العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 140-179

وَفِيهِ ثَلاَثةُ فُصُولٍ قال الغزالي: الأَوَّلُ فِي فَضْلِهَا، وَهِيَ مُسْتَحَبة وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِلاَّ في الجُمُعَةِ، وَلاَ فَرْضَ كِفَايةٍ عَلَى الأَظْهَرِ، وَتُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ (ح)، وَالفِعْلُ فِي الجَمعِ الكَثِير أَفْضَلُ إلاَّ إِذَا تَعَطَّلَ فِي جِوَارِهِ مَسْجِدٌ فَإحْيَاؤُهُ أَفْضَلُ.

القول في أحكام صلاة الجماعة

: قال الرافعي: أركان الصلاة وشروطها لا تختلف بين أن تؤدى على سبيل الانفراد، أو بالجماعة، لكن الأداء بالجماعة أفضل، وهي تختص باعتبار أمور تنقسم إلى معتبرة في نفس الإمام، إلى غيرها، فأدرج لذلك مسائل هذا الكتاب في ثلاثة فصول.
أحدها: فيما يتعلق بفضلها.
وثانيها: في الأمور المعتبرة في نفس الإمام، إما اعتبار اشتراط أو استحباب.
وثالثها: في سائر المعتبرات.
فأما الفصل الأول.
فاعلم أن الأصل في فضلها الإجماع والأخبار، نحو ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ [الْفَرْدِ] 1 بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً 2. والفرائض الخمس تنقسم إلى صلاة الجمعة وغيرها فأما في صلاة الجمعة، فالجماعة فرض عين، كما سيأتي في بابها، وأما في غيرها فليست بفرض عين خلافاً لأحمد حيث قال: بأنها فرض عين، وبه قال ابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن

خزيمة 1 من أصحابنا، وفي بعض التعاليق أن أبا سليمان الخطابي 2 ذكر أنه قول للشافعي -رضي الله عنه-.
لنا: حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- وأيضاً روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ مَعَ الْوَاحِدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ مَعَ الْوَاحِدِ، وَحَيْثُمَا كَثُرَتِ الْجَمَاعَةُ فَهُوَ أَفْضَلُ" 3. والاستدلال أنه لا يحسن أن يقال: الإتيان بالواجب أفضل من تركه، وتفضيل أحد الفعلين على الآخر يشعر بتجويزهما جميعاً، وهل هي فرض كفاية أم سنة؟ وجهان: أظهرهما: عند المصنف، وصاحب "التهذيب": أنها سُّنة؛ لأن الجماعة خصلة مشروعة في الصَّلاة، لا تبطل الصلاة بتركها، فلا تكون مفروضة كسائر السنن المشروعة في الصلاة، وفي ما سبق من الأخبار ما يشعر بأن سبيلها سبيلْ الفضائل، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، والثاني وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق إنها فرض كفاية، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الْجَمَاعَةَ إِلاَّ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ" 4: وذكر المحاملي وجماعة أن هذا ظاهر المذهب، فإن قلنا: إنها فرض على الكفاية، فلو امتنع أهل بلدة، أو قرية عن إقامتها، قاتلهم الإمام عليها ولا يسقط الحرج، إلا إذا

أقاموها، بحيث يظهر هذا الشعار فيما بينهم ففي القرية الصغيرة يكفي إقامتها في موضع واحد، وفي القرى الكبيرة والبلاد تقام في محلها، ولو أطبقوا على إقامة الجماعة في البيوت، فعن أبي إسحاق المروزي: أنه لا يسقط الفرض بذلك، لأن الشعار في البلد لا يظهر به، ونازعه فيه بعضهم، إذا ظهر ذلك في الأصوات وأما إذا قلنا: إنها سنة، فهل يقاتلون على تركها؟ فيه وجهان كما ذكرناهما في الأذان: وأصحهما: لا 1 وكل ما ذكرناه في حق الرجال.
أما النساء فلا تفرض عليهن الجماعة، لا فرض عين ولا فرض كفاية، وتستحب لهن ولكن فيه وجهان ذكرهما القاضي الروياني: أحدهما: أن [استحبابها لهن] 2 كاستحبابها للرجال؛ لعموم الأخبار.
وأظهرهما -الذي ذكره المعظم-: أنه لا يتأكد تأكده في حق الرجال فلا يكره لهن تركها ويكره للرجال ذلك.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ ومالك: يكره لهن أن يصلين جماعة، وبه قال أَحْمَدُ في رواية، والأصح عنه مثل مذهبنا.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةٍ أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا" 3 ثم إذا صلين جماعة، فالمستحب أن تقف التي تَؤَمُّهُنَّ وسطهن، كَذَلِكَ فَعَلَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- وَأُمُّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- لَمَّا أمَّتَا" 4. وجماعتهن في البيوت أفضل، فإن أردن حضور المسجد في جماعة الرجال كره ذلك للشَّوَابّ لخوف الفتنة ولم يكره للعَجَائِزِ، روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى النِّسَاءَ عَنِ الْخُرُوجِ

إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي جَمَاعَةِ الرِّجَالِ إِلاَّ عَجُوزاً فِي مَنْقَلِهَا" والمنقل الخف 1. وإمامة الرجال لهن أولى من إمامة النساء، لكن لا يجوز أن يخلو بهن من غير ذي محرم 2 ثم لو صَلَّى الرجل في بيته برقيقه أو زوجته وولده نال أصل فضيلة الجماعة، لكنها في المسجد أفضل؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ".
وحيث كان الجمع أكثر من المساجد فالفضل أكثر لما سبق، فلو كان بالقرب منه مسجد قليل الجمع وبالبعد مسجد كثير الجمع، فالأفضل أن يذهب إلى المسجد البعيد إلا في حالتين: أحدهما: أن تتعطل الجماعة في المسجد القريب بعدوله عنه إما لكونه إماماً، أو لأن الناس يحضرون بحضوره، فإقامة الجماعة في المسجد القريب أفضل.
الثانية: أن يكون إمام المسجد البعيد مبتدعاً كالمعتزلي وغيره 3، وإمام المسجد القريب بريئاً عن البدعة، فالصلاة في المسجد القريب أولى.
قال الْمُحَامِلِيُّ وغيره: وكذا لو كان إمام المسجد البعيد 4 حنفياً، لأنه لا يعتقد وجوب بعض الأركان، بل

حكوا عن أبي إسحاق المروزي أن الصلاة منفرداً أولى من الصلاة خلف الحنفي، وهذا مبني على جواز الصلاة خلفه، وفيه خلاف يأتي من بعد، وفي المسألة وجه آخر حكاه في "النهاية" أن رعاية حق الجوار أولى على الإطلاق، لأنا لو جوزنا العدول عن المسجد القريب، ولا شك أن يعدل عنه واحد بعد واحد، فيفضي إلى تعطيله.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وليست بواجبة) يعني به الوجوب على الأعيان، وهو معلم بالألف والواو وقوله: (تستحب للنساء) معلم بالحاء والميم وبالألف أيضاً لإحدى الروايتين عن أحمد، والمراد أصل الاستحباب [ثم في كيفية الاستحباب] 1 ما سبق من الخلاف.
وقوله: (إلا إذا تعطل في جواره مسجد) ليس فيه إلا استثناء الحالة الأولى، وقد استثنى كثير من الأصحاب الحالة الثانية أيضاً كما ذكرنا، ويجوز أن يعلم قوله: (في الجمع الكثير أفضل) بالواو، لأنه يدخل فيه ما إذ كان في جواره مسجد ولم يتعطل إذا لم يستثن إلا إذا تعطل، وقد ذكرنا وجهاً أن الأفضل رعاية حق الجوار، وإن لم يتعطل.
قال الغزالي: وَفَضِيلَةُ الجَمَاعَةِ لاَ تَحْصَلُ إِلاَّ بِإدْرَاكِ رَكْعَةٍ مَعَ الإِمَامِ، وَفَضِيلَةُ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى لاَ تَحْصُلُ إِلاَّ بِشُهودِ تَحْريِمَةِ الإِمَامِ وَاتْبَاعِهِ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان: إحداهما: فيما يحصل للمأموم به فضيلة الجماعة، الذي ذكره في الكتاب أنها لا تحصل إلا بإدراك ركعة مع الإمام، ووجهه في "الوسيط" بأن إدراك ما دون الركعة ليس محسوباً من صلاته، فلا ينال بها الفضيلة، والذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم وتابعهم صاحبا "المهذب" و"التهذيب" أن من أدرك الإمام في التشهد الأخير حصل له فضيلة الجماعة، وقد يوجه ذلك بأن هذه البقية إذا لم تكن محسوبة من صلاته، فلو لم ينل بها الفضيلة لمنع من الاقتداء والحالة هذه؛ لكونها زيادة في الصلاة لا فائدة فيها، وبالجملة فظاهر المذهب الذي ذكره الجمهور خلاف ما في الكتاب.
المسألة الثانية: وردت أخبار في إدراك التكبيرة الأولى مع الإمام نحو ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صَلَّى أَرْبَعِينَ يَوْماً فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأوْلَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ، = استثناؤه في المبتدع الفاسق والمخالف فإن الانفراد أولى من الصلاة خلفه.
صرحوا به في الأوليين وأبو إسحاق في الثالثة، وقال السبكي، إن لم تحصل الجماعة إلا مع هذه الأحوال فكلامهم يشعر بأنه أفضل من الانفراد.
قال: وقد صرحوا به في تفضيل المسجد القريب وما قدمناه أقرب إلى كلامهم وتصريحهم بكراهة الاقتداء بالفاسق ونحوه.

بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ" 1 ولما في إدراكها من الفضل صار أبو إسحاق المروزي إلى أن الساعي إلى الجماعة يسرع إذا خاف فواتها؛ لكن الصحيح عند الأكثرين أن لا يسرع بحال لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةَ فَلا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالوَقَارُ" 2. ثم بماذا يكون مدركًا للتكبيرة الأولى؟ فيه وجوه: أظهرها: أن من شهد تكبيرة الإمام واشتغل عقيبها بعقد الصلاة كان مدركاً لفضيلة التكبيرة الأولى، وإلا لم يكن مدركاً لها؛ لأنه إذا أجرى التبكير في غيبته لم يسم مَدْرِكاً.
والثاني: أن تلك الفضيلة تدرك بإدراك الركوع الأول.
والثالث: أن إدراك الركوع لا يكفي، بل يشترط إدراك شيء من القيام أيضاً.
والرابع: إن شغله أمر دنيوي لم يكن بإدراك الركوع مدركاً للفضيلة، وإن منعه عذر واشتغال بأسباب الصلاة كالطهارة وغيرها كفاه إدراك الركوع.
قال الغزالي: وَمَهْمَا أَحَسَّ الإمَامُ بِدَاخِلٍ فَفِي اسْتِحْبَابِ الانْتِظَارِ لِيُدْرِكَ الدَّاخِلُ الرُّكُوعَ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُطَوِّلَ وَلاَ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ.
قال الرافعي: مما يحتاج إلى معرفته في المسألة أن المستحب للإمام تخفيف الصلاة من غير ترك الأبعاض والهيئات، لما روي عن أنس -رضي الله عنه- قال: "مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَام قَطّ أَخَفَّ صَلاَةٍ وَلاَ أَتَمِّ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 3. فإن رضي القوم بالتطويل، وكانوا منحصرين لا يدخل عليهم غيرهم فلا بأس حينئذ بالتطويل، ثم قال الأئمة: انتظار الإمام في الصلاة وتطويله بها يفرض على وجوه: منها: أن يصلي في مسجد سوق، أو محله، فيطول الصلاة ليلحق قوم آخر وتكثر الجماعة، فهذا مكروه لما فيه من سقوط الخشوع، وشغل القلب، ومخالفة قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ فَليُخَفِّفْ" 4.

ومنها: أن يؤم في مسجد بحضرة رجل شريف فيطول الصلاة على الحاضرين ليلحق ذلك الرجل، فهذا مكروه أيضاً؛ لأنه ينفر الحاضرين ويُشَوِّشُ عليهم.
ومنها: أن يَحِس في صلاته بمجيء رجل يريد الاقتداء به، فله أحوال: أحدها: أن يكون في الركوع، وهي مسألة الكتاب فهل ينتظر ليدرك الركوع؟ فيه قولان: أصحهما -عند إمام الحرمين وآخرين-: أنه لا ينتظره؛ لمطلق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمْ بِقَوْمٍ فَلْيُخَفِّفْ" ولأن انتظاره يطول الصلاة على الحاضرين، والتطويل على الحاضرين لمسبوق وقد يكون مقصراً بتخلفه لا وجه له 1. والثاني: ينتظره؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَنْتَظِرُ فِي صَلاَتِهِ مَا سَمِعَ وَقَعَ نَعْلٍ" وهذا كما أنه ينتظر في صلاة الخوف ذهاب قوم ومجيء قوم لينالوا فضيلة الجماعة، ثم ذكر الأئمة للقولين شرطين: أحدهما: أن يكون الرجل الجائي حين ينتظر داخل المسجد، أما لو كان بعد خارجه فلا ينتظر قولاً واحداً.
والثاني: أن يقصد به الاحتساب والتقرب إلى الله تعالى، فأما لو قصد التودد إليه واستمالته فلا ينتظر قولاً واحداً، ثم اختلفوا في أن القولين فيما إذا؟ على طرق قال معظم الأصحاب: ليس الخلاف في استحباب الانتظار، ولا في أنه لو انتظر هل تبطل صلاته أم لا؟ وإنما الاختلاف 2 في الكراهة، فأحد القولين: إنه يكره وبه قال أبو حنيفة، ومالك، واختاره المزني.
والثاني: لا يكره، وبه قال أحمد، وهو أصح القولين عند القاضي الروياني.
وقال بعض الأصحاب: القولان في أنه هل يستحب الانتظار، ويحكى هذا عن القاضي أبي الطيب، وقال آخرون: في المسألة قولان: أحدهما: أنه يكره.
والثاني: أنه يستحب، وهذا ما أورده صاحب "المهذب"، وقال: الأصح الثاني، وهذه الطريقة كالمركبة من الطريقتين الآخريين، ثم إذا قلنا: لا ينتظر فلو فعل هل تبطل صلاته؟ منهم من قال: فيه قولان كما لو زاد في صلاة الخوف على انتظارين، وقطع المعظم بأنها لا تبطل، وركب في "الوسيط" من القول بالبطلان، ومما تقدم ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه يستحب الانتظار.
والثاني: أنه يكره.
والثالث: أنه لا يجوز، وتبطل الصلاة.
إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكتاب.
واعلم أن في لفظ "الداخل" من قوله: (وإذا أحس الإمام بداخل) ما ينبه على الشرط الأول، وهو تقييد الخلاف بانتظار من دخل المسجد، أو الموضع الذي تقام فيه الصلاة، فأما من لم يدخل بعد فلا ينتظر.
وأما الشرط الثاني وهو أن يكون قصده التقرب إلى الله تعالى فليس في لفظ الكتاب تعرض له، لكن الواقف على مقاصد الكلام يفهمه من قوله: (ولا أن يميز بين داخل وداخل) كما سيأتي.
وقوله: (ففي استحباب الانتظار لدرك الداخل الركوع قولان) جواب على طريقة فرض الخلاف في الاستحباب، ثم المقابل لقول الاستحباب إنما هو عدم الاستحباب، ويمكن إدراج الحاصل من باقي الاختلافات فيه بأن يقال: إذا قلنا: لا يستحب، فهل يكره؟ فيه قولان: إن قلنا: يكره فهل يبطل الصلاة؟ فيه قولان، ويجوز أنه يعلم قوله: (قولان) بالواو، لأن القاضي ابن كج حكى طريقة عن بعض الأصحاب أن موضع القولين هو الانتظار في القيام، أما في الركوع فلا ينتظر قولاً واحداً، وعلل بأن القيام موضع تطويل، والركوع ليس موضع تطويل.
وأما قوله: (ولا ينبغي أن يطول) فهذا إشارة إلى أن الخلاف مفروض فيما إذا لم يطوِّل الانتظار، فأما التطويل فيجتنبه، وهذا قد ذكره الصيدلاني وغيره وهو شرط ثالث مضموم إلى الشرطين السابقين.
قال إمام الحرمين: وليس المراد أصل التطويل، فإن الانتظار لا يوجد صوره إلا إذا طول وزاد على القدر المعتاد، ولكن ضبطه أن يقال: إن طول تطويلاً لو وزع على جميع الصلاة لظهر له أثر محسوس في الكل، فهذا ممنوع مه لإفراطه، وإن كان بحيث يظهر في الركوع، ولكن لا يظهر في كل الصلاة لو وزع، فهذا موضع الاختلاف، ويجوز أن يعلم قوله: (ولا ينبغي أن يطول) بالواو، لأن أبا علي قال في "الإفصاح" 1: إن كان الانتظار لا يضر بالمأمومين، ولا يدخل عليهم مشقة، جاز كانتظار النبي -صلى الله عليه وسلم- في حَمْلِ أُمَامَةَ، وَوَضْعِهَا فِي الصَّلاَةِ 2، وإن كان ذلك مما يطول ففيه الخلاف.
وقوله: (ولا أن يميز بين داخل، وداخل) المراد منه أن يعم انتظاره الداخلين، فلا

يخص به بعض القوم لصداقة، أو سيادة، وإذا عم فلا يقصد استمالة قلوب الناس، والتودد إليهم، بل التقرب إلى الله تعالى كما تقدم، ويجوز الوسم بالواو هاهنا أيضاً لأمرين: أحدهما: لأن أبا سعيد المتولي حكى عن بعض الأصحاب: أنه إن عرف الداخل بعينه لم ينتظره إذ لا يخلو عن تقرب إليه، وإن لم يعرفه بعينه انتظره.
والثاني: أن صاحب "البيان" حكى عن بعضهم أنه إن كان الداخل ممن يلازم الجماعة وعرفه انتظره، وإن كان غريباً لم ينتظره، وكلا الوجهين يوجب التمييز بين الداخل والداخل.
الحالة الثانية: أن تكون الإمام حين أحس بالداخل في التشهد الأخير، فهل يؤخر الكلام انتظاراً له بما سبق من الشرائط؟ ذكر معظم الأصحاب أن الخلاف يطرد فيه، لأن هذا الانتظار يفيده أيضاً من حيث إنه ينال من فضيلة الجماعة، وإن لم يدرك باللحوق فيه شيئاً من الركعات، وقياس قول من يقول: إنه لا يدرك فضيلة الجماعة إلا بإدراك ركعة مع الإمام أن يكون حكم الانتظار هاهنا حكمه في القيام ونحوه.
الحَالَةُ الثالثة: أن يكون في سَائِر الأركان من القيام والسجود وغيرهما، قطع الأكثرون بأنه لا ينتظره، لأنه لا فائدة للداخل في انتظاره، فإنه بسبيل من إدراك الركعة، أو فضيلة الجماعة، وإن لم ينتظره، وذلك لأنه إن كان قبل الركوع فهو بإدراك الركوع يدرك الركعة، وإن كان بعد الركوع فبإدراكه في التشهد ينال فضيلة الجماعة، وحكى إمام الحرمين عن بعضهم طرد الخلاف في سائر الأركان لإفادة الداخل بركة الجماعة، وروينا عن ابن كج أن بعضهم خصص الخلاف بحالة القيام، وحيث قلنا: لا ينتظر، فلو انتظر ففي البطلان ما سبق من الطريقين.
قال الغزالي: وَمَنْ صَلَّى مُنْفَرِداً فَأَدْرَكَ جَمَاعَةً يُسْتَحَبُّ لَهُ إِعَادَتُهَا ثُمَّ يَحْتَسِبُ اللهُ تَعَالَى أَيَّهُمَا شَاءَ.
قال الرافعي: من انفرد بصلاة من الصلوات الخمس، ثم أدرك: جماعة يصلونها، فالمستحب له أن يعيدها معهم؛ لينال فضيلة الجماعة، وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الصُّبْحَ فَلَمَّا فَرَغَ رَأَى رَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْم لَمْ يُصَلَّيَا مَعَهُ، فَقَالَ عَلَيَّ بِهِمَا، فَجِيءَ بهِمَا فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا، فَقَالاَ كُنَّا صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا قَالَ: فَلاَ تَفْعَلاَ إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ" 1.

وعند أبي حنيفة: يعيد الظهر والعشاء، ولا يعيد الصبح والعصر والمغرب، وذكر في "النهاية" أن شيخه حكى مثل ذلك وجهاً لبعض أصحابنا.
ووجهه: أن الصبح والعصر يستعقبان الوقت المكروه، فلا يصلي بعدهما، والمغرب وتر النهار، فلو أعيدت لصارت شفعاً، ونقل العراقيون وجهً أنه يعيد ما سوى الصبح والعصر، وظاهر المذهب الأول والوجهان ضعيفان، وعند مالك يعيد كلها إلا المغرب، وبه قال أَحْمَدُ وفي رواية يعيد المغرب أيضاً، لكن إذا سلَّم الإمام قام إلى ركعة أخرى فجعلها شَفْعاً، وإذا وقفت على ما ذكرناه علمت أنه لم أعلم قوله: (يستحب له إعادتها) بالحاء والميم والألف والواو، ولو صلى إحدى الخمس في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فهل يعيدها معهم؟ فيه وجوه: أصحها: عند عامة الأصحاب أنه يعيد كما لو كان منفرداً؛ لإطلاق الخبر.
والثاني: وهو الأصح عند الصَّيْدَلاني، وبه قال المصنف في "الوسيط": أنه لا يستحب الإعادة؛ لأن فضيلة الجماعة حَصَلَتْ، فلا معنى للإعادة بخلاف المنفرد.
قال الصَّيْدَلاَنِيُّ: وعلى هذا يكره إعادة الصُّبْحِ والعصر، دون غيرهما؛ لأنهما وقتا كراهة، والصلاة المعادة تَطَوُّعٌ مَحْضٌ، على هذا الوجه قال، وعلى هذا فلو أعاد المغرب فينبغي أن يضم إليها ركعة أخرى، لأن ما أتى به تطوع محض، فليكن شفعاً، واعلم أن المعاد إن كان تطوعاً محضاً، فقياس المذهب أن تمتنع الإعادة بنية المغرب، وسائر الوظائف الخمس، ولو فعل يكون صحة التطوع على الخلاف المذكور في التطوع بنية الظهر قبل الزّوال.
والوجه الثالث: أنه إن كان في الجماعة الثانية زيادة فضيلة لكون الإمام أعلم أو وأورع، أو لكون الجمع أكثر، أو لكون المكان أفضل، فيستحب الإعادة، وإلا فلا.
والرابع: أنه يستحب إعادة الظهر والمغرب والعشاء، ولا يستحب إعادة الصبح والعصر، وقد سبق في المنفرد مثله، ثم إذا استحببنا الإعادة في هذه المسألة وفيما إذا صلى منفرداً فأعاد، فالفرض منهما ماذا؟ فيه قولان: الجديد- وبه قال أَبُو حَنِيفَة (7) وَأَحْمَدُ: أن الفريضة هي الأولى لما سبق من الحديث.
والقديم: أن الفريضة أحدهما لا بعينها، والله تعالى يحتسب بما شاء منهما، وربما قيل: يحتسب بأكملهما، ويروى هذا القول عن "الإملاء"، وبه قَالَ مَالِكٌ.
ووجه، بأنه لو كانت الثانية نفلاً على التعيين لما ندب إلى إقامتها بالجماعة، والذي ذكره في الكتاب هذا القول القديم، لكن الأكثرين قالوا بأن المذهب الجديد،

وحكي في "التتمة": أن بعض الأصحاب صار إلى أنهما جميعاً يقعان عن الفرض.
وعن الشَّيْخِ أبي محمد: أن بعضهم؛ قال: فيما إذا صلى منفرداً؛ إن الفريضة هي الثانية لكمالها بالجماعة، فتبين بالآخرة أن الأولى نفل، فحاصل ما في المسألة قولان، ووجهان: التفريع إن فرعنا على غير الجديد نوى الفرض في المرة الثانية، ولو كانت الصلاة مغرباً أعادها مثل المرة الأولى، وإن فرعنا على الجديد فهل ينوي الفرض؟ فيه وجهان: قَالَ الصَّيْدَلاَنِيّ الصحيح أنه ينوي الفرضَ، وبه قال الأكثرون واستبعده إمام الحرمين، وقال: كيف ينوي الفرض مع القطع بأن الثانية ليست بفرضة 1، بل الوجه أن ينوي الظُّهْرَ والعصر ولا يتعرض للفريضة، ويكون ظهره نفلاً كظهر الصَبِيِّ، وهذا ما ذكره في "الوسيط" وفيه مباحثة قدمتها في أول "صفة الصلاة" وإذا كانت الصلاة مغرباً ففيه وجهان: أظهرهما: أنه يعيدها كما فعل في المَرَّةِ الأولى 2. والثاني: أن المستحب أن يقوم إلى ركعة أخرى إذا سلم الإمام حق لا يصير وتره شفعاً 3. قال الغزالي: وَلاَ رُخْصَةَ لَهُ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ إلاَّ بِعُذرٍ عَامٍّ كَالمَطَرِ وَالرِّيحِ العَاصفَةِ بِاللَّيْلِ، أَوْ عُذْرٍ خَاصٍّ مِثْلِ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا أَوْ مُمَرِّضاً أَوْ خَائِفاً مِنَ السُّلْطَانِ أَوْ مِنَ الغَرِيمِ وَهُوَ مُعْسِرٌ أَوْ كَانَ عَلَيْهِ قِصاصٌ يَرْجُو العَفْوَ عَنْهُ أَوْ كَانَ حَاقِناً أَوْ جَائِعاً أَوْ عَارِياً.
قال الرافعي: لا رخصة للمتدين في ترك الجماعة، سواء جعلناها سنة، أو فرض كفاية إلا إذا كان ثَمَّ عُذْر، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَلَمْ يَأْتِهِ فَلاَ صَلاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ" 4 ثم الأعذار قسمان: عامة وخاصة.

فمن الأعذار العامة المطر ليلًا كان أو نهاراً، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا ابْتَلَّتِ النِّعَالُ فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ" 1. ومنها الريح العاصفة بالليل دون النهار، روى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمطِيرَةِ، وَاللَّيْلَةِ ذَاتِ الرَّيحِ أَلاَ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" 2. والمعنى فيه أن المشقة التي تلحق بها في الليل أكثر، وبعض الأصحاب يقول: الريح العاصفة في الليلة المظلمة، وليس ذلك على سبيل اشتراط الظلمة -والله أعلم-.
ويتبين بما ذكرنا أن قوله: (بالليل) في نظم الكتاب يرجع إلى الريح وحدها، ولا يرجع إلى المطر المعطوف عليه، ومن الأعذار الخاصة المرض "قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْعُذْرُ؟ في الخبر الذي سبق فقال: "خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ".
ولا يشترط أن يبلغ مبلغاً يجوز القعود في الفريضة، لكن المعتبر أن تلحقه مشقة مثل ما يلقاه الماشي 3 في المطر، قاله في "النهاية" ومنها: أن يكون ممرضاً، وللتمريض تفصيل يذكر في "كتاب الجمعة".
ومنها: أن يخاف على نفسه أو ماله أو على من يلزمه الذَّب عنه من سلطان أو غير سلطان يظلمه، أو يخاف من غريمٍ يلازمه، أو يحبسه إن رآه، وهو معسر ولا يجد وفاء لدينه فله التخلف، ولا عبرة بالخوف ممن يطالبه بحق هو ظالم في منعه، بل عليه الحضور، وتوفية ذلك الحق، ويدخل في صور الخوف على المال ما إذا كان خبره في التنور، وقدره على النَّارِ، وليس ثَمَّ من يَتَعَهَّدُهَا لو سعى إلى الجماعة.
ومنها: أن يكون عليه قصاص، ولو ظفر به المستحق لقتله وكان يرجو العفو مجاناً، أو على مال لو غيب الوجه أياماً وسكن الغليل فله التخلف بذلك، وفي معناه حد القذف دون حد الزنا، وما لا يقبل العفو.
قال إمام الحرمين: وفي هذا العذر إشكال عندي؛ لأن موجب القصاص من الكبائر، فكيف يستحق صاحبه التخفيف، وكيف يجوز تغييب الوجه عن المستحق.
ومنها: أن يدافع أخبثيه، أو يدافع الريح بل الصلاة مكروهة في تلك الحالة، والمستحب أن يفرغ نفسه، ثم يصلي [وإن] 4 فاتت الجماعة فلا بأس، روي أنه -صلى الله عليه وسلم-

قال: "لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الأَخْبَثَيْنِ" 1. وروي أيضاً: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلْيَبدَأْ بِالْغَائِطِ" 2. وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن كان يخرج الوقت لو قضى حاجته ففي "التهذيب" حكاية وجهين: أظهرهما: أنه يبدأ بالصلاة.
والثاني: أنه يقضي حاجته وإن فات الوقت ثم يقضي، كما لو خاف فوت الوقت لو اشتغل بالوضوء يلزمه الوضوء، ويشبه أن يكون هذا الوجه ذهاباً من صاحبه إلى أنه لا تصح الصَّلاة إذا ضاق الأمر عليه لانسلاب الخشوع، وقد حكى إمام الحرمين الذهاب إلى البطلان عن القاضي الحسين، وصاحب "البيان" عن أبي زيد المروزي، لكن أبا سعيد المتولي جعل الخلاف في أن الأولى أن يفرغ نفسه، أو أن يصلي لا في بطلان الصلاة على المدافعة.
وقوله في الكتاب: (أو كان حاقناً) يجوز أن يقرأ بالباء، ويجوز أن يقرأ بالنون فالحاقب هو الذي احتاج إلى الخلاء، فلم يتبرز حق حضر غائطه، والحاقن في البول كالحاقب في الغائط، قاله في الغريبين 3. ومنها: أن يكون به جوع شديد، أو عطش شديد، وقد حضر الطَّعَام والشراب ونفسه تَنُوقُ إليه فيبدأ بالأكل والشرب، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ" 4. قال الأئمة: وليس المراد منه أن يستوفي ما يشبع لكن يأكل لُقماً يكسر سورة جوعه، ويؤخر الباقي إلا أن يكون الطعام مما يؤتى عليه دفعة واحدة كالسويق واللبن استثناه المحاملي وغيره، فإن خاف فوات الوقت لو اشتغل بالأكل حكى في "التتمة" 5 [فيه] وجهين في أن الأولى ماذا كما في مدافعة الأخبثين.

ومنها: أن يكون عارياً لا لباس له 1 فيعذر في التخلف، سواء وجد قدر ما يستر به العورة، أو لم يجد، هذه هي الأعذار المذكورة في الكتاب، ويلتحق 2 بها أعذار أُخَر.
فمن العامة الوحل، وسيأتي في "كتاب الجمعة" ومنها: السموم وشدة الحر في وقت الظهر فإن الإبراد بها محبوب كما سبق، فلو أقاموا الجماعة ولم يبردوا كان له أن يتخلف.
ومنها: شدة البرد.
قال في "التهذيب": إنها عذر، ولم يفرق بين الليل والنهار، وعلى هذا فشدة الحر في معناها، وربما يبقى العذر وإن أبردوا، ومن الأعذار الخاصة أن يريد السفر وترتحل الرفقة، فله أن يتخلف عن الجماعة ولا يتخلف عنهم.
ومنها: أن يكون مُنْشِدَ ضَالَّةٍ يرجو الظفر بها لو ترك الجماعة، أو وجد من غصب ماله وأراد استرداده منه.
ومنها: أن يكون قد أكل بصلاً أو كراثاً 3 ونحوهما ولم يمكن إزالة الرائحة بغسل، ومعالجة، فهو عذر في التخلف عن الجماعة، فإن كان مَطْبُوخاً فلا، وذلك القدر محتمل.
ومنها: غلبة النوم عدها صاحب "العدة" وغيره من الأعذار.

الفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَاتِ الأَئِمَّةِ

قال الغزالي: وَكُلُّ مَنْ لاَ تَصِحُّ صَلاتُهُ صِحَّةً تُغْنِيهِ عَنِ القَضَاءِ فَلا يَصِحُّ الاقْتِدَاءُ بِهِ، وَمَنْ صَحَّتْ صَلاتُهُ صَحَّ الاقْتِدَاءُ بِهِ، إِلاَّ اقْتِدَاءَ القَارِيءِ بِالأُمِّيَ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ، وَمَنْ لاَ يُحْسِنْ حَرفاً مِنَ الفَاتِحَةِ، وَالمَأْمُومُ يُحْسِنُهُ فَهُوَ أُمِّي فِي حَقِّهِ، وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ الأُمِّيِّ بمِثْلِهِ، وَلاَ يصِحُّ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالْمَرأَةِ وَلاَ بِالخُنْثَى وَلاَ اقْتِدَاءُ الخُنْثَى بِالْخُنْثَى، وَيصِحُّ اقْتِدَاء المَرْأَةِ بِالْخُنْثَى وَبِالرَّجُلِ.

القول في صفة الأئمة

: قال الرافعي: صفات الأئمة ضربان: مشروطة، ومحبوبة، وقد ضمن الفصل ما أراد إيراده.
فأما المشروطة فنأتي منها بما ذكره في الكتاب، وما أهمله في تقسيم نرسمه، ونقول: الإنسان لا يخلو إما أن لا تكون صلاته صحيحة عنده، وعند المأموم معاً، وإما أن تكون صحيحة.
القسم الأول: أن لا تكون صحيحة عندهما معاً فينظر إن توافق اعتقاد الإمام والمأموم على أنه لا صحة لها، ولا اعتبار كصلاة من به حدث أو جنابة، وصلاة من بثوبه نجاسة ونحو ذلك، فلا يجوز لمن علم حاله الاقتداء به؛ لأنه ليس من أهل الصَّلاَةِ، وكذلك الكافر لا يجوز الاقتداء به، وإذا صلى الكافر لم يجعل بذلك مسلماً خلافاً لأبي حنيفة، حيث جعله مسلماً بذلك في بعض الأحوال، ولأحمد حيث جعله مسلماً بكل حال، وعن القاضي أبي الطيب: أنه إذا صلى الحربي في دار الحرب حكم بإسلامه، ويحكى ذلك عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، والمذهب المشهور هو الأول، ثم إذا لم تسمع منه كلمتا الشهادة، فإن سمعتا منه في التشهد، ففي الحكم بإسلامه ما قدمنا فيما إذا أذن 1، وإن كانت صحيحة في اعتقاد الإمام دون المأموم، أو بالعكس فهذا يفرض على وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك لاختلافهما في الفروع الاجتهادية كما إذا مس الحنفي فرجه وصلى ولم يتوضأ، أو ترك الاعتدال في الركوع والسجود، أو قرأ غير الفاتحة في

صلاته ففي صحة اقتداء الشافعي به وجهان: أحدهما -وبه قال القفال-: تصح؛ لأن صلاته صحيحة عنده، وخطؤه غير مقطوع به، فلعل الحق ما ذهب إليه.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: لا تصح؛ لأن صلاة الإمام فاسدة في اعتقاد المأموم، فأشبه ما لو اختلف اجتهاد رجلين في القبلة لا يقتدي أحدهما بالآخر، وهذا أظهر عند الأكثرين، ولم يذكر الروياني في "الحلية" سواه، وبه أجاب صاحب الكتاب في "الفتاوى"، لكن بشرائط ليس من غرضنا ذكرها، ولو أن الحنفي صلى على وجه لا يعتقده صحيحاً، واقتدى الشافعي به وهو يعتقده صحيحاً انعكس الوجهان، فعلى ما ذكره القفال لا يصح الاقتداء أعتباراً بحال الإمام، وعلى ما ذكره أبو حامد يصح اعتباراً باعتقاد المأموم.
وحكى أبو الحسن العبادي أن الأودني 1، والحليمي قالا: إذا أمّ الوالي، أو نائبه بالنَّاسِ ولم يقرأ التسمية والمأموم يراها واجبة فصلاته خلفه صحيحة عالماً كان أو عامياً، وليس له المفارقة لما فيها من الفتنة، وهذا حسن.
وقضيته: الفرق بين الإمام وخلفائه، وبين غيرهم، أما إذا حافظ الحنفي على جميع واجبات الطهارة والصلاة عند الشافعي فاقتداؤه به صحيح عند الجمهور، وعن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه لا تصح؛ لأنه لا يأتي بها [على اعتقاد] 2 الوجوب، وعلى الأول لو شك في أنه هل أتى بها أم لا؟ فقد ذكر صاحب الكتاب في "الفتاوى" أنه يجوز الاقتداء به، كما لو علم أنه حافظ عليها، لأن الظاهر إتيانه بها إقامة لما يعتقده سنة، وتوقياً عن شبهة الخلاف.

وحكى أبو الفرج البزاز عن الشيخ أبي علي أنه لا يصح الاقتداء به كما لو [عرف] أنه لم يأت بها، وحكي عن الشيخ أبي حامد الصحة، كما قاله صاحب الكتاب في "الفتاوى"، وإذا عرفت ذلك وسئلت عن اقتداء الشافعي بالحنفي مطلقاً فقل: فيه ثلاثة أوجه: ثالثها -وهو الأظهر-: الفرق بين أن يحافظ على الواجبات، وبين أن يتركها، ولك أن تضم إليها وجهاً فارقاً على ما قدمناه، ولو اقتدى الحنفي بالشافعي، وصلى الشافعي على وجه لا يراه الحنفي، كما لو اقتصد وصلى، ففيه الخلاف، وإذا جوزنا اقتداء أحدهما بالآخر فلو صلى الشافعي الصبح خلف حنفي، ومكث الحنفي بعد الركوع قليلاً وأمكنه أن يقنت فيه فعل، إلا تابعه، وهل يسجد للسهو؟ إن اعتبرنا اعتقاد المأموم: نعم فإن اعتبرنا اعتقاد الإمام فلا، ولو صلى الحنفي الصبح خلف الشافعي وترك الإمام القنوت ساهياً، وسجد للسهوِ تابعه المأموم، وإن ترك الإمام سجود السهود سجد المأموم إن اعتبرنا اعتقاد، وإلا فلا.
والثاني: أن لا يكون ذلك لاختلافهما في الفروع، فلا يجوز لمن اعتقد بطلان صلاة غيره أن يقتدى به، وذلك كما إذا اجتهد اثنان فصاعداً في القبلة واختلف اجتهادهم، لم يجز لبعضهم الاقتداء ببعض؛ لأن صلاة كل واحد منهم باطلة عند أصحابه، وكذا لو اشتبه إناءإن طاهر ونجس، واختلف فيهما اجتهاد رجلين، ولو كثرت الأواني والمجتهدون واختلف اجتهادهم فحيث تعين عند المأموم بطلان صلاة الإمام امتنع الاقتداء، وحيث لا يتعين جاز الاقتداء، وفيه وجه أنه لا يجوز أيضاً، وهذا هو الكلام الجملي فيه، ونوضحه بصورتين: إحداهما: لو اشتبه ثلاثة أوان، واجتهد فيها ثلاثة، واستعمل كل واحد منهم واحداً لأداء اجتهاده إلى طهارته، فإن كان الطاهر منها واحداً لم يجز اقتداء بعضهم ببعض، وإن كان النجس منها واحداً وأراد أحدهم أن يقتدي بآخر فإن ظن طهارة إناء أحد صاحبين كما ظن طهارة إناء نفسه، فلا خلاف في جواز اقتدائه به، وامتناع اقتدائه بالثالث، وإن لم يظن إلا طهارة إناءه، ففي المسألة وجهان: قال صاحب "التلخيص": لا يجوز لواحد منهم الاقتداء بواحد من صاحبيه، لأنه يتردد في أن المحدث المستعمل للنجاسة هذا أم ذاك، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر، فيمتنع الاقتداء، كما يمتنع الاقتداء بالخنثى لتعارض احتمالي الذكورة والأنوثة، وقال ابْنُ الْحَدَّادِ -وهو الأصح-: يجوز لكل واحد منهم أن يقتدي بواحد من صاحبيه، ولا يجوز أن يقتدي بهما جميعاً في صلاتيه، أما الأول فلأنه لا يدري نجاسة إناء من يقتدي به، وبقاء حدثه، وإذا لم يعلم المأموم من حال الإمام ذلك سومح، وجوز الاقتداء على ما

سيأتي، وأما الثاني فلأنه إذا اقتدى بأحدهما تعين إناء الثالث للنجاسة فامتنع الاقتداء به، وبهذا قال أَبُو إِسْحَاقَ المروزي إلا أنه قال: لو اقتدى بهما جميعاً وجب إعادة الصلاتين؛ لأن إحداهما باطلة لا بعينها، فيلزمه قضاؤهما، وعند ابن الحداد والأكثرين: لا يجب إلا قضاء الثانية فإنه لو اقتصر على الاقتداء الأول لما كان عليه قضاء الثانية، ولو كانت الأواني خمسة، والنجس منها واحد، وظن كل واحد بعد الاجتهاد طهارة أحدهما، ولم يظن شيئاً من حال الأربعة الباقية، وأم كل واحد منهم أصحابه في واحدة من الصلوات الخمس، وبدؤوا بالصُّبْحِ فعند صاحب "التلخيص" على كل واحد منهم إعادة الصلوات الأربع التي كان مأموماً فيها، وعند ابن الحداد والأكثرين: يعيد كل واحد منهم آخر صلاة كان مأموماً فيها، ويلزم من ذلك أن يعيد كلهم العشاء إلا إمام العشاء، فإنه يعيد المغرب، وإنما أعادوا العشاء؛ لأن بزعمهم تتعين النجاسة في حق إمام العشاء، وإنما أعاد إمام العشاء المغرب؛ لأنه صحت له الصبح والظهر والعصر عند أئمتها، وهو متطهر عنده، فيتعين بزعمه النجاسة في حق إمام المغرب.
وعند أبي [حنيفة] 1 يعيد كل واحد منهم جميع الأربع التي كان مأموماً فيها؛ لأنه اقتدى في واحدة منها بمن توضأ بماء نجس، وهي غير متعينة، فصار كما لو نسي واحدة من أربع، وحكي عن بعض الأصحاب: طريقة أخرى، وهي أن هذه الوجوه فيما إذا سمع من بين خمسة نفر صوت حدث، ونفاه كل واحد عن نفسه، وأموا على ما ذكرنا، فأما في مسألة الأواني: فكل واحد يعيد آخر صلاة كان مأموماً فيها بلا خلاف.
والفرق أن الاجتهاد في الأواني جائز، فكان لك واحد اجتهد في إناءه وإناء إمامه إلى أن تعينت النجاسة في الآخر، ولا مجال للاجتهاد في مسألة الصوت، ولو كانت المسألة بحالها لكن النجس من الأواني الخمس أثنان صحت صلاة كل واحد منهم خلف اثنين، وبطلت خلف اثنين، ولو كان النجس ثلاثة صحت صلاة كل واحد منهم خلف واحد، ولو كان أربعة امتنع الاقتداء بينهم على الإطلاق.
القسم الثاني: أن تكون صلاته صحيحة عنده وعند المأموم معاً، فلا يخلو؛ إما أن تصح صحة غير مغنية عن القضاء، وإما أن تصح صحة مغنية عن القضاء، فإن لم تكن مغنية عن القضاء كصلاة من لم يجد ماء ولا تراباً، فلا يجوز الاقتداء به للمتوضئ والمتيمم الذي لا يقضي؛ لأن تلك الصلاة إنما يؤتى بها لحق الوقت، وليست هي معتداً بها، فأشبهت الفاسدة، ولو اقتدى به من هو في مثل حاله ففيه وجهان للشيخ أبي محمد:

أحدهما: يجوز، لأن الصلاتين متماثلتان، فيجزئ الاقتداء فيهما، ثم يقضيان.
والثاني: لا؛ لأن ربط الاقتداء بما لا يعتد به كربط الاقتضاء بالصَّلاَةِ الفَاسِدَةِ، وهذا أوفق لإطلاق الأكثرين حيث منعوا الاقتداء به، ولم يفصلوا في معنى صلاة من لم يجد ماء، ولا ترابًا صلاة المقيم المتيمم لعدم الماء، وصلاة من أمكنه أن يتعلم الفاتحة، فلم يتعلم ثم صلى لحق الوقت، وصلاة العاري، وصلاة المربوط على الخشبة إذا ألزمناه الإعادة على هؤلاء، وقد سبق بيان الخلاف فيه، أما إذا صَحَّتْ الصلاة صحة مغنية عن القضاء فلا يخلو الحال، إما أن يكون المصلي مأموماً أو لا يكون، فإن كان مأموماً لم يجز الاقتداء به؛ لأنه تابع لغيره، ويلحقه سهو ذلك الغير، ومنصب الإمام يقتضي الاستقلال وتحمل سهو الغير فلا يجتمعان، ولو رأى رجلين واقفين أحدهما بجنب الآخر يصليان جماعة، وتردد في أن الإمام هذا أم ذاك لم يجز الاقتداء بواحد منهما حق يتبين له الإمام، ولو التبس على الواقفين فاعتقد كل واحد منهما أنه المأموم فصلاتهما باطلة؛ لأن كل واحد منهما مقتد بمن يقصد الائتمام، وكذلك لو كان كل واحد منهما شاكاً.
لا يدري أنه إمام أو مأموم فصلاتهما باطلة، وإن اعتقد كل واحد منهما أنه إمام صحت صلاتهما، وإن شك أحدهما في حالة دون الآخر بطلت صلاة الشَّاك، وغير الشاك إن ظن أنه إمام صحت صلاته، وإن ظن أنه مأموم فَلاَ، وإن لم يكن المصلي مأموماً فلا يخلو إما أن يُخِلَّ بالقراءة أو لا يُخِلَّ، فإن أَخَلَّ بأن كان أُمِيًّا ففي صحة اقتداء القارئ به قولان: الجديد: أنه لا يصح، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدْ؛ لأن الإمام يصدر لحمل القراءة عن المأموم بحق الإمامة بدليل المسبوق، فإذا لم يحسنها لم يصلح للتحمل.
والقديم: أنه إن كانت الصَّلاَةُ سِريّةً صَح الاقتداء، وإلا فلا؛ بناء على القول القديم في أن المأموم لا يقرأ في الجهرية بل يتحمل عنه الإمام، فإذا لم يحسن القراءة لم يصلح للتحمل، وفي السرية يقرأ المأموم لنفسه، فيجزئه ذلك، هذا نقل جمهور الأصحاب، منهم الشيخ أبو حامد، والقاضي ابن كج والصيدلاني، والمسعودي، وذكر معظمهم أن أبا إسحاق خرج قولاً ثالثاً على الجديد: أن الاقتداء [به] صحيح، سواء كانت الصَّلاَةُ سريةٌ أو جهرية، لأن المأموم تلزمه القراءة في الحالتين فيجزئه ذلك، كما قال بإجزائه في السِّرِّيَّةِ في القديم، ومنهم من لم يثبت هذا القول الثالث، ومأخذ الطريقتين على ما ذكره الصيدلاني أن أصحابنا اختلفوا في نصين للشافعي -رضي الله عنه- خالف الآخر الأول هل يكون الآخر رجوعاً عن الأول أم لا؟ منهم من قال: نعم، فعلى هذا لا يأتي في الجديد إلا قول واحد أنه لا يصح اقتداء 1 القاري بالأمي، ومنهم

من قال: لا يكون رجوعاً؛ لأنه قد ينص في موضع واحد على قولين، فيجوز أن يذكرهما متعاقبين، فعلى هذا يخرج قول آخر في الجديد كما سبق، وإذا أثبتنا القول الشاك فأبو إسحاق مسبوق به؛ لأنه قد ذهب إليه المزني، وخرجه على أصول الشافعي -رضي الله عنه- وعكس صاحب الكتاب في "الوسيط" ما ذكره الجمهور في القول الثاني، والثالث فجعل الثاني قولاً مخرجاً، والثالث منصوصه في القديم، ثم الأمي على أصلنا هو الذي لا يحسن بعض الفاتحة أو كلّها؛ لِخَرَسٍ ونحوه، ويدخل في هذا التفسير الأَرَت وهو الذي يدغم حرفًا في حرف في غير موضع الإدغام.
وقال في "التهذيب": هو الذي يبدل الراء بالتاء، والألثغ: وهو الذي يبدل حرفاً بحرفٍ كالسِّين بالثَّاء، فيقول: "المثتقيم" أو الراء بالغين فيقول: "غيغ المغضوب" ويدخل الذي في لسانه رخاوة تمنع أصل التشديدات، والخلاف الذي ذكرناه في اقتداء القارئ بالأمي فيما إذا لم يطاوعه لسان، أو طاوعه لكن لم يمض عليه من الزمان ما يمكنه التَعَلُّم فيه، فإذا مضى وقَصَّرَ بترك التعلم فلا يقتدي به بلا خلاف؛ لأن صلاته حينئذ مقضية يؤتى بها لِحَقِّ الوقت كصلاة من لم يقدر على الماء والتراب، ويجوز اقتداء الأمي بأمي مثله لاستوائهما في النقصان كاقْتضاء المرأة بالمرأة، [ولو] حضر رجلان كل واحد منهما يحسن بعض الفاتحة، إن كان ما يحسنه هذا يحسنه ذاك جاز اقتداء كل واحد منهما بالآخر، وإن أحسن أحدهما غير ما يحسنه الآخر فاقتداء أحدهما بالآخر كاقتداء القارئ بالأمي، ففي الخلاف الذي سبق، وعليه يخرج اقتداء الأرث بالألثغ، وبالعكس؛ لأن كل واحد منهما قارئ ما ليس صاحبه فيه بقارئ.
وتكره إمامة التمتام والفأفاء 1، ويجوز الاقتداء بهما؛ لأنهما لا ينقصان شيئاً ويزيدان زيادة هما معذوران فيها، وتكره إمامة من يلحن في القراءة، ثم ننظر إن كان لحناً لا يغير المعنى ولا يبطله كرفع الحاء من الحمد لله فتجوز صلاته، وصلاة من اقتدى به، وإن كان بغير المعنى كقوله: أنعمتُ عليهم أو يبطله كقوله: بالمستقين، فإن كان يطاوعه لسانه ويمكنه التعلم فْيلزمه ذلك، فلو قَصَّر وضاق الوقت صَلَّى وقَضَى، ولا يجوز الاقتداء به، وإن لم يطاوعه لسانه أو لم يمض ما يمكن التعلم به، فإن كان في الفاتحة فصلاة مثله خلفه صحيحة، وصلاة صحيح اللسان خلفه كاقتداء القارئ بالأمي، وإن كان في غير الفاتحة صحت صلاته وصلاة من خلفه.

قال إمام الحرمين: ولو قيل: ليس لهذا الذي يلحن في غير الفاتحة [أن] 1 يقرأ ما يلحن فيه؛ لأنه يتكلم في صلاته بما ليس من القرآن، ولا ضرورة إليه لما كان بعيداً -والله أعلم-.
هذا تمام قسم الإخلال، وإن لم يخل بالقراءة فلا يخلو إما أن يكون رجلاً، أو امرأة، أو خنثى مشكل، فأما الرجل فيصح اقتداء الرجال والنساء به، وأما المرأة فيصح اقتداء النساء بها، ولا يصح اقتداء الرجل بها؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلاَ لاَ تُؤمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلاً، وَلاَ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِراً" 2. ولا يجوز اقتداء الخنثى بها أيضاً؛ لجواز أن يكون رجلاً، وأما الخنثى فيجوز اقتداء المرأة به؛ لأنه إما رجل، أو امرأة، واقتداؤهما بالصنفين جائز، ولا يجوز اقتداء الرجل به؛ لاحتمال أنه امرأة، ولا أقتداء مشكل آخر؛ لاحتمال أن يكون الإمام امرأة والمأموم رجلاً، وحيث حكمنا بصحة الاقتداء فلا بأس يكون الإمام متيمماً أو ماسحاً على الخف، وكون المأموم متوضئاً أو غاسلاً، ويجوز أيضاً اقتداء السليم بسلس البول، والطاهرة بالمستحاضة التي ليست بمتحيرة في أصح الوجهين، كما يجوز الاقتداء بمن استجمر، وبمن على ثوبه أو بدنه نجاسة معفو عنها.
والثاني -وبه قال أبو حنيفة-: لا يجوز؛ لأن صلاتهما صلاة ضرورة، ولا بأس بصلاة القائم خلف القاعد، خلافاً لمالك حيث قال: لا يجوز ذلك، ولأحمد حيث قال: إذا قعد الإمام قعد القوم خلفه، لنا ما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى قَاعِداً، وأَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَالنَّاسُ خَلفَهُ قِيَامٌ" 3. وبجوز اقتداء القائم والقاعد بالمضطجع، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: القياس على الصورة السابقة، فإنه سلمها: هذا آخر التقسيم، وقد تبين به الأوصاف المشروطة في الإمام.
ونعود الآن إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
وقوله: (وكل من لا تصح صلاته صحة تغنيه عن القضاء) يدخل فيه من لا تصح صلاته أصلاً، ومن تصح صلاته صحة غير مغنية عن القضاء؛ لأن كل صلاة ليس لها نفس الصحة ليس لها الصحة الخاصة، وحكم الضربين ما ذكره.
وقوله: "فلا يصح الاقتداء به" مطلق، وظاهره يقتضي أن لا يصح اقتداء من لم

يجد ماء ولا تراباً بمثله، كما لا يصح اقتداء غيره به، وهو الوجه الذي ذكرنا: أنه الموافق لإطلاق الأكثرين.
وقوله: "ومن صحت صلاته صح الاقتداء به" يعني: صحت صلاته الصحة المبنية في القسم الأول، وهي المغنية عن القضاء.
وقوله: "إلا اقتداء القارئ" معلم بالزاي؛ لأن عند المزني هذه الصورة غير مستثناة كما سبق، ثم نظم الكتاب لا يصرح إلا باستثناء اقتداء القاريء بالأمي عن هذا الضابط، لكن اقتداء الرجل بالمرأة مستثنى عنه أيضاً، والمراد: إلا اقتداء الرجل بالمرأة، وقد حصر إمام الحرمين الاستثناء في هذين الموضعين، وضم إليهما في "الوسيط" ثالثاً، وهو: الاقتداء بالمقتدي ولك أن تقول: قولنا من صحت صلاته صح الاقتداء به، إما أن يريد به صحة اقتداء كل واحد به أو يعني صحة الاقتداء به في الجملة، فإن عنينا الأول فالاستثناء غير منحصر في الموضعين، ولا في الثلاثة؛ بل من صور الاستثناء الاقتداء بمن يتعين في زعم المأموم كونه محدثاً، وغير هذه الصورة على ما تقدم، وإن عنينا الثاني فلا حاجة إلى استثناء الأمي إذ يصح اقتداء مثله به، ولا استثناء المرأة، إذ يصح اقتداء المرأة بها.
وقوله: (ومن لا يحسن حرفاً من الفاتحة، والمأموم يحسنه فهو أمي في حقه) أي فيحصل فيه الخلاف المذكور في اقتداء القارئ بالأمي.
قال الغزالي: فَإنْ اقْتَدَى الرَّجُلُ بِخُنْثَى فَبَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ كَوْنُهُ رَجُلاً وَجَبَ القَضَاءُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ فِي نَفْسِ الصَّلاَةِ، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الفَرَاغِ كَوْنُهُ أُمِّيًّا أَوْ مُحْدِثاً أَوْ جُنُباً فَلاَ قَضَاءَ (ح)، وَلَوْ بَانَ كَونُهُ امْرَأَةً أَوْ كَافِراً وَجَبَ القَضَاءُ لِأَنَّ لَهُمَا عَلاَمَةً، وَلَوْ بَانَ كَوْنُهُ زِنْدِيقًا فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: جميع ما سبق فيما إذا عرف المأموم حال الإمام في الصفات المشروطة وجوداً وعدماً، وغرض هذا الفصل الكلام فيما إذا ظن شيئاً وتبين خلافه، فمن صوره: ما لو اقتدى رجل بخنثى، وَبَانَ بعد الصلاة كونه رجلاً، وقد قدمنا أن هذا الاقتداء غير صحيح، وإذا لم يصح فلا يخفى وجوب القضاء، فلو لم يقض حتى بَانَ كون الإمام رجلاً، فهل يسقط القضاء؟ فيه قولان: أحدهما: نعم؛ لأنه قد تبين كون الإمام رجلاً.
وأظهرهما: لا يسقط، لأنه كان ممنوعاً من الاقتداء به للتردد في حاله، وهذا التردد يمنع من صحة الصَّلاَةِ، وإذا لم تصح فلا بد من القضاء.

وقوله في الكتاب: (وجب القضاء على أظهر القولين) ليس المراد منه استفتاح الوجوب، وإنما المراد استمراره على ما بَيَّنَّا، ويجري القولان فيما لو اقتدى خُنْثَى بامرأة، ولم يَقْضِ الصلاة حتى بَانَ كونُه امرْأة، وفيما إذا اقتدى خنثى بخنثى، ولم يقض المأموم حق بَانَا رجلين أو امرأتين، أو بَانَ كون الإمام رجلاً 1 أو كون المأموم امرأة، وذكر الأئمة لهذه الصور نظائر.
منها: لو باع مال أبيه على ظن أنه حي، فبَانَ أنه كان ميتاً، ففي صحة البيع قولان 2. ومنها: لو وكل وكيلاً بشراء شيء، وباع ذلك الشيء من إنسان على ظن أنه ما اشتراه وكيله بعد، وكان قد اشتراه ففي صحة البيع قولان.
ومن مسائل الفصل: ما لو اقتدى برجل ظنه متطهراً، ثم بَانَ بعد ما صلى أنه كان جنبًا، أو محدثاً، فلا قضاء عليه خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يجب، ولمالك وأحمد حيث قالا: إن كان الإمام عالماً بحدثه وأَمَّ مع ذلك وجب على المأموم القضاء، وإن لم يكن عالماً لم يجب، وحكى صاحب "التلخيص" مثل ذلك قولاً للشافعي -رضي الله عنه- منصوصاً.
لنا: ما رويِ أنه -صلى الله عليه وسلم-: "دَخَلَ فِي صَلاَتِهِ، وَأَحْرَمَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ جُنُبٌ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ كَمَا أنْتُمُ، ثُمَّ خَرَجَ، واغْتَسَلَ، وَرَجَعَ وَرَأْسُهُ يَقْطُر مَاءٌ" 3 وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا صَلَّى الإمَامُ بِقَوْمٍ، وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَجْزَأَتْهُمْ وَيُعِيدُ هُوَ" 4.

وَأَيْضاً: فإنه غير مأمور بالبحث عن حدث الإمام وطهارته؛ لأنه لا علامة للمحدث والمتطهر يعرفان بها، فليس منه تقصير في الاقتداء به، وكل مصل لنفسه ففساد صلاة الإمام لا توجب فساد صلاة المأموم، والمسألة فيما إذا لم يعرف المأموم حدثه أصلاً، فإن علم حدثه، ولم يتفرقا، ولم يتطهر، ثم اقتدى به ناسياً وجبت الإعادة، وهي مفروضة في غير الجمعة، فأما إذا اتفق ذلك في الجمعة فسيأتي الكلام في بابها.
ومنها: لو اقتدى بمن ظنه قارئاً فبَانَ أنه أمي.
قال في "التهذيب": تجب الإعادة على قولنا: إن الصلاة خلف الأمي لا تصح، والذي ذكره في الكتاب أنه لا قضاء عليه؛ كما لو بان جنباً، ووجهه إمام الحرمين بأن البحث عن كون الإمام قارئاً لا يجب، بل يجوز حمل الأمر على الغالب، وهو أنه لا يؤم إلا قارئ، كما يجوز حمل الأمر على أنه متطهر، فإذا بان خلاف الغالب فهو كما لو بانت الجنابة، قال: وإذا كانت الصلاة جَهْرِيَّةٌ فيظهر فيها أنه قارئ، أو أمي، فإن لم يجهر فيها فحينئذ اختلف الأصحاب في أنه هل يجب البحث، وما حكاه صاحب "التهذيب" في المسألة أقرب إلى سياق الأكثرين، ويجوز أن يفرق بينه وبين ما إذا بَانَ جنباً بأن الحدث ليس بنقص في الشخص، وهذا نقص، فصار كما لو بَانَ كون الإمام كَافِراً، أو امرأة، وأيضاً فإن الوقوف على كونه قارئاً أسهل من الوقوف على كونه متطهراً؛ لأن عروض الحدث وإن عرف أنه تطهر قريب، وصيرورته أمياً بعد ما سمعه يقرأ في غاية البعد، وأما إذا اقتدى بمن لا يعرف حالة في صلاة جهرية ثم لم يجهر فحكاية العراقيين فيه عن نصه في "الأم" أنه يلزمه الإعادة؛ لأن الظاهر أنه لو كان قارئاً لجهر، فلو سلم وقال: أسررت ونسيت الجهر لم تجب الإعادة، وتستحب.
وإذا وقفت على ما ذكرنا أعلمت قوله: (فلا قضاء) بالحاء والميم والألف، وكذلك بالواو ولأمرين: أحدهما: القول الذي حكاه صاحب "التلخيص".
والثاني: الخلاف الذي نقلناه في مسألة الأمي.
فإن قلت: ولم قيد هذه الصور بما إذا بَانَ الحال بعد الفراغ من الصَّلاَة، وكذلك قيد ما إذا اقتدى بخنثى، وبَانَ كونه رجلاً بما بعد الفراغ، وما الحكم لو بَانَ ذلك قبل الفراغ من الصلاة.
فالجواب: أما في صورة الخنثى: فالقولان جاريان في الحالتين، وحكى القاضي ابن كج القولين فيما إذا اقتدى خنثى بامرأة، ثم لم يخرج من الصلاة حتى بَانَ للمأموم

أنه أنثى، وقد سبق أن هذه الصورة وصورة الكتاب يستويان في طرد القولين، فإذاً قوله: (بعد الفراغ): في مسألة الخنثى ليس للتقييد.
وأما إذا بَانَ في الصلاة كونه جنبًا، أو محدثاً، فلا قضاء أيضاً إذا أتم، ويجب أن ينوي المفارقة كما علم الحال، وكذلك الحكم فيما إذا بَانَ في الصَّلاة كونه أُمِّياً على ما ذكره في الكتاب، وإذا اقتدى بمن ظنه رَجُلاً فَبَانَ كونه امرأة وجب القضاء؛ لأن المرأة تمتاز عن الرجل بالصوت والهيئة، وسائر العلامات، فالمقتدي منتسب إلى التقصير بترك البحث، وكذلك الحكم لو بَانَ خنثى عند أكثر الأصحاب؛ لأن أمر الخنثى ينتشر في الغالب، ولا يخفى إذ النفوس مجبولة على التحديث بالأعاجيب وإشاعتها، وعن صاحب "التلخيص": أنه لا تجب الإعادة إذا بَانَ خنثى، ولو اقتدى بمن ظنه مسلماً فبَانَ كافراً ينظر إن كان كافراً يتظاهر بكفره كاليهودي والنصراني وجب القضاء لمعنيين: أحدهما: ذكره الشافعي -رضي الله عنه-: وهو أن الكافر لا يجوز أن يكون إماماً [بحال النقص فيه بخلاف الجنب فإنه لا يجوز أن يكون إماماً] 1 لحالة عارضة لا لصفة نقصان، وأيضاً فالجنب إذا تَيَّمَم يجوز أن يؤم مع أن حدثه باق.
والثاني: ذكره الأصحاب 2 وهو الذي أورده في الكتاب: أن للكافر أمارات يعرف بها من الغيار وغيره، فالمقتدي مقصر بترك البحث، وإن كان كافراً يظهر الإسلام ويسر الكفر كالزنديق والدهري والمرتد الذي يخفي رِدَّتَهُ خوفًا من القتل، ففي وجوب القضاء وجهان بناهما العراقيون على المعنيين: إن قلنا بالأول وجب القضاء؛ لأنه لا يجوز أن يكون إماماً بحال النقصان فيه، وإن قلنا بالثاني: لا يجب، وهذا الثاني أصح عند صاحب "التهذيب" وجماعة 3. ولو اقتدى برجل ثم بَانَ أنه كان على بدنه أو ثوبه نجاسة 4، فإن كانت خفيفة فهو كما لو بَانَ الحدث، وإن كانت ظاهرةً فقد قال إمام الحرمين فيه احتمال عندي، لأنه من جنس ما يخفى.

وقوله في الكتاب: (ولو بَانَ كونه امرأة أو كافراً) [يعني كافراً 1] لا يستسر بكفره، ومسألة الزنديق بعده توضحه، وليكن قوله: (وجب القضاء) معلماً بالزاي لأن عند المزني لا يجب القضاء لا فيما إذا بَانَ امرأة، ولا فيما إذا بَانَ كافراً.
قال الغزالي: وَيصِحُّ الاقْتِدَاءُ بِالصَّبِيِّ وَالعَبْدِ وَالأعْمَى وَهُوَ أَوْلَى (ح) مِنَ البَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَخْشَعُ.
قال الرافعي: في الفصل صور: إحداها: الاقتداء بالصبي المميز صحيح، خلافاً لأبي حنيفة ومالك، وأحمد -رحمهم الله- حيث قالوا: لا يصح الاقتداء به في الفرض، واختلفت الرواية عنهم في النفل.
لنا: ما روي أن عمرو بن سلمة: "كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ" 2. ولا خلاف في أن البالغ أولى منه.
والثانية: الاقتداء بالعبد صحيح من غير كراهة، لكن الحر أولى منه، وعند أبي حنيفة أنه تكره إمامته.
لنا ما روي أن عائشة -رضي الله عنها- كان يؤمها عَبْدٌ لَهَا لم يعتق يُكْنَى أبا عمرو.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَلَوْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ أَجْدَعُ مَا أَقَامَ فِيكُمْ الصَّلاَةَ" 3. واَعلم أن الصورتين فيما إذا أَمَّا في غير الجمعة، فأما في الجمعة فسيأتي.
الثالثة: إمامة الأعمى صحيحة؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ يَؤُمُّ النَّاسَ" 4. وهل هو أولى من البصير أم كيف الحال؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها -وهو الذي ذكره في الكتاب، ويحكى عن أبي إسحاق المروزي-: أن

الأعمى أولى؛ لأنه لا ينظر إلى ما يلهيه ويشغله، فيكون أبعد عن تفرق القلب، وأخشع.
والثاني -وبه قال أبو حنيفة: أن البصير أولى؛ لأنه أحفظ لبدنه وثيابه عن النجاسات؛ ولأنه مستقل بنفسه في الاستقبال [وهذا] 1 اختيار الشيخ أبي إسحاق الشَّيرَازِي.
والثالث -وهو: المنقول عن نصه في "الأم" وغيره: أْنهما سواء لتعرض المعنيين، وهذا هو المذهب عند عامة الأصحاب، ولم يورد الصيدلاني والإمام وصاحب "التهذيب" [شيئاً] 2 سواه.
قال الغزالي: وَالأَفْقَةُ الصَّالِحُ الَّذِي يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ أَوْلَى مِنَ الأَقْرَأ وَالأَوْرَعِ وَالأسَنِّ وَالنَّسِيبِ، وَفِي الأَسنِّ وَالنَّسِيبِ قَوْلاَنِ لِتَقَابُلِ الفَضِيلَةِ، وإذَا تَسَاوَتِ الصِّفَاتُ قُدِّمَ بِحُسْنِ الوَجْهِ وَنَظَافَةِ الثَّوبِ 3. قال الرافعي: ما ذكره في أول الفصل الثاني إلى هذا الموضع كلام فيمن يجوز الاقتداء به، ومن لا يجوز، ومن هاهنا إلى آخر الفصل كلام فيمن هو أولى بالإمامة إذا اجتمع قوم يصلحون لها والأصل في التقديم بالفضائل ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَأُهُمْ لِكِتَاب اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، وَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءَ فَأَقْدَمُهُمْ فِي الْهِجْرَةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرةِ سَوَاءً فَأكْبَرُهُمْ سِنًّا" 4. وقد تعرض في الكتاب لخمس خصال من أصول خصال التقديم، وهي: الفقه، والقراءة، والورع، والسِّن والنَّسَبُ، وأبدل كثير من الأصحاب الورع بالهجرة، وقالوا: صفات التقديم خمس، وجمع بينهما في "التهذيب" وضم إليهما الأربع البواقي فجعلها ستاً.
أما الفقه والقراءة فالمراد منهما ظاهر.
وأما الورع فليس المراد منه مجرد العدالة 5، بل ما يزيد عليِه من العِفَّةِ وحُسْنِ السِّيَرةِ، وهو أيضاً بين.

وأما السن فقد قال الأصحاب: المعتبر أن يمضي عليه في الإسلام فلا يقدم شيخ أسلم اليوم على شاب نشأ في الإسلام، ولا على شاب أسلم أمس، والظاهر أنه لا تعتبر الشيخوخة، وإنما النظر إلى تفاوت السِّنِّ على ما يشعر به قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَأكْبَرهُمْ سِنًّا" وأشار بعضهم إلى أن النظر إلى الشيخوخة.
وأما النسب فلا خلاف أن نسب قريش معتبر، وهل يعتبر غيره؟.
قال في "النهاية" رأيت في كلام الأئمة تردداً فيه، والظاهر: أنه لا يختص بالانتساب إلى قريش، بل تراعى كل نسب يعتبر في الكفاءة في "باب النكاح"، كالانتساب إلى العلماء والصُّلَحَاءِ؛ وعلى هذا فالهاشمي والمطلبي يقدمان على سائر قريش، وسائر قريش يقدمون على غيرهم، ثم يقدم العرب على العجم، وأما الهجرة فمن هاجر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقدم على من لم يهاجر، ومن تقدمت هجرته يقدم على من تأخرت هجرته، وكذلك الهجرة بعد الرسول -صلى الله عليه وسلم- من دار الحرب إلى دار الإسلام 1 معتبرة، وأولاد من هاجر، أو تقدمت هجرته يقدمون على أولاد غيرهم، وهذا التقديم في الأولاد يندرج تحت شرف النسب، هذه مقدمة الفصل، ويتلوها مسائل: احداها: لو اجتمع عدل وفاسق، فالعدل أولى بالإمامة، وإن اختص الفاسق بزيادة الفقه والقراءة وسائر الأفضال؛ لأن الفاسق يخاف منه أن لا يحافظ على الشرائط، وفي لفظ الكتاب إشارة إلى هذا حيث قال: "والأفقه الصالح... " إلى آخره فشرط الصَّلاَحِ في تقديم الأَفْقَه على غيره، وبالغ مالك فمنع الاقتداء بالفاسق بغير تأويل، كشارب الخمر، والزاني، وعنه روايتان في الفاسق بالتأويل، كمن يسب السَّلَفَ الصَّالِحَ.
وعن أحمد روايتان في جواز الاقتداء بالفاسق مطلقاً: أصحهما: المنع، ونحن اقتصرنا على الكراهة، وجوزناه؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِر" 2. ويمكنك أن تستدل بكراهة الاقتداء بالفاسق على كراهة الاقتداء بالمبتدع بطريق الأولى؛ لأن فسق الفاسق يفارقه في الصَّلاة، واعتقاد المبتدع لا يفارقه، وهذا فيمن لا يكفر ببدعته، أما من يكفر فلا يجوز الاقتداء به، كما سبق، وعند صاحب "الإفصاح" من يقول بخلق القرآن 3، أو بنفي شيء من صفات الله تعالى ممن

يكفر، وكذلك جعل الشيخ أبو حامد ومتابعوه المعتزلة ممن يكفر، والخوارج 1 ممن لا يكفر، ويحكى تكفير القائل بخلق القرآن عن الشافعي -رضي الله عنه-، وأطلق كثير من الأصحاب منهم القفال القول بجواز الاقتداء بأهل البدع، وأنهم لا يكفرون، قال في "العدة": وهو ظاهر مذهب الشافعي -رضي الله عنه- 2 لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَخَلْفَ مَنْ قَالَ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ" 3. الثانية: قال صاحب "التهذيب" و"التتمة": الأورع أولى من الأفقه، ومن الأقرأ؛ لأن الإمامة سفارة بين الله تعالى، وبين الخلق، فأولاهم بها أكرمُهم على الله تَعَالى، ورُوِي مِثْله عن الشيخ أبي محمد، وهذا خلاف ما ذكره في الكتاب، فإنه قدم الأفقه على الأقرأ والأورع، وهو أظهر وأوفق لإطلاق الأكثرين، ووجهه ما سيأتي في تقديم الأفقه على الأقرأ.
وينبغي أن يعلم لفظ (الأورع) بالواو لذلك.
الثالثة: إذا اجتمع شخصان: أحدهما لا يقرأ إلا ما يكفي في الصلاة لكنه صاحب فقه كثير، والآخر يحسن القرآن كله وهو قليل الفقه فظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب أن الأفقه أولى خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: الأقرأ أولى احتاجاً بالخبر الذي تقدم، فإنه قدم الأقرأ على الأعلم بالسُّنة وهو الأفقه.
لنا أن الواجب [من القراءة] 4 في الصلاة محصور، والوقائع الحادثة في الصَّلاة غير محصورة، فالحاجة إلى الفِقْهِ أهَمّ، وأجاب الشافعي -رضي الله عنه- عن الاحتجاج بالخبر بأن أهل العصر الأول كانوا يتفقهون قبل أن يقرأوا، وما كان يوجد منهم قارئ إلا وهو فقيه، وإذا كان كذلك فالذي يقتضيه الخبر تقديم القارئ على الفقيه الذي ليس بقارئ، وذلك مما لا نزاع فيه، وكذلك تقديم الجامع لهما على

القارئ الذي ليس بفقيه، وحكى القاضي الروياني وغيره وجهاً آخر أن الأقرأ والأفقه يستويان لتقابل الفضيلتين، فليكن قوله: (أولى من الأقرأ) معلماً بالواو مع الحاء والألف؛ وإنما قال الذي يحسن الفاتحة، إشارة إلى أن الأفقه لو لم يحسن الواجب من القراءة لا يكون أولى من الأقرأ، وإنما الأولوية بشرط أن يقرأ ما يجب.
الرابعة: تقدم كل واحدة من خصلتي الفقه والقراءة على السِّنِّ والنَّسَبِ والهجرة، ونَصَّ في صلاة الجنازة على تقديم الأسن على الأفقه كما سيأتي في موضعه، فحكى صاحب "النهاية" أن العراقيين حكوا عن بعض الأصحاب جعل المسألتين على قولين نقلاً وتخريجاً، فيجوز أن يعلم بالواو لذلك لفظ: (الأسن) أيضاً، وإذا استويا فيهما فبماذا يقع التقديم، أما المتعرضون للهجرة فقد اختلفت طرقهم، قال الشيخ أبو حامد وجماعة؛ لا خلاف في تقدم السِّنِّ والنَسَبِ جميعاً على الهجرة، وفي السِّنِّ وفي النسب إذا تعارضا فاجتمع شاب قرشي وشيخ غير قرشي قولان: الجديد: أن الشيخ أولى؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" 1 ولأن النسب فضيلة في الآباء، والسِّنِّ فضيلة في ذات الشخص، واعتبار الفضيلة التي في ذاته أولى.
والقديم: أن الشَّاب النسيب أولى لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "قَدِّمُوا قُرَيْشاً" 2 ولأن شرف النسب بفضيلة اكتسبها الآباء، والسِّن مُضِيُّ زَمَانٍ لا اكتساب فيه، واعتبار الفضيلة المكتسبة أولى، وعكس صاحب "التهذيب" و"التتمة" الترتيب، فقال: الهجرة مقدمة على السِّنِّ والنسب، وفيهما القولان، وأدرج آخرون منهم صاحب "المهذب" الهجرة في حكاية القولين فقالوا في الجديد: يقدم بالسن [ثم بالنسب] 3، ثم بالهجرة، ثم في "القديم" يقدم بالنسب، ثم بالهجرة، ثم بالسن، وأما صاحب الكتاب ومن لم يتعرض للهجرة اقتصروا على ذكر القولين في السِّنِّ والنَّسَبِ، وطريقتهم توافق ما ذكره الشيخ أبو حامد، فإنهم يرجحون بالهجرة بعد السن والنسب لا محالة، وإن لم يعدوها من أصول الخصال، ورَجَّحَ جماعة من الأصحاب القول القديم في المسألة على خلاف الغالب.
الخامسة: إذا تساويا في جميع الصفات المذكورة؛ قدم بنظافة الثوب والبدن عن الأوساخ، وطيب الصنعة وحسن الصوت، وما أشبهها من الفضائل؛ لأنها تفضي إلى

استمالة القلوب، وكثرة الجمع، وحكى الأصحاب عن بعض متقدمي العلماء أنهم قالوا: يقدم أحسنهم، واختلفوا في معناه، منهم من قال: أحسنهم وَجْهاً، وجعلوا له اعتبارًا في التقديم، ومنهم من قال: المراد منه حسن الذكر بين النَّاس، والأول هو المذكور في الكتاب، ويجوز أن يعلم بالواو، ثم ليس في لفظ الكتاب ما يوجب تقديم حسن الوجه على نظافة الثوب ولا عكسه، وفي "التتمة": أنه تقدم النظافة، ثم حسن الصوت، ثم حسن الصورة 1. قال الغزالي: وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ المَكَانِ فَالوَالِي أَوْلَى مِنَ المَالِكِ، وَالمَالِكُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَالمُكْتَرِي أَوْلَى مِنَ المُكْرَى، وَالمُعِيرُ أَوْلَى مِنَ المُسْتَعِيرِ (ح م)، وَالسَّيِّدُ أَوْلَى مِنَ العَبْدِ السَّاكِنِ.
قال الرافعي: ما ذكرنا من الأسباب المقدمة صفات في الشَّخْصِ، وقد يكون المتقدم باعتبار اقتضاء المكان التقديم، لا باعتبار صفة فيه، فالوالي في محل ولايته أولى من غيره وإن اختص ذلك الغير بالخصال التي سبقت، ووي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ الرجُلَ فِي سُلْطَانِهِ" 2 وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يصلي خلف الحَجَّاج، ويتقدم على الإمام الراتب في المسجد 3، وكذلك يتقدم على مالك الدَّار ونحوها إذا اجتمعوا في موضع مملوك، ورضي المالك بإقامة الجماعة فيه؛ لأن تقدم غيره بحضرته لا يليق ببذل الطاعة، فإن أذن فلا بأس، ثم يراعى في الولاة تفاوت الدرجة، فالإمام الأعظم أولى من غيره، ثم الأعلى، فالأعلى من الولاة والحكام، وحكى القاضي ابن كج وأخرون؛ قولاً آخر، أن في المواضع المملوكة المالك أولى من الوالي، فليكن قوله: (أولى من المالك) معلمً بالواو، لذلك ولو اجتمع قوم في موضع مملوك وليس فيهم الوالي، فساكن الموضع بالاستحقاق أولى بالتقديم والتقدم من الأجانب، عن ذلك الموضع، فإن لم يكن أهلا للتقدم فهو أولى بالتَّقْدِيم، روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لاَ يَؤُمَّهُمْ إِلاَّ صَاحِبُ البَيْتِ" 4، ولا فرق بين أن يكون الساكن عبدًا أسكنه سيده فيه، أو حراً مالكاً كان أو مستعيراً، أو مستأجراً، ولو كانت

الدار مشتركة بين شخصين، وهما حاضران، أو أحدهما، والمستعير من الآخر فلا يتقدم غيرهما إلا بإذنهما، ولا أحدهما إلا بإذن الآخر، وإن لم يحضر إلا أحدهما فهو الأخرى، ولو اجتمع مالك الدار والمكتري فأيهما أولى؟ فيه وجهان نقلهما القاضي الروياني وغيره: أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أن المكتري أولى؛ لأن استحقاق المنافع له، وهذا استيفاء للمنافع.
والثاني: أن المكري أولى؛ لأنه المالك للرقبة، ولو اجتمع المعير والمستعير، فقد نقل عن القفال اختلاف الجواب فيه، قال مرة: المعير أولى؛ لأنه يملك الرقبة ويملك الرجوع في المنفعة، وقال مرة: المستعير أولى؛ لأنه صاحب السكنى، إلى أن يمنع وهذا ما ذكره آخراً، ورجع إليه، ولم يورد صاحب "التهذيب" سواه، لكن الأظهر، عند الأئمة الأول، وهو الذي ذكره في الكتاب، وأما إذا اجتمع السيد والعبد السَّاكن فالسيد أولى، ولا يجيء في الخلاف المذكور في المعير والمستعير؛ لأن فائدة السكون، لم ترجع إلى المستعير فيجوز أن يدام له الحق، ما لم يرجع المعير، وفائدة سكون العبد في الدَّارِ ترجع إلى السيد أيضاً؛ لأنه ملكه فإذا حضر وهو المالك والمنتفع بالسكون كان أولى؛ ولا فرق بين المأذون في التجارة وغيره، ولو حضر السيد والمكاتب في دار المكاتب فالمكاتب أولى، ولو حضر قَوْمٌ في مسجد له إمام راتب فهو أولى من غيره، فإن لم يحضر بعد، يستحب أن يبعث إليه ليحضر، فإن خيف فوات أول الوقت استحب أن يتقدم غيره.

الفَصْل الثَّالِثُ في شَرَائِطِ القُدْوَةِ

قال الغزالي: وَيرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى شُرُوطٍ سِتَّةٍ: الأَوَّلُ أَنْ لاَ يَتَقَدَّمَ فِي المَوْقِفِ عَلَى الإمَامِ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَنْعَقِدْ (م و) صَلاتُهُ، وَالأحَبُّ أَنْ يَتَخَلفَ، وَلَوْ سَاوَاهُ فَلاَ بَأَسَ، ثُمَّ إِنْ أَمَّ باثْنَيْنِ اصْطَفَّا خَلْفَهُ، وَإِنْ أَمَّ بِوَاحِدٍ وَقَفَ عَلَى يَمِينِهِ، وَالْخُنْثَى يَقِفُ خَلْفَ الرَّجُلِ، وَالمَرْأَةُ خَلْفَ الخُنْثَى، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقِفَ المُقْتَدِي مُنْفَرِداً بَل يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْخُلَ الصَّفَّ أَوْ يَجُرَّ إلَى نَفْسِهِ وَاحِداً، فَإنْ لَمْ يَفْعَل صَحَّتْ صَلاتُهُ مَعَ الكَرَاهِيَةِ، وَإِنْ تَقَابَلَ الإِمَامُ وَالمَأْمُومُ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَلاَ بَأسَ، وَإِنْ كَانَ المَأْمُومُ أَقْرَبَ إِلَى الجِدَارِ فِي جِهَةٍ مِنَه الإمَامِ فَفِيهِ وَجْهٌ: أنهُ لاَ يَصِحُّ.

قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في شروط الاقتداء، ويتضمنها أمور مستحبة ويعقبها فروع: فأما الشروط فقد عدها ستة: أحدها: أن لا يتقدم المأموم على الإمام في جهة القبلة 1، فإن تقدم ففيه قولان: الجديد: أن صلاته لا تنعقد، كما لو كان متقدماً عند التحرم، وتبطل لو تقدم في خلالها، وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: لأن المخالفة في الأفعال مبطلة على ما سيأتي، وهذه المخالفة أَفْحَشُ من المخالفة في الأفعال، وهذا هو الذي أورده في الكتاب.
والقديم وبه قال مَالِكٌ: أنه لا يخل بالصلاة؛ لأنه خطأ في الموقف فأشبه الخطأ بالوقوف على اليسار.
إذا عرفت حكم المتقدم عرفت أن هذا الشرط مختلف فيه، وإدراجه في الشروط جواب على الجديد، والأدب للمأموم أن يتخلف عن موقف الإمام قليلاً إذا كان واحداً، فإن أم به اثنان فصاعداً فيصطفون خلفه، ويكون بينهم وبين الإمام قدر من التخلف صالح كما سيأتي، ولو ساوى الإمام المأموم فلم يتخلف ولا تقدم صحت صلاته.
قال في "النهاية" و"التهذيب" وغيرهما: والاعتبار في المساواة والتقدم بالعقب، فإن المأموم قد يكون أطول فيتقدم رأسه عند السجود، والقدم والأصابع قد تكون أطول أيضاً، فلذلك وقع الاعتبار بالعقب فإن تحاذى عقب الإمام وعقب المأموم، أو تقدم عقب الإمام جاز، وإن كانت أصابع المأموم متقدمة، ولو تقدم عقب المأموم فهو موضع القولين وإن كانت أصابعه متأخرة أو محاذية، وذكر في "التتمة" وجهاً آخر: أنه تصح صلاته نظراً إلى الأصابع، وفي "الوسيط" ذكر الكتب بدل العقب، والوجه الأول.
هذا فيمن بعد عن البيت، أما إذا صلوا جماعة في المسجد الحرام، فالمستحب أن يقف الإمام خلف المقام، ويقف الناس مستدبرين بالكعبة، فإن كان بعضهم أقرب إليها، نظر إن كان متوجهاً إلى الجبهة التي توجه إليها الإمام ففيه القولان؛ القديم والجديد، وإن كان متوجهاً إلى غيرها فطريقان، عن أبي إسحاق المروزي أنه على القولين.

وقال أكثر الأصحاب: يجوز قولاً واحداً؛ لأن رعاية القرب والبعد من غير جهة الإمام مما يشق، وبهذا قال أبو حنيفة، ولو وقف الإمام والمأموم داخل الكعبة، فهذه المسألة هي التي [أوردها] 1 في آخر الفصل، وحكمها أنه يجوز الاقتداء فيها، مع اتحاد جهة الإمام والمأموم، ومع اختلاف الجهتين، فَإِنَّ الكُلَّ قِبلةٌ، ثم إن اتحدت الجهة وَوَلَّى المأمُوم ظهره وجهَ الإمام، عاد القولان؛ لأنه أقرب إلى الجدار الذي توجها إليه، وإن اختلفت الجهة وكان المأموم أقرب إلى الجدار الذي توجه إليه من الإمام إلى ما توجه إليه، وفرعنا على الجديد فوجهان: [أحدهما] 2: أنه لا يجوز، كما لو اتحدت الجهة وكان أقرب.
وأظهرهما: أنه يجوز؛ لأن اختلاف الجهة أعظم من تفاوت المسافة، فإذا احتملنا ذلك، فلا يبقى معه معنى النظر إلى القرب والبعد.
وقوله: (فإن كان المأمومُ أقربَ إلى الجدار في جهته من الإمام) ففيه وجه: أنه يصح ما يشعر بترجيح الوجه الثاني؛ لأنه بين أنه لا بأس بتقابل الإمام والمأموم، وهذا مُطْلَق يتناول ما إذا كان المأموم أقْرَبُ إلى الجدار، وما إذا لم يكن، ثم بين أن للأصحاب وجهاً آخر في الحالة الأولى لك أن تقرأه على وجه آخر، فتقول: وإن كان المأموم أقرب وتعلقه بقوله: (فلا بأس) ثم تقول وفيه وجه أنه لا يصح.
ولو وقف الإمام في الكعبة والمأموم خارجاً يجوز، وله التوجه إلى أي جهة شاء، ولو وقفا بالعكس جاز أيضاً، لكن لو توجه إلى الجهة التي توجه إليها الإمام عاد القولان؛ لأنه حينئذ يكون سابقاً على الإمام، ثم الفصل يشتمل على مسألتين سوى ما ذكرنا: إحداهما: لو لم يحضر مع الإمام إلا ذكر، فإن كان واحداً وقف على يمين الإمام، بالغاً كان أو صبياً، ولو وقف على يساره أو خلفه لم تبطل صلاته.
ووَقَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَلَى يَسَارِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَدَارَه إِلَى يَمِينِهِ" 3. فإن جاء مأموم آخر، على يساره وأحرم، ثم إن أمكن تَقَدُّم الإمام وتأخر المأمومين لسعة المكان من الجانبين تقدم أو تأخر أو أيهما أولى؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال القفال-: أن تقدمه أولى-؛ لأنه يبصر ما بين يديه، فيعرف كيف يتقدم.

وأصحهما: ولم يذكر الأكثرون سواه: أن تأخرهما أولى؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه- قال: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقُمْتُ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَامَ عَنْ يَسَارِهِ فَدَفَعَنَا جَمِيعاً حَتَّى أَقَامَنَا مِنْ خَلْفِهِ" 1. وإن لم يمكن إلا المتقدم أو التأخر لضيق المكان من أحد الجانبين، حافظوا على الممكن، وهذا في القيام، أما [إذا] 2 لحق الثَّاني في التشهد أو في السجود فلا تقدم ولا تأخر حق يقوموا، وإن حضر معه في الابتداء رجلان أو رجل وصبي قاما خلفه صفاً واحداً، وإن لم يحضر معه إلا الإناث يضفهُنَّ خلفه سواء الواحدة والأثنتان والثلاث فصاعداً، وإن حضر مع الإمام رَجُلٌ وامرأة قام الرجل عن يمينه، وقامت المرأة خلف الرجل، وإن حضرت امرأة مع رجلين، أو مع رجل وصبي قام الرجلان، أو الرجل والصبي خلف الإمام صَفاً وقامت المرأة خلفهما.
روي عن أنس -رضي الله عنه- أنه قال: "صَلَّيْتُ أَنَا وَيتِيمٌ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَيْتنَا، وَأُمُّ سُلَيْمِ خَلْفَنَا" 3. وإن كان معه رجل وامرأة وخنثى، وقف الرجل عن يمينة، والخنثى خلفهما لاحتمال أنه امرأة، والمرأة خلف الخنثى لاحتمال أنه رجل، وإن حضر رجال وصبيان، وقف الرجال خلف الإمام في صف، أو صفوف، والصبيان خلفهم، وعن بعض الأصحاب أنه يوقف بين كل رجلين صبياً ليتعلموا منهم أفعال الصلاة، ولو حضر معهم نساء أخر صف النساء، عن صف الصبيان، وأما النساء الخلص إذا أقمن الجماعة فقد ذكرنا أنهن كيف يقفن؟ وكل هذا استحباب، ومخالفته لا تؤثر في بطلان الصلاة بحال.
وقال أبو حنيفة: إذا وقفت المرأة بجنب رجل، وهما في صلاة واحدة بطلت صلاته إذا اجتمعا في الركوع، وقبله لا يؤثر، بل لو وقفت بجنبه وتقدم بخطوة قبل أن يركع لم يضر.
والمعنى بقوله: (في صلاة واحدة) أن يكونا مقتديين بأمام واحد، أو تكون مقتدية به، ثم إن كانا مقتديين بإمام واحد بطلت صلاة من وقفت بجنبه دون صلاتها، وإن اقتدت به بطلت صلاته وصلاتها، وصلاة جميع القوم.
قال: فلو وقفت امرأة في خلال الصفوف بطلت صلاة رجل عن يمينها، ورجل

عن يسارها، ورجل يحاذيها من خلفها، ولو كان خلف صف النساء صلت الرجال أو صفوف بطلت صلاتهم إلا إذا كان صفهم أطول من صف النساء، فيصح صلاة الخارجين عن محاذاة النِّسَاء، وتصح صلاة الصفوف الأخر خلف ذلك الصف الطويل، وساعدنا في صلاة الجنازة أنه قال: لا تبطل صلاة أحد، ولا يخفى عليك بعد التفصيل الذي ذكرناه في أداب الموقف أن قوله في الكتاب: (ثم إن أمّ باثنين اصطفا خلفه، وإن أمّ بواحد، وقف على يمينه) يعني به من الذكور، وإلا فقد يختلف الحكم.
واعلم أن التفصيل المذكور في أدب وقوف الرجال مفروض فيما إذا لم يكونوا عراة، فأما العراة: فيقفون صفاً واحداً، ويقف إمامهم وسطهم، وسببه ظاهر.
المسألة الثانية: إذا دخل رجل والقوم في الصلاة فيكره أن يقف منفرداً خلف الصف، بل إن وجد فرجة 1 أو سعة 2 في الصف دخل الصف، وله أن يخرق الصف الآخر إن لم يجد فرجة فيه ووجدها في صف قبله؛ لأنهم قصروا حيث لم يتموه، ولو لم يجد فرجة أو سعة في الصف فماذا 3 يفعل؟ حكي عن نصه في "البويطي" أنه يقف منفرداً، ولا يجذب إلى نفسه أحداً، لأنه لو جذب واحداً إلى نفسه لفوت عليه فضيلة الصف الأول، ولأوقع الخلل في الصف، وبهذا قال القاضي أبو الطيب، ونقله في "البيان" عن مالك -رضي الله عنه-.
وقال أكثر الأصحاب: إنه يجر إلى نفسه واحداً؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لرجل صلى خلف الصف: "أَيُّهَا الْمُصَلِّي هَلاَّ دَخَلْتَي الصَّفِّ، أَوْ جَرَرْتَ رَجُلاً مِنَ الصَّفِّ فَيُصَلِّي مَعَكَ، أعِدْ صَلاتَكَ" 4 قالوا: إنما يجره بعد أن يتحرم بالصلاة، ويستحب للمجرور أن يساعده، وذلك مما يدل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، والمذكور في الكتاب هذا الذي قاله الأكثرون، فإنه قال يدخل الصف، أو يجر إلى نفسه واحداً، وليكن قوله: (أو يجر) معلماً بالميم والواو لما ذكرناه، وعلى كل حال فلو وقف منفرداً، وصلى صحت صلاته خلافاً لأحمد -رضي الله عنه- لظاهر الخبر الذي نقلناه، ونحن حملناه على الاستحباب: "لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ دَخَلَ، وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-

رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الصَّفِّ، ثُمَّ دَخَلَ الصَّفِّ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ زَادَكَ اللهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ" 1 ولم يأمره بالإعادة مع أنه أتى ببعض الصلاة منفرداً خلف الصَّفِّ.
ولفظ الكتاب في المسألة يشمل الداخل في أثناء صلاة، والحاضر في الابتداء، وإجراؤه على ظاهره جائز صَحِيحٌ، لكن الظاهر أنه أراد الداخل على ما ذكره في "الوسيط".
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّانِي الاجْتِمَاعُ فِي المَوْقِفِ بَيْنَ الإمَامِ وَالْمَأْمُومِ إِمَّا بِمَكَانٍ جَامِعٍ كَالمَسْجِدِ فَلاَ يَضُرُّ فِيهِ التَّبَاعُدُ وَاخْتِلاَفُ البِنَاءِ أَوْ بِالتَّقَارُبِ كَقَدْرِ غَلْوَةِ سَهْمٍ يُسْمَعُ فِيهَا صَوْتُ الإمَامِ فِي السَّاحَاتِ المُنْبَسِطَةِ مِلْكاً كَانَ أَوْ وَقْفاً أَوْ مَوَاتاً مَبْنِيّاً أَوْ غَيْرَ مَبنِيِّ، وَأَمَّا بِاتَّصَال مَحْسُوسٍ عِنْدَ اختِلاَفِ البِنَاءِ كَمَا إِذَا وَقَفَ فِي بَيْتٍ آخَرَ عَلَى يَمِينِ الإمَامِ فَلاَ بُدَّ مِنَ اتِّصَالِ الصَّفِّ بِتَوَاصُلِ المَنَاكِبِ، وَلَوْ وَقَفَ فِي عُلْوٍ وَالإِمَامُ فِي سُفْل فَالاتِّصَالُ بِمُوَازَاةِ رَأسِ أَحَدِهِمَا رُكْبَةَ الآخَرِ، وَإِنْ وَقَفَ فِي بَيْتٍ آخَرَ خَلْفَ الإِمَامِ فَالاتِّصَالُ بِتَلاَحُقِ الصُّفُوفِ عَلَى ثَلاَثةِ أَذْرُعٍ وَذَلِكَ كَافٍ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ثَلاَثةِ أَذْرُعٍ لَمْ تَصِحَّ القُدْوَةُ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ فَرْعٌ لَوْ كَانَ الإمَامُ فِي المَسْجِدِ، وَالمَأْمُومُ فِي مَوَاتٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ صَحَّ عَلَى غلْوَةِ 2 سَهْمٍ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ أَوْ جِدَارٌ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ مُشْبَكٌ أَوْ بَابٌ مَرْدُودٌ غَيْرَ مُغْلَقٍ فَوَجْهَانِ، وَلَو كَانَ بَيْنَهُمَا شَارعٌ مَطْرُوقٌ أَوْ نَهْرٌ لاَ يَخُوضُهُ إِلاَّ السَّابحُ فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: مما يجب معرفته في الفصل أن العلم بالأفعال الظاهرة من صلاة الإمام مما لا بد منه، اتفق عليه الأصحاب، وحكوه عن نص الشافعي -رضي الله عنه-؛ ووجهوه؛ بأنه لو لم يعلمها لكانت صلاته موقوفة على صلاة من لا يتمكن من متابعته، ثم العلم قد يكون بمشاهدة الإمام، أو بمشاهدة بعض الصفوف، وقد يكون بسماع صوت الإمام، أو صوت المترجم في حق الأعمى والبصير الذي لا يشاهد لظلمة، أو غيرها، وقد يكون بهداية غيره إن كان أعمى أو كان أصم، وهو في ظلمة، وهذا في الحقيقة شرط من شروط القدوة زائد على ما ذكره في الكتاب، وحيث نحكم بجواز الاقتداء في الفصل بعد المسافة، أو قربها مع الحائل، أو دونه، فذلك بعد حصول هذا الشرط إذا عرفت ذلك فنقول: الإمام والمأموم إما أن يكونا جميعاً في

المسجد، أو لا يكون واحد منهما في المسجد، أو يكون أحدهما في المسجد، والآخر خارجه، فهذه ثلاثة أقسام، ومتن الكتاب يشتمل عليها جميعاً.
أما الأول: فمتى كان الإمام والمأموم في مسجد واحد صح الاقتداء، قربت المسافة بينهما أو بعدت لكبر المسجد، اتحد البناء الذي وقفا به أو اختلف كصفة المسجد وصحته، وإنما كان كذلك؛ لأن المسجد كله مبني للصَّلاة وإقامة الجماعة فيه، فالمجتمعون فيه مجتمعون لإقامة الجماعة مؤدون لشعارها، فلا يضرهم بعد المسافة، واختلف الأبنية، فلو كان أحدهما على المنارة المبنية في المسجد، والآخر في سرداب فيه صحت الصلاة، وكذا لو كان الإمام في المسجد، والمأموم على السطح يجوز إذا تأخر موقف المأموم عن موقف الإمام، أو حازاه، فإن تقدم ففيه القولان السابقان في تقدم المأموم على الإمام، وقد روي "أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلاَةِ الإمَام فِي الْمَسْجِدِ" 1. ثم لا يخفى أن المسألة مفروضة فيما إذا كان السطح من المسجد، أما لو كان السَّقْفُ مملوكاً فليست المسألة من هذا القسم، وإنما هي بمثابة ملك متصل بالمسجد، وقف أحدهما فيه والبناآن من المسجد الواحد، لا بد وأن يكون باب أحدهما نافذاً إلى الثاني، إلا فلا يعدان مسجداً واحداً، وإذا كان كذلك فلا فرق بين أن يكون الباب بينهما مفتوحاً، أو مردوداً مغلقاً، أو غير مغلق، وحكي في "النهاية" وجهاً آخر: أنه لو كان الباب بينهما مغلقاً لم يجز الاقتداء؛ لأن الإمام والمأموم حينئذ لا يعدان مجتمعين، ونقل القاضي ابن كج عن أبي الحسين بن القطان مثل ذلك، فيما إذا كان أحدهما على السطح وكان باب المرقى مغلقاً، وكل واحد منها زيف ما حكاه.
وقوله في الكتاب: (إما بمكان جامع) إلى أن قال: (واختلاف البناء) هذا كلام القسم الأول، وأراد بكونه جامعاً، أنه لا بد وأن يكون الإمام والمأموم مجتمعين في الموقف على ما ترجم هذا الشرط به، ومن أسباب الاجتماع أن يكون الموضع مبنياً للصلاة، فيكون جامعاً لهما وإن اختلف البناء وبعدت المسافة، ولعله لو قال: وهو المسجد بدل قوله: "كالمسجد" لكان أحسن؛ لأن الكاف للتشبيه والتمثيل ولا مكان سوى المسجد يكون جامعاً، ثم لك مباحثة في قوله: (كالمسجد) وهي أن تقول: اللفظ يشمل المسجد الواحد والمسجدين فما قولكم فيما إذا وقف هذا في مسجد وذاك في مسجد آخر متصل به أو غير متصل أيكون الحكم كالحكم فيما لو وقفنا في مسجد واحد أو لا يكون كذلك؟ وظاهر اللفظ متروك.

والجواب أن أبا سعيد المتولي -رحمه الله- ذكر فيما إذا كان بين مسجدين طريق فاصل أن ظاهر المذهب أنه ليس حكمهما حكم المسجد الواحد، وفي "التهذيب": أنه لو كان بين الإمام والمأموم الواقفين في المسجد نهر إن حفر بعد بناء المسجد فالنهر مسجد أيضاً فلا يضر، وإن حفر قبله فهما مسجدان غير متصلين، فلا بد من اتصال الصف من أحدهما إلى الآخر، فأفاد ما ذكراه أن الطريق والنهر يوجبان تغاير حكم المسجد وتمايزها، وإذاكان كذلك فالجدار الحائل بين مسجدين لا ينفذ باب أحدهما إلى الآخر أولى أن يكون موجباً لتغاير الحكم، وفي كلام الشيخ أبي محمد: أنه لو كان في جوار المسجد مسجد آخر ينفرد بإمام ومؤذن وجماعة فيكون حكم كل واحد منهما بالإضافة إلى الثاني كالملك المتصل بالمسجد، وهذا كالضابط الفارق بين المسجد الواحد والمسجدين، وظاهره يقتضي تغاير الحكم إذا انفرد بالأمور المذكورة، وإن كان باب أحدهما لاَفِظاً إلى الثاني -والله أعلم- 1. وأما رحبة المسجد فقد عدها الأكثرون منه، ولم يذكروا فرقاً بين أن يكون بينها وبين المسجد طريق أو لا يكون، ونزلها القاضي ابن كج إذا كانت منفصلة منزلة مسجد آخر، وقوله: (واختلاف البناء) يجوز أن يعلّم بالواو؛ لأنه يشمل ما إذا كان بينهما باب مغلق وقد حكينا فيه خلافاً.
القسم الثاني: أن لا يكون واحد منهما في المسجد فلهما حالتان: إحداهما: أن يكونا في فضاء واحد، ويشتمل عليها قوله: (أو بالتقارب) إلى قوله (غير مبني) وحكمها: أنه يجوز الاقتداء بشرط القرب، وهو: أن لا يزيد بين الإمام والمأموم الذي يليه على ثلاثمائة ذراع 2 ومم أخذ هذا التقدير؟ اختلفوا فيه، فعن ابن خيران، وابن الوكيل وبه قال الأكثرون: أنه أخذ مِنْ عُرْفِ النَّاس وعادتهم؛ لأن المكان إذا اتسع ولا حائل يعده المتباعدان ضرباً من البعد مجتمعين.
وعن ابن سريج، وأبي إسحاق: "أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِذَاتِ الرِّقَاع فَإنَّهُ تَنَحَّى بطَائِفَةٍ إِلَى حَيْثُ لاَ تُصِيبُهُمْ سِهَامُ العَدُّوِّ، وَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً، وانْصَرَفَتِ الطَّائِفَةُ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَهُمْ فِي الصَّلاَةِ عَلَى حُكْمِ الاقْتِدَاءِ، وَسِهَامُ الْعَرَبِ لاَ تَبْلُغُ أَكْثَرَ مِنْ الْقَدْرِ المَذْكُورِ".

واعلم أن هذه الكيفية في صلاة ذات الرقاع، رواها ابن عمر -رضي الله عنهما- والذي ذكرها المصنف في صلاة الخوف غير هذه، وسنذكرها -إن شاء الله تعالى- 1، ثم القدر المذكور من أي شيء أخذ معتبراً بالتقريب على أصح الوجهين لا بالتحديد، ولو وقف شخصان أو صفان خلف الإمام فالمسافة المذكورة تعتبر بين الصف الأخير وبين الصف الأول، ويجوز أن تكثر الصفوف ويبلغ ما بين الإمام والصف الأخير فرسخاً، وحكى وجهاً أنها تعتبر بين الإمام والصف الأخير إذا لم تكن الصفوف القريبة من الإمام متصلة على العادة، ولا بأس بأن يكون بين الإمام والمأموم، أو بين الصفين نهر يمكن العبور من أحد طرفيه إلى الآخر من غير سباحة، إما بالوثوب فوقه، أو المشي فيه أو على جسر ممدود على متنه وإن كان يحتاج فيه إلى السباحة، أو كان بينهما شارع مطروق فوجهان: أصحهما: أن ذلك لا يضر أيضاً، كما لو كانا في سفينتين على ما سيأتي، ولا فرق في الحكم الذي ذكرناه بين أن يكون الفضاء مواتاً كله، أو وقفاً كله، أو ملكاً كله، أو بعضه مواتاً وبعضه وقفاً أو ملكاً.
قال في "النهاية": وذكر شيخي وغيره وجهاً آخر: أن في السَّاحَةِ المملوكة يشترط اتصال الصفوف، كما سيأتي بخلاف الموات؛ لأنه يشبه المسجد من حيث إنه مشترك بين المسلمين 2 وليس الملك كذلك، وإذا قلنا بظاهر المذهب فلا فرق بين أن تكون السَّاحة ملكاً لشخصٍ واحدٍ وبين أن تكون لشخصين، ونقل الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره وجهاً آخر: أنه لو وقف أحدهما في ملك زيد، والآخر في ملك عمرو يشترط اتصال الصف من أحد الملكين بالثاني.
وقوله في الكتاب: (أو بالتقارب كقدر غَلْوة سهم يسمعُ فيها صوت الإمام في الساحات المنبسطة) فيه تقديم وتأخير، والمعنى: أو بالتقارب في الساحات المنبسطة كقدر غلوة السهم، ويجوز أنه يعلم قوله: (بالتقارب) بالميم؛ لأن الغرض من اعتبار القرب في السَّاحَاتِ، وأنه لا يكتفي بوقوف المأموم على حركات الإمام وانتقالاته، وقد قال إمام الحرمين: بلغت عن مالك -رضي الله عنه- أنه ذهب في الباب إلى مذهب عطاء 3، واشتهر عن عطاء -رحمه الله- أنه يكتفي بالعلم بحركات الإمام في جميع الأماكن.

جارٍ التحميل