ذلك في جميع البلاد في المحاريب المتفق عليها بين أهلها، وإن عني به الاجتهاد في التيامن والتياسر فالفرق بين الكوفة والبصرة كما نقله الروياني وهو بعيد أيضاً؛ لأن كل واحدة منهما قد دخلها الصحابة وسكنوها وصلوا إليها، فإن كان ذلك مما يفيد اليقين وجب استواؤهما فيه، وإن لم يفد اليقين فكذلك والله أعلم.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي المُسْتَقْبِلِ: فَالقَادِرُ عَلَى مَعْرِفةِ القِبْلَةِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الاجْتِهادُ، والقَادِرُ عَلَى الاجْتِهَادِ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَالأَعْمَى العَاجِزُ يُقَلِّدُ شَخْصاً مُكَلَّفًا مُسْلِماً عَارِفاً بِأدِلَّةِ القِبْلَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يُقَلِّد غَيْرَهُ، وَإِنْ تَحَيَّرَ فِي الحَالِ فِي نَظَرِهِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَقَضَى، وَقِيلَ: يُقَلِّدُ وَيَقْضِي، وَقِيلَ: إنَّهُ يُقَلِّدُ وَلاَ يَقْضِي، أَمَّا البَصِيرُ الجَاهِلُ بِالأَدِلَّةِ إنْ قَلَّدَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ إلاَّ إذَا قُلْنَا: لاَ يَجِبُ تَعَلُّمْ أَدِلَّة القِبْلَةِ عَلَى كُلِّ بَصِيرٍ، فَعِنْدَ ذلِكَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأَعْمى.
قال الرافعي: المصلي إما أن يقدر على معرفة القبلة يقيناً أو لا يقدر عليها، فإن قدر على اليقين فليس له الاجتهاد كالقادر على العمل بالنص لا يجوز له الاجتهاد، وحكى القاضي الروياني وجهين فيما إذا استقبل المصلي حجر الكعبة وحده بناء على هذا الأصل.
وقال: الأصح المنع؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، وإنما هو مجتهد فيه، فلا يجوز العدول عن اليقين إليه.
ثم المعرفة يقيناً قد تحصل بالمعاينة، وقد تحصل بغير المعاينة كالناشئ بمكة يعرف القبلة بأمارات تفيده اليقين وإن لم يعاين كما سبق، وكما لا يجوز للقادر على اليقين الاجتهاد لا يجوز له الرجوع إلى قول الغير أيضاً، وإن لم يقدر على درك اليقين فلا يخلو: إما أن يجد من يخبره عن القبلة عن علم وكان المخبر ممن يعتمد قوله أَوْ لاَ يجد فإن وجد رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد، وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء، ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد.
وفي وجه لا تشترط العدالة بل يقبل خبر الفاسق؛ لأنه لا يتهم في مثل ذلك، والمذهب الأول، ولا يقبل خبر الكافر بحال، وفي الصبي بعد التمييز وجهان كما في رواية إخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
والأكثرون على أنه لا يقبل.
ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وقد يكون دلالة.
أما الصريح فلا يخفى.
وأما الدلالة فنصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها كما سبق في التفصيل، ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد
وبين أن لا يكون، حتى إن الأعمى يعتمد بالمحراب إذا عرفه باللمس حيث يعتمد البصير بالرؤية، وكذا البصير إذا دخل المسجد في ظلمة الليل اعتمد المحراب باللمس، هكذا ذكر صاحب "التهذيب" وغيره، وقال في "العد" إنما يعتمد الأعمى على المس إذا شاهد محراب المسجد قبل العمى، أما لو (1) لم يشاهد فلا يعتمد عليه.
ولو اشتبهت عليه طيقان المسجد فلا شك أنه يصبر حتى يخبره غيره صريحاً، وإن خاف فوات الوقت صلى على حسب الحال وأعاد، هذا إذا وجد من يخبره عن علم وكان ممن يعتمد قوله، أما إذا لم يجد فلا يخلو: إما أن يكون قادراً على الاجتهاد أو لا يكون، فإن قدر على الاجتهاد لزمه الاجتهاد والتوجه إلى الجهة التي يظنها جهة القبلة، ولا تحصل القدرة على الاجتهاد إلا بمعرفة أدلة القبلة وهي كثيرة صنفوا لذكرها كتبًا مفردة، وأضعفها الرياح، لأنها تختلف وأقواها القطب وهو نجم صغير في نبات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي إذا جعله الواقف خلف أذنه اليمنى كان مسقبلاً للقبلة، هكذا يكون بناحية الكوفة وبغداد وهمذان 2 وقزوين 3 والري 4 وطبرستان وجرجان 5، وما والاها إلى نهر الشاش، وليس على القادر على الاجتهاد أن يقلد غيره فيعمل باجتهاده كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء، ولا فرق بين أن يخاف فوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد أو أتمه وبين أن لا يخاف في أنه لا يقلد، لكن عند ضيق الوقت يصلي لِحَقِّ الوقت كيفما كان ثم يجتهد ويقضي.
وقال ابن سريج: يقلد عند خوف الفوات.
وقال في "النهاية": لو كان في نظره وعلمه أن وقت الصلاة ينتهي قبل انتهاء نظره فيقلد ويصلي في الوقت أم يتمادى إلى إتمام الاجتهاد في نظره؟ وهذا كما لو تناوب جمع على بئر وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت، وقد ذكرنا خلافاً في أنه هل يصبر أو يتيمم ويصلي في الوقت؟ فتحصل من هذا الكلام وجه ثالث أنه يصبر إلى إتمام
الاجتهاد ولا يصلي وإن فات الوقت لا كيفما كان ولا بالتقليد.
وما ذكرناه من الاجتهاد يتصور في حق الغائب عن مكة، فأما الحاضر بمكة إذا لم يعاين الكعبة لحائل بينه وبين الكعبة نظر: إن كان الحائل أصليًا كالجبل فله الاجتهاد والاستقبال بالاستدلال، ولا يكلف صعود الجبل أو دخول المسجد لما فيه من المشقة، وإن كان الحائل حادثًا كالأبنية فوجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن الفرض في مثل هذا الموضع قبل حدوث البناء إنما هو المعاينة دون الاجتهاد فلا يتغير بما طرأ من البناء.
وأصحهما: الجواز كما في الحائل الأصلي لما في تكليف المعاينة من المشقة، وما ذكره في الكتاب قبل هذا الفصل أن الواقف بمكة خارج المسجد إذا لم يعاين الكعبة يستدل عليها بما يدل عليها كأنه جواب على هذا الوجه، ولو خفيت الدلائل على المجتهد إما لتغيم اليوم أو لكونه محبوسًا في ظلمة فتحير لذلك أو لتعارض الدلائل عنده ففي المسألة ثلاثة طرق:
أظهرها: أن فيها قولين:
أصحهما: عند الأكثرين: أنه لا يقلد لأنه قادر على الاجتهاد والتحير عارض وقد يزول عن قريب.
والثاني: -وهو اختيار ابن الصباغ-: أنه يقلد؛ لأنه عجز عن استبانة الصواب بنظره فأشبه الأعمى.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول.
والثالث: القطع بالثاني، فإذا قلنا: لا يقلد فيصلي كيف اتفق ويقضي كالأعمى لا يجد من يقلده يصلي لحق الوقت ويقضي، وإن قلنا: إنه يقلد فهل يقضي؟ ذكر في "النهاية" أنه على وجهين مبنيين على القولين في لزوم القضاء إذا صلى بالتيمم لعذر نادر، لا يدوم كما سيأتي نظائره.
وقضية هذا الكلام: أن يكون الأظهر وجوب القضاء على قولنا: إنه يقلد، كما أن الأظهر لزوم القضاء على من تيمم في الحضر لفقد الماء، ولكن الذي أورده الجمهور تفريعاً على قولنا: أنه يقلد أنه لا قضاء عليه كالأعمى إذا صلى بالتقليد، ثم قال إمام الحرمين -قدس الله روحه-: الخلاف المذكور في تحير المجتهد موضعه ما إذا ضاق الوقت وخشي الفوات، فأما في أول الوقت ووسطه يمتنع التقليد لا محالة إذ لا حاجة إليه، ثم قال: وفي المسألة نوع احتمال وسببه الإلحاق بالتيمم في أول الوقت مع العلم بأنه ينتهي إلى الماء في آخر الوقت، وهذا آخر الكلام في القادر على الاجتهاد؛ أما
العاجز عنه فينقسم إلى عاجز لا يمكنه تعلم الأدلة كالأعمى وإلى عاجز يمكنه التعلم.
أما الأول فالأعمى لا سبيل له إلى معرفة أدلة القبلة، لأنها تتعلق بالصبر فالواجب عليه التقليد كَالْعَاميِّ في الأحكام، وإنما يجوز تقليد المكلف المسلم العدل العارف بأدلة القبلة، يستوي فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد، وتقليد الغير هو قبول قوله المستند إلى الاجتهاد، حتى إن الأعمى لو أخبره بصير بمحل القطب منه وهو عالم بدلالته، أو قال: رأيت الخلق الكثير من المسلمين يصلون إلى هذه الجهة كان الأخذ بمقتضاه قبول خبر لا تقليد، ولو وجد مجتهدين واختلف اجتهادهما قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق والأعلم عنده.
وقيل: يجب ذلك فإن تساوى قول اثنين عنده تخير.
وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين، وفي معنى الأعمى البصير الذي لا يعرف الأدلة وليس له أهلية معرفتها، فيقلد كالأعمى؛ لأن عدم البصيرة أشد من عدم البصر.
القسم الثاني: العاجز الذي يمكنه التعلم فيبني أمره على أن تعلم أدلة القبلة هل هو من فروض الأعيان أم لا، فيه وجهان:
أحدهما: لا بل، هو من فروض الكفايات كالعلم بأحكام الشريعة، ولأن الحاجة إلى استعمالها نادرة فإن الاشتباه مما يندر وأصحهما أنه من فروض الأعيان كأركان الصلاة وشرائطها بخلاف تعلم الأحكام فإنه يحتاج 1 إلى زمن طويل وتحمل مشقة كبيرة.
فإن قلنا لا يجب التعلم فله أن يصلي بالتقليد ولا يقضي كالأعمى.
وإن قلنا: يتعين فليس له التقليد، فإن قلد قضى لتقصيره، وإذا ضاق الوقت عن التعلم فهو كالعالم إذا تحير في اجتهاده وقد قدمنا الخلاف فيه.
وأرجع بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة فأقول.
أما قوله: (فالقادر على معرفة القبلة لا يجوز له الاجتهاد) فاعلم: أن القادر على معرفتها وإن كان يمتنع عليه الاجتهاد لكن امتناع الاجتهاد لا يختص به، لأن من وجد عدلاً يخبره عن القبلة إخباراً يستند إلى علم في زعم المخبر يمتنع عليه الاجتهاد، ومع أن قوله لا يحصل المعرفة فإن قلت: قوله: يحصل الظن وإن لم تحصل المعرفة، والفقهاء كثيراً ما يعبرون بلفظ العلم والمعرفة عن الظن، وعن المشترك بين العلم والظن بالعلم في كونه معمولاً به في الشرعيات، فلعله أراد بالمعرفة ذلك، والجواب: أن لفظ المعرفة وإن كان يستعمل فيما ذكرت لكنه ما أراد به في هذا الموضع إلا العلم اليقيني، ألا تراه يقول في "الوسيط": فإن كان قادرًا على معرفة جهة القبلة يقينًا، لم يجز له الاجتهاد على أنه لا يمكن إرادة المشترك بين العلم والظن في هذا السياق؛ لأن الاجتهاد
يفيد ضربًا من الظن، فإذا كان المراد من المعرفة المشترك دخل القادر على الاجتهاد في قوله: (فالقادر على معرفة القبلة) وحينئذ لا ينتظم الحكم بأنه لا يجوز له الاجتهاد.
وأما قوله: (والقادر على الاجتهاد، لا يجوز له التقليد فإنه يفيد بما يفيده.
قوله بعد ذلك: (وليس للمجتهد أن يقلد غيره) فالثاني تكرار والغالب (على الظن أنه) 1 إنما أعاده تمهيداً لبناء مسألة التحير عليه، لكن المحوج إلى الإعادة لهذا الغرض توسيط حكم الأعمى بين الكلامين، فلو عقب الكلام الأول بمسألة التحير وأخر حكم الأعمى لاستغنى عن ذلك.
وأما قوله: "والأعمى العاجز يقلد شخصاَ مكلفاً... " إلى آخره، فليعلّم المكلف بالواو؛ لأن في كلام الأصحاب وجهاً أنه يجوز تقليد الصبي، وهو كالخلاف المذكور في الرجوع إلى إخباره، ثم الصفات المذكورة غير كافية في المقلد، بل يشترط فيه شيء آخر وهو العدالة وليس لفظ العاجز للتقيد، فإن كل أعمى عاجز وإنما هو وصف له، وتنبيه على المعنى المجوز للتقليد، ومسألة التحير قد أطلق الخلاف فيها، وهو محمول على ما إذا ضاق الوقت كما حكيناه من قبل.
وقوله: (أما البصير الجاهل بالأدلة إن قلد يلزمه القضاء) ليس مجرى على إطلاقه أيضاً؛ لأن البصير الجاهل إذا كان بحيث لا يمكنه التعلم فهو كالأعمى يقلد ولا يقضي كما تقدم.
قال الغزالي: ثُمَّ مَهْمَا صَلَّى بالاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الخَطَأ وَبَانَ جِهَةُ الصَّوَابِ وَجَبَ (ح م) عَلَيْهِ القَضَاءُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الخَطَأ وَلَمْ يَظْهَرِ الصَّوَابُ إلاَّ بالاجْتِهَادِ، فَفي القَضَاءِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعَ صلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ بِأرْبَعِ اجْتِهَادَاتٍ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ الخَطَأَ فَلاَ قَضَاءَ (و) عَلَيْهِ.
قال الرافعي: المصلي بالاجتهاد إذا ظهر له الخطأ في اجتهاده فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يظهر له الخطأ قبل الشروع في الصلاة.
والثانية: أن يظهر بعد الفراغ منها.
والثالثة: أن يظهر في أثناءها.
أما الحالة الأولى فهي غير مذكررة في الكتاب وحكمها أن ننظر: إن تيقن الخطأ في اجتهاده أعرض عن مقتضاه وتوجه إلى الجهة التي يعلمها أو يظنها جهة الكعبة، وإن
ظن الخطأ في اجتهاده وظن أن الصواب 1 جهة أخرى إن كان دليل الاجتهاد الثاني أوضح عنده من الأول أعرض عن مقتضى الأول، وإن كان دليل الأول أوضح عنده جرى على مقتضاه، وإن تساويا تخير.
وقيل: يصلي إلى الجهتين مرتين.
وأما الحالة الثانية وهي: أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة، فهذا الفصل مسوق لها، ولا يخلو، إما أن يظهر الخطأ يقيناً، أو ظناً، والقسمان مذكوران في الكتاب.
أما القسم الأول: وهو أن يظهر الخطأ يقينًا ففي وجوب القضاء قولان:
أصحهما: الوجوب، لأنه تعين له الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلا يعتد بما فعله كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه، واحترزوا بقولهم: فيما يأمن مثله في القضاء عن الخطأ في الوقوف بعرفة حيث لا يجب القضاء، لأن مثله غير مأمون في القضاء، ويمكن أن يقال في قولنا: تعين الخطأ ما يفيد هذا الاحتراز؛ لأن الأمر ثَمَّ مبني على رؤية الهلال ولا يقين يكون الرائيين مصيبين أو على استكمال العدد، وهو مبني على الرؤية في الشهور المتقدمة والإصابة فيها مظنونة، والمبني على المظنون مظنون.
والقول الثاني: أنه لا يجب القضاء؛ لأنه ترك القبلة بعذر فأشبه تركها في حالة المسايفة.
قال الصيدلاني: ومعنى القولين أنه كلف الاجتهاد لا غير، أو كلف التوجه إلى القبلة، فإن قلنا بالأول فلا قضاء، وإن قلنا بالثاني وجب القضاء، وبالقول الثاني قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني.
وقوله في الكتاب: (وجب القضاء) معلم برقمهم جميعاً.
وللمسألة نظائر:
منها ما إذا اجتهد في وقت الصلاة فتبين بعد إنقضاء الوقت أنه أخطأ بالتقديم، أو اجتهد المحبوس في الصيام فوافق اجتهاده شعبان وتبين الحال بعد إنقضاء رمضان، ففي وجوب القضاء قولان:
قال إمام الحرمين: وهذا إذا لم يتأت الوصول إلى اليقين، فإن تأتى ذلك فالوجه القطع بوجوب القضاء، وإن اجتهاده إنما يغني بشرط الإصابة.
ومنها ما إذا رأوا سوادًا فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان الخطأ ففي القضاء قولان:
ومنها ما إذا دفع الزكاة إلى رجل ظنه فقيراً فَبَانَ غنياً ففي الضمان قولان؛ ثم اختلفوا في موضع القولين فيما نحن فيه على طريقين.
قال الأكثرون: القولان جاريان فيما إذا تبين الصواب يقينًا مع يقين الخطأ وفيما إذا لم يتبين الصواب يقيناً مع يقين الخطأ ولا فرق، ومنهم من قال: القولان فيما إذا بَانَ يقين الخطأ مع يقين الصواب.
أما إذا تيقن الخطأ دون الصواب فلا يجب القضاء بحال؛ لأنه لا يأمن الخطأ في القضاء أيضاً فأشبه خطأ الحجيج في الوقوف بعرفة، فإنهم لما لم يأمنوا مثله في القضاء لم يلزمهم القضاء، وهذا معنى قوله في الكتاب: (فإن تيقن الخطأ ولم يظهر الصواب إلا باجتهاد ففي القضاء قولان مرتبان، وأولى بأن لا يجب) ومتى رتب المذهبيون صورة على صورة في الخلاف وجعلوا الثانية أولى بالنفي أو الإثبات حصل في الصورة المرتبة طريقان: أحدهما: طرد الخلاف.
والثاني: القطع بما في الصورة الأخيرة أولى به من النفي أو الإثبات.
وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى مثل أن يقال: فيما نحن فيه هل يجب القضاء عند تيقن الخطأ؟ فيه ثلاثة أقوال:
الأول: يجب.
الثاني: لا يجب.
الثالث: يفرق بين أن يتيقن معه الصواب فيجب وبين أن لا يتيقن فلا يجب، والأظهر طريقة طرد القولين، واعترض إمام الحرمين على التشبيه بخطأ الحجيج بأن قال: الخطأ ثَمَّ غير مأمون في السنين المستقبلة بحال، وهاهنا إن لم يأمن الخطأ في حالة الاشتباه فيمكنه الصبر حتى ينتهي إلى بقعة يستيقن فيها الصواب وما ذكرناه من الخلاف في أن المجتهد إذا بَانَ له يقين الخطأ هل يقضي بجري بعينه في حق الأعمى الذي قلده.
القسم الثاني: أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة ظنًا وذلك لا يوجب القضاء؛ لأن الاجتهاد لا ينقصض بالاجتهاد، ألا ترى أن القاضي لو قضى باجتهاده ثم تغير اجتهاده لا ينقض قضاؤه الأول، وينبني على هذا ما لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات فلا يجب عليه قضاء واحدة منها؛ لأن كل واحدة منها مؤداة باجتهاد لم يتعين فيه الخطأ، هذا ظاهر المذهب وهو الذي ذكره في الكتاب وعن صاحب "التقريب" وجهان آخران:
أحدهما: إنه يجب عليه قضاء الكل؛ لأن الخطأ مستيقن في ثلاث صلوات منها، وإن لم يتعين فأشبه ما إذا فسدت عليه صلاة من صلوات، وحكي في "التتمة" هذا الوجه عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
والثاني: أنه يجب قضاء ما سوى الصلاة الأخيرة، ويجعل الاجتهاد الأخير ناسخاً
لما قبله، وعلى هذا الخلاف لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين أو ثلاثاً إلى ثلاث جهات باجتهادات، فعلى ظاهر المذهب لا قضاء عليه، وعلى الوجه الثاني يقضي الكل، وعلى الثالث يقضي ما سوى الأخيرة وأعلم أنا سنذكر خلافاً في أنه إذا صلى بالاجتهاد هل يجب عليه تجديد الاجتهاد للصلاة الثانية، وحكم هذه الصورة لا يختلف بين أن نوجب تجديد الاجتهاد فيجدد وبين ألا نوجب لكن اتفق له ذلك.
قال الغزالي: وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ اسْتَدْبَرَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَحَوَّلَ وَبَنى إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ القَضَاءُ عِنْدَ الخَطَإ، فَههُنَا أَولَى بِالإبْطَالِ كَيْلاَ يُجْمَعَ فِي صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ جِهَتَيْنِ، أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الخَطَأ يَقِيناً أَوْ ظَنًّا وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَر جِهَةُ الصَّوَاب، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الدَّرْكِ بِالاجْتِهَادِ بَطُلَتْ صَلاَتهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذلِكَ عَلَى القُرْبِ، فَفِي البُطْلاَنِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ عَلَى تَيَقُّن الصَّوَابِ، وَأَولَى بِالبُطْلاَنِ لِأَجْلِ التَّحَيُّرِ فِي الحَالِ.
قال الرافعي: هذا الفصل لبيان الحالة الثالثة وهي أن يظهر الخطأ في الاجتهاد في أثناء الصلاة ولا يخلو إما أن يظهر (له الصواب مقترناً بظهور الخطأ) 1 وإما أن لا يكون كذلك.
فهما ضربان:
الضرب الأول: أن يظهر له الصواب مقترناً بظهور الخطأ فننظر: إن كان الخطأ مستيقناً فنبني ذلك على القولين في وجوب القضاء عند ظهور يقين الخطأ بعد الصلاة إن قلنا: يجب بطلت صلاته هاهنا ولزمه الاستئناف، وإن قلنا: لا يجب فهاهنا وجهان، وربما قيل: قولان:
أحدهما: أنه يستأنف؛ لأن الصلاة الواحدة لا تؤدي إلى جهتين، كالحادثة الواحدة لا يتصور إمضاؤها بحكمين مختلفين.
وأصحهما: أنه ينحرف إلى جهة الصواب، ويبني على صلاته احتساباً لما مضى من صلاته، كما يحتسب بجميع صلاته على هذا القول إذا بَانَ يقين الخطأ بعد الصلاة، ولا ننكر إقامة الصلاة الواحدة إلى جهتين، ألا ترى أن أهل قباء كذلك فعلوا، وإن كان الخطأ ظاهراً بالاجتهاد، فقد ذكرنا أنه إذا وقع ذلك بعد الصلاة لم يؤثر، فإذا اتفق في أثنائها فهو على هذين الوجهين أو القولين.
وأصحهما: أنه ينحرف ويبني، لأن الأمر بالاستئناف نقض لما أدى من الصلاة، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
والثاني: أنه يستأنف كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين، فعلى الوجه الأول لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات فلا إعادة عليه كما ذكرنا في الصلاة، وخص في "التهذيب" رواية الوجهين بما إذا تغير اجتهاده وكان الدليل الثاني أوضح من الأول.
فأما إذا كان الدليل الثاني مثل الأول أو دونه قال: لا يتحول بل يتم صلاته إلى تلك الجهة ولا إعادة عليه، ولك أن تقول: إن كان الدليل الثاني دون الأول فلا يتغير الاجتهاد ولا يظهر الخطأ، لأن أقوى الظنين لا يترك بأضعفهما، وإنا كانا مثلين فقضيته التوقف والتحير، وحينئذ لا يكون الصواب ظاهراً، فتكون الصورة من الضرب الثاني وسنذكر حكمه.
الضرب الثاني: أن لا يظهر الصواب مع ظهور الخطأ، فإن عجز عن درك الصواب بالاجتهاد على القرب بطلت صلاته إذ لا سبيل إلى الاستمرار على الخطأ، ولا وقوف على جهة الصّواب لينحرف وإن قدر على ذلك على القرب، فهل يبني وينحرف أم يستأنف؟ فيعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في الضرب الأول بالترتيب، وهاهنا أولى بأن يستأنف؛ لأن ثمَّ يمكن من الانحراف إلى الصواب كما ظهر الخطأ وهاهنا بخلافه، فإنه متحير في الحال.
مثال هذا الضرب: عرف أن قبلته يسار المشرق [والسماء متغيمة فتوجه إلى جهة على ظن أنها يسار المشرق] 1 فانقشع الغيم بحذائه وظهر كوكب قريب من الأفق فقد علم الخطأ يقينًا إذ تبين له أنه مشرق أو مغرب، ثم قد يعرف الصواب على القرب بأن يرتفع الكوكب فيعلم أنه مشرق أو ينحظ فيعلم أنه مغرب، ويترتب على ذلك معرفة القبلة، وقد يعجز عن ذلك بأن يطبق الغيم، ويستمر الالتباس.
ولنبين ما يشتمل عليه الكتاب مما ذكرناه.
واعلم: أنا قسمنا الضرب الأول قسمين:
أحدهما: أن يستيقن الخطأ.
والثاني: أنه لا يستيقنه فقوله: "وإن تيقن أنه استدبر" هو القسم الأول من هذا الضرب، فإن المستيقن للاستدبار عارف بالخطأ يقينًا وعارف بالصواب أيضاً مع معرفة الخطأ يقينًا، ولا فرق بعد تيقن الخطأ بين أن يظهر الصواب يقينًا أو ظناً وإن كانت الصورة المذكورة في الكتاب هو يقين الصواب مع يقين الخطأ.
وقوله: (تحول وبني) جواب على قولنا أنه إذا بَانَ يقين الخطأ بعد الصلاة لا يجب
عليه القضاء، وقد روينا وجهين على هذا القول فما ذكره جواب على أصحهما، ثم أشار إلى التفريع على القول الثاني بقوله: (إلا إذا قلنا يجب القضاء عند الخطأ) أي إذا أوجبنا القضاء عند ظهور الخطأ يقيناً بعد الصلاة فنحكم ببطلان الصلاة عند ظهوره في أثنائها، ولا يعتد بما أتى به بل البطلان هاهنا أولى كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين:
وأما القسم الثاني من هذا الضرب فهو غير مذكور في الكتاب، وحكمه قريب من حكم القسم الأول؛ إنا وإن رتبنا الحكم ثم على القولين في أن تعين الخطأ بعد الصلاة هل يوجب القضاء كما سبق فلا يحصل إلا وجهان:
أحدهما: أنه يبني.
والثاني: أنه يستأنف، وهما جاريان في القسم الثاني على ما بينا، ولهذا قال في "الوسيط": وإن تبين بالاجتهاد أنه مستدبر فحكمه حكم المتيقن نعم يختلف التوجيه بحسب القسمين كما قدمناه.
وأما قوله: "إذا ظهر الخطأ يقينًا أو ظناً... " إلى آخره، فهو الضرب الثاني، وهاهنا صرح بالتسوية بين تيقن الخطأ وظنه.
وقوله: (ففي البطلان قولان مرتبان على يقين الصواب) أي يقين الصواب مع الخطأ وهو صورة الاستدبار، وقد ذكر فيها قولين: أنه تبطل صلاته: أو يبني، وهذه مرتبة عليها والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ بَانَ لَهُ الخَطَأُ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ، فَهَلْ هُوَ كَالخَطَأ فِي الْجِهَةِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْن يَرْجِعُ حَاصِلُهُمَا إِلَى أَنَّ بَيْنَ الْمُشْتَدِّ فِي الاسْتِقْبَالِ وَبَيْنَ الأَشَدِّ تَفَاوُتًا عِنْدَ الحَاذِقِ، فَهَلْ يَجِبُ طَلَبُ الأَشَدِّ أَمْ يَكْفِي حُصُولُ أَصْلِ الاشْتِدَادِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: جميع ما ذكرنا من الأحوال الثلاث فيما إذا بَانَ له الخطأ في الجهة، فأما إذا كانت الجهة واحدة وبَانَ له الخطأ في التيامن والتياسر فهذا يستدعي تقديم أصل وهو أن المطلوب بالاجتهاد عين الكعبة أم جهتها؛ وفيه قولان:
أظهرهما: أن المطلوب عين الكعبة لظاهر قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 1. وقوله -صلى الله عليه وسلم- في الخبر الذي تقدم ذكره مشيراً إلى العين: "هذِهِ الْقِبْلَةَ" 2 وهما مطلقان ليس فيهما فصل بين القريب والبعيد.
والثاني: أن المطلوب جهة الكعبة، لأن حرم الكعبة صغير يستحيل أن يتوجه إليه أهل الدنيا فيكتفي بالجهة، ولهذا تصح صلاة الصف الطويل إذا بعدوا عن الكعبة ومعلوم أن بعضهم خارجون عن محاذاة العين، وهذا القول يوافق المنقول عن أبي
حنيفة وهو: أن المشرق قبلة أهل المغرب، والمغرب قبلة أهل المشرق، والجنوب قبلة أهل الشمال، [والشمال قبلة أهل الجنوب] 1. وعن مالك أن الكعبة قبلة أهل المسجد، والمسجد قبلة أهل مكة، ومكة قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الدنيا.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: الخطأ في التيامن والتياسر إن ظهر بالاجتهاد وكان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فلا يقتضي وجوب الإعادة؛ لأن الخطأ في الجهة والحالة هذه لا يؤثر في التيامن، والتياسر أولى، وإن كان في أثناء الصلاة فينحرف ويبني، ولا يعود فيه الخلاف المذكور في نظيره من الخطأ في الجهة؛ لأنا استبعدنا الصلاة الواحدة إلى جهتين مختلفتين.
فأما الالتفات اليسير فإنه لا يبطل الصلاة وإن كان عمداً.
أما إذا ظهر الخطأ في التيامن والتياسر يقيناً، فيبنى على أن الفرض إصابة عين الكعبة، أما إصابة جهتها فإن قلنا: الفرض إصابة الجهة فلا أثر لهذا الخطأ في وجوب الإعادة إن ظهر بعد الصلاة ولا في وجوب الاستئناف إن ظهر في أثنائها.
وإن قلنا: الفرض إصابة العين ففي الإعادة والاستئناف القولان المذكوران في الخطأ في الجهة؛ ثم قال صاحب "التهذيب" وغيره: لا يستيقن الخطأ في الانحراف مع بعد المسافة عن مكة وإنما يظن.
أما إذا قربت المسافة فكل منهما ممكن، وهذا كالتوسط بين اختلاف أطلقه أصحابنا العراقيون في أنه هل يتيقن الخطأ في الانحراف من غير معاينة الكعبة بلا فرق بين قرب المسافة وبعدها.
فقالوا: قال الشافعي -رضي الله عنه- لا يتصور ذلك، إلا بالمعاينة.
وقال بعض الأصحاب يتصور -والله أعلم- هذا شرح المسألة.
وأما قوله: (يرجع حاصلهما إلى أن بين المشتد في الاستقبال...) إلى آخره، فهو كلام نحا فيه نحو إمام الحرمين -رحمة الله عليه-، وذلك أنهما حكيا أن الأصحاب بنوا الخلاف في خطأ التيامن والتياسر على الخلاف في أن مطلوب المجتهد عين الكعبة أو جهتها، واعترضا على هذه العبارة فقالا: محاذاة الجهة غير كافية؛ لأن القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة العين لا تصح صلاته، وإن كان مستقبلاً للجهة ومحاذاة العين لا يمكن اعتبارها، فإن البعيد عن الكعبة على مسافة شاسعة لا يمكنه إصابة العين ومسامتتها، والمحال لا يطلب.
وأيضاً فالصف الطويل في آخر المسجد تصح صلاته جميعهم مع خروج بعضهم عن محاذاة العين، وإذا بطل ذلك فما موضع الخلاف؟ وما معنى العين والجهة؟ ذكرنا
أن الانحراف اليسير لا يسلب اسم الاستقبال عن البعيد عن الكعبة في المسجد وإن كان يسلبه عن القريب من الكعبة، وإذا لم يسلبه عن البعيد الواقف في المسجد [كان أولى] 1 أن لا يسلبه عن الواقف في أقصى المشرق والمغرب، ثم البصير بأدلة القبلة يجعل التفاوت البعيد وانحرافه على درجتين:
إحداهما: الانحراف السالب لاسم الاستقبال، وهو الكثير منه وإن لم ينته إلى أن يولي الكعبة يمينه أو يساره.
والثاني: الانحراف الذي لا يسلب اسم الاستقبال، وفي هذه الدرجة مواقف يظن الماهر في الأدلة أن بعضها أشد من بعض، وإن شملها أصل الشداد، فهل يجب طلب الأشد أم لا؟ فيه الخلاف، وربما أشعر كلام إمام الحرمين بإثبات ثلاثة درجات: التفات بقطع البصير بأنه يسلب اسم الاستقبال، والتفات يقطع بأنه لا يسلبه، والتفات يظن أنه لا يسلب لكنه لا يقطع به، فهل تجوز القناعة بالشداد المظنون أم يجب طلب المقطوع به؟ فيه الخلاف، هذا ما ذكراه، والجمهور على التعبير عن الخلاف بالعين والجهة، واتفق العراقيون والقفال على ترجيح القول الصائر إلى أن المطلوب العين، ولهم أن يقولوا: لا نسلم أن البعيد لا يمكنه إصابة عين الكعبة بل عليه ربط الفكر في اجتهاده بالعين دون الجهة، وأما الصف الطويل فلا نسلم خروج بعضهم عن محاذاة العين؛ وذلك لأن التباعد من الحرم الصغير يوجب زيادة محاذاة العين كما تقدم.
قال الغزالي: فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ إِذَا صَلَّى الظُّهْرِ بِاجْتِهَاد، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الاسْتِئْنَافُ لِلْعَصْرِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ أدَّى اجْتهَادُ رَجُلَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فَلاَ يَقْتَدِي أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ، وَإِذَا تَحَرَّمَ المُقَلِّدُ فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ لَهُ مَنْ هُوَ دُونِ مُقَلِّدِهِ أَوْ مِثْلُهُ: أَخْطَأَ بِكَ فُلاَنٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ فَهُوَ كَتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ البَصِيرِ فِي أَثْنَاءِ صَلاَتِهِ فِي نَفْسهِ، وَلَوْ قَطَعَ بِخَطَئِهِ وَهُوَ عَدْلٌ لَزِمَهُ القُبُولُ؛ لِأنَّ قَطْعَةُ أَرْجَحُ مِنْ ظَنِّ غيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ البَصِيرُ لِلأعْمَى: الشَّمْسُ وَرَاءَكَ وَهُوَ عَدْلٌ فَعَلَى الأعْمَى قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَحْسُوسٍ لاَ عَنِ اجْتِهَادٍ.
قال الرافعي: خَتَمَ البابَ بِفروعٍ:
أحدها: إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى، أو أراد قضاء فائته فهل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد للفريضة الثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الأصل استمرار الظن الأول، فيجري عليه إلى أن يتبين خلافه.
وأظهرهما: نعم سعياً في إصابة الحق؛ لأن الاجتهاد الثاني إن وافق الأول تأكد الظن، وإن خالفه فكذلك، لأن تغيير الاجتهاد لا يكون إلا لأمارة أقوى من الأمارة الأولى، وآكد الظنين أقرب إلى اليقين، وهذان الوجهان كالوجهين في طلب الماء في التّيمم، وكالوجهين في المفتي إذا استفتى عن واقعة واجتهد وأجاب فاستفتى مرة أخرى عن تلك الواقعة هل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد؟ وأما النوافل فلا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد لها [كما لا يحتاج إلى تجديد التّيمم لها] 1 ذكره صاحب "التهذيب" وغيره فإن قلت: ذكرتم أن الوجهين في وجوب تجديد الطلب مخصوصان بما إذا لم يبرح عن مكانه، فهل الأمر كذلك هاهنا؟ قلنا: في كلام بعض الأصحاب ما يقتضي تخصيص الوجهين بما إذا كان في ذلك المكان هاهنا أيضاً، لكن الفرق ظاهر؛ لأن الطلب في موضع لا يفيد معرفة العدم في موضع آخر، والأدلة المعرفة لكون الجهة جهة القبلة قد لا تختلف بالمكانين فإن أكثرها سماوية، ولا تختلف دلالتها بالمسافات القريبة.
الثاني: لو أدى اجتهاد رجلين إلى جهتين فكل واحد منهما يعمل باجتهاده، ولا يقتدي أحدهما بالآخر، فإن كل واحد منهما مخطئ عند الثَّانِي، فصار كما لو اختلف اجتهادهما في الإناءين والثَّوْبَيْنِ، ولو اجتهد جماعة وتوافق اجتهادهم فأمهم واحد منهم، ثم تغير اجتهاد واحد من المأمومين فعليه أن يفارقه، وينحرف إلى الجهة الثانية، وهل عليه أن يستأنف أم له البناء؟ فيه الخلاف الذي قدمناه في تغيير الاجتهاد في أثناء الصلاة، وللخلاف هاهنا مأخذ آخر، وهو أنا سنذكر خلافاً في أن المأموم هل له أن يفارق الإمام أم لا، وهل يفترق الحال بين أن يفارق بعذر أو غير عذر؟ ثم منهم من قال: هذه المفارقة بعذر، ومنهم من قال: هو مقصر بترك إمعان البحث والنظر، ولو عذر ولو تغير اجتهاد الإمام فينحرف إلى الجهة الأخرى، إما بانياً أو مستأنفاً على الخلاف الذي سبق، وهم يفارقونه فلو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة [فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك فهو الاختلاف في الجهة فلا يقتدي أحدهما بالآخر] 2، وإلا فلا بأس.
الثالث: إذا شرع المقلد في الصلاة بالتقليد ثم قال: له عدل أخطأ بك من قلدته، فلا يخلو إما أن يقول ذلك عن اجتهاد أيضاً أو عن علم ومعاينة، فهما حالتان:
فأما في الحالة الأولى فننظر: إن كان قول الأول أرجح عنده وأولى بالاتباع إما لزيادة عدالته وهدايته إلى الأدلة فلا اعتبار بقول الثاني إذ الأقوى لا يرفع بالأضعف، وإن كان قول الثاني مثل قول الأول، أو لم يعرف أنهما مثلان أو أحدهما أقوى من
الآخر فكذلك لا أثر لقول لثاني، وإن كان قول الثاني أرجح عنده فهو كتغيير اجتهاد البصير المجتهد في نفسه فيعود فيه الخلاف المقدم في أنه يبني أو يستأنف كذا هو في "التهذيب" وغيره، ولو اجتهد المجتهد الثاني بعد الفراغ من الصلاة لم يلزمه الإعادة، وإن كان قول الثاني أرجح، كما لو تغير اجتهاد المجتهد بعد الفراغ.
وقوله: (فقال له من هو دون مقلده أو مثله) أراد به هذه الحالة الأولى أي قال ذلك عن اجتهاد.
وأما قوله: (لم يلزمه قبوله) فلعلك تقول قد عرفت أنه لا يلزمه فهل يجوز قبوله فالجواب أن هذا يرتب على أن المقلد إذا وجد مجتهدين قبل الشروع في الصلاة أحدهما أعلم من الآخر فهل يجب عليه أن يأخذ بقول الأعلم أم يتخير؟ فإن قلنا بالأول فلا يجوز قبوله، وإن قلنا بالثاني ففيه خلاف؛ لأنه إن بني كان مصليًّا للصلاة الواحدة إلى جهتين وإن استأنف كان مبطلاً للفرض من غير ضرورة، وفي نظائر كل واحد منهما خلاف.
الحالة الثانية: أن يخبره عن علم ومعاينة فيجب الرجوع إلى قوله لاستناده إلى اليقين واعتماد الأولى على الاجتهاد، ولا فرق هاهنا بين أن يكن قول الثاني أصدق عنده أو لا يكون، ومن هذا القبيل أن يقول للأعمى: أنت مستقبل للشمس أو مستدبر، والأعمى يعرف أن قبلته ليست في صوب المشرق ولا المغرب فيجب قبول قوله، ويكون هذا بمثابة ما لو تيقن المجتهد الخطأ في أثناء الصلاة، فيلزمه الاستئناف على الصحيح، ولو قال الثاني: إنك على الخطأ قطعاً فكذلك يجب قبوله، فإن قطعه أرجح من ظن الأول، فينزل قطعه منزلة الإخبار عن محسوس، ثم القاطع بالخطأ قد يخبر عن الصواب قاطعًا به وقد يخبر عنه مجتهداً ويجب قبوله على التقديرين لبطلان تقليد الأول بقطعه، ولا يمكن أن يكون قطعه بالخطأ عن اجتهاد فإن الاجتهاد لا يفيد القطع، فلا عبرة بالعبادة الفارغة عن المعنى، وكل ما ذكرناه مفروض فيما إذا أخبره الثاني عن الصواب والخطأ جميعاً، فأما إذا أخبره عن الخطأ على وجه يجب قبوله ولم يخبره هو ولا غيره عن الصواب فهو كتغيير اجتهاد المجتهد في أثناء الصلاة وقد سبق حكمه -والله أعلم-.
فإن قلت: وعد في الكتاب بأربعة فروع ولم يذكر إلا ثلاثة قلت: المسائل المذكورة في هذا الفصل لم يعدها في "الوسيط" إلا ثلاثة فروع وجعل في أولها فرعاً آخر، هاهنا عدها أربعة من غير ذلك المضموم فيجوز أن يقال جعل حالتي الفرع الأخير فرعين ويجوز غير ذلك والأمر فيه هين.
الْبَابُ الرَّابعُ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ
قال الغزالي: وَأَرْكَانُهَا أَحَدَ عَشَرَ: التَّكْبِيرُ وَالقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ وَالسُّجُودُ، وَالْقَعْدَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَ الطُّمَأنِينَةِ فِي الْجَمِيع، وَالتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، وَالقُعُودُ فِيهِ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَالسَّلاَمُ (ح)، وَالنِّيَّةُ بِالشَّرْطِ أشْبَهُ.
قال الرافعي: الصلاة في الشريعة عبارة عن الأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، ولا بد من رعاية أمور أُخَر ليقع الاعتداد بتلك الأفعال وتسمى هذه الأمور شروطاً وتلك الأفعال أركانًا فجعل هذا الباب في الأركان والذي يليه في الشروط، ولا بد من معرفة الفرق بينهما.
واعلم أن الركن والشرط يشتركان في أنه لا بد منهما وكيف يفترقان؟ منهم من قال: يفترقان افتراق العام والخاص، ولا معنى للشرط إلا ما لا بد منه، فعلى هذا كل ركن شرط ولا ينعكس.
وقال الأكثرون: يفترقان افتراق الخاصين ثم فسر قوم الشرط بما يتقدم على الصلاة كالطهارة وستر العورة 1، والأركان بما تشتمل عليه الصلاة، ويرد على هذا ترك الكلام والفعل الكثير وِسائر المفسدات فإنها لا تتقدم على الصلاة وهي معدودة من الشروط دون الأركان، ولك أن تفرق بينهما بعبارتين:
إحداهما: أن تقول يعني بالأركان المفروضات المتلاحقة النبي أولها التكبير وآخرها التسليم، ولا يلزم التروك فإنها دائمة لا تَلْحَقُ وَلاَ تُلْحَقُ، ونعني بالشروط ما عداها من المفروضات.
والثانية: أن نقول يعني بالشرط ما يعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه، وبالركن ما يعتبر لا على هذا الوجه.
مثاله: الطهارة تعتبر مقارنتها للركوع والسجود وكل أمر معتبر ركنًا كان أو شرطًا، والركوع معتبر لا على هذا الوجه.
إذا تبين ذلك فحقيقة الصلاة تتركب من هذه الأفعال المسماة أركاناً وما لم يشرع فيها لا يسمى شارعاً في الصلاة وإن تطهر وستر العورة واستقبل القبلة، وهذا واضح في عرف الشرع وإطلاقاته ثم إن المصنف عد الأركان أحد عشر يعني أجناسها، ثم منها ما لا يتكرر كالسلام ومنها ما يتكرر إما في الركعة الواحدة كالسجود، أو بحسب عدد
الركعات كالركوع، ولم يعد الطمأنينة في الركوع وغيره أركاناً، بل جعلها في كل ركن كالجزء منه والهيئة التابعة له، وبه يشعر قوله -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي: "ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" 1 [ومنهم من جعلها أركانًا مستقلة] 2 وضم صاحب "التلخيص" إلى الأركان المذكورة استقبال القبلة، واستحسنه القفال وصوبه، ومن فرض نية الخروج والموالاة والصَّلاَة على آل النبي -صلى الله عليه وسلم- ألحقها بالأركان، ومنهم من ضم إلى الأحد عشر التي ذكرها الترتيب في الأفعال، وهكذا أورد صاحب "التهذيب"، ويظهر عده من الأركان على العبارة الثانية (في تفسير الركن، وأما النية) (2) فقد حكى الشيخ أبو حامد وغيره وجهين في أنها من قبيل الشرائط أو من الأركان.
أحدهما: وهو الأشبه عند صاحب الكتاب: أنها من الشرائط؛ لأن النية تتعلق بالصلاة فتكون خارجة عن الصلاة وإلا لكانت متعلقة بنفسها ولا اقترن إلى نية أخرى.
وأظهرهما: عند الأكثرين: أنها من الأركان لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الأركان، ولا يبعد أن تكون من الصلاة وتتعلق بسائر الأركان ويكون قول الناوي أصلي عبارة بلفظ الصلاة عن سائر الأركان تعبيراً باسم الشيء عن معظمه، وبهذا الطريق سماها المصنف في الصوم ركنًا، وإلا فما الفرق؟ ولك أن تعلم قوله: (وأركانها أحد عشر) بالواو لما حكينا من الاختلات على أن أكثره يرجع إلى التعبيرات وكيفية العد وحظ المعنى لا يختلف، وأبو حنيفة وسائر العلماء -رحمة الله عليهم- يخالفون في بعض الأركان المذكورة، وسنذكر مذهبهم عند تفصيل القول فيها فإن الغرض الآن تزاحم جملته، وإذا ذكرنا مذهبهم تبينت المواضع المحتاجة إلى العلامات من هذا الفصل.
قال الغزالي: وَالأَبْعَاضُ أَرْبَعَة: القُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ وَالقُعُودُ فِيهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ وَعَلَى الآلِ فِي التَّشَهُّدِ الأخِيرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذهِ الأَرْبَعُ تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَمَا عدَاهَا فَسُنَنٌ لاَ تُجْبِرُ بِالسُّجُودِ.
قال الرافعي: للصلاة مفروضات ومندوبات.
أما المفروضات فهي الأركان والشروط.
وأما المندوبات فقسمان: مندوبات يشرع في تركها سجود السهو، ومندوبات لا يشرع فيها ذلك، والتي تقع في القسم الأول تسمى أبعاضاً، ومنهم من يخصها باسم
المسنونات، وتسمى التي تقع في القسم الثاني هيئات.
قال إمام الحرمين: وليس في تسميتها أبعاضاً توقيف ولعل معناها أن الفقهاء قالوا: يتعلق السجود ببعض السنن دون البعض، والتي يتعلق بها السجود أقل مما لا يتعلق، ولفظ البعض في أقل قسمي الشيء أغلب إطلاقاً، فلذلك سميت هذه الأبعاض، وذكر بعضهم أن السنن المجبورة بالسجود وقد تأكد أمرها وجاوز حد سائر السنن، وبذلك القدر من التأكيد شاركت الأركان فسميت أبعاضاً تشبيهاً بالأركان التي هي أبعاض وأجزاء حقيقة، وسيأتي وجه شرعية سجود السهو فيها في باب السجدات، وقد ذكرها المصنف في ذلك الباب، ولو لم يتعرض لها في هذا الموضع لما مر، لكنه لما ترجم الباب بكيفية الصلاة وعدت هذه السنن 1 من أبعاضها استحسن ذكرها في هذا
الموضع أيضاً، ثم أنه عدها أربعة:
أحدها: القنوت.
وثانيها: التشهد الأول.
وثالثها: القعود فيه.
ورابعها: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، وفي استحبابها قولان يذكران من بعد، فإن قلنا بالاستحباب فهو من الأبعاض، وألحق بهذه الأربعة شيئان:
أحدهما: الصلاة على الآل في التشهد الثاني إن قلنا إنها مستحبة لا واجبة، وكذلك في التشهد الأول إن استحببناها تفريعاً على استحباب الصلاة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه، وهذا الخامس قد ذكره في الكتاب في باب السجدات، ونشرح الخلاف فيه من بعد إن شاء الله تعالى.
والثاني: القيام للقنوت 2 عد بعضاً برأسه، وقراءة القنوت بعضاً آخر، حتى لو وقف ولم يقرأ سجد للسهو، وهذا هو الوجه إذا عددنا التشهد بعضًا والقعود له بعضاً آخر، وقد أشار إلى هذا التفصيل في القنوت إمام الحرمين -قدس الله روحه- وصرح به في "التهذيب" ثم كون القنوت بعضاً لا يختص بصلاة الصبح بل هو بعض في الوتر أيضاً في النصف الأخير من رمضان، وقوله: (وما عداها فسنن لا تجبر بالسجود) ينبغي أن يعلم بالحاء والميم والألف لما سيأتي في باب "سجود السهو".
قال الغزالي: الرُّكْنُ الأَوَّلُ التَّكْبِيرُ، وَلْتَكُنِ النِّيَّة مَقْرُونَةً بِهِ بِحَيْثُ تُحْضَرُ فِي العِلْمِ صفَاتُ الصَّلاَةِ، وَيقْتَرِنُ القَصْدُ إلَى هَذا المَعْلُومِ بِأوَّلِ التَّكْبِيرِ، وَيَبْقَى مُسْتَدِيمًا لِلْقَصْدِ وَالْعِلْمِ إلَى آخِرِ التَّكْبِيرِ، فَلَ عَزُبَتْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ عَزُبَت قَبْلَ تَمَامِ التَّكْبِيرِ فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: لما لم يعد النية ركنًا خلط مسائلها بمسائل التكبير؛ لأن وقت النية هو التكبير، ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لو تقدمت النية على التكبير بزمان يسير ولم يعرض شاغل عن الصلاة جاز الدخول في الصلاة بتلك النية.
لنا أن التكبير أول أفعال العبادة فيجب مقارنة النية له كالحج وغيره؛ ولهذا لو تقدمت بزمانٍ طويلٍ لم يجز بخلاف الصوم لما في اعتبار المقارنة ثم من عسر مراقبة طلوع الفجر، ولهذا يحتمل فيه المتقدم بالزمان الطويل، ثم في كيفية المقارنة وجهان:
أحدهما: أنه يجب أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان، ويفرغ منها مع الفراغ من التكبير.
وأصحهما: أنه لا يجب ذلك بل لا يجوز لأن التكبير من الصلاة فلا يجوز الإتيان بشيء منه قبل تمام النية، وعلى تقدير التوزيع يكون أول التكبير خاليًا عن تمام النية المعتبرة، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: (ويقترن القصد إلى هذا المعلوم بأول التكبير) ثم اختلفوا على هذا الوجه، فقال قوم منهم أبو منصور بن مهران شيخ الأودني: يجب أن تتقدم النية على التكبير ولو بشيء يسير ليأمن من تأخر أولها عن أول التكبير، واستشهد عليه بالصوم.
وقال الأكثرون: لا يجب ذلك، ولو قدم فالاعتبار للنية المقارنة بخلاف الصوم، فإن المتقدم كان لورود الشرع بالتبييت، ثم سواء قدم، أو لم يقدم فهل يجب استصحاب النية إلى أن يفرغ من التكبير فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن ما بعد أول التكبير في حكم الاستدامة، واستصحاب النية في دوام الصلاة لا يجب.
وأصحهما: نعم؛ لأن النية مشروطة في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلا بتمام التكبير، ألا ترى أنه لو رأى المتيمم الماء قبل تمام التكبير يبطل تيممه، وأما بعد التكبير فلا يشترط استصحاب النية، ولا يضر عزوبها لما في تكليف استصحابها من العسر.
وأما قوله: "بحيث تحضر في العلم صفات الصلاة... " إلى آخره، فهو بيان لحقيقة النية وما تفتقر إليه، وذلك أن النية قصد، والقصد يتعلق بمقصود، ولا بد وأن يكون المقصود معلومًا، فالناوي يحضر في ذهنه أولا ذات الصلاة وما يجب التعرض لها من صفات كالظهرية والعصرية وغيرهما كما سيأتي، ثم يقصد إلى هذا المعلوم ويجعل قصده مقارناً الأول التكبير، ولا يغفل عن تذكره حتى يتم التكبير.
وقوله: (ويبقى مستديماً للقصد والعلم إلى آخر التكبير) ينبغي أن يتنبه فيه لشيئين:
أحدهما: أنه لو لم يتعرض في مثل هذا الموضع للعلم لكان الفرض حاصلاً؛ لأن المستدام هو القصد إلى الصلاة بصفاتها المعتبرة ولا يمكن استدامة هذا القصد إلا باستدامة حصور المقصود في الذهن وهو العلم.
والثاني: أن هذا الكلام بيان لما ينبغي أن يفعله المصلي، ثم هو واجب أو مسنون قد نبه آخر بقوله: (وإن عَزُبت قبل تمام التكبير فوجهان) وإن قلنا يجوز فالاستدامة مسنونة وإلا فواجبة.
قال الغزالي: وَلَوْ طَرَأَ فِي دَوَامِ الصَّلاَةِ مَاَ يُناقِضُ جَزْمَ النِّيَّةِ بَطُلَ، كَمَا لَوْ نَوَى الخُرُوجَ فِي الحَالِ أَوْ فِي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي الخُرُوجِ، وَلَوْ عَلَّقَ نِيَّةَ الخُرُوجِ بِدُخُولِ شَخْصٍ إِنْ دَخَلَ فَفِي البُطْلاَنِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: استدامة النية وإن لم يكن شرطاً في دوام الصلاة، إلا أن الامتناع عما يناقض جزم النية شرط، فإن هذا هين وإن كان الأول عسيراً وهذا كالإيمان لا يشترط فيه استحضار العقد الصحيح على الدوام، ولكن يستدام حكمه ويشترط الامتناع عما يناقضه.
إذا تبين ذلك فنقول: لو نوى الخروج من الصلاة في أثنائها بطلت صلاته، فإن هذه النية تتناقض قصده الأول، ولو تردد في أنه يخرج أو يستمر فلذلك تبطل صلاته، لما بين التردد والجزم من التنافي.
قال إمام الحرمين: والمراد من هذا التردد أن يطرأ له الشك المناقض للجزم واليقين، ولا عبرة بما يجري في الفكر أنه لو تردد في الصلاة 1، كيف يكون الحال فإن ذلك مما يبتلي به الموسوس، وقد يقع له ذلك في الإيمان بالله تعالى أيضاً فلا مبالاة به.
ولو نوى الخروج من صلاته في الركعة الثانية أو علق الخروج بشيء آخر يقع 2 في صلاته لا محالة بطلت صلاته في الحال؛ لأنه قطع موجب النية، فإن موجبها الاستمرار على الصلاة إلى انتهائها وهذا يناقضه، وحكى في "النهاية" عن كلام الشيخ أبي علي: أنه لا تبطل صلاته في الحال.
ولو رفض هذا التردد قبل الانتهاء إلى الغاية المضروبة صحت صلاته فلا بأس بإعلام قوله: (أو في الركعة الثانية) بالواو لهذا الكلام وإن كان غريباً، ولو علق نية الخروج بدخول الشخص ونحوه مما يجوز عروضه في الصلاة وعدمه فهل تبطل صلاته في الحال؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما لو قال: إن دخل فلان تركت الإسلام، فإنه يكفر في
الحال، وكما لو شرع في الصلاة على هذه النية لا تنعقد صلاته بلا خلاف.
والثاني: لا تبطل في الحال فإن ذلك المعلق عليه ربما لا يوجد فتبقى النية على استمرارها، فعلى هذا لو دخل الشخص ووجدت الصفة المعلق عليها فهل تبطل الصلاة حينئذ؟ وجهان عن الشيخ أبي محمد: أنها لا تبطل إذ لو بطلت لبطلت في الحال لقيام التردد، فإذا لم تبطل لم يكن لهذا التردد وقع، وكان وجوده وعدمه بمثابة واحدة، وقطع الأكثرون بأنها تبطل عند وجود الصفة فإنه مقتضى تعليقه.
قال إمام الحرمين: ويظهر على هذا أن يقال: يتبين عند وجود الصفة أن الصلاة بطلت من وقت التعليق لا بوجود الصفة يعلم أن التعليق خالف مقتضى النية المعتبرة في الصلاة، وموضع الوجهين المفرعين على الوجه الثاني ما إذا وجدت الصفة وهو ذاهل عن التعليق المقدم.
أما إذا لم يكن ذاهلاً فلا خلاف في بطلان صلاته؛ وليكن قوله: (ولو طرأ في دوام الصلاة ما يناقض جَزْم النية بطل) معلماً بالحاء؛ لأن عنده لا أثر لنية الخروج لا في الحال ولا في المآل، ولا للتردد في الخروج.
وليس قوله: (ما يناقض جزم النية) مجرى على إطلاقه؛ لأن الغفلة عن جزم النية يناقضه، وهي غير قادحة 1 كما سبق والمراد ما عدا الغفلة.
واعلم أنه لو لم ينو الخروج مطلقاً ولكن نوى الخروج من الصلاة التي شرع فيها وصرفها إلى غيرها كان قصد الخروج المطلق في أن الصلاة المشروع فيها تبطل، ثم ينظر إن صرف فرضاً إلى فرض كما لو شرع في الظهر ثم صرفها إلى العصر لا يصير عصراً، وإن صرف فرضاً إلى سنة راتبة أو بالعكس فكذلك، وفي بقاء صلاته نفلاً في هذه الصورة قولان نذكرهما من بعد:
قال الغزالي: وَلَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَمَضَى مَعَ الشَّكِّ رُكْنٌ لاَ يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلاَةِ كَرُكُوع بَطُلَ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ وَقَصُرَ الزَّمَانُ لَمْ يَبْطُلْ، وَلَوْ طَالَ فَوَجْهَانِ، وَالصَّوْمُ يَبطُلُ بِالتَّرَدُّد فِي الخُرُوج عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَقْدٌ وَتَحْرِيمٌ يُؤَثِّرُ القَصْدُ فيه.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على مسألتين وثانيتهما في نظام الكتاب أولاهما بالتقديم لمضاهاتها المسائل المتقدمة على هذا الفصل فنقدمها، ونقول: لو تردد الصائم في أنه هل يخرج من صومه أم لا أو علق نية الخروج بدخول شخص فقد ذكر المعظم أن صومه لا يبطل، وأشعر كلامهم بنفي الخلاف فيه، وذكر ابن الصباغ في "كتاب الصوم" أن أبا حامد حكى فيه وجهين كما سنذكره في الصورة الآتية، ولو جزم نية الخروج ففيه وجهان:
أحدهما: تبطل كما في الصلاة.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: لا كما في الحج.
والفرق بين الصوم والصلاة أن الصلاة يتعلق تحرمها وتحللها بقصد الشخص واختياره، والصوم بخلافه، فإن النَّاوي ليلاً يصير شارعًا في الصوم بطلوع الفجر وخارجًا منه بغروب الشمس، وإن لم يكن له شعور بهما، وإذا كان كذلك كان تأثر الصلاة بضعف النية فوق تأثر الصوم، ولهذا يجوز تقديم النية على أول الصوم وتأخيرها في الجملة عن أوله، ولا يجوز ذلك في الصلاة، والمعنى فيه أن الصلاة أفعال وأقوال، والصوم ترك وإمساك والأفعال إلى النية أحوج من الترك.
إذا تقرر ذلك فقوله في الكتاب: (وكذا يحرم الخروج) مقطوع عما قبله على ما أشعر به كلام المعظم، ولا جريان للوجهين في سورة التردد، وعلى ما رواه ابن الصباغ: يجوز صرف الوجهين إلى الصورتين، والأول هو قضية إيراده في "الوسيط".
المسألة الأخرى: لو شك في صلاته في أنه هل أتى بالنية المعتبرة في ابتدائها، سواء شك في أصلها أو في بعض شروطها، فينظر: إن أحدث على الشك ركنًا فعليًا كالركوع والسجود بطلت صلاته، وإن أحدث ركنًا قوليًا كالقراءة والتشهد فهل هو كالفعلي حتى تبطل الصلاة بمضيه على الشك أيضاً؟ اختلف الناقلون فيه: فمنهم من قال: لا فرق بأن المأتي به على التردد غير محسوب فلا بد من إعادته والأركان الفعلية إذا زيدت عمداً بطلت الصلاة، ولئن عد معذوراً في الإعادة فهو غير معذور في الإنشاء على الشّك، بل كان من حقه التوقف، وأما الأركان القولية فزيادتها عمداً لا تبطل الصلاة فلا يضر إحداثها على التردد، وهذه الطريقة هي المذكورة في الكتاب فإنه قال: (ومضى مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة) وقصد به الاحتراز عن القراءة والتشهد ومد الطمأنينة، وهذا مبني على ظاهر المذهب في أنه لا تبطل الصلاة بتكرير الفاتحة والتشهد عمداً بخلاف تكرير الركوع والسجود.
وفيه وجه منقول عن أبي الوليد النيسابوري وغيره، أن تكرير الفاتحة كتكرار الركوع، فلا فرق على ذلك الوجه، ومنهم من سوى بين الأركان القولية والفعلية وعللوا البطلان بأن المأتي به على الشك إذا لم يكن محسوباً فالاشتغال به تلاعب بالصلاة، فليمتنع مما ليس من الصلاة ولا فائدة فيه، وليتوقف إلى التذكر، وهذه الطريقة أظهر، وبها قال العراقيون ورووها عن نص الشافعي -رضي الله عنه- وليكن قوله: (لا يزاد مثله في الصلاة) معلماً بالواو لأنه مذكور للتقييد، ولا تقييد على هذه الطريقة الأخيرة وإن لم يحدث شيئاً من فروض الصلاة على التردد حتى يذكر النية نظر: إن قصر الزمان لم يضر أيضاً؛ لأنه معذور في عروضه وكثيراً ما يعرض الشك ويزول فيعفى عنه، وإن طال فوجهان:
أحدهما: أنه لا يضر أيضاً؛ لأنه قد أتى بما يليق بالحال حيث لم يحدث على الشك قولاً ولا تقصير منه في عروضه.
وأظهرهما: البطلان لانقطاع نظم الصلاة وندرة مثل هذا الشك، وشبهوا الوجهين بالوجهين فيما إذا أكثر الكلام ناسيًا.
والفرق بين طول الزمان وقصره سيأتي في نظائر المسألة.
قال الغزالي: ثُمَّ كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ أَنْ يَنْوِي الأدَاءَ أَوِ الظُّهْرَ، وَهَلْ يَجِبُ التَعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إلَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ؟ فَوَجْهَانِ، والنِّيَّةُ بِالقَلْبِ لاَ بِاللِّسَانِ، وَأَمَّا النَّوَافِلُ فلاَ بُدَّ مِنْ تَعيِينِ الرَّوَاتِبِ بِالإِضَافَةِ، وَغيْرُ الرَّوَاتِبَ يَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الصَّلاَةِ مُطْلَقَةً.
قال الرافعي: الصلاة قسمان: فرائض ونوافل، أما الفرائض فيتعين فيها قصد أمرين بلا خلاف.
أحدهما: فعل الصلاة لتمتاز عن سائر الأفعال، فلا يكفي إخطار نفس الصلاة بالبال مع الغفلة عن الفعل.
الثاني: تعيين الصلاة المأتي بها من ظهر وعصر وجمعة لتمتاز عن سائر الصلوات، ولا يجزئه نية فريضة الوقت عن نية الظهر والعصر في أصح الوجهين؛ لأنه لو تذكر فائتة غير الظهر في وقت الظهر كان الإتيان بها فيه إتيانًا في الوقت.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا" 1. وليست هذه بظهر، ولا يصح الظهر بنية الجمعة.
وفيه وجه ضعيف، وتصح الجمعة بنية الظهر المقصورة إن قلنا: إنها ظهر مقصورة، وإن قلنا: هي صلاة على حيالها لم تصح، ولا تصح بنية مطلق الظهر على التقديرين، واختلفوا في اعتبار أْمور سوى هذين الأمرين منها التعرض للفريضة في اشتراطه وجهان أداء كانت الفريضة أو قضاء.
أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: لا يشترط؛ لأن الشافعي قال في الصبي يصلي ثم يبلغ في آخر الوقت: يجزئه، ولو كانت نية الفرض مشروطة لما أجزأه ذلك؛ لأنه لم ينو الفرضية.
وأظهرهما عند الأكثرين: وبه قال أبو إسحاق: تشترط بأن الظهر قد يوجد من الصبي وممن صلى منفرداً ثم أعادها في الجماعة ولا يكون فرضاً فوجب التمييز.
ولك أن تقول قولنا: المصلي ينوي الفرضية إما أن يعني بالفرضية في هذا المقام
كونها لازمة على المصلي لعينة، أو كونها من الصلوات اللازمة على أهل الكمال، أو شيئاً آخر.
إن عنينا به شيئاً آخر فلنلخصه أولاً ثم لنبحث عن لزومه، وإن عنينا الأول وجب أن لا ينوي الصبي الفريضة بلا خلاف، ولم يفرق الأئمة بين الصبي والبالغ بل أطلقوا الوجهين، وأيضاً فإنهم قالوا -فيمن صلى منفردآ ثم أدرك جماعة-: الصحيح أنه ينوي الفرض بالثاني، وهو غير لازم عليه.
وإن عنينا الثاني فمن تعرض للظهر والعصر فقد تعرض لإحدى الصلوات اللازمة على أهل الكمال، وكونها ظهراً أخص من كونها صلاة لازمة عليهم، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم؛ ولهذا كان التعرض للصلاة مغنياً عن التعرض للعبادة ونحوها من الأوصاف، وبهذا البحث يضعف ما ذكر في توجيه الوجهين، ومنها الإضافة إلى الله تعالى بأن يقول: لله أو فريضة الله، فيها وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن القاصي: يشترط ليتحقق معنى الإخلاص.
وأصحهما: عند الأكثرين: لا يشترط؛ لأن العبادة لا تكون إلا لله تعالى.
ومنها التعرض لكون المأتي به قضاء أو أداء في اشتراطه وجهان:
أحدهما: يشترط أنه ليمتاز كل واحد منهما عن الآخر، كما يشترط التعرض للظهر والعصر.
والثاني: -وهو الأصح عند الأكثرين- أنه لا يشترط بل يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس؛ لأن القضاء والأداء كل واحد منهما يستعمل بمعنى الآخر قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ 1 أي: أديتم.
ويقال: قضيت الدين وأديته بمعنى، واستشهدوا لهذا الوجه بنص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه لو صلى يوم الغيم بالاجتهاد ثم بان أنه صلى بعد الوقت يحكم بوقوعه عن القضاء مع أنه نوى الأداء، ولك أن تقول القول بأن نية الأداء هل تشترط في الأداء ونية القضاء هل تشترط في القضاء، وفرض الخلاف فيه منقدح، لكن قولنا: هل يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس إما أن يعني به أن يتعرض في الأداء لحقيقته ولكن ما يجري في قلبه أو على لسانه لفظ القضاء، وكذلك في عكسه، أو يعني به أنه يتعرض في الأداء لحقيقة القضاء وفي القضاء لحقيقة الأداء أو شيئاً آخر إن عنينا به شيئاً آخر فلا بد من معرفته، وإن عنينا الأول فلا ينبغي أن يقع النزاع في جوازه؛ لأن الاعتبار في النية بما في الضمائر، ولا
عبرة بالعبارات، وإن عنينا الثاني فلا ينبغي أن يقع نزاع في المنع؛ لأن قصد الأداء مع العلم بخروج الوقت والقضاء مع العلم ببقاء الوقت هزء 1 وعبث، فوجب أن لا ينعقد به الصلاة كما لو نوى الظهر ثلاث ركعات أو خمساً 2.
ومنها التعرض لاستقبال القبلة شرطه بعض أصحابنا، واستبعده الجمهور؛ لأنه إما شرط أو ركن، وليس على النّاوي التعرض لتفاصيل الأركان والشرائط.
ومنها التعرض لعدد الركعات شرطه بعضهم، والصحيح خلافه؛ لأن الظهر إذ لم يكن قصراً لا يكون إلا أربعاً.
القسم الثاني: النوافل وهي ضربان:
أحدهما: النوافل المتعلقة بوقت أو سبب فيشترط فيها أيضاً نية فعل الصلاة والتعيين فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف، وسنة عيد الفطر، والتراويح، والضحى، وغيرها، وفي الرواتب يعين الاضافة فيقول أصلي ركعتي الفجر أو راتبة الظهر أو سنة العشاء.
وفي الرواتب وجه: أن ركعتي الفجر لا بد فيهما منع التعيين بالإضافة وفيما عداهما يكفي نية أصل الصلاة إلحاقاً لركعتي الفجر بالفرائض لتأكدها إلحاقاً لسائر الرواتب بالنوافل المطلقة، وفي الوتر ينوي سنة الوتر ولا يضيفها إلى العشاء فإنها مستقلة بنفسها، وإذا زاد على واحدة ينوي بالجميع الوتر كما ينوي في جميع ركعات التراويح، وحكى القاضى الروياني وجوها أخرى:
أحدها: أنه ينوي بما قبل الواحدة صلاة الليل.
والثاني: ينوي سنة الوتر.
والثالث: مقدمة الوتر، ويشبه أن تكون هذه الوجوه في الأولوية دون الاشتراط، وهل يشترط التعرض للنفلية في هذا الضرب؟ اختلف كلام النافلين فيه وهو قريب من الخلاف في اشتراط التعرض للفرضية في الفرائض والخلاف في التعرض للقضاء والأداء والإضافة إلى الله تعالى يعود هاهنا أيضاً.
الضرب الثاني: النوافل المطلقة فيكفي فيها نية فعل الصلاة؛ لأنها أدنى درجات الصلاة، فإذا قصد الصلاة وجب أن يحصل له، ولم يذكروا هاهنا خلافاً في التعرض للنفلية، ويمكن أن يقال: قضية اشتراط قصد الفرضية لتمتاز الفرائض عن غيرها اشتراط التعرض للنفلية هاهنا بل التعرض لخاصيتها وهي الإطلاق والانفكاك عن الأسباب والأوقات كالتعرض لخاصية الضرب الأول من النوافل، ثم النية في جميع العبارات
معتبرة بالقلب فلا يكفي النطق مع غفلة القلب ولا يضر عدم النطق ولا النطق بخلاف ما في القلب، كما إذا قصد الظهر وسبق لسانه إلى العصر، وحكى صاحب "الإفصاح" وغيره عن بعض أصحابنا أنه لا بد من التلفظ باللسان؛ لأن الشافعي -رضي الله عنه- قال في الحج: ولا يلزمه "إذا أحرم ونوى بقلبه أن يذكره بلسانه، وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق".
قال الجمهور: لم يرد الشافعي -رضي الله عنه- اعتبار التلفظ بالنية، وإنما أراد التكبير، فإن الصلاة تنعقد به، وفي الحج يصير محرماً من غير لفظ وإن عقب النية بقوله إن شاء الله بالقلب أو باللسان فإن قصد التبرك أو وقوع الفعل بمشيئة الله تعالى لم يضره، وإن قصد الشك لم تصح صلاته.
وأعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب فأقول: قوله: (أن ينوي الأداء والظهر) قصد بلفظ الأداء التعرض لشيئين:
أحدهما: أصل الفعل وهذا لا بد منه.
والثاني: الوصف المقابل للقضاء وهو الوقوع في الوقت، وهذا فيه خلاف بين الأصحاب كما سبق ذكره 1، وما ذكره جواب على وجه اشتراط نية الأداء في الأداء فليكن [كلمة (الأداء) معلمة بالواو، وقوله: (والنية بالقلب لا باللسان)] 2 معلم بالواو للوجه الذي حكيناه فيه، وهذه المسألة لا تختص بنية الفرائض ولا بنية النوافل بل تعمهما فلو ذكرها في أول مسائل النية أو آخرها لكان أحسن من ذكرها بين قسم الفرائض والنوافل.
وقوله: (فلا بد من تعيين الرواتب بالإضافة) معلم بالواو أيضاً للوجه المنقول فيهما سوى ركعتي الفجر، ثم أهم 3 الرواتب في الشهور للنوافل التابعة للفرائض وهي التي أرادها بلفظ الرواتب في باب صلاة التطوع لكن لا يمكن حمل اللفظ في هذا الموضع عليها وحدها؛ لأنه قال: وغير الرواتب يكفي فيه نية الصلاة مطلقة، وهذه النية غير كافية في صلاة العيد، وأخواتها مع أنها غير النوافل التابعة للفرائض.
قال الغزالي: وَلَوْ نَوَى الفَرْضَ قَاعِدًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى القِيَامِ لَمْ يَنْعَقِدْ فَرْضُهُ، وَهَل يَنْعَقِدُ نَفْلاً فِيْهِ قَوْلاَنِ، وَكَذا الخِلاَفُ فِي التَّحَرُّم بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكُلُّ حَالَةٍ تُنَافِي الفَرْضِيَّةَ دُونَ النَّفْلِيَّةِ، هَذَا حُكْمُ النَّيَّةِ.
قال الرافعي: الأصل الجامع لهذه المسائل: أن من أتى بما ينافي الفرضية دون النفلية إما في أول صلاته أو في أثنائها وبطل فرضه، فهل تبقى صلاته نافلة أم تبطل مطلقاً؟ فيه قولان، ذكر الأئمة إنهما مأخوذان بالنقل والتخريج من نصوص مختلفة
للشافعي -رضي الله عنه- في صور هذا الأصل فمنها لو دخل في الظهر قبل الزوال لا يصح ظهراً، ونص أنه ينعقد نفلاً، كذلك رواه الصيدلاني وتابعه صاحب "التهذيب".
ولو تحرم بالفرض منفرداً وجاء الإمام وتقدم ليصلي بالناس قال: أحببت أن يسلم عن ركعتين تكونان نافلة له، ويصلي الفرض في الجماعة فقد صحح النفل مع إبطال الفرض، ونص فيما إذا وجد القاعد خفه في أثناء الصلاة فلم يقم أنه تبطل الصلاة رأساً.
ولو قلب فرضه نفلاً بلا سبب يدعو إليه فقد حكى ابن كج في نصه أن صلاته تبطل، فجعل الأئمة في هذه الصور وأخواتها كلها قولين:
أحدهما: أن صلاته لا تبطل بالكلية وتكون نفلاً؛ لأن الاختلال إنما وقع في شرط الفرض لا في شرط الصلاة بمطلقها، وقد نوى صلاة بصفة الفرضية، فإن بطلت الصفة بقي فرض الصلاة وهذا القصد مصروف إلى النافلة.
والثاني: أنها تبطل؛ لأن المنوي هو الفرض والنفل غير منوي فإذا لم يحصل المنوي فلأن لا يحصل غير المنوي كان أولى.
وهذان القولان كالقولين فيما إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج هل ينعقد عمرة أم لا؟ ولتوجيههما شبه بتوجيه القولين فيما إذا قال لفلان: عليّ ألف من ثمن الخمر هل يلغو جميع كلامه أم تلغو الإضافة ويلزمه، الألف.
ومن صور هذا الأصل ما إذا نوى الفرض قاعداً وهو قادر على القيام، والمسبوق إذا وجد الإمام في الركوع فيبادر إلى الركوع وأتى ببعض تكبيرة الإحرام بعد مجاوزة حد القيام فلا يصح الفرض فيهما، وهل يكون نفلاً؟ فيه القولان، وأما الأصح من القولين فقد ذكر الأصحاب أنه مختلف اختلاف الصور، ففي إذا تحرم الظهر قبل الزوال إن كان عالماً بحقيقة الحال فالأصح البطلان؛ لأنه متلاعب بصلاته، وإن كان يظن دخول الوقت بالاجتهاد فتبين خلافه فالأصح أنها تكون نفلاً؛ لأنه نوى التقرب إلى الله تعالى وبنى قصد الفرض على اجتهاد، فإذا ظهر الخطأ حسن أن لا يضيع سعيه، وفيما إذا تحرم بالفرض منفرداً، ثم أقيمت الجماعة فانفرد بركعتين وسلم، الأصح أن صلاته تبقى نفلاً؛ لأنه قصد النفل بعد الإعراض عن الفرض، وإنما فعل ذلك لأمر محبوب وهو استئناف الصلاة بالجماعة، وفيما إذا وجد القاعد خفة فلم يقم أو قلب فرضه إلى النفل لا لسبب وعذر الأظهر البطلان؛ لأن الخروج عن الفرض بغير عذر وإبطاله مما لا يجوز، وفيما إذا نوى الفرض قاعدًا وهو قادر على القيام الأظهر البطلان أيضاً؛ لتلاعبه بالصلاة، وأما مسألة السبوق فإن كان عالمًا بأنه لا يجوز إيقاع التكبيرة فيما بعد مجاوزة حد القيام فالأظهر البطلان، وإن كان جاهلاً فالأظهر أنها تنعقد نفلاً كما ذكرنا في التحرم بالظهر قبل الزوال.
قال الغزالي: أَمَّا حُكْمُ التَّكْبِيرِ فَتَتعَيَّنُ كَلِمَتُهُ عَلَى القَادِرِ، فلاَ تُجْزِئُ (ح) تَرْجَمَتُهُ، وَلَوْ قَالَ: اللهُ الأكْبَرُ فَلاَ بَأْسَ، لِأَنَّهُ لَم يغَيِّرِ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ: اللهُ الجَلِيلُ أكْبَرُ فَوَجْهَاِنِ لِتَغيُّر النَّظْم، وَلَو قَالَ: الأكْبَرُ اللهُ نَصَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَنَصَّ فِي قَوْلهِ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ أنَّهُ بَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمِّى تَسْلِيماً وَذلِكَ لاَ يُسَمَّى تَكْبِيرًا، وَقِيْلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" 1. والكلام في التكبير في القادر والعاجز.
أما القادر فيتعين عليه كلمة التكبير 2 فلا يجوز له العدول إلى ذكر آخر وإن قرب منها كقوله: "الرحمن أجل"، و"الرب أعظم" بل لا يجزئه قوله: الرحمن أو الرحيم أكبر أيضاً، ولا يجزئه ترجمة التكبير بلسان آخر.
وخالفنا أبو حنيفة في الفصلين جميعاً فحكم بإجزاء الترجمة وإجزاء التسبيح والتهليل وسائر الأذكار والأدعية إلا أن يذكر اسماً على سبيل النداء كقوله: يا الله أو يقول: اللهم اغفر لي ونحوه من الأدعية.
لنا أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَبْتَدِئُ الصَّلاَةَ بِقَوْلِهِ: اللهُ أَكْبَرُ" 3 هكذا روته عائشة -رضي الله عنها- وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 4.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مواضِعَهُ ويسْتَقبِلَ الْقِبْلَةَ فَيَقُولُ: اللهُ أَكبَرُ" 5، وحكى القاضي ابن كج وجهًا لأصحابنا أنه تنعقد الصلاة بقوله الرحمن أكبر والرحيم أكبر كأنه 6 اعتبر لفظ الكبرياء على ذلك، ولم يعتبر اسماً من أسماء الله تعالى يعني بخصوصه.
ولو قال: الله الأكبر أجزأه؛ لأن زيادة الألف واللام لا تبطل لفظة التكبير ولا المعنى بل قول القائل: الله الأكبر يشتمل على ما يشتمل عليه قول، الله أكبر مع زيادة مبالغة في التعظيم للإشعار بالاختصاص، والزيادة التي لا تغير النظم ولا المعنى لا تقدح كزيادة المد حيث يحتمله، وكقوله: الله أكبر من كل شيء أو أكبر، أو أجل وأعظم.
وقال مالك وأحمد: لا يجزئه قول: الله الأكبر لظاهر الخبر السابق، وحكى قول عن "القديم" مثل مذهبهما، وممن حكاه القاضي أبو الطيب الطبري، ذكر، أن أبا محمد الكرابيسي نقل عن الأستاذ أبي الوليد روايته فليكن قوله: (فلا بأس) مرقومًا بالميم والألف والقاف، ولو قال: الله الجليل أكبر ففي انعقاد الصلاة به وجهان:
أظهرهما: الانعقاد؛ لأن هذه الزيادة لا تبطل اسم التكبير ومعناه فأشبهت الزيادة في قوله: الله الأكبر.
والثاني: المنع لتغير النظم بها بخلاف قوله: الله الأكبر فإن الزائد ثم غير مستقل ولا مفيد، ويجري هذا الخلاف فيما إذا أدخل بين كلمتي التكبير شيئاً آخر من نعوت الله تعالى، بشرط أن يكون قليلاً كقوله: الله عز وجل أكبر وما أشبهه ذلك، فأما إذا كثر الداخل بينهما كقوله: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس أكبر فلا يجزئه؛ لأن هذه الزيادة تخرج المأتي به عن أن يسمى تكبيراً في اللغة ولهذا السبب لا يجوز أن يقف بين كلمتيه وقفة متفاحشة، ولو عكس فقال: الأكبر الله فظاهر كلامه في "الأم" و"المختصر" أنه لا يجوز، ونص في "الأم" على أنه لو قال في آخر الصلاة عليكم السّلام يجزئه، وإن كان مكروهًا فاختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: تقرير النصين.
والفرق أنه مأمور بالتكبير، وقول القائل الأكبر الله يسمى تكبيراً وعند السلام هو مأمور بالتسليم وقوله: عليكم السّلام، يسمى تسليمًا، ولأصحاب الطريق الثاني أن ينازعوا في تحقيق هذا الفرق فيقولوا: ذاك يسمى تكبيرًا إن كان هذا يسمى تسليمًا.
والثاني: أن المسألتين على القولين نقلاً وتخريجًا.
أحدهما: الجواز؛ لأن المعنى واحد قدم أو أخر فصار كما لو ترك الترتيب في التشهد.
وأظهرهما: المنع؛ لما سبق من الظواهر، ويتأيد بترك الترتيب في الفاتحة، وأصحابنا العراقيون حكوا في عكس التكبير وجهين بدل القولين بالنقل والتخريج وهما متقاربان، والخلاف في قوله: الأكبر الله يجري في قوله أكبر الله أيضاً، وقيل: لا يجزئ أكبر الله بلا خلاف، ويجب على المصلي أن يحترز في لفظ التكبير عن زيادة تغير المعنى
بأن يقول الله أكبر؟ فينقلب الكلام استفهاماً أو يقول: الله أكبار فالأكبار جمع كبر وهو الطبل، ولو زاد واواً بين الكلمتين إما سكانة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزئه أيضاً، ويجب أن يكبر بحيث يسمع نفسه، ويجب أن يكبر قائماً حيث يلزمه القيام.
قال الغزالي: أَمَّا العَاجِزُ فَيَلْزَمُهُ تَرْجَمَتُهُ وَلاَ يُجْزِئُهُ ذِكْرٌ آخَرُ لاَ يؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَالبَدَوِيُّ يَلْزَمُة قَصْدُ البَلْدَةِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّكْبِيرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَكْفِيهِ التَّرْجَمَةُ بَدَلاً بِخِلاَف التَّيَمُّمِ.
قال الرافعي: العاجز عن جميع كلمة التكبير أو بعضها له حالتان:
إحداهما: أنه لا يمكنه كسب القدرة عليها، فإن كان لخرس ونحوه حرك لسانه أو شفتيه ولهاته بالتكبير بحسب ما يمكنه، وإن كان ناطقاً لكن لم يطاوعه لسانه على هذه الكلمة فيأتي بترجمتها؛ لأنه ركن عجز عنه فلا بد له من بدل، وترجمته أولى ما يجعل بدلاً عنه لأدائها معناها، ولا يعدل إلى سائر الأذكار بخلاف ما لو عجز عن الفاتحة لا يعدل إلى الترجمة، [لأن القرآن معجز، وسائر السور تشتمل أيضاً على النظم المعجز 1]، وينبغي 2 أن يعلم قوله: (ولا يجزئه ذكر آخر) بالحاء؛ لأن أبا حنيفة يجوز سائر الأذكار في حال القدرة ففي حال العجز أولى وإنما قال: لا يؤدي معناه؛ لأنه لو أدى معناه كان كالترجمة بلغة أخرى وترجمة التكبير بالفارسية "خداي بزر كتر" ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي الروياني، فلو قال: "خداي بزرك" وترك صيغة التفضيل لم يجز كقوله: الله الكبير.
وجميع اللغات في الترجمة سواء فيتخير بينهما.
وقيل: السريانية والعبرانية قد أنزل الله بهما كتاباً فإن أحسنهما لم يعدل عنهما، والفارسية بعدهما أولى من التركية والهندية.
والحالة الثانية: أن يمكنه كسب القدرة عليها إما بالتعلم من إنسان أو مراجعة موضع كتبت هذه الصيغة عليه فيلزمه ذلك، فلو كان بدوياً لا يجد في موضعه من يعلمه الكلمة فهل يلزمه المسير إلى بلدة أو قرية لتعلمها فيه وجهان:
أحدهما: لا بل له الاقتصار على الترجمة بدلاً كما لا يلزمه الانتقال ليتطهر بالماء ويجزئه التيمم بدلاً.
وأصحهما: نعم، لأنه قادر على السير والتعلم إذا تعلم عاد إلى موضعه، وانتفع بالكلمة طول عمره بخلاف التّيمم فإن استصحاب الماء للمستقبل لا يمكن، ومفارقة الموضع بالكلية قد يشق عليه، ويدل على الفرق بين الفصلين أن العادم في أول الوقت
يجوز له أن يتيمم ولا يلزمه التأخير ليصلي بالوضوء كما سبق، والجاهل بالكلمة لا يجوز له الاقتصار على الترجمة في أول الوقت إذا أمكنه التعلم والإتيان بها في آخر الوقت.
فإن قلت: وهل على العاجز قضاء الصلوات التي أتى بها بتكبير؟ فالجواب أما في الحالة الأولى فلا، لأن العبادة المختلة إذا قضيت فإنما تقضي بعد ارتفاع الخلل، وثم لا يتوقع ارتفاعه.
وأما في الحالة الثانية فإن ضاق الوقت أو كان بليدًا لا يمكنه التعلم إلا في يوم فصاعداً، لم يلزمه قضاء الصلوات المؤداة بالترجمة في الحال؛ لأنه معذور ولا تقصير منه.
ولو أخر التعلم مع القدرة فإذا ضاق وقت الصلاة فلا بد من أن يصلي بالترجمة لحرمة الوقت، وهاهنا يلزمه القضاء لتفريطه بالتأخير.
وفيه وجه آخر ضعيف.
قال الغزالي: وَسُنَنُ التَّكْبِيرِ ثَلاَثٌ: أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ إلَى حَذوِ المَنْكِبَيْنِ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى أَنْ تُحَاذِيَ رُءُوسُ الأَصَابِعِ أُذُنَيهِ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى أَن تُحَاذِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أُذُنَيهِ، وَإبْهَامُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، وَكَفَّاهُ مَنْكبَيْهِ فِي قَوْلٍ، ثُمَّ قِيلَ: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ عِنْدَ إِرْسَالِ اليَدِ، وَقِيلَ: يَبْتَدِيءُ الرَّفْعَ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَقِيلَ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ قَارَّتَانِ بَعْدَ الرَّفْعِ وَقَبْلَ الإِرْسَالِ، ثُمَّ إذَا أَرْسَلَ يَدَيْهِ وَضَعَ اليُمْنَى عَلَى كُوعِ (ح) اليُسْرَى تَحْتَ صَدْرِهِ.
قال الرافعي: لما فرغ من ذكر ما يجب رعايته في التكبير عدل إلى بيان السنن وذكر منها ثلاثاً:
أحدها: رفع اليدين عند التكبير، وقد حكي في بعض نسخ الكتاب في قدر الرفع ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يرفع يديه إلى حذو المنكبين.
والثاني: أن يرفعهما إلى أن تحاذي رؤُوس أصابِعِهِ أذنَيهِ.
والثالث: إلى أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهامه شحمتي أذنيه، وكفاه منكبيه، وليس في بعض النسخ إلا ذكر القول الأول والثاني، ويمكن أن يحتج للقول الأول بما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ" 1 وللقول الثاني، بما روي عن وائل بن حجر أنه -صلى الله عليه وسلم- "لَمْا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ" 2 وللثالث لاستعمال هذين الخبرين، ولما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "رَفَعَ يَدَيْه إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ" 3 واعرف في ما نقله شيئين:
أحدهما: أن المراد من القول الأول وهو الرفع إلى حذو المنكبين أن لا يجاوز بأصابعه منكبيه، هذا قد صرح به إمام الحرمين.
وقوله في حكاية القول الثاني: وإلى أن تحاذي برءوس أصابعه أذنيه كأنه يريد شحمة الأذنين وأسافلهما، وإلا فلو حاذت برءوس أصابعه أعلى الأذنين حصلت الهيئة المذكورة في القول الثالث وارتفع الفرق.
والثاني: أنه كالمنفرد بنقل الأقوال الثلاثة في المسألة أو بنقل القولين؛ لأن معظم الأصحاب لم ينقلوا فيه اختلاف قول بل اقتصر بعضهم على ما ذكره في المختصر أنه يرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه، واقتصر آخرون على الكيفية المذكورة في القول الثالث، وبعضهم جعلها تفسيراً لكلامه في "المختصر" وللشافعي -رضي الله عنه- فيها حكاية مشهورة مع أبي ثور 1 والكرابيسي 2، حين قدم بغداد، ولم أر حكاية الخلاف في المسألة إلاَّ للقاضي ابن كج وإمام الحرمين لكنهما لم يذكرا إلا القول الأول والثالث، فظهر تفرده بما نقل من القولين أو الثلاثة وكلامه في "الوسيط" لا يصرح بهذا جميعاً، وكيف ما كان فظاهر المذهب الكيفية المذكورة في القول الثالث.
وأما أبو حنيفة فالذي رواه الطحاوي والكرخي: 3 أنه يرفع يديه حذو أذنيه.
وقال القدوري: يرفع بحيث يحاذي إبهامه شحمة أذنيه، وهذا يخالف القول الأول وذكر بعض أصحابنا منهم صاحب "التهذيب": أن مذهبه رفع اليدين بحيث تحاذي الكفان الأذنين، وهذا بخلاف القول الثالث، ذلك أن تعلمهما معاً بالحاء للروايتين، ولو كان المصلي مقطوع اليدين أو إحداهما من المعصم رفع السَّاعد، وإن كان القطع من المرفق رفع عظم العضد في أصح الوجهين تشبيهاً بالرافعين، ولو لم يقدر على رفعهما أو رفع أحداهما القدر المسنون، بل كان إذا رفع زاد أو نقص أتى بالممكن، فإن قدر عليهما جميعاً فالزيادة أولى:
الثانية: في وقت الرفع وجوه.
أحدها: أنه يرفع غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء الإرسال، وينهيه مع انتهائه: "رُوِيَ ذلِكَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- 1 ".
وثانيها: أن يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ويروى ذلك عن وائل بن حُجْرٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 2.
وثالثهما: أن يرفع ثم يكبر ويداه قارَّتان ثم يرسلهما فيكون التكبير بين الرفع والإرسال، ويروى ذلك عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 3؛ وذكر في "التهذيب" أن هذا أصح لكن الأكثرين على ترجيح الوجه الثاني المنسوب إلى رواية وائل وهو أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير واختلفوا على هذا في انتهائه، فمنهم من قال: يجعل انتهاء الرفع والتكبير معاً كما جعل ابتداؤهما معاً، ومنهم من قال: يجعل انتهاء التكبير والإرسال معاً وقال الأكثرون: الاستحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس أتم الباقي، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع، ولو ترك رفع اليدين حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي، وإن أتمه لم يرفع بعد ذلك.
الثالثة: يسن بعد التكبير وحط اليدين من رفعهما أن يضع اليمنى على اليسرى، خلافاً لمالك في إحدى الروايتين عنه حيث قال: يرسلهما.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينُ، تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ اليُمْنَى عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلاَةِ" 4. ثم المستحب أن يأخذ بيمينه على
شماله بأن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض الرسغ والساعد، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى من غير أخذ كذلك رواه أصحابنا.
لَنَا مَا رُوِيَ عَنْ وَائِل أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-: "كَبَّرَ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ" 1.
ويروى عنه: "ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ والسَّاعِدِ" 2.
ويتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد، ذكره القفال؛ لأن القبض باليمنى على اليسرى حاصل في الحالتين ثم يضع يده كما ذكرنا تحت صدره وفوق سرته خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجعلهما تحت سرته، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، ويحكي عن أبي إسحاق المروزي من أصحابنا.
لنا: ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه فسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 3 بوضع اليمين على الشمال تحت النحر.
ويروى: أن جبريل عليه السلام كذلك فسره للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (وضع اليمنى) بالميم وقوله: (على كوع اليسرى) بالحاء؛ لأنه يقول: يضع على ظهر كفه اليسرى دون الكوع.
وقوله: (تحت صدره) بالحاء والألف والواو، ولك أن تبحث عن لفظ الإرسال الذي أطلقه في هذه السنة والتي قبلها وتقول: كيف يفعل المصلي بعد رفع اليدين عند التكبير أيد لي يديه كما يفعله الشيعة في دوام القيام ثم يضمها إلى الصدر أم يحطها ويضمها إلى الصدر من غير أن يدليهما.
والجواب: أن المصنف ذكر في "الإحياء" أنه لا ينفض يديه يميناً وشمالاً إذا فرغ من التكبير، لكن يرسلهما إرسالاً خفيفاً رفيقاً ثم يستأنف وضع اليمين على الشمال.
قال: وفي بعض الأخبار أنه كان يرسل يديه إذا كبر فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى فهذا ظاهر في أنه يدلي ثم يضمها إلى الصدر.
قال: صاحب "التهذيب" وغيره: المصلي بعد الفراغ من التكبير يجمع بين يديه، وهذا يشعر بالاحتمال الثاني، ونختم الفصل بكلامين:
أحدهما: أن لمضايق أن ينازع في عد هذا المندوب الثالث من سنن التكبير، ويقول: إنه واقع بعد التكبير مقارن لحال القيام، فكان عده من سنن القيام أولى، وكذلك فعل أبو سعد المتولي.
والثاني: أن ظاهر قوله: (وسنن التكبير ثلاث) حصر سننه فيها، وله مندوبات أخر.
منها: أن يكشف يديه عند الرفع للتكبير.
وأن يفرق بين أصابعه تفريقاً وسطاً.
وأن لا يقصر التكبير بحيث لا يفهم ولا يمططه، وهو أن يبالغ في مده بل يأتي به مبيناً، والأولى فيه الحذف لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "التَّكْبِيرُ جَزْم وَالتَّسْلِيمُ جَزْمٌ" 1؛ أي: لا يمد.
فيه وجه: أنه يستحب فيه المد، والأول هو ظاهر المذهب بخلاف تكبيرات الانتقالات، فإنه لو حذفها على باقي انتقاله عن الذكر إلى أن يصل إلى الركن الثاني، وهاهنا الأذكار مشروعة على الاتصال بالتكبير.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي، القِيَامُ وَحَدُّهُ الانْتِصَابُ مَعَ الإقْلاَلِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإقْلاَلِ انْتَصَبَ مُتَّكِئاً، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الانْتِصَابِ قَامَ مُنْحَنِيًا، فإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلاَّ عَلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ قَعَدَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ القِيَامِ قَامَ (ح) وَأَوْمَأَ بِهِمَا.
قال الرافعي: القيام بعينه ليس ركنًا في مطلق الصلاة بخلاف التكبير والقراءة؛ لأن القعود في النقل جائز مع القدرة عى القيام فإذًا الركن هو القيام أو ما يقوم مقامه فيحسن أن لا يعد القيام بعينه ركناً بل يقال: الركن هو القيام أو ما في معناه.
وإذا عرفت ذلك فنقول: اعتبر في حد القيام أمرين: الانتصاب والإقلال؛ أما الإقلال: فالمراد منه أن يكون مستقلاً غير مستند ولا متكئ على جدار وغيره، وهذا الوصف قد اعتبره إمام الحرمين، وأبطل صلاة من اتكأ في صلاته من غير حاجة وضرورة، وإن كان منتصباً وتابعه المصنف عليه، وحكى صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لو استند في قيامه إلى جدار أو إنسان صحت صلاته مع الكراهة.
قالوا: ولا فرق بين أن يكون استناده بحيث لو رفع السناد لسقط [وبين ألئلا يكون كذلك مهما كان منتصباً.
وفي بعض "التعاليق": أنه إن كان بحيث لو رفع السناد] 2
لسقط لم تجزه صلاته فيحصل من مجموع ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لا يجوز الاتكاء عند القدرة بحال.
والثاني: الجواز ولعله أظهر؛ لأن المأمور به القيام ومن انتصب متكئاً فهو قائم.
والثالث: الفرق بين الحالتين، وهذا الكلام في الاتكاء الذي لا يسلب اسم القيام، أما لو اتكأ بحيث لو رفع قدميه عن الأرض لأمكنه فهذا معلق نفسه بشيء، وليس بقائم، ولو لم يقدر على الإقلال انتصب متكئاً فإن الانتصاب ميسور له إن كان الإقلال معسوراً، والميسور لا يسقط بالمعسور، وحكى في "التهذيب": وجهاً آخر، أنه لا يلزمه 1 القيام والحالة هذه بل له أن يصلي قاعدًا فليكن قوله: (انتصب متكئاً) مرقومًا بالواو لهذا الوجه، أما الانتصاب فلا يخل به إطراق الرأس وإنما يعتبر نصب الفقار، فليس للقادر عليه أن يقف مائلاً إلى اليمين أو اليسار زائلاً عن سنن القيام، ولا أن يقف منحنياً في حد الراكعين؛ لأنه مأمور بالقيام، ويصدق أن يقال؛ هذا راكع لا قائم، وإن لم يبلغ انحناؤه حد الركوع لكن كان أقرب إليه منه إلى الانتصاب فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز أيضاً هذا عند القدرة على الانتصاب، فأما إذا لم يقدر عليه بل تقوس ظهره لكبر أو زَمَانَة وصار في حد الراكعين، فقد قال في الكتاب: إنه يقعد؛ لأن حد الركوع يفارق حد القيام، فلا يتأدى هذا بذاك، وذكر إمام الحرمين مثل ما ذكره استنباطاً عن كلام الأئمة فقال: الذي دل عليه كلامهم أنه يقعد ولا يجزئه غيره، لكن الذي ذكره العراقيون من أصحابنا وتابعهم صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه لا يجوز له القعود، بل يجب عليه أن يقوم، فإذا أراد أن يركع زاد في الانحناء إن قدر عليه ليفارق الركوع القيام في الصورة، وهذا هو المذهب، فإن الواقف راكعًا أقرب إلى القيام من القعود فلا ينزل عن الدرجة القربى إلى البعدى، وقد حكى القاضي ابن كج: ذلك عن نص الشافعي -رضي الله عنه- 2 فيجب إعلام قوله: (قعد) بالواو، ومعرفة ما فيه ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام [لعلة بظهره تمنعه من الانحناء لزمه القيام خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أنه مستطيع للقيام] 3 فيلزمه لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: لعمران بن الحصين: "صَلِّ قَائِماً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" 4، ولأنه عجز
عن ركن فلا يسقط عنه غيره كما لو عجز عن القيام لا تسقط عنه القراءة، ثم إذا انتهى إلى الركوع والسجود يأتي بهما على حسب الطاقة فيحني صلبه بقدر الإمكان فإن لم يطق حنى رقبته ورأسه فإن احتاج فيه إلى الاعتماد على شيء أو إلى أن يميل على جنبه لزمه ذلك، فإن لم يطق الانحناء أصلاً أومأ بهما.
قال الغزالي: وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَام قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، لَكِنَّ الإِقْعَاءَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى وِرْكَيهِ وَينْصِبَ رُكْبَتَيْهِ، وَالافْتِرَاشُ أَفْضَلُ فِي قَوْلٍ، وَالتَّرَبُّعُ فِي قَوْلٍ، وَقِيلَ: يَنْصِبُ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى كَالقَارِئِ يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَي المُقْرِئِ لِيُفَارِقَ جِلْسَةَ التَّشَهُّدِ.
قال الرافعي: إذا عجز عن القيام في صلاة الفرض عدل إلى القعود لما سبق في خبر عمران، ولا ينتقص ثوابه لمكان العذر، ولا يعني بالعجز عدم التأتي فحسب بل خوف الهلاك، وزيادة المرض، ولحوق المشقة الشديدة في معناه، ومن ذلك خوف الغرق، ودوران الرأس في حق راكب السفينة.
ولو جلس الغازون في مكمن فأدركتهم الصلاة، ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير فلهم أن يصلوا قعودًا لكن يلزمهم القضاء فإن هذا سبب نادر، وإذا قعد المعذور فلا يتعين للقعود هيئة بل يجزئه جميع هيئات القعود لإطلاق الخبر الذي تقدم لكن يكره الإقعاء، هذا في القعود وفي جميع قعدات الصلاة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى أَنْ يُقْعِيَ الرَّجُلُ فِي صَلاَتِهِ" 1 ويروى أنه قال: "لاَ تُقْعُوا إِقْعَاءَ الْكِلاَبِ" 2 واختلفوا في تفسيره على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الإقعاء أن يفترش رجليه ويضع أليتيه على عقبيه.
والثاني: أن يجعل يديه على الأرض ويقعد على أطراف أصابعه.
والثالث: وهو الذي ذكره في الكتاب أن الإقعاء: هو الجلوس على الوركين ونصب الفخذين والركبتين، وهذا أظهر؛ لأن الكلب هكذا يقعد، وبهذا فسره أبو عبيد لكن زاد فيه شيء آخر وهو وضع اليدين على الأرض، وما الأولى من هيئات القعود فيه قولان.
ووجهان أحد القولين: أن يقعد متربعاً لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا صَلَّى جَالِساً
تَرَبَّعَ" 1. ويروى هذا عن مالك وأحمد وأبي حنيفة ثم يركع متربعًا أو مفترشاً إذا أراد الركوع عن أبي حنيفة وأصحابه فيه اختلاف رواية.
وأصحهما: أنه يقعد مفترشاً؛ لأنه قعود لا يعقبه سلام فأشبه التشهد الأولى، وسيأتي معنى الافتراش في موضعه وتأويل الخبر: أنه ربما لم يمكنه الجلوس على هيئة الافتراش أو أراد تعليم الجواز وإلا فالتربع ضرب من التنعم لا يليق بحال العبادة، ويجري القولان فيما إذا قعد في النافلة.
وأما الوجهان:
فأحدهما: وقد ذكره في الكتاب: أنه ينصب ركبته اليمنى ويجلس على رجله اليسرى كالقارئ يجلس بين يدي المقرئ ولا يتربع لما ذكرنا، ولا يفترش لتفاوت هيئة الجلوس هاهنا هيئة الجلوس في التشهد، وهذا يحكى عن القاضي الحسين.
والوجه الثاني: حكى في "النهاية" أن بعض المصنفين ذكر أنه يتورك في هذا القعود، ويمكن أن يوجه هذا بأن مدة القيام طويلة وهذا القعود بدل عنه فاللائق به التورك كما في آخر الصلاة، وأما الافتراش فإنه يؤمر به عند الاستيفاز.
وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن تفسير الإقعاء من لفظ الكتاب ينبغي أن يعلم بالواو، وقوله: (الافتراش أفضل) بالميم والألف والحاء، وكذلك ينصب ركبتيه اليمنى وقوله: "ليفارق جلسة التشهد" بعض التوجيه معناه لا يفترش لهذا المعنى ولا يتربع؛ لأنه هيئة تنعم، وأما هذه فهي لائقة بالتعظيم.
قال الغزالي: ثُمَّ إِنْ قَدَرَ القَاعِدُ عَلَى الإرْتفَاعِ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الرُّكُوعِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِر فَيَرْكَعُ قَاعِدًا إِلَى حَدٍّ تَكُونُ النِّسْبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّجُودِ كَالنِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ القِيَامِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ وَضْعِ الجَبْهَةِ انْحَنَى لِلسُّجُودِ، وَلْيَكُنِ السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنْهُ لِلْرُّكُوعِ.
قال الرافعي: حكم المصنف بأن القاعد لو قدر على الارتفاع عند الركوع إلى حد الراكعين عن القيام لزمه ذلك، ذكره إمام الحرمين، ووجهه، بأن الركوع مقدور عليه فلا يسقط بالمعجوز عنه، وهذا الكلام تفرع منهما على أن من بلغ انحناؤه حد الركوع يقعد، فأما إذا فرعنا على أنه يقف كذلك وهو الأظهر على ما تقدم، فلا تجئ هذه المسألة إلا أن يفرض لحوق ضرر في الوقوف قدر القيام دون الوقوف قدر الركوع، فحينئذ يقعد لخوف الضرر لا بسبب الانحناء، ويرتفع عند الركوع وأما من لا يقدر على الارتفاع، فنتكلم في
ركوعه قاعداً ثم في سجوده، فأما في ركوعه فقد ذكر الأئمة فيه عبارتين:
إحداهما: أنه يعني حتى يصير بالإضافة إلى القاعد المنتصب كالرافع قائماً بالإضافة إلى القائم المنتصب فيعرف النسبة بين حالة الانتصاب وبين الركوع قائماً، ويقدر كان المائل من شخصه عند القعود هو قدر قامته فينحنى بمثل تلك النسبة.
والثانية -وهي المذكورة في الكتاب-: أنه ينحني إلى حد تكون النسبة بينه وبين السجود كالنسبة بينهما في حال القيام ومعناه أن أكمل الركوع عند القيام أن ينحني بحيث يستوي ظهره ورقبته ويمدهما، وحينئذ يحاذي جبهته موضع سجوده، وأقله: أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، وحينئذ يقابل وجهه أو بعض وجهه ما وراء ركبته من الأرض، ويبقى بين الموضع المقابل وبين موضع السجود مسافة، فيراعى هذه النسبة في حال القعود، فأقل ركوع القاعد أن ينحني قدر ما يحاذي وجهه وراء ركبته من الأرض، والأكمل أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده ولا يخفى أنه لا منافاة بين العبارتين، وكل واحدة منهما مؤدية للغرض.
وأما السجود: فلا فرق فيه بينه وبين القادر على القيام، هذا إذا قدر القاعد على الركوع والسجود، فإن عجز لعلة بظهره أو غيرها أتى بالقدر الممكن من الانحناء.
ولو قدر على الركوع وعجز عن وضع الجبهة على الأرض للسجود فقد قال في الكتاب: إنه ينحني للسجود أخفض منه للركوع، ويجب هاهنا معرفة شيئين:
أحدهما: أن هذا الكلام غير مجرى على إطلاقه، ولكن للمسألة ثلاث صور أوردها صاحب "النهاية":
احداها: أن يقدر على الانحناء إلى حد أقل الركوع، أعني ركوع القاعدين، ولا يقدر على الزيادة عليه، فلا يجوز تقسيم المقدور عليه من الانحناء إلى الركوع والسجود بأن يصرف بعضه إلى الركوع وتمامه إلى السجود حتى يكون الانحناء للسجود أخفض، وذلك لأنه يتضمن ترك الركوع مع القدرة عليه، بل يأتي بالمقدور عليه مرة للركوع ومرة للسجود وإن استويا.
الثانية: أن يقدر على أكمل ركوع القاعدين من غير زيادة فله أن يأتي به مرتين، ولا يلزمه الاقتصار للركوع على حد الأقل حتى يظهر التفاوت بينه وبين السجود، فإن المنع من إتمام الركوع في حالة الركوع بعيد.
الثالثة: أن يقدر على أكمل الركوع وزيادة، فيجب هاهنا أن يقتصر على حد الكمال للركوع ويأتي بالزيادة للسجود؛ لأن الفرق بين الركوع والسجود واجب عند الإمكان وهو ممكن هاهنا.
قال إمام الحرمين: وليس هذا عرياً عن احتمال فليتأمل.
إذا عرفت ذلك تبين أنه لا يجب أن يكون الانحناء للسجود أخفض منه للركوع في الصورة الأولى ولا الثانية بل لو وجب إيماء وجب في الصورة الثالثة.
والثاني: أن ظاهر كلامه يقتضي الاكتفاء بجعله الانحناء للسجود أخفض منه للركوع [لقوله في الراكب المتنفل يومئ للركوع والسجود ويجعل السجود أخفض منه للركوع] 1 فإنه يكفيه ارتفاع التفاوت بينهما على ما تقدم، وليس الأمر على الظاهر هاهنا بل يلزمه مع جعل الانحناء للسجود، أخفض أن يقرب جبهته من الأرض أقصى ما يقدر عليه حتى قال الأصحاب: لو أمكنه أن يسجد على صدغه أو عظم رأسه الذي فوق الجبهة وعلم أنه إذا فعل ذلك كانت جبهته أقرب إلى الأرض يلزمه أن يسجد عليه، فإذا كان الأحسن أن يقول: يجعل السجود أخفض من الركوع ويقرب جبهته من الأرض بقدر الإمكان فيجمع بينهما وكذلك فعله في "الوسيط".
قال الغزالي: فَإِنْ عَجَزَ عَنِ القُعُودِ صَلَّى (ح) عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ (و) مُسْتَقْبِلاً بِمَقَادِيم (ح) بَدَنِهِ إِلَى القِبْلَةِ كالمَوْضُوعِ (و) فِي اللَّحْدِ، فَإِنْ عَجَزَ فَيُومِئُ (ح) بِالطَّرَفِ أَوْ يُجْرِي الأَفْعَالَ عَلَى قَلْبِهِ لِقَوْلهِ عليه السلام إِذَا أَمَرْتُكُم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ 2.
قال الرافعي: ذكرنا أن العجز عن القيام يتحقق بتعذره وفي معناه ما إذا لحقه خوف ومشقة شديدة، وأما العجز عن القعود فهو معتبر به، ولم يفرق الجمهور بينهما.
وقال في "النهاية": لا أكتفي في ترك القعود بما اكتفى به في ترك القيام بل يشترط فيه عدم تصور القعود أو خيفة الهلاك أو المرض الطويل؛ إلحاقًا له بالمرض الذي يعدل بسببه إلى التّيمم.
إذا عرف ذلك فنقول: العاجز عن القعود كيف يصلي؟ فيه وجهان، ومنهم من قال: قولان:
أصحهما: أنه يضطجع على جنبه الأيمن مستقبلاً بوجهه مقدم بدنه القبلة كما يضجع الميت في اللَّحْدِ وبهذا قال أحمد، وهو المذكور في الكتاب، ووجهه قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عمران: "فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" 3 وعلى هذا لو اضطجع على جنبه الأيسر مستقبلاً جاز إلا أنه ترك سنة التيامن.
والثاني: أنه يستلقي على ظهره، ويجعل رجليه إلى القبلة، فإنه إذا رفع وسادته قليلاً كان وجهه إلى القبلة، وإذا أومأ بالركوع والسجود، كان إيماؤه في صوب القبلة، والمضطجع على الجنب إذا أومأ لا يكون إيماؤه في صوب القبلة، وبهذا قال أبو
حنيفة، وهذا الخلاف فيمن قدر على الاضطجاع والاستلقاء، أما إذا لم يقدر إلاَّ على إحدى الهيئتين أتى بها، وذكر إمام الحرمين أن هذا الخلاف ليس راجعًا إلى الأول بخلاف ما سبق من الكلام في هيئة القاعد، وإنما هو خلاف فيما يجب؛ لأن أمر الاستقبال يختلف به، وفي المسألة وجه ثالث ضعيف، أنه يضطجع على جنبه الأيمن وأخمصاه إلى القبلة، وإذا صلى على هذه الهيئة المذكورة؛ فإن قدر على الركوع والسجود أتى بهما، إلا أومأ بهما منحنياً، وقرب جبهته من الأرض بحسب الإمكان، وجعل السجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه، فإن لم يقدر على تحريك الأجفان أجرى أفعال الصلاة على قلبه، وإن اعتقل لسانه، أجرى القرآن والأذكار على قلبه، وما دام عاقلاً لا تسقط عنه الصلاة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال، إذا عجز عن الإيماء بالرأس لا يصلي ولا يومئ بعينه ولا بقلبه، ثم يقضي بعد البرء، ولمالك حيث قال: لا يصلي ولا يقضي.
لنا ما روي عن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِماً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى جَالِسًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ السُّجُودَ أَوْمَأَ، وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوع فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى جَنْبهِ الأَيْمَنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى قَفَاهُ مُسْتَلْقِيًا وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ" 1.
وجه الاستدلال أنه قال: "أوْمَأَ بِطَرَفِهِ"، وفيه: دليل على أن العاجز عن القعود يصلي على جنبه الأيمن، فإن عجز حينئذ يستلقي، واحتج في الكتاب للترتيب المذكور لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ "؛ ولا يتضح الاحتجاج به في هذا المقام، لأن هذا الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور عند العجز عن ذلك المأمور فأنه قال: "فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ" والقعود المعدول إليه عند العجز لا يشتمل عليه القيام المأمور به حتى يكون مستطاعاً من المأمور به، وكذلك الاضطجاع لا يشتمل عليه القعود وإجراء الأفعال على القلب لا تشتمل عليه الأفعال المأمور بها، ألا ترى أنه إذا أتى بالأفعال ولم يحضرها في ذهنه حين ما يأتي بها أجزأته صلاته، فلا تكون هذه المسائل متناولة بالخبر.
ولنعد إلى أمور تتعلق بلفظ الكتاب قوله: (فإن عجز عن القعود صلى على جنبه الأيمن) كلمة (صلى) قد أعلم في النسخ بالخاء؛ لأن المصنف روى في "الوسيط": أن أبا حنيفة -رحمة الله عليه- قال: إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة، لكن هذا النقل لا يكاد يلقى في كتبهم ولا في كتب أصحابنا، وإنما الثابت عن أبي حنيفة إسقاط الصلاة إذا عجز عن الإيماء بالرأس فإذاً موضع العلامة بالحاء.
قوله: (فيومئ بالطرف) وليعلم بالميم أيضاً لما قدمنا حكايته وبالواو أيضاً؛ لأن