أو الطلاق الثالث، فلا يمكن إيقاعه قبل الانفساخ لما فيه من الدَّورْ؛ فإنه لو وقع لَمَا حَصَل الانفساخ، ولو لم يَحْصُل الانفساخ، لم يَحْصُل الْيَأْس، وإذا لم يحصل اليأس، لم يقع الطلاق، فيلزم من وقوعه عَدَم وقوعه، وهذا من قبيل الدَّوْر الحكمي، ولو جدَّد نكاحها بعْد الانفساخ، فإن طلقها في النكاح الثاني، لم يَفْتِ التطليق، بل وقع الطلاق، وإن لم يطلقْها حتَّى مات أحدهما في النكاح المجدَّد، فيبنى على قولي عود الحنث، إن قلْنا بعود الحنث، طُلِّقَت في النكاح الثاني قبيل الموت، وبنينا على النكاح، وإن قُلْنا لا يعود الحنث، فلا يمكن إيقاع الطلاق قُبَيْل الموت، كما لو كان الموت في حالة البينونة، فيُسْتند إلى ما قبل

الانفساخ، كما سبق، واعلم أن هذه الطرق الثلاثة فيما إذا كان التعليق بنفي التطليق أما إذا علَّق بنفي الضَّرْب وسائر الأفعال، فالجنون لا يوجب اليأس، وإن اتصل به الموت.
قال في "الوسيط"؛ لأن ضَرْب المجنون في تحقيق الصفة ونفيها كضرب العاقل على الصحيح، ولو أبانها، ودامت البينونة إلى المَوْت، ولم يتفق الضربُ، فلا يقع الطلاق، ولا يُحْكَم بالوقوع قبل البينونة بخلاف ما في قوله: "إن لم أطلقك"؛ لأن الضرب بعد البينونة ممْكِنٌ، والطلاق بعد البينونة، غيْر ممكن [و] 1 إذا كان التعليق بنفي الضرب ونحوه من الأفعال، فعُروض الطلاق كعروض الفسخ والانفساخ، لكن ينبغي أن ينفي من الطلاق عدَدٌ يمكن فرْضُه مستنداً إلى ما قبل الطلاق، فأما في التعليق بنفي التطليق، فإنما تفرض البينونة بالانفساخ؛ لأنَّه لو طلقها بطَلَت الصفة المعلَّق عليها، ويمكن أن تفرض في طلاق الوكيل، فإنَّ ذلك لا يفوت الصفة.
وقوله في الكتاب "قبل تجديد نكاح وطلاق" أي في النكاح المجدَّد.
وقوله: "فإن لم يكن الطلاق رجعيًّا فيؤدي تقدمه على الانفساخ إلى الدور" أي فلا يقع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ قَالَ: إِنْ لَمْ أُطَلِّقُكِ أَوْ إِنْ طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهَذَا للِتَّعْلِيلِ فَيَقَعُ فِي الحَالِ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ اللُّغَةَ فَهُوَ تَعْلِيقٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الذي هو حرف شرط "إن" بِكَسْر الهمزة، فإن فتحها فهو للتعليل لا للتعليق، وقول القائل "إنْ كَانَ كَذَا" أي لأَنْ كَانَ وحذف اللام، وقال تعالى جَدُّه: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: 14] فإن قال: أنتِ طالقٌ، أن لم أطلقْكِ، وقع في الحال؛ لأنَّه أوقعه وعلَّله بأنه لم يطلِّقْها، وإذا أوقع الطلاقَ، وقع، ولا يُنْظَر إلى ما علَّل به، ثمَّ الذي أورده صاحب الكتاب والإِمام وصاحب "التهذيب" وحكي عن الشيخ أبي حامد أن هذا في حقِّ من يعرف اللغة، ويَفْصل بيْن "أن" "وإنَّ"، فأمَّا إذا لم يميِّز بينهما، فالظاهر أنَّه يقْصِد التعليق، فتكون للتعليق، وقال القاضي أبو الطيِّب؛ يُحْكَم بوقوع الطلاق في الحَال، إلا أن يكونَ الرَّجُل ممَّن لا يعرف اللغَة، ولا يميز فقال: قصدتُّ التعليق، فيصدَّق، وهذا أشبه، إلى ترجيحه ذهب ابن الصبَّاغ وهو المذكور في "التتمة" 2، وعلى هذا القياس طرف الاِثبات، فإذا قال: أنتِ طالقٌ، أن دخلْتِ الدار،

أو أن دخلْتِ الدَّارَ، فأنتِ طالقٌ، يقع الطلاق في الحال، وإن لم تدْخل، ولو قال: أنتِ طالقٌ أنْ طلَّقْتك، يُحْكَم بوقوع طلقتين؛ واحدةٍ بإقراره، وواحدةٍ بإيقاعه في الحال؛ وذلك لأن المعنى؛ أنْتِ طالقٌ؛ لأني طلقتك، ولو قال: أنتِ طالقٌ، إذ دخلْتِ الدار، فيقع الطلاق في الحال، فإن معناها: لدخولك الدار، بخلاف صيغة "إذا" فإن لم يميز الرجُل بَيْن "إذْ" و"إذا" فيُمْكِن أن يكون الحُكْم كما لو لم يميز بيْن "إن" و"أن" والله أعلم.
فروع: لو قال لامرأته: أنتِ طالقٌ طالقاً، فعن الشيخ أبي عاصم أنه لا يقع في الحال شيْء، لكن إذا طلقها تقع عليها طلقتان، فيكون التقدير: إذا صرْتِ مطلَّقة، فأنتِ طالقٌ، وليكن هذا في المَدْخُول بها, ولو قال أنتِ طالقٌ دخلْتِ الدار طالقاً، فإن طلَّقها قبل الدخول، فدخلت طالقاً، وقعت الطلقة المعلَّقة إذا لم تحْصل البينونة بذلك الطلاق، وإن دخلَتْ غيْر طالقٌ، لم تقع تلْك الطلقة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ فطالق إن دخلَت الدار طالقاً، فإذا التعليق طلقتين بدخولها الدار طالقاً، فإن دخلت طالقاً، وقعت الطلقتان.
ولو قال: أنتِ، إن دخلت الدار، طالقاً (1)، واقتصر عليه، قال في "التهذيب" إن قال نَصَبْتُ على الحَال، ولم أتم الكلام، قُبِلَ، ولم يقع شيْءٌ، وإن أراد ما يراد عنْد الرفع ولَحَنَ، وقع الطلاق إذا دخلَتِ الدار.
وذكر إسماعيل البوشنجي؛ أنه لو قال: أنتِ طالقٌ حين؛ لا أطلقك، أو حيث لا أطلقُكِ، ولم يطلقها عقيبه، وقع الطلاق في الحال على قياس قولنا، وكذا لو قال: حين لم أطلقْك أو حيث لم أطلقْك، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ، ما لم أطلقْك، وأنه لو قال: أنتِ طالقٌ إن لم أضربْك، وإن لم أضربْك، فأنتِ طالقٌ، وقال: عنَيْتُ به وقتاً معيناً، سواءٌ عيَّن الساعة أو وقتاً آخر قريبًا أو بعيداً، وهكذا يكون الحكم في التعليق يبقى الطلاق وسائر الأفعال.

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في التَّعْلِيقِ بِالحَمْلِ وَالوِلاَدَةِ):

وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الأُولَى): إِذَا قَالَ: إِنْ كُنْتِ حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ فِي الحَالِ للِشَّكِّ لَكِنْ إِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ تَبَيَّنَ وُقُوعُ الطَّلاَقِ، وَإِنْ كَانَ لأَكْثَرَ من أَرْبَعِ سِنِينَ فلاَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فقَوْلاَنِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ الوَطْءَ لاَ يَحْرُمُ في الحَالِ كَمَسْأَلَةِ الغُرَابِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَحْرُمُ إِلَى أَنْ يَسْتَبرِئَهَا بِقُرْءٍ عَلَى وَجْهٍ، وَبِثَلاثَةِ أَقْرَاءٍ عَلَى وَجْهٍ، وَبِالأَشْهُرِ في حَقِّ الصِّبِيَّةِ1

المُرَاهِقَةِ، وَفِي حَقِّ الآيِسَةِ هَلْ يُكتَفَى بِالإِيَاسِ دَلاَلَةً فِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته: إن كنتِ حاملاً، فأنتِ طالقٌ، نُظِرَ؛ إن كان الحَمْل ظاهراً، بها، وقع الطلاق في الحَال، وإلا، وهو المقصود من لفظ الكتاب، يُحْكَم بوقوع الطَّلاق في الحال مع الشَّك والتردُّد، ثم يُنْظر إن أتَتْ بولد لأقَلِّ من ستة أشْهُر من وقْت التعليق، تبين وقوع الطلاق، وكونها حاملاً حينئذٍ، وإن أتتْ به لأكثر من أربع سنين، تحقَّقْنا أنَّها ما كانتْ حاملاً، وأن الطلاق لم يقع وإن أتت به لستة أشهر، فأكثر ولأربع سنين فما دونها، نُظِرَ؛ إن كان الزوج يطأها، وكان بين الوطء والوضع ستة أشهر فأكثر، لا يقع الطلاق؛ لأن الأصْل بقاءُ النكاح واحتمال حدوثه من الوطء ظاهراً، وهو الأظهر، وإن لم يطأها بعد التعليق، أو كان بين الوطء والوضع دون ستة أشهر، فقولان أو وجهان: أحدهما: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأن أصْل بقاء النكاح والاحتمال غيْر منقطع.
وأظهرهما: الوقوع؛ لتيقن الحمل في الظاهر؛ ولذلك حكَمْنا بثبوت النَّسَب.
وإذا لم يكن الحمل ظاهراً عند التعليق، فينبغي أن يفرَّق بيْن الزوجين إلى أن يستبرئها, وليمتنع الزوج عن وطْئها، وهل التفريق واجبٌ والاستمتاع حرامٌ أم لا فيه وجهان: أحدهما: نعم، تغليباً للتحريم في محَلِّ التردد، وهذا ما يوجد للشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيِّب وجماعة.
وأظهرهما لا, ولكنهما مستحبان؛ لأن الحَمْل عارض، والأصل عدمه، وأيضاً فإن الأصل بقاء النكاح، والمحرم مشكوك فيه، فأشبه ما إذا قال: إنْ كان هذا الطائرُ غراباً، فامرأتي طالقٌ، ولم يعلم الحال، ويحكى هذا عن نصِّه في "الإِملاء"، وجْه أجاب الحناطي، وحكاه القاضي ابن كج عن أبي إسحاق وغيره، وبم يكون الاستبراء؟ فيه وجْهان: أظهرهما: بقرء واحد؛ لأن المقصود قيام ما يدل على البراءة، وفي القرء الواحد دلالةٌ [على] البراءة، وبهذا اكتفى في "الإِملاء".
والثاني: بثلاثة أقراء؛ لأنَّه تربُّصٌ في حق حُرَّة منكوحة، فيكون بالأقراء كالعدة، وعلى هذا فالأقراء الأطهار، وإن قلنْا: إنه بقرء واحد، فالظاهر أنه حيض، وفيه وجه آخر أنَّه طهر؛ تفريعاً على ما يأتي في الاستبراء، ولو جرى هذا التعليق في مراهِقَة لم تَحِضْ بعْدُ، وأمكن أن تكون حاملاً، فيشبه أن يقال: إن قلْنا الاستبراء بثلاثة أقراء، فالاستبراء بثلاثة أشهر في حقِّها، وإن قلنا: بقرء واحد، فاستبراؤها بشهْر واحد، أو

بأشهر فيه خلاف، كما في استبراء الرقيقة؛ والأظهر من الخِلاَف هناك أنها تستبرئ بشَهْر بدلاً عن قُرْء، والذي أورده في "التهذيب" هاهنا حكايته عن القفَّال: أنه ينظر مجيْء ثلاثة أشهر حرَّة كانت أو أمة؛ لأن الحَمْل لا يَظْهَر في أقل من هذه المدة، وفي حق الآيسة، هل يعتبر مضيُّ المدة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما في العدة، وأشبههما أنَّه يكتفى بدلالة سن اليأس؛ لأن المقصود ظهورُ الحَال، وهذا الخلاف قريبٌ من الخلاف فيما إذا استبرأ منكوحةً قبْل التعليق ثمَّ علَّق الطلاق، كما ذكرنا: فيه وجهان: أحدهما: ويحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يكتفى به؛ لأنه استبراء تقدَّم سببه، فلا يغني كما إذا مضَتْ مدة العدة قبْل الطلاق أو الاستبراء قبْل حصول الملك في الرقيقة وأصحُّهما عنْد صاحب "التهذيب" وغيره، وبه قال ابنُ أبِي هريرة: أنَّه يُكْتَفَى به، بخلاف العدة، فإن الطلاق سبَبٌ يوجبها، وانتقال الملك سبب يوجب الاستبراء؛ فلا يعتد بما تقدَّم على وقت الوجوب، وهاهنا الاستبراء ليس بواجب في نفسه، وإنَّما علَّق الطلاق بصفة، والمقصود معرفة أنَّ الصفة حاصلة أو غير حاصلة، ولا يختلف طريق المعرفة بين أن يتقدَّم أو يتأخر، وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيِّب أن أبا إسحاق ذهَب إلى الوجه الثاني، وهو خلاف المشهور عنْه، وإذا جرى الاستبراء، لم يَمْنَع من الوطء بعده، ثم إن ولدَتْ بَعد ما وطئ، واقتضى الحال وقوع الطلاق على مما بيَّناه، أوقَعْنَا الطلاق، و 1 كان ذلك الوطءُ وطءَ شبهة، يجب به المَهْر، ولا يجب الحد.
ولو قال: إن أحبَلْتُك، فأنتِ طالقٌ، وكانت حاملاً في الحال، لم تُطلَّق، بل يقتضي ذلك حمْلاً حادثاً، قاله في "التهذيب"، فإن وضعت أول كانت حائلاً، فلا يمنع من الوطء، فإن وطئها مرةً، مُنِع حتى تحيض.
وقوله في الكتاب "بالأشهر في حق الصبية المراهقة" يمكن أن يجعل معلقاً بما قبله، وهو قوله "وبثلاثة أقراء على وجه" فلا يحتاج إلى إعلامه بالواو، ويمكن أن يجعل مستقلاًّ بنفسه، فيحتاج إلى الإعلام بالواو، للوجه الذاهب إلى أن يستبرئها بشَهْر، ولو لم يذْكر لفظ الصبية، واقتصر عَلى المراهقة كان جائزاً.
فرْعٌ: عن نصه -رضي الله عنه- في "الإِملاء" [أنه لو قال لامرأته: إن كنت حاملاً فأنتِ طالقٌ على مائة دينار وهي حامل في غالب الظن طلقت] إذا أعطته زوجته مائة

دينارٍ، وله عليها مهْرُ المثل، لفساد المسمى ووجه فساد المُسمَّى بأن الحَمْل مجْهولٌ لا يمكن التوصل إلَيْهِ في الحال، فأشبه ما لو جعله عوضاً.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): لَوْ قَالَ: إنْ كُنْتِ حَائِلاً فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ وَلَكِنْ عَلَى العَكْسِ فَحَيْثُ يَقَعُ في الحَمْل لاَ يَقَعُ هَهُنَا، وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى فِي الحِيَالِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الحِيَالُ، وَلَوْ انْقَضَتِ الأَقْرَاءُ وَقَعَ الطَّلاَقُ لِظُهُورِ الحِيَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لاَ يَقَعَ لأَنَّهُ لاَ يُوجِبُ اليَقِينَ وَالصِّفَةُ لاَ بُدَّ مِنَ اسْتِيفَائِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: إن كنت حائلاً، أو قال: إن لم تكوني حائلاً، فأنتِ طالقٌ، نُظِرَ، إن علم أنَّها حائل بأن كانَتْ في سن لا يحتمل الحَمْل، يقع الطلاق في الحال، وإلا فلا نحكم في الحال بالوقوع؛ للتردُّد، ولكن يُنْظَر إن أتتْ بولَدٍ لأَقلَّ من ستة أشهر من وقْت التعليق تبين أنها كانَتْ حاملاً، ولم يقع الطلاق، وإن أتت به لأكثر من أربع سنين، تحقَّقنا أنها كانت حائلاً حيئنذٍ، وأن الطلاق قد وَقَع، وإن أتت به لستة أشهر، فأكثر ولأربع سنين، فما دونها، فإن وطئها الزوج إمَّا بأن استبرأها، وحكَمْنا بوقوع الطلاق، كما سيأتي ثم راجَعَها، ووطئها، أو من غَيْر استبراء، وكان من بين الوطء والوضع ستة أشهر، فأكثر، ففي وقوع الطلاق وجْهان: أظهرهما: الوقوع؛ لأن الظاهر حبالها حينئذٍ وحدوث الولد من هذا الوطء، وإن جرى الاستبراء تأكَّد احتمال الحدوث منه وقَوِيَ.
والثاني: لا يقع؛ لاحتمال وجود الولد عنْد التعليق، والأصل بقاءُ النكاح، وُيرْوَى هذا عن أبي [علي] 1 الطَبَريِّ، وحكاه في "المهذب" عن [ابن] 2 أبي هريرة، والأثبت عنْه الوجه الأوَّل، وكذلك نقَلَه القاضي أبو الطيِّب، وإن لم يطأْها، أو كان بَيْن الوطء والوضْع دون ستة أشْهُر تبيَّن كونها حاملاً وقْت التعليق، فلا يقع الطَّلاق، وفي تحريم الوطء إلى أن يستبرئها وجْهَان عن القَفَّال: أنَّه لا يحرم، ولكن الامتناع مستحبٌّ، وذلك لأن الأصل بقاءُ النِّكاح، والطلاق المحرم مشكوكٌ فيه، وأصحهما التحريم؛ لأن الأصْل والغالب في النساء الحبال، والظاهر وقوع الطلاق، والقول فيما به الاستبراء، وفي أن الاستبراء السابقَ على التعليق، هل يكتفي به على ما مَرَّ في المسألة الأُولَى وفي "المهذَّب" طريقةٌ قاطعة؛ أن الاستبراء هاهنا بثلاثة أقراء، كأن الفَرْق أن أثر الاستبراء هاهنا وقوعُ الطلاق فيُحْتَاط له، وهناك أثره نفْيُ الطلاق، وإذا استبرأها حكَمْنا بوقوع الطلاق؛ بناءً على ظاهر الحال فإن كان الاستبراء بثلاثَة أقراء، فقد انقضت العدةُ،

وإن كان بقرء أتمَّت العدَّة فإن ظَهَر بَعْد الاستبراء حَمْل ووضْع، فعلى ما قدَّمنا، وأبدى الإِمام وشيخه احتمالاً آخر؛ وهو أنَّه لا يقع الطلاق بمضيِّ مدة الاستبراء؛ لأنه لا يفيد إلا الظنَّ والصفات المعلق عليها يعتبر فيها اليقينُ؛ ألا ترى أنه لا يفرق بين أن يقول: إن قدم زيدٌ، فأنت طالقٌ، وبين أن يقول إن استيقنت قدوم زيد، ولو قال: إن استيقنْتُ براءة رحمك، فأنت طالقٌ، لا يُطلَّق بمضيِّ مدة الاستبراء، فكذلك إذا أطلق، وقوله في الكتاب "فحكمه ما سبَقَ" يعني على قياس ما سبَق وقوله: "التحريم أولى" يعني تحريم الوطء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): لَوْ قَالَ: إِنْ كُنْتِ حَامِلاً بِذَكَرٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً بأُنْثَى فَطَلَقْتَيْنِ فَوَلَدَتْ ذَكَراً وَأُنْثَى وَقَعَتْ ثَلاَثاً، وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ حَمْلُكِ كَذَا وَكَذَا لَمْ تُطَلَّقْ لأَنَّهُ يَخُصُّ الجِنْسَ، وإنْ أتَتْ بِذَكَرَيْنِ قِيلَ: طُلِّقَتْ وَاحِدَةً، وَقِيلَ: لا لأَنَّ التَّنْكِيرَ للِتَّوْحِيدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: التعليقُ بكونها حاملاً بحمْلٍ خاصٍّ يشتمل على التعليق بكونها حاملاً، وقد مرَّ في المسألة الأُولَى أنه إذا علَّق الطلاق بالحَمْل متى يحكم بوقوع الطلاق ومتى لا يحكم، وكلُّ ذلك عائدٌ هاهنا، والمقصود الآن النَّظَر في ألفاظ التعليق يحمل خاصٍّ، وما هو موجب تِلْك الألْفَاظ، فإذا قال: إنْ كنتِ حاملاً بذكرٍ أو كان في بطْنِك ذكَرٌ، فأنتِ طالقٌ طلقةً، وإن كنْتِ حاملاً بأنثى، أو كان في بطنك أنثى، فأنتِ طالقٌ طلقتين، فإن ولدَتْ ذكراً تبين وقوعُ الطَّلاَق، وإن ولدَتْ أنثى، تَبَيَّن وقوع طلقتين، وإن ولدَتْ خنثى، لم تُحْكَم إلاَّ بطلقة؛ لأنها المتيقنة، والأخرى موقوفة إلى أن يتبين حال الخنثى، وإن ولدت ذكراً وأنثى تبيَّن وقوع ثلاث طلقات، لحصول الصفتين، وتنقضي العدة في جميع هذه الصور بالولادة ويكون الوقوع عنْد اللفظ، ولو قال: إن كان حَمْلُكِ أو كان ما في بطْنِك ذكَراً، فأنتِ طالقٌ طلقةً إن كان حملك أنثى أو كان ما في بطنك أنثى فأنتِ طالقٌ طلقتين فإن ولدَت ذكراً لا غير أو أنثى لا غَيْر، لم يَخْفَ الحكم، وإن ولدَتْ ذكراً وأنثى، لم يقَعْ شيْء؛ لأن قضية اللفظ كوْن جميع ما في البطن ذكراً أو أنثَى، وجميع ما في البطن ليس بذكره ولا أنثى، ولو ولدَت ذكرين أو أنثيين، فوجهان: أشهرهما: وبه أجاب الحناطي، ويحكى عن القاضي الحُسَيْن: أنه يقع؛ لأن المفهوم من اللفظ ما في البطْن من جنس الذَّكَر والأنثى.
والثاني: وبه قال الشيخ أبو محمد، وميل الإِمام أنه لا يَقعُ، كما لو أنْت بذكَر وأنثى؛ لأن قضية التنكير التوحيدُ، وهذا عند إطلاقَ اللفْظ أمَّا إذا قال: أردتُّ الحَصْر في الجنْس، قُبِلَ وحُكِم بوقوع الطَّلاق لا محالة، ولو ولدَتْ ذكراً وخنثى أو أنثى وخنثى، فعلى الوجْه الثاني؛ لا يقع الطلاق، وعلى الأول؛ إن بَانَ الخنثى المولود مع

الذكر ذكراً، تقع طلقة، وإن بَانَ أنثى، لم يَقْع شيْء، وإن بَانَ الخنثى المولود مع الأنثى ذكَراً، لم يقع شيْء، وإن بَانَ أنثى، وقعت طلقتان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): لَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدَتِّ وَلَداً فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ طُلِّقَتْ بِالأَوَّلِ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي، فَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا وَلَدتِّ وَلَداً لَمْ تُطَلَّقْ بِالثَّانِي في القَوْلِ الجَدِيدِ، لأَنَّهُ طَلاَقٌ قَارَنَ انْقِضَاءَ العِدَّةِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ انْقِضَاءِ العِدَّةِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَلَدْتِّ وَلَداً فَطَلْقَةً وَإِنْ كَانَ ذَكَراً فَطَلْقَتَيْنِ فَوَلَدَتْ غُلاَماً طُلِّقَتْ ثَلاَثاً لِلحِنْثِ في اليَمِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته: إن ولدتِّ أو إذا ولدتِّ، فأنت طالقٌ، وقَع الطلاق، إذا أنْت بولدٍ حيٍّ، أو ميِّتٍ ذكراً أو أنثى، وإنما يقع إذا انفصل الولد بتمامه، قال القاضي ابن كج: ولو أسْقَطَتْ ما بأن فيه خلق الآدميِّ، وتصير الأمة مستولدةً، طُلِّقَتْ، وإن لم يبن فيه خَلْق الآدمي، لم تُطلَّق، وفي المسألة صورتان: إحداهما: إذا قال: إن ولدتِّ ولداً، فأنت طالقٌ، فأنْت بولدين على التعاقب، طُلِّقَتْ بالأول، ثم إن كانا في بَطْنٍ واحدٍ، بأن كان بينهما أقَلُّ من ستة أشهر، فتنقضي عدتها بالثاني، ولا يتكرَّر الطلاق، وإن كانا من بطَنيْن، فانقضاء العدة بالثاني يُبْنَى على لحوقه بالزوج، وهو لاحِقٌ إذا أتَتْ به لأقل من أربع سنين، وتحسب هذه المدَّة مِنْ وقْت الطلاق، أو منْ وقْت انقضاء العدَّة فيه قولان يُذْكران في العدَّة، وإذا ألحق انقضت به العدَّةِ 1. ولو قال: كلَّمَا ولدتِّ ولداً، فأنتِ طالقٌ، فإذا يقتضي التَّكْرَار، فإن أتَتْ بالأولاد من بَطْن واحدٍ، نُظِرَ؛ إن كانوا أربعةً، وانفصلوا على التعاقب، فتطلَّق ثلاثاً بولادة ثلاثة، وتنقضي عدتها بالرابع، ولا إشكال، وإن كانوا ثلاثةً، فتُطلَّق بالأولين طلقتين، وتنقضي عدتها بالثالث، ولا تطلَّق بولادته الطلقة الثالثة، هذا هو النص المشهور ونقل ابن خيران وغيره عن "الإِملاء" قولاً: أنه تقع لولادة الثالث طلقة ثالثة، وتعتد بعْد ذلك بالأقراء، أما النَّصُّ المشهور، فتوجيهه أن المرأة في عدة الطلقتين الأوليين، وقتُ انفصالِ الثالث هو وقْت انقضاءِ العدَّة، وبراءة [الرحم] 2، ولو وقع الطلاق، لوقع في تلْك الحَالَةِ لِمَا ذكَرْنا أن الطلاق المعلَّق بالولادة يقع عنْد الانفصال، ولا يجوز أن يقع

الطلاق في حال انقضاء العدَّة، وحصول البينونة، ولهذا لو قال: أنتِ طالقٌ مع موتي لَمْ يِقع الطلاق إذا مات؛ لأنه وقْتُ انتهاء النكاح، ولو قال: إذا طلقتكِ، فأنتِ طالقٌ، وهي غَيْر مدخول بها, لم تقَعْ طلقة أخرى، لمصادفتها حال البينونة وأمَّا ما نُقِلَ عن "الإِملاء" ففيه طريقان: أحدهما: تسليمه قولاً آخر في المسألة، والقائلون به وجَّهوه بطريقين: أحدهما: أن هذا الطلاق لا يتأخَّر عن العدَّة، وإنَّما يقارن آخرها وإذا كان وقْت الوقوع وانقضاء العدة واحداً، كفى 1 ذلك وحُكِمَ بالوقوع تغليباً للطلاق المبنيَّ على سُرْعَة النفوذ، هكذا وجَّهه أبو يعقُوب الأبيورديُّ -رحمه الله- تعالَى جَدُّهُ وهؤلاء قالوا: -لو قال للرجعية: أنتِ طالقٌ مع انقضاء عدتك، ففي وقوع الطلاق قولان، بخلاف ما لو قال: بعْد انقضاءِ عدَّتك، وربما استشهد بما إذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ طلقةً مَعَها طلقةٌ فإنا 2 نحكُم بوقوع طلقتين على وجْه، بخلاف ما إذا قال: طلقةً بعد طلقةٍ، وعن الخضري وغيره تخريجُ قول فيما إذا قال: "مع" موتي، أنها تطلق في آخر جزء من أجزاء الحياة.
والثاني: عن الخضري والقفَّال؛ بناء القولين على القولَيْن في أن الرجعية إذا طُلِّقَت هل تستأنف العدَّة أم لا؟ إن قلنا: لا، لم تطلَّق [هنا ولم يلزم العدَّة] وإن قلْنا: نعم، فكما وقَعَ الطلاق، ارتفعت العدَّة، ولزمت عدة أخرى هنَاك فكذلك هاهنا؛ وعلى هذا حكى الإِمام عن القفَّال، أنَّه لا يقضي بأن الطلاق يقع وهي في بقية من العدَّة الماضية، ولا بأنَّه يقع في مستفتح العدَّة المستقبلة، ولكن يَقَع على مُنْفَصِل الانقطاع والاستقبال، فهو كما لو قال لامرأته: أنت طالقٌ بين الليل والنهار، يقع لا في جزء من النهار، ولا في جزء من الليل، ثم تكلم عليه فقال: لا معنى للمنفصل 3، وليس بين انقضاء العدة الأولَى، واستفتاح الثانية لو قدرناها زمان، والحكم بوقوع الطلاق لا في زمان محالٌ، وذكَرَ قوله [بين] 4 الليل والنهار" أنَّه، يقع الطلاق في آخر جزْء من النهار؛ لتكون متصفة بالطلاق في منقطع النهار، ومبتدأ الليل، وأما الشَّيْخ أبو عليٍّ، فإنَّه ذكر في "التقريب" [وجه] المسألة المستشهد بها على وجْه آخرَ، فقال: إذا اتَّصَل أول العِدَّة الثانية بآخر العدة الأولى، كان الطَّلاق في العدَّة، وهو كقول القائل: أنتِ طالقٌ بين الليل والنهار، تطلق إذا جاء أول الليل، ولا يقال: وقع لا في الليل ولا في النهار؛ لأنَّ طرف أحدهما متصل بطرف الآخر، وليس بينهما زمان، والله أعلم.

جارٍ التحميل