صحت صلاته، ولا نظر إلى ما في بطنه من النجاسة؛ لأنها في معدنها الخلقي، فلا يعطى لها حكم النجاسة، كما في جوف المصلي، وما قدمناه من الفرق بين المصلي والمحمول ينقدح هاهنا، لكن روي: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَمَلَ أُمَامَةَ بنْتَ أَبِي الْعَاصِ فِي صَلاتِهِ، وَهِيَ بِنْتُ بنْتِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَيْنَبُ" 1؛ فلذلك قلنا بالصَحة، وهذا إذا كان الحيوان المحمول طاهر المنفذ، فإن لم يكن فهو جزء طاهر تنجس بما يخرج من النجاسة، فهل تصح الصلاة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند المصنف: أنها تصح، ولا مبالاة بذلك القدر اليسير.
والثاني: لا تصح، كما لو كان جزء آخر منه نجساً، وهذا أظهر عند إمام الحرمين، ولم يورد في "التتمة" سواه.
والوجهان جاريان فيما لو وقع هذا الحيوان في ماء قليل، أو مائع آخر، وخرج حيًّا هل يحكم بنجاسته؛ لنجاسة المنفذ؟ لكن الظاهر ثم العفو، لأن الحمل لا تعرض الحاجة إليه إلا على سبيل الندور، وصيانة الماء وسائر المائعات عنها مما يشق، وأيضاً فإن الطيور لم تزل تَغُوص في المياه الكثيرة والقليلة، وكان الأولون لا يحترزون عنها.
ولو حمل بيضة صار حشوها دماً، وظاهرها طاهراً، ففي صلاته وجهان، حكاهما القفال، وغيره:
أحدهما: تصح صلاته، كما لو حمل حيواناً طاهراً؛ لأن النجاسة في الصورتين مستترةٌ خلقة.
وأظهرهما: أنها لا تصح، كالنجاسات الطاهرة إذا حملها، بخلاف باطن الحيوان؛ لأن للحيوان أثراً في درء النجاسات، ألاَ ترى أنها إذا زالت نجس جميع الأجزاء، وأما البيضة فهي جماد، ويجري هذا الخلاف فيما إذا حمل عنقود استحال باطن حياته خمراً، ولا رشح على ظاهرها، وكذلك في كل استتار خِلْقِي.
ولو حمل قارورة مصممة الرأس بصفر ونحوها، وفيها نجاسة، فظاهر المذهب -وهو المذكور في الكتاب-، أن صلاته تبطل؛ لأن استتار النجاسة هاهنا ليس بخلقي، بخلاف البيضة والحيوان، وعن أبي علي بن أبي هريرة أنها تصح؛ لأن النجاسة باطنة لا يخرج منها شيء فأشبهت ما في البيضة، وباطن الحيوان.
ولو حمل حيواناً مذبوحًا بعد غسل الدم عن موضع الذبح، فالذي قاله الأئمة أن الصلاة باطلة، بخلاف الحمل في حال الحياة، ولم يذكروا هاهنا الخلاف المذكور في
البيضة ونحوها، وذلك جواب منهم على ظاهر المذهب، وإلا فالنجاسة مستترة هاهنا أيضاً خِلْقَة، ويجوز أن يجعل منافذ الحيوان فارقاً -والله أعلم-.
وقوله: في مسألة حمل الطير: (لأنها مستترة خلقة) ظاهر اللفظ إنما هو التعليل بمجرد الاستتار خلقة، ولو كان كذلك لوجب أن لا يقع التردد في البيضة لوجود العلة، لكن في الحيوان وجد أمران الاستتار الخِلقي، وكونه [في] 1 باطن الحيوان، فكأن بعضهم جعل العلة مجموع الأمرين، ومنع من حمل البيضة، وبعضهم اكتفى بالوصف الأول، وجوز حمل البيضة، فإذًا قوله: (لأنها مستترة خلقة) إشارة إلى الوصف الذي لا بد منه، ثم يبقى الكلام في أنه مؤثر وحده، أو مع شيء آخر، وأراد بالبيضة المذكورة التي صار حشوها دماً، وإلا فهي كالملح المنتن، وهو طاهر.
وقوله: القارورة المصممة الرأس، يعني بالصفر والنحاس وما أشبه ذلك، أما التصميم بالخرقة ونحوها فلا يغني كَلَفِّ النجاسة في الخرقة، والشمع عند بعضهم كالخرقة، وألحقه القاضي ابن كج بالرصاص.
قال الغزالي: (الثَّانِيَةُ) يُعْذَرُ مِنْ طِينِ الشَّوَارعِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ غَالِبًا، وَكَذَا مَا عَلَى الخُفِّ فِي حَقِّ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ.
قال الرافعي: طين الشوارع ينقسم إلى ما يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسات، وإلى ما يستيقن، وإلى غيرهما، فأما غيرهما فلا بأس به، وأما ما يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسات، ففيه قولان: سبق ذكرهما في باب الاجتهاد، وأما ما تستيقن نجاسته فيعفى عن القليل منه؛ لأن الناس لا بد لهم من الانتشار في حوائجهم، وكثير منهم لا يملك إلا ثوباً واحداً، فلو أمروا بالغسل لَعَظُمَ العناء والمشقة، وأما الكثير فلا يعفى عنه كسائر النجاسات، والقليل هو الذي يتعذر الاحتراز عنه، والرجوع في الفرق بينه، وبين الكثير إلى العادة، ويختلف الأمر فيه بالوقت وبموضعه من البدن، وذكر الأئمة له تقريباً.
فقالوا القليل المعفو عنه؛ هو الذي لا ينسب صاحبه إلى سقطة، أو نكبة، أو قلة تَحَفُّظٍ، فإن نسب إلى شيء من ذلك فهو كثير.
وقوله: (ويعذر من طين الشوارع) أراد به القسم الثالث: وهو المستيقن النجاسة على ما صرح به في "الوسيط"، ثم الذي يغلب على الظن نجاسته في معناه إن فرعنا علي العمل بالغالب.
وأما قوله: (وكذا ما على الخف في حقْ من يصلي معه) فاعلم أولاً أن أصحابنا
حكوا عن الشافعي -رضي الله عنه- قولين في أنه إذا أصابت أسفل خفه أو نعله نجاسة فدلكه بالأرض حتى ذهب أجزاؤها، هل تجوز صلاته فيه؟ قالوا: وهما مبنيان 1 على أنه لا يطهر، والكلام في العفو.
أحدهما -وهو القديم-: أنه تجوز صلاته فيه، وبه قال أبو حنيفة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَصَابَ خُفَّ أَحَدِكُمْ أَذًى فَلْيدْلِكْهُ بِالأَرْضِ" 2.
ولأن النجاسة تكثر في الطرق، وغسله كل مَرَّةٍ مما يشق، فعفى عنه، فاكتفى بالمسح كمحل النجو.
والثاني -وهو الجديد-: أنه لا يجوز الصلاة فيه ما لم يغسل كالثوب إذا أصابه نجاسة، والأذى في الخبر محمول على المستقذرات، وذكروا للقولين شروطاً:
أحدهما: أن يكون تنجسه بنجاسة لها جُرْمٌ يلتصق به، أما البول ونحوه فلا يكفي فيه الدلك بحال.
والثاني: أن يقع الدلك في حال الجفاف، فأما ما دام رطباً فلا يغنى الدلك بلا خلاف.
والثالث: حكي عن الشيخ أبي محمد بأن الخلاف فيما إذا كان يمشي في الطريق فأصابته النجاسة من غير تعمد منه، فأما إذا تعمد تلطيخ الخف بها وجب الغسل لا محالة، ثم قال الأصحاب: الفتوى على الجديد، ولم يفرقوا في حكاية القولين بين القليل والكثير من طين الشوارع المستيقن نجاسته وبين سائر النجاسات الغالبة في الطرق.
واعلم ثانياً أن قوله: (وكذا ما على الخف) يعني: من طين الشوارع، وسائر النجاسات الغالبة في الطرق، كالروث وغيره، لأن لفظه في "الوسيط" (وكذا ما على الخف من نجاسة، لا يخلو الطريق عن مثلها) وإذا عرفت ذلك ذلك أن تقول: إن قلنا بالقديم فيحتمل نجاسة الخف، ويكتفي بانتشار جرم النجاسة عنه بالدلك بعد الجفاف، وإن قلنا بالجديد فلا يحتمل ذلك، فما معنى قوله: (وكذا ما على الخف) أهو جواب على القديم أم كيف الحال؟ والجواب: أن خروجه على القديم واضح لا ينكر ووراءه احتمالان أقربهما أن يكون القولان مفروضين في الكثير الذي يعفى عنه من النجاسات، وهل يجب غسله إذا أصاب الخف أم يكتفي فيه بالدلك؟ ويكون المراد مما ذكره في
الكتاب القليل من الطين المستيقن نجاسته، ومن الروث وغيره، فيعفى عنه في الخف كما في الثوب والبدن من غير غسل ولا دلك؛ بل العفو فيه؛ لأن الاحتراز أشق، وكذلك يكتفي فيه بالدلك على قول، ولا يكتفي به في الثوب والبدن بحال، فعلى هذا لا يتعين كلام الكتاب جوابًا على القديم، بل القليل معفو عنه بلا خلاف، والأثر الباقي على القديم أيضاً فينتظم فيهما الحكم بالعفو مما على الخف.
والاحتمال الثاني هو: أن يؤخذ بإطلاق القولين، ويطرد في القليل والكثير من هذه النجاسات، ويجوز أن يفرق على هذا بين الخف والثوب بأن الحاصل على الخف قدر كبير، وأيضاً فإن الخف ينزع في الغالب، ولا يحتاج إلى استصحابه بخلاف الثياب، فعلى هذا يتعين كلام الكتاب جوابًا على القديم، ومتى وقع التفريع على القديم مراداً سواء كان ذلك كل المراد، أو من المراد، فيجب أن يريد بقوله: (وكذا ما على الخف) أثر النجاسات المذكورة بعد الجفاف دون عينها، فإنه لو بقي العين فلا يحتمل على القديم أيضاً، كما لا يحتمل على الجديد، وعلى الاحتمال الأول ينبغي أن يعفى عن اللوث الحاصل على جميع أسفل الخف وأطرافه، وبعد ذلك قليلاً بخلاف ما لو كان على الثوب والبدن، وكذا يعفى عن اللوث في حال الرطوبة كما في الثوب البدن، بخلاف ما إذا فرعنا على القديم، فإن العفو يختص بالأثر الباقي بعد الجفاف والدَّلْكِ، ثم العفو بكل حال فيما يحصل من غير قصد منه، أما لو تعمد التلطيخ فلا، وهكذا يكون الحكم في الثوب والبدن، ولهذا قال في باب الاستقبال: الماشي المتنفل لو مشى على نجاسة قصداً بطلت صلاته، ولا تجب المبالغة في التحفظ عند كثرة النجاسات في الطرق فإن قلت حكيتم ثَم عن إمام الحرمين أنه لو مشى على نجاسة رطبة بطلت صلاته، سواء كان قاصدًا إليها، أو لم يكن، وهذا يخالف ما ذكرتم الآن قلنا: ذاك إذا جرينا على الاحتمال الأول، الأقرب محمول على ما إذا حصل تلويث كثير لا يقع في حد العفو.
واعلم أن قوله في باب المسح على الخفين: (يمسح أعلى الخف، وأسفله إلا أن يكون على أسفله نجاسة) إن كان تجويزًا للصلاة معه، وعفوًا فتنزيله على قضية القولين كما ذكرنا في قوله: (وكذا ما على الخف) ويمكن أن يقال: ليس الغرض ثَمَّ، سوى أنه لا يصح على الأسفل إذا كان عليه نجاسة كما قدمناه.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ: دَمُ البَرَاغيثِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ إِلاَّ إِذَا كَثُرَ كَثْرَةَ يَنْدُرُ وُقُوعَهُ وَيَخْتَلِفُ ذلِكَ بِالأَوْقَاتِ وَالأمَاكِنِ، فَإِنْ وَقَع كَثْرَتُهُ فِي مَحَلِّ الشَّكِّ فَالاْحْتِيَاطُ أَحْسَنُ، وَالتَّرَخَّصُ بهِ جَائِزٌ أَيْضًا.
قال الرافعي: دم البراغيث ينقسم إلى قليل وكثير، فالقليل مَعْفُو عنه في الثوب
والبدن جميعاً، لأنه مما تَعم [البلوى به] 1 ويشق الاحتراز عنه، فعفى عنه نفياً للحرج، وأما الكثير ففيه وجهان:
أصحهما عند العراقيين، والقاضي الروياني وغيرهم، أنه يعفى 2 عنه أيضاً، لأنه من جنس ما يتعذر الاحتراز عنه، والغالب في هذا الجنس عسر الاحتراز، فيلحق غير الغالب منه بالغالب كما أن المسافر يترخص، وإن لم يلحقه في سفره مشقة اعتباراً بالغالب، وبأن الحاجة إلى الفرق والتمييز بين القليل والكثير مما توجب المشقة.
والوجه الثاني: أنه لا يعفى عنه؛ لأن الأصل اجتناب النجاسات، وإنما خالفنا في القليل لعموم البلوى به، وهذا أصح عند إمام الحرمين، وهو المذكور في الكتاب، وفي معنى دم البراغيث دم القمل، والباعوض وما أشبه ذلك، وكذا ونيم 3 الذباب، وبول الخفاش، ولو كان قليلاً فعرق وانتشر اللطخ بسببه، ففيه الوجهان المذكوران في الكثير، واختيار القاضي الحسين أنه لا يعفى عنه لمجاوزته محله، واختيار أبي عاصم العبادي 4 العفو، لتعذر الاحتراز، ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير في دم البراغيث وغيره؟ حكي فيه قولان قديمان:
أحدهما: أن القليل قدر دينار فما دونه وإن زاد عليه فهو كثير.
والثاني: أن القليل ما دون قدر الكف، والجديد: أنه لا عبرة بذلك، واختلفوا فيما يضبط به على قياسه في الجديد على وجهين:
أحدهما: أنه إذا بلغ حدًا يظهر للناظر من غير تأمل وإمعان طلبًا فهو كثير، وإن كان دونه فهو قليل؛ لأن المقصود من الاحتراز عن النجاسات تعظيم أمر الصلاة وأداؤها على الهيئة الحسنى، وإذا صارت النجاسة بحيث تظهر للناظرين فقد اختل معنى التعظيم.
وأظهرهما: أن الرجوع فيه إلى العادة مما يقع التلطيخ به غالباً، ويعسر الاحتراز عنه، فهو قليل، وإن زاد عليه فهو كثير، وذلك لأن أصل العفو إنما أثبتناه لتعذر الاحتراز عن هذه النجاسة، فينظر في الفرق بين القليل والكثير إليه أيضاً، فعلى الوجه الأول لا يختلف الحال بالأماكن والأوقات، وعلى الوجه الثاني هل يختلف؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يعتبر الوسط المعتدل، ولا ينظر في الأزمنة والأمكنة إلى ما يندر فيه ذلك، ولا إلى ما يتفاحش فيه.
وأظهرهما: أنه يختلف الأمر باختلاف الأوقات والأماكن؛ لأن لها تاثيراً ظاهراً في سهولة الاحتراز وعسره، فعلى هذا يجتهد المصلي فيه وينظر؛ أهو قليل أم كثير؟ وإذا فرعنا على ما ذكره في الكتاب، وهو أن الكثير لا يعفى عنه؛ فلو شك في أن ما أصابه قليل أو كثير فقد ذكر إمام الحرمين فيه احتمالين:
أحدهما: أنه لا يعفى عنه؛ لأن الأصل اجتناب النجاسة، والرخصة إنما تثبت في القليل، فإذا شككنا في أنه قَلِيلٌ أم لا، فقد شككنا في المرخص.
والثاني: أنه يعفى: لأن الأصل في هذه النجاسة العفو إلا إذا تيقنا الكثرة، وهذا هو الذي رجحه وذكره في الكتاب، حيث قال: (والترخص جائز أيضاً) والأول هو الاحتياط.
ولنبين المواضع المستحقة للعلامات من هذا الفصل.
قوله: (إلا إذا كثر) ينبغي أن يعلم بالواو للوجه الصائر إلى العفو في الكثير والقليل، وكذلك بالحاء والألف؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة أن دم البراغيث طاهر، وبه قال أحمد في أصح الروايتين، فلا فرق بين القليل والكثير، وهذا مذهبهما في الرطوبة المنفصلة عن كل ما ليس له نفس سائلة كونيم الذباب، ونحوه.
وقوله: (كثرة يندر وقوعها) بالواو، إشارة إلى القولين القديمين، فإنهما لا ينظران إلى غلبة الوقوع وندرته، ولا يعتبران الكثرة بندرة الوقوع.
وقوله: (ويختلف ذلك بالأوقات والأماكن) للوجه الصائر إلى مراعاة الظهور، والوجه المعتبر للوسط أيضاً.
وقوله: (والترخيص جائز أيضاً) ينبغي أن يعلم (أيضاً) للاحتمال الأول على ما سبق.
قال الغزالي: (الرَّابِعَةُ) دَمُ البَثَرَاتِ وَقَيْحُهَا وَصَدِيدُهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وإنْ أَصَابَهُ مِنْ بَدَنِ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ، وَلَطَخَاتُ الدَّمَامِيلِ والفِصْدَانِ دَامٍ غالِباً فَكَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، وإنْ لَمْ يُدْمَ فَفِي إِلْحَاقِهَا بِالبَثَرَاتِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: دم البثرات كدم البراغيث، لأن الإنسان قلما يخلو عن بثرة يترشح منها شيء، فلو وجب الغسل كل مرة لَشقَّ، بل ليس دم البراغيث إلا رشحات تمصها البراغيث من بدن الإنسان، ثم تمجها، وإلا فليس لها دماء في نفسها، ذكره إمام الحرمين، ولذلك عدت البراغيث مما ليس له نفس سائلة.
إذا تمهد ذلك، فالقليل منه معفو عنه بلا خلاف، وفي الكثير وجهان كما في دم البراغيث، ولفظ الكتاب هاهنا وإن كان مطلقاً إلا أنه أراد به القليل لوجهين:
أحدهما: أنه أجاب بعدم العفو في دم البراغيث إذا كان كبيراً والخلاف في الدمين واحد، فلا ينتظم أن نحكم هاهنا بالعفو في الكثير.
والثاني: أنه قال: متصلاً به (وإن أصابه من بدن الغير فوجهان) والخلاف فيما يصيبه من بدن الغير في القليل دون الكثير على ما سيأتي، وإذا كان مراده القليل فلا حاجة إلى إعلامه بالواو من حيث إن اللفظ يتناول الكثير، وهو مختلف فيه؛ لأن القلة مضمرة فيه، لكن يجوز أن يعلم بالواو من جهة أنه يشمل ما إذا عصر البثرة قصداً، وأخرج ما فيها، وقد نقل صاحب "التتمة" في هذه الصورة وجهين، لأنه مستغنى عنه، وإلا ظهر العفو على ما يقتضيه إطلاق الكتاب، لما روي أن ابن عمر -رضي الله عنه- عصر بثرة على وجهه، ودلك بين أصابعه بما خرج منها، وصلى، ولم يغسله 1، ولو أصابه دم من بدن غيره، من آدمي، أو بهيمة، أو غيرهما، نظر إن كان كثيراً فلا عفو عنه؛ لأنه قدر فاحش، والاحتراز عنه سهل، وإن كان قليلاً وهو المراد من لفظ الكتاب، فقد حكى فيه وجهين، وكذلك فعل الصيدلاني، وجماعة من الجمهور حكوهما قولين:
أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يعفى عنه، لأنه لا يشق الاحتراز عنه، فأشبه القليل من الخمر وسائر النجاسات.
والثاني: وهو نصه في "القديم" وفي "الأم": أنه يعفى عنه، لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو، فيقع القليل منه في محل السامحة.
والأصح منهما عند العراقيين، إنما هو العفو، وتابعهم صاحب "التهذيب"، وعند إمام إلحرمين وجماعة عدم العفو، وهو الأحسن، ولو أصابه شيء من دم نفسه، ولكن لا من البثرات، بل من الدماميل [والقروح، ومن موضع القصد والحجامة.
ففيه وجهان:
أحدهما: ويحكى عن ابن سريج: أنه كدم البثرات؛ لأنها دمان لم تكن غالبة فليست بنادرة أيضاً، وإذا وجدت دامت وعسر الاحتراز عن لطخها، [ولأن الفرق بين البثرات والدماميل] 1 الصغار قد يعسر.
والثاني: أنها لا تلحق بدم البثرات؛ لأن البثرات لا يخلو معظم الناس عنها في معظم الأحوال، بخلاف الدماميل والجراحات، وعلى هذا فينظر إن كان مثلها مما يدوم غالباً فهي كدم الاستحاضة، وحكمه ما سبق في "الحيض" وإن كان مما لا يدوم غالباً فيلحق بدم الأجنبي، حتى لا يعفى عن كثيره بحال، وفي قليله الخلاف الذي سبق.
والوجه الأول: هو قضية كلام الأكثرين، حيث لم يفرقوا في الدم الخارج من البدن بين أن يخرج من البَثَرَاتِ، أو غيرها.
والوجه الثاني: هو اختيار القاضي ابن كَج، والشيخ أبي محمد، وإمام الحرمين -رحمهم الله- وهو الأولى.
وإذا أردت تلخيص حكم الدماء بعد دم البراغيث فطريقه على قضية الوجه الأول أن نقول: ما سوى دم البراغيث ينقسم إلى الخارج من بدنه، فهو كدم البراغيث، وإلى غيره فلا يعفى عن كثيره، وفي قليله الخلاف، وعلى قضية الوجه الثاني أن نقول: ما سوى دم البراغيث ينقسم إلى الخارج من بدنه على وجه يعم، وهو دم البثرات فهو كدم البراغيث، وإلى غيره ويدخل فيه ما يخرج من بدنه وعلى وجه لا يعم، وما يخرج عن غيره فلا يعفى عنه كثيره، وفي قليله الخلاف.
وحكم القيح والصديد حكم الدم في جميع ما ذكرناه؛ لأنهما دمان مستحيلان إلى نتن وفساد، وأما ماء القروح والنفطات فإن كان له رائحة كريهة فهو نجس كالقيح، والصديد، وإلا ففيه طريقان 2:
أحدهما: القطع بطهارته تشبيهاً له بالعرق.
والثاني: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
وأظهرهما: النجاسة كالصديد الذي لا رائحة له ويحكى هذا عن الشيخين أبي محمد، وأبي علي.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب فمنه ما اندرج في أثناء الكلام، ومنه أن قوله: (وإن أصابه من بدن الغير) راجع إلى أول كلامه، وهو دم البثرات 1، لكن الخلاف في دم الغير لا يختص بالخارج من بثراته، بل يستوي فيه الخارج من البثرات وغير البثرات، وقوله: (ولطخات الدماميل والفصد)، وقد يقرأ بعضهم بدل الفصد العقد، ولا بأس به، فموضع الفصد والحجامة والدماميل كلها في الحكم سواء.
وقوله: (وإن دام غالباً) أي: إن دام مثلها غالباً، وكذا قوله: (إن لم يدم) أي: مثلها، وما أشبه ذلك، وإلا فلا يمكن أن يكون قوله دام، ولم يدم صفة الدماميل، ولا صفة اللطخات، لأن منها ما هو دائم، ومنها ما هو غير دائم، فلا يجوز وصف كلها لا بالدوام، ولا بعدم الدوام، ثم لك أن تستدرك فتقول: نظم الكتاب يقضي أن يكون التردد في إلحاقها بدم البثرات مخصوصاً بلطخات الدماميل التي لا تدوم، وأن تكون لطخات الدماميل الدائمة ملحقة بدم الاستحاضة من غير تردد، وليس الأمر كذلك، بل حكى إمام الحرمين وغيره في إلحاقها بدم البثرات وجهين مطلقاً كما قدمنا، ثم يفصل على وجه عدم الإلحاق فيقال: ما يدوم منها كدم الاستحاضة، وما لا يدوم كدم الأجنبي، وإيراده في "الوسيط" محتمل لما ذكره في "الوجيز"، ولما هو الحق.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ: الجَاهِلُ بِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ فِيهِ قَوْلاَنِ: الجَدِيدُ: وُجوُبُ القَضَاءِ فَإِنْ كانَ عَالِمًا ثُمَّ نَسِيَ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ (م)، وَمَثَارُ التَّرَدُّدِ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ المَنَاهِي فَيَكُونُ النِّسْيَانُ عُذْراً فِيهِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الشُّرُوطِ كَطَهَارَةِ الحَدَثِ.
قال الرافعي: إذا صلى وعلى ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنهما، وهو لا يدري نظر إن لم يعلم بها أصلاً ثم تبين الأمر له، ففي وجوب القضاء قولان:
الجديد وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ: أنه يجب؛ كما لَو بَانَ له بعد الفراغ من الصلاة أنه كان محدثاً، والقديم: أنه لا يجب لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "خَلَع نَعْلَه فِي الصَّلاَةِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُم، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُم، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَكَ
فألْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أتَانِي وَأَخْبَرنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا" 1.
والاستدلال أنه بعد تبين الحال مضى في صلاته، ولم يستأنف، ولو علم بالنجاسة، ثم نَسِيَ فصلى، ثم تذكر فطريقان:
أحدهما: القطع بوجوب القضاء، لتفريطه.
والثاني: أنه على القولين، لأن النسيان عذر كالجهل ويقال: إن القول بعدم وجوب الإعادة مخرج من القول القديم في نسيان الماء في الرحل ولا يمكن اعتبارها بالحدث، فإن العفو إلى النجاسات أسرع منه إلى الحدث، فيجوز أن يعد الجهل والنسيان فيها من الأعذار، ثم إذا أوجبنا الإعادة فيجب إعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع تلك النجاسة، وإن احتمل أنها حدثت بعد ما صلى، فلا شيء عليه.
وعن أبي حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة أعاد صلاة واحدة، وإن كانت يابسةً وكان في الصيف فكذلك، وإن كان في الشتاء أعاد صلاة يوم وليلة.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن قوله: (الجاهل بنجاسة ثوبه) - المراد منه النجاسة التي لا يعفى عنها؛ والخلاف لا يختص بالثوب بل البدن والمكان في معناه، وإنما ذكر الثوب مثالاً.
قوله: (الجديد وجوب القضاء) اعلم لفظ (الوجوب) بالميم، لأن المنقول عن مالك إن كان الوقت باقياً يعيد، وإلا فلا.
قال الشيخ أبو حامد: ومهما قال مالك ذلك فلا يوجب الإعادة، ولكن يستحبها في الوقت، وحكى إمام الحرمين مثل ذلك عن أئمة مذهبه، ويجوز أن يعلم بالألف أيضاً؛ لأنه روي عن أحمد روايتان في المسألة كالقولين، وقوله: فقولان مرتبان في الصورة الثانية يشير إلى أن فيها طريقين 2 كما رويناهما.
وقوله: (وأولى بالوجوب) يجوز أن يعلم لفظ "الوجوب" بالميم والألف؛ إشارة إلى مذهبهما، والحكم عندهما واحد في الصورتين.
وقوله: "ومثار التردد... " إلى آخره، شرحه أن خطاب الشارع قسمان:
أحدهما: خطاب التكليف بالأمر، أو النهي، والنسيان يؤثر في هذا القسم ألا ترى أن الناسي لا يأثم بترك المأمور، ولا بفعل المنهي، لأنه لم يبق مكلفاً عند النسيان، بل التحق بالمجنون وبسائر من لا يخاطب.
والقسم الثاني: خطاب الأخبار 1 وهو ربط الأحكام بالأسباب، وجعل الشيء شرطاً من هذا القبيل، فإن معناه أن يقول: إذا لم يوجب كذا في كذا فهو غير معتد به، والنسيان لا يؤثر في هذا القسم، ولهذا يجب الضمان على من أتلف مال الغير ناسياً، لأنه مأخوذ من قوله: (من أتلف ضمن) واختلاف القولين مستند إلى أن استصحاب النجاسة من قبيل المناهي في الصلاة، حتى إذا كان ناسياً يعذر، ولا يعد مقصراً مخالفاً، أو الطهارة عنها من قبيل الشروط، فلا يؤثر الجهل والنسيان كما في طهارة الحدث، وقد ورد في الباب ألفاظ ناهية، نحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ" 2.
وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ 3.
وألفاظ شارطة نحو ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تُعَادُ الصَّلاَةُ مِنْ قَدْرِ الدَّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ" 4 فهذا بيان ما ذكره.
وأعلم أن هذا الكلام يوجب أن يكون قوله من قبيل الشرط.
الثاني: طهارة الحدث بناء على قوله الجديد، وأن يكون القوم القديم منازعاً فيه، ثم لك أن تقول: إنه عد ترك الكلام من الشروط، ومعلوم أن الكلام ناسياً لا يضر بلا خلاف بيننا، فإن كانت الشروط لا تتأثر بالنسيان فمن الواجب أن لا يعده شرطاً، وحيث أدرجه في الشروط، فكأنه أراد بالشروط عند عد الأشياء الستة ما لا بد منه في الصَّلاَةِ عند العلم، وأراد بالشروط في قوله هاهنا: ومن قبيل الشروط ما لا بد منه مطلقاً، وما لا بد منه عند العلم قد يكون بحيث لا بد منه على الإطلاق، وقد لا يكون كذلك، ثم بتقدير أن يكون استصحاب النجاسة من المناهي في الصلاة، فلم تبطل الصلاة إذا أستصحبها عالمًا، أيلزم ذلك من نفس النهي أم يؤخذ من دليل زائد؟ فيه كلام أصولي لا أطول منها بذكره.
خاتمة لهذا الشرط: قوله في أول القسم الثاني: (أما مظان الأعذار فخمس) يشعر بانحصارها في الخمس المذكورة، لكن للعذر مظاناً أخر.
منها: النجاسة التي تستصحبها المستحاضة، وسلس البول في صلاته.
ومنها ما إذا كان على جرحه دَمٌ كثير يخاف من إزالته.
ومنها: تلطخ سلاحه بالدم في صلاة شدة الخوف.
ومنها الشَّعْرُ الذي ينتف ولا يخلو عنه ثوبه وبدنه، وحكمه حكم دم البراغيث.
ومنها القدر الذي لا يدركه الطرف من البول، والخمر، وغير الدم من النجاسات، ففيه خلاف ذكرناه في الطهارة.
وقال أبو حَنِيفَةَ: النجاسة قسمان: مُغَلَّظَةْ، ومخففة [فالمغلظة] 1 كالخمر، وللعذرة، وبول ما لا يؤكل لحمه، فيعفى عنها في الثوب والبدن والمكان بقدر الدرهم البغلي 2 فما دونه، فإن زاد لم يجز، والمخففة كبول ما يؤكل لحمه، فتجوز الصلاة معه ما لم يتفاحش، وهو أن لا يبلغ ربع الثوب، ومنهم من قال: التفاحش الشبر في الشبر 3.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سَتْرُ العَوْرَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، وَفِي وُجُوبهِ فِي الخَلْوَةِ تَرَدُّدٌ، وَالمُصَلِّي فِي خَلْوَةٍ يَلْزَمُهُ السَّتْرُ فهي الصَّلاَةِ.
القول في ستر العورة:
قال الرافعي: وجوب ستر العورة عند القدرة لا يختص بحالة الصلاة، بل يجب في غير حالة الصلاة أيضاً، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَكْشِفْ فَخْذَكَ، ولا تَنْظُر إِلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلاَ مَيِّتٍ" 4.
وروي: "لاَ تُبْرِزْ فَخْذَكَ".
وهذا إذا كان معه غيره، فأما إذا كان في الخلوة فوجهان:
أحدهما، وبه قال الشيخ أبو محمد: لا يجب إذ ليس ثم من ينظر إليه، وروي هذا عن أبي حنيفة، وأحمد.
وأصحهما، وبه قال الشيخ أبو علي: يجب لظاهر الخبر، وللتستر عن الجن والملائكة، وأيضاً فإن الله تعالى أحق أن يُسْتَحَى منه.
وأما في حالة الصلاة فهو شرط للصحة، فلو تركه مع القدرة بطلت صلاته، سواء كان في خلوة، أو معه غيره 1 خلافاً لمالك، حيث قال: إنه ليس بشرط؛ لكنه واجب في الصلاة وغيرها، وروى بعضهم عن مذهبه أن الستر شرط عند الذكر، ولا يشترط حالة النسيان.
لنا قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 2.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: يعني الثياب عند الصلاة.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْبَل الله صَلاَةَ حائِضٍ إلاَّ بِخِمَارٍ" 3.
والمراد بالحائض البالغة 4، ذلك أن تعلم قوله: (الشرط الثالث ستر العورة) بالميم لما حكينا عن مذهب مالك.
وقوله: (يلزمه الستر في الخلوة) إن كان المراد منه الاشتراط، فكذلك ينبغي أن يعلم بالميم، وإن كان المراد منه الوجوب فلا يجوز أن يعلم قوله: (ستر العورة) بالحاء، والألف أيضاً؛ لأنه يشير إلى أن ستر الكل شرط، فإنه لو كان البعض مكشوفاً صح أن يقال: ما ستر عورته، ستر بعضها.
وعند أبي حنيفة: لو ظهر من العورة المُغَلَّظَةِ قدر درهم بطلت صلاته، ولا بأس بظهور ما دونه، ولو ظهر من العورة المخففة قدر ربع عضو بطلت الصَّلاة، ولا بأس بظهور ما دونه.
قال: والمغلظة السوأتان، والمخففة ما سواهما على تفاوته بين الرجل والمرأة كما سيأتي.
وعند أحمد لو ظهر اليسير من العورة، لم يضر، ولم يقدر كما فعله أبو حنيفة -رحمه الله-.
قال الغزالي: وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَعَوْرَةُ الحُرَّةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلاَّ الوَجْهَ
وَاليَدَيْنِ إِلى الكُوعَينِ، وَظُهُورُ القَدَمَيْنِ عَورَةٌ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي أُخْمُصَيْهَا وَجْهَانِ، وَأَمَّا الأَمَةُ فَمَا يَبْدُو مِنْهَا فِي حَالِ المِهنَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَمَا بَيْنَهُ إِلَى مَحَلِّ عَوْرَةِ الرَّجُلِ فِيه وَجْهَانِ:
قال الرافعي: ترجمة هذا الشرط الثالث إنما هي ستر العورة، فيجب بيان العورة، وبيان كيفية السَّتْرِ، وأنه بم يحصل؟ وهذا الفصل لبيان حد العورة، وهي من الرجل حراً كان أو عبداً: ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وليست السرة من العورة ولا الركبة على ظاهر المذهب؛ لما روي عن أبي اْيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ وَدُونَ السُّرَّةِ عَوْرَةٌ" 1.
وروي أنه قال: "عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ" 2.
وليكن قوله: (ما بين السّرة والركبة) معلماً بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة الركبة غير خارجة عن حد العورة، وإن كانت السرة خارجة، وبالميم؛ لأن عن مالك الفخذ ليس بعورة، وبالواو لأمور ثلاثة:
أحدها: أْنهم حكوا وجهاً عن بعض الأصحاب أنهما جميعاً من العورة.
والثاني: أن أبا عبد الله الحناطي حكى عن الإصطخري أن عورة الرجل هي القبل والدبر فقط.
والثالث: أن أبا عاصم العبادي حكى عن بعضهم أن الركبة من العورة دون السُّرة، وليكن معلماً بالألف أيضاً؛ لأن عن أحمد رواية أن عورة الرجل القبل والدبر لا غير، وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا، وهي أظهر عندهم، وأيضاً فإن المراد من العورة هاهنا ما يجب ستره في الصلاة، وعنده يجب ستر المنكب في الصلاة المفروضة، وهو خارج عما بين السرة والركبة.
أما المرأة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة، إلا الوجه واليدين 3 لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 4.
قال المفسرون: هو الوجه والكفان، وليس المراد الراحة وحدها، بل اليدان ظهراً وبطناً إلى الكوعين خارجتان عن حد العورة، ولا يكاد يفرض ظهور باطن اليدين دون ظاهرهما، ولا يستثنى ظهور قدميها خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: ليست القدمان من العورة، وبه قال المزني.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تُصَلِّي فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ مِنْ غَيرِ إِزَارٍ فَقَالَ: لاَ بَأْسَ إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا" 1.
وهل يستثنى أخمصا القدمين؟ حكى صاحب الكتاب وطائفة فيه وجهين، وجعلهما 2 آخرون قولين، منهم القفال.
أحدهما: أنهما ليستا من العورة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- خص ظهور القدمين بالذكر، فأشعر ذلك بأن تغطية باطن القدمين لا تجب.
وأصحهما: أنها من العورة تسوية بين ظاهرهما وباطنهما، كما يسوى بين ظاهر اليدين وباطنهما في الخروج عن حد العورة، ولك أن تعلم قوله: (واليدين) بالألف لأن أصحابنا حكوا عن أحمد أنه لا يستثني إلا الوجه، ويدها عورة.
وقوله: (وظهر القدمين عورة في الصلاة) كالمستغنى عنه، ولو اقتصر على قوله: (إلا الوجه واليدين، وفي أخمصي قدميها وجهان) لحصل الغرض، لأنه إذا لم يستثن إلا الوجه واليدين بقي ظهر القدمين داخلاً في المستثنى منه، وإذا ذكره فاليعلم بالحاء والزاي لما قدمناه.
وقوله: (عورة في الصلاة) أشار به إلى أن العورة قد تطلق لمعنى آخر، وهو ما يحرم [النظر إليه، وكلامنا الآن فيما يجب ستره] 3 في الصلاة، فأما ما يجوز النظر إليه، وما لا يجوز فيذكر في أول كتاب النكاح، هذا ما قصده، لكن هذه الإشارة لا اختصاص لها بظهر القدم، فلو تعرض لها في أول ما ذكر العورة لكان أحسن.
وأما الأمة فقد جعل بدنها على ثلاث مراتب:
أحدها: ما هو عورة من الرجل فلا شك في كونه عورة منها.
والثانية: ما يبدو وينكشف في حال المهنة، فليس بعورة منها، وهو الرأس والرقبة والساعد وطرف السّاقِ، لأنها تحتاج إلى كشفه، ويعسر عليها ستره.
وفيه وجه أن جميع ذلك عورة كما في حق الحرة، سوى الرأس، لأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَأَى أَمَةً سَتَرَتْ رَأْسَهَا فَمَنَعَهَا عَنْ ذلِكَ، وَقَالَ: أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحرائِرِ؟! فليكن قوله: (مما يبدو منها في حالة المهنة) معلماً بالواو لهذا الوجه.
والثالثة: ما عداهما كالصدر والظهر، وفيه وجهان:
أحدهما: إنه عورة كما في حق الحرة، وإنما اَحتملنا الكشف فيما يظهر عند المهنةِ، لأن الحاجة تدعو إليه.
وأصحهما: أنه ليس بعورة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في الرجل يشتري الأمة.
"لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِلاَّ إِلَى الْعَوْرَةِ، وَعَوْرَتُهَا بَيْنَ مَعْقِدِ إِزَارِهَا إِلَى رُكْبَتِهَا" 1.
وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة، وحكم الخنثى المشكل إن كان رقيقاً، وقلنا بظاهر المذهب وهو أن عورة الأمة كعورة الرجل، فلا يلزمه أن يستر في صلاته إلا ما بين السرة والركبة، وإن كان حراً أو رقيقاً وقلنا: إن عورة الأمة أكثر من عورة الرجل، وجب عليه ستر الزيادة على عورة الرجل أيضاً؛ لجواز الأنوثة، فلو خالف ولم يستر إلا ما بين السرة والركبة، فهل تجزئه صلاته؟ فيه وجهان نقلهما في "البيان":
أحدهما: نعم، لأن كون الزيادة عورة مشكوك فيه.
والثاني: لا؛ لاشتغال ذمته بفرض الصلاة، والشك في براءتها 2.
قال الغزالي: وَأَمَّا السَّاتر فَكُلُّ مَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاظِرَ وَبَيْنَ البَشَرَةِ، فَلاَ يَكْفِي الثَّوْبُ السَّخِيفُ وَلاَ المَاءُ الصَّافِي، وَيَكْفِي المَاءُ الكَدِرُ والَطِّينُ، وَفي وُجُوبِ التَّطيينِ عِنْدَ فَقْدِ الثَّوْبِ وَجْهَانِ، وَإِذَا كَانَ القَمِيصُ مُتَّسِعَ الَّذيْلَ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ مُتَّسِعَ الأَزْرَارِ لَمْ يَجُزْ إلاَّ إِذَا كَانَتْ كثَافَةُ لِحْيَتِه تَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ فَيَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكذَا لَوْ سَتَرَ بِاليَدِ بَعْضَ عَوْرَتَهِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: في صفة السَّاتر، ويجب أن يستر عورته بما يحول بين الناظر ولون
البشرة، فلا يكفي الثوب الرقيق الذي يشاهد من وراءه سواد البشرة وبياضها، وكذا الغليظ المهلهل النسج الذي تظهر بعض العورة من فُرَجِهِ، فإن مقصود السَّتْرِ لا يحصل بذلك، أما لو 1 ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالاً ضيقاً، أو ثوباً صفيقاً، ووقف في الشمس، وكان حجم أعضائه يبدو من ورائه، ولو وقف في ماءٍ صافٍ لم تصح صلاته، لأنه لا يحول بين الناظر وبين لون البشرة إلا إذا غلبت الخضرة لتراكم الماء، فإن خاض فيه إلى عنقه ومنعت الخضرة من رؤية لون أبي البشرة فحينئذ يجوز، وقوله: (ولا الماء الصافي) المراد منه غير هذه الحالة وإن كان اللفظ مطلقاً.
ولو وقف في ماء كدر وصلى، فهل يجزئه؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه يجزئه؛ لأنه يمنع مشاهدة اللون، فأشبه ورق الشَّجَرِ، والجلد، وغيرها.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه لا يعد ساتراً، حكي هذا عن "الحاوي" 2 ونقله أبو اَلْحَسَنِ العَبَّادِيّ عن القفال أيضاً، وإنما تفرض الصلاة في الماء إذا قدر على الركوع والسجود [على الأرض، أو كان في صلاة الجنازة حتى لا يحتاج إلى الركوع، والسجود] 3 ولو طين عورته واستتر اللون أجزأه، وإن قدر على الستر بالثياب لحصول مقصود الستر هذا هو المشهور، وذكر إمام الحرمين أنه متفق عليه بين الأصحاب، لكن صاحب "العدة" قال فيه وجه آخر: أنه لا يجوز؛ لأنه إذا جف تشقق فلا يحصل به السَّتْر، وهذا قريب من [الوجه] 4 المحكى في الماء الكدر، فإن السَّتْرَ بهما مما لا يعتاد بحال، فليكن كل واحد من اللفظين (الماء الكدر والطين) معلماً بالواو.
وإذا فرعنا على الظاهر فلو لم يجد ثوباً ونحوه وأمكنه التطيين، فهل يجب عليه ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وبه قال أبو إسحاق لما فيه من المشقة والتلويث.
وأصحهما: نعم؛ لحصول السَّتْر، وإذا طين فإن كان الطين ثخينًا، وأمكن الاحتراز عن مس الفرج بثخنه فذاك، وإن كان رقيقًا فيلف خرقة على اليد إن وجدها، وله أن يستعين فيه بغيره، وكل هذا إذا عجز عن تقديم التطيين على الوضوء
القول في صفة الستر:
المسألة الثانية: في كيفية الستر، قال الأصحاب: الستر يرعى من الجوانب، ومن فوق ولا يرعى من أسفل الإزار والذيل، حتى لو صلى في قميص متسع الذيل جاز، وإن كان على طرف سطح يرى عورته من نظر من الأسفل؛ [لأن الستر إنما يلزم من الجهة التي جرت العادة بالنظر منها، والعادة لم تجر بالنظر من أسفل] (1) وتوقف إمام الحرمين، وصاحب "المعتمد" في سورة الواقف على طرف السطح؛ [لأن الستر من الأسفل إنما لا يراعى إذا كان على وجه الأرض، فإن التطلع من تحت الإزار لا يمكن إلا بحيلة وتعب، أما إذا كان على طرف السطح] (2) [فالأعين] 1 تبتدر إدراك السَّوْءَة، فليمتنع ذلك، ولو صلَّى في قميص واسع الجيب ترى عورته من الأعلى في حال من أحوال الصلاة إما في الركوع والسجود، أو غيرهما، لم تصح الصلاة لما روي عن سلمة بن الأكوع قال: "قلت يا رسول الله إني رجل أسيد أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: "نَعَمْ، وَأزْرُرْهُ وَلَو بِشَوْكَةٍ" 2.
وطريقه عند سعة الجيب أن يزره كما أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أو يشد وسطه بخيط، أو يشتد موضع الجيب بشيء يلقيه على عاتقه، أو ما أشبه ذلك، وكذا لو لم يكن واسع الجيب، لكن كان على صدر القميص، أو ظهره خرق تبدو منها العورة، فلا بد من شيء مما ذكرناه، ولو كان القميص بحيث يرى من سعة جيبه شيئاً من العورة عند الركوع والسجود لكن منع منها لحيته، أو شعر رأسه، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تجزئه صلاته؛ لأن الساتر لا بد وأن يكون غير المستتر، فلا يجوز أن يكون بعضه لباساً له، وهذا ما ذكره القاضي ابن كج، والروياني.
وأصحهما: أنه يجوز لحصول مقصود الستر كما لو ستره بمنديل، وكما لو كان على إزاره ثقبة فجمع عليها الثوب بيده، ولو ستر باليد الثقبة ففيه الوجهان، ولا يخفى أن الكلام فيما إذا لم تمس السوءة، ولو كان القميص بحيث تظهر منه العورة عند الركوع، ولا مانع وكان لا يظهر شيء منها في القيام فهل تنعقد صلاته ثم إذا انحنى بطل، أو لا تنعقد أصلاً؟ قال إمام الحرمين: فيه هذان الوجهان؛ لأن سبب عدم التكشف التصاق صدره في القيام بموضع إزاره.
وتظهر فائدة الخلاف فيما لو اقتدى به غيره قبل الركوع، وفيما لو ألقى ثوباً على (1)، (2) سقط في "ب".
عاتقه قبله، ويتبين بما ذكرناه أن قوله: (إلا إذا كانت كثافة لحيته مانعة من الرؤية) ليس لحصر الاستئناء في هذه الصورة، بل لو صلى في قميص متسع الجيب وشد وسطه، أو أتى بطريق آخر يمنع الرؤية كما سبق جاز [وقوله] 1 (وكذا لو ستر باليد بعض عورته) في جريان الوجهين، والأصح منهما.
وأعلم: أنه يشترط في الستر أن يكون الساتر شيئاً يشتمل المستور عليه إما باللبس كالثوب والجلد، أو بغير اللبس كما في سورة التطيين، فأما الفسطاط الضيق ونحوه فلا عبرة به؛ لأنه لا يعد مشتملاً عليه، وإنما يقال: هو داخل فيه.
ولو وقف في جب وصلى على جنازة، فإن كان واسع الرأس تظهر منه العورة لم يجز، وإن كان ضيق الرأس فقد قال في "التتمة": يجوز ذلك، ومنهم من قال: لا يجوز؛ لأنه لا يعد ذلك سترًا 2.
قال الغزالي: وَلَوْ وَجَدَ خِرْقَةً لاَ تَكْفِي إِلاَّ لإحْدَى سَوْءَتَيْهِ لَمْ يَسْتُرْ بِهَا الفَخِذَ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ السَّوْءَتَيْنِ عَلَى أَعْدَلِ الوُجُوهِ إِذْ لاَ تَرْجِيحَ، وَلَوْ عُتِقَتِ الأَمَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَسَتَّرَت وَاسْتَمَرَّتْ فَلَوْ كَانَ الخِمَارُ بَعِيداً فَعَلَى قَوْلي سَبْقِ الحَدَثُ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان نذكرهما، وما يليق بهما في قاعدتين:
أحدهما: إذا لم يجد المصلي ما يستر به العورة صلى عارياً، والقول في إنه كيف يصلي؟ وإذا صلى هل يقضي؟ قد سبق في آخر كتاب التيمم، ولو حضر جمع من العراة؛ فلهم أن يصلوا جماعة، وينبغي 3 أن يقف إمامهم وسطهم كالنسوة إذا عقدن الجماعة، وهل يسن لهم إقامة الجماعة أم الأولى أن ينفردوا؟ فيه قولان: "القديم" أن الانفراد أولى 4، ويحكى عن ابن حنيفة، ولو كان فيهم لاَبِسٌ فليؤمهم، وليقفوا صفاً واحداً خلفه فإن خالفوا فأم عارٍ واقتدى به اللابس جاز خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجوز اقتداء اللابس بالعاري، ولو اجتمع رجال ونساء فلا يصلون معاً، لا في صف واحد ولا في صفين، بل يصلي الرجال أولاً، والنساء جالسات خلفهم مستدبرات
للقبلة، ثم يصلي الرجال والنساء جالسون خلفهن، كذلك ولو وجد المصلي ما يستر به بعض العورة، فعليه أن يستر به القدر الممكن بلا خلاف، لا كمن يجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته، فإن فيه خلافاً قدمناه؛ لأن للماء بدلاً ينتقل إليه، والستر بخلافه، ثم إن كان ما وجده يكفي للسوءتين بدأ بهما، ولو كان لا يكفي إلا إحداهما لم يعدل إلى ستر غيرهما كالفخذ؛ لأن ما سوى السوءتين كالتابع والحريم لهما، فسترهما أهم وأولى، وفيهما ثلاثة أوجه:
أصحها: عند جمهور الأصحاب، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- أنه يستر القبل رجلاً: كان أو امرأة؛ لأنه لا حائل دون القبل، ودون الدبر حائل وهو الأليتان.
والثاني: أنه يستر الدبر؛ لأنه أفحش عند الركوع والسجود.
والثالث: أنه يتخير لتعارض هذين المعنيين، حكى هذا الوجه القاضي ابن كج وغيره، وهو أرجح عند المصنف، وأعدل لتقابل الأمرين وانتفاء الترجيح، لكن من صار إلى الوجه الأول ذكر شيء آخر وهو أنه يستقبل بالقبل القبلة، فيكون ستره أهم تعظيماً لها، وهذا كله في واضح الذكورة والأنوثة.
أما الخنثى المشكل إن وجد ما يستر به قبله ودبره قدم سترهما، فإن لم يف الموجود بهما وفرعنا على أنه يقدم القبل فيستر قُبُليه، فإن كان لا يكفي إلاَّ لأحدهما سَتَرَ أيهما شاء، والأولى أن يستر آلة الرجال إن كان ثَمّ امرأة، وآلة النساء إن كان ثم رجل، ثم ما ذكرناه من تقديم السوءتين أو أحدهما على الفخذ وغيره، ومن تقديم إحدى السوءتين على الأخرى على الخلاف الذي فيه كلام في الاستحقاق، أو في الأولوية والاستحباب.
قال إمام الحرمين: لا يمتنع أن يقال: الكلام في الأولوية، وله ستر ما شاء؛ لأن الفخذ وما دون السّرَّة من العورة، ولا فرق عندنا بين السوءة وغيرها في وجوب الستر.
وأبو حنيفة -رحمه الله- هو الذي يفصل ويقسم العورة إلى مُغَلَّظَة ومخففة.
قال: وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه في التحتم نظر إلى عرف الناس، فإن من ستر فخذه وترك السوءة بادية يعد منكشفاً.
واعلم: أن الأول من هذين الاحتمالين هو الذي أورده طائفة منهم القاضي والروياني، وردوا 1 الكلام إلى الأولوية صريحاً.
والثاني: قضية كلام الأكثرين وهو الأولى.
وقوله في الكتاب: (لم يستر بها الفخذ) إن كان المراد منه أحد الاحتمالين، فليعلم بالواو لمكان الثاني، وإن كان المراد المشترك بينهما وهو الظاهر فذاك.
الثانية: لو كانت الأمة: تصلي مكشوفة الرأس فعتقت في خلال الصلاة، نظر إن لم تقدر على السترة مضت في صلاتها كالعاجز يأتي بجميع الصّلاة في العرى، وإن كانت قادرة على الستر لكنها لم تشعر بقدرتها عليه، أو لم تشعر بالعتق حتى فرغت من الصلاة، ففي وجوب القضاء عليها القولان المذكوران فيما إذا صلى جاهلاً بنجاسة ثوبه، ومنهم من قطع بالوجوب هاهنا، لأنها كانت متمكنة من السَّتْرِ قبل الشُّرُوع في الصلاة، وإن شعرت بهما فإن كان الخمار قريباً منها فطرحته على رأسها، أو طرحه غيرها عليها مضت في صلاتها، وكان ذلك بمثابة ما لو كشف الريح عورته فرد الثوب في الحال، وإن كان بعيداً، أو احتاجت 1 في التستر إلى أفعال كثيرة، ومضى مدة في التكشف ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث، فإن فرعنا على القديم فلها أن تسعى في طلب الساتر، كما يسعى في طلب الماء، وإن وقفت حتى أتيت به نظر، إن وصل إليها في المدة التي كانت تصل إليه لو سعت فلا بأس، وإن زادت المدة فوجهان:
أحدهما: يجوز ذلك، لما فيه من ترك المشي والأفعال.
وأظهرهما: لا يجوز وتبطل صلاتها لزيادة المدة، وكثرة الأفعال لا بأس بها على القول الذي يفرع عليه، وينبغي أن يطرد هذا التفصيل، والخلاف في طلب الماء عند سبق الحدث، وإن لم تذكره ثم هو لو شرع العاري في الصلاة ثم وجد السترة في أثنائها، فحكمه على ما ذكرناه في الأمة تعتق وهي واجدة السترة 2.
وتختم الكلام في هذا الشرط بفروع مهمة:
منها: أنه ليس للعاري أخذ الثوب من مالكه قهرًا 3 ولو وهبه منه لم يلزمه قبوله 4، وحكي فيه وجهان آخران:
أحدهما: أنه يلزمه القبول والصلاة فيه، ثم له الرد.
والثاني: عليه القبول، وليس له الرد، ولو أعاره منه فعليه القبول، فلو لم يقبل وصلى عُرْيَانًا لم تصح صلاته 1.
ولو باعه أو أجره منه فهو كما لو بيع الماء منه، وقد ذكرناه في "التيمم" وإقراض الثوب كإقراض الثمن.
ولو احتاج إلى شراء الثوب والماء، ولم يقدر على شرائهما يقدم شراء الثوب.
ومنها: لو أوصى بثوبه لأولى النَّاس به في ذلك الموضع فالمرأة أولى من الرجل والخنثى أولى من الرجل.
ومنها: لو لم يجد إلا ثوباً نجساً، ولم يجد ما يغسله به فقولان:
أحدهما: يصلي فيه تستراً عن أعين الناس كما أنه يجب التستر به خارج الصلاة، وعلى هذا تجب الإعادة.
وأصحهما: أنه يصلي عارياً ولا يلبسه، فإن لم يجد إلا ثوب حرير فأصح الوجهين أنه يصلِّي فيه؛ لأن لبس الحرير يياح للحاجة 2.
ومنها: يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ما يجده من ثيابه يتعمَّم، ويتقمَّص ويرتدي، فإن اقتصر على ثوبين فالأفضل قميص ورداء، أو قميص وَسَرَاوِيل؛ فإن اقتصر على واحد فالقميص أولى، ثم الإزار ثم السراويل، وإنما كان الإزار أولى؛ لأنه يتجافى، ثم في الثوب الواحد، إن كان واسعًا التحف به وخالف بين طرفيه، كما يفعل القصار في الماء، وإن كان ضَيِّقًا عقده فوق سرته، ويجعل على عاتقه شيئاً.
ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها؛ ولا يبين حجم أعضائها 3.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الرَّابعُ تَرْكُ الكَلاَمِ، وَالعَمْدُ مِنْهُ مَعَ العِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَتَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِالحَرْفِ الوَاحِدِ إنْ كَانَ مُفْهِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفهِمًا فَلاَ تَبْطُلُ إِلاَّ بِتَوَالِي حَرْفَيْنِ، وَفِي حَرْفٍ بَعْدَهُ مَدَّةٌ تَرَدُّدٌ، وَالتَّنَحْنُحُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُبْطَلٌ فِي أَصَحِّ الوُجُوهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتِ القِرَاءَةُ إِلاَّ بِهِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الجَهْرُ فَوَجْهَانِ.
القول في الكلام في الصلاة
قال الرافعي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ صَلاتَنَا هَذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الآدَمِّيِينَ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَتِلاَوَةُ الْقُرْآنِ" 1.
وروي أن -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مَن أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وإنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لاَ تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" 2.
للمتكلم في الصلاة حالتان:
أحداهما: أن لا يكون معذوراً فيه.
والثانية: أن يكون معذوراً، وهذا الفصل مسوق لبيان الحالة الأولى فينظر إن نطق بحرف واحد لم تبطل صلاته، إلا إذا كان مفهمًا أما أنه لا تبطل إذا لم يكن مفهماً، فلأن أقل ما بني عليه الكلام حرفان، والحرف الواحد ليس من جنس الكلام، وأما أنه تبطل إذا كان مفهمًا فلاشْتِمَالِهِ على مقصود الكلام، والإعراض به عن الصلاة، ومثال الحرف الواحد المفهم "ق" و"ش" و"من" و"قي" و"وشي" وما أشبه ذلك، فإنه يفهم وإن كان ينبغي أن يسكت عليها بالهاء، وإن نطق بحرفين، بطلت صلاته، سواء أفهما أم لا؛ لأن ذلك من جنس الكلام، والكلام ينقسم إلى مفيد وغير مفيد، ولو أتى بحرف ومدَّة بعده، فهل هما كالحرفين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها قد تتفق لإشباع الحركة ولا يعد حرفًا.
= بالتيمم ويكره أن يصلي في ثوب فيه صور، ويكره أن يصلي الرجل ملثماً؛ والمرأة منتقبه، وأن يغطي فاه إلا أن يتثاءب فإن السنة حينئذ أن يضع يده على فمه، ويكره أن يشتمل الصماء، وأن يئتمل اشتمال اليهود، فالصماء: أن يجلل بدنه بالثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر، واشتمال اليهود كذلك إلا أنه لا يرفع طرفيه، وقيل: هما بمعنى، والمراد بهما الثاني.
الروضة (1/ 393، 394).
وأظهرهما: نعم؛ لأن المدة ألف أو ياء أو واو، وهي حروف مخصوصة فضمها إلى الحرف كضم حرف آخر إليه؛ ومال إمام الحرمين إلى رفع هذا الخلاف، بحمل الوجه الأول على ما إذا اتبعه بصوت غفل لا يقع على صورة المدات، والجزم بالمنع إذا اتبعه بحقيقة المدِّ، وفي التنحنح ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه إن لم يبن منه حرفان فلا تبطل الصلاة، وإلا فيبطلها، كما لو أتى بحرفين على وجه آخر.
والثاني: أنه لا تبطل، وإن بَانَ منه حرفان؛ لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يتبين منه حرف محقق فأشبه الصوت الغفل، وحكي هذا عن نص الشافعي -رضي الله عنه-.
والثالث: ذكره القَفَّالُ أنه إن كان مطبقًا [فمه] 1 لم يضر، وإن كان فاتحًا فمه ننظر حينئذ: هل يبين منه حرفان أم لا؟.
والفرق أنه إن كان مطبقاً شفتيه كان التنحنح كقرقرة في التجاويف، فإذا فرعنا على الأول وهو الذي قطع به الجمهور، فذلك إذا أتى به قصداً من غير حاجة، فأما إذا كان مغلوباً فلا بأس، ولو تعذرت القراءة إلا به تنحنح، وهو معذور، وإن أمكنه القراءة لكن تعذر عليه الجهر لو لم يتنحنح ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يعذر به إقامةً لشعار الجهر، ولأن التنحنح في أثناء القراءة لا يعد منقطعاً عن القراءة، بل يعد من توابعها.
وأظهرهما: أنه ليس بعذر؛ لأن الجهر أدب وسنة، ولا ضرورة إلى احتمال التنحنح له، ولو تنحنح الإمام وظهر منه حرفان؛ فهل للمأموم أن يدوم على متابعته؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي الحسين:
أحدهما: لا، بل يفارقه؛ لأن الأصل سلامته، وصدور أفعاله عن اختياره.
وأظهرهما: أن له أن يدوم على متابعته؛ لأن الأصل بقاء العبادة، والظاهر من حالة الاحتراز عن مبطلات الصلاة، فيحمل على كونه مغلوباً، والضحك والبكاء والنفخ والأنين كالتنحنح، إن بَانَ منها حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا؛ ولا فرق بين أن يكون بكاءه لأمر الدّنيا أو الآخرة.
وعند أبي حنيفة إن كان الأنين والبكاء لأمر الجنة والنَّار لم يضر، وإن كان لمرض ونحوه بطلت صلاته بكل حال.
إذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب: واعلم أن قوله: (والعمد منه مبطل للصلاة) الغرض منه بيان حكم الكلام في غير المعذور لإدارة الحكم على وصف العَمْدِية، فإنه قد يتكلم عامدًا ولا تبطل صلاته على ما سيأتي في الأعذار، لكن الوصف المقابل للعمدية وهو النسيان أشهر الأعذار، فكنى بالعامد من غير المعذور.
وقوله: (فتبطل الصلاة بالحرف الواحد...) إلى آخره، إشارة إلى حد القليل، معناه: ما قَلَّ، هو الحرف الواحد، إن كان مفهماً أو حرفان كيفما كانا.
وقوله: (والتنحنح لغير ضرورة مبطل في أصح الوجوه) مطلق، والمراد منه ما إذا ظهر منه حرفان، فإن قُلْتَ: لو لم يظهر إلا حرف واحد لم يقع عليه اسم التنحنح، وقد تعرض في الكتاب للتنحنح، فلا حاجة إلى التقييد المذكور.
فالجواب أن انتفاء ظهور الحرفين قد يكون لانحصار 1 ما ظهر في الحرف الواحد، وقد يكون لاسترسال سعال، لا يبين منه حرف أصلاً فلا بد من التقييد.
قوله: "لغير ضرورة" كان المراد بالضرور الحاجة، وإلا فيدخل في قوله: (والتنحنح لغير ضرورة مبطل) ما إذا تعذرت القراءة إلا به؛ لأنه يمكنه الصبر، فلعلها تتيسر على قربٍ، وحينئذ يكون ما ذكره حكماً بالبطلان في تلك الصورة، ومعلوم أنه ليس كذلك.
قال الغزالي: وَلاَ تَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِسَبْقِ اللِّسَانِ وَلاَ بِكَلاَمِ النَّاسِي (ح)، وَلاَ بِكَلاَمِ الجَاهِلِ (ح) بِتَحْرِيمِ الكَلاَمِ إِنْ كَانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِالْإِسْلاَمِ، وَهَلْ تَبْطُلُ بِكَلاَمِ المُكْرَهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَمَصْلَحَةُ الصَّلاَةِ لَيْسَتْ عُذْرًا (م) فِي الكَلاَمِ.
قال الرافعي: غرض هذا الفصل القول في أعذار الكلام.
فمنها: سباق اللسان إلى الكلام عن غير قصد منه، لا يقدح في الصَّلاة بحال؛ لأنا سنبين أن الناسي معذور، فهذا أولى؛ لأن الناسي يتكلم قاصداً إليه وإنما غفل عن الصلاة، وهذا غير قاصد إلى الكلام، وكذلك لو غلبه الضحك أو السعال لم يضر وإن بَانَ منه حرفان، ومنها النّسيان، فلا تبطل الصلاة بكلام الناسي للصلاة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: كلام الناسي ككلام العابد، وسلم أبو حنيفة أن كلام الناسي لا يبطلها، وعن أحمد روايتان:
أحداهما: مثل مذهبه، والأشهر مثل مذهبنا.
لنا ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيَتَ، فَقَالَ: كُلَّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ.
[فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذلِكَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ] 1 فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقِيلَ: نَعَمْ فَأتَمَّ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاَةِ، وَسَجَدَ للسَّهْوِ" 2.
ووجه الاستدلال: أنه تكلم معتقدًا أنه ليس في الصلاة، ثم بني عليها.
وأيضاً القياس على السلام ناسياً، وعلى الأكل في الصوم ناسياً.
ومنها: الجهل بتحريم الكلام على المصلي، لما روي عن معاوية بن الحكم قال: "لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ الْحَبَشَةِ، صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَطَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَحَدَقَنِي النَّاسُ بأَبْصَارِهِمُ، فَقُلْتُ: مَا شَأَنكُم تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَضَرَبُوا بِأيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِم يُسَكِّتُونَنِي، فسَكت، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: يَا مُعَاوَيةُ إِنَّ صَلاتَنَا هذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" 3.
وهذا عذر في حق قريب العهد بالإسلام، فإن كان بعيد العهد به بطلت صلاته، لأنه مقصر بترك التعلم، ولو علم أن الكلام حرام "في الصلاة" ولكن لم يعلم أنه مبطل لها لم يكن ذلك عذرًا، كما لو علم أن شرب الخمر حرام ولم يعلم أنه يوجب الحد، بخلاف ما لو لم يعلم التحريم، والسبب فيه أنه بعد ما عرف التحريم حقه الامتناع.
وقال في "الوسيط" عقيب هذه المسألة: الجهل بكون التنحنح أو ما يجري مجراه مبطلاً فيه تردد -يعني- وجهين، والأصح أنه عذر، ويبعد أن يكون التصوير فيما إذا جهل كون التنحنح مبطلاً بعد العلم بتحريمه، فإنا إنما اكتفينا في المسألة السابقة بالعلم بالتحريم من حيث إنه إذا علم التحريم فينبغي أن يمتنع عن الحرام، ولا حاجة إلى العلم بكونه مبطلاً، وهذا موجود في التنحنح فلا يظهر بينهما فرق مع التسوية في الحرمة، والقول 4 بكونهما مبطلين، ولكن الأقرب شيئان:
أحدهما: أن يكون هذا التردد في الجاهل، لكون التنحنح مبطلاً بعد العلم بكون الكلام مبطلاً، أو حراماً؛ لأن التنحنح وإن بَانَ منه حرفان لا يعد كلاماً، فلا يلزم من العلم بالمنع عن الكلام العلم بالمنع منه، والتردد على هذا التنزيل قريب من التردد فيما إذا علم أن جنس الكلام محرم ولم يعلم أن ما أتى به، هل هو
[محرم] 1 أم لا؟ والظاهر في الصورتين أنه معذور.
والثاني: أن يكون التردد في حق بعيد العهد بالإسلام، إذا جهل كون التنحنح مبطلاً هل يعذر أم لا؟ فعلى رأي لا، كما إذا جهل كون الكلام مبطلاً، وعلى رأي: نعم؛ لأن ذلك مشهور لا يكاد يجهله مُسْلِمٌ، وهذا ما يختص بمعرفته الفقيه -والله أعلم-.
ومنها: الإكراه فلو أكره حتى تكلم، هل تبطل صلاته؟ فيه قولان، كالقولين فيما لو أكره الصائم على الأكل.
أحدهما: لا تبطل صلاته إلحاقًا للإكراه بالنسيان.
وفي الخبر: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 2.
وأصحهما: ولم يذكر في "التهذيب" سواه: أنها تبطل؛ لأنه أمر نادر بخلاف النسيان، وصار كما لو أكره على أن يصلي بلا وضوء أو قاعداً تجب عليه الإعادة، ولا يكون عذراً، ثم جميع هذه الأعذار في الكلام اليسير، فأما إذا كثر ففي صورة النسيان وجهان مشهوران:
أحدهما: أنها لا تبطل الصلاة؛ لأنه لو أبطلها 3، لأبطلها القليل، كما في حالة التعمد، وبهذا قال أبو إسحاق.
وأظهرهما: عند الجمهور: أنها تبطل، وعليه يدل كلام الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" وذكروا له معنيين:
أحدهما: أن الاحتراز عن الكثير سهلٌ غالباً؛ لأن النسيان فيه يبعد ويندر، وما يقع نادراً لا يعتد به.
والثاني: أنه يقطع نِظْمَ الصَّلاَةِ وهيئتها، والقليل يحتمل لقلته، ورتبوا على هذه المسألة بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسياً، إن قلنا: لا تبطل الصلاة فالصوم أولى بالاَّ يبطل، وإن قلنا: ببطلان الصلاة، ففي الصوم وجهان مبنيان على المحنيين، إن قلنا: بالمعنى الأول يبطل وإن قلنا: بالثاني فلا إذ ليس في الصوم أفعال منظومة حتى يفرض انقطاعها، وإنما هو انكفاف مجرد، وأجرى صاحب "المهذب" وغيره هذا الخلاف في
حالة الجهل أيضاً، وكذلك في سبق اللسان، وما الحد الفارق بين القليل والكثير؟ حكي في "البيان" عن الشيخ أبي حامد أن الكلام اليسير حده الكلمة والكلمتان والثلاث ونحوها 1، [وعن] ابن الصباغ أن اليسير هو: القدر الذي تكلم به النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ذي اليدين وكل واحد منهما للتمثيل أصلح منه للتحديد، والأظهر فيه وفي نظائره الرجوع إلى العادة على ما سيأتي.
إذا عرفت ذلك عرفت أن قوله: (ولا تبطل لسبق اللسان، ولا بكلام الناسي...) إلى آخره المراد منه الكلام اليسير وإن كان اللفظ مطلقاً إلا أن يريد الجواب على الوجه المنسوب إلى أبي إسحاق، فحينئذ لا حاجة إلى التقييد، ويحتاج إلى الإعلام بالواو والظاهر أنه ما أراد إلا اليسير.
وقوله: (ولا بكلام النَّاسِي) معلم بالحاء والألف لما قدمناه، ولك أن تعلم قوله: (ولا بكلام الجاهل) بالحاء أيضاً لأن في كلام أصحابنا حكاية الخلاف عن أبي حنيفة في صورة الجهل أيضاً.
وقوله: (بأن كان قريب العهد بالإسلام) في بعض النسخ إن كان قريب العهد، وهو أولى؛ لأن الغرض تقييد الجاهل، وإنما يقال: بأن يكون كذا في موضع التفسير والبيان.
وقوله: (ومصلحة الصلاة ليست عذراً في الكلام) الغرض منه بيان أنه لا فرق بين أن يتكلم لمصلحة الصلاة مثل أن يقول: لإمامه الساهي بالقيام: اقعد، أو بالقعود: قم، أو تكلم لا لمصلحتها، وكونه لمصلحتها ليس من جملة الأعذار، خلافاً لمالك -رضي الله عنه- وهو رواية عن أحمد في حق الإمام خاصة.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْكَلاَمُ يَنْقُضُ الصَّلاَةَ وَلاَ يَنْقُضُ الوُضُوءَ" 2.
وهذا مطلق.
واحتج الأصحاب أيضاً بأن المأموم إذا أراد تنبيه الإمام على سهوه فالسُّنة له أن يسبح إن كان رجلاً، وإن تصفق إن كانت امرأة فلو جاز أن ينبه بالكلام لما أمر بالعدول إلى التسبيح، وغيره.
واعرف هاهنا شيئين:
أحدهما: أن التسبيح والتصفيق لا اختصاص لهما بحالة تنبيه الإمام، بل متى ناب الرجل شيء في صلاته كما إذا رأى أعمى يقع في بئر واحتاج إلى تنبيهه أو استأذنه إنسان في الدخول، وأراد إعلام غيره أمراً فالسُّنَّة له أن يسبح، والمرأة تصفق، في جميع ذلك لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا نَابِ أَحَدُكُمْ شَيْءٌ فِي صَلاَته، فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّمَا التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" 1.
والثاني: أن المراد من التصفيق أن تضرب بطن كلها الأيمن على ظهر كلها الأيسر.
وقيل: أن تضرب أكثر أصابعها اليمنى على ظهر أصابعها اليسرى.
وقيل: هو ضرب أصبعين على ظهر الكف، والمعاني متقاربة، والأول أشهر، ولا ينبغي أن تضرب بطن الكف على بطن الكف، فإن ذلك لعب، ولو فعلت ذلك على وجه اللعب بطلت صلاتها، وإن كان ذلك قليلاً، لأن اللعب ينافي الصلاة، فهذا شرح مسائل الكتاب، وينخرط في سلك الأعذار سوى ما ذكره أمور:
منها: ما يقع جوابًا للرسول -صلى الله عليه وسلم- فإذا خاطب مصلياً في عصره وجب عليه الجواب، ولم تبطل بذلك صلاته.
ومنها: لو أشرف إنسان على الهلاك، فأراد إنذاراه وتنبيهه ولم يحصل ذلك إلا بالكلام فلا بد له من أن يتكلم، وهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو إسحاق واختاره جماعة من الأصحاب-: لا كإجابة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وأصحهما: عند الأكثرين، نعم للنصوص المطلقة، ويستثنى جواب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لشرفه، ولهذا أمر المصلي بأن يقول: سلام عليك أيها النبي؛ ولا يجوز أن يقول ذلك لغيره.
ومنها: ما حكى المحاملي وغيره: أنه لو قال: آه من خوف النار لم تبطل صلاته، والمشهور خلافه.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ عَلَى قَصْدِ القِرَاءَةِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلاَّ التَّفْهِيمَ بَطُلَتْ، وَفِي السُّكُوتِ الطَّوِيلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الكلام الذي يقدح في الصلاة عند عدم الأعذار هو ما عدا القرآن والأذكار، وما في معناها فأما القرآن: فإذا أتى بشيء من نظمه قاصداً به القراءة لم يضر، وإن قصد مع القراءة شيئاً آخر كتنبيه الإمام أو غيره والفتح على من ارتج عليه، وتفهيم أمر من الأمور مثل أن يقول لجماعة يستأذنون في الدخول (ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ) أو يقول: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) وما أشبه ذلك ولا فرق بين أن يكون منتهياً في قراءته إلى تلك الآية أو ينشئ قراءتها حينئذ.
وقال أبو حنيفة: إذا قصد شيئاً آخر سوى القراءة بطلت صلاته، إلا أن يريد تنبيه الإمام أو المَارِّ بَيْنَ يديه، وكذا لو أتى بذكر وتسبيح في الصلاة، وقصد به مع الذكر شيئاً آخر ففيه مثل هذا الخلاف، وذلك مثل أن يحمد الله تعالى على عطاس، أو بشارة يبشر بها، أو يخبر بما يسوءه فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
لنا: ما روي عن علي -رضي الله عنه- قال: "كَانَتْ لِي سَاعَةٌ أَدْخُلُ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَإنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ سَبَّحَ، وَذلِكَ إِذْنُهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ أَذِنَ" 1 ولأنه قصد الإفهام والإعلام بشيء مشروع في الصلاة فلا يضر؛ كما لو قصد تنبيه الإمام والمار بين يديه، ونقل صاحب "البيان" وغيره وجهاً عن بعض أصحابنا أيضاً، أنه إذا قصد مع التلاوة شيئاً آخر بطلت صلاته، فليكن قوله: (وإن قصد التفهيم) معلماً بالحاء والواو كذلك، وإن لم يقصد إلا الإفهام والإعلام فلا خلاف في بطلان الصلاة، كما لو أفهم بعبارة أخرى، ولو أتى بكلمات لا توجد في القرآن على نظمها وتوجد مفرداتها، مثل أن يقول: (يا إبراهيم)، (سلام) (كن) بطلت صلاته ولم يكن لها حكم القرآن بحال.
وأما الأذكار والتسبيحات والأدعية بالعربية فلا تقدح أيضاً، سواء المسنون وغير المسنون منها، نعم ما فيه خطاب مخلوق غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجب الاحتراز منه فلا يجوز أن يقول للعاطس: يرحمك الله.
وعن يونس بن عبد الأعلى 2 عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه لا يضر ذلك، وصحح القَّاضِي الرّوَيانِي هذا القول، والمشهور الأول، ويدلُّ عليه ما قدمنا من حديث
معاوية بن الحكم، ولم ينقل خلاف في أنه لا يجوز أن يسلم، ولا أن يرد السلام لفظًا ويرده إشارة بيده أو برأسه، خلافاً لأبي حنيفة.
ولو قال: يرحمه الله، أو عليه السلام لم يضر، هذا هو الكلام في إحدى مسألتي الغسل وما يتعلق بها.
والثانية: السكوت اليسير في الصَّلاَةِ لا يضر بحال، وفي السكوت الطويل إذا تعمده وجهان:
أحدهما: أنه يبطل الصلاة؛ لأنه كالإضراب عن وظائفها، إذ اللائق بالمصلي الذكر والقراءة والدعاء، ومن رآه في سكتة طويلة سبق إلى اعتقاده أنه ليس في الصلاة كما إذا رآه يتكلم.
وأصحهما: لا تبطل؛ لأن السكوت لا [يحرم] 1 هيئة الصلاة وما يجب فيها من رعاية الخضوع والاستكانة، وخص في "التهذيب" الوجهين بما إذا سكت لغير غرض، فأما لو سكت طويلاً لغرض بأن نسي شيئاً فتوقف لتذكر: فلا تبطل صلاته ولا محالة، ولو سكت سكوتًا طويلاً ناسياً، وقلنا: إن عمده مبطل فطريقان:
أحدهما: التخريج على الخلاف المذكور في الكلام الكثير ناسياً.
والثاني: أنه لا يضر جزماً تنزيلاً له منزلة الكلام اليسير، ولهذا عند التعمد جعل طويل السكوت كقليل الكلام، وسومح بقليل السكوت.
قال في "الوسيط": وهذا أصح.
واَعلم: أن الإشارة المفهمة من الأخرس نازلة منزلة عبارة الناطق في العقود، وهل تبطل الصلاة بها؟ أجاب الإمام الغزالي -رحمه الله- في "الفتاوى" بأنها لا تبطل ورأيت بخط والدي -رحمه الله- حكاية وجه آخر أنها تبطل ككلام الناطق.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الْخَامِسُ: تَرْكُ الأَفْعَالِ الكَثِيرَةِ، والكَثِيرُ مَا يُخَيِّلُ لِلنَّاظِرِ الإِعْرَاضَ عَنِ الصَّلاَةِ كَثَلاَثَ خُطُوَاتٍ أوْ ثَلاثِ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَلاَ تَبْطُلُ بِمَا دُونَهُ، وَلاَ بِمُطَالَعَةِ القُرْآن، وَلاَ بِتَحْرِيكِ الأَصَابع فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكَّةٍ عَلَى الأظْهَرِ.
قال الرافعي: ما ليس من أفعال الصلاة ضربان:
أحدهما: ما هو من جنسها، فإن فعله ناسياً عُذِّر، ولم تبطل صلاته، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الحَالُ سَجَدَ للسَّهْوِ وَلَمْ يُعِدِ
الصَّلاَةِ" 1، وإن كَانَ عامدًا بطلت سواء كثر أو قلّ كركوع وسجود ونحوهما؛ لأنه تلاعب في الصلاة، وإعراض عن نظام أركانها.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل صلاته بزيادة الركوع والسجود عمداً، وإنما تبطل بزيادة ركعة.
والضرب الثاني: ما ليس من جنس أفعال الصَّلاَةِ، وهو المقصود في الكتاب، فلا خلاف أنه يفرق فيه بين القليل والكثير؛ لما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى وَهُوَ حَامِلُ أُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ رَفَعَهَا".
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ الحية وَالعَقْرَبِ" 2.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- "أَخَذَ بِأُذُنِ ابْنِ عَبَّاس -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَأدَارَهُ مِنْ يَسَارِهِ إِلَى يَمِينِهِ" 3.
ودخل أبو بكر المسجد والنبي -صلى الله عليه وسلم- في الركوع فركع خيفة أن يفوته الركوع ثم خطا خطوة ودخل الصف، فلما فرغ قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "زَادَكَ اللهُ حِرصاً، وَلاَ تَعُدْ" 4 ولم يأمره بالإعادة.
وروي "أَنَّهُ صَلَّى -صلى الله عليه وسلم- سَلَّمَ عَلَيهِ نَفَر مِنَ الأَنصَارِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالإشَارَةِ" 5.
دلت هذه الأخبار ونحوها، على احتمال الفعل القليل في الصلاة، وإلى هذا أشار المصنف حيث قال في ترجمة الشرط "ترك الأفعال الكثيرة" وفي الكلام لما استوى قليله وكثيره في الإبطال، أطلق فقال: (ترك الكلام).
والمعنى فيه: أنه يعسر على الإنسان أو يتعذر الكون على هيئة واحدة في زمان طويل، بل لا يخلو عن حركة واضطراب، ولا بد للمصلي من رعاية التعظيم والخشوع، [فعفى عن القدر الذي لا يحمل على الاستهانة بهيئة الخشوع] 6 وأما في
الكلام فالاحتراز عن قليله وكثيره هين، ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير؟ للأصحاب فيه عبارتان غريبتان، وعبارتان مشهورتان، فإحدى الغريبتين أن القليل: ما لا يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة فإن وسع فهو كثير، حكاها صاحب "العدة".
الثانية: أن كل عمل لا يحتاج فيه إلى كلتا اليدين فهو قليل، وما يحتاج فيه إليهما فهو كثير.
فالأول: كرفع العمامة وحل أشرطة السراويل.
والثاني: كتكوير العمامة وعقد الإزرار والسراويل.
وأما المشهورتان:
فإحداهما: ما حكي عن القفال وغيره أن القليل هو القدر الذي لا يظن الناظر إليه أن فاعله ليس في الصلاة، والكثير الذي يظن أن فاعله ليس في الصلاة، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، فقال: "والكثير ما يخيل إلى الناظر الإعراض عن الصلاة" واعترضوا عليها بأن هذا الظن والتخيل إما أن ينشأ من أنه غير محتمل في الصَّلاَة شرعاً، أو أن غالب عادة المصلين الاحتراز عنه من غير أن ينظر إلى محتمل، أم لا، فإن كان الأول فإنما يحصل هذا الظن أو الخيال لمن عرف حد الكثير المبطل، ونحن عنه نبحث، فكأنا قلنا: الكثير هو الذي يحكم ببطلان الصلاة به من عرف أنه مبطل، ومعلوم أن هذا لا يفيد شيئاً، وإن كان الثَّانِي فهو يشكل بما إذا رآه يحمل صبيًا، أو يقتل حية، أو عقربًا، فإنه محتمل مع أن الناظر إليه يتخيل أنه ليس في الصلاة؛ لأنه على خلاف عادة المصلين غالباً.
والثانية: أن الرجوع [في الفرق بينهما] 1 إلى العادة فلا يضر ما يعده النَّاس قليلاً، كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ولبس الثوب الخفيف ونزعه، وما أشبه ذلك، وهذه العبارة هي التي اختارها الأكثرون ومنهم الشيخ أبو حامد ومن تابعه، ولم يذكر صاحب "التهذيب" سواها، وأوردها الصيدلاني مع الأولى، وأشعر إيراده بترجيح هذه الثانية أيضاً، وعند هذا لا يخفى عليك أن قوله: (والكثير ما يخيل إلى الناظر) ينبغي أن يعلّم بالواو إشارة إلى العبارات الآخر، ثم أطبق أصحاب العبارتين المشهورتين على أن الفعلة الواحدة معدودة من القليل 2، كالخطوة الواحدة والضربة الواحدة، وقد
نص عليه الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- وعلى أن الثلاث فصاعداً من الكثير، وفي الفعلتين وجهان محكيان عن رواية القاضي أبي الطيب وغيره.
أحدهما: أنهما من حد الكثير لمكان التكرار، وكالثلاث.
وأصحهما: أنهما من القليل لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "خَلَعَ نَعْلَيْهِ في الصَّلاَةِ" وهما فعلتان، ورأيت في كثير من نسخ الكتاب قوله: (ولا تبطل بما دونه) معلماً بالواو، كأنهم أشاروا به إلى الوجه الأول لكن إنما ينتظم ذلك لو رجعت الكناية في قوله: (بما دونه) إلى الخطوات والضربات ورجوعها إلى قوله: (والكثير أظهر) من رجوعها إلى الخطوات، ألا ترى أنه ذكر الكناية ولم يؤنثها، ثم أجمعوا على أن الكثير إنما يبطل بشرط أن يوجد على التوالي، وإليه أشار بقوله: (متوالية) أما لو تفرق كما لو خطا خطوة، ثم بعد زمانٍ خَطَا خطوة أخرى، وهكذا مراراً لم تبطل صلاته، وكذلك لو خطا خطوتين، ثم بعد زمان خطوتين أخريين إذا قلنا: إن الفعلتين من حد القليل.
واحتجوا عليه بحديث حمل أمامة، فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَحْمِلُهَا وَيَضَعُهَا، ولم يضر ذلك لتفريق الأفعال، والتفريق بأن يعد الثاني منقطعاً عن الأول في العادة.
وقال في "التهذيب": فيما إذا ضرب ضربتين، ثم بعد زمان ضربتين أخرتين.
وحد التفريق عندي أن يكون بين الأوليتين والأخرتين قدر ركعة لحديث أمامة، ثم ما ذكره الأئمة أن الفعلة الواحدة تعد من القليل أرادوا به نحو الطعنة والضربة والخطوة، فأما إذا أفرطت كالوثبة الفاحشة، فإنها تبطل الصلاة، ذكره صاحب [التهذيب] 1 وغيره، وهو قضية العبارتين المشهورتين، وكذلك قولهم: (الثلاث المتوالية من الكثير المبطل) أرادوا من الخطوة وما يشبهها، وأما الحركات الخفيفة، كتحريك الأصابع في سبحة، أو حكة، أو عقد حل، ففيها وجهان:
أحدهما: أنها إذا كثرت وتوالت أبطلت؛ لأنها أفعال متعددة فأشبهت الخطوات.
وأظهرهما: أنها لا تؤثر؛ لأنها لا تخل بهيئة الخشوع، فهي مع كثرة العدد بمثابة الفعل القليل، وقد حكي عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه لو كان يعد الآي في صلاته عقداً باليد، لم تبطل صلاته، وإن كان الأولى أن لا يفعله، وبه قال أبُو حَنِيفَةَ، وجميع ما ذكرناه في ما إذا تعمد الفعل الكثير، فأما إذا أتى به ناسياً فقد حكى في "النهاية" فيه طريقين:
أحدهما: أنه على الوجهين في الكلام الكثير ناسياً.
والثاني: أن أول حد الكثرة لا يؤثر كالكلام اليسير من الناسي، فإن أول حد الكثرة هو الذي يبطل عند التعمد، كالكلام الكثرِ عند التعمد، وما جاوز أول حد الكثرة وانتهى إلى السرف، فهو على الخلاف في الكلام الكثير ناسياً، والذي حكاه الجمهور من هذا الخلاف أنه لا فرق في الفعل الكثير بين العمد والسهو، وهو الذي يوافق ظاهر قوله: (الشرط الخامس ترك الأفعال الكثيرة) وفرقوا بينه وبين الكلام، بأن الفعل أقوى من القول، ولهذا ينفذ إحبال المجنون دون إعتاقه، قالوا: ولا يعارض هذا بأن القليل من الفعل محتمل، والقليل من الكلام غير محتمل؛ لأن القليل من الفعل لا يتأتي الاحتراز عنه، والْكَلاَمُ مما يتأتى الاحتراز عنه من النَوْعَين، -والله أعلم-.
واعلم أنه يستثنى عن إبطال العمل الكثير الصلاة حال شدة الخوف، فيحتمل فيها الركض والعدو عند الحاجة، وهل يحتمل عند عدم الحاجة؟ فيه كلام مذكور في الكتاب في صلاة الخوف على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وأما قوله: (ولا بمطالعة القرآن) فاعلم أنه لو قرأ القرآن من المصحف لم يضر، بل يجب ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة على ما سبق، ولو قلب الأوراق أحيانًا لم يضر؛ لأنه عمل يسير.
وعن أبي حنيفة أنه لو قرأ القرآن من المصحف بطلت صلاته؛ لأن النظر عمل دائم، وعندنا لو كان ينظر في غير القرآن، ويردد في نفسه ما فيه لا تبطل صلاته أيضاً؛ لأن النظر لا يشعر بالإعراض عن الصلاة، وحديث النفس معفو عنه، وحكى القاضي ابن كج وجهاً أن حديث النفس إذا أكثر أبطل الصلاة، وقوله بعد: (مطالعة القرآن): (ولا بتحريك الأصابع في سُبْحَة، أو حكَّة على الأظهر) الوجهان المخصوصان بالتحريك، لا جريان لهما في مطالعة القرآن، فلا يتوهم من العطف غير ذلك.
قال الغزالي: وَإِذَا مَرَّ المَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتَلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ هَذَا لَفْظُ الخَبَرِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِكَرَاهِيةِ المُرُورِ وَاسْتحْبَابِ الدَّفْعِ، فَإِنْ لَمْ يَنصِبِ المُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ خَشبَةً أَوْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ جِدَارًا أَوْ عَلاَمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ الدَّفْعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَقْصِيرِهِ، وَلاَ يَكْفِيهِ أَنْ يَخُطَّ عَلَى الْأرْضِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ أَوْ مُصَلَّى طَاهِرٍ، فَإذَا لَمْ يَجِدِ المَارُّ سَبِيلاً سِوَاهُ فَلاَ دَفْعَ لَهُ بِحَالٍ.
قال الرافعي: السبب الداعي إلى إيراد هذا الفصل هاهنا الاستدلال بالأمر بالدفع على أن الفعل القليل لا بأس به في الصلاة، ثم يتعلق به مسائل مقصودة فجرت العادة بذكرها في هذا الموضع، والخبر المشار إليه ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا مَرَّ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّهُ
شَيْطَانٌ" 1 وروى البخاري في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءِ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ" 2.
قيل: معناه شيطان الإنس.
وقيل: معناه فإن معه شيطانًا، فإن الشيطان لا يجسر أن يمر بين يدي المصلي وحده، فإذا مر إنسي رافقه.
والمستحب للمصلي أن يكون بين يديه ستره من جدار، أو سارية أو غيرهما، ويدنو منها بحيث لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع، وإن كان في الصحراء فينبغي أن يغرز عصا ونحوها، أو يجمع شيئاً من رحله ومتاعه، وليكن قدر مؤخرة الرحل، فإن لم يجد شيئاً شاخصاً خط بين يديه خطاً، أو بسط مصلَّى؛ لما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئاً؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبَّ عَصاً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصاً فَلْيَخُطَّ خَطًّا؛ ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" 3 ثم إذا صلى إلى سترة كره لغيره أن يمر بينه وبين السترة، وهل هذه الكراهة للتحريم أو للتنزيه؟ الذي ذكره في "التهذيب" أنه لا يجوز المرور، وصاحب الكتاب أراد بقوله وهو تأكيد لكراهية المرور التنزيه؛ لأنه صرح في "الوسيط" بأن المرور ليس بمحزور، وإنما هو مكروه، وكذلك ذكره إمام الحرمين، والأول أظهر؛ لأنه صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال.
"لَوْ يَعْلُمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، لكَانَ أنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" 4.
والإثم إنما يلحق بالحرام، وليكن قوله: (بكراهية المرور) معلماً بالواو، لما ذكرناه، وذكر القاضي الروياني في "الكافي" أن للمصلي أن يدفعه، وله أن يضربه على ذلك، وإن أدى إلى قتله، وكل ذلك لا يكون إلا إذا حرم المرور، ولو لم يجعل بين يديه ستره؛ فهل له دفع المار؟ فيه وجهان حكاهما صاحب "النهاية" وغيره.
أحدهما: نعم، لعموم الخبر المذكور في الكتاب.
وأصحهما: وهو الذي أورده في "التهذيب": لا؛ لتقصيره وتضييعه خط نفسه، ورواية الصحيح مقيدة بما إذا صلى إلى السترة، والمطلق محمول على المقيد.
ولو وقف بعيداً من السترة فهو كما لو صلَّى لا إلى سترة.
ولو وجد الداخل فُرْجَةً في الصف الأول فله أن يمر بين يدي الصَّفِّ الثاني ويقف فيها؛ لتقصير أصحاب الصَّف الثاني بإهمالها، ذكره الشَّيْخُ أَبُو محمد.
وأما قوله: (فلا يكفيه أن يخط على الأرض) فاعلم أن إمام الحرمين نقل أن الشافعي -رضي الله عنه- مال إلى الاكتفاء بالخط في القديم، وروى في الجديد ذلك أيضاً، وحض عليه.
قال: وما استقر عليه الأمر أن الخط لا يكفي إذ الغرض الإعلام 1 وذلك لا يحصل بالخط، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، وقال: لا بد من شيء مرتفع، أو مصلى ظاهر ليقف المار عليه ليعدل عن حريم صلاته، وقد تعرض لما نقله عن "الجديد" متعرضون، لكن لم يثبتوه قولاً، واتفقت كلمة الجمهور على الاكتفاء بالخط [وقالوا 2 إذا خط فليس لغيره أن يمر بينه وبين الخط] كما إذا استقبل شيئاً شاخصًا 3، فليكن قوله: (ولا يكفيه أن يخط) معلماً بالواو، لذلك فإن توهمت الجمع بين كلام الكتاب، وما ذكره الأكثرون، وقلت، إنهم وإن ذكروا استحباب الخط لم يذكروا أنه يمتنع به المرور، ويثبت للمصلي ولاية الدفع، فلعله وإن كان مستحبًا لا يفيد جواز الدفع، وحينئذ لا يكون بين قوله: (ولا يكفيه أن يخط) وبين ما ذكروه منافاة، وبتقدير أن يكون هذان الحكمان متلازمين، فإنما ذكروا الاستحباب فيما إذا لم يجد شيئاً شاخصًا فليحمل ما ذكره إمام الحرمين، والمصنف على ما إذا وجد فالجواب؛ أما الأول فممتنع نقلاً وحجاجًا، أما النقل فلأن صاحب "البيان" حكى عن المسعودي امتناع المرور، وولاية الدفع فيما إذا خط حسب ثبوتهما فيما إذا صلى إلى سترة، أو عصا.
وأما الحجاج فمن وجهين:
أحدهما: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في آخر خبر أبي هريرة -رضي الله عنه-: "ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" أي: من وراء العلامات المذكورة، ومنها الخط.
والثاني: أن المقصود من أمر المصلي بنصب السترة وغيرها أن يظهر حريم صلاته، ليضطرب فيه في حركاته وانتقالاته، ولا يزحمه غيره ويشغله عن صلاته.
وأما الثاني: فلو أنهما أرادا إحالة وجدان الشاخص لسويا بينه وبين بسط المصلى، كما أن الدين قالوا باستحباب الخط عند فقدان الشَّاخِصِ سووا بينه وبين بسط المصلى، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ولم يفعلا ذلك، بل ألحقا بسط المصلي بنصب الخشبة، ويدل عليه ظاهر لفظ الكتاب في موضعين من الفصل، وبالجملة فليس في لفظه هاهنا، ولا في "الوسيط" ما يشعر بهذا التأويل، بل فيه ما يدل على أنه لا عبرة بالخط بحال.
وقوله: (فإن لم ينصب المصلي بين يديه خشبة، أو لم يستقبل جداراً، أو علامة) عني بالعلامة بسط المصلى، وقضية ما سبق نقله حمل، أو في قوله: (أو علامة) على الترتيب، وكذا في قوله: أو مصلى ظاهر دون التخيير والتسوية.
وأما قوله: (وإذا لم يجد المار سبيلاً سواه، فلا يدفع بحال)، فقد ذكره إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أيضاً.
وقال: النهي عن المرور، والدفع إذا وجد سواه سبيلاً أما إذا لم يجد، وازدحم الناس فلا نهي عن المرور، ولا يشرع الدفع، وهذا فيه إشكال؛ لأن البخاري روى في "الصحيح" عن أبي صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- في يوم جمعة يصلي إلى سترة، فأراد شاب أن يمر بين يديه فدفع أبو سعيد -رضي الله عنه- في صدره، فنظر الشَّابُ فَلَمْ يَجِد مَسَاغًا إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فعاد ليجتاز، ودفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فلما عوتب في ذلك روى الحديث الذي قدمناه 1.
وأكثر الكتب ساكتة عن تقييد المنع بما إذا وجد سواه سبيلاً 2 -والله أعلم-.
قال الغزالي: الشَّرْطَ السَّادِسُ تَرْكُ الأكْلِ، وَقَلِيلُهُ مُبْطِلٌ لِأَنَّهُ إِعْرَاضٌ، وَهَلْ تَبْطُلْ بِوصُولِ شَيْءٍ إِلَى جَوْفِهِ كَامْتِصَاصِ سُكَّرَةٍ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
قال الرافعي: الأكل نوع من الأفعال فإفراده بالذكر يبين أنه أراد بترك الأفعال في الشرط الخامس ما عدا الأكل من الأفعال.
والفرق بينه وبين سائر الأفعال أن قليلها لا يبطل كما سبق، وقليل الأكل يبطل؛ لأنه ينافي هيئة الخشوع، ويشعر بالإعراض عن الصلاة، فلو كان بين أسنانه شيء، أو نزلت نخامة من رأسه فابتلعها عمداً بطلت صلاته، هذا ظاهر المذهب، وهو الذي ذكره في الكتاب، فقال: (فقليله مبطل) وليكن معلماً بالواو؛ لأن صاحب "التتمة" حكى في القليل وجهاً: أنه لا يبطل كالقليل من سائر الأفعال، ثم الحكم بالبطلان فيما إذا أكل عمداً، أما [إذا] 1 كان مغلوباً كما لو جرى الريق بباقي الطعام، أو نزلت النخامة ولم يمكنه إمساكها لم تبطل صلاته، ولو أكل [ناسياً، أو] 2 جاهلاً بالتحريم، فإن كان قليلاً لم تبطل، وإن كان كثيراً فوجهان:
أصحهما: البطلان، هكذا ذكره الأئمة، وجعلوه كالكلام في الصلاة ناسياً والأكل في الصوم ناسياً، ولم يجعلوه كسائر الأفعال في الصلاة، إذ الجمهور على أن الفعل لا فرق فيه بين العمد والسهو على ما تقدم.
واعلم أنه لا يعني بالقليل هاهنا ما يقابل الكثير بالمعنى الذي ذكره في الأفعال؛ لأن تفسير الكثير ثَمَّ ما يخيل إلى الناظر الإعراض عن الصلاة، فالقليل المقابل له ما لا يخيل، والأكل أيْ قَدر كان يخيل الإعراض، فيكون كثيراً بذلك التفسير بكل حال، وإنما المراد من القليل والكثير هاهنا ما يعده أهل العرف قليلاً وكثيراً، ولو وصل شيء إلى جوفه من غير أن يفعل فعلاً من ابتلاع ومضغ كما لو وضع في فمه سكرة كانت تذوب وتسوغ، ففي بطلان صلاته وجهان:
أحدهما: وبه قال الشيخ أبو حامد: لا تبطل صلاته؛ لأنه لم يوجد منه مضغ وازدراد، وهذا ذهاب إلى أن الأكل إنما يبطل لما فيه من العمل.
وقضيته: أن لا يبطل القليل منه، كما حكاه صاحب "التتمة".
وأظهرهما: أنها تبطل، ويعبر عنه بأن الإمساك شرط في الصلاة، كما يشترط الانكفاف عن الأفعال، وعن مخاطبة الآدميين ليكون حاضر الذهن راجعاً إلى الله تعالى وحده، تاركاً للعادات، فعلى هذا تبطل الصلاة بكل ما يبطل به الصّوم.
وقوله: "كامتصاص سكرة من غير مضغ" ينبغي أن يعرف أن الامتصاص لا أثر له، بل متى كانت في فمه وهي تذوب وتصل إلى جوفه يحصل الخلاف، وإن لم يكن امتصاص، وإنما قال: من غير مضغ، لأن المضغ فعل من الأفعال يبطل الكثير منه، وإن لم يصل شيء إلى الجوف حتى لو كان يمضغ علكاً في فمه بطلت صلاته، [وإن لم يمضغه وكان جديداً فهو كالسكرة، وإن كان مستعملاً لم تبطل صلاته] 1 كما لو أمسك في فمه أجاصة 2 ونحوها.
قال الغزالي: خَاتِمَةٌ لِلْمُحْدِثِ المُكْثُ فِي المِسْجِدِ، وَلِلْجُنُبِ العبُورُ دُونَ المَكْثِ، وَلَيْسَ لِلْحَائِضِ العُبُورُ عِنْدَ خَوْفِ التَّلْوِيثِ، وَعِنْدَ الأَمْنِ وَجْهَانِ، وَالكَافِرُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ بِإذْنِ المُسْلِمِ وَلاَ يَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنْ كَانَ جُنُبًا مُنِعَ كَالمُسْلِمِ وَقِيلَ: لاَ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِم تَفْصِيلَ شَرْعِنَا.
قال الرافعي: مسائل: (الخاتمة) إلى قوله: (فوجهان) مكررة إما أن المحدث له المكث 3 فقد صار معلوماً بقوله في باب الغسل؛ (ثم حكم الجنابة حكم الحدث مع زيادة تحريمه قراءة القرآن، والمكث في المسجد) وفيه تصريح بتحريم المكث وجواز العبور للجنب.
أما حكم الحائض فقد ذكره في "كتاب الحيض" وشرحنا المسائل في الموضعين، ثم جميع ذلك في حق المسلم.
أما الكافر فلا يمكن من دخول حرم مكة بحال، يستوي فيه مساجده وغيرها، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ 4.
وأما مساجد غير الحرم فله أن يدخلها بإذن المسلم خلافاً لمالك، ووافقه أحمد في أظهر الروايتين.
لنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "رَبَطَ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ إِسْلاَمِهِ" 5.