العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 479-518

(1) وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي شَرْطَيْنِ، الأَوَّلُ فِي عُمُومِ حُكْمِهِ، وَفِيهِ خَمْسَة أبْوَابٍ

البَابُ الأَوَّلُ في السُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ،

وَفِيهِ فَصْلاَنِ (الأَوَّلُ فِي بَيَانِ البِدْعيِّ): وَهُوَ الطَّلاَقُ المُحَرَّمُ إِيقَاعُهُ، وَلِتَحْرِيمِهِ سَبَبَانِ: (أَحَدُهُمَا): الحَيْضُ فِيمَنْ تَعْتَدُّ بِالحَيْضِ، وَطَلاَقُ الحَائِضِ بَعْدَ الدُّخُولِ بِدْعِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ العِدَّةِ إِذْ بَقِيَّةُ الحَيْضِ لاَ تُحْتَسَبُ، وَلاَ بِدْعَةَ فِي طَلاَقِ غَيرِ المَمْسُوسَةِ وَلاَ سُنَّةَ.
قال الرَّافِعِيُّ: الآيات الواردة في الطلاق، والأخبارُ المرويَّة فيه غنيَّةٌ؛ لشهرتها عن إيراد التعداد، معتضدة بإجْمَاع أهل الملل أقوى اعتضاداً، وافتتح الشَّافعي -رضي الله1

عنه أبوابَ الطَّلاَق بقوله -تعالى-: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] لأنه تكلم أولاً في البدعي والسنِّيِّ من الطلاق، وهذه الآية أصل مرجوعٌ إليه في هذا الفصْل، على ما ستقف عليه، ويقال: طلَّقَ الرجلُ امرأته تطليقاً "وطَلُقَتْ هي تَطْلُقُ طَلاَقاً فهي طالِقٌ، وطالقَةٌ، وعن الأخفش أنه لا يقال طَلُقَنْ بالضَّمِّ، وفي "ديوان الأدب" أنه: لُغَة، ورَجُل مِطْلاَقٌ وطُلَقَةٌ: كثير الطلاق للنساء، وتفاوت 1 معنى الطلاق في قولهم: ناقةٌ طالِقٌ، أي مرسَلَة ترعى حيث تشاء، وُيطْلَقُ الظبْيُ أي من لا يلوي على شيء وأَطْلَقْتُ الأسيرَ أي خلَّيْته، والناقةَ من عقالها، فطلقت هي، والطليق الَّذي خُلِّيَ عن أسرة، حُبِسَ فلانٌ مطلقاً أي بغَيْر قيد، وبغَيْر طَلْق أي غير مقيَّد، وأطلق يده بالخير وطلقها، ورجل طَلْقُ اليدين أي سَمْحٌ، وفلان طلْق الوَجْه واللسانِ وطليقُهُما.
واعلم أن الطلاق "ينجز تارة، ويُعلق أخرى، والقسمان يشتركان في شروط وأحكام وتختص التعليقات بأحكام، ولا تكاد تنحصر صورها، وأوضاعها فجعل الكتاب على شَطْرين: أحدهما: في الأحكام العامة.
والثاني: في التعليقات خاصَّةً، وذكر منها فنوناً تحصل بها الدُّرية، وهذا التقسيم -وإن لم ينص عليه في هذا الموضع- فهو بيِّنٌ من قوله بعد الشطْر الثاني في التعليقات: ثُمَّ الطَّلاَقُ ينقسِمُ باعتبار إلى جَائِز ومحرَّم وباعتبار آخرَ إلى نَافِدٍ، ولاغٍ وباعتبار ثالثٍ: إلى واحِدٍ، وعَدَدٍ وباعتبارٍ رابع إلى ما يقع في لَفْظه استثناءً وإلى غيره، وباعتبار خامس إلى ما يعتريه الشكُّ وإلى غَيْره، والحاجة تمَسُّ إلى معرفة أحوال هذه الاعتبارات، وأحكامها فعقد الباب الأول؛ لبيان الجائز والمحرم منه.
والثاني: لبيان أركان الطَّلاَق التي هي مناط النافذ ليتبين من اللاغي.
والثالث: لما يعرض فيه من العدد.
والرابع: الاستثناء.
والخامس: الشك.
أما الباب الأول، فقد ترجمه ببدعة الطَّلاَق وسنته، ولم يزل العلماء قديماً وحديثاً يصفون الطلاق [بالبدْعَة والسنَّة] ويقولون: الطلاق ينفذ سنِّياً تارة وبدعيًّا أخرى، وفي معناهما اصطلاحان: أحدهما: أن السني هو الذي لا يَحْرُم إيقاعه والبدعي ما يحرم إيقاعه وعلى هذا فلا قسم سوى السني والبدعي.
والثاني: -وهو المشهور المستعمل- أن السُّنِّي طلاقُ المدخُولِ بها الَّتي ليست

هي بحامل ولا صغيرة ولا آيسة، والبدْعيُّ طلاقُ المَدْخُول بها في حَيْض أو نفاس أو في طهر جامَعها فيه، ولم يَبنْ حمْلُها، وقد يبهم، فقال: البدعي طلاق المحرم إيقاعه في حق الَّتي يصَوِّرُها التحريم؛ وعلى هذا الاصطلاح يستمر ما اشتهر في المذهب أن غير المَمْسُوسة لا بدْعَة في طلاقها ولا سنَّة، وكذا اللَّوَاتي يلتحقن بها؛ وعلى هذا فالطلاق ينقسم إلى سُنِّيٍّ وبدْعيٍّ، وإلى ما ليس بسنِّيِّ ولا بدعيِّ، ثم ذكر الأصحاب أن ما لا يحرم من الطلاق ينْقَسِم إلى: واجب، ومحْبُوب، ومكروه؛ أما الواجب: ففي حق المولى إذا مضَتِ المدَّة ويؤمر بان يفيء أو يطلّق، وعند الشقاق إذا رأى الحَكَمان التفريق، يجبُ التفريق.
وأما المَخبُوب فهو إذا كان يقصِّر في حقها؛ لبغض وغيره، وإذا لم تكن عفيفة، فخاف منها إفْسَاد الفراش.
وأما المكروه؛ فهو الطَّلاق عند الالتئام وسلامة الحال، رُويَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَبْغَضُ المُبَاحَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلاَقُ" 1. وأما المحرَّم من الطلاق، فلتحريمه سببان 2: أحدها: وقوعه في حال الحَيْض إذا كانت مَمْسوسة، وكانت ممن تعتد بالأقراء، قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أي للوقت الَّذي يشرعن في العدة.
رُوِيَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أنَّه قَرَأَ "لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ" 3 وتكلموا في أنَّه قراءة أو تفسير،

وقبْلُ الشيْء أوَّلُه ومقدَّمُه، ويقال: كان ذلك في قَبْل الشتاء أي أوَّلِه، ووقع السَّهْم بقبل الهَدَف، وطلَّق ابن عمر -رضي الله عنه- أمرأتَهُ، وهي حائضٌ؛ فسأل عمر -رضي الله عنه- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ فَذَلِكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ" 1 والمعنى فيه أن بقية الحَيْض لا يحتسب من العدة، فتطول عليها المدة والانتظار.
وقوله في الكتاب "الحَيْض فيمَنْ تَعْتَدْ بالأقراء" في بعض النسخ بالحيض، والمقصود واحدٌ يعني التي تحيضُ، تتعلَّق عدتها بالحَيْض والطُّهر، ولو لم يذكر هذه اللفظة أصْلاً لجاز؛ فإن الحيض لا يكون إلاَّ لمثل هذه المرأة وقوله: "وَلاَ بِدْعَةَ في طَلاَقِ غَيْرِ المَمْسُوسَةِ وَلاَ سُنَّةَ" وجهه ما قدَّمناه وفي بعض النسخ بدلَ وَلاَ سُنَّةَ والآيسة وهو صحيحٌ أيضاً وقَدْ ذكره 2 من بعْدُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَجُوزُ خُلْعُهَا، فَقِيلَ: لأَنَّ ذَلِكَ تَطْوِيلٌ بِرِضَاهَا فَيَجُوزُ الطَّلاَقُ بِرِضَاهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِوَضٌ، وَلاَ يَجُوزُ اخْتِلاَعُ الأَجْنَبِيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُعَلَّلٌ بِضَرْورَةِ الافْتِدَاءِ، وَلاَ يَجُوزُ الطَّلاَقُ بِسُؤَالِهَا، وَيجُوزُ خُلْعُ الأَجْنَبِيِّ، وَكَذَلِكَ يُطَلَّقُ عَلَى المَوْلَى وَإِنْ كَانَ في الحَيْضِ لِلضَّرُورَةِ، وَمَنْ طَلَّقَ فِي حَالِ الحَيْضِ فَيُسْتَحَبُّ أنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تحيضَ ثُمَّ تَطهْر ثُمَّ يُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ لِئَلاَّ يَكُونَ الرَّجْعَةُ لِلطَّلاَقِ، وَتَرَدَّدُوا فِي أنَّهُ هَلْ يُسْتَحبُّ لَهُ أَنْ يُجَامِعَهَا؟ وَقِيلَ: يُرَاجِعُهَا حَتَّى تَطْهُرَ فَيُطَلِّقَ في الطُّهْرِ الأَوَّلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: الطلاق المحرَّم في حال الحَيْض، وهو الطلاق على غيْر مال، أما إذا = التفسير لا على وجه التلاوة، وقال ابن عبد البرّ: هي قراءة ابن عمر وابن عباس وغيرهما، لكنها شاذة، لكن لصحة إسنادها يحتج بها، وتكون مفسرة لمعنى القراءة المتواترة.

خالع الحائض، أو طلقها على مال، فهو غير مُحَرَّم، واحتج عليه بإطلاق قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، وبأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَطْلَقَ الإِذْنَ لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ في الخُلْعِ" 1 عَلى ما بَيَّنَّا في أول "كتاب الخُلْع" من غير بَحْثٍ واستفصال عن حال الزوجة، وليس الحَيْض بأمر نادر الوجود في حقِّ النساء، واختلفوا في المعنى المجوِّز للخُلْع على وجهين: أحدهما: أن المنع إنما كان محافظةً على جانِبِها، لتضررها بتطويل العدة، فإذا اختلعت بنفسها رضيت بتطويل الانتظار.
والثاني: أن بذل المال أشْعَر بقيام الضرورة، أو الحاجة الشديدة إلى الخلاص، وفي مثْل هذه لا يحْسُن الأمر بالتأخير ومراقبة الأوقات، وخرَّجوا على المعنيين صورتَيْن: إحداهما: إذا سألت الطلاق، ورضيَتْ به، من غير مال، فهل يكون بدعيًّا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لرضاها بتطويل العدة.
والثاني: نَعَم؛ لأن تلك الضرورة لم تتحقق، وقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] ولا يفرِّق بين أن يكون هناك سؤالٌ أو لا يكون، وهذا أظْهَر، وهو المذكور في "التهذيب".
الثانية: في خُلْع الأجنبي في الحَيْض وجهان؛ لأنه لم يوجد رضاها بالتطويل، ووجدت الضرورة الداعية إلى بَذْل المال، والأظهر -وبه أجاب "القَفَّال"- وهو المذكور في "التتمة": أنَّه لا يجُوز؛ لأنَّه لم يوجد منها الرضا بالتطويل، ولم يوجد منْها بذل المال المُشْعِر بشدة حاجتها إلى الخلاص، وقضية الأظْهَر في الصورتين تعليلُ جواب خلعها، بمعنى ثالث وهو اقتداء صاحبة الواقعة نفسها بالمال لا مُطْلَق الاقتداء، والمولى إذا طولب بالطلاق، فطَلَّق في زمان الحيض ففي "النهاية" و"الوسيط" وغيرهما: أنَّه لا يكون طلاقه بدعيًّا؛ لأنها طالبة له، وراضية له وهو حقٌّ يؤديه عليه؛ لدفع ضرر، وكان يجوز أن يقال هو يدعي؛ لأنه بالإِيذاء والإِضرار أحْوَجَها إلى الطَّلَب، وهو غير ملجأ إلى الطلاق، بل هو يتمكن من أَن يفي إليها، والمطلوبُ أحد الأمرين من الفيئة أو الطلاق، فلا ضرورة له إلى الطلاق في الحَيْض، وأما الذي ذكَره في الكتاب فهُوَ الطلاق على المولى عند امتناعه ولا شَكَّ في أنه لا يكون بدعيًّا، وان وقع في الحيض، وفي "شرح مختصر الجويني" أن الطلاق إذا رآه الحكمان في صورة الشقاق لا يكون

بدعيًّا أيضاً، للحاجة إلى قطع ما بينهما من الشر 1 والفساد.
المسألة الثانية: إذا طلق في الحَيْض طلاقاً بدعَيًّا، استُحِبَّ له أن يراجعها؛ لما مر، من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
وقال مالك -رحمه الله-: يجب أن يراجعها، وإذا راجعها، فهل له أن يطلِّقها في الطهر التالي لتلك الحيضة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن إضرار التطويل قد ارتفع، ويستعقب الطلاقُ العدَّةَ المحسوبة، وقد روي في قضية ابن عمر -رضي الله عنهما- في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيضَ، ثُمَّ تَطهُرَ".
وأظهرهما وهو المذكور في "التتمة": لا؛ لأنه إن وطئها بعْد ما طهرت، كان

الطلاق في ذلك الطهر أيضاً بدعيًّا، وإن لم يطأْها أشْبَهَ أن يكون المقصد من المراجعة مجَرَّدَ الطلاق، وكما يُنْهَى عن النكاح الذي يقصد به الطلاق، يُنْهى التي يَقْصد بها الطلاق، فليمسكْها إلى أن تحيض، وتَطْهُرَ مرَّة أخرى؛ ليتمكن من الاستمتاع في الطهر الأول، ويطلّق 1 في الطهر الثاني، وهذا ما أورده في الرواية المشْهُورة في القصَّة على ما قدَّمناها.
وهل يستحب أن يجامعها في ذلك الطهر على هذا الوجه؟ حُكِيَ فيه تردُّد الأصحاب -رحمهم الله- ليظهر مقصود الرجعة، والأظهر المنع، والاكتفاء بإمكان الاستمتاع، والوجهان في أنه هل يطلِّق بعد الطهر التالي لذلك الحيض؛ كأنَّهما في أنَّه هل يتأدَّى به الاستحباب بتمامه، فأمَّا أصل الإِباحة فما ينبغي أن يكون في حُصُوله خلاَفٌ، وكذا أصل الاستحباب؛ لأنه يندَفِعُ بذلك إضْرار التطويل 2 وليعلَّم قوله في الكتاب "فَيُسْتَحَبُّ أنْ يراجِعَهَا" 3 بالميم؛ لما ذكرنا من مذْهَب مالك -رحمه الله-، وذكر الإِمام أن المراجعة، وإن كانت مستحبة، فلا ينتهي الأمر فيه إلى أن يقول: تَرْكُ المراجعةِ مكروهٌ 4. فرع: طلقها في الطُّهْرُ، ثم طلَّقها طلقةً ثانية، وقد حاضَتْ.
قال في "التتمة" يبنى على أنَّها، هل تستأنف العدة إن قلنا: نَعَمْ، فهو بدْعيٌّ؛ لأن الإِضرار قائم، وإن قلنا: لا يستانف، فوجهان: أحدهما: أنه بدعي لوقوعه في الحيض.
والثاني: المنع؛ لأن التحريم الإِضرار بالتطويل، ولا إضرار ويجري الوجهان فيما إذا طلقها في الحَيْض، ثم طلقها طلقةً أخْرَى في تلْك الحيضة أو في حيضة أخرى، هل تكون الثانية بدعية، وليُعْلمْ أن الطلاق في النِّفَاس بدعيٌّ، كالطلاق في الحيض؛ لأن المعنى المحرِّمَ شامل 5. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ بِدْعَةَ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الثَّلاَثِ وَلَكِنَّ الأَوْلَى التَّفْرِيقُ حَذَراً مِنَ

النَّدَمِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الحَيْضِ فَهُوَ بِدْعِيٌّ في وَجْهٍ لاقْتِرَانِهِ بِالحَيْضِ وَسُنِّيٌّ مِنْ وَجهٍ لاسْتْعْقَابِهِ الطُّهْر الْمَحْسُوبَ، وَكَذَلِكَ الخِلاَفُ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنَ الطُّهْرِ وَلَكِنْ بِالعَكْسِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأنْتِ طَالِقٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ فِي الحَيْضِ لَكِنْ لَوْ دَخَلَتْ وَهِيَ طَاهِرَةٌ يُعَدُّ سُنِّيّاً، وَإِنْ كَانَتْ حَائِضاً يُعَدُّ بِدْعِيّاً فَيُسْتَحَبُّ المُرَاجَعَةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث صور: احدهما: لا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وهو رواية عن أحمد، واحتج الأصحابُ بما روي أن عُويمراً العجلانيَّ لمَّا لاَعَنَ عنْد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَذَبْتُ عَلَيْهَا إِنْ أَمْسَكْتُهَا، هِيَ طَالِقٌ ثَلاَثاً" 1، ولم ينكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: ولو كان حراماً لأَنْكرَ عليه، وإن لم يقع الطلاق في تلك الحالة لحصول الفرقة باللِّعَان، لئلا ليأتي بمثله والأولى أن يفرق الطلقات على الأَقْرَاء أو على الأشهر إن لم تكن من ذوات الأقراء، ليتمكن من الرجعة، أو تجديد النكاح إن لحقه ندم، فإن أراد أن يزيد من قرء على طَلْقَة، فرق على الأيام، وعن "شرح التلخيص" وغيره: حكايه وجهين: في أن التفريق، هل هو سُنَّةٌ مع الجزم بان الجَمْع ليس ببدعة؟.
والظاهر المنع ولك أن تقول: مسألة الجَمْع دخيلةٌ في هذا المَوْضِع، ولو أخَّرها إلى أن يفرغ من الكلام في سببي التحريم جميعاً، لكان أحسن.
الثانية: ولو قال: أنتِ طالقٌ مع آخر حيْضِك، أو مع آخر جُزء من أجزاء حيضك فوجهان: أحدهما: أنه يقع بدعياً لاقترانه بالحَيْض.
وأظهرهما أنَّه يقع سنيًّا؛ لاستعقابه الطهر المحسوبَ، والشروع في العدة.
ولو قال: أنتِ طالقٌ مع آخر جزء من الطهر، ولم يطأْها في ذلك الطهر، فإن قلْنا: الانتقال من الطهر إلى الحيض قُرْء، فهو سنِّيٌّ؛ لمصادفته الطهْر والشروع في العدة عقبيه، وإن لم نجعلْه قرءً انعكس الوجهان السابقان، إن وقع بدعيًّا وهو الأصحُّ، ويُحْكَى عن نصه في "الأم" وعن ابن سُرَيْج: أنه يقع في الصورتين بدعيّاً، أخْذاً بالأغلظ، ولو قال في الصورتين: بدل "مع" في آخر جزء من كذا ففي "التتمة" القطْع بأنه إذا قال: في آخر جزء من الحيض يقعُ بدعيًا وإذا قال في آخر جزء من الطهر، يقع سنيًّا، وخصَّص الخلاف بما إذا كان المستعمل لفظ "مع" ولم يفرق الأكثرون بينهما؛

لأن الوقوع إذا حَصَل مقارناً للجزء الأخير، لم يفترق الحال بيْن أن يعبَّر عنه بهذا أو بهذا؛ وعلى هذا يستمر لفظ الكتاب، فإن المذكور في الصورة الأولى "مع"، وفي الثانية "في".
الثالثة: تعليق الطلاق بالدخول وسائر الصفات ليس ببدعي، وإن اتفق الحيض؛ لأنَّه لا إضرار فيه في الحال، ولكن ينظر إلى وقْت وقوع الطلاق، فإن وجَدَتِ الصِّفَة، وهي طاهرٌ، نفذ سُنِّيًّا، وإن وجدَتْ، وهي حائضٌ، نفذ بدعيًّا حتى يستحب له الرجعة، ويُمْكِن أن يقال: إذا تعلَّقَت الصفة باختياره، أثِمَ 1 بإيقاعه في حالة الحَيْض.
وعن "القَفَّال": أن نفْس التعليق بدْعةٌ؛ لأنه لا يدري الحال، وقت الوقوع فلتحت فلتحترز عما عساه يقع إضراراً ولا ضرورة 2 إلَيْه.
ولو قال لذات الأقراء: أنتِ طالقٌ إن دخلْتِ الدار للسَّنَّة، أو إذا قدم فلان للسُّنَّة، أو قال: إذا جاء رأس الشهر، فأنْتِ طالقِّ للسُّنَّة، فإن وجد الشرط وهي في حال السُّنَّة، طلِّقَت، وإن وجد، وهي في حال البدعة، لم تُطَلَّق، حتى ينتهي إلى حال السُّنَّة، فحينئذٍ تُطلَّق؛ لأن الطلاق متعلِّق بالأمرين، فلا بدّ من حصولهما، وكذا لو قال: إن دخلْتِ الدار، فأنتِ طالقٌ للبدعة، فإن دخلت الدَّار في حال البِدْعَة، طُلِّقَت، وإن دخلَتْ في حال السُّنَّة، لم تُطَلَّق، حتى تنتهي إلى حال البِدْعَة.
ولو قال لغير المَدْخُول بها أو غيرها من اللواتي لا ينقسم طلاقُهن إلى السني والبدعي: أنْتِ طالقٌ إن دخلْتِ الدار، أو قدم فلان للسُّنَّة، ثم تغيَّر حالُها، فصارَتْ ممَّن ينقسم طلاقها إلى السُّنِّيِّ والبدعِّي، ثم وجد الشرط المعلَّق عليه، فإن وُجِدَ في حال السنة، وقع الطَّلاقُ، وإن وُجِدَ في حال البدعة، لم يقع الطلاق حتى يصير إلى حال السنّة؛ لأن الاعتبار بوقْت وجود الشَّرْط ووقوع الطلاق، لا بوقت التعليق، ولو وجد الشرط قبْل أن يتغير حالُها طُلِّقَتْ لأنَّه لا سنّة في طلاقها.
فرع: إذا علق الطلاق بما يتعلق باختيارها، وأتَتْ به مختارةً فيمكن أن يقال: هو كما إذا طلقها بسؤالها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّبَبُ الثَّانِي: إِمْكَانُ الحَمْلِ): وَالطَّلاَقُ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ أَوِ

اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ بدْعِيٌّ، فَإِنْ ظَهَرَ كَوْنُهَا حَامِلاً لَمْ يَكُنْ بِدْعِيّاً لأَنَّهُ طَلَّقَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَوْ وَطِئَهَا فِي الحَيْضِ ثُمَّ طَلَّقَهَا قِيلَ: لاَ يَحْرُمُ لأَنَّ بَقِيَّةَ الحَيْضِ تَدُلُّ عَلَى البرَاءَةِ، وَقِيلَ بِالتَّحْرِيمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لاَ بِدْعَةَ في خُلْعِهَا، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لأَنَّ أَمَدَ الحَمْلِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِرِضَاهَا وَالعِدَّةُ حَقُّهَا فَيَجُوزُ أَنْ تَتَأَثَّر بِرِضَاهَا، وَالآيِسَةُ وَالصَّغِيرَة وَغَيْرُ المَمْسُوسَةِ وَالحَامِلُ بِيَقِينٍ لاَ بِدْعَةَ في طَلاَقِهِنَّ أَصْلاً.
قال الرَّافِعِيُّ: فرَّعنا عن الكلام في أحد سببي تحريم الطلاق.
والثاني: إذا جامَع امرأته في طُهْرها، وهي ممن تحبل، ولم يَظْهَرْ حَمْلُها، حَرُم أن يطلِّقها في ذلك الطهر؛ لما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال في قصة ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما-: "ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَمَسَّهَا؛ ولأنه ربما يندم على الطلاق لو ظهر الحَمْل، فإن الإِنسان قد يطلق الحامل وإذا ندم، فقد لا يتيسر التدارك، فيتضرر الوالد ويتبرأ من الوَلَد؛ ولأَنَّ عدتها لو كانت حاملاً تكون بوضع الحمل، ولو كانت حائلاً تكون بالأقْراء، وربما يلتبس الأمر وتبقى مرتابةً، فلا يتهيأ لها الزوج، واستدخالها ماءه كالوطئ؛ لاحتمال الحَمْل منْه، ولو أتاها على غيْر المأتي، ففيه تردُّد للشيخ أبي عليٍّ، والأصح: أنه يوجب تحريم الطلاق، كما يثبت به النسب، وتجب العدة، وإن ظَهَر بها الحَمْل لم يكن طلاقها بدعياً؛ لأنه إذا طلقها على علْم بالحال ووثوق بالولد، فقد وطَّن نفسه على الفراق مع حصُول الولد وبَعُدَ عروض الندم، ولو وطئها في الحيض، فطهرت ثم طلقها، فوجهان: أحدهما: أنه لا تحرم؛ لأن لبقية الحيض إشعاراً بالبراءة.
وأظهرهما: تحرم -به قال الشيخ أبو علي- وهو المذكور في "التتمة" لاحتمال العلوق في الحيض، وكون البقية مما دفعتْه الطبيعة أولاً وتهيأ للخروج، ولو خالع الممسوسة في الطهر الذي جامعها فيه أو طلقها على مال لم يكن بدعيّاً، كما ذكَرْنا في خُلْع الحائض ويدل عليه قصَّة ثَابتِ بْن قيس؛ فإنه أطلق الإِذن، ولم يستفصل مع أن الطهر والجماع غير بعيد، وأيضاً فأخذ المال يؤكد داعيَةَ الفراق، ويبعد احتمال الندم، وفيه وجه أن الخُلْع حرامٌ هاهنا، كالطلاق مجاناً، بخلاف الطلاق في الحيض؛ فإن المنع هاهنا لرعاية أمر الولد؛ فلا يؤثر رضاها فيه، والمنع هناك؛ لما فيه من تطْوِيلِ العدَّة، فإذا رضِيَتْ أثَّر في ارتفاع المنْع، ويستحب المراجعةُ بعد الطلاق هاهنا، كما ذكَرْنا في السبب الأول، ثم إنْ راجَعَها ووطئها في بقيَّة الطهر، ثم حاضَتْ وطهُرَت، فله أن يطلِّقَها، وإن لم يراجعْها حتَّى انقضى ذلك الطُّهْر أو لم يطأها فيه، فلا ينبغي أن يطلِّق في الطهر الثاني؛ لئلا تكون الرجعة للطلاق، وحكى الحناطي وجْهاً: أنه لا يستحب المراجعة هاهنا؛ ولا 1 يتأكد الاستحبابُ تأكُّده في طلاق الحائض؛ وإذا

عَرَفْتَ ما ذكَرْنا من السببين المحرِّمَين سهُل العلْم بأن الآيسة، والصغيرة؛ وغير الممسوسة، والتي ظهر حملها لا بدعة في طلاقهن أصْلاً؛ أما الآيسة والصغيرة؛ فلأن عدتهما بالأشهر فلا يُعتبر بها طول ولا قصر، وإذا لم يكن لهما حيْض، لم يكن حمل حتى يؤثر المعنى الثاني، [و] 1 أما غير المدخول بها فلا عدَّة عليها، ولا ولد لها، وأما التي ظهر حملها فعدَّتُها بوضْع الحَمْل، ولا تختلف المدَّة في حقِّها، ولا يعرض الندم بسبب الولد، على ما تبين ولا فَرْق بين أن ترى الدم، أو لا تراه ولا إذا رأته بين أن تجْعَلَه حيضاً أو لاتجعلَهُ حيْضاً.
وعن أبي إسحاق: أنها لو كانت ترى الدم، وجعلناه حيْضاً، فقال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، لا يقع عليها الطلاق، حتى تطهر، وعلى هذا: فللحامل حالُ بدعة، كما للحائل، والمشهور الأوَّل، وقد اشتهر في كلام الأصْحَاب أن الأرْبَع المذكوراتِ لا سنَّة في طلاقهن ولا بدعة، وذلك للعبارات السابقات في تفسير السني والبدْعِيِّ، وفي معناها ما ذكر أبو الحسن علي بْن أحمد بْن خيران في مختَصَر له مترجم بـ"اللطيف" أن السني طلاقُ المدخول بها في طُهْر لم يجامعها فيه، وليس هناك حيْضٌ ولا نِفَاس ولا حمل، والبدْعيُّ أن يطلِّقها، وهي حائض أو نفساء أو في طهر جامعها فيه، وربما أفهم كلامهم أنَّهم يعنون بقولهم: لا سُنَّة ولا بدْعَة في طلاقهن: أنه لا يجتمع في طلاقهن حالتا السنة والبدعة، حتى يكون مرة سُنِّيَّاً ومرة بدعيًّا، بل لا يكون طلاقهن إلاَّسنيّاً وعلى هذا يستمر تفيسر السني بالجائز والبدعي بالمحرم، ويغني ذلك عن التفاسير المقيّدة والمطلقة.
وقوله في الكتاب "السَّبَبُ الثَّانِي إِمْكَانُ الحَمْلِ" يبين أنه لا يعتبر خصوص الوَطْء، ولا كونه في الطهر، وإنما المعتبر أن يحدث ما يتوقع منه العمل، فيدخل فيه اسْتِدْخَال الماء، وكذا الوطء في الدبر على الأصَحِّ، كما مر، ولمتأمل أن يقول: لا يعتبر في السبب الأول أيضاً خصوصُ الوقوع في الحيض، وإنما المعتبر أن تطُولَ المدَّة، ولا يستعقب الطلاق كفر عين أوردهما صاحب "التتمة" وغيره.
أحدهما: إذا نكح حاملاً من الزنا، ووطئها وطلقها، فعن ابن الحدَّاد: أنه يكون الطلاق بدعيًّا؛ لأن العدة تقع بعد وضْع العمل، والنقاء من النفاس، ولا يشرع، عقيب الطلاق في العدة.
والثاني: إذا وُطِئَتِ المنكوحة بالشبهة، وحبلت منْه، وطلَّقها زوْجُها، وهي طاهر فالطلاق بدعيٌّ؛ لأنها لا تشرع عقيبه في العدة، وكذا لو لم تَحْبَل، وشرعت في عدة الشبهة فطلقها وقدمنا عدة الشبهة، وفيه وجه آخر: أن الطلاق لا يكون بدعيًّا؛ لأنه لم

يوجَدْ منْه إضرارٌ وتعطيلُ الزمان عليها، وإنما انصرف الزمان إلى حقٍّ واجبٍ عليها، ورد صاحب [التتمة] ترجيح هذَا الوَجْه فيما إذا لم تحْبَل، وترجيح الأول فيما إذا حَبِلَتْ؛ لأن زمان النفاس تعطل عليها، ولا يحسب عن واحدة من العدتين.
وقوله في الكتاب "والحامل بيقين" لفظ "اليقين" محمول على الظن الغالب، وكيف لا، وقد اشتهر الخِلاَفُ في أن الحَمْل هل يعلم، وليعلَّم بالواو ولما حكي عن أبي إسحاق.
فرْعٌ: وطلَّقَها في طهر لم يجامعها فيه، ثم راجَعَها، فله أن يطلِّقها، وعن حكايته القاضي الحسين وجْه بعيدٌ: أنه يكون بدعيّاً؛ لئلا تكون الرجعة للطلاق، وهذا سبب ثالث للتحريم على هذا الوجه (1). فرْعٌ: لا تنقسم الفسوخ إلى سنيَّة وبدعيَّة؛ لأنها مشروعة؛ لدفع مضارَّ نادرةٍ، ولا يليق بِها تكاليف مراقبة الأوقات (2).

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: (الفَصْل الثَّانِي في التَّعْلِيقِ بِالسُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ):

وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الأُولَى):12

إِذَا قَالَ لِلحَائِضِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلبِدْعةِ طُلِّقَتْ فِي الحَالِ، وَلَوْ قَالَ: للِسُّنَّةِ لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَطْهُرَ، وَلَوْ قَالَ للِطَّاهِرِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَقَعَ فِي الحَالِ، وَإِنْ قَالَ: لِلبِدْعَةِ فَإِذَا جَامَعَهَا أَوْ حَاضَتْ طُلِّقَتْ، وَاللاَّمُ فِيمَا يُنْتَظَرُ لِلتَّأقِيتِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرَمَضَانَ، بِخِلاَفِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَاءِ فُلاَنٍ فَإنَّهُ لِلتَّعْلِيلِ فَيَقَعُ فِي الحَالِ وَإنْ سَخِطَ فُلاَنٌ، فَلَوْ قَالَ: أردتُّ التَّأْقِيتَ يَدينُ بَاطِناً، وَهَل يُقْبَل ظَاهِراً؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَلَوْ قَالَ لِصَغِيرَةٍ أَوْ غَيْرِ مَمْسوسَةٍ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ للِبِدْعَةِ وَقَعَ فِي الحَالِ، وَكأَنَّ اللاَّمَ للِتَّعْلِيلِ وَسَقَطَ قَوْلُهُ، وَقِيلَ: لاَ يَقَعُ المُضَافُ إِلَى البِدْعَةِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا وَتَحِيضَ، وَإِنْ قَالَ: للِسُّنَّةِ يَقَعُ في الحَالِ؟ لأَنَّ السُّنَّةَ طَلاَقٌ لا تَحْرِيمَ فِيهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: تَرْجَمَ الفصل بالتعليق بالسنَّة والبدعة، والمشهور من معنى التعليق ما يقابل التخيير، ولا ينبغي أن يحملى اللفظ عَليْه؛ لأن مسائل الفصل لا تنحصر في التعليقات، بل هي مختلطة، ألا تَرَى أنه إذا قال: أنتِ طالقٌ للبدعة، وهي حائضٌ يقع الطلاق في الحَال؛ ولا يتوقَّف على شيْء وإنَّما المراد تعليق لفظ الطلاق بالسنة أو البدعة، واضافته إليهما، أو أحدهما، ويوضِّحه أن الترجمة في "الوسيط" إضافةُ الطلاق إلى السُّنَّة والبدْعَة تنجيزاً أو تعليقاً، ويشتمل الفصل على مسائل: منْها إذا قال للحائض أو النفساء: أنتِ طالقٌ للبدعة، وقع الطلاق في الحال، وإن قال: للسنة، لم يقَع الطلاق، حتى تطْهر، ولا يتوقَّف على الاغتسال.
وقال أبو حنيفة: إن كان الانقطاع لأَكْثَرِ الحيض، فكذلَكَ وإن كان لما دُونَه، فلا يقع، حتى تغتسل أو تتيمم؛ لفقد الماء، أو يمضي عليه وقت صلاة، ولو وَطِئَهَا في آخِرِ الحيْض، واستدام إلى انقطاع الدَّم لم يقَع الطلاق؛ لاقتران أول الطُّهر بالجماع، وكذا يكون الحكم إذا لم يستدم، إن فرَّعنا على الأظهر؛ وهو أنه إذا وطئ في الحيض ثم طلَّق في الطُّهر الذي يليه، يكُون الطلاَق بدعيّاً، ولو قال للطاهر أنتِ طالقٌ للسنة، فإن لم يجامعْها في ذلك الطهر، وقع في الحال وإن جامَعَها فيه، فلا يقع، حتى تحيض، ثم تطهير، ولو قال لها: أنتِ طالقٌ للبدْعَة، فإن كان قد جامعها في ذلك الطُّهْر، وقَع الطلاق في الحال، وإن لم يجامعها، فكما حاضت طُلِّقت، قال في "التتمة": ويحكم بوقوع الطلاق بظهور أول الدَّم، وإن انقطع قبْل أن يبلغ أقلَّ الحيض، بَانَ أنَّه لم يقَعْ، ويشبه أن يجيْء فيه الخلاف المذكور فيما إذا قال لها: إن حِضْتِ فأنت طالق، أنها تطلَّق برؤية الدم أو لا تطلق إلاَّ إذا مضى أقل الحيْض، ولو جامَعَها قبْل الحيض، فكما غَيَّبَ الحَشَفَة، وقع الطلاق، ووجَب عليه النزع، وإن نزع، وعاد، فهو كابتداء الوطء بعْد الطَّلاق، وإن استدام، ولم ينزع، فإن كان الطلاق رجعيًّا، فلا حد، وإن كان قد علق ثلاث طلقاتٍ،

فكذلك؛ لأن ابتداءه مبَاحٌ، وفيه وجْه: أنه يجِبُ إذا كان عالماً بالتحريم، وهل يجب المهر؟ حكمه حكم ما لو قال إن وطئْتُكِ، فأنت طالقٌ ثلاثاً، فغيب الحشفة، واستدام، وهذه الصورة قد ذكرناها في "الصوم"، وبيَّنا أن الأصحَّ أنه لا مَهْر؛ لأن مهر النكاح يتناول أوَّل هذا الوطء، فلا يجب به شَيْء آخر، وادعى صاحب "العُدَّة" أن ظاهر المذهب الوجُوبُ.
وقوله في الكتاب: "واللام فيما ينتظر للتأْقِيتِ" معناه: أن اللاَّم في قوله "للسُّنَّة" إذا لم يكن الحال حال السُّنة، وفي قوله: "للبِدْعة" إذا لم يكن الحال حال البدعة تحمل على التأقيت؛ لأنهما حالتان منتظرتان يتعاقبان على المرأة تعاقُبَ الأيام والليالي، وتتكرران بتكرر الأسابيع والشهور، فأشبه ما إذا قال: أنت طالِقٌ لرمضان، ومعناه ومفهومه: إذا جاء رمضانٌ فانتِ طالقٌّ، نعم إذا دخل حرف اللام على ما لا يُنْتَظَر مجيئه وذهابه، فهو للتعليل، وذلك مثل أن يقول أنتِ طالقٌ لفلان أو لرضاء فلان، فيقع في الحال رَضِيَ أم سَخِط 1، والمعنى فعلت هذا ليرضى، وعن ابن خيران أن فيما نقل الحناطي: أنه إنما يقع في الحال إذا نوى التعليل، أما إذا طلَّق ولم تكُنْ له نية، فإنما يقع إذا رضِيَ فلان، كما في قوله: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، والمشهور والمنصوص الأول، ونُزِّلَ ذلك منزلة قَوْل القائل: أنْت حُرٌّ، إن شاء الله لوجه الله، وحيث يُحْمَل على التعليل، فلو قال: أردتُّ التأقيت والتعليق، فيقبل في الباطن، ويدين، وهل يقبل في الظاهر؟ فيه وجْهَان، سيأتي نظائِرهما، والأصحُّ المَنْع ولو قال: أنْتِ طالقٌ برضا فلان، أو بِقُدومه، فهو تعليقٌ كقوله: إن رضي [فلان] 2 أو قدم، قاله صاحب "التهذيب" [وحيث] 3 حملنا قولَهُ للسُّنَّة أو للبدعة على الحال المنتظرة، فلو قال: أردتّ الإيقاع في الحال، وقَع؛ فإنَّه غير متهم فيما يُقِرُّ على نفسه، من تغليظ، وهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن دخلْتِ الدار، وقال: أردتْ الإِيقاع في الحال، وسبَقَ لساني إلى ذكْر الدخول.
وقول القائل: أنتِ طالقٌ لا للسنة، كقوله: للبدْعَة، وقولُه: لا للبدعة، كقوله:

للسنة، وقولُه: أنتِ طالق [سنة] الطلاقِ، أو طلقةً سُنِّيَّة كقوله: أنتِ طالقٌ للسنّة، وقولُه: بدعة الطلاق أو طلقة بدعية: كقوله للبدعة.
ولو قال: إن كان يقع عَلَيْكِ في هذا الوقْت طلاق السنة فأنْتِ طالقٌ، فإن كانت في حال السُّنَّة طُلِّقت، وإلاَّ لم تُطَلَّق لا في الحال؛ ولا إذا سارت في حال السُّنة؛ لأن الشرط لم يحصُلْ، وكذا لو قال: أنتِ طالقٌ للسنة، إذا قدم فلان، وأنت طاهرٌ، إذا قدم وهي طاهر طلِّقَت للسنة، وإلا لم تُطلَّق لا في الحال ولا 1 إذا طَهُرت.
وجميع ما ذكَرْنا فيما إذا كان الخِطَاب مع امرأة يقع في طلاقها السنيُّ والبدعي، أما اللواتي لا ينقسم طلاقُهُن إلى سنِّيٍّ وبدْعِيٍّ، فإذا قال: لصغيرة ممسوسة أو لصغيرة أو كبيرة غير ممسوسة: أنْتِ طالقٌ للسنّة، وقع في الحال ووجه ذلك من وجهين: أحدهما: أنه لَيْس في طلاقها سنَّةٌ ولا بدعة، والتقريب بعد ذلك من وجهين: أحدهما: أنه يَلْغُو ذكر الوصف بالسنة والبدعة، ويبقى أصل الطلاق.
والثاني: أنَّه إذا لَمْ يكن لها حالتا سنة ولا بدعة ينتظران، لتعاقبهما، كأن اللام للتعليل، وكأنَّه قال: طلقْتُكِ ليكون طلاقي سُنِّيّاً، وإنما يعمل "اللام" على التأقيت فيما يشبه الأوْقَات ذَهَاباً ومجيئاً، وعلى هذا فلو قال: أردتُّ التأقيت، فعلى ما ذكرنا في قَوْله: أنْتِ طالقٌ لرضا فلان.
والثاني: أن السنيَّ طلاقٌ لا تحريم فيه، وأنه كذلك، وهذا مبني على تفسير السني بالجائز، والأول مبني على غيره من التفاسير، ولو قال: أنْتِ طالقٌ للبدعة، فالظاهر أنَّها تُطَلَّق أيضاً؛ لعدم اعتوار الحالين، وعن حكايته الشيخ أبي علي وجْه: أنه تحْمَل اللام على التأقيت، ويُنْتَظَر حالة التحريم بأن تحيض الصغيرةُ، ويدخل بغَيْر الممسوسة، أو تحيض وفي "شرح مختصر" الجُوَيْنيِّ، و"الرقم" للعبادي: أن ابن القَطَّان روي عن أبي حفص بن الوكيل أن الطَّلاق لا يقع؛ لتعلُّقه بصفة لا توجد، فأشْبَه ما إذا قال: أنتِ طالقٌ إن صعدت السماء، وهذا يَطَّرِدُ في قوله للسنّة، وقوله للبدعة وليعلَّم قوله في الكتاب "وَقَعَ في الحَالِ" [بالواو؛ لهذا الوَجْه فإن على هذا الوجه لا يقع في الحال ولا من بعْدُ، ويجوز أن يعاد على قولِه في الوجه الثاني "يقع في الحال"] وقوله "وَسَقط قوله" أي فيما يتعلَّق بالوصْف بالسنة والبدعة، وقوله "حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا" يعني غير الممسوسة.
وقوله: "وتَحِيض" أي الصغيرة، أو الوجهان المذكوران متفقان على وُقوع الطلاق

في الحال، إذا قال لها: أنْتِ طالقٌ للسنّة، وإن اختلف التوجيه، والخلاف فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ للبدعة.
ولو صرَّح بالوقت، فقال لها: أنتِ طالقٌ لوقْتِ السنّة أو لوقت البدعة، قال في "البسيط" [إن] لم ينوِ شيئاً، فالظاهر وقُوع الطَّلاق في الحال أيضاً، وإن قال: أردتُّ التأقيت المنتظَرَ، فيحتمل أن يقبل؛ لأن تصريحه بالوقت يكاد يلحقه بالمواقيت، ولا نقل 1 فيه.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ لا للسنّة ولا للبدعة، وقَعَ الطلاق في الحال، أما إذا لم تكُنْ متعرِّضة للسنّة والبدعة، فحَالُهَا ما عَبَّرَ عنْه، وأما إذا كانَتْ متعرِّضة لهما؛ فلأن الوصفَيْن لا ينتفيان 2 فيلغو ذلك، ويبقى أصل الطلاق، وكذا الحُكْم لو قال: أنْتِ طالقٌ طلقةً سنيةً بدعيةً؛ لأن الوصفين لا يجتمعان.
فَرْعٌ: لو قال لها في زمان البدْعَة: أنتِ طالقٌ طلاقاً سُنِّيَّاً، أو في زمان السنة أنتِ طالِقٌ طلاقاً بدعيًّا، ونوى الوقوع في الحال قال في "التتمة": لا يقع الطلاق؛ لأن النية إنما تعمل فيما يحتمله اللفظ، لا فيما يخالفه صريحاً وإذا تنافَيَا نُلْغِي النِّيَّةَ ونعمل باللفظ لأنَّه أقوى ولو قال: أنْتِ طالقٌ الآن طلاقاً سُنِّياً، والحال حال البدعة، يقع الطلاق في الحال، اعتباراً بالإِشَارة إلَى الوَقْت ويلغو اللفظ.
واللَّهُ أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): إِذَا قَالَ للطَّاهِرَة: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً بَعْضُهُنَّ للِسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلبِدْعَةِ يُحْمَلُ عَلَى التَّشْطِيرِ مُطْلَقُهُ فَيَقَعُ فِي الحَالِ طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ لِتَكْمُلَ في الحَالِ طَلْقَتَيْنِ، وَقَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: تَقَعُ وَاحِدَةٌ لأَنَّ البَعْضَ مُجمَلٌ وَأَقَلُّهُ الوَاحِدُ فَيَنْزِلُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ:

أَرَدت فِي الحَالِ ثَلاَثةَ أَنْصَافٍ كَمُلَ الثَّلاَثُ فِي الحَالِ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدتُّ وَاحِدَةً في الحَالِ وَثِنْتَيْنِ فِي الاسْتِقْبَالِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْبَلُ، وَقِيلَ: لاَ يُقْبَل لأَنَّ الثِّنْتَيْنِ بَعْضاً بَعِيدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، وهي من ذوات الأقراء، فيُنْظَر إن أطْلَق، ولم يَنْو شيئاً فالنصُّ أنَّه يحمل على التشطير، فتكون حصَّة الحال طلقةً ونصْفَ طلقة، أو بعض الطلاق يُكَمّل، فيقع في الحال طلقتان، فإذا صارت إلى الحالة الأخْرى وقعتِ الطلقة الباقية، ووجْه ذلك بأن الشَّيْء إذا أُضِيف إلى جهتَيْن بلفظ البَعْض لزمت التسوية؛ ألا ترى أنَّه لو قال: هذه الدار بعضها لزَيْدٍ، وبعضها لعَمْرو يحمل إقراره على التشطير، إذا لم تكن له بينة، وذكر المزنيُّ: أنه يقع في الحال طلقةً، وتتأخر الطلقتان إلى الاستقبال؛ لأن لَفْظ البَعْض يقع على القليل والكثير، فالمستيقن وقُوع الواحدة، وجعَل الحناطي والإِمَام هذا وجْهاً في المَذْهَب، ولم يعدُّوه من تفردات المزنيِّ، ومن صار إلَيْه لا يكاد يُسَلِّم مسألة الإِقرار، ويقول يأنه مُجْمَل يرجع إليه فيه، ونقل الحناطي وجهاً ثالثاً: وهو أنه تقع الثلاث في الحال؛ حمْلاً على إيقاع بَعْض من كل طلقة في الحال، وإن قال: أردتُّ إيقاع بَعْضٍ مِنْ كل طلقة في الحال، وقَع الثَّلاَثُ في الحال، وإن قال: أردتُّ التشطير قُبل، ووقع في الحال طلقتان.
[وفي الاستقبال الطلقة الثالثة، وإن قال: أردتُّ في الحال طلقتان]، وفي الاستقبال طلقة قبل، وحكم بمقتضاه، وإن عكس وقال أردتُّ في الحال طلقة وفي الاستقبال طلقتين، فوجهان: أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا يقبل؛ لأنَّهُ يُؤَخِّر طلقةً يقتضي الإِطْلاَقُ تعجيلَها، كما لو قال: أنتِ طالقٌ، ثم قال: أردتُّ إن دخلتِ الدار.
وأصحُّهما -ويُحْكَى عن نصِّه، واختيار أبي إسحاق-: أنه يقبل، ويحكم بموجب قوله؛ لأن اسم البَعْض يقع على القليل والكثير من الأجزاء، وربَّما علل الوجْه الأول بأن تسمية الشيْء بعضاً من الثلاث بَعيد؛ لأن معظم الشَّيْء لا يكاد يُعَبَّر عنه بالبعض، هذا ما ذكره في الكتاب، لكنه موجود فيما إذا قال: أردت طلقتين في الحال، وواحدةً في الاستقبال إلاَّ أنه هناكَ هو مُقِرٌّ علي نفسه بالأغلظ، فلم يُتَّهم، وهذا الخلاف في القبول ظاهراً، ولا خلاف أنه يَدِينُ، قال في "التتمة" وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا ندم على ما سبق منْه، وأراد أن يخالِعَها حتَّى تصير إلى الحالة الأخرى، وهي بائن فتخل اليمين، ثم يعود ويتزوجُها وقلْنا؛ الخُلْع طلاقٌ، فإن قلنا: الواقعُ في الحال طلقةٌ، أمكلنه ذلك، وإن قلنا: طلقتان، لم يمكن.
ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً بعضهن للسنّة، واقتصر عليْه وكانت في حالة السُّنَّة قال في "الشَّامِل" تجيْء على الوجه الأصحِّ وهو القبول، إذا قال أردتُّ طلقةً في الحال، وثنتين في الاستقبال أن لا يقع إلا طلقة، لأن البَعْض ليس عبارة عن النِّصْف، وإنما

حملناه على التشطير عنْد الإِطلاق؛ لأنَّه أضاف إلى الحالين جميعاً فسوينا بينهما، وها هنا لم نضف إلى الحالين.
ولو قال: أنتِ طالقٌ خمساً بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، ولم ينْو شيئاً، فعلى الخلاف الذي سيأتي: أن الزيادة على المملوك من الطلاق، تنصرف إلى المملوك أم لا؟ ويتبع 1 اللفظ إن قلنا بالأول يقع في الحال طلقتان، وفي الثاني طلقةٌ تفريعاً على النص، وإن قلنا بالثاني، وهو الأصح تقع الثلاث أخْذاً بالتشطير وبالتكميل.
ولو قال لها أنتِ طالقٌ طلقتَيْنِ، طلقة للسنّة، وطلقة للبدعة [أو قال: أنْتِ طالقٌ طلقةً للسنَّة وطلقة للبدْعَة]، يقع طلقة في الحال، وأخرى في الاستقبال، ويخالف ما إذا قال: طلقة طلقة للسنّة والبدعة، حيث يقع في الحال طلقة، ولا يقع بَعْد ذلك شيء، لأن هنا لم يوقع إلاَّ طلقةً واحدةً، لكن وصفها بوصفين متناقضين فيلغو الوصفان ووقعت الموصوفة.
لو قال: طلقتين للسنّة والبدعة، فوجهان: أحدهما: تقع طلقة في الحال وأخرى في الاستقبال، صَرْفاً لكل صفة إلى طلقة وأصحهما، على ما ذكر في "التهذيب": أنه تقع الطلقتان في الحال؛ لأن قوله للسنّة والبدعة وصف للطلقتين في الظَّاهر، والطلقتان متناقضتان فتساقطتا، وبقيت الطلقتان، وهذا كما أنه لو قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً للسنَّة والبدْعة، تقع الثلاث في الحال، ولو قال للتي لا ينْقَسِم نكاحُها إلى السنيِّ والبدعيِّ: أنتِ طالق ثلاثاً بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة، يقع الثلاث في الحال، كما لو وصَف الكُلَّ بالسنّة أو البدعة.
ولو قال: طلقة للسُّنَّة، وطلقة للبدعة، وقَعَتَا في الحال.
وقوله في الكتاب: "إذا قال للطاهرة" للتمثيل لا للتخصيص بالطاهر، بل حكم الطاهر والحائض واحدٌ فيما ذكر، إنما المعتبر أن يكون لها حيْض وطُهْر.
وقوله: " أَرَدتُّ في الحَالِ ثلاثَة أنْصَافٍ" لا يختص الحكم بالأنصاف، بل لو قال: أردتُّ ثلاثَةَ أَثْلاَثٍ أو أرباعٍ، كان الحُكْم كذلك إنما المعتبر أن يريد بعضاً من كل طلقة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقْ أَجْمَلَ الطَّلاَقِ وَأَفْضَلَهُ وَأَحْسَنَهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: للِسُّنَّةِ فَلاَ يَقَعُ فِي حَالَةِ الحَيْضِ، وَلَوْ قَالَ: أَقْبَح الطَّلاَقِ وَأَسْمَجَهُ فَهُوَ كقَوْلِهِ: لِلْبِدْعَة، وَلَوْ قَالَ: طَلْقَةً قَبِيحَةً حَسَنَةً أَوْ سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً فَيَلْغُو الوَصْفُ لِتَنَاقُضِهِ وَيَقَعُ أَصْلُ الطَّلاَقِ.

قال الرَّافِعِيُّ: إذا وصَف الطلاق بصفة من صفات المدح بان قال: أنتِ طالقٌ أجْمَلَ الطلاقِ أو أفضلَه [أو] 1 أعدله أو أحسنه أو كمله أو أتمه أو أجوده أو خيَر الطلاق أو أنت طالقٌ للطاعة، ولم ينو شيئاً، فهو كما لو قال: أنتِ طالقٌ للسنّة، حتى لا يقَع، إن كان في حال البدعة حتَّى ينتهي إلى حال السنة، وإن نوى شيئاً نُظِرَ؛ إن نوى ما يقتَضِيه الإِطْلاق، فذاك ونيته مؤكّدة، وإن قال أردت طلاق البدعة قبل لأنه من حقها أحْسَن من جهة سوء خُلُقها أو عشرتها، فإن كانت في حال البدعة؛ لأنَّه غَلَّظ على نفسه 2، وإن كانت في حَال السنة لمْ يُقبل في الطاهر، ويدين، وقد يَجيْء خلاف في الظاهر، وإذا وصَف الطلاق بصفة من صفات الذمِّ، فقال: أنتِ طالقٌ أَقبح الطلاق أو أسمجه أو أفضحه أو أفظعه أو أردأه أو أفحشه أو أنتنه، أو أنت طالقٌ شَرَّ الطلاق وما أَشْبَه ذلك، فهو كقوله: أنتِ طالقٌ للبدعة، حتى لا يقع، وإن كانَت في حال السنة حتى تنتهي إلى حال البدعة، وإن قال: أردت قبح الطلاق من جهة حُسْن خلقها وعشرتها أو قال: أردتُّ أن أقبح أحوالها أن تَبِينَ مني، وَقَع في الحال؛ لأنه غَلَّظَ على نفسْه، وإن قال: أردتُّ أن طلاق مثل، هذه في حال السنّة أقبح، فقصدت بقولي "أقبح" أن تطلَّق في حال السنّة، لم يُقبل في الظاهر، ويدين.
ولو قال: أنْتِ طالقٌ للحرج فهو كقوله أو طلاق الحرج للبدعة، ولو خاطب بهذه ألفاظ الَّتي لا سنّة في طلاقها، ولا بدعة، فهو كما لو قال لها: للسنّة أو للبدعة، وقد مَرَّ، ولو جمع بين صفتي المَدْح والذَّمِّ، فقال: أنْتِ طالقٌ طلقةً حسنةً قبيحةً أو جميلةً

فاحشةً أو سنّية بدعيةً أو للحرج والعدل والمخاطبة، من ذوات الأقراء، وقعت في الحال، كما ذَكّرنا في قوله: للسنّة و"البدعة" وحكُيَ في توجيهه اختلافٌ.
والأظهرَ -وهو المذكور في الكتاب-: أن وجهه أنه وصف الطلاق بصفَتيْن متضادَّتَيْن، فبلْغُو، ويبقى أصْل الطَّلاق، وعن أبي إسحاق، أن الطلاق إنما يقع؛ لأن إحدى الحالَتَيْن حاصلاً لا محالة، والصفة التي هي موجب تلك الحالة واقعةٌ موقعها، فيقع الطلاق موصوفاً بتلك الصفة، ويلغو الصفة الأخرى، ويجيْء أن يقال.: لو لم تكن المرأة متعرِّضة للسنّة والبدعة، فقضية التعليلٍ الأول وقوعُ الطلاق، وقضيةُ التعليلِ الثاني ألاَّ يَقَع، لأن واحدة من الحالتين غيْرُ حاصلة، وذكر الشيخ أبو الفرج في "الأمالي": أنَّه لو فسَّر كل صفة بمعنى فقال: أردتُّ كونَهَا حسنة من حيثُ الوقت، وقبيحة من حيث العَدَدُ، حتَّى تقع الثلاث أو بالعَكْس، فيقبل وإن تأخر الوقُوع؛ لأنُّ ضرر وقُوع العَدَد أكثر من فائدة تأخير الوقوع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً فِي كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ وَبَانَتْ فَلاَ تَلْحَقُ الثَّانِيَةَ، وَإِنْ جَدَّدَ نِكَاحَهَا قَبْلَ الطُّهْرِ الثَّانِي لَحِقَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ عَلَى قَوْلِ عَوْدِ الحِنْثِ، فَإِنْ جَدَّدَ النِّكَاحَ بَعْدَ الطُّهْرَينِ لَمْ يَقَعْ لانْحِلاَلِ اليَمِينِ بِالطُّهْريْنِ قَبْلَ التَّجْدِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا لَحِقَهَا الثَّلاَثُ فِي ثَلاَثَةِ أَقْرَاءٍ وَقَد شَرعَتْ بالأوْلَى فِي العِدَّةِ، وَهَلْ تُسْتَأْنفُ العِدَّةُ لِلُحُوقِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً وَهِيَ تَحِيضُ، وَقُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ فَيَقَعُ وَاحِدَةً فِي الطُّهْرِ الأَوَّلِ، وَهَلْ يَتَكَرَّرُ فِي الطُّهْرِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ؟ لأَنَّ القُرْءَ مَا يَدُلُّ عَلَى البَرَاءَةِ وَلاَ دَلاَلَةَ مَعَ الحَمْلِ، وَإِن كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً فَفِي وُقُوع وَاحِدٍ فِي الحَالِ خِلاَفٌ مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّ القُرْءَ طهْرٌ مُحْتَوشٌ بِدَمَيْنِ، أَمْ الانْتِقَالُ مِنَ الطُّهْرِ إِلَى الحَيْضِ قُرْءٌ أَيْضاً.
قال الرَّافِعِيُّ: أورد الشَّافعي -رضي الله عنه- والأصحاب -رحمهم الله- هذه المسألة في خلالَ مَسائِل السُّنة والبدعة، وإن لم يَعْظُمْ تعلقها بها، وصورَتُها أن يقول لزوجته: أنت طالقٌ ثلاثاً في كل قُرْء طلقةً، أو أنتِ طالقٌ في كل قرء طلقةً، ولها أحوالٌ ثلاثٌ إحداها: أن تكونَ حائلاً من ذوات الأقراء، فإِمَّا أنْ تكونَ غيْر مدخولٍ بها، أو مدخولاً بها، فإن كانت غير مدخولٍ بها، نُظِرَ إن كانت حائضاً، لم يقع الطَّلاق على المشهور، وهو المذكور في الكتاب لأن الأقراءَ عنْدنا الأطْهَارْ، وحكى أبو سعد المتولِّي، وغيره أن الشيخ أبا حامد قَال: يقع عليها في الحال طلقة لأنَّها غير مخاطبة بالعِدَّة، فحيضها كطُهْرها، وإن كانت طاهراً 1 وقَعَتْ في الحال طلقة، وتبين بها فلا

تلحقها الثانيةُ والثالثة، فإن جدَّد نكاحها قَبْل الطهر الثاني، ففي وقُوع الطلقة الثانية والثالثة قَوْلا عَوْدِ اليمين والحَنِث، وإن جدَّد النكاح بعْد الطهرين، لم يقَعْ شيء وإن قلْنا: بعود الحنث، لانحلال اليمين بمضي الطُّهْرين، بعد الطهر التي وقعت تلك الطلقة فيه، وإن كان بعْد الدُّخول وقَعَت في كل قرء طلقة، سواء جامَعَها فيه، أو لم يجامْعها وتكونُ الطلقة الواقعةُ سنّيةَ، إن لم يجامعْها، وبدعيةً إن جامَعَها، وتشرع في العدة بالطلْقة الأُولى، وهل يجب استئناف العدة، لِلُحوق الثانية والثالثة، فيه قولان معادان في كتاب "العدة" والأصحُّ: الوجوب.
والثانية: أن تكون حاملاً، فإن كانت لا تَرَى الدَّم على العمل، وقَعَت في الحال طلقة، قال في "التَتمة"، إذا لم تَحِض قطُّ، وبلغَتْ بالحمل مثَلاً، فيكون وقوع الطلاق على وجهَيْن أو قولَيْن، بناءً على أن القُرْء عبارة عن الطُّهْر بين الدمَيْن أو عن الانتقال من الطُّهْر إلى الدم، إن قلْنا بالأول، لم يقَعْ حتى تَضَع، وتطَّهُر من النفاس، وإن قلْنا بالثاني تَقَع؛ لأنَّهُ طُهْر ينتقل منه إلى دم النفاس، وهذا أظْهر، وإذا وقَعَت الطلقة، فإن راجعها قبْل الوضْع وقعت طلقةٌ أخرى إذا طَهُرت من النفاس، وعليها استئناف العدَّة، وطئها بعد المراجعة أو لم يطأْها، بخلاف ما إذا راجَع المطلَّقة، ثم طلَّقها قبل أن يطأها؛ حيْثُ يكفي البناءُ، ولا يجب الاستئناف، على قول؛ لأنَّ الطلقة الثانيةَ: هنَاكَ تقَع في زمان محْسُوب من العدة لولا الرجعة؛ لأن العدة تنقضي بالوَضْع، ونظير ما نحْن فيه ما إذا راجَعَها وأمْسَكَها حتى مضَى الباقي من الأَقْرَاء، ثم طلَّقها، وحينئذٍ يجِبُ الاستئناف بلا خِلاَف، وإن لم يراجعْها، فتنقضي عدَّتها بوَضْع الحَمْل، وتبين ولو جدد نكاحها قبل تمام الأقراء، فيعود قولاً عَوْد الحنثُ واليمين، وإن كانت ترى الدَّم على الحَمْل، فيُبْنَى على الخِلاَف أنَّه حَيْض أم لا، إن لم نجعلْه حَيْضاً فالحُكم كَمَا لو لم تر الدَّم، وتقع في الحال طلْقة، وحكى الحناطي وجْهاً: أنَّا وإن لم نجعلْه حيضاً، فلا يقع الطَّلاق إذا وافَق قوْلُه وقْت الدم حتَّى تطْهُر، فإن جعلْناه حيْضاً، فإن وافق قولُه وقتَ النقاء، وقعتْ في الحال طلقةٌ، وإن وافقت وقت الدم، فالذي ذكره الشيخ أبو حامد [و] 1 صحَّحه العراقيون أنَّها تقَع أيضاً؛ لأن مدة الحمل لها إلى أن تضع كالقرء الواحد في الدلالة على البراءة والأشبَهُ وَهو الذي ذكره القاضي أبو الطيِّب والحناطي ورجِّحه صاحب "التتمة" وغيره -المَنْعُ إلى أن تطهر؛ لأن القرء الطُّهْر، وهي حائضٌ في ذلك الوقت، وإذا وقعت طلقة، إما في الطهر أو في الحيض، فهل يتكرَّر في الطُّهْر الثاني والثالث، فيه وجْهَانِ، حكاهما الإِمام وصاحب الكتاب.
أحدهما: نعم؛ لأنَّهُ طُهْر وقع بين دمين، كل واحدة منهما حيضة.

أصحهما: المَنْع؛ لأن القرء ما يَدُلُّ على البراءة، ويُعْتد به عن العدة، وهذا المعنى لا يتحقَّق مع الحَمْل، ومنهم من قَطَع بهذا الوجه الثاني والثالث إذا كانت صغيرةً لم تحِضْ قطٌّ، فيبنى حكم الطلاق على أن القرء طُهْر يحتوشه دَمَان، أو هو الانتقال من الطُّهْر إلى الحيض، وقد يُقَال: هو مجَّرَّد الانتقال، وفيه خِلافٌ يذكر في موضعه، فإن قلنا بالأول، فلا تُطَلَّق حتى تحيض، ثم تطْهُرَ، ولا يؤمر الزَّوْج باجتنابها في الحال، وإن قلنا بالثاني، فالذي أطلقه العراقيون وصاحب "التهذيب" وغيرهم -رحمهم الله- أنَّه: يقع عليها في الحال طلقة وفي "التتمة": أنهُ يؤْمَر الزَّوْج باجتنابها؛ لأن الظاهر أنها ترى الدَّمَ، فإن رأته، بان وقوع الطلاق، وإن ماتَتْ ولم تره، ماتَتْ على النكاح، وهذا ما أورده أبو الفرج السرخسيّ في "الأمالي" فقال إذا رأتِ الدَّمَ تَبَيَّنَ وقوع الطلاق يوم التلفظ، وإذا حكَمْنا بأنَّه وقعَتْ طلقةً، فلو لم تحِضْ، ولم يراجعْها الزوج، حتى مضت ثلاثةُ أشهر حَصَلَت البينونة، فإن نكَحَها بعْد ذلك ورأتِ الدَّم، فيعود الخلافُ في عَوْد اليمين والحَنِث، فإن رأت الدم قَبْل مضيِّ ثلاثة أشهر، تكرَّر الطلاق بتكرر الأطهار، وعن صاحب "التقريب" وجْه غريب: أن الأقراء في الصغيرة محمولةٌ على الأشهر؛ لأنَّها بدل الأقراء في حقِّها شرعاً، والآيسة التي انقطع حيْضُها، كالصغيرة، ففي وقوع الطلاق عليها الخلافُ، قال أبو الفرج إن قلْنا: إن القرء عبارةٌ عن الانتقال يقَع في الحال؛ لأنها في طُهْر انتقلت إلَيْه من الحيض، وإن قلنا: عبارةٌ عن طُهْر يحتوشه دمَان، فلا يقع، فإن حاضَت من بعْدُ على ندور تبيَّن الوقوع، والأظهر عند الأئمة في الصغيرة والآيسة الوقُوعُ.
ولو قال لزوجته: أنتِ طالقٌ في كل قرء طلقةً للسنّة، فهُو كما لو لم يقل للسنّة في أكثر الأحكام والأحوال، نَعَم، ذات الأقراء إذا كانَتْ طاهراً، أو كان قد جامَعَها في ذلك الطُّهْر يتأخر وقُوع الطلاق إلى أن تحيض، ثم تطهر.
ولو قال: أنتِ طالقٌ في كل طُهْر طلقةً، وكانت حاملاً، لا ترى الدَّم أو كانت تراه ولا تجعله حيضاً تقَعُ في الحال طلقةٌ، سواءٌ كانت ترى الدَّم، في تلك الحالة أو كانَتْ لا تراه، ولا يتكرر بتكرر الانقطاعات، وإن كانت ترى الدم وجعلْناه حَيْضاً، فإن كانَتْ في حالة رُؤْية الدَّم، لم يقع حتى تطهر وإن كانت في حالة الطُّهْر وقع في الحال ويتكرَّر بتكرُّر الأطهار.
وقوله في الكتاب "وإن كانَتْ حاملاً وَهِيَ تَحِيضُ وَقُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ" يريد "وهي ترى الدم"، وقد أبدل بذلك في بعض النسخ، وقوله "إِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً" يريد التي لم تحض بالغةً كانت أو لم تكُنْ، والتي لا تحيض في مبدأ الأمر تكون صغيرةً غالباً، فيعبر عنها بالصغيرة.

قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً لِلسُّنَّةِ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ التَّفْرِيقَ عَلَى الأَقْرَاءِ لَمْ يُقْبَلْ لأَنَّهُ لاَ سُنَّةَ عِنْدَنَا فِي التَّفْرِيقِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لِلسُّنَّةِ ثُمَّ فُسِّرَ بِالتَّفْرِيقِ فَهَلْ يَدِينُ فِيهِ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدتُّ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَرَدْتُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَا كُلُّ مَا يُحْوِجُ إِلَى زِيَادَةِ تَفْسِيرٍ، أَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى التُّخْصِيصِ فَيَدِينُ، وَهَلْ يُقْبَلُ ظَاهِراً؟ فِيهِ خِلاَفٌ كَمَا لَوْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ ثُمَّ اسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِنِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَأَرَادَ البَعْضَ، أمَّا إِذَا ظَهَرَتْ قَرِينَةْ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ يُقْبَلُ كَمَا لَوْ عَنَى بِنيَّتِهِ نِكَاحَ جَدِيدَةٍ، ثُمَّ لَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ وَزَعَمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الحَاضِرَةَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ يَحُلُّ وَثَاقاً عنها فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ يُقْبَلُ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتِ زَيداً فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُّ شَهْراً يُقْبَلُ لأَنَّهُ كَتَخْصِيصِ عُمُومٍ، وَالحَاصِلُ أَنَّهُ يَدِينُ فِي كُلِّ احْتِمَالِ وَإنْ بَعُدَ وَإنَّمَا يُقْبَلُ فِي الظَّاهِرِ إِذَا ظَهَرَ احْتِمَالُ اللَّفْظِ أَوْ شَهِدَ لَهُ قَرِيَنَة.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال لامرأته أنتِ طالقٌ ثلاثاً للسُّنَّة ثم قال: نويت تفريق الثلاثِ على الأقراء، لم يُقْبَل قوله في الظَّاهر؛ لأن اللفظ يقتضي وُقُوع الكُلِّ في الحال، إن كانَت طاهراً، والوقوع كما طهرت إن كانت في الحال حائضاً، ولا سُنَّة في التفريق على ما تقدَّم، وليس في اللفظ إشْعَار بما يبديه.
قال في "التتمة": إلاَّ أنَّه إذا كان الرَّجُل ممَّن يعتقد تحريم الجمع في قرء واحد، فيُقْبَل قولُه في الظاهر؛ لأن تفسيره يستمر على اعتقاده، وحكى الحناطي وجْهاً مطلقاً: أنه يقبل [قوله] في الظاهر، والمنصُوص المشهور الأَوَّلُ، ولو قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، ولم يقُلْ: للسُّنَّة ثمَّ فسَّر بالتفريق على الأقراء، فكذلك لا يقبل في الظَّاهر؛ لأنَّه يؤخر ما يقتضي اللفظ تنجيزه، وفي الصورتين: هل يَدِينُ، ونَقْبَل قوله في البَاطِن فيه وجهان نقلهما الإِمام وغيره: أصحُّهما: وهو المنصوص أنه يَدِينُ 1؛ لأنَّه لو وصَل باللفظ ما يدعيه لانتظم.

والثاني: المَنْع؛ لأن اللفظ بمجرده لا يصْلُح لما يدعيه، ومجرَّد النية لا يعمل ومعنى التدين مع نفي القبولِ ظاهراً أن يقال للمرأة: أنْتِ بائنٌ بثلاث في ظاهر الحكم، وليس لَكِ مطاوعتُه إلاَّ إذا علمْتِ صدْقه، أو غلب على ظنِّكِ بقرينة أو أمارة، ويقال للرجل: لا نمكنك من تتبعها ولك أن تتبعها والطلب فيما بينك وبين الله -تعالى-، وتحِلُّ لك إذا راجَعْتَها، وهذا هو المراد بما بما يروى عن الشافعيَّ -رضي الله عنه- رحمه الله أنه قال: لَهُ الطَّلب، وعَليْهَا الهَرَبُ، وعلى هذا القياس حكم القبول ظاهراً وباطناً، فيما إذا قال للصغيرة: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، ثم قال: أردتُّ إذا حاضتِ وطهرة وفيما إذا قال: أنت طالق، ثم قال: أردت إن دخَلتِ الدارَ أو إذا جاء رأس الشهر، وألحق صاحب الكتاب بهذه الصورة ما إذا قال: أنْتِ طالقٌ، ثم قال أردت إن -شاء الله- وقال كلُّ ما يحوج إلى تقييد الملفوظ به بقَيْد زائد، فهو كذلك، وحَكَى القاضي الرُّوياني هذا الجواب عن القَفَّال، والمشهور في كتب كبار المَذْهَب: أنَّه لا يدين في قوله: أردت إن شاء الله، وَيدِينُ في قوله: أردتُّ عن وثاق أو إن دخلَتِ الدار أو إن شاء زيْدٌ، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وذكر القاضي الرُّويانيُّ أنه ظاهر المذهب، وفرقوا بين قوْلِه: أردتُّ "إن شاء الله" وبين سائِرِ الصور بأن التعليق بمشيئة الله برْفَع حُكم الطلاق جمْلة، فلا بدّ فيه من اللفظِ، والتعليقُ بالدخول لا يرفعه جُملةً، ولكنه تخصيص بحالٍ دون حال، وقولُه "من وثاق" تأويلٌ وصرف اللفظ من مَعْنًى إلى معنًى، فَكفَتْ فيه النية، وإن كانت ضعيفة، وشبهوا ذلك بأن النَّسخ لَمَّا كان رفعاً للحكم، لم يجُزْ إلا باللفظ والتخصيص يجوز بالقياس، كما يجوز باللفظ، وأما إذا أتى بلَفْظ عامٍّ وقال: أردتُّ بعض الأفراد الداخلة تحْتَه، فقد قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في المختصَر ولو قالَتْ له طلِّقْنِي، فقال: كل امرأة لي طالِقٌ، طُلِّقَتِ امرأته الَّتي سألتْه إلا أن يكون عزلها بنيته، وظاهر هذا النص أنَّه إذا قال: نسَائِي طوالقُ أو كل امرأة لي طالق، وعزل بعضهن بالنِّيَّة، لا يقع عليها الطلاق، واختلف الأصحاب في ذلك على وجهَيْن، قال أكثرهم: يقع الطلاق ظاهراً، ولا يُقْبَل قوله في الحكم؛ لأن اللفظ عامٌّ متناول لجميعهن؛ فلا يتمكن من صَرْف مقتضاه بالنية، كما إذا قال: أنتِ طالقٌ، وقال: أردت إذا جاء رأس الشهر، وهؤلاء تكلموا في النصِّ من وجهين: أظهرهما: الحَمْل على أنها لا تطلَّقُ بينه وبين الله تعالى.
والثاني: قيل: إنَّ لفْظ النَّصِّ "إلاَّ أن يكونَ عزلها، في نيته" وهي الاستثناء الظاهر، ويُحْكَى هذا عن أبي علي الطبسي قال في "البسيط": وفي هذا نسبة الأصحاب إلى التصحيف، ثم في الحروف تفاوتٌ بعيداً، وقال أبو حفص بْنُ الوكيل: يُقْبَل قولُه في الظاهر؛ لأن استعمال العَامِّ في الخاص شائع مشهورٌ، والخلاف في القبول الظاهر يجري، سواءٌ كانت هناك قرينة تصدِّقه، كما إذا خاصَمتْه المرأة: وقالت: تزوجْتَ

عَلَيَّ، فقال في إنكاره: كل امرأة لي طالقٌ، ثم قال: أردتُّ غير المخاصمة، أو لم تكن هناكَ قرينةً.
والأظهر عند القفَّال والمعتبرين: أنَّه لا يُقْبلَ في الظاهر، إن لم تكن قرينة، ويقبل إن وُجِدَتْ قرينة، وهو اختيار القاضي الرُّوياني، ومن هؤلاء من حمل النصَّ على ما إذا وُجِدت القرينة، ونفى بعضُهم الخلاف فيما إذا لم تكُنْ قرينةٌ، وفي بعض التعاليق أن القاضي الحُسَيْن فرَّق بين أن يقول: كلُّ امرأة لي طالقٌ، ثم عزَلَ بعضهن بالنية، وبين أن يقول: نسائِي، وقال: إذا قال نسائِي طوالقُ، ثم قال: كنتُ عزلت ثلاثاً بالنية لم يُقْبَل؛ لأن اسم النساء لا يقع على الواحدة ولو قال عزلت واحدة يُقْبَل، وذكر تفريعاً على هذا وجهين فيما لو عزل اثنين، وأُجري الخلاف في القَبُول الظاهر فيما إذا قال: إن أكلْتِ خبزاً أو تمراً، فأنتِ طالقٌ، ثم فسَّر بنوع خاصٍّ، وطردهما صاحب الكتاب وغيره فيما إذا كان يحل وثاقاً عنها، فقال: أنتِ طالقٌ، ثم قال: أردت الإِطلاق عن الوثاق، وقال: الظاهر القَبُول، وفيما إذا لم توجَدِ القرينة أشَار في سائر كتبه إلى أنَّه لا يجيْء في التدبير الخلافُ المذكُورُ، فيما إذا قال: أردتُّ إن دخَلَتِ الدارَ، وفرق بأن قوله: أنتِ طالقٌ، وإن خصَّصه الشرْعُ برَفْع قيد النكاح، لكنه كالمُجْمَل المبهم من حيْث اللغةُ، ويحتمل أن يكون من الوَثَاق وغيره، فالتفسير بيان للمبهم، وأما التقييدات، فليس لمجرد اللفظ دلالةٌ عليها ولو قال: إن كلَّمْتِ زيداً، فأنت طالقٌ، ثم قال: أردتُّ التكليم شهراً، فيُقْبَل كذا حُكِيَ عن نص الشافعيِّ -رحمه الله-، والمراد على ما نَقَل في "البسيط" و"الوسيط" القبول الباطن، حتى لا يقع في الباطن، إذا كان التكلُّم بعد الشهر 1، وحاول ردَّه إلى تخصيص العموم، حتى يَدِينَ فيه بلا خلافٍ، فإن اللفظ كالعامِّ في الأزمان، فإذا قال أردتُّ شهراً، فكأنَّه خصص العام، وقد يقابَلُ هذا بمثْلِه، فيقال: اللفظ عامٌّ في الأحوال إلاَّ أنَّه خصَّصه بحال أحوال الدار.
وقوله في الكتاب وَكَذَا لَوْ قَالَ: "أَردتُّ إنْ شَاءَ اللَّه" ليعلَّم وما بيناه.
وقوله "كَمَا لَوْ عاتَبَتْهُ بِنِكَاحِ جَدِيدَةٍ، فقال" وفي بعض النسخ، "كما لو عني بنيته نكاح جديدة"، قال: وهما مقيدان.
وقوله: "والحَاصلُ أنَّه يَدِينُ في كل احْتِمَالِ وَإِنْ بَعْدَ.... " آخره إشارةٌ إلى ضَبْط ما يدين فيه، وما يُقْبَل في الظاهر من التفاسير وشَره ما حُكِيَ عن القاضي الحُسَيْن -رحمه الله- لما يبديه الشخص، ويدَّعيه من النية مع ما أطلقه من اللفظ أرْبَعَ مراتب.
إحداها: أن يرفع ما صرَّح به اللفظ، كما إذا قال: أنْتِ طالقٌ ثم قال: أردتُّ

طلاقاً لا يقع عليْكِ، أو قال لم أُرِدْ إيقاع الطلاقِ، فلا مبالاة بما يقوله لا في الظاهر، ولا في التدين الباطن.
والثانية: أن يكون ما يبديه مقيِّداً لما تلفظ به مطلقاً، كما إذا قال: أنْتِ طالقٌ ثم قال: أردتُّ عند دخول الدار ومجيء الشهر، ولا يُقْبَل في مثل ذلك قولُه ظاهراً وفي التديين خِلاَفٌ.
والثالثة: أن يُرجِعَ ما يدعيه إلى تخصيص عموم، فهذا يدين فيه وفي القبول ظاهراً خلاف.
والرابعة: أن يكون اللفظ محتملاً للطلاق من غير شيوع وظهور فيه، وفي هذه الدَّرَجَة يقع الكنايات، ويعمل فيها بموجب النيَّة.
وقوله: إنما يقبل ظاهراً، أي المؤثر في القَبُول ظاهراً، وإن كان مختلفاً فيه، فامَّا ظهورُ احتمال اللَّفظْ لما يدَّعيه، كما ذكَرْنا من تبيين المُجْمَل، وتخصيص العام، وإما قرينةٌ لتنضم إلَيْه، كما بَيَّنَّا، وفي كلام الأئمة ضَبْطٌ آخَرُ قالوا: يُنْظَرُ في التفسير على خلاف ظاهر اللفظ، إن كان بحَيْث لو وصل باللفظ نطقاً، لَمَا انتظم، فإنَّه لا يُقْبَل في الظاهر، ولا يدين في الباطن، وإن كان بحَيْث لو وصل باللفظ، لانتظم وقُبِلَ في الحكم، فإذا نواه، لا يُقْبَل في الحكم ويَدِينُ فيما بينه وبين الله تعالى.
مثال الأول: ما إذا قال أردتُّ طلاقاً لا يقع علَيْك.
ومثال الثاني: ما إذا قال: أردتُّ عن وَثَاق، أو إن دخلَتِ الدَّارَ والذين رأوا القطْعَ بأنه لا يدينُ في قوله أردتُّ إن شاء الله استثنوا عن الضابط الاستثناء بالمشيئة، فقالوا: ما يُقْبَلُ في الظاهر، لو وصَلَه باللفظ يدين فيه إذا نَوَاه إلاَّ الاستثناء بمشيئة الله تعالى، لو وصله باللفظ، قيل: ولو نَوَاه لا يدين فيه وذكروا وجهَيْن فيما إذا قال لامرأته: أنّت طالقٌ ثلاثاً، ثم قال: أردتُّ إلاَّ واحدةً هل يدين؟ فيه وجهان: فيما إذا قال: أربعكن طوالقُ: وقال: نَوَيْتْ بقلبي إلاَّ فلانةً، هل يدين؟ ففي وجْه يَدِينُ كما لو قال: نِسَائِي طوالقُ، وعزل بعضهن بالنية، وفي وجه لا يدين؛ لأن لفظة الثلاثة والأربعة نص في العدد المعلوم، واستعمالُهما في بعض العدد غيرُ مَعْهود، بخلاف استعمال اللفظ العَامِّ في الخاص، فإنه معْهُود، وهذا أصح على ما ذكره القاضي أبو الطيِّب، وابن الصَّبَّاغ، وغيرهما؛ قال القاضي: ولو قال: فلانة وفلانة وفلانة طوالق، ثُمَّ قال: كنت عزلْت فلانةً بالنِّيَّةْ لمْ يُقْبَل؛ لأن هذا رفْعٌ لِمَا نص عليه؛ ونَسْخٌ وليس بتخصيص عموم.
وهذه فروع أُخَرُ تدخل في الباب الأول.
لو قال: أنتِ طالقٌ كالثلج، أو كالنار، يقع الطلاق في الحال، ويلغو التشبيه

المذكور، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنَّه إن قصَد التشبيه بالثلج في البياض، وبالنار في الإضاءة، والنُّور، وقَع في زمان السُّنَّة، وإن قصد التشبيه في الثلج بالبرودة، وبالنار في الحَر والإِحراق، وقع في زمان البِدْعَة.
الثاني قال ابن الحدَّاد: لو دخَل بامرأته، ثم قال لها: كُلَّما ولَدْتِ فأنت طالقٌ للسُّنَّة، فولدتْ ولداً، وبقي في بطنها آخر، وقَعَتْ بولادة الأول طلقة؛ لأنها حامِلٌ بعْد ما ولدته، فإن وُجِدَتْ وقَع، وإلا فلا يقع، حتَّى توجد، وهذا كما سَبَق أنَّه لو قال: أنتِ طالقٌ للسُّنة، إذا قدم فلان، يُنْظَر إذا قدم، إن كان الحالُ حَالَ السُّنَّة [وقع] وإلا، لم يقَعْ حتى نصير إلى حال السنة، وكأنَّه يخاطبُها عنْد حصول المعلَّق عليه بقوله: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، وإذا كان كذلك، فكأنه عنْد ولادة أحد الولدين خاطَبَها بقوله: أنتِ طالقٌ للسُّنة، وهي في هذه الحال حامِلٌ بآخر، وإذا قال للحامل: أنت طالقٌ للسُّنة، وقع الطلاق عليها في الحال، ثم إذا وَلَدت الثاني، انقضت عدَّتها، وهل يقَعُ عليها طلقة أخرى؛ لأنَّه يقارن حال انقضاء العدة، فيه خلاف يأتي في نظائره، والأشهر المَنْع، ولو ولَدَتْ ولداً، ولم يكن في بطْنِها آخرُ، فإنَّها تطلَّق إذا طَهرتْ من النفاس، ولو ولَدَتِ الولدين معاً، فإنما تطلَّق إذا طَهُرت من النفاس طلقتين؛ لأنَّها ولدت ولدين [معاً] فإنما تطلق إذا طهرت من النفاس، ولو ولدت معاً فإنما تطلق إذا طهرت من النفاس طلقتين؛ لأنها ولدت ولدين، وكلما يتقضى التكرار، ولو قال: كلما ولَدتِّ ولَدَيْن، فأنت: طالق للسُّنة، فولدَتْ ولدَيْن معاً، أو على التعاقب، وفي بطنها ثالثٌ طُلِّقَتْ، ولو ولدتْ ولداً، فطلقها ثم ولدت ولداً آخر، فإن كان رجعيًّا، وقَعت طلقة أخرى بولادة الثاني، راجَعَها أو لم يراجِع، هكذا ذَكَروه، ويشبه أن يقال: إن راجَعَها، فكذلك الحُكْم، وإن لم يراجعْها، فهذا طلاقٌ يقارن انقضاء العدَّة، وإن كان الطلاق بائناً، فنكحها ثم ولدت ولداً آخر ففي وقوع طلقة أخرى قَوْلاَن عَوْد الحنث واليمين الثَّالِثِ.
نكح حاملاً من الزنا، وقال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنَّة، فإن كان قد دَخَل بها، فلا يقع الطلاق حتَّى تضع الحَمل؛ وتطهر من النفاس؛ لأنها وإن كانَتْ حاملاً فليس الحَمْل منْه؛ ولا تنقضي [به] لعدَّة، فصار كما إذا حاضت الحائل في طُهْر جامعها فيه، وإن لم يكُنْ قد دخل بها، وقع الطلاق في الحال، كَمَا لو قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ للسنة، وهذا إذا كانَتْ لا ترى الدم، وإن كانَتْ تراه، فإن لم نجعلْه حيضاً، فالحُكْم كما لو لم تر الدم، وإن جعلْناه حيْضاً، وقال لها: أنتِ طالقٌ في حالة رؤية الدم، فإنما يقع الطلاق إذا طهرت، كالحائل إذا قال لها: أنتِ طالقٌ للسُّنة، وهي حائضٌ، ويخالف الحامل من الزوج؛ لأنَّه لا حُرْمة لحملها، وهذا الفرع لابْنِ الحدَّاد أيضاً -رحمه الله-.
الرابعة: قال لها: أنْتِ طالقٌ للسنّة أو للبدعة، لا تطلَّق، حتى تنتقل من الحالة

التي هي فيها إلى الحالة الأخرى؛ لأن اليقين حينئذٍ يحْصُل كما لو قال: أنتِ طالقٌ اليوم أو غداً، لا تطلَّق إلا بمجيء الغد.
الخامسة: إذا قال: أنتِ طالقٌ طلقة حسنة في دخول الدار، أو طلقة سنّية، قال إسماعيل البوشنجي: قضية المَذْهَب أن تطلَّق إذا دخلَتِ الدار، طُلِّقَتْ سنية، حتى لو كانت حائضاً لا تطلَّق ما لم تطْهُر، ولو كانت طَاهراً لم تجامع بني ذلك الطُّهْر، فتطلَّق في الحال؛ فإذا اتفق الجماع فيه لا تطلَّق إلى أن تحيض وتطْهُر.
ولو قال لَهَا وهي طاهر: أنتِ طالقٌ للسنَّة، واختلفا، فقال الزوج: كنتُ قد جامَعْتُكِ في هذا الطُّهر، فالطلاق غيْرُ واقع، وقالت: ما جامعتني والطلاقُ واقعٌ قال: إسماعيل البوشنجي المَذْهب أنَّ القَوْل قول الزوج؛ لأنهما اختلفا في بقاء النكاح، والأصل بقاؤه، وصار كما لو قالت: طَلَّقَنِي، وأنكر، وكما لو قال المولى أصبتك فانكَرْت، فإنما نجعل القول قَوْل الزوج، وكذا الَّذي ضربت عليه مدة العُنَّة إذا قال: أصبت في مدة العُنَّة أو بعدها والله أعلم.

البَابُ الثَّانِي في أَرْكَانِ الطَّلاَقِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ خَمْسَةٌ (الأَوَّلُ: المُطَلِّقُ): وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ فَلاَ يَنْفُذُ طَلاَقُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ (الرُّكْنُ الثَّانِي: اللَّفْظُ): وَفِيهِ ثَلاَثَةِ فصُولٍ: (الأَوَّلُ): أَن الصَّرِيحَ لَفْظُ الطَّلاَقِ وَكَذَا لَفْظُ السَّرَاحِ (ح) وَالفِرَاقِ (ح) وَقَوْلُهُ: طَلَّقْتُ وَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ صَرِيحٌ، وَكَذَا كُلُّ مُشْتَقٍّ مِنَ الطَّلاَقِ دُونَ المُشْتَقِّ مِنَ الإِطْلاَقِ كَقَوْلُهِ: أَطْلَقْتُ، وَقَوْلُهُ: أَنْتِ الطَّلاَقُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ عَلَى الأَصَحِّ، وَقَوْلُهُ: سَرَّحْتُكِ أَوْ فَارَفْتُكِ صَرِيحٌ، أَمَّا الاسْمُ كَالمُطَلَّقَةِ وَالمُسَرَّحَةِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَمَعْنى الطَّلاَقِ بِالفَارِسِيَّةِ عَلَى الأَصَحِّ وَهُوَ قَوْلُهُ (تُوهشته أي)، وَفِي قَوْلِهِ (دشت بازذاشتم) وَجْهَانِ، وَفِي قوْلِهِ (كسيل كردم وازتوجذاكشتم) وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَكُونَ صَرِيحاً، وَكُلُّ لَفْظٍ شَاعَ فِي العُرْفِ كَقَوْلِهِ: حَلاَلُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ هَلْ يَلْتَحِق بِالصَّرِيحِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: لا يخفى أن تصرف الطلاقُ مَتصرفاً، ولا بدّ من أهليته، ومحلاًّ يصادفه ولا بُدَّ من أن يكون بحيث يتوجَّه نحوه التصرُّف، وذلك لولاية المتصرف علَيْه، وأنَّه لا تحصل صورةُ هذا التصرُّف إلاَّ بلفظ أو ما يقُومَ مَقَامه، ولا بُدَّ من أن يصدُر ذلك عن قصْده، فهذه خمْسَةٌ المُطَلِّق، وما به التطليق وغيره، وقصْدُه إليه، وولايته على المحل، والحاجة تمَسُّ إلى معرفتها، ومعرفة ما يعتبر فيها، لقطع الطلاق وسمَّاها أركاناً؛ لأن بالتئامها يقع الطلاق.

الأول: المُطْلَق وشرطه التكليف 1، فلا يقع طلاق الصبيِّ والمجنون، تنجيزاً وتعليقاً، ولو قال المراهقُ: إذا بَلَغْتُ فأنت طالقٌ، ثم بلَغ، لم يقع الطلاق، وكذا المجنونُ، إذا قال: إن أفقْتُ، فأنتِ طالقٌ، ثم أفاق، لأنا لو أوقعنا الطلاق عند [البلوغُ والإِفاقة، لأوقعنا بقولهما السابق، وقولهما لا يصلح للإِيقاع في الحال، فكذلك لا يصَلح الاِيقاع عند الشَّرْط، وكذا لو قالا: أنتِ طالقٌ غدًا، فَجاء الغدُ، وقد بلغ الصبي، وأفاق 2 المجنونُ، ولا ينقض ما ذَكْرنا بأن يقال: الزَّوْج في وقْت حيْض المرأة، لا يملك طلاق السُّنَّة، ولو قال: أنْتِ طالقٌ للسُّنة ينعقد، ويقع إذا طَهُرت، لأن الذي يعتبره للسُّنة تعليق الطلاق بوقت، ووصف بصفة، فاحتجنا إلى الانتظار.
وأما قولُه: "الرُّكْن الثاني": إلى قوله: "وَجْهَان" التطليقُ إمَّا أن يكونَ بلَفْطٍ أو بغيره، وعلى التقديرين، فامَّا أن يصدر من الزوج نَفْسه، أو ممن فوَّضه إليه، والتفويض إمَّا أن يكون إلى الزوجة أو إلى غَيْرها إن كَان إلى غَيْرها فهُو توكيلٌ، وحكمه قَدْ تبين في "الوكالة" فبقي كلام الرَّكْن مشتملاً على ثلاثةِ فُصُول: فصْل في اللفظ الذي يقَعُ به الطَّلاَق، وفصْل في الأفعال الَّتِي تقُوم به، وفضل: في تفويض الطلاق إلى الزوجة، وما تختص به بهذا التفويض من الأحكام.
أمَّا الفصل الأول: فاللفظ ينقسم إلى: صَرِيحٍ: وهو الذي لا يتوقَّف وقوع الطلاق به على النية [كناية وهؤ ما توقف على نية] 3 أما الصريح؛ فلا خِلاَف أن لفْظ الطَّلاق

صريحٌ في معْناه؛ لاشتهاره فيه لغةً وشرعاً، والسَّرَاح والفِرَاق صريحان أيضاً؛ لورودهما في الشرع، وتكررهما في القرآن بمعنى الطلاق؛ قال تعالى: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 49] وقال تعالى: ﴿فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا﴾ [النساء: 39] واحتج الأصحاب أيضاً بأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: سُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] فقيل أين الثالثة فقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ 1 [البقرة: 229] فسمَّى التسريحَ طلاقاً، وبأنه إزالة ملك، فلا ينحصر صريحُه في لفْظ واحدٍ قياساً على العِتْق.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: السَّرَاح والفِرَاق وليْسا بصريحين، ويُحْكَى هذا قولاً عن القديم، ونسبه أبو الحسن العَبَّادي إلى رواية أبي عبْد الرحمن القزاز السمرقندي -رحمه الله- ووجهه بان هذين اللفظين لم يشتهرا في الطَّلاق، ويستعملان فيه وفي غيره، = السؤال ذكره في المهمات فقال في الركن الثالث: القصد إلى الطلاق يشترط أن يكون قاصداً بحروف الطلاق لمعنى الطلاق ولا يكفي القصد إلى حروف الطلاق من غير قصد معناه، فإن قيل كيف يجتمع هذا مع قولهم أن الصريح لا يحتاج إلى نية بخلاف الكتابة، قلنا: جمع بينهما بعض فضلاء العصريين بان الصريح يشترط فيه قصد اللفظ والمعنى، والكتابة يشترط أيضاً أن يكون الإِيقاع بذلك اللفظ ويؤيد هذا الجمع ما نقله عن إسماعيل البوشنجي أنه إنما يقع الطلاق بقوله أنت عليّ حرام، إذا نوى حقيقة الطلاق.
وقصد بهذا اللفظ وقد تقدم أنه لا بد أيضاً من العلم بمدلول اللفظ، ومقتضاه أنه لا يكفي قصد لفظ الطلاق لمعنى الطلاق.
انتهى.
قال في الخادم: عدم اشتراط النية في الصريح مخصوص بغير الوكيل وبغير المكره، أما الوكيل في الطلاق فهل يشترط نية إيقاعه الطلاق عن موكله؟ له وجهان غير مرجحين، وينبغي أن يكونا فيما إذا كان للموكل زوجة وترجح الاشتراط لتردده بين زوجتين، فلا بد من مميز، أما إذا لم يكن له غيره ففي اشتراط النية نظر لتعين المحل القابل للطلاق من أهله، وأما المكره على الطلاق إذا قصد الإِيقاع وقع على الأصح.
فقد صارت نيته شرطاً في عمل الصريح.
قال الرافعي هناك أن صريح لفظ الطلاق عند الإِكراه كالكتابة عند الطواعية إن نوى وقع وإلا فلا.
وقال في الخادم أيضاً بعد ذلك قال في البحر نقلاً عن ابن القاص: كل كتابة ينوي فيها إلا واحدة وهي إذا قال أطلقت امرأتك أو امرأتك طالق، فقال نعم، وقع الطلاق في الحكم ولا يعتبر نية وفي قول تعتبر، وقال المزني في المنثور: يلزمه في الحكم، وهذا مما استخير الله تعالى فيه، والصحيح أن لا ينوي فيه في الحكم لأن جواب الصريح صريح ويكون تقديره نعم طلقت امرأتي، ولهذا لو قال لفلان: عليك ألف، فقال نعم، كان إقراراً، فالطلاق أولى بذلك.

فأشْبَه لفظ البائن والحرام، وتكلم الإِمام على ما قيل إن القرآن وَرَد بِهما؛ بأنه لم يرد مَوْرِدَ بَيَانِ اللفظ، وإنما هو مَسُوقٌ لغرض آخر، فهو كقَوْل القائل: حقّ الضيفِ أن يُكْرَم أو يُسَرَّح، لا يعني به، أنَّه يقال له: سَرَّحْتُك، ومعنى هذا المعنى حاصل في لفظ الطلاق أيضاً، إلاَّ أن يعَوَّل فيه على العُرْف اللغوي، وليعلَّم بما ذكرنا قوله في الكتاب "وَكَذَا لفظ السَّرَاحُ وَالفِرَاقُ" بالحاء والواو، ويجُوز أن يعلَّم بالميم أيضاً؛ لأن "صاحب الشامل" حكى عن أصحاب مالك -رحمهم الله-: أنهما ليسا بصريحين، ولكن لا يفتقر إلى النِّيَّة، كما في الكنايات الظاهرة على ما سيأتي، وهذا كلام من يفسر الصريح والكناية، بغير ما قدَّمناه من التفسير.
إذا تقرَّر ذلك فقوله: أنْتِ طالقٌ أو مطلَّقة أو يا طالقُ أو يا مطلقةُ صريحٌ، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أن قوله يا طالق أو يا مطلقة ليس بصريح، وفي "شرح مختصر الجويني" وجه مثْله غريبٌ، والمشتق من الإِطلاق كقوله: أنتِ مطلقةٌ بإمكان الطاء أو يا مطلقةُ ليس بصريح، لعدم الاشتهار، وإن كان الإِطلاق والتطليق متقاربين كالإِكرام والتكريم، وفي "العُدَّة" حكايةُ وجه: أنَّه صريح وفي قوله أنْتِ طلاق أو الطلاق أو طلقة وجْهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله- أنَّه صريحٌ، كقوله يا طالقُ.
وأصحُّهما وبه قال القَفَّال: أنه مصْدَر، والمصادر غيْر موضوعة للأعيان، وتستعمل فيها على سبيل التوسُّع.
ولو قال: أنْتِ نصْف طالق، فهو كناية أيضًا وذكر في "التهذيب" أن قولَهُ لك طلقة صريحٌ، وأن قوله: أنت نصْف طالق صريحٌ، كقوله نصفك طالقٌ، ونَقَل أبو الحسن العبَّادي خلافاً في قوله أنت طالقٌ نصْفَ طلقة، ويجوز أن يجيْء، هذا الخلاف في قوله: أتتِ نصْفُ طالق 1 وقوله: أنْتِ والطلاق، أو 2 أنت مطلقة كناية أي قرنت بينك وبينها، وإذا قلْنا بالظاهر في لفظي الفرَاق والسَّرَاح، فقوله: فارقْتُكِ وسرَّحْتُكِ صريحان، وفي الاسم منهما، وهو المفارقة والمسرحة وجْهان، سواءٌ الوَصْف بأن قال: أنْتِ مُسَرَّحة، أو مُفَارَقَة، والنداء بأن قال يا مسرَّحة أو يا مفارَقَة.
أصحُّهما: أنهما صريحان أيضاً؛ كالمطلقة.

والثاني: المَنْع، وهو الذي ذكَره القفَّال "شرح التلخيص"؛ لأن الوارد في القرآن منْهما الفِعْل دون الاسم، بخلاف الطلاق فقَدْ قال -تعالى-: ﴿والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: 228]. ويجيْء في قوله: أنْتِ الفِرَاقُ وأنْتِ السَّرَاح ما ذكرْنا في قوله: أنْتِ الطَّلاَقُ من الوجهين.
ولو قال: عنيت بقولي: أنْتِ طالِق إطْلاقها من الوثاق، فقد مرَّ أنه لا يُقْبَل في الظاهر، ويدِين، وعن مالك أنَّه يُقْبَل في حال الرِّضا دون حال الغضب، ولو قال في لفظ الفِرَاق: عَنيت المفارقة: في المنزل، وفي لفظ التسريح إلى منزل أهلها، فكذلك يَدين، ولا يُقْبَل في الظاهر وكذا لو قال: أردتُّ خطاب غيرها، فسَبَق لسانِي إلَيْها.
ولو صرَّح بذلك فقال: أنْتِ طالقٌ من الوثاق أو سرَّحْتكِ إلى موضع كذا، أو فارقتك في المَنْزل خرج عن كونه صريحاً، وصار كناية قال في "التتمة": وهذا في ظاهر الحُكم، وأمَّا فيما بينه وبين الله تعالى، فإنَّما لا يقع الطلاق إذا كان على عزْم أن يأتي بهذه الزيادة، من أول كَلاَمِه، فأما إذا قال: أنْتِ طالقٌ، ثم بدا له فوصَلَ به هذه الزيادة فالطلاق واقع به في الباطن، ولو لم يكن في عزمه في الابتداء، ثم عَرَض على هذه الزيادة في أثناء الكلام، فوجهان سيأتي نظيرهما في "الاستثناء" وغيره، وكذَلِكَ مَوْضِع التديين فيما إذا لم يتلفظ بالزيادة، وقال نَوَيتُها، إذا كان ناوياً من الابْتِدَاء دون ما أحدثت إلَيْه بعد تَمَام الكلام، وإن حَدَث في أثنائه فعَلَى الوجهيْن.
وقوله في الكتاب: "إنَّ الصريح لَفْظ الطلاقِ وكذا السَّراح والفِرَاق" وقد يظن أن قولَهُ: "وَكَذَا السَّرَاح والفِرَاقُ" معطوف على قوله: "أن الصَّرِيحَ لَفْظُ الطَّلاَقِ" لكن قولنا: "الصريح لفظ الطلاق" جملةٌ تفهم الحصر فإذا عطف عليها قولُه "وَكَذَا السَّرَاحُ والفِرَاقُ" كانت هذه جملةً حاضرةً أيضاً وحينئذٍ فتنافي كل واحدة صاحبتها فإذَن قوله: "السَّراح والفِرَاق" معطوف على قوله: "لَفْظ الطَّلاق" وحْدَه لا على قوله: "الصريحُ لَفْظُ الطَّلاَقِ" وكأنَّه قال: الصريحُ لفْظُ الطَّلاَق والسَّرَاحُ والفِرَاقُ، وهو ما اشتهر في كلام الأصحاب أن صرائح الطلاق ثلاثة وقضية هذا الحصر أن لا يكون الخُلْع صريحاً في الطلاق، وفيه خلاف قد يقدَّم 1، وألا يكون قوله: "حَلاَلُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ صريحاً" وفيه خلافٌ سيأتي.
وقوله "أنْتِ مطلقَةٌ" يجوز إعلامه بالحاء والواو؛ لما سبق، وقوله "دُون المُشْتَقِّ مِنَ الإِطْلاَقِ" بالواو، وقوله: "لَيْسَ بِصَرِيحٍ" بالحاء والميم، ما يجوز أن يُعاد على قوله "صريحان" الحاء والميم الموضوعان على قوْلِه، وكذا الفراقُ والسَّرَاح.

فرْعٌ: قَوْلُهُ: "أوقعْتُ عليْكِ طلاقي" صريحٌ، قاله القاضي الرُّوياني، وأمَّا قوله "معنى الطلاق" إلى قوله: "فيه وجْهان" فيه مسألتان: إحداهما: ذَكَر الأصحاب أن ترجمة قوْل القائل: أنتِ طالقٌ بالعجمية توهشته 1 وقال الإِمام وصاحب الكتاب: ترجمة قوله: (طلقتك دست ما راداشتيم) 2 فالمناسب لمَا قيل في ترجمة قوله: أنتِ طالقٌ: أن يقال ترجمته: (بهشتم مرا أو مرا بهشتم) 3 وكذا ذَكَره القاضي الرُّويَاني، ولم يشترطوا في الترجمة أن يقول (هشته أو بهشم أرزني 4) 5 كما لم يشترط في العربية أن يقول: من نكاحي أو من النكاح، ومعنى قوله: "سَرَّحْتُكِ" (كَسيل كردم مرا) 6 وقوله: "فَارَقْتُكِ هو (أزتوجد الشتم) 7. إذا عرف ذلك، ففي ترجمة لَفْظ الطَّلاَق بالعجمية وسائر اللغات وجهاً ولم يورد أكثرهم غيْره: أنَّها صريحةٌ؛ لكثرة استعمالها في معناها عنْد أهْل تلْك اللغات شهرة العربية عنْد أهلها.
والثاني: ويُنْسَبُ إلى الإِصطخري: أنها ليْسَتْ صريحةً 8؛ لأن اللفظة العربية هي الواردة في القرآن والمتكررة على لسان جملة الشرع، ويكن أن يُقَال: إنها الشائعة في جميع اللغات، ولم يتعرَّضوا هاهنا للفرق بين أن يُقَدَّر على العربية أو يُقَدَّر كما فَعَلوا في النِّكَاح، وعن القاضي الحُسَيْن وجه فارق بين أن يقول (توهشته أي) 9 فيجعل صريحاً، بين أن يَقُول (دست ما ردا شتم) 10 فلا يكون صريحاً وأنكره الإِمام، وقال: لا يكُونُ هذا المعنى قوله: طَلَّقْتك، فليكنْ صريحاً كقوله "توحشته" أي الَّذي هو معنى: أنْتِ طالقٌ، ويشبه أن يُقَال إنَّه ليْس معنى قوله: طلقْتُكِ، كما أشرنا إلَيْه، وأن معناه وهو (وابهشيم) 11 صريحٌ، ثم في العُدَّة وجه: أن هذا إنما يكون صريحاً، إذا قال معه

(ارزني) 1، والظاهر أنَّه لا حاجة إليْه، ومن قال به، فليقل بمثله في توهشته، ولو قال توهشته، قال إسماعيل بن أبي القاسم البوشنجي: هو (وازآن قوْل القائل) 2 (توطلاق) قال: وقد نقل شيخي عن القاضي أنه كان يقول: قوله بَوطلاق لم يكن صريحاً بِمَرْوَ الرُّودْ، ثم صار صريحاً، ولك أن تقول قوله (توهشته أي وازان قول القائل توطالق وازآن قوله توطالق) 3 ثم الأصْل في (توطالق وتوطلاق توطالقي، وتوطلاقي) 4 فإن اطرد عرف قوم بحذف الياء وفهموا من "بوادنا" ما يفهمون من "بوداناي" كان ذلك صريحاً فيما بينهم، ثم يجيء في قوله: توطلاق وتوطلاقي الخلاف المذكور في قَوْلِه: أنْتِ الطلاق، وأما ترجمة السَّرَاح والْفِرَاق ففيهمما الوجهان المذكوران في ترجمة الطَّلاق، ولكن بالترتيب، وهي أوْلَى بالاَّ لا تجعل 5 صريحة؛ لأن ترجمتها بعيدةٌ عن الاستعمال في الطَّلاق.
قال الإِمام -رحمه الله- وهذا أظهر، وبه أجاب القاضي الروياني في "الحلية".
ولو قال: ببطلان (زن من) 6 فهو صريح، حكي ذلك عَنِ القفَّال وغيْره.
ولو قال لامرأته في حال الغَضَب: (يك طلاق وروطلاق) 7، وسكت، لا يقع الطلاق.
ولو قال: (يك طلاقٌ مراء) 8، أو قال (وراسه: طلاق) 9 يقع، ذَكَره القاضي الحُسَيْن في "الفتاوى"، وهو قريب من قوله: لك طلقةٌ، وقد نَقْلنا أنَّه صريحٌ.
وقال إسماعيل البوشنجي: لا أرى هذا طلاقاً واقعاً؛ لأنه لم يتضمْن إيقاعاً، وقول القائل: لك هذا الثوبُ، يحتمل الإخبار عن المِلْك، ويحتمل الهبة، وروي ما رآه عن محمد الماخُوني، والأول عن أبي المُظَفَّر السمعاني، وروي عن سعيد الأَسْتَرَابَاذِيِّ: أنه لا يقع، وإن نوى.
ولو قالت له امرأته: (دست از من بدار) 10 فقال: (بداشتم) 11، فقالت: (نه

طَلاَقٌ) 1 فقال: يشبه طلاق، وقال القاضي الحُسَيْن: يَقَع ثلاث طلقات؛ لأنَّ كلامه يترتَّب على كلامها.
ولو قال: (طلاق نها دم تورا) 2 فعن أبي العبَّاس الروياني: أنَّه يكون صريحاً في إيقاع الطَّلاق عليه، قال: وقيل: هو كما لو قال: وضعتُ عليِّكِ الطلاق، وفي كونه صريحاً وجهان والله أعلم.
وقوله في الكتاب "صريحٌ على الأصحِّ"، يجوز إعلامه بالحاء؛ لأنَّه روي عن أبي حنيفة -رحمه الله- أن قوله: (توهشته اى) 3 أي إنما يكون طلاقاً إذا نوى وفي تصريحه، بالأصح من الخلاف في قوله: توهشته (وإرسال الخلاف) بصراحة في قوله (دست ما رادا شتم) 4، ما يشير إلى قوله توهشته أي أولى بالصراحة، على ما حكَيْنا على القاضي -رحمه الله-.
المسألة الثانية: إذا اشتهر لفظة في الطلاق سوى الألفاظ الثلاثة الصريحة؛ كقول القائل: حلالُ اللهِ عليَّ حَرَامٌ، أو أنْتِ عليَّ حرامٌ أو الحلال أو الحل عليَّ حرام، فهل يلتحق بالصريح 5؟ فيه وجُوهٌ: أظهرها: وهو المذكور في "التهذيب" وعليه تنطبق فتاوى القَفَّال، والقاضي الحُسَيْن والمتأخرين، نعم؛ لغلبة الاستعمال وحصول التفاهم.
والثاني: لا، ورجَّحه صاحب "التتمة" ووُجِّه بان الصرائح تُؤْخَذ من ورود القرآن بها، وتكرُّرها على لِسَان حَمَلة الشريعة، وإلاَّ فلا فَرْق إذا نَظَرْنا إلى مُجَرَّد اللغة والاستعمال بيْن الفراق والبينونة.
والثالثُ: حكى الإِمام عن القَفَّال أنه إن نوى شيئاً آخر من طَعَام وغيره، فلا طَلاَق، وإذا ادَّعاه صُدِّق، وإن لم ينْو شيئاً آخر، فإن كان فقيهاً يَعْلَم أن الكناية لا تَعْمَل إلاَّ بالنية، لم يقعِ طلاق، وإن كان عامِّيًّا، سألْنَاه عما يفْهَم منه إذا سمعه من غيره، فإن قال: يسبق إلى فَهْمي منْه الطلاق، حمَلْنا قوْلَه على ما يفهمه من غيره، قال: وهذه قريبة متوسطة بين الصريح والكناية، ولم ينقل صاحب "التتمة" عن القَفَّال هذا الفصْل الآخر، بَلْ حكي عنْه: أنه إن نوى غير الزوجة فذاك، وإلا حكَمْنَا بوقوع الطلاق

للعُرْف 1؛ ألا ترى أن العادة إلاَّ يحلف بهذه اللفظة من لا زوجة له، وفي "فتاوى القاضي الحُسَيْن"، أنَّه لو كان تحته امرأتان، فقال حلال الله عليَّ حرامٌ، إن خِطْتُ في هذه الدار، فخاط يقع على كل واحدةٍ منْهما طلقة، ويوافقه ما ذكر الشيخ الحُسَيْن في فتاويه: أنَّه إذا قال: حلال الله عليّ حرام وَلَهُ أربع زوجات يطلقن جميعاً إلا أن يريد بعضَهُنَّ لكنْ ذكر بعد ذلك أنَّه لو قال: إن فَعَلْتُ كذا، فحلال الله عليَّ حرامٌ، وله امرأتان، ففَعَل ذلك الفعْل، تطلَّق واحدةٌ منهما؛ لأنه اليقين ويؤمر بالتعيين، قال: ويحتمل غيره، فحصل تردُّد 2. وعن القَفَّال أنه لو قال: (حلال جداى دركردن من حرام) 3 (كه فلان كانى بكنم) 4 لم يكن شيئاً إلاَّ أن يقول (مر كردن من حَرَام) 5 فقيل له: أليس لو قال (فلان رادركردن من هو كرادارم) 6 يكون إقْراراً فقال الإِقرار لا يُشْبه هذا، ويمكن أن يكون السَّبَب في ذلك أن صلة الحرمة عليَّ، فقال: حرم عليه كذا، وفي الإِقرار كما يقال لفلانٍ عليَّ كذا، يقال: له في ذمتي كذا.
فَرْعٌ: يقع في لسان أهل العُرْف (هرجه ير نان حلا لست يرمن حرام ولى حس بكنم) 7 ويُشْبه ألاَّ يجعل هذا، كقول القَائِل: حلالُ اللَّه عليَّ حرام؛ لأنَّه لا يشتهر في

الطلاق اشتهار تلْك اللفظة، وربما أتى بها من الزوجة، فإن اشتهر في بُقْعَة في الطلاق فلا فَرْقَ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (أما الكِنَايَة): فَهِيَ كُلُّ لَفْظٍ مُحْتَمَل كَقَوْلِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَبَريَّةٌ وَبَائِنَةٌ وَبَتْلَةٌ وَاعْتَدِّي وَاسْتَبرِئِي رَحِمَكِ وَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَحَبْلُكِ عَلَى غَارِبكِ وَلاَ أَنْدَهُ سَرْبَكِ وَاعْزُبِي وَاذْهَبِي وَاخْرُجِي وَمَا أَشْبَهَهُ، وَأَخْفَى مِنْهُ قَوْلُهُ تَجَرَّعِي أَيْ: كَأْسَ الفِرَاقِ وَذُوقِي وَتَزَوَّدِي، أَمَّا قَوْلُهُ: اشْرَبِي فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَقَوْلُهُ: كُلِي أَبْعَدُ مِنْهُ، وَتَرَدَّدُوا في قَوْلِهِ: أَغْنَاكِ اللَّهُ، أَمَّا الَّذِي لاَ يُحْتَمَلُ كَقَوْلِهِ: اقْعُدِي وَاغْرُبِي.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: الكنايات، وكما يقع الطَّلاَق بالصريح، يقع بالكناية مع النية بالإجماع 1، وقد رُوِيَ أن رجُلاً على عهْد عمر -رضي الله عنه- قال لأمرته حَبْلُك على غَاربِكِ، فلقيه عمر -رضي الله عنه- فقال: أَنْشُدُك ربَّ هذا البيت: هل أردتَّ بقولك "حَبْلُكِ على غَارِبِكِ" الطَّلاقَ؟ فقال الرجل: أردتُّ الفراقَ، فقال: هو ما أردتَّ.
والكنايات على كثرتها وخروجها عن الحَصْر تنقسم إلى: جليَّة، هي التي يكثر اسْتعمالُها في القرآن، وتقوي دلالتها عليه، وإلى: خفية؛ وهي التي تنحط مرتبتها من الوجْهَيْن، أمَّا الجليَّة: ففي تعليق الشيخ أبي حامد؛ حصَرها في ستَّة ألفاظ، وهي؛ أنت خليَّة 2 وبريَّة، 3 وبَتَّة 4 وبتلة 5 وبائِن 6 وحرامٌ، وأضاف إليها أبو الفرج السرخسيُّ أربعةً أخرى، وهي؛ أنت حُرَّةٌ، وأنت واحدةٌ، واعتدِّي، واستبرئي رَحِمَكِ، وحَصَرها في هذه العشرة، وكلام الإِمام وصاحب الكتاب يقارِبُ الأوَّل، وعدُّ الحرام من الكنايات جواب على أنَّه لا يلتحق بالصرائح، أو فرض في البقاع الَّتي لم يشتهر اللفْظ فيها، والبَتْل: القَطْع، كالبَتِّ، وهما مصدران، وأما الخفيَّة كقوله: اعتدِّي، واستبرئي رَحِمَكِ، على طريقة الشيخ أبي حامد، أي طلقتك فاعتدِّي، وكقوله: الْحَقِي بأهْلِكِ 7،

وحبْلُكِ على عْارِبِكِ، والغارب ما تقدم من الظهر وارتفع من العُنِق، ويقال؛ هو أعلى السَّنَام، وهما متقاربان، أي خليت سبيلَكِ، وأصله في الناقة يُلْقَى خطامها على غَارِبِها؛ لترعى كيْف تشاء.
وقولُه لا أنده سَربك ونده الإِبل زجرها، والسّرب الإِبل وما يرعى من المال، أي فارقتُك، فلا أهتَمُّ بشأنك.
وقوله: اغْرُبِي واعزُبي، يقال: عَزَب عنِّي أي غاب يَعْزُب تباعد، وقوله: اخْرُجي، واذْهَبِي، وسَافِرِي، وتجنَّبي، وتجرَّدِي، وتقنَّعِي، وتستَّري، والْزَمِي الطَّريقَ، وبيني وأبْعدي، وودعيني، وَدعينِي، وبَرِئتْ منْكِ، ولا حاجة لي فِيكِ، وهو استعارةٌ وتجرعي، وذُوقِي أي مرارته، وتزوَّدي أي تعبّئي، استعدي للذَّهَاب واللحوق بأهلك، فقد طلَّقْتُك، وقد تنازع في "أن تزودي" لأنَّه أخفى ممَّا تقدَّم من الألفاظ، وفي قوله اشربي، وجهان عن أبي إسحاق، وُيرْوَى عن أبي حنيفة أنَّه ليس بكناية، ليُعد استعماله في الطلاق، وفي ابن القاصِّ، وهو الأظهر أنَّه كناية أي شراب الفراق، وُيرْوَى هنا 1 عن النَّصِّ، والأظْهَر أنَّ كلي في معناه، وعن الشيخ أبي محمَّد: القَطْع بأنه ليس بكناية، لأنه أبعَدُ عن الاستعمال في هذا السياق، وفي قوله: أغْنَاكِ اللهُ تَعَالى وجْهَان عن صاحب التلخيص؛ أنَّه كناية، لأَنَّ التفرُّق سبب الغناء، على ما قال -تعالى-: ﴿إِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] فيجوز أن يعبِّر بأحدهما عن الآخر، وأقربهما على ما ذكره الإِمام المَنْعُ، كما لو قال: بارَكَ اللهُ فِيكَ أو دعا بدعوة أخرى.
وفي قوله " قومي" وجْهَان أيْضاً: أصحُّهما: عند القاضي الرُّوياني وغيره، أنَّه لَيْس بكناية؛ لأنَّه لا يشعر بالمفارقة، والمذكور منْهما في "التهذيب" أنه كناية، كأنَّه يشير إلى الانتهاض، والانتفال.
وأمَّا الألفاظ التي لا دلالة لها على الطَّلاق، ولا تحتمله إلا على تأْويل متعسِّفٍ، فلا أثر لها؛ فلا يَقَع بها الطلاق، وإن نَوَى ذلك، كقوله: "بَارَكَ اللَّهِ فِيكِ، وأحْسَنَ اللهُ جزَاءَكِ" وما أحسن وجْهَكِ وَتَعَالَى، وأقْرْبُيِ واغزلي، واسقيني، وأطْعِميني، وَزوِّديني، وما أشبهها وعند صاحب "التهذيب" وصاحبَ الكتاب وغيرهما قوله: اقعدي، من هذا القبيل.
وذكر الروياني في "الحلية" أنه أصحُّ الوجهين، وحكى في "التجربة" 2 عن أبيه أنَّه كناية؛ لأنَّه قد يريد القعود عن خدمة الزوج؛ بسبب الفراق، وأيضاً فقَد يربد القعود للعِدَّة.
وقال القاضي أبو الطيِّب: قال الماسرجسي: في القلب من قوله: زوديني شُبْهةٌ؛

لأنَّه يجُوز، أن يكُون إشَارةٌ إلى الطَّلاق من حيثُ إن الزاد يطلب للفراق، وكذلك حكى الحناطي وجْهاً في قوله: "زَوِّديِني" "وَأحْسَنَ اللهُ جزاءك" وغيرهما: أنَّه إذا نوى، وَقَع الطلاق.
وعن مالك أن كل لفظة نوى بها الطلاق، وقَع الطلاق، وإن لم يكُنْ فيها مَعْنى الإِزالة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَقَوْلِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ وَمُعْتَقَةٌ كِنَايَةٌ فِي الطَّلاَقِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ كِنَايَةٌ في العِتَاقِ (ح)، أمَّا لَفْظُ الظِّهَارِ وَالطَّلاَقِ كُلُّ وَاحِدٍ يَحْتَمِلُ الآخَرَ وَلَكِنْ لاَ يَكُونُ كِنَايَةً فِيهِ؛ لأَنَّ تَنْفِيذَهُ صَرِيحاً مُمْكِنٌ في مَوْضُوعِهِ، وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِهَا: اعْتَدِّي وَنَوَى الطَّلاَقَ فَفِيهِ وَجْهَان؛ لأَنَّها غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلْعِدَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مسألتان: إحداهما: لو قال لامرأته أنتِ حرَّةٌ أو معتَقَةٌ، أو أعتقتُكِ، ونوى الطلاق، وقَعَ الطَّلاقُ، وكذلك لو قال لعبده، طلَّقْتُك، ونوى العِتْق، يُعْتق؛ لما بين الملكين من المناسبة والمشاركة يصلح كل واحد منهما كنايةً في الآخر وكما أن صريح كل واحد منهما كناية في الآخر، فكناياتهما مشتركة مؤثرة في العقدين جميعاً بالنية، نعم، لو قال لعبده اعْتَدَّ أو اسْتَبرىْء رَحِمَكَ، ونوى العِتْق، لم ينفَذْ؛ لأن الاعتداد واستبراءَ الرَّحِم مستحيلٌ في حقِّه، فلا يصلح كنايةً على المقصود.
ولو قال ذلك لأمته، ونوى العتق، أو لزوجته قبْل الدخول، ونوى الطلاقَ، فوجهان: أحدهما: أنه لا تصلح للكناية؛ لأنها غير متعرِّضة للعدة.
وأظهرهما: الصحَّة لان لهما محليَّة العدَّة، واستبراء الرحم في الجملة، وذلك كافٍ في صحة الكناية.
وقال أبو حنيفة: صرائحُ الطَّلاقِ، وكناياته لا يكون كنايةً في العتْق إلاَّ قوله: لا سُلْطَانَ لي عليْكِ، ولا مِلْك لي عليك؛ فإنَّه سلم نفوذ الطلاق والعتق جميعاً بهما.
ولنا القياس على ما سلَّمَه، والجامِعُ أنَّها ألفاظٌ تزيل مِلْك النكاح.
الثانية: الطلاق ليس بكناية في الظهار، ولا الظهار في الطلاق، وإن كان كلُّ واحد منهما محتملاً للآخر؛ لِمَا يشتركان فيه من إفادة التحريم؛ وذلك لأنَّه أمكن تنفيذ كل واحد منهما في موضوعه الَّذي هو أصل فيه، فلا يُعْدَل عنه إلى ما هو فرع ومستعارٌ فيه، ولا سبيل إلى الجَمْع بينهما؛ لأن المعنيين اللذين يصلُحُ اللفظ لهما الجَمْع بينهما كما في الأسماء المشتركة، بل تارَةً يستعمل لهذا، وتارَةً يُسْتَعْمل إلى ذلك، وإنما الَّذِي

يتتاول الآحاد، ويجمع بينهما هو اللفظ العَامُّ هذا في حقِّ المنكوحة أمَّا لو قال لأمته: أنْتِ عليَّ كظهْر أمِّي، ونوى العِتْق، فالظاهر أنه ينفَذُ العتق؛ لأنه لا نفاذ للظهار، [كما لا نفاذ للطلاق] وكُلُّ واحدٍ منها يصلح كنايةً عن العتق.
وفيه وجه آخر: أنَّه لا يصلُح كنايةً في العتق؛ لأَنَّه لا يزيل المِلْك، بخلاف لفظ الطلاق واعلم أن المسألة الثانية، وإن كانت مقصودة بالذِّكْر، فإِنما ذَكَرها في هذا الموضع، لانَّها قد تورد إشكالاً على قوْلنا إن الطلاقَ والعِتْق لكُلِّ واحدٍ منهما إشعارٌ بالآخر، فيصلُحُ كناية عنه والفرق ما تبيَّن.
وقوله في الكتاب "كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طالقٌ كنايةٌ في العِتَاق" يجوز إعلامه بالحاء مع الألف؛ لأن أحمد -رحمه الله- قال في إحدى الروايتين، بمثل قول أبي حنيفة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ -لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامُ، فَإِنْ نَوى الظِّهَارَ أَوِ الطَّلاَقَ كانَ كَمَا نَوَى، وَلَوْ نَوَى التَّحْرِيمَ حُرِّمَتْ وَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ، وَلَوْ أَطْلَقَ فَالأظْهَرُ أنَّهُ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَلْغُو لِتَعَارُضِ الاحْتِمَالِ، وَقِيلَ: هُوَ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ فِي مِلْكِ اليَمِينِ وَيَلْغُو في النِّكَاحِ مِنِ غَيْرِ نِيَّةٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذه المسألة كثُرَ فيها الخِلاَف بين الصحابة -رضي الله عنهم- فمَنْ بعْدَهم.
وصورَتُها: أن يقول لامرأته: أنت عليَّ حرامٌ أو محرَّمة أو حرمتك، والحكم فيها على التفصيل عنْدنا، فإن نوى بقَوْله الطلاقَ، فهو طلاق؛ لأن الطلاق سبَبٌ تحريم به البراءة، فيَصِحُّ أن يكنى: بالحرام عنه، ثم هذا الطلاق يكون رجعيًّا، فإن نوى عدداً، فهو على ما نوى، كما في سائر الكنايات.
وحكى أبو عبد الله الحناطي وجهاً: أنَّه لا يكونُ طلاقاً، إذا فرَّعنا على أنَّه صريح في اقتضاء الكفارة، على ما ستعرفه على الأثَرِ، وهذا وإن كان غريباً، ففيه وفاء بالأصل الذي سبق غيْرَ مرَّة أنَّ اللفظ الصريح إذا وجد نفاذاً في 1 موضوعه لا ينصرف إلى غيره بالنية، ويحْصُل به الاستغناء عن العدد المَذْكُور في أوَّل "الخُلْع" عند التزام هذه المسألة، وإن نَوَى الظِّهار، كان ظهاراً لأن الظِّهار إنما يقتضي التحرْيم إلى أن يكفِّر، فجاز أن يكنى عنه بالحرام، وإن نواهما، فلا يثبتان 2 جميعاً؛ لأن الطلاق يزيل النكاحَ، والظِّهارُ يستدعي بقاءه، ثم فيه أوجه: قال ابن الحدَّاد، وأكثر الأصحاب يخيِّر فما اختاره ثَبَت.
وقال بعْضُهم: يكُون طلاقاً؛ لأنه أقوى من حيث إنه يزيل المِلْك.

جارٍ التحميل