العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 519-558

والثالث: ذَكَره في "التهذيب" أنَّه يكون ظِهَاراً؛ لأن الأصل بقاء النكاح، هذا إذا نواهما معاً، فإن نوى أحدهما قيل الآخر، فعن ابن الحدَّاد؛ أنَّه إن أراد الظِّهَار ثم أراد الطَّلاَق صحَّا جميعاً، وإن أراد الطَّلاق أولاً فإن كان بائناً، فلا معْنَى للظهار بعْده، وإن كان رجْعياً، وكان الظهار موقوفاً فإن راجعها فهُو صحيح والرجعة، عَوْد، وإلاَّ فهُوَ لَغْوٌ 1. قال الشيخ أبو علي: وهذا فاسدٌ عندي؛ لأن اللفظ الواحد إذا لم يجز أن يراد به التصرفان، فلا يفترق [في] الحكم بين أن يريدهما معاً أو يريد هذا ثم يريد هذا، وأيضاً، فإنه إذا نواهما على التعاقُبِ كانَتْ كل واحدة من النيتين مقارنةً لبعض اللفظ، لا لجميعه، وفي ذلك خلافٌ سيأتي.
قال: وموضع هذا النَّظَر والتفصيل ما إذا قال: أنتِ على حرامٌ كظهر أمي، يجمع بين اللفظين، وهذه الصورة بتفصيلها مذكورةٌ في الكتاب في "باب الظِّهار"، وإن نوى تحْريم عيْنِها أو فرْجِها أو وطْئها، [لم تحْرُمْ] 2 عليه؛ رُوِيَ أن رجُلاً أتى إلى ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- فقال: "إني جَعَلْتُ امْرأتِي عليَّ حَرَاماً" فقال: كذَبْتَ ليست عليْكَ بحرام، ثم تلا قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ﴾ 3 [التحريم: 1] يلزمه كفَّارة يمين؛ لأنه لو خاطَب أمَتَه بذلك، لزمَتْه الكفَّارة، وفيه نَزَلَ قَوْلُه تعالى، لمَّا حرَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- ماريَةَ على نَفْسِه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ﴾ [التحريم: 1] الآية إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وذلك أن النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- أَتَى مَنْزِلَ حَفْصَة -رضِيَ اللهُ عَنْها- وَلَمْ يِجدْهَا وَكَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ إلى بَيْتِ أَبِيْهَا -رَضي الله عَنْه- فَدَعَا أَمَتَه مارِيَة إِلَيْهِ فَأتَتْ حَفْصَة، وَعَرَفَتْ الحال فغضبت، وقالت: يا رسول اللهِ في بَيْتي، وفي يَوْمِي، وَعَلَى فِرَاشِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يَسْتَرضِيْهَا: إِني أُسِرُّ إليكِ سِرًّا فاكتميه، هي عليَّ حَرَامٌ، ووردت الآيات 4.

وقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1] أي قد أوجَبَ عليكم كفَّارة أيمانكم، فعُرفَ بالقصة وجوبُ الكفارة في تحريم الأَمة، وقاس الشافعيُّ -رضي الله عنه- تحْريم الزَّوْجة عليْه بأنه تحريمٌ من حين يحرمانه، ثم الكفَّارة المتعلقة بقَوْله للزوجة: أنْتِ عليَّ حرامٌ مع نيَّة التحريم، متى تلزم عن رواية صاحب " التقْريب" وأبي يعقوب الأبيوردي 1 وغيرهما وجه: أنَّما تلزم إذا أصابها، ويكون هذا اللفظ مع نيَّة التحريم بمثابة الحَلِف على تَرْك الإِصابة.
ولو حلف ألاَّ يصيبها فإنما يلزمه الكفَّارة إذا أصاب، وقد يتبادر إلى الفَهْم من قوله تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ جَعْلُ هذا اللفظ يميناً، وربما احْتُجَّ له بان الشافعيَّ -رحمه الله- قال في "الإِملاء" وإن نَوَى الإِصابة قُلْنا: "أَصبْت" وكَفِّر أشعر ذلك بتعليق الكفَّارة بالإِصابة؛ وعلى هذا الوجه، يصير موليا بقوله أنْتِ عليَّ حرامٌ؛ لوجوب الكفارة لو وطئها، ويكون بمثابة قوله: والله لا أطَؤُك، والصحيح أن الكفارة تلْزَم في الحال؛ لأن الله -تعالى- فَرَض الكفَّارة من غير شرْط الإِصابة، والكفارةُ الواجبَةُ مثْل كفارة اليمين، وليست هي كفَّارة اليمين، وكيف يجعل قولُه: أنْتِ عليَّ حرامٌ يميناً، ومعلومٌ أَن اليمين إِنَّما تنعقد بالله تعالى أو بصفة من صفاته، وقول الشَّافعي: أصب وكفِّرْ، أراد به أن يُبَيِّن أن الإِصابة لا تَحْرُم قبل التكفير، بخلاف الظِّهَار، وإذا قلْنَا بالصحيح فلو قال: أردتُّ بقولي: أنْتِ عليَّ حرامٌ الحَلِفَ على الامتناع من الوطء ففي قبوله وجْهان حكاهما الإِمام -رحمه الله-.
أحدهما: أنه يقبل ويثْبُت القسم؛ لأن موجب القَسَم عنْد الحَنِث يُضَاهي موجب التحريم.
وأَظهرهما: المَنْع؛ لأن اليمين إنما ينعقد بذِكْر اسم معظَّم، والتحريمُ ليس صريحاً فيه ولا كناية، وليس فيه إِلا ذكْر المُقْسَم عليه، وعلى الأَوَّل تردَّدوا في أن = لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ} -إلى قوله- ﴿وَصَالِحْ الْمُؤْمِنِيْنَ﴾ فأمر أن يكفر عن يمينه، ويراجع أمته، ورواه الدارقطني من حديث عمر ولفظه: دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها، ثم ساقه بنحوه، وقال في آخره: فذكرته لعائشة فآلى أن لا يدخل عليهن شهراً، وأصل هذا الحديث رواه النسائي والحاكم وصححه، من حديث أنس قال: كانت للنبي -صلى الله عليه وسلم- أمة يطؤها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.
وروى أبو داود في المراسيل عن قتادة قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيت حفصة، فدخلت فرأت معه فتاته، فقالت: في بيتي ويومي، فقال: اسكتي فوالله لا أقربها وهي عليّ حرام، وبمجموع هذه الطرق يتبين أن للقصة أصلاً، أحسب لا كما زعم القاضي عياض أن هذه القصة لم تأتِ من طريق صحيح، وغفل رحمه الله عن طريق النسائي التي سلفت فكفى بها صحة، والله الموفق.

التحريم هل يصير يميناً بالنيَّة في غير الزوجات والإِماء في المطاعم والملابس، أو يختص ذلك بالأَبضاع 1. وإن أطْلَقَ قوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ ولم ينوِ شيئاً، ففيه قولان منسوبان إِلى "الإِملاء"؛ لأنه ذكَرَ هناك أن فيه كفارة يمينٍ، ثم قال: ولو قال قائل: إِنه لا شيء فيه كان مذْهباً.
وأصح القولَيْن: أنَّه تجب الكفَّارة وقوله: أنتِ عليَّ حرامٌ صريح في التزام الكفَّارة؛ لِمَا رُوِيَ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَرَّمَ مارية على نَفْسِه، فنَزَل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ الله﴾ [التحريم: 1] فأمر رسول الله -كل من حرم على نَفْسِه ما كان حلالاً له أن يُعْتِقَ رقَبَة، أو يطعم عَشَرة مساكين، أو يَكْسُوَهمْ.
والثاني: أنَّه لا شيء عليه، وهذا اللفظ كنايةٌ في الكفَّارة 2؛ لأنه لو إن صريحاً في التزام الكفَّارة، لكان لا يصير كنايةً في الطلاق والظهار؛ لِمَا مرَّ أن اللفظ إذا وَجَد نفاذاً في موضوعه لا ينْصَرف بالنية إلى غيره، والناصرون للقول الأول اعتذروا عن هذا الالتزام من وجهين: أحدهما: ما سبق في أول "كتاب الخُلْع".
والثَّاني: قال الشيخ أبو عليٍّ: الحرام وإن كان صريحاً في التزام الكفَّارة، فليس على طريق القَطْع؛ بل يَحْتَمِل الطَّلاق وغيره؛ لأنه مجْتَهَد فيه.
وذهب أبو بكر الصِّديق -رضي الله عنه- وعائشةُ -رضي الله عنها- إلى أنَّه يمين وكفَّارته كفارة يمين وعمر -رضي الله عنه- إلى أنه صريح في طلقة رجعيَّة، وعثمان -رضي الله عنه- إلى أنَّه ظهار، وعليٌّ -رضي الله عنه- إلى أنَّه صريح في الطلقات الثلاث وبه قال زيد، وأبو هريرة -رضي الله عنهما- وذهب ابن مَسْعُود -رضي الله عنه- إلى أنَّه ليس بيمين، وفيه كفارةُ يمينٍ، كما هو أصحُّ قولي الشَّافعي في الطلاق [و] 3 إنَّما يجعل الصريح في بابه على القَطْع كنايةً عن غيره؛ كالطلاق والظهار الصريحين في بابهما.
واعْلَمْ أن التفصيل الذي سقناه يستمرُّ فيمن قال: أنْت عليَّ حرامٌ في البلاد التي لم يشتهر فيها لفْظ الحرام في الطلاق، وفيمن قاله في البلاد الَّتي اشتهر فيها بالطلاق إذا فرَّعنا على أن الشيوع والاشتهار لا يلحقه بالصرائح، وأما إذا قُلْنا: إنه يصير صريحاً به،

فقضية ما في "التهذيب" أنَّه يتعيَّن الطلاق، ولا يفصل وملخص ما ذكره الإِمام على طُولِه أَنَّ ذلك لا يمنع صرْفه بالنية إلى التحريم الموجب للكفارة، كما أنَّا وإن جعلْناه صريحاً في الكفارة عنْد الإِطلاق، يجوز صرفه بالنية إلى الطلاق وأنَّه إذا أطلق، وفرَّعنا على أنَّه صريح في الكفَّارة، ينبني على أن الصرائح تؤخذ من الشيوع والاستفاضة فحسب، ومنه ومن ورود القرآن والشريعة به فإن قُلْنَا بالأوَّل، فلا يُفْرَض له ازدحام، ويتعين الحَمْل على ما هو أغْلَبُ في الاستعمال، وإن قُلْنا بالثاني، فيثبت الطلاق، لقوته أو يتدافعان ويتعارض؛ فيه رأيان.
ولو قال لأَمَتِه: أنْتِ عليَّ حرامٌ أو حرَّمْتُك، فإنْ نَوَى به العِتْق، فهُو عتْق، وإن نوى به الطَّلاق أو الظهار، فلا مَجَال له في الأَمة، فيلغو قال في "الشامل": وعنْدي أن نية الظِّهَار كَنيَّة التحريم؛ لأن معْنَى نيَّة الظهار أن ينوي أنها كظَهْر أمِّه في التحريم، وهذا نية التحريم بصفة مؤكدة، دمان نوى تحريم عيْنها لم تُحرم، وعليه كفَّارة يمين، كما ذَكْرنا في الزوجة، وإن أطْلَقَ ولم ينْو فطريقان: أصحهما: أنه على القولين المذكورين فيما إذا خاطب به زوجته.
والثاني: القَطْع بوجوب الكفَّارة؛ لأن [تحريم] الأمة هو الأصْل في ورود الآية، ويَحْصُلُ من الطريقين، إذا قيل: خاطب زوجته وأمته، بقوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ، ولم ينوِ شيئاً، ثلاثةُ أقوال أو ثلاثةُ أوجُهٍ، كما في الكتاب: أظهرها: الوجوب.
وثانيها: يلغو.
وثالثها: الفرق بين الزوجة والأَمَة.
ولو قال ذلك لأمته الَّتي هي أخْته، ونوى تحريم عَيْنها، أو لم ينوِ شيئاً، لم تلزمْه الكفارة؛ لأنَّه صَدَق في وصفها، وإنما أوجب الشرع الكفَّارة إذا خالف حُكْمه، ووصف الحلال بالحرمة ولو كانت الأمة معتدَّةَ أو مرتدَّة أو مزوجة أو مجوسيةً، أو كانت الزوجة معتدَّة عن الشبهة، أو محرمة، فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك لأنها محرمة عليه في الحال.
والثاني: تجب الكفارة؛ لأنَّها محَلُّ الاستباحة بخلاف الأخْتِ، وصار كما لو كانَتْ حائضاً أو نُفَساء أو صائمة.
وطرد الحناطيُّ الخلاف في هؤلاء.
والظاهر الأَوَّل، فإنَّها عوارض سريعةُ الزوال، ولو خاطب الرجعية به، لم يلزمْه شيْءٌ.
فرع: قال هذا الثوب، أو العبد، أو الطعام حرام عليّ لم يلزمه شيء، ولو قال: هذا الثوب أو العبد أو الطعام حرام فليس فيه كفارة، وليست الأَمْوال كالأَبضاع؛

لاختصاصها بالحظر والاحتياط ولأن تأثرها بالتحريم أشدُّ؛ ألا ترى أنه يؤثر فيها الظهار، ولا يؤثِّر في الأموال وعند أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: التحريم فيها يمين، وتتعلق به كفارة يمين، وكأنه حَلَف على أنَّه لا ينتفع بماله، فإذا انتفع، لَزِمَتْه الكفارة.
ولو قال: كُلُّ ما أملِكُ حرامٌ عليَّ، وله زوجاتٌ وإماء، ونوى التحريم فيهن، أو أطْلَقَ وجعلناه صريحاً، فيكفيه كفَّارةٌ واحدةٌ أو يجبُ لكلِّ واحدة كفارةٌ، فيه طريقان: أحدهما: -وبه قال أبو إسحاق- أنه على قولَيْن كما لو ظاهر عن نِسْوة بكلمة واحدة.
والثاني: القَطْع بكفارة واحدةٍ، كما لو حَلَف أن لا يكلِّم جماعة، فكلمهم، والأصح الاكتفاء بكفارة واحدة.
وحكى الصّيدلانيُّ وغيره وجْهاً أو قولاً آخر: أنَّه يجب للزوجات كفَّارة، وللإِماء كفَّارة.
وحكى الحناطي وجْهاً ضعيفاً: أنَّه يكفِّر للمال أيضاً، وربما جاء على ضعْفِه فيما إذا وصَف المال وحْدَهُ بالتحريم، ويجري القولان فيما إذا قال لأربع نسوة: أنْتُنَّ عليَّ حرامٌ.
ولو قال: لامرأته: أنْتِ عليَّ حرام، أنتِ عليَّ حرامٌ، ونوى التحريم، أو جعلناه صريحاً، فإن قالها في مجلسٍ واحدٍ، كفته كفارة واحدة، وإن اختلَف المجلسُ، وأراد التأكيد فكذلك الجواب وإن أراد الاستئناف، فعَلَيْه لكلِّ واحدة كفَّارة، وقيل: يكفي كفارةٌ واحدةٌ، وإن أطْلَق فعَلَى قولين كذلك، وشذ الحناطي.
وقوله في الكتاب "فإن نَوَى الطَّلاَقَ أو الظِّهَار كان كَمَا نَوى" يجوز إعلامه بالواو للوجه الغريب الَّذي حَكَيْنَاه: أنَّه لو نوى الطَّلاق، لم يكن طلاقاً، إذا فرَّعنا على أَنَّه صريحٌ في اقتضاء الكفَّارة، ويجوز إعلام الظهار بالميم؛ لأن عن مالك فيما رواه ابن الصباغ -رحمهما الله- أن قَوْله: أنْتِ عليَّ حرام صريحٌ في ثلاثِ طلقات، كما هو مذهبُ عليٍّ -كرم الله وجهه- وإِعْلام الطلاق بالألف؛ لأن عنْد أحمد -رحمه الله- هو ظهارٌ، كما هو مذهب عثمان -رضي الله عنه-، وقوله "ولو نَوَى التَّحْرِيمَ حُرِّمَتْ" وَكَذَلِكَ يوجد في أكثر النسخ، والصواب "لم تحرم" وكذلك نجد في النسخ الصحيحة، وذكر في "الوسيط" أنه إن نوى التحريم، كان يميناً، وهو أيضاً خلافُ ما قاله الأصحاب -رحمهم الله- على طبقاتهمْ؛ فإنهم قالوا: إنه ليس بيمين، ولكن فيه كفارة يمين.
وقوله: "لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ" أي كفارة يمين، وليعلَّمْ بالميم، والألف؛ لما عرَفْتَ من مذهبهما.
وقوله: "يُوجِبُ الكَفَّارةَ" بالحاء والميم؛ أما الميم؛ فلما تبين، وأما الحاء؛ فلأن

عند أبي حنيفة -رحمه الله- قوله: أنْتِ عليَّ حرامٌ يمينٌ، وهو بمثابة قول القائل: والله لا أطؤك حتى يكون إيلاءً في حق الزوجة، ويتعلق الكفَّارة فيه بالحنث، وإذا كان كذلك، لم يكن الإِطْلاَق موجباً للكفَّارة، ويجُوز أن يعلَّم قوله: "يلْغُو" بالحاء والميم أيضاً، وقوله "لتعارض" يَعْني احتمال الظِّهَار والطلاق وغيرهما، وقوله: "هُوَ صَرِيحٌ في الكَفَّارَة" وفي بعض النسخ "في التَّحْرِيم" أي في معنى التحريم الذي موجبه الكفارة، والأول أوضح.

فُرُوعٌ وفوائدُ: الأوَّل: لو قال: أنْت حَرَامٌ ولم يقل "عَلَيَّ".
قال في "التهذيب": هو كناية قولاً واحداً، ولو قال: أنْتِ عليَّ كالميتة، والدم، أو الخمر أو الخنزير، وقال: أردتُّ الطلاق أو الظهار، فهُو كما نوى، وإن قال أردتُّ التحريم، فعليه الكفارة، وإن أطْلَقَ فظاهرُ النصِّ: أنه كالحرام، عَلَى ذلك جَرَى الإِمامُ، ثم قال: يجوز ألا تَجْعل هذه الألفاظ صرائحَ، وتخصيص الحَرَام بكونه صريحاً؛ لورود القرآن [به] 1، والذي ذكَره على سَبِيل الاحْتمال، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" وغيره.
قال الحناطي: الخِلاَفُ عنْد الإِطلاق هاهنا مرتَّب على الإِطلاق، في لفظ الحرام، وهذا أَوْلَى بأن لا يُجْعَلَ صريحاً وحكي قولاً هاهنا أنَّه لا تجب الكفارة، وإن أراد التَّحْريم.
قال الشيخ أبو حامد: ولو قال: أردتُّ أنها حرامٌ عليَّ فإن جعلْناه صريحاً وجبت الكفارة، وإن جعلْناه كنايةً لم تَجِبْ؛ لأنّه لا يكون للكناية كناية، وتبعه على هذا جماعةٌ، لكن لا يكاد يتحقَّق هذا التصوير؛ لأنَّه ينوي باللفظ معنى لفظ آخر لا صورة اللفظ، وإذا كان المَنْوِيُّ المعنى، فلا فَرْق بين أن يقال: نَوَى التحريم وبين أن يقال: نوى: أَنْتِ عَلَيَّ حرامٌ، ولو قال: أردتُّ أنها كالميتة في النفرة والاستقذار، قُبِلَ: ولم يلزمه شيء، ذكَره أبو الفرج السرخسي.
الثاني: قال إسماعيل البوشنجي: إنما يقع الطَّلاق بقوله: أنتِ حرامٌ عليّ إذا نوى حقيقة الطَّلاق، وقصد إيقاعه بهذه اللفظة، أمَّا إذا لم يَنْوِ، كذلك لم يقع وإن اعتقد قوله: أنْتِ عليَّ حرَامٌ موقعاً، وظن أنه قد وقَع طلاقُه، وحُكِي عن بَعْض أصحاب أبي حنيفة أنَّه يقع إذا ظنَّه موقعاً، وإن لم ينوِ الإِيقاع، وأن الفقيه أبا الليث -رحمه الله- اختار ذلك.

الثالث: قال الشيخ أبو نصر بن الصباغ: ينْبَغِي ألاَّ يفرق بيْن أن يقول: أردتُّ بقولي: "أنْتِ عليَّ حرامٌ" التَّحريم وبين أن يقول: لم أنْوِ شيئاً؛ لأن اللفظ صريحٌ في هذا المعنى، فلا مَعْنَى لاعتبار النية وظاهر هذا طريقه جازمة، بأن صورة الإِطلاق حكمها حُكْمُ ما لو قصدت التحريم.
الرابع: إذا قال متى قلت لامرأتي: أنْتِ عليَّ حرامٌ، فإني أريد به الطلاقَ، ثم قال لها بعد مدة: أنْتِ عليَّ حرامٌ، فعن أبي العباس الرُّوياني بأنَّه يحتمل وجهَيْن: أحدهما: الحَمْل على الطلاق؛ لكلامه السابق.
والثاني: أنَّه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن نيته قد تغيَّرت 1. واعلم أنه قد تكرَّر في كلام الأصحاب في المسألة أن قوله: "أنْتِ عليَّ حرامٌ" صريحٌ في الكفَّارة أو التزام الكفارة أو هو كناية، وفي الحقيقة ليس لزوم الكفارة أو التزامها معنى اللفظ؛ حتى يقال هو صريحٌ فيه أو كناية، وإنما هو حكم رتبه الشرع على التلفظ 2 بهذه اللفظة، واختَلَفوا في أن هذا الحُكْم، هل يتوقَّف حتى ينوي التحريم أو لا يتوقف؟ فتوسَّعُوا باطلاق لفظ الصريح والكناية.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنِّيَةُ في الكِنَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ اللَّفْظِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ، فَلَوْ اقْتَرَنَ بِأَوَّلِ اللَّفْظِ دُونَ آخِرِهِ نَفَذَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوِ اقْتَرَنَ بِآخِرِهِ دُونَ أَوَّلِهِ فَوَجْهَان، وَالكنَايَةُ لاَ يَصِيرُ صَرِيحاً بِقَرِينَةِ الغَصْبِ وَاللَّجَاجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وفي هذه النية أصْلاَنِ لا بدّ من معرفتهما في الكنايات.
أحدهما: أن الكنايات الظاهرة لا تعمل بنفسها، بل لا بُدَّ فيها من نية الطلاق.
وقال مالك -رحمه الله-: إن الكناياتِ الظاهِرَة لا تحْتَاج إلى النية، واحتج الأصحاب أنَّها كناياتٌ لم تقترن بها نية الطَّلاق، فأشبهت سائر الكنايات من غير نيَّة فالنيَّة أيضاً لا تعْمَل في الطَّلاق من غير لفظ صريح وعن مالك أن الطلاق يقع بمجرد القَصْد.
واحتج الأصحاب بأنَّ الطَّلاق حَلُّ عقْدٍ، فلا يحصل بمجرد النية، كالفسخ، والإِقالة إذا عرف ذلك فينبغي أن تقترن النية باللفظ، فلو تقدَّمت وتلفظ بلا نية أو فرغ منَ اللفظ ثُمَّ نوى لم يَقَع الطلاق، ولو اقترنت بأول اللَّفْظ وعزبت قبل تمامه بأن قصد إيقاع الطلاق عند قوله: أنْتِ، ولم يَنْوِ هذا القصد عند الانتهاء إلى طالقٍ، فوجهان: في وجه: لا يقع الطلاق؛ لأن ما قارنته النية غير مفيد.

والثاني: خالٍ عن النية.
وأظهرهما: -على ما ذكر الإِمام، وصاحب الكتاب-: الوقُوعُ؛ وإذا اقترن بأوَّله عُرِفَ قصده من اللفظ، فالتحق بالصريح، ولو اقترنت بآخر اللفظ، وخلا أوَّلُه عنْها، فوجهان أيضاً.
وجْه الوقوع: أنَّ وقت الوقوع حالة تَمَامِ اللفظ، وقد قارنتها النية.
ووجه الآخر: أنَّ صدْر اللفظ عَرِيٌّ عن الطلاق، والانعطافُ على ما مضى بعيدٌ، بخلاف استصْحَاب ما وُجِدَ، وسكت الإِمام عن الترجيح في هذَيْن الوجهين، وكذلك فعل صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" وذلك يُشْعِر بأنهما رأيا الأظهر 1 فيما إذا اقترنت النية بآخر اللفظ دون أوَّلِه البُطْلاَنَ، لكنَّ صاحب "التتمة" قرب الوجهين فيما إذا اقترنت بأوله دون آخره من الوجهين فيما إذا اقترن بآخره دون أوله من القولين، فيما إذا نوى المسافر الجَمْع في أثناء الصلاة، ولم يَنْو في أولها، وقضيَّة هذا التشبيه والتقريب أن يقال: إذا كان الوقوع فيما إذا اقترنت النية بأول التكبير دون آخره الانعقاد، والأظهر فيما إذا نوى الجَمْع في أثناء الصلاة صحَّة صلاة الجمع.
الثاني: الكنايات لا تلحق بالصَّرائح، لسؤال المرأة الطلاق، ولا بقرينة الغَضَب واللَّجَاج؛ لأنه قد يقْصِد خلاف ما تُشْعر به القرينة، واللفظ في نفسه محتملٌ.
وقال مالك -رَحمه الله-: تلتحق الكنايات بالصرائح بقرينة السؤال وقرينة الغضب.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- تفصيل طويلٌ في الكنايات؛ منْها ما ألحقه بالصرائح بالقرينتين جميعاً، ومنْها ما ألحقه بقرينة السؤال دون الغضب.
وقال أحمد -رحمه الله-: دَلاَلَةُ الحالِ في جميع الكنايات تقُوم مقام النية، ومهْما خاطَب الزَّوْج زوجته بلفظ من ألفاظ الكنايات، وقال: لم أَنْوِ الطلاق، فهو مصدَّقٌ بيمينه، فإن نَكَلَ، حَلَفَتِ المرأة، قُضِيَ بوقوع الطلاق، وربَّما كان قد أقرَّ بذلك ثم جَحَد فإن لو علمت النية لفظية بقرائن ومخائل، يجوز الحلف بمثلها.
هذا شرح ما اشتمل عليه الفَصْل الأول من الرُّكن ونعقبه بمسائل مستفادة تتعلق بالصرائح والكنايات المعقود لها الفَصْل؛ والله أعلم.

في "الزيادات" للشيخ أبي عاصم العبادي أنَّه إذا قال: بعْتُ منك طلاقَكِ، فقالت: اشتريْتُ، ولم يذكرُ عوضاً لا تحصُلِ الفرقة، إذا لم يكُن نيَّة، وقيل: تقع طلقةً بمهر المثل، وأَنَّه إذا قال: هذا بطلاق (برامنت دركردم) 1 فهو كناية.
وقال إسماعيل اليوشنجي: لا يَقَع؛ لأنَّه لم يقصد الطَّلاقُ إليها، ولا إلى جزء من أجزائها، ولو قال: هذا بطَلاق هو (بلى كردم) 2 ونوى الطلاق طُلِّقَتْ [ثلاث]، طلاقاً والمعنى: طلقت - طلقتك، ألفاً بمرة، وأنَّه إذا قال: لم يبق بيني وبينك شيء، ونوى الطلاق، لم تُطَلَّقْ، وفي هذا توقّف 3، وأنَّه إذا قال: برئت من نكاحِكِ، ونَوَى، طُلِّقَتْ، ولو قال: برِئْتُ من طلاقك.
لم تطلَّق، نوى أو لم ينوِ، ولو قال: بَرْئِتُ إليْك من طلاقك، قال إسماعيل، البوشنجي، يكون كناية، على تقدير تبرَّأْتُ منْك بواسطة إيقاع الطلاق علَيْك، ولو قال: أبرأتك أو عفوت عَنْك، فهو كناية؛ لأن اللَّفْظين يُشْعِرَان بالإِسقاط، وللزَّوْج حقُوقُ النِّكَاح، وتسقط عنها بالطلاق، وأنَّه لو قال طلقك الله، أو قَالَ لأمته: أعتقك اللهُ طُلِّقَتْ وَعَتَقَتْ، وهذا يُشْعر بأنهما صريحان ورأى البوشنجي إلْحاقهما بالكنايات، لأنَّهما يحتملانِ الدُّعاء والإِنشاء؛ وبتقدير العمل على الإِنشاء، فهو ليس بصريح في إيقاع الطلاق، بل المعنى: طلقتك بحكم الله تعالى، بوقوع طلاقك، وقَوْل مستحق الدَّيْن لمن عليْه الدين أبرأك الله كقوله لزوجته: طلَّقَكِ الله، وأنَّه لو قال: أنْتِ طال، وترك القاف، طلِّقَتْ حمْلاً على الترخيم، قال البوشنجي؛ لا ينبغي أن يقع الطَّلاق، وإن نوى.
نعم، إذا قال يا طال، ونوى، يَقَع؛ لأن الترخيم في العربية إنَّما بعهد في النداء، فأما في غَيْر النداء فلا يُعْهَد إلا نادراً في الشِّعْر، وأنَّه إذا قال: الطلاق لازمٌ لِي أو واجبٌ عليَّ، تطلَّق للعُرْف، ولو قال: فرضٌ عليَّ، لمْ تطلَّق؛ لأنه لم يجر 4 العُرْف فيه ورأى البوشنجي أن جميع هذه الألفاظ كنايةٌ؛ لأنَّه لو قال: طلاقُكِ عليَّ، واقتصر عليه، ونوى الوقوع، وقع، فوصفه بقوله "واجب" أو "فرض" يزيده تأكيداً وأيضاً فقد يَعْنِي بالوجوب السقوطَ وكأنه قال طلاقُكِ عليّ ساقط، وواقع، وهو معروف في الكنايات، وحكى صاحبُ "العُدَّة" الخُلاَف، فقال: لو قال: طلاقُك لازمٌ [لي] 5، فوجهان، قال أكثر الأصحاب: هو صريحٌ، وأنه لو قال (توم أخبرى باشى) 6، ونوى

الطَّلاَق لا يقع؛ لأنَّه كاذبٌ، وهذا الوجه للأصحاب ذكروه فيما إذا قال: لست بزوجةٍ لي، فرُبَّما علَّل ذلك بأنَّه صريحٌ في الإِقرار، فلا يصير إنشاءً بالنية، والأظهر أنَّهما كنايتان في إنْشَاء الطلاق، وكذا لو قال (توازان من هيج مني) 1، وذكر القفَّال أنَّه لو قال (يك طلاق ودو طلاق وسه طلاق) 2 (دوّميني معنى) 3 وطلقت فلاناً، ولو قال: (يك ورود بينه معنى آن) 4 نوى الطلاق، وقَع الثلاثُ، إن لم ينْوِ، لم يقَع شيْء، وفي "فتاويه" أنَّه لو قال: اذْهَبِي إلى بَيْت أبَوَيَّ ونوى الطلاق، إن نواه بقوله: اذْهَبِي، وَقَع، وإن نواه بمجموع اللفظين، لم يَقَع لأن قوله "إلى بيت أبَوَيَّ" لا يحتمل الفراق، بل هو لاستدراك مقتضى قَوْلِه: "اذْهَبِي"، وأنه لو قال لامرأته: أنْت طالقان أو طوالق، لم يقع عليها إلاَّ طلقةٌ واحدةٌ وإن قوله: (يومك طالق أزمن جداى) 5 صريحٌ وأنَّه لو قال: كل امرأة لِي طالقٌ إلاَّ عمرة ولا امرأة له سواها، يقع طلاقها، والاستثناء باطلٌ 6 لاستغراقه.

ولو قال: النِّسَاءُ طَوَالِقُ إلاَّ عَمْرَةَ ولا امرأة له سواها، لم تُطلَّق؛ لأنَّه لم يضفهن إلى نفسْه، بخلاف قوله: كلُّ امرأة لي، ولو كانت امرأته في نسْوة فقال: طلقْتُ هؤلاء إلاَّ هذه فيشير إلى زوجته، لم تُطلَّق؛ لأنه عينهن واستثناها وأنَّه لو قال لامرأته، يا بنتي، وقعَتِ الفرقة بينهما؛ لاحتمال السن، كما لو قاله لعبْده 1 أو أمته وأن زوجته لو كانت تُنْسَب إلى زوج أمها، فقال: بِنْتُ فلان طالقٌ لا يقع الطَّلاق عليها؛ لأنها ليست بنْتاً له حقيقةً، ولغَيْره فيه احتمال 2 للعُرْف، وأنَّه لو قال: نساءُ المُسْلِمِينَ طوالِقُ، لم تطلَّق امرأته، وعن غيره أنَّها تطلَّق، وبني الخلاف على أن المخاطَبَ هل يدخل تحْت الخطاب 3، وأنَّه لو قال: (من تومرارم) 4 وأراد به الطَّلاَق، وقع بخلاف، ما إذا قَال (مراز طلاق توبيرارم) 5 وأنَّه لو قَال (بخداى اسمان وزمين وسه طلاق تودركردن من كه كردرخانه بشوم) 6 ودخلها تلزمه الكفارة ولا يقع الطلاق؛ لأن الطَّلاق ليْس محلوفاً به وإنَّما الحَلفَاء بالله تعالى وبصفاته، وأنَّه لو قال: بانت مني امرأتي، أو حَرُمَتْ عليَّ لا يكون إقْراراً بالطَّلاق؛ لأنها من الكنايات، وأنه لو قال لها: أنْتِ بائنٌ، ثم قال بَعْد مدة أنت طالقٌ ثلاثاً وقال: أردتُّ بالبائن الطلاقَ، والثلاث غير واقعة؛ لمصادفتها حال البينونة، لم يُقْبَل؛ لأنه متَّهَم في هذا التفسير بعْد ما خاطَبَها بالثَّلاث، وأنه لو قال

لامرأته (يكِ طلاقٌ أزمن خريدي بصددرم فقالت خريدم) 1 لم يَكُنْ شيئاً إلا أن يقول الرجُل بَعْده: (توفروختم) 2 أو يقول في الابتداء (يك طلاق بصددرم نيوفرورختم) 3 (خريدي) 4 فيقول: (خريدم) 5 وأنه لو قال لامرأته (بطلاق توسركيد خودرم كه بافلان سخن نكويم) 6 لم ينعقد، ولم يقع الطلاق لو كلمة؛ لأن قول (بخداي هيني) 7 وإن لم يصل به قولُه: (سوكند خوردم) 8 حتى لو قال (بخداي كه يا فلان سخن نكَويم) 9 كان يميناً، وأما الطلاق فليس مما يحلف به، وإن قال: بطلاقك ألا أكلِّمَ فلاناً، لا يقع الطلاق، إذا كلَّمه [وأنه] 10 لأن الطلاق لا يحلف به لو قالت زوجته، واسمها فاطمة، طلقني فقال: طلقْتُ فاطمةَ، [ثم قال: أردتُّ فاطمةً] أخْرَى، لم يُقْبَل، ويقع الطلاق؛ لدلالة الحال، بخلاف ما إذا قال ابتداءً: طلقْتُ فاطمة، ثم قال: أردت امرأةً أخرى، وقد يشكل هذا بما مرَّ في أن السؤال السابق لا يلْحِق الكنايات بالصرائح 11، وفيما نقل

من معلقات القاضي شريح الرُّويَاني ممَّا حكاه عن جَدِّه أبي العباس الرُّوياني، وغيره أنَّه لو قال لزوجته أحللتُكِ، ونوى طلاقَها، هل يكون كنايةً؟ فيه وجهان 1، وأنه لو قال: أنتِ بائن وطالقٌ، رجع إلى نيته في بائن، ولا يجعل قوله وَطَالِقٌ تفسيراً له وأنه لو قال: (أنتِ طالقٌ سه تارة) قال جدِّي -رحمه الله- الظاهر منْه في غالب عادات النَّاس إرادةُ ثَلاَث طلقاتٍ، ويحتمل أن يرجع إلَيْه فيحمل اللفظ على ما أراده، وأنَّه لو كرَّر لفظاً من ألفاظ الكنايات، بان قال لها: اعْتَدِّي، اعتدي اعتدي، ونوى الطلاق، فإن نوى التأكيد وقعت طلقة وإن نوى بها الطَّلاق، وقَعَت بكل لفظة طلقة [وإن لم ينوِ فقولان] إن القَفَّال قَطَع بأن لو قال (طلاق دادم) 2 أو قال: طلقت، ونوى امرأته، لم يقَعِ الطلاق عَليْها؛ لأَنَّه لم يشر إليها ولا سمَّاها بلفظه، بخلاف ما لو قال: (مرا طلاق دادمْ) 3 فإنه إشارة، بخلاف ما لو قال (درخوش) 4 (وإطْلاق دادم) 5، فإنه تسمية، ولو قالت له طلقني، فقال: طلاق دادم أو قيل له: ما تصنع بهَذهِ المرأة طلقها، فقال: طلقت أو قال لامرأته: طلقي نفْسَكِ، فقالت: طلقْتُ، يقَعُ الطلاق؛ لأنَّه يترتب على ما سَبَق من الالتماس أو التفويض، فإنه لو قال لغَيْره: قَدْ مللت من امرأتي، فقال: (طلاق دهش) 6 فقال دادم 7 فقال القفال لا يقع الطَّلاق؛ لأنه لا يصلح عبارة عن الطلاق، إلاَّ أن يقول (طلاق دادامش) 8، ولا يبعد أن يقال بالترتيب عَلَى الأول؛ كما في الصورة السابقة وأجَاب بمثْل جوابِهِ فيما إذا قال: (رهاكنش) 9، فقال (رها كردش) 10 ولا يبْعد أن يجعل هذا اللَّفْظ تفْسيراً للسّراح، ويُحْكَى عن القَفَّال أنه لا يحصل للبراجم 11 صرائح فيستمر الجواب على اختياره، وأنَّه لو قال (بوارزنى) 12 (من يِكِ طلاق) 13 ولم تَرِدْ عليه قال القَفَّال: لا يقع الطلاق، وإن نوى كما لو قال: أنْتِ بطلقة لا يقع، ولو قال: (زن طلاق دادم) 14 فهو كناية إن أراد إيقاع الطلاق على زوْجَته وقع وإلا فلا؛ = عدوله من الإِشارة إلى العبارة يوهم أنه غير قاصد، وسيأتي مسألة ما لو قيل له يا زيد فقال امرأة زيد طالق، أنه لا يقع على الأظهر.

لأنَّه لم يقل (زن خويشتن) 1 وأنه لو كان تحت رجل امرأتان: إحداهما فاطمة بنْتُ محمَّد، والأخرى فاطمة [بنت] 2 رجُل سماه أبواه محمَّداً أيضاً، إلاَّ أنه اشتهر في الناس بالحُسَيْن، وبه يدعونه فقال الزوج زوجتي فاطمة بنت محمَّد طالق.
وقال أردت بنت الذي يدعونه الحسين، قال جدي: يُقْبَل قوله؛ لأن العبرة بالاسم الذي سمَّاه به أبواه دون سائر الناس، وقد يكون للرَّجُل اسمان وأكثر، وقيل: العبرة بالاسم الذي اشتهر به في الناس؛ لأنه أبلغُ في التعريف، وأنه لو قال: امرأتي هذه محرَّمة عليَّ، لا تحلُّ لي أبداً.
قال جدي لا تطلق؛ لأن التحريم قد يكون بغير الطلاق وقد يظن التحريم المؤبَّد باليمين على إلاَّ يجامِعَها، وقيل: يُحْكَم عليه بالبينونة بمقتضى هذا اللفظ، وأنه إذا قيل لرجل اسمه زَيْد؛ يا زيْد، فقال: امرأة زيْدٍ طالقٌ، قال جدي: يقع الطلاق على امرأته، وقيل: لا يقع، حتى يريد نفسه؛ لجواز أن يريد زيْداً آخَرَ، وليجيء هذا الوجه فيما إذا قال: فاطمةُ طالقٌ، واسم زوجته فاطمةٌ، ويشبه أن يكون هذا هو الأظْهَرَ؛ ليكون قاصداً إيقاع الطلاق على زوجته، وأنَّه إذا قيل لرجُل: طلقْتَ امرأتَكَ، فقال: اعلمْ أن الأمر على ما تقوله، حكى جدي وجهيْنِ؛ في أنه هَلْ يكون هذا إقراراً بالطَّلاَق؟.
أصحُّهما: أنَّه لا يكون إقراراً؛ لأنه أمره بأن يعلم، ولم يحْصُل هذا العلم، وأنها 3 إذا كانت تدَّعي على زوجها أنه طلَّقها ثلاثاً، وهو منُكِرٌ، ثم قال لفقيه: اكتب لها ثلاثاً، قال جدي: يحتمل أن يُقَال: لا تكون كناية؛ لأن الكتابة فعل الكاتب، ولم يفوض الزوج الطلاق، حتَّى يقع ما صدر منه، ويحتمل أن يجْعَل كناية؛ ويكون التقدير اكتب ثلاثاً، فإني قد طلقتها ثلاثاً، وأنه لو قال: امرأتي الَّتي في هذا الدَّار طالقٌ، ولم تكن فيها، لا يقع الطلاقُ، وأنَّه لو قال (سه طلاق) 4 (توسه بارداذم) 5 أو قال: رددتُّ عليْكِ الطلقات الثلاثةَ، ونوى، وقَعَ الطلاق؛ لأنَّه استفادها من النِّكَاح الذي رضيت به، وأنه لو قال: أنتِ امرأتي، كانَتْ طالقاً أو قال (زن من هشته باد) 6 فلا طلاق؛ لأنه ثمن أو دعاء وأنَّه لو قال امرأته طالِقٌ، وعَنَى نفسه، قال جدي: يُحْتَمَل أن يقال: لا يقع الطَّلاَق؛ لأن هذه العبارة تصلُحُ 7 لنفسه، ويُحْتَمَل أن يقال: يقع؛ لأن الإِنسان قد يعبِّر بغيره عن نفسه، وأنَّه إذا قال لابنه قل لأمِّك: أنتِ طالقٌ، قال جَدِّي: إِن أَراد التوكيلَ، فإذا قال الابن لها

ذلك، وَقَع الطَّلاق ويحتمل أن يقال: تطلَّق، والابن سفير يُخْبِرها بالحال.
وإنه لو قال كل امرأة في السِّكَّة طالق، وهي في السِّكَّة، حكى جدي عن بعض الأصحاب: أنَّه لا يقع طلاقه، والصحيح أنه يَقَعُ، وأنَّه لو وكَّل رجلاً بالطلاق، فقال الوكيل: طلّقت من يقع الطلاق عليها بلفظي، هل تطلَّق المرأة الَّتي وكّل بطلاقها، فيه وجهان، ولو وكله بطلاق امرأته فطلَّقها، ولم يَنْوِ عند الطلاق أنه يوقع لموكله، ففي الوقوع وجهان، وفي الفتاوى للقاضي الحُسَيْن أنه لو قيل له: فعلْتَ كذا، فأنْكَر، فقيل له: إن كنْتَ فعلْتَ كذا فامْرأتُكَ طالقٌ، فقال: نعم، أو قيل له [زن توارزنى توهشته] 1 فقال (هشته) 2 لم يقع الطلاق؛ لأنَّه لم يوقعْه، وإنَّما أجازه، قال الشيخ الفرَّاء هذا استدعاء طلاقٍ منه، فليكن على القولَيْن فيما إذا قال لآخَرَ: طلقْتَ امرأتك، فقال: نعم، وفي "المستدرك" للإِمام إسماعيل البوشنجي: أنَّه لو قال لامرأته: وهَبْتُك لاِهْلِك، أو لأبيك، أو للأَزْواج، أو للأجانب، ونَوَى الطلاق، وَقَع الطلاق، كما لو قال: الْحَقِي بأهْلك، وأنَّه لو قال لامرأته: أنْتِ كذا، ونوى الطلاق، لا يُقْضَى بوقوع الطلاق، وكذا لو علَّق بصفة، فقال: إنْ لم أفْعَلْ كذا، فأنْتِ كذا، ونوى الطلاق؛ لأنه لا إشْعَار له بالفرقة؛ فأشْبَهَ ما إذا قال: إن لم أفْعَلْ كذا، فأنْتِ كما أضْمِرَ ونَوَى الطلاق، وأنه لو قال: أربَعُ طرق عليك مفتوحةٌ، فخُذِي أيَّها شِئْت، فهو كناية، كقوله: الْحَقِي بأهْلِكِ، وزوري أباكِ، وما أشبهها، ولو لم يقل: فَخُذي في أيها شئْتِ، قال إسماعيل: اعتاضت 3 عَلَيَّ جوابُها، فراجعْتُ بعض مشايخي، فأجاب بعض أئمة خراسان: بأنه كناية تشبه قوله: خلَّيْتُ سَبِيلَكِ، وأجاب إمام العراقيين -يعني أبا بكر الشاشي-: بأنَّه ليس كناية وقوله: الطَّرِيقُ عليكِ مفتوحٌ، كقوله: أربَعُ طرقٍ مفتوحةٌ.
ولو قال: فتحْتُ طريقك، فلا ينْبَغِي أن يُفْرَق بينه وبين قوله: خَلَّيْتُ سبيلك، وقد سلّمة إمام العِرَاقِيِّين -رحمه الله-، وبه يظهر أن قوله: الطريقُ عليْكِ مفتوحٌ كنايةٌ أيضاً، كما لا فرْق في الصريح بين قوله: أطْلَقْتُكِ وبين قوله: أنتِ مطلَّقةٌ، وأنه لو قال لها: خُذي طلاقَكِ، فقالت: أخذْتُ، لم يقع الطلاق ما لمْ توجد نية الإِيقاع من الزوج، بقوله خُذِي أو من المرأة، إن حُمِلَ قوله على تفويض الطلاق إليها.
وفي "الإِقناع" لأقضى القضاة الماوَرْدِيِّ: أن قول الزوج: لعَلَّ اللهَ أن يسُوقَ إليك خيْراً من كنايات الطَّلاق، وكذا قوله: بَارَكَ اللَّهُ لَكِ، بخلاف قوله: بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ، وذكره غيره أيْضاً كأن قوله: بارك اللَّهُ فيكِ معناه: بارك الله لي فيك، وهو يُشْعِر برغبته

فيها والاستمتاع بها، فلا يصلح كناية عن الفِرَاق، وقوله: بَارَكَ الله لك، أي الفراق ونحوه وسئل صاحب الكتاب في "الفَتَاوَى" عما إذا كتب الشروط في إقرار رجل بالطلاق فقال له الشُّهُود: نَشْهَدُ عليْكَ بما في هذا الكتاب، فقال اشهدوا، هل يقع الطلاق فيما بينه وبين الله تعالى؟ فأجاب لا بل لو قال: اشهدوا عَلَيَّ أنِّي طلْقتُها بالأمس، وهو كاذب، لم يقع فيما بينه وبين الله 1 تعالى.
وفي "التتمة": أنَّه لو قال لواحدة من نسائه: أنتِ طالقٌ مائةَ طلْقَةٍ، فقالت: تكفيني ثلاثٌ، فقال الباقي على صواحبك، لا يقَعُ عليهن الطلاق؛ لأنَّه لم يخاطبْهُنَّ بالطلاق، وإنما رد عليهن ما خاطَبَها به، وهو لغْوٌ في الزيادة على الثلاث، فلا نطلقهن بما هو لغُو، فإن نوى به الطلاق، كان طلاقاً؛ وترتب على قوله: أنتِ طالقٌ: والمعنى: أنْتِ طالقٌ بثلاث، وهن طوالق بالباقي، وأنَّه لو قال: كل امرأة أَتزوَّجها فهي طالق، وأنْتِ يا أم أولادي.
قال أبو عاصم العَبَّاديُّ: لا يقع الطلاق عليها؛ لأن الطلاق قبل النِّكَاح لغو، وقد ترتب طلاقها عليْه فيلْغُو، ويقْرُب من هذا ما ذكَره غيْره أنه لو قال لزوجته: نساء العالمين طوالق، وأنت يا فاطمة، لا يقع؛ لأنَّه عَطَفَ طلاقها عَلَى طلاق نسوة لا يقع طلاقهن 2، وأنَّه لو قيل له: فعلْتَ كذا فأنكر فقال له من يجاوره: الحِلُّ عليك حَرَامٌ، والنية نيتي أنك ما فعلت فقال: الحِلُّ عليَّ حرامٌ والنية نيتك أنِّي ما فعلته يلغْو قوْلِه: النية نيتك، ويكون الحكم كما لو تلفَّظ بهذه الكلمة ابتداءً، ولو قال له لمَّا أنكر: امرأتُكَ طالقٌ، إن كنت كاذباً فقال: طالق وقال: ما أردتُّ طلاق امرأتي، يُقْبَل؛ لأنَّه لم توجد إشارة إليها ولا تسمية لها، وإن لم يدع إرادة غيرها، حكم بوقوع الطلاق؛ لأن الظاهر ترتيب كلامه على كَلاَم ذلك القائل، ونقل الفقيه أبو الليث السمرقندي في "الفتاوى" عن بَعْض أصحابهم: أنَّه لو قال لامرأته [تومرار كارنيستي] 3 ونوى به الطلاق، لا يكون طلاقاً، ولا يبعد عده من 4 الكنايات، كما لو قال: لا حاجَةَ لي

فيكِ، وفي "فتاويه": أنَّه سئل بعْضُ أصحابهم عن رجُل سكران، فقال لامرأته أي صرح (كيله بماه ماندرويت باتومن طلاق داده سويت) 1 فقال: إن كان لَهَا قبْل هذا الزَّوْج زوج آخَرُ لم تقع عليها طلقة إلاَّ أن ينوي، وإن لم يكُنْ قبله زوْج، يقع الطلاق، نوى أو لم ينوِ، ويُشْبِه أن يقال لو قال: أردتُّ مخاطبتها بمصراع الأول، وكنت في المصراع الثاني؛ حَاكياً القول الشاعر، يُقْبَل، ولا يقع الطلاق، إلا شبه ألا يقع الطلاق إلاَّ إذا نوى؛ لوجهين: أحدهما: أن مقصود الشاعر طلاق زوج آخر، وإلاَّ فكيف تكون زوجةً له مفوضاً إليها أمر نيته ومطلقة منه، والغالِب أن التمثيل بالشعر يريد ما أراده الشَّاعر، وإذا قال الزوج: طلقَكِ زوْج آخَرُ لم يقع طلاقه، وإن لم يعرف لها زوج آخر.
والثاني: أن مقصود الشاعر طَلاَق عساه يوجد في المستقبل، كأنَّه تمنى أن يطلِّقها زوْجُها، وتصير زوجةً له، والخبر عن الطلاق في المستقبل ولا يوجب الوقوع 2 في الحال.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي الفِعْلِ): أَمَّا الإِشَارَةُ المُفْهِمَةُ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الأَخْرَسِ فِي الطَّلاَقِ، وَالصَّرِيحُ مِنْهَا يَشْتَرِك في فَهْمِهِا الكَافَّةُ، وَالكِنَايَةُ مِنْها مَا يَفْطِنُ لِدَرْكِهِ بَعْضُ النَّاسِ، وَأَمَّا القَادِرُ فَإِشَارَتُهُ لاَ يَكُونُ صَرِيحاً أَصْلاً، وَهَلْ يَكُونُ كِنَايَةً؟ فِيهِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ عَلَى كَتْبِهِ الطَّلاَقَ مِنَ القَادِرِ عَلَى النُّطْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تبيَّن الحُكْم في الأفعال الدالَّة على النطق، وكما أن الأقْوال تُفْهُم، وتدُلُّه على المعنى، فالإِشارة والكتابة من الأفْعَال يدُلاَّن أيضاً، والمقصود بيان حكمهما، أما الإِشارة فهي معتَبَرةٌ من الأخْرَس في وقوع الطلاق؛ لأنَّه كذلك يعبر ويدل على ما في ضميره، قال الإِمام: وتقوم إشارته مَقَام عبارة الناطق في جميع العقود والحلول والأقارير والدعاوى، نَعَمْ، في شهادته خلافٌ يأتي في موضعه.
وإذا أشار في الصلاة بالطلاق أو البيع أو غيرهما، صَحَّ العَقْد، ولم تبطل الصلاة على الصحيح، وفيه وجْه ثم منهم من أدار الحكم على إشارته المفهومة وحَكَم بوقوع الطلاق بها، نوى أو لم ينوِ، كذلك ذكَر صاحب "التهذيب"، وقسَّم آخرون منهم الإِمَام، وصاحب الكتاب إشارَتَه إلى صريحة تُغْنِي عن النية، وهي التي يَفْهَم منها الطلاقَ كُلُّ مَن وقَف عليهما، وإلى كناية تحتاج إلى النِّيَّة، وهي التي يفهم الطلاق منها

المخصوص بالفِطنة والذكاء، ظَنِّي أني سمعْتُ أو رأيت لبعضهم أن الكناية هي التي يختص بفَهْم الطلاق منها المخصوص بالفطنة والذكاء، ظَنِّي أني سمعْتُ أو رأيت لبعضهم أن الكناية هي التي يختص بفَهْم الطلاق منها مَنْ خالطه، واختبر أحواله وإشاراته، والصريح ما يفهم الخلطاء والأجانب، ولو بالغ في الإِشَارَة، ثُمَّ ادَّعَى أنَّه لم يُرد الطَّلاق، وأفهم هذه الدعوْى، قال الإِمام هو كما لو فسَّر اللفظة الشائعة في الطَّلاق بغير الطلاق, لأنَّ التحاق مثْل تلْك اللفظة بالصرائح سببه الشيوع والتفاهم، دون الوَضْع، كما أن الاعتماد في الإِشارة على الفَهْم.
ولا فَرْق في اعتبار إشارته بين أن يقدر على الكتابة أو لا يَقْدِر؛ لحصول الفَهْم كذلك، ذكره الإِمام، ويوافقه إطلاق الأكْثَرين، وفي "التتمة" أن إشارة الأخرس إنما تعتبر، إذا لم يقدر على كتابة مُفْهِمه وإن قَدَرَ عليها، فالكتابة هي المعتبرة؛ لأنَّها أضبط وأدل على المُرَاد، وينبغي أن يكتب مع ذلك إنِّي قصدتُّ الطلاَق.
ويقع الطلاق بكتابة الأخْرَس، كما يقع بإشارته، وعن الشيخ أبي محمَّد: أن الكتابة في حقِّه صريحةٌ، والصحيح أنَّها كناية أنَّها [وإن كانت] أضْبَط، وأدل على المراد، تحتمل امتحان القلم، ومحاكاة الخَطِّ ولا يشترط مع الكناية الإِشارة.
وحكى الحناطي وجْهَيْن؛ وفي "المجرَّد" للقاضي أبي الطيِّب مثْله، قال: إن قلْنا: لا يَقَع طلاقُ الناطق بالكتابة، حتى يقرأ ويتلفَّظ، فيحتاج الأخرس إلى الإِشارة؛ ليقوم مقام العبارة وإن قلنا: يقع بالكتابة مع النِّيَّة، فلا يحتاج إلى الإِشارة بالطلاق، ويكفي أن يفهما أنه نَوَى الطلاق.
وأمَّا القادر على النُّطْق، فإشارته ليْسَتْ بصريحة، وإن وُجِدَ منه ما نجعلُه صريحاً من الأخرس, لأن عدوله من العبارة إلى الإشارة يُوهِم أنه غيْر قاصد للطلاق، وهذا كما أن الكتابة كناية [في حق] الناطق، وإن جعلت من الصرائح في حقِّ الأخرس.
وهل يكون إشارته كناية؟ فيه وجهان: عن رواية صاحب "الأفصاح": أحدهما: نَعَمْ؛ لحصول الإِفْهَام بها، كالكتابة هذا عن صاحب "التلخيص" واختيار القَفَّال: وأظهرهما: لا؛ لأن الإِشارة لا تُقْصَد للاِفهام بها إلاَّ نادراً بخلاف الكتابة؛ فإنها حروف موضوعة للإفهام، كالعبارة، وحكى الشيخ أبو عليٍّ أن أبا زَيْدٍ أجاب بالوجْه الأول فيما إذا قالت المرأة: طلِّقْنِي، فأشار بيده أن اذهبي، واستبعده، ورتب المرتبون الوجهيْن على الخلاف الَّذي يأتي في أن كنايَةَ القَادر على النُّطْق، هَلْ هي، كناية فالإِشارة أَوْلَى بألاَّ تكون كنايةً؛ لاختلافها بالأحوال والأشخاص واختلاف الناس في فهمها، وهذا ما أورده في الكتاب.

فَرْعٌ: فقال لأحدهما: أنتِ طالقٌ، وهذه إشارةٌ إلى الأخرى، فتطلق الأُخْرى ويفتقر الوقوع إلى النية؟ فيه وجهان عن أبي العبَّاس الروياني.
ولو قال، وله امرأتان: امرأتي طالقٌ، وأشار إلى إحداهما ثم قال: أردتُّ الأخرى، فوجهان عنه: أحدهما: يقبل ولا تلزمه بالإِشارة.
والثاني: أنهما تُطَلَّقان، أمَّا المُشَار إليها؛ فلظاهر الإِشارة عنْد اللفظ، وأما الأخرى فلأنه قال: أردتُّها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ لَيْسَ بِصَرِيحٍ أَصْلاً لَكِنَّهَا كِنَايَةٌ عَلَى قَوْلٍ، وَلَغْوٌ عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ مِنَ الحَاضِرِ لَغْوُ وَمِنَ الغَائِبِ كِنَايَةٌ عَلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ لِلْعَادَةِ، وَيَجْرِي الخِلاَفُ فِي العِتْقِ وَالإبْرَاءِ وَالعَفْوِ وَمَا لاَ يَحْتَاجُ إلَى القَبُولِ، أَمَّا البَيْعُ وَالمُعَاوَضَاتُ فَالخِلاَفُ فِيهِ مُرَتبٌ وَأَوْلَى بِأنْ لاَ يُعْتَبَرُ، وَالنِّكَاحُ مُرَتَّبٌ عَلَى البَيْعِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَبُّدِ وَلِعُسْرِ اطِّلاَعِ الشَّاهِدِ عَلَى النِّيَّةِ فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ، ثُمَّ إنْ جَوَّزْنَا فَيَكْتُبُ أَمَّا بَعْدُ فَقَد زَوَّجْتُ بِنْتِي مِنْكَ وَيُشْهدُ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ، وإذَا بَلَغَهُ فَيَقُولُ فِي الحَالِ: قَبِلْتُ أَوْ يَكْتُبُ عَلَى الفَوْرِ وَيشْهِدُ عَلَيْهِ شَاهِدَي الإِيجَابِ، فإِنْ أَشْهَدَ آخَرَيْنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كتب القادر بطلاق زوجته، نُظِرَ؛ إن قرأ ما كتب، وتلفَّظ به، إما في حال الكتابة أو بَعْد ما فرغ منْها، وقع الطلاق، وإن لم يتلفظ به، فيُنْظَرُ إنْ لم يَنْوِ إيقاع الطَّلاق، لم يَقَع الطلاق.
وعن رواية الشيخ أبِي عليٍّ أنه يقع، وأن الكتابة صريحة كالعبارة، ويُرْوَى هذا عن مَذْهَب أحمد -رحمه الله- والصحيح الأوَّل ووجه ذلك أن الكتابة تحتمل النسخ، والحكاية وتحتمل تجربة القلم والمداد وتقويم الخط وغيرهما.
وإن نوى إيقاع الطلاق فقولان: أصحهما: أنَّه يقَع الطَّلاق، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وأحمد، والمُزَنِيُّ -رحمهم الله-؛ لأن الكتابة أحد الخطابَيْن كالكلام، والإِنسان يعبر عما في نفسه، بالكتابة، كما يعبر بالعبارة.
والثاني: لا يقع؛ لأنه فِعْل من القادر، فلا يصلح كناية عن الطَّلاق؛ كما لو سألته الطلاق فضربَها، وأخرجها من بَيْتِه، ونوى الطلاق، والقبول الأوَّل منْصوص في "المختصر" و"الأم"، ويُحْكَى الثاني عن "الإملاء"، ومنهم من خرَّجه من قوله في الرجعة حيث قال: إنَّها لا تحْصُل بالوطء، لأنَّه لمَّا لم يكن نكاح، ولا طلاق إلاَّ

بكلام، كذلك الرَّجْعَة، وعبَّر بعضهم بالخِلاَف من الوجهين لمكان التخريج، هذه هي الطريقة الظَّاهِرَة، ووراءها طريقان: إحداها: القطع بوقوع الطلاق.
والثانيةُ: عن أبي إسْحَاق؛ القَطْع بعَدَم الوقوع، حكاه الحناطي.
وإذا قلنا بطريق القولين، ففي موضعهما ثلاث طُرُق: أحدها: أن الخلاف في حقِّ الغائب، فأما الحاضر الخامس فكنايته لَغْوٌ؛ للعادة الغالبة بالمكاتبة في الغَيْبة، وفي الحُضُور لا حاجة إلى الكتاب.
والثاني: أن الخلاف في حقِّ الحاضر، أما الغائب فكتابته كنايةٌ لا محالَةَ، وأظهرهما طرد الخلاف فيهما؛ لأن الحاضر أيضاً قد يَكْتُبُ إلى الحاضر لئلا يطَّلع عليه سائر الحاضرين، أو لاستحيائه عن المُخَاطبة وغيرها، والغائب عن المجلس عن البَلَد سواء فيما نَحْن فيه، وإذا اختصرت هذه الاختلافات خرج منها المختصر ثلاثة أقوال أو أوجه.
الثالث: أن الكتابة كنايةٌ في حق الغائب دون الحاضر، كما ذكر في الكتاب.
وليعلَّم قولُه "لَيْسَ بِصَرِيح" بالألف والواو، وقوله: "لَغْو" بالحاء والميم والألف والزاي لأنَّ الكتابة عندهم جميعاً كنايةٌ، وكذا قوله "مِنَ الحَاضِرِ لَغْوٌ" والخلاف المذكور في أن الطَّلاق هل يقع بالكتابة جارٍ في سائر التصرُّفات التي لا تحتاج إلى القَبُول؛ كالإِعتاق، والإِبراء، والعفو عن القصاص وغيرها, ولا فَرْق، أمَّا ما يحتاج إلى القَبُول فينقسم إلى نِكَاح، وغيره، أما غيْر النكاح؛ كالبيع، والإِجارة، والهبة، ففي انعقادها بالكتابة خَلافٌ يترتَّب على الخلاف في الطلاق وما في معناه، إن لم نعتبر الكتابة هناك، فهاهنا أولى، وإن اعتبرناها، فهاهنا وجْهان؛ للخلاف في انعقاد هذِهِ التصرفات بالكناية وأيضاً فإن القَبُول شرطٌ فيها وإنه يتأخر عن الإيجاب، والأشبه الانعقاد، ومن قال به جعَل تَمَام الإِيجاب بورود الكتاب؛ حتى يشترط اتصال القَبُول به.
وفي وجه: لا يُشْتَرط ذلك، ويراعى التواصل اللائق بين الكتابين، وقد أشرْنا إلى ذلك كلِّه في أول "البَيْع" وحكينا عن بعض المسودات أن المشتري لو أجاب بالقَوْل، كان ذلك أقوى من أن يَكْتُبَ، وهذا ذكره الإِمام، وأما النِّكاح، فالخلاف فيه يترتَّب على الخلاف في البيع وسائر ما يفتقر إلى القبول من وجهين: أحدهما: اختصاص النِّكاح بمزيد الاحتياط والتضييق وكذلك 1 وقع الخلاف في انعقاده بالترجمة.

والثاني: أن الكتابة كناية، والكنايات تَعْمَل بالنية، والشهود لا يَطَّلِعُون على النيات، فإن قال بعد الكتابة: نَوَيْتُ، عند الكتابة، فهُمْ شُهود على إقراره بالعقد، لا على نَفس العَقْد، والأظهر في النكاح المَنْع، ومن جوَّزه اعتمد الحاجة للغيبة، وإذا قلنا بانعقاد البَيْع والنكاح بالكتابة، فذلك في حال الغَيْبة، فأما عند الحضور، فالخلافُ يترتَّب على ما سَبَق، ويجيْء من الترتيب طريقة قاطعة بالمَنْع، وبهذا أجاب القاضي أبو سَعْد الهَرَويُّ في النكاح على ما ذَكْرنا في بابه، وإليها ميل الإِمام، وحيْث حَكمنا بانعقاد النكاح، بالكتابة فيكتب: زوجْتُ بنتي منك، وَيشْهد الكِتَابَ عدْلان، فإذا بلَغَه، فيقبل لفظاً أو يكْتُب القبول، ويشهد القبول شاهدَا الإِيجاب، فإن شَهِد آخران فوجهان: أحدهما: الجواز، ويُحْتَمَل ذلك كما احتمل الفصل بين الشقين للحاجة، وأصحهما المنع؛ لأن واحداً منهما ما يحضر العقد بتمامه.
ويُشْتَرط أن يكون القَبُول لفظاً أو كناية على الفور، وفيه وجه ضعيف كما تقدَّم.
ولو كتب إلى إنسان: إني وكَّلْتُك ببيع كذا من مالي، أو بإعتاق عَبْدي، فإن قُلْنَا: الوَكَالَة لا تحْتَاج إلى القبول، فهو ككتبه الطَّلاق، وإن قلنا تحتاج إليه، فكالبيع ونحوه من العقود.
وقوله في الكتاب "فَيَكْتُب، أمَّا بَعْدُ" لا يخفى أن لفظة "أمَّا بَعْدُ" غير متعيّنة، وإنما أجراها على سبيل الرسائل.
وقوله "ويُشْهِدُ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ" فيه توسُّع أي وَيشْهَدُه شاهدان، وكذا قوله "ويُشْهِدُ عَلَيْهِ شَاهِدَيِ الإِيجَابِ" فإن المرعى حضور الشهود لا غَيْر.
وقوله: في "الحَالِ" وقوله: "عَلَى الفَوْرِ" يجوز إعلامهما بالواو؛ لما عرفْتَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَتَبَ زَوْجَتِي طَالِقٌ وَقَرَأَ وَنَوَى وَقَعَ، وَإِنْ قَرَأَ وَقَالَ: قَصَدتُّ القِرَاءَةَ دَوْنَ الطَّلاَقِ قُبِلَ في الظَّاهِرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ وَلاَ شَكَّ فِي أَنَّهُ يَدِينُ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهَا: أَمَّا بَعْدُ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى وَقَعَ فِي الحَالِ، وَإذَا قَالَ: إِذَا قَرَأْتِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ طُلِّقَتْ إِذَا قَرَأَتْ أَوْ قُرِئَ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ أُمِّيَّةً، وَإِنْ كَانَتْ قَارِئَةً فَقَرَأَ علَيْهَا غَيْرُهَا لَمْ تُطَلَّقْ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا بَلَغَكِ الكِتَابُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَبَلَغَهَا وَقَدَ انْمَحَى جَمِيعُ الأَسْطُر لَمْ يَقَعْ (و)، وَإِنْ لَمْ يَنْمَحِ إِلاَّ أَسْطُرُ الطَّلاَقِ فَوَجْهَانِ، فَإِنْ لَمْ يَنْمَحِ إِلاَّ الصَّدْرُ وَالتَّسْمِيَة دُونَ المَقَاصدِ فوَجْهَانِ مُرَتَّبَان، وَأَوْلَى بِأَنْ يَقَعَ، وَإِنْ انْمَحَى الجَمِيعُ إِلاَّ سَطْرُ الطَّلاَقِ فَأَوْلَى بِأَنْ يَقَعَ، وَإِنْ سَقَطَ الحَوَاشِي دُونَ المَكْتُوبِ وَقَعَ (و).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كتب: زَوْجَتي طالقٌ، أو يا فلانةٌ أنْتِ طالقٌ أو كلُّ زوْجَةٍ لي

طالقٌ، وقرأ ما كتبه، ونوى، فقد قدَّمنا أنَّه يقع الطلاق، فلَوْ قال: لم أَنْوِ الطلاق، وإنما قصدتُّ قراءة ما كتبته، وحكاية ما فيه، ففي قَبُوله ظاهراً وجهان مشبهان بالوجهين فيما إذا حل الوثاق عنها، فقال: أنْتِ طالقٌ، وقد سبق ذكرهما 1، وإنَّما يَظْهَر فائدة كلامه هذا، إذا لم نجعل الكتابة صريحةً، أو أنكر اقتران نية الطلاق بالكتابة، أمَّا إذا جعلْنَاها صريحةً، وسلم اقتران النِّيَّة بها، فالطَّلاَق واقِعٌ، ولا معْنَى لقَوْلِهِ: قَصَدتُّ القراءة.
والثانية: إذا أوقعنا الطلاق بالكتابة فَيُنْظَرُ في الصِّيغَة المكتوبة؛ إن كَتَب: أما بَعْدُ، فأنْتِ طالقٌ، وقع الطلاق في الحال؛ وإن ضاع الكتاب قَبْل أن يصل إليها، وإن كتب إذا قرأْتِ كتابي، فأنْتِ طالقٌ، فلا يقع الطلاق في الحال، ولا 2 إذا بلغها الكتاب، بل عنْدِ القراءة، ثم إنَّ كانَتْ تُحسن القراءة فتُطَلَّق إذا قرأت، قال الإِمام: والمعتبر أن تَطَّلِعَ على ما فيه، ولم يختلف علمائنا -رضي الله عنهم- في أنَّها إذا طالعته وفَهِمَت ما فيه، يقَعُ الطلاق، وإن لم تتلفظ بشيْء وإن قرأ غيرها عليها فوجهان: أحدهما: أنَّه يقع الطلاق [أيضاً] 3؛ لأنها عَرَفَتْ ما فيه، واطَّلَعَت عليه، وهو المقصود.
وأصحهما: وهو الذي أورده في "التهذيب": المنع؛ لأنها أهْلٌ للقراءة ولم يقرأ، فأشبه ما إذا علّق على فعل آخر من أفعالها, وإن كانَتْ لا تُحْسِن القراءة؛ وقع الطلاق إذا قرأه عليها غيْرُها؛ لأن القراءة حقِّ الأُمِّيِّ محمولةٌ على الوقوف والاطِّلاع.
وفيه وجه ضعيف: أنه لا يقع، ومن ذَهَب إليه جعل تعليق الطلاق بقراءة الأُميّة، كالتعليق بالأمور الممتنعة، مثْل صعود السماء وغيْره، ولو كان الزوج لا يعرف أنَّها قارئة، أو أمِّيَّة فيَجُوز أن يقال: ينعقد التعليقُ على قراءتها بنفسها؛ نظراً إلى حقيقة اللَّفْظ، ويجوز أن يقال: ينعقد على الفَهْم والاطلاع؛ لأنَّه القَدْر المشترك، والأصل في الناس ألاَّ يحسنوا القراءة، والأول أقْرب، وإن كتب: إذا أتاك أو بَلَغَكِ أو وصل إليك كتابي، فأنْت طالقٌ، فلا يقع الطلاق قَبْل أن، يأتيها، فإن ضاع ولم يبْلُغها، [لم يقع] وانمحاء المكتوب كضياع الجرم حتى لو بلغها القرطاس وقد انمحى جميع ما كتب عليه بالوقوع في حاء وغيره وانمحى بحيث لا يمكن القراءة، [لم تطلق] وإن بقي أثر، وأمكنت القراءة فهُوَ كما لو وَصَل والمكتوب بحاله، وإن وصَل إليها بَعْض الكتاب دون بعض، فَحُزِمَ الكتابُ أربعة أقْسَامٍ: أحدهما: موضع الطلاق، فإن كان هو الضائع، أو انمحى المكْتُوب فيه، ووصل الباقي فوجهان:

أحدهما: يقع؛ لوصول الكتاب.
وأصحهما: وهو المذكور في "التَّهْذِيب" المَنْع؛ لأنه لم يبلع جميع الكتاب، ولا ما هو المقصود الأصلي منْه.
وفيه وجه ثالث: وهو أنَّه إذا قال: إذا جاءك كتابي هذا أو إذا جاءك الكتاب، لم يَقَع, لأنَّه لم يجئْها جميعُهُ وإن قال: إذا جاءك كتابي يقع، لأنَّه قد جاءها كتابه.
والثانى: موْضِع سائر مقاصد الكتاب، ومنْه ما يَعْتذِر به عن الطَّلاَق، وما يوبخها عليه من الأفْعَال الملجئة إلى الطلاق، فإذا كان الخَلَل فيه بالتخرق والانمحاء، وبقي موضع الطلاق وغيْره، ففيه الأوجه الثلاثة، وهذه الصورة أَوْلَى بالوقوع، وبه قال أبو إسحاق؛ لوصول الطَّلاَق إليها، وهو المقصود الأصلي من الكتاب، ويحسن أن يعتمد على الوجه الثالث في الصورتين جميعاً.
والثالث: موضع السوابق واللواحق التي ثبتت في المكاتبات خطًّا للأدب؛ كالتسمية، والصدر في أول الكتاب، والحمد، والصلاة في آخره، فإذا كان الخَلَل فيه، والمقاصد باقيةٌ، ففيه الخلاف، وهذه الصورة أَوْلَى بالوقوع، وهو الأظهر على ما ذكر الإِمام قال: وكنْت أُحِبُّ أن يفرق في هذه الصور الثلاث بيْن أن يَبْقَى مُعْظَم الكتاب أو يختل فإن للمعظم أثراً ظاهراً في بقاء الاسم وزواله 1. والرابع: الحواشي والبَيَاض في أول الكتاب وآخره، فظاهر المَذْهَب أنَّه لا عبرة بزوالها؛ لأن الكتاب، هو المكتوب وقد بَقِيَ كلُّه، فيقع الطلاق بوصوله، فلا يجيْء فيه الخلاف، وهذا ما حكاه القاضي أبو الطَّيِّب عن الماسرجسي، ومنهم من أثبت فيه الخلاف، وقال: الحواشي والبياض من أجزاء الكتاب، ولذلك يَحْرُم على المُحْدِث مسهما من المُصْحَف، كما يحرم موضع الكتاب.
وقوله في الكتاب: "وَقَدِ انْمَحَى جَمِيعُ الأَسْطُرِ" يعني الانمحاء الكلِّيِّ؛ بحيث زال الأثر وتعذرت القراءة، ويجوز أن يعلَّم بالواو؛ لأنه رُوِيَ عن صاحب "التقريب" وجه: أنَّه يقع الطلاق إذ يقال أتاني كتاب فلان وقت المجيء، وقوله "وإن لم ينمح ينمح إلاَّ أسطر الطلاق" هو الصورة الأولَى من الصور الأربع، وقوله: "فإن لَمْ ينمح إلاَّ الصَّدْرُ والتَّسْمِيَةُ" هو الصورة الثالثة، ولم يتعرَّض في اللفظ للصورة الثانية وقوله "وإن انمحى الجميعُ إلا أسطر الطلاق" فأَوْلَى بأن يقع يعني من الصورة الأُولَى، وهو ما إذا لم تنمح

إلا أسطر الطلاق، لا من صور انمحاء الصَّدْر والتسمية، دون المقاصد.
وقوله: "وإن سَقَطَ الحَوَاشي" هو الصورة الرابعة، ليعلَّم قوله: "وَقَعَ" بالواو.
ولو كتب: إذا بَلَغَكِ طلاقي، فأنت طالقٌ، فإن بلَغَ موضع الطلاق، وقع بلا تفصيل ولا خلاف وإن بلغ ما عداه وبطل موضع الطلاق لم تطلق ولو كتب: إذا بلَغَكِ كتابي فأَنْتِ طالقٌ وكتب أيْضاً: إذا وَصَلَ إليْكِ طلاقي، فأنْتِ طالقٌ، فبلَغَها، وقعَتْ طلقتان؛ لوجوب الصفتين، وإذا كان التعليق بقراءتها الكتاب، فقرأت بعْضَه دون بعض، فعلى ما ذكَرْنا في وصول بعْضه دون بعض.
فروع: لو كتب كناية من كنايات الطَّلاق، ونوى، فهو كما لو كَتَبَ الصرائح، ولو أمر الزَّوْجِ أجنبيًّا، فكتب بالطلاق، ونوى الزَّوْج لم تطلَّق كما أو أَمَر أجْنبيًّا بأن يقول لزوجته: أنْتِ بائنٌ، ونوى الزوج، ولو قال: إذا بَلَغَكِ نِصفِ كتابي هذا، فأنْتِ طالقٌ، فبلغ الكتابُ كله، ففيه وجهان، وعن صاحب "التقريب": أحدهما: يَقَع؛ لاشتمال الكُلِّ على النصف.
والثاني: المنع؛ لأن النِّصْف في مثل هذا الموضع يراد به النِّصْف المفرد المميز 1، والكتابة على الكاغد والرّقّ، واللوح، وبالنقر في الخشب، والحجر سواءٌ في الحكم على ما بيَّنَّا في "البيع" وذكَرْنا أنَّه لا عِبْرة برسم الحُرُوف على الماء والهواء؛ لأنها لا تَثْبُتُ.
قال الإِمام: لا يَمْتَنع أن يلتحق هذا بالإِشارات؛ فإنها حركَاتٌ يُفْهَمُ منها شكْلُ الحروف، فتنزل منزلة الإِشارات المفهمة، ولكَ أن تقُولَ: الإِشَارة المُعْتَبَرَة هي الإِشارة إلى معْنَى الطلاق، وهو الإِبعاد والمفارقة لا إلى حروف الطلاق، وهذه إشارة إلى الحُرُوف، ونقل في "التتمة" عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنَّه إن كتب على البياض: وقَعَ الطلاق، وإن كتب على حائِطٍ، وثَوْب، لم يَقَعْ، ولو قالت المرأة: أتاني كتاب الطلاق، وأنكر الزَّوْج أنَّه كتبه أو أنه نوى الطلاق، فالقول قوله، ولو شهد شُهُود على أنه خطه، لم يَثْبُت الطلاق، بل نحتاج مع ذلك إلى إثبات قراءته، أو نيته، وإنما يجوز للشُّهود أن يشهدوا على أنَّه خطّه وإذا شاهدوه وقْتَ الكتابة، وكان الخَطُّ محفوظاً عنْدهم؛ ليأمنوا التزوير، ولو كتب: أنتِ طالقٌ، ثم أشهد، وكَتَب: إذا بلَغَكِ كتابي، فإن احتاج إلى الإِشهاد 2، لم تُطلَّق؛ حتى يبلغها الكتاب، وإن لم يحتج إليه طُلِّقَت في الحال.
فَرْعٌ: حرك لسانه بكلمة الطلاق، ولم يرفع صوته بقَدْر ما يسمع، ففي "التتمة" أن الزجاجيَّ حكى فيه قولين:

أحدهما: وقوع الطلاق؛ لأنا نُوقِعُ الطلاق بالكتابة مع النية، فعِنْد اللفظ أَوْلَى 1. والثاني: المَنْع؛ لأنَّه ليس؛ بكلام ولهذا يشترط في قراءة الصلاة أن يُسمِعَ نَفْسَهُ [والله أعلم].
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ في التَّفْوِيضِ): 2 وهُوَ أَنْ يَقُولَ: طَلِّقي نَفْسَكِ فَإذَا قَالَتْ: طَلَّقْتُ وَقَعَ، وَهُوَ تَمْلِيكٌ أَوْ تَوْكِيلٌ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: إنَّهُ تَمْلِيكٌ لَمْ يَجُزْ لَهَا تَأْخِيرُ التَّطْلِيقِ لأَنَّهُ كَالقَبُولِ، وَإِنْ قُلْنَا: تَوْكِيلٌ فَفِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ وَجْهَانِ، وَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا جَازَ عَلَى القَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ التَّمْلِيكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجُوز للزَّوج تفْويض الطَّلاق إلى زوجته، قال الأصحاب: والأصل فيه أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- خَيَّر نسَاءه بيْن المقام معه وبيْن مفارقته 3، لمَّا نَزَل قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: 28] الآية والتي بعدها، وإذا فوض الطلاق إليها بأن قال: طلِّقِي نَفْسَك أو طلِّقي نفسك إن شئت، فهو تمليك للطَّلاق أو توكيل به، فيه قولان: أصحُّهما: وهو الجديدُ 4؛ أنه تمليك 5؛ لأنه يتعلق بغرضها وفائِدَتِها، وكأنَّه يقول: مَلَّكْتُك نفْسَك، فتملكها بالطلاق.
والثاني: ويُنْسَب إلى القديم، أنَّه توكيل كما لو فرض طلاقها إلى أجنبيِّ، وبه قال أبو حنيفة فيما رواه أبو الفرج السرخسي وغيره.
التَّفْرِيع: إن قلنا: إنَّه تمليكٌ، فتطليقها نفْسَها متضمن للقبول، ولا يجوز تأخيره،

لأن التمليك يَقْتَضي الجواب على الفَوْر، فلو أخَّرَت بقدْر ما ينقطع به القَبُول عن الإِيجاب، ثم طَلَّقَت، لم يقع الطلاق.
وعن ابن القاصِّ وغيره؛ أنَّه لا يضر التأخير ما دَامَا في المجْلِس؛ لأن الشَّافعي قال: ولا أعلم خلافاً أنَّهَا إن طَلَّقت نفسها قبل أن يتفرَّقا من المجْلِس أو يحدث قطعا لذلك أن الطَّلاق يقع عليها، وأبو إسحَاق والأكثرون حَمَلوا اللَّفْظ على مَجلِس التواجب، كما سبق نظيره في "الخُلْع" وعن اختيار ابن المُنْذِر أنَّه لا يلزم الفَوْر، ولا يختص بالمجلس، بل لها التطليق متى شاءت.
ولو قال: طَلِّقِي نَفْسَك بألْف، أو على ألْف إن شئت، وطَلَّقَت، وَقَع بائناً، وعليها الألْف، وهذا تمليك بالعِوَض، كالبيع وإذا لم يجر ذكْر العِوَض، فهو كالهبة، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يعتبر تطليقُها ما داما في المجْلس إلا أن يخوض في أمر آخر من كلام وغيره، وقال: ولو كانت عنْده قاعدةٌ، فقَامَتْ، كانت معرضة عن الطَّلاَق، وإن كانتُ قائمةً فقعدت، لم يكُنْ ذلك إعراضاً قال: وكذلك الحُكْم عنْده في قَبُول البيع، والهِبَة، والنِّكاح، وعن القَفَّال أنَّه لو قال لزوجته: طَلِّقِي نَفْسَك، فقالت: كيف يكُونُ تطليقي لنفسي، ثمَّ قالت: طَلَّقْتُ، وقَع الطلاق، ولم يكن هذا القدْر، [قاطعاً] 1 وهذا مبني على أن تَخَلُّل الكلام اليسير لا يضُرّ، وإن قلْنا: تفويض الطلاق إليها تَوْكيل 2، ففي اشتراط قَبُولها الخِلاف المذكور في اعتبار القبول في الوكالات ويجيْء الوجه الفارق بيْن لفْظ الأمْر بأن يقول طلِّقِي نَفْسَك، وبين صيغة العَقْد؛ بأن يقول وكَلْتُكِ بطلاق نفسك، وهَلْ يَجُوز تأخير التطليق على هذا القول: فيه وجهان: أصحهما: نعم، ولها أن تُطلَّق نفسها متى شاءت، كما في توكيل الأجنبيِّ، احْتُجَّ لذلك بأن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة -رضي الله عنها- لمَّا أراد تخيير نسائه "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً فَلاَ تُبَادِرِينِي الجَوَابَ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ" 3. والثاني: عن القاضي الحُسَيْن أنه لا يجوز التأخير، وإن جعلْناه توكيلاً: لأنه يتضمَّن تمليكها نفسها بلفْظ مأتيٍّ به، وذلك يقتضي جواباً عاجلاً؛ ألا تَرَى أنه إذا قال أنْتِ طالقٌ إن شئْتِ، يعتبر الفور في المشيئة، وطَرَد القاضي ما ذَكَره فيما إذا صَرَّح بالتوكيل، فقال: وَكَّلْتُكِ؛ لتطلقي نفْسَك، وقال: إنَّه يشوبه شعبة مِنَ التْملِيك، وإن صرَّح بالتوكيل، قال الإِمام: وقد رَمَز المحققون إلى هَذا حيْث قالوا: إنْ جعلْنا

التفويض تَوْكيلاً، فذاك، وإن جعلْناه تمليكاً، فهل يتمكن الزوج من توكيلها، أم كل تفويض تمليكٌ؟ فيه خلاف.
والثاني: وهو الَّذِي أورده صاحبُ "التهذيب".
ولو قال: طَلِّقِي نَفْسَك مَتَى شِئْتِ، فلا يشترط التطليق على الفَوْر، ويجُوز للزَّوْج الرجوع قبْل أن تُطَلِّق نفْسَها، سواءٌ جعلْناه توكيلاً أَم تمليكاً، أمَّا إذا كَانَ تَوْكيلاً؛ فلأنه عقْد جائز في وضعه، وأمَّا إذا كان تَمْليكاً، فلأن التَّمْليكات يجُوز الرُّجُوع عنْها قَبْل القبول، وساعدنا أحمد -رحمه الله-، وعنْ أبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- أنَّه لَيْس له الرجوع، وبه قال ابن خيران وإن قلنا: إنَّه تمليك، ووجِّه بأنه إذا قال لها: طَلِّقِي نَفْسَك، فكأنَّه قال إذا تلفَّظْت بتطليق نفْسك، فأنْتِ طالقٌ، ويقال بأن الشيخ أبا محمَّد كان يعبِّر عن هذا المَعْنَى بأنه تمليكٌ متضمِّن التعليق ويجُوز أن يُعلَّم؛ لِمَا نقلْنا قولُه "جاز" بالحاء والميم؛ وقولُه "لا يجوز" بالألف.
ولو قال لامرأته إذا جَاءَ رَأسُ الشَّهْر، فطَلِّقِي نفْسَكِ، ففي صِحَّته، قولان بناءً على أن التَّفْويض تمليك أو توكيل، إن قلْنا تمليكٌ، فهو لَغْو، وليس لها تطْليق نفْسِها، إذا جاء رأس الشَّهْر كما إذا قال: مَلكَّتك هذا العَبْد، إذا جاء رأْس الشهر، وإن قلْنا إنَّه توكيلٌ، فيجوز كَمَا لو وكَّل أجنبيًّا بتطليق زوجته بعْد شَهْر، وَعَلَى هذا، فلو قال: إذا جاء رأْس الشهر، فطَلِّقِي نفْسَك، أن ضمنت لي ألْفا، أو قال: طلِّقي نفْسَك، إن ضمنت لي ألْفاً بعْد شهر، فإذا طلقت نفسها على ألْف بعْد مضيِّ شهر، يقع، ويلزمها الألف، وذكر إسماعيل البوشنجي أنَّه إذا قال لأجنبي إذا جاء رأس الشهر، فأَمْر امرأتي بيدك، فإن كان قَصْده بذلك إطلاقَ الطَّلاق له بعْد مجيْء رأس الشَّهْر، فله التطْليقُ بعْده أيَّ وقْت شاء إلا أن يطْرَأَ حَجْر، وإن أراد تقييد الأمْر برأْس الشهر، فيتقيد الطَّلاق به، وليْس له أنْ يُطَلِّقها بعْد ذلك، ولو قال: إذا مَضَى هذا الشَّهْر، فأمرها بيَدِك، فمقتضاه إطْلاَق الإذْن بعْد مضيِّ الشَّهْر، فيطلقها متى شاء، ولو قال: أمرها بيدك إلى شَهْر أو شهراً، فلَه أن يُطلِّقَها إلَى شَهْر، وليس له الطلاق وراءه وهذه الأحكام في حَقِّ الزوجة كَهِيَ في حقِّ الأجنبي، إذا جعلْنا التفويض إليها توكيلاً.
ولو قال لها: طَلِّقي نفْسَكِ، فقالت: طلَّقْتُ نَفْسي أو أنا طالقٌ، إذا قَدِم زيْدٌ لم يَقَعِ الطَّلاَق عليها، إذا قَدِم؛ لأنَّه لا يُمَلِّكها التعليق، وكذا الحُكْم في حقِّ الأجنبيِّ وفيها وجه آخر حكاه الحناطي.
ولو قال لها: علقي طلاقك بكذا، ففعَلَتْ أو قاله الأجنبي، ففعل، لم يَصِحُّ، لأنَّ تعليق الطلاق يجري مَجْرى الأيمان، فلا يدخله التَّفْويض والنِّيَابَة، هذا هو الأظْهَر، وهو الجواب في "التهذيب" وعن أبي عاصم العَبَّادي وجْهان آخران:

أحدهما: أنَّه يجوز تفويض التعليق، كتفويض التنجيز.
والثاني: أنَّهُ يُنْظَر في الصِّفَة التي أمر بالتعليق بها، إن كانَتْ توجد لا مَحَالَة؛ كطلوع الشَّمْس، ومجيْء رأس الشهر، فيَجُوز؛ لأنَّ مثْل هذا التَّعْلِيق ليْس بيمين، وإن وإن قَدْ يوجد، وقد لا يُوجَد كدخول الدار، فهو يمين، وتفويض الإِعتاق إلى العبْد كتفويض الطلاق إلى المرأة في الأحكام المذكورة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ: أَحَدُهَا): لَوْ قَالَ: أَبِينِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ: أَبَنْتُ وَنَوَيَا وَقَعَ، وَإِنْ لَمْ يَنوِ أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعُ (ح)، وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسكِ فَقَالَتْ: أَبنْتُ وَنَوَتْ وَقَعَ، وَقِيلَ: لاَ يَقَعُ لِمُخَالَفَةِ الكِنَايَةِ الصَّرِيحَ، وَقِيلَ: ذَلِكَ يَجْرِي في تَوْكِيلِ الأَجْنَبِيِّ أَيْضاً، وَلَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ رَجْعِيَّةً، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَالقَوْلُ فِي نِيَّةِ الكتَابَةِ قَوْلُ النَّاوِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يجوز التفويض بصريح الطَّلاق، ويُعْتَبَر من الزَّوْجة المفوض إليها باللفظ الصريح، كذلك يجوز التَّفْوِيض بالكنايات مع النية، وَيُعْتَبَر منها بالكناية مع النية، ولا يُشْتَرَطِ توَافُقُ اللَّفْظ من الجانبين، إلاَّ أن يقَيد التفويض، فإذا قال: أبيني نفسك أو بتى فقالت: أبَنتُ: أو بتت، وَنَويا، وقَع الطلاق، وإن لم يَنْوِيَا أو لم يَنْوِ أحدهما لم يَقَعْ، أما إذا لم يَنْوِ، فلأنه لم يفوِّض الطلاق، وأما إذا لم تنوِ؛ فلأنها ما امتثلت، وعن أبي حنيفة: أنَّه يكفي نية الزَّوْج، ولا حاجة إلى نيتها, ولو قال لها: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فقالت: أَبَنْتُ نفسي، أو أنا خليَّةٌ أو بريةٌ، وقع الطلاق، كما لو قال بع بلفظ التمليك يصِحُّ.
وعن ابن خيران؛ أنَّه لا يقع لاخْتِلاف اللفظَيْن، ورُوِيَ عن أبي عبيد بن حرْبوَيْه مثْله، وممَّن رواه ابن القَطَّان عن أبي محمَّد الفارسي عن ابن حرْبَوَيْه، وإذا قال طلِّقِي نَفْسَكِ، فقالَت للزوج: طلَّقْتُكَ، ونوَت تطليق نفْسِها، فهُو من صور هذا الخلاف، ويجري الخلاف في عكْسه، وهُو أن يفوِّض ببعض الكنايات، فيقول: أبيني نفْسَك أو فَوَّضْتُ إِلَيك أمْرَك أو ملكتك نفسَكِ، أو أمْرُكِ بيدك، وينوي، فتقول: طلَّقْت نفسي، وعن القاضي الحُسَيْن وغيره، أنَّ الخلاف يجري فيما إذا قال لأجنبيٍّ: طلِّق زوجتي، أبنتها، ونوى، أو قال: أبِنْ زوْجَتي، ونَوى، فقال الوكيل: طلَّقْتهَا, ولو قال لزوجته: أبيني نفْسَكِ، ونوى، فقالَتْ: أنا خليَّةٌ ونَوت، فاختلاف الصيغتين، هل يمنع وقُوع الطَّلاق تفريعاً عَلَى وجه الرجوع، وحَكَى الإمامُ فيه تردُّداً، قال: والأَوْجَهُ أنَّه لا يَمْنَع؛ لأن الاعتماد هاهنا على النية، واللفْظ غيْر مسَتقلٍّ من الجانبين بخلاف اختلاف الصَّريح، والكناية ولو قال: طلِّقي نفسك بصريح الطلاق أو بكناية الطَّلاق، فعَدَلت عن المأذون إلى غيْره، لم تُطَلَّق بلا خلاف.

ولو قال: طَلِّقِي نفْسَك، فقالت سَرَّحْت نفْسي، وقع الطلاق بلا خلاف؛ لاشتراكهما في الصرائح.
ويجُوز أن يُعلَّم قولُهُ في الكتاب، "ولَوْ قَالَ: طلِّقِي نَفْسَكِ فقَالَت: أبَنْتُ، ونَوَتْ وَقَع" بالحاء؛ لأنَّ الحكاية عَنْ أبي حنيفة -رحمه الله- إذا فوَّض بالصريح لم يقع الطلاق منْها بالكناية، بخلاف ما إذا فوَّض بالكناية، فطُلِّقَت بالصريح، وَوُجِّه ذلك أن الكنايات عنْده بوائن، فالعدول من الصريح إلى الكناية مخالفةٌ فيما يضره؛ لامتناع المراجعة، والرجوع من الكناية إلى الصريح مخالفةٌ فيما ينْفَعه.
ولو قال لزوجته اخْتَاري نفْسَك، ونوى تفويض الطلاق، فقالَتْ: اختَرْتُ نفسي أو اخترت ونوت وقعت طلقة، ولو قال اختاري ولم يقل نفسك ونوى تفويض الطلاق فقالت اخترت ففي "التهذيب" أنه لا يقع حتى تقول: اخترت نفسِي، وأَشْعَرَ كلامه بأنه لا يقع وإن نوت، وكان السَّبب فيه أن ليس في كلامه؛ ولا في كلام الزوج ما يُشْعِر بالفراق، بخلاف ما إذا قال: اخْتَاري نفْسَك، فإن له إشعاراً بالفراق، فانْصَرَف كلامها إلَيْه.
وقال إسماعيل البوشنجي -رحمه الله-: إذا قالت: اخترت، ثم قالَتْ بَعْد ذلك: أردت اخْتَرْتُ نَفسِي، وكذَّبها الزوج، يُقْبَل قولُها، ويُقْتَضى بوقوع الطَّلاق خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- ولَوْ أنَّها قالت في الجواب: اخترتُ نَفْسيِ، ونَوَتْ، وقَعَت طلقة، كما لو أتيا كناية أخرى، وتكون رجعيَّةٌ إن كانت محَلّ الرجعة.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- تكُون بائنةً؛ بنَاءً على أن الكنايات بوائن، ولْيعلَّم قولُه في الكتاب "طُلِّقَتْ رجعيَّة" بالحاء لذلك ويجوز أن يُعلَّم بالميم أيضاً, لأن عند مالك يقع ثلاَثُ طلقات، إن كانَت المرأة مدْخولاً بها، وإن لم يكن مدخولاً بها، يقَع ما نوت من واحِدَة إلى ثَلاَث، ولو قالَتِ: اخترت زَوْجي، أو اخترت النِّكَاح، لم يقَعْ شيْء، وإن قالَت: اخترت الأزواج، وقَعَتْ طلقة؛ لأنَّها لا تَصْلُح للأزواج إلا بمفارقته، وعن أبي إسحاق أنَّه لا يقَع شيْء؛ لأن الزوج من الأزواج؛ فصار كما إذا قالَت: اخترْتُك، وإن قالت: اخترت أبَوَيَّ، فوجهان منقولان في "التهذيب": أحدهما: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأن اختيار الأبوَيْن لا يقتضي فراق الزواج.
وأظهرهما، وبه أجَابَ البوشنجي -رحمه الله- الوقوع لإِشعاره باللحوق بهما، والرجوع إلَيْهما، وصار كَمَا إذا قال الزوج: ألْحَقِي بأهْلك، ونوى، وقالَت اخترتُ أخي أو عَمِّي، فعلى هذا القياس، قال البوشنجي، ولَوْ كانَ قَدْ قال: اختاري نَفْسَك، فاختارت واحد من هؤلاء، ففِيهِ احتمالٌ، والأظهر أنَّه يقَع الطلاق أيضاً وقربه ممَّا إذا قال طَلِّقِي نفْسَكِ فقالت: طلقتك، ونَوَت يقع الطلاق، وإذا جَرَى التفويضُ بكناية من الكنايات، والتطليق فيها كذلك أو جرى أحدهما بالكناية، فتنازعا في النية، فالقول قول

النَّاوي، نفى أو أثبت، لأنَّه أعْرَفُ بما في ضميره، ولا يُمْكن إقامة البينة عليْه، وعن الإِصطخري -رحمه الله-: أنَّها إذا قالت: نَوَيْتُ، وقال الزوج: ما نَوَيْت، فالقول قَوْل الزوج؛ لأنَّ الأصْل بقاء النِّكَاح، والظاهر الأول، ولو اختلفا في أصْل التخيير، وأنْكَره الزَّوْج، [أو قال: خيرتك فلم تختاري في وقت الاختيار] فالقول قَوْله؛ لأن الأصْل عدَمُ المدَّعي، وبقاء النكاح، وإقامة البينة على المدَّعي مُمْكِنة.
ذكر القاضي ابن كج أنه لو جَعَل أمرها إلى وكيل، فقال لها الوكيل: أمْرُكِ بيدك، وقال نَوَيْتُ الطَّلاق، وصدَّقَتْه المرأة وكذَّبه الزوج، فالقَوْل قول الوكيل على المَذْهَب؛ لأن الزَّوْج قد ائتمنه، وفيه وجْه أن القوْل قول الزوج؛ لأن الأصْل بقَاءُ النِّكَاح، ولو تَوافَق الزوجان على تَكْذيبه، لم يُقْبَل قوْل الوكيل علَيْها، والقَوْل في اشتراط الفَوْر منها في التفْويض بالكنايات على ما ذَكْرنا في التفويض بالصريح، ووراءها ذكَرْنَا صُوَرٌ تتعلَّق بالتخيير.
ولو قال لزوجته: اختَارِي من ثلاثِ طلقات ما شئْتِ أو طلِّقي نفْسَك من ثلاثٍ ما شِئْت، فلها أن تُطلِّق نفْسها واحدةً أو اثنتين، ولا تملك إيقاع الثلاث لأن "مِنْ" للتبعيض.
ولو خير صبية، فاختَارَتْ، لم يقَع الطلاق، ولم يعتبر اختيارها.
وفي "التتمة" أنَّه لو قال لزوجته ثلاث مرات: اختاري، وقال: أردتُّ واحدةً، لم يقع إلا واحدة، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- وذكر إسماعيل البوشنجي؛ أنه إذا قَال لها: اختاري، ققالت: اخترتُ الأولى، والوسطى؛ فالقياس أنه تقع واحدة، وعن أبي حَنِيفة -رحمه الله- أنَّه يقع الثَّلاث.
وأنَّه لو قال: اختاري نفْسَكِ أو طلِّقي نفْسَك، فقالت: اخترت أو أطْلَق، فمطلقة، للاستقبال فلا يقع به شيء في الحال، وإن قال: أردتُّ الإِنشاء وقع 1. أنَّه لو خيَّرها، وهي لا تَشْعر، فاختارت نفسها، اتفاقاً فيخرج على ما لَوْ باع مَالَ أبيه على ظَنِّ أنَّه حَيٌّ، فإذا هو ميِّت، والطَّلاق أَوْلَى بالنفوذ.
وأنَّه إذا قال لغَيْره: أمرُ امرأتي بيد الله، وبيدك، روجع فيه، فإن قال: أردتُّ أنه لا يستقلُّ بالطلاق، قُبلَ قوله: ولم يكن له أن يطلِّق، وإن قال: أردتُّ أن الأمور كلِّها بيد الله -تعالى- والذي أثبته لي جعّلْتُه في يَدِك، قُبِلَ، واستقل ذلك الرَّجُل، ولو قَالَ: كل أَمْرٍ لي علَيْكِ قَدْ جعلته بيدك، فالَّذي عندي أن هذا لَيْس بتفويض، صريح وليْس لها أن تُطلِّق نفسها ثلاثاً ما لم يَنْوِ الثلاث، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- وأصْحَابه خلافُه،

وأنَّه لو قَال لها: اختاري اليَوْمَ وغداً وبعد غد، فالمضاف إلى الزَّمَان المستقبل ينبغي أن يَكُون على الخِلاَف في أن التفويضَ تمْلِيك أو توكيل، إن جعلْناه تمليكاً، لم يَحْتَمل التراخي فيه، كما في البيع، وإن جعلْنَاه توكيلاً، فهو كما لو وَكَّل إنْساناً بالبيع في اليوم والغد وبعد الغد، وعلى هَذَا، فَلَها الرَّدُّ في بعض الأيام دون بعض.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): إِذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ وَنَوى ثَلاَثاً فَقَالَتْ طَلَّقْتُ وَلَمْ تَنْوِ العَدَدَ لَمْ يَقَعْ إِلاَّ وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: يَقَعُ الثَّلاَثُ وإِنَّ نِيَّتَهُ تُغْنِي عَنْ نِيَّتها في العَدَدِ وَإِنْ لَمْ تُغْنِ في أَصْلِ الطَّلاَقِ، وَهَذَا يَظْهَرُ إِذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلاَثاً فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ وَلاَ يَتَّجِهُ إِذَا لَمْ يتَلَفَّظْ بِالثَلاَثِ (الثَّالِثُ): لَوْ قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلاَثاً فقالَتْ: طَلَّقْتُ وَاحِدَةً طُلَّقَتْ وَاحِدَةً, وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِي وَاحِدَةً وَطَلَّقَتْ ثَلاَثاً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال: طَلِّقِي نفْسَكِ، ونوى الثَّلاث، فقالت: طلقْتُ نَفْسي، ونوت [الثلاث] وقع الثلاث؛ لأنَّه يحتمل العدد كما سَيأْتِي، فإذا نَوَيَا وقَع، وإن لم تنوِ هي العدد فوجهان: أصحُّهما: أنَّه لا تقع إلاَّ واحدة؛ لأنَّ صرائح الطَّلاق كنايةٌ في العدد، كما أن البَيْنُونَة بالحرية كناية في أصْل الطلاق، ولو قال: أبيني نفْسَكِ، ونوى فقالت: أبَنْتُ، ولم تنوِ، لم يقع الطلاق، وكذلك لا يَقَع العدد.
والثاني: تقع الثلاث، وتغني نيته في العَدَد عن نيتها، وإن لم تُغْنِ في أصل الطلاق؛ لأن البِنَاء في أصْل العَدَد أقْرب من البناء في أصل الطَّلاق، وكأنه فوَّض إليها أصْل الطلاق، وتولى بنفسه قَصْد العدد، ولو قال: طلِّقِي نفْسَك ثلاثاً، فقالت: طلقْتُ نَفْسي، أو طلقْتُ، ولم تتلفظ بالعدد، ولا نَوَتْه، فعن القاضي الحُسَيْن؛ أنه يقع الثلاث؛ لأن قوله هاهنا جوابٌ لكلامه فهو كالمعاد في الجواب، وإذا لم يتلفَّظ بالثلاث، ونوى، لمْ يمكن أن يقدر عود المَنْوِيِّ في الجواب؛ لأنَّ التخاطُبَ يقَع باللَّفْظ لا بالنية، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب".
وقال الإِمام -رحمه الله-: وهذا الجَوَاب بتوجهه ينبي إن جعلْنا التفويض تمليكاً، وإن جعلناه توكيلاً، فتصرف الوكيل بفسخ غيْر مبنيٍّ على التوكيل، ولذلك لم يُشْتَرَطِ اتِّصَالُه، وإذا لمْ يكُن مبنيًّا علَيْه، فالوجه أن لا تقع الثلاث، نعم من شَرَط اتصال تصرف الوكيل على ما حكاه وجْهاً عن بعض الأصْحاب اتَّجَه عنده وقوع الثلاث، كما على قول التمليك، قال: ويجوز أن يقلب فيقال إن جعلْناه توكيلاً، لم يبن كلامُها على كلامه، ولم تقع الثلاث، وإن جعلْنَاه تمليكاً، فيحتمل أن يكون الحُكْم كما حكي عن القاضي -رحمه الله-، ويحتمل أن لا يبني كلامها؛ على كلامه لأنه قام في نَفْسِه، بخلاف

القَبُول الَّذي يترتَّب على الإِيجاب، ولا يستقلُّ بنَفْسه ولهذا لو قال: طَلِّقِي نفْسَك واحدةً، فقالت: طلَّقْتُ ثلاثاً تقع واحدة، ولو كان تطليقُها مع تفويضه كالقبول مع الإِيجاب لما وقع الطلاق أصلاً كما لا يصح البيع إذا قال: بِعْتُكَ هذا بألف، فقال 1 اشتريْتُ بأَلفَيْن، وهذه الاحتمالات ردَّدها، والظاهر ما سَبَق، وهو وقوع الثلاث.
وقوله في الكتاب "وَهَذَا يَظْهَرُ إِذَا قَالَ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثَلاَثاً" أي هذا هو الجواب الظاهر منه 2. ولو فوض الطلاق إلَيْها بكناية ونوى العَدَد، وطلّقت هي بالكناية، ونوت العدد، وقع ما نوياه، كما لو نويا العدد في الصريح.
ولو نوى أحدهما عدداً، ونوى الآخر عدداً آخر، وقع الأقَلُّ: فإنَّه المُتَّفَق علَيْه.
وقال أبو حنيفة: إذا قال لها اختاري، ونوى تفويض الثلاث إليها, لم يكُنْ لها إيقاع الثلاث بل لا توقع إلاَّ واحدة؛ لأن الخيار لا يدْخُل فيه العدد، كخيار العتق.
لنا: أنَّه كناية عن الطلاق، فأشْبَه سائر الكنايات.
ولو قال: طَلِّقِي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلَّقْتُ واحدةً أو اثنتين وقَع ما أوقعته، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك لا يقع شيْء.
لنا: أن الواحدة داخلة في الثَّلاث الَّتي فوَّض إليها إيقاعَها فوقعت بإيقاعها ثم إذا طلَّقَتْ نفسها واحدةً، وراجَعَها الزَّوج في الحال، قال صاحبُ "التهذيب" في فتاويه لها أن تُطَلِّق نفْسها ثانيةً وثالثةً؛ لأنَّه لا فَرْق بين أن تُطلِّق نفسها الثلاثَ دفعةً واحدةً، وبين أن تقول: طلَّقْتُ نفسي واحدة واحدة وواحدة، وإذا كان كذلك لم يقدح تخلل الرجعة بين الطلقتين ولو قال: طَلِّقِي نفْسَك واحدةً فقالت: طلَّقْت ثلاثاً أو اثنتين وقعَت الواحدة، وبه قال مالِكٌ؛ خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-.
لنا أن مَنْ يملك إيقاع طلْقَةٍ تقع تلْك الطلقة إذا طلَّق ثلاثاً؛ كالزوج إذا لم ينوِ إلاَّ طلقةٌ، فقال: أتتِ طالقٌ ثلاثاً، والحكم في الطرفين في توكيل الأجنبيِّ بالطلاق، كما ذكرنا 3. ولو قال: طلِّقِي نفْسَك ثلاثاً إن شئْتِ فطلقت واحدةً أو 4 قال: طلِّقِي نفسك

واحدة إن شئت فطلقت ثلاثاً وقعت واحدة كما لو لم يقل إن شئت ولو قدم ذكر المشيئة على العدد فقال طلقي نفسك إن شئت ثلاثاً فطلقت واحدة أو طلقي نفسك إن شِئْتِ واحدةً، فطلقَتْ ثلاثاً، قال صاحب "التلخيص" وساعده الأصحاب: لا يقع شيْء، والفَرْق أنَّه إذا قدَّم المشيئة، صارَتْ مشيئة ذلك العدد شرطاً في أصْل الطلاق، وكان المَعْنى: طلِّقِي نفْسَك إن اخترت أن تُطَلِّقي نفسَكِ طلاقاً، فإذا اختارت غيْر الثلاث، لم يوجَدِ الشَّرْط، وإذا أخر المشيئة، كانَت المشيئة راجعةً إلى تفويض ذلك المَعْنَى، كأنه قال: فَوَّضْت الثلاث إلَيْك أن تُطلِّقي نفْسَك ثلاثاً، فإن شئْتِ فافْعَلِي ما فوضت، وذلك لا يَمْنَع نفوذ ذلك المُعيَّن، ولا نفوذ ما يدْخُل فِيهِ، هذا تمام الكلام في الرُّكْن الأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي للِطَّلاَقِ: القَصْدُ): وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ اخْتِلالُهُ بِخَمْسَةِ أَسْبَابٍ: (الأَوَّلُ): سَبْقُ اللِّسَانِ فَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الطَّلاَقِ لَمْ يَقَع طَلاَقهُ، وَلَوْ كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ طَالِقُ وَاسْمُ عَبدِه حُرٌّ فَقَالَ: يَا طَالِقُ وَيَا حُرّ لَمْ يعْتَقُ وَلَمْ تُطَلَّقُ إِنْ قَصَدَ النِّدَاءَ، فَإِنْ أَطْلَقَ فوَجْهَانِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِنْشَاءِ، وَإذَا كَانَ اسْمُ زَوْجَتِهِ طَارِقَ فَقَال: يَا طَالِقُ ثُمَّ قَالَ: الْتَفَتَ لِسَانِي قُبِلَ ذَلِكَ ظَاهِراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القَصْد إلى الطَّلاق لا بُدَّ منه، وإلاَّ فهُو غَيْرُ مُزِيل ملك النكاح، فوَجَب ألاَّ يَزُول، والمراد به أن يكون قاصِداً لحروف الطَّلاق؛ بمعنى الطلاق، ولا يكفي القَصْد إلى حروف الطلاق من غير قَصْد معْناه.
وقوله "وإنما يُتَوَهَّم اختلاله بخمسة أسباب" المراد منْه أن غاية ما يُتَوَهَّم الاختلال به هذه الأسباب؛ لأن الاخْتلاَل بكل واحد منْها متوهَّم؛ فإنَّ منها ما هو متحقَّق يمْنَع وقوع الطَّلاق، ومنها ما يُتوهَّم الاختلال به، ليس كذلك كطلاق الهازل.
أحد الأسباب ألا يكُونَ قاصداً إلى اللَّفْظ أصلاً كالنائم تجري كلمة الطلاق على لسانِه، واحْتُجَّ له بما روِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَن المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ" 1. ولو استيقظ النائم، وقَدْ جَرَى لفْظ الطلاق على لسانه، فقال: أجزت ذلك الطلاق، أو أوقعته، فهو لَغْوٌ 2. وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنَّه لو قال: أجزته، لم يجز، ولو قال أوقعته، وقَعَ.
ومَن سَبَق لسانه إلى كلمة الطلاق في محاورته، وكان يريد أن يتكلم بكلمة أخْرَى، لم يَقَع طلاقاً، ولكن لا تُقْبَل دعوى سَبْق اللسان منْه في الظاهر إِلاَّ إذا وُجِدَتْ

قرينة تدُلُّ عليه، فإذا قال طلِّقتك ثم قال: سبَق لساني إلَيْه، وكنت أريد أن أقول طلَبْتُكِ فعن نصِّ الشَّافعي -رحمه الله- أنَّه لا يسع امرأته أن تَقْبَل منْه ذلك، وحَكَى القاضي الرُّويانيُّ عن "صاحب الحاوي"، وغيره أنَّ هذا فيما إذا كانَ الزَّوْج متهماً فيه، أمَّا إذا علِمتْ صدْقَه، أو غَلَب على ظنها بأمارة، فلَهَا أن تقبل قوْلَه: ولا تخاصِمَه، وأن من سَمِعَ منه ذلك، إذا عَرَف الحال، يَجُوز له، أن يَقْبَل، ولا يَشْهَد علَيْه، قال: هذا هو الاختيار، وإن كانَتْ زوجته تسمى طالقاً، وعبده يسمى حرًّا، فقال: يا طالقٌ أو يا حُرُّ، وقصد النداء بالاسم، لم يقَع الطلاق، ولم يحْصُل العتق، وإن قَصَد الطلاق والعتق، حصلا، وإن أطْلَق ولم يَنْوِ شيئاً فعلى أيِّ المحملين يُحْمَل، فيه وجْهان.
أشبههما: الحمل على النِّداء، حتَّى لا يقع الطلاق إلا إذا نَوَى، وهذا هو المذْكُور في "التهذيب" وذكر الإِمام أن مأْخَذ الوجهين يقرب من مأخذ القوْلَين فيما إذا قال: أنْتِ طالقٌ، أنْتِ طالقٌ، وَلم ينْو تكراراً ولا تأكيداً أنَّه عَلاَمَ يُحْمل؟ والأظهر هناك أنَّه تقع طلقتان، وإذا كان اسم امرأته ما يقارب حروفُه حروف طالق، كالطالع، والطالب، والطارق، فقال: يا طالقٌ، ثم قال: أردت أن أقول: يا طارِقُ أو يا طالع، فالتتفَّ الحرف بلساني، قُبِل قوله في الظاهر؛ لقوة القرينة وظهورها، بخلاف ما إذا قَالَ لامرأته: أنتِ طالقٌ، وهو يحل وثاقاً عنها وقال: أردتُّ الإطلاق عن الوَثَاق حيْث ذَكْرنا خلافاً في قَبُوله ظاهراً، قال في "البسيط", لأن التلفُّظ بكلمَة الطَّلاق كالمستنكر في حالة النِّكَاح، ما إذا نطق بها بعْد قَبُول التأويل.
والمبرسم والمُغْمَى عليه كالنائم والحاكي لطلاق الغَيْر لا يقع طلاقه، وذلك مثْل أن يقول: قال فلان: زوْجَتي طالقٌ، وكذا الفقيه إذا كان تكرَّر لفظ الطلاق في تصويره وتدريسه وتكراره.
ومن صُوَر سبْق اللسان ما إذا طَهُرَت امرأته من الحَيْض أو ظنَّ طهارتها، فأراد أن يقول: أنْت الآن طاهرةٌ، فسبق لسانه؛ أنت الآن طالقة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي): الهَزْلُ وَلاَ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي مَنْعِ الطَّلاَقِ وَالعِتَاقِ، وَفِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ تَرَدُّدٌ، وَالمَشْهُورُ أَنَّ النِّكَاحَ لاَ يَنْعَقِد مَعَ الهَزْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الهازل 1 بالطلاق يَقَع طلاقه، ورُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدُّ، الطَّلاَقُ، والعِتَاقُ، والنِّكَاحُ 2، وُيرْوَى بدْل العتاق الرجعة.

وصورة الهَزْل: أن يلاعيها بالطَّلاق مثْل أن تقول في معْرض الدلال والاستهزاء: طَلَّقَني ثلاثاً فقال: طلقتك ثلاثاً، فيقع الطلاق، لأنَّه خاطبها بالطَّلاق عن قَصْد واختيار، وليس فيه إلا أنَّه غير راضٍ بحكم الطلاق ظانًّا أنَّه إذا كان مستهزئاً غير راضٍ بوقوع الطلاق لا يقع الطلاق، وهذا الظن خطأ ألا تَرَى أنَّه لو طلق بشرط الخيار لنَفْسه يقع الطلاق ويلغو الشرط، وإن لم يَرْض بالوقوع في الحَال، وكما يقع طلاق الهَازل في الظَّاهر، يقع في الباطن أيضاً، بخلاف ما إذا قال: أنْتِ: طالقٌ، ثم قال: أردتُّ عن وثاق، حيث يدين, لأن هناك صَرْف اللفظ عن ظاهره إلى تأويل يدعيه والهازل، لا يصرف اللفظ إلى معنى آخر، وهل ينعقد بالبيع، وسائر التصرُّفات مع الهزل فيه وجْهَان عن الشيخ أبي محمَّد -رحمه الله- وغيره وجْه الانعقاد: حُصُول الأهلية والمحلية، والصيغة، الصادرة عن قصْد واختيار، ووجه الآخر: أن ظاهر الحَدِيث يَقْتَضي اختصاص الْتحَاق الهازل بالجِدِّ بالتصرفات الثلاثة، وقد مرَّ ذكر الوجهَيْن في "كتاب البيع" وقربناهما من الخلاف فيما إذا بَاع قال أبيه على ظَنِّ أنَّه حيٌّ، فإذا هو ميت، ويُشْبه أن يكون الانعقاد أظْهر، والخلاف جار في النكاح؛ لأنَّه كالبيع وسائر التصرُّفات في أنَّه لا يكمل مبعضه ولا يؤيد موقّته، لكن الحرّ يقتضي التحاقه بالطَّلاق، والعتاق، ولفظ صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" له إضعار بترجيح عدَم الانعقاد، وقد يؤيد ذلك بما يختَصُّ به النِّكاح من وجوه الاحتياط.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: الجَهْلُ): فَإِذَا خَاطَبَ امْرَأَةٌ بِالطَّلاَقِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا زَوْجَةُ الغَيْرِ فَإذَا هِيَ زَوْجَتُهُ فَالمَشْهُورُ أَنَّهُ يَقَعُ وَيَنْقَدِحُ أَنْ لاَ يَقَعَ، وَالأعْجَمِيُّ إِذَا لُقِّنَ لَفْظَ الطَّلاَقِ وَهُوَ لاَ يَفْهَمُهُ لَمْ يَقَعْ، وَإِذَا بَاعَ مَالاً عَلَى ظَنِّ أنَّهُ لأَبِيهِ فَإذَا هُوَ مَيِّتٌ فَفِي صِحَّتِهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا خاطب امرأةً: بالطلاق على ظَنِّ أنَّها زوجة الغَيْر، وكانت في = ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت رفعه: لا يجوز اللعب في ثلاث: الطلاق، والنكاح، والعتاق، فمن قالهن فقد وجبن، وهذا منقطع، وفي الباب عن أبي ذر رفعه: من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتاقه جائز، ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز، أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم عنه، وهو منقطع، وأخرج عن علي وعمر نحوه موقوفاً، وفي هذا رد على ابن العربي، وعلى النووي حيث أنكرا على الغزالي إيراد هذا اللفظ، ثم قال النووي: المعروف اللفظ الأول بالرجعة، يدل الطلاق، وقال أبو بكر بن العربي: لا يصح قوله: ويروى: بدل العتاق: الرجعة.
قلت: هذا هو المشهور فيه، وكذا رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والدارقطني، من حديث عطاء عن يوسف بن ماهك عن أنس هريرة باللفظ المذكور أولاً، وفيه بدل: العتاق، الرجعة، قال الترمذي: حسن، وقال الحاكم: صحيح، وأقره صاحب الإِلمام وهو من رواية عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو مختلف فيه، قال النسائي: منكر الحديث، ووثقه غيره، فهو على هذا حسن.

ظلمة أو حِجَاب وكانت زوْجَتَهُ، يقعَ الطلاق على النَّقْل المشهور، وللإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- فيه احتمالٌ, لأنَّه إذا لم يَعْرف الزوجة، لا يكون قاصداً لقطعها، فإذا لم يقْصِد الطلاق، وجب إلاَّ يَقَعَ، قال في "البسيط" وكان بعض المذكورين بالوعظ في زمانِنا يلتمسُ من أهْل المجْلِس مكرُمَةً مالية، فلم تنجع طَلِبَتُه، وطال انتظاره فقال: متضجراً قد طلَّقْتُكم ثلاثاً، وكانت زوجته منهم، وهو لا يدري، فأفتى الإِمام -رحمه الله- بوقوع الطلاق، قال: وفي القلْب منْه شيْءٌ، ولك أن تقول: ينبغي ألاَّ يقع الطلاق، فيما إذا خاطب زوجَتَه بالطلاق، وهو لا يَدْرِي أنَّها زوجته؛ لأن قوله: طلَّقْتكم جميعاً لفظ عام، واللفظ العام يَقْبَل الاستثناء باللفظ والنية؛ ألاَ تَرَى أنَّه لو حَلَف ألا يُسلِّم على زَيْد 1، فسلَّم على قوْم منهم زيد واستثناه بقَلْبِه أو بلفظه، لم يَحْنَث على ما سيأتي في الأيمان إن قدَّر الله -تعالى جَدُّه.

وإذا كان عنْده أن امرأته ليْسَت في القَوْم، كان مقصوده من اللفظ غيْرَها، فيكون مُطَلِّقاً لغيرها لا لها، كما أنه إذا استثنى زَيْداً بقلبه، وكان المقصود غيْرَه كان مسلماً على غَيْر زيْد.
ومن نظير هذه الصورة ما إذا نَسِيَ أنَّ له زوجةً، وطلَّقها، وكذلك لو قبل له أبوه في صِغَره أو وكيله في كبره نكاحَ امرأة، وهو لا يَدْرِي فقال: زَوْجَتي طالقٌ أو خاطب تلْك المرأة بالطلاق، فالمشهور وقوعُ الطَّلاق، وقد حكاه القاضي ابن كج عن نَصِّ الشَّافعي -رحمه الله- وهَذَا في الحُكْم الظاهر، وأمَّا في الباطن فقَدْ أطْلَق أبو العبَّاس الرُّويانيُّ في الوقوع باطناً وجهيْن، قال: ويُحْتَمل أن يُقْطع بالوقوع في صورة النِّسْيان، ويختص الخلاف بما إذا لم يَعْلَمْ أن له زوجة أصلاً كما يُفرَّق بيْن ما إذا صلَّى مع نجاسة نسيها، وبين ما إذا صلَّى مع نجاسة، لم يعْلَمْ بها أصلاً، وفي "التتمة" أنَّه يُبْنَى ذلك على أن الإِبراء عن الحُقُوق المجهولة، هل يصحُّ؟ إنْ قلْنا لا يصحُّ، لم يقع الطلاق بينه وبين الله -تعالى 1. ومن لُقِّنَ كلمة الطلاق بلُغة لا يعْرفُها كالعجميِّ يلقن لفظ الطلاق، فأتى بها، وهو لا يَعْرف معناها, لا يقع طلاقُه، كما لو لُقِّن كلمة الكُفْر، فتكلَّم بها وهو لا يَعْرِف معناها, لا يُحْكَم بكفره، قال أبو سعد المتولِّي: وهذا إذا لم يكُنْ له مع أهْل ذلك اللسان اختلاطٌ، فإن كان لم يُصَدَّق في الحكم، ويَدين فيما بيْنه وبين الله -تعالى- وإذا لم يقَع الطَّلاق، فلو قال العجمي: أردتُّ بهذه الكلمة معْناها بالعربية، ففي وقوع الطلاق وجْهان: أحدهما: ويُحْكَى عن أقْصَى القضاء الماوَرْدِّي: أنَّه يقع؛ لأنَّه قد نَوَى الطلاق.
وأصحُّهما: وبه قال الشيخ أبو حامد؛ لا يقع؛ لأنَّه إذا لم يَعْرِف معنى الطلاق، لا يصحُّ قصْده، ولو قال: لم أعْلَمْ أن هذه الكلمة معناها قطْع النكاح، ولكن نَوَيْتُ بها الطلاق، وقصَدتُّ قطْع النكاح، لم يَقَع الطلاق، كما لو خاطبها بكلمة لا معنى لها، وقال: أردتُّ الطلاق.
واعْلَم أن مسألة تلقين العجميِّ مقصودةٌ بالذكر في نفْسها، واحتج بها في "الوسيط"، للاحتمال المذكور في صورة الجهل، واستشهد أيضاً بوجه سبق ذكره في "الغَصْب" فيما إذا قال الغاصب لمالك العَبْد: أعتق عبْدي هذا، فأعتقه المالِكُ جاهلاً بأنَّه عبْده، أنَّه لا يعتق.

وقوله "وإذا باع مالاً على ظَنِّ أنَّه لأبيه فإذا هو ميِّت، ففي صِحَّته خلافٌ" فهذه الصورة مذكورةٌ في البيع 1 وإنَّما أعادَهَا، هنا، لمشابهتها صورة الجهل في الطَّلاق، فالبائع في تلْك الصُّورة جاهلٌ بحال المَبِيع كالمطلِّق فيما نحْن فيه، وإذا كان الأظْهَر في البيع الصِّحَة على ما سبَق ذكْره، فالطلاق، أَوْلَى بالوقوع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعُ): الإِكْرَاهُ وَذَلِكَ يَمْنَعُ صحَّةَ سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ إلاَّ إِسْلاَمَ الحَرْبِيِّ وَالمُرْتَدِّ، وَفِي إِسْلاَمِ الذِّمِّيِّ تَرَدُّدُ (ح)، وَلاَ يَقَعُ طَلاَقُ المُكْرَهِ إلاَّ إِذَا ظَهَرَتْ دَلالَةُ اخْتِيَارِهِ (ح)، بِأَنْ خَالَفَ المُكْرِهَ بِأَنْ أَكْرَهَهُ عَلَى طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَطَلَّقَ ثَلاَثاً، أَوْ عَلَى طَلاَقِ زَوْجَةٍ فَطَلَّقَ زَوْجَتَينْ، أَوْ عَلَى زَوْجَتَيْنِ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً، أَوْ عَلَى ثَلاَثٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً، أَوْ عَلَى إِحْدَى زَوْجَتَيْنِ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً مُعَينَةً، أَوْ تَرَكَ التَّوْرِيَةَ مَعَ العِلْمِ بِهَا وَالاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ لَمْ يُدْهَشْ بِالإِكْرَاهِ، أَوْ قَالَ المُكْرِهُ: قل: طَلَّقْتُهَا فَقَالَ: فَارَقتُهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: التصرُّفَات القوليَّة: المحمول عليْها بالإِكراه بِغَيْر حقٍّ باطلةٌ لاغيةٌ، يستوي فيه الرِّدَّة والبيع وسائر المعاملات، والنكاح والطلاق والإِعتاق وغيرها، وما يُحْمَل عليه بحقٍّ فهو صحيح 2. وقَدْ يعبر عن هذا الغرض بعبارة أُخْرَى، فيقال: ما لا يلْزَمُه في حال الطواعية لا يَصِحُّ منْه إذا أتى به مكْرهاً، وما يلْزَمُ في حال الطواعية يصحُّ 3 مع الإِكراه عليه، ويخْرج من هنا أن إسْلام الحربيِّ المرتد صحيحٌ مع الإِكراه؛ لأنهما يكرهان، ويُحْمَلان عليْه، ولو لم يصحُّ، لَمَا كان لإِكراههما عليه معْنىً.
قال الإِمام: وفيه غموضٌ من جهة المعنى؛ لأن كلمتي الشهادة نازلتان في الإعراب عمَّا في الضمير منزلةَ الإِقرار، والظَّاهِر من 4 حال المحْمُول عليه بالسيف أنَّه كاَذبٌ وفي إسلام الذمي مكرهاً وجْهان: أحدهما: يصحُّ احتياطاً للإِسلام.

وأصحُّهما: المَنْع [لأنَّه] لا يجُوز إكراهه عليْه؛ بل هو مقرر على كُفْره بالجزية بخلاف الحربيِّ، والمولى بعد مضِّيِّ المدة إذا طلق مكرهاً، يقع طلاقه لأنَّه مكره عليْه بِحَقٍّ، هكذا ذكَرُوه.
وزاد في "التتمة" فقال: هذا في الطَّلْقة الواحِدَة، أمَّا إذا كرهه الإِمام على ثَلاَث طلقات، وتلفظ بها، فإن قلْنَا: إنَّه لا ينعزل بالفِسْق، تقع واحدةً، وتلغو الزيادة إن قلنا: يَنْعَزل، لم يقع شيء، كما لو أكْرَهَه غيْره، ولَك أن تَقُول: ليْس عَلَى المولى إكْراه يمنع مثله 1 الطلاق حتَّى يقال إنَّه لا يقع الطَّلاق؛ لأنَّه إكْراه بحقٍّ، وذلك لأنَّه لا يُؤْمر بالطَّلاق على التعيين، وإنَّما يُؤمر بالفيئة أو الطَّلاق، ومثل هذا الإِكراه لا يَمْنع وقوع الطَّلاق في حقه غير المولى ألا ترى أنَّه لو أكرهه على أن يطلق زوجته أو يعتق عبده فأتى بأحدهما ينفذ؟ ولو أكرهه على تطليق إحدى زوجتيه فطلَّق واحدةً معيَّنةً يقع الطَّلاق على ما سيأتي على الأثر، وأيضاً ففيما يَحْصُل به الإكْراه اختلافٌ يبين في الفَصْل التالي لهذا الفصل، فإن قلْنا: إِنه لا يَحْصُل إلاَّ [بالقتل] والقَطْع، فليس للقاضي حَمْل المولَى على الطَّلاق بهَذا الطريق؛ فلا يكون الحَاصِل إكراهاً، ولو قُدِّرَ أنه فَعَل ذلك، كان ظالماً، فليكن كإكْراه غيره، ولا يخرج الإِكْراه على الرضاع عن كونه محرماً، فإن الحُكْمَ يتعلَّق بوصول اللبن إلى الجَوْف، وفي امتناع القِصَاص بالإِكْراه على القتل والحَدِّ بالإِكراه على الزِّنَا قولان مذكوران في موضعهما.
وقال أبو حنيفة: ينْعَقِدُ بَيْع المكره، ولا يلزم، ويصحُّ نكاحه، وطلاقه، وإعتاقه.
واحتج الأصحاب للمَذْهَب بما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا طلاق في إغلاق" 2 وفسَّره علماء الغريب بالإِكراه وقال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
وروي أن رجلاً تدلى بحَبْل ليشتار عسلاً، فجاءته امرأته، وقالتْ: تُطَلِّقنِي ثَلاثاً، وإلاَّ قطعت الحبل، فطلَّقها ثلاثاً، ثم أتى عُمَرُ -رضي الله عنه- فقال: "ارْجِعْ إلَى أَهْلِكَ، فَلَيْسَ هَذَا بِطَلاقٍ" 3 وبأنه قول لو صدَر منْه بالاختيار، بانَت زوجته، فإذا حمل عليه بإكراه باطل، وجب أن يلغو، كالردة، وبأنه قوْلٌ محمول عليه بغير حق؛ فلا يلزمه حُكْمه، كما لو أُكْرِه على الإِقْرار بالطَّلاق، وقد سلم أبو حنيفة أنَّه إذا أقرَّ بالطَّلاق

مكرهاً لم يُفَرِّق بيْنه وبين زوجته.
إذا تقرَّر ذلك ففي الفَصْل مسألتان: إحداهما: إنما يمنع وقوع الطلاق بالإكراه إذا لم يَظْهَر ما يدُلُّ على اختياره، أما إذا ظَهَر؛ بأن خَالَف المكره وأتى بغير ما حمَلَه عليه فيُحْكَمُ بوقوع الطلاق؛ لأن مخالفته له تُشْعِر باختياره فيما أتى به ولذلك صور.
منها: أن يكرهه على طلقة واحد، فطلَّق ثلاثاً، وفيه ما يُشْعر برغبته واتساع صور الطلاق.
ومنْها: وأكرهه على ثَلاَثِ طلقات، فطلَّق واحدةً، تقع الواحدة، وللإِمام احتمالُ فيه؛ لأنه قد يقصد دفْع مكروهه بإجابته إلى بعْض مطلوبه، ولا يقْصد إيقاع الوَاحِدة.
ومنْها: أكرهه على طلاق زوجةٍ، فطلَّق زوجتين، يُنْظَرُ إنْ قال: طلَّق زوجتكَ حفْصَةَ، فقال لها ولضرتها عمرة: طلَّقْتُكُمَا، طُلِّقَتَا؛ لأنَّه عَدَل عن الكلمة المكره عليها، وإن قال: طلَّقْتُ حفْصة وعمْرة أو وطَلَّقْت عمرةَ، أو حفصةُ طالقٌ، وعمرة طالقٌ، لم تطلَّقْ حفصة، وطُلِّقَتْ عمرة.
هكذا فَصَلَ صاحب "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما, ولم يَفْصل الإِمام بين العبارتين، وأطْلَق عن الأصحاب الحُكْمَ بوقوع الطَّلاق على الضرتَين، قاَل: وفيه احتمال ظاهرٌ؛ لأنَّه لا يبعد أن يكون مختاراً في طلاق الثانية.
ومنها: أكْرَهَه على طلاق زوجتين، فطلَّق واحدة، يقع، وأبْدَى فيه مثْل الاحتمال المذكور فيما إذا أكرهه على ثَلاَثِ طلقات، فطَلَّق واحدةً.
ومنها: أكرهه على طَلاَقِ إحدى زوجتيه، فطلَّق واحدةً بعينها، يقَع الطَّلاق؛ لأنَّه مختارٌ في تعيينها؛ لأنَّه لَمَّا عدَل عن الإِبهام إلى التعيين، فقد زاد على ما أكرهه عَلْيه لأنَّ الإِكراه على طلاق إحداهما لا على طلاق هذه، وطلاق هذه، وطلاق إحداهما مع زيادة، ألا ترى أنَّه لا ينْعَكِس وفي "التتمة" ذِكْر خلاف في هذه الصورة.
ومنْها: أكرهه على أن يطلِّق بكناية من الكناياتْ فأتَى باللَّفْظ الصريح أو بالعكس أو عدل من صريح إلى صريح، بأن قال قُلْ: طَلَّقْتُهَا فقال: فارقْتُها أو سرَّحْتها، يقع الطلاق.
ومنها: إذا أكرهه على تنجيز الطَّلاق، فعلَّق، أو على التعليق فنجَّز وقع على المأتي به حكمه.
والإِكراه على التعليق يمنع انعقاده، كما يمنع نفُوذَ التنجيز.
الثانية: إِن وَرَّى المكره بأن قال: أردتُّ بقولي "طلقت فاطمة" غير زوجتي، أو = وفي الباب عن ابن عباس، وعلي، وابن عمر، وابن الزبير، وغيرهم؛ قالوا: ليس على مكره طلاق.
أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.

جارٍ التحميل