وَعَلَى الاكْتِفَاءِ بِأَلْفٍ باطِنًا فَالْوَاجِبُ مَهْرُ السِّرِّ أَوِ العَلاَنِيَةِ فِيهِ قَوْلاَنِ، مَأْخَذُهُمَا أَنَّ العِبْرَة بِالاصْطِلاحَ الخَاصِّ أَوِ العَامِّ.
قَالَ الرّافِعِيُّ: إذا اتَّفقُوا على مَهْرٍ في السِّرِّ 1، وأَعْلَنُوا بأَكْثَرَ من ذلك، فعن الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أنه قال في موضع: إن المَهْرَ مَهْرُ السِّرِّ، وقال في موضع آخر: إِن المَهْرَ مَهْرُ العَلانِيَةِ، وُينْسَبُ هذا إلى "الإِملاء".
وفيها طريقان للأصحاب:
أحدهما: إِثْبَاتُ قولين في المَسْأَلَةِ، وبه قال المُزَنِيُّ، وفي موضعهما طريقان مذكوران في "النهاية":
أحدهما: أن موضع القَوْلَيْنِ، ما إذا اتَّفَقُوا على ألف واصْطَلَحُوا على أن يعبروا عن الألف في العَلاَنِيَةِ بألفين، أَظْهَرُ القولين: أن الوَاجِبَ ألْفَانِ لَجَرَيَانِ العَقْدِ على اللفظ الصَّرِيحِ في معناهما.
والثاني: أن الواجِبَ أَلْفٌ اعْتِبارًا بما تَوَاضَعُوا، واصْطَلَحُوا عليه، والألْفَاظُ لا تعني لأعْيَانِها، وإنما ينظر إلى مَعَانيهَا ومقصودها، فهذا ما أَوْرَدَهُ في الكتاب، حيث قال: "إن العِبْرَةَ بِالإصْطِلاَحِ الخَاصِّ أو العَامِّ".
والثاني: إثْبَاتُ قولين مهما اتَّفَقُوا على أَلْفٍ، وجرى العَقْدُ بِألْفَيْنِ، وإن لم يَتَعَّرَضُوا لتعبير اللغة، والتَّعْبِيرُ بالألفَيْنِ على ألف اكْتِفَاءً بما قَصَدُوهُ ورَضُوا به.
قال الإِمام قَدَّسَ الله روحَهُ: وعلى هذه القَاعِدَةِ تَجْرِي الأَحْكَامُ المتَلَقَّاةُ من الألْفَاظِ، فلو قال لزوجته: إذا قُلْتُ: أنت طَالِقٌ ثَلاَثًا، لم أُرِدْ به الطَّلاَقَ، وإنما غَرَضٍ أن تَقُومي وتَقْعُدِي، أو أُرِيدُ بالثلاث واحِدَةً، فالمذهب أن ذلك لا عِبْرَةَ به.
وفيه وجه أن الاعْتِبارَ بما تَوَاضَعَا عليه.
ثم ما المَعْنَى بما أَطْلَقْنَاهُ في الطريقين من الاتِّفَاقِ في السِّرِّ، أهو مُجَرَّدُ التَّرَاضِي، والتَّوَاعد أم المُرَادُ ما إذا جَرَى العَقْدُ بألف في السِّرِّ، ثم عَقَدُوا بألفين في العَلاَنِيَةِ، منهم من يُشْعِرُ كَلاَمُهُ بالأول، وقَضِيَّة لفظ "التهذيب" وغيره إِثْبَاتُ القولين، وإن جرى العَقْدَانِ قال صاحب "التهذيب" وخَرَّجَ بعض أصحابنا من هذا الخِلاَفِ أن المُصْطَلَحَ عليه قبل العَقْدِ كالمَشْرُوطِ في العَقْدِ، وقد تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذلك.
والطريق الثَّانِي: وهو الأَصَحُّ تَنْزِيلُ النصين على حالين، فحيث قال: المَهْرُ مَهْرُ
السِّرِّ، أراد ما إذا جَرَى العَقْدُ بألف في السِّرِّ، ثم أَتَوْا بلفظ العَقْدِ في العلانية، وذكروا الألفين تَجمُّلاً، وهم مُتَّفِقُونَ على بَقَاءِ العَقْدِ الأول، وحيث قال: المَهْرُ مَهْرُ العلانية، أراد ما إذا تَوَاعَدُوا أن يكون المَهْرُ أَلْفًا، ولم يعقدوا في السِّرِّ، وعقدوا في العلانية، فيكون المَهْرُ ما عُقِدَ عليه العَقْدُ، لا ما سَبَقَ به الوَعْدُ.
ونقل الحناطي وغيره في المسْأَلَةِ نَصًا ثَالِثًا، وهو أنه يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، ويفسد المُسَمَّى، وَحَمَلُوه على ما إذا جَرَى العَقْدُ بألفين على شَرْطِ أن يكتفي بألف، أو على ألا يلزمه إلا أدَاءُ الأَلْفِ.
ويجوز أن يُعلَّمَ لما بَيَّنَّاهُ قوله في الكتاب: "قولان" بالواو وقوله: "أَوْلِيَاءِ الزَّوْجَيْنِ" لا يَخُفَى أنه لا يشترط أن يكون الزوج بحيث يَلِي أَمْرَهُ ولِيٌّ، والمعتبر تَوَافُقُ الزوج والوَليّ، وقد يحتاج إلى مُسَاعَدَةِ المرأة.
قَالَ الغَزالِيُّ: (السَّادِسُ) أَنْ يُخَالِفَ الأَمْرُ فَإذَا قَالَتْ: زَوِّجْنِي بأَلْفٍ فَزَوَّجَهَا الوَلِيُّ أَوْ وَكِيلُ الوَلِيِّ بِخَمْسِمِائَة لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَلَوْ قَالَتْ: زَوَّجْنِي مُطْلقَاً فَزَوَّجَ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا، وَقِيلَ: يَصِحَّ وَيَرْجِعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَلَوْ زَوَّجَها مُطْلَقًا فَيَحْتَمِلُ التَّصْحِيحَ لِلْمُطَابَقَةِ، وَيُحْتَمِلُ الإِفْسَادَ؛ لأنَّ مَفْهُومَ المُطْلَقِ ذِكْرُ المَهْرِ عُرْفًا، وَلَوْ قَالَتْ: زَوَّجْنِي بِمَا شَاءَ الخَاطِبُ فَزَوَّجَ فَهُوَ مَجْهُولٌ وَالوَاجِبُ مَهْرُ المِثْلَ، وَلَوْ عَرِفَ مَا شَاءَ الخَاطِبُ فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ بِمَا شِئْتَ صَحَّ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ لِخَلَلِ اللَّفْظِ إِذْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ.
قَالَ الرّافِعِيُّ: لا يشترط في إِذْنِ المَرْأَة، حيث يعتبر إذنها تَقْدير المَهْرِ، ولا ذكره، ولكن لو قدرت فقالت: زوجني بألف مَثَلًا، فَزَوَّجَها الوَلِيُّ أو وَكِيلُهُ، بخمسمائة لم يَصِحَّ 1، وألحق في "التهذيب" بهذه الصورة ما إذا زَوَّجَهَا الوَلِيّ بلا مَهْرٍ، أو زَوَّجَهَا مُطلقًا، وفي بعض التَّعَالِيقِ عن الإِمَامِ أن منهم من قال في حق الوَليِّ: قولان كالقولين في تَزْوِيجٍ المُجْبَرِ بدون مَهْرِ المِثْلِ؛ لأن غير المُجْبَرِ من الأَوْلِيَاءِ، إذا وجد الإذْنُ الْتَحَقَ بالمُجْبَرِ، وخرج عن رُتْبَةِ الوَكِيلِ الذي يُزوَّجُ بالإذْنِ المُجَرَّدِ، ولو قالت لوكيَل الوَلِيِّ: زوجني مُطْلقًا، ولم تَتَعَرَّضْ لِلمَهْرِ، فَزَوَّجَهَا الَوَكِيلُ بما دون مَهْرِ المِثْلِ، ففي فَسَادِ النكاح [قولان، ذكرهما] 2 الإِمَامِ قدَسَ -الله رُوحَهُ- وغيره.
أظهرهما: عنده وعند صاحب الكتاب القَطْعُ بالفَسَادِ؛ لأن المُطْلَقَ مَحْمُولٌ على مَهْرِ المِثْلِ، فكأنها قدرت به.
فنقص.
والثاني: أنه على قولين:
أحدهما: الفَسَادُ.
والثاني: الصِّحَّةُ والرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ، وأورد في "التهذيب" هذين الطريقين، فيما إذا وَكَّلَ الوَلِيّ بالتَّزْوِيجِ مطلقًا، فزوج الوَكِيلُ، ونَقَصَ عن مَهْرِ المِثْلِ.
وإذا قلنا: لا يصح نِكَاحُ الوَكِيلِ لو نَقَصَ، فلو أنه أَطْلَقَ التَّزْوِيجَ، ولم يتعرض لِلْمَهْرِ، ففيه احتمالان للإِمام.
أحدهما: أنه لا يَصِحُّ النِّكَاحُ أيضًا؛ لأن الإِطْلاَقَ يَقْتَضِي ذِكْرِ المَهْرِ عُرْفًا.
وأصحهما: الصحة، والرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ؛ لأن المَأْتِيَّ به يُطَابِقُ الإذْنَ، ولأن المُطْلق إذا اقْتَفَى مَهْرَ المِثْلِ، كان إِطْلاَقُ العَقْدِ كَذِكْرِ مَهْرِ المِثْلِ.
ولو أنها أَذِنَتْ للْوَلِيَّ في التزويج مُطْلقًا، فَزَوَّجَ مما دون مَهْرِ المثل، فيفسد النكاح أَو يَصِحُّ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ فيه قولان، كما سَبَقَ، وكذا لَوْ زَوَّجَها بلا مَهْرٍ، وفيه طريق آخر أنه يُقْطَعُ بالفَسَادِ، كما في الوَكِيلِ، وهذا يَدُلُّ على أن إِذْنَها في النكاح، والسُّكُوتُ عن المَهْرِ ليس بِتَفْوِيضٍ، وفيه شَيْءٌ سنذكره في أَوَّلِ باب التَّفْوِيضِ، ولو قالت للوكيل أو للولي: زَوَّجْنِي بما شَاءَ الخَاطِبُ، فقال المَأْذُونُ للخاطب: زوَّجْتُكَهَا بما شِئْتَ، فإن لم يَعْرِف ما شاء الخَاطِبُ، فقد زَوَّجَهَا بِمَجْهُولِ، فيصحُّ النِّكَاحُ، ويجب مَهْرُ المِثْلِ، وإن عرف ما شاء فوجهان:
أظهرهما: صِحَّةُ الصَّدَاقِ لإِحَاطَتِهَا بالمقصود.
والثاني: وبه قال القَاضِي الحُسَيْنُ -لا يصح الرجوع إلى مَهْرِ المِثْلِ لِخَلَلِ اللفظ، وإِبْهَامِهِ 1، ويجوز أن يرجع الخِلاَفُ إلى أن العِبْرَةَ باللفظ أو المَعْنَى.
"
فروع
"
لو قال الوَلِيُّ للوكيل: زوَّجْهَا ممن شَاءَتْ بكم شَاءَت، فَزوَّجَهَا بِرِضَاهَا من غير كُفْءٍ بأقل من مَهْرِ المِثْلِ، يجوز، ولو قال: زَوِّجْها بألف، فَزوَّجَهَا بخمسمائة بِرِضَاهَا قال في "التتمة": المذهب أنه يَصِحُّ النكاح؛ لأن الصَّدَاقَ مَحْضُ حَقِّ المرأة.
وفيه وجه أنه لا يَصِحُّ؛ لأن النِّكَاحَ الذي وَكَّلَهُ غَيْرُ الذي باشَرَهُ.
ولو جاء رجل وقال: أنا وَكِيلُ فلان في قَبُولِ نِكَاح فلانة بكذا، فَصَدَّقَهُ الوِلِيُّ والمرأة، وجرى النكاح وضمن مدعي الوِكَالَةِ الصَّدَاقَ 1، ثم إِن فلانًا أَنْكَرَ وَصَدَّقْنَاهُ باليَمِينِ، فهل يطالب مدعي الوِكَالَةِ بشيء من الصَّدَاقِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن مُطَالَبَةَ الأَصْلِ قد سَقَطَتْ، والضامِنْ فَرْعٌ.
وأصحهما: ويُحْكَى عن نَصِّهِ في "الإملاء" أنه يُطَالَبُ بنصف الصَّدَاقِ؛ لأن المال ثَابِتٌ عليهما بزَعْمِهِ، وصاحبه ظالم في الإِنكار، فصار كما لو قال: لزيد على عَمْرو كذا، وأنا ضَامِنٌ، وأنكر عمرو ويجوز لزيدَ مُطالبة الضَّامِنِ والله أعلم.
[فرع: في "فَتَاوَى البَغَويِّ" أنه إذا قال الوَليُّ للوكيل: لا تُزوّجْهَا إلا بِشَرْطِ أن ترهن بالصَّدَاقِ فلاناً، أو يَتَكَفَّلَهُ فُلاَنٌ، صَحَّ، وعلى الوكيل الاشتراط.
فإن أَهْمَلَهُ، لم يَصِحَّ النكاح.
ولو قال: زَوِّجْها بكذا وخُذْ به كَفِيلًا، فزوجها بلا شَرْطٍ، صح النِّكَاحِ؛ لأنه أمَرَهُ بأمرين امْتَثَلَ أَحَدَهُمَا.
وإن قال: لا تُزوِّجْهَا إذا لم يَتَكَفَّلْ فلان، ينبغي ألا يصح التَّوْكِيلُ؛ لأن الكَفَالَةَ تَتَأَخَّرُ عن النكاح، وقد منع العَقْد إلا بها، وأنه إذا قال للوَكِيلِ: زَوِّجْهَا بألف وَجَارِيَةٍ، ولم يَصِفِ الجَارِيةَ، فزوجها الوَكِيلُ بألف، لم يَصِحَّ.
ولو قال: زوجها بِخَمْرِ، أو خِنْزِيرٍ، أو مجهول، فَزَوَّجَهَا بألف دِرْهَمٍ، فإن كان ذلك نَقْدَ البَلَدِ، وَقَدْرَ مَهْرِ المِثْلِ، أو أكثر، صَحَّ النِّكَاحُ والمُسَمَّى، وإلاَّ فلا] = فقال إن صاحب البيان لم يجد ذلك عن الخراسانيين بل حكاه المسعودي ومراده صاحب الإبانة والنقل عن واحد لا يقتضي أن يكون نقل عن الخراسانيين كلهم.
قال في البيان: والطريق الأول أصح.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي المُفَوِّضَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَنعْنِي بِالتَّفْوِيضِ إِخْلاَءَ النِّكَاحِ عَنِ المَهْرِ بِأمْرِ مَنْ يَسْتَحِقُّ المَهْرَ كَمَا إِذَا قَالَتِ البَالِغَة العاقلة: زَوِّجْنِي بِغَيْر مَهْرِ فَزَوَّجَ وَنَفيَ المَهْرَ أَوْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِ، وَكَذَا السَّيِّدُ إِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ بِغَيْرِ مَهْرِ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ السَّفِيهَةِ لا يُعْتَبَرُ في إِسْقَاطِ المَهْرِ، وَكَذَا الصَّبِيَّةُ، ثُمَّ المُفَوَّضَةُ تَسْتَحِقُّ عِنْدَ الوَطْءِ مَهْرَ المِثْلِ، وَهَلْ تسْتَحِقُّ بِالعَقْدِ؟ فِيْهِ قَوْلاَنِ، وَلا خِلاَفَ أنَّهَا لا تَسْتَحِقُّ الشَّطْرَ عِنْدَ الطَّلاَقِ إِلاَّ إِذَا جَرَى الفَرْضُ بَعْدَ العَقْدِ، وَلَوْ أَصْدَقَهَا خَمْراً تشَطَّر مَهْرَ المِثْلِ لأَنَّهُ كَالمَفْرُوضِ.
قَالَ الرّافِعِيُّ: التفويض 1 أن يَجْعَلَ الأمْرَ إلى غيره، وَيكِلَهُ إليه، ويُقَال: إنه الإِهْمَالُ، ومنه [البسيط]:
لاَ يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى.......................
وتسمى المَرْأَةُ المُفَوِّضَةَ؛ لِتَفْوِيضِها أَمْرَهَا إلى الزَّوْجِ، أو الوَلِيِّ بلا مَهْرٍ، أو لأنها أَهْمَلَتِ المَهْرِ، ومُفَوَّضَةً؛ لأن الوَلِيَّ فَوَّضَ أَمْرَهَا إلى الزَّوْج؛ لأن الأَمْرَ في المَهْرِ مُفَوَّضٌ إليها إن شاءت نَفَتْهُ، وإلا فلا وصَدَّرَ صَاحِبُ الكتاب البَابَ بفصلين:
أحدهما: في تصوير التَّفْوِيض.
والثاني: في بيان حُكْمِ المَهْرِ إذا جَرَى التَّفْوِيضُ.
أما الأَوَّل فقد قال الأصحاب: التَّفْوِيضُ ضَرْبَانِ: تفْوِيضُ مَهْرٍ، وتَفْويضُ بُضْعٍ فتفويض المَهْرِ، أن تقول [لوليها] 1 زوجني بما شِئْتَ [أو ما شئت أنا] 2 أو ما شاء الخَاطِبُ، أو فلان، فإن زوَّجَهَا على ما ذَكَرَتْ من الإبْهَامِ، فالحُكْمُ ما مَرَّ في الفَصْلِ السابق، وإن زوَّجَهَا بما عين المذكور من مَشِيئَتِهِ، صَحَّ المُسَمَّى، وإن كان دون مَهْرِ المِثْلِ، وإن زوَّجَهَا بلا مَهْرٍ، فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ، أو يصح، ويجب مَهْرُ المثل؟.
فيه الخِلاَفُ الذي بَيَّنَّا فيما إذا أَطْلَقَتِ الإِذْنِ، وزوج الوَلِيَّ بما دُونَ مَهْرِ المِثْلِ، والنِّكَاحُ في هذه الصورة غير خَالٍ عن المَهْرِ، وليس هذا التَّفْوِيضُ بالتَّفْوِيضِ الذي عُقِدَ له الباب.
وأما تَفْوِيضُ البُضْعِ، فالمراد منه إِخْلاَءُ النِّكَاحِ عن المَهْرِ، وإنما يعتبر إِذْنُهَا إذا صَدَرَ من مُسْتحقِّ المَهْرِ، وذلك بأن تَقُولَ البالغة المالكة لأمرها ثَيِّبًا كانت أو بِكْرًا: زَوَّجْنِي بلا مَهْرٍ، أو على أن لا مَهْرَ لي، فَزَوَّجَهَا الولي، ونَفَى المَهْرَ أو سكت عنه، ولو قالت: زَوَّجْنِي، وسَكَتَتْ عن المهر فالذي ذكره الإِمام وغيره أن ذلك ليس بِتَفْويِضٍ؛ لأن النكاح يُعْقَدُ بالمهر في الغالب، فيحمل الإذْنُ على العَادَةِ الغَالِبَةِ، فكأنها قَالَتْ: زَوِّجْنِي بِالمَهْرِ ويوافقه ما تَقَدَّمَ، وفي بعض كُتُبِ العِراقيِّينَ ما تَقْتَضِي كَوْنَهُ تَفْوِيضًا 3؛ لأن اللفظ لا يَتَعَرَّضُ إلا للنِّكَاحِ، وأنه يَنْعَقِدُ بِمَهْرٍ، وبغير مَهْر، بخلاف
ذكر الثَّمَنِ في البيع لا يُحْتَاجُ إليه؛ لأن البَيْعَ لا يَخْلُو عنه، ومن التّفْوِيض الصحيح أن يقول سَيِّدُ الأمة: زَوَّجْتُهَا بلا مَهْرٍ، أَلْحَقُوا به ما إذا سكت عن ذكر المَهْرِ 1، وقد يقوي بهذا ما ذكره العراقيون.
ولو أَذِنَتْ في التَّزْوِيجِ على أن لا مَهْرَ لها في الحال، ولا عند الدُّخُولِ، ولا غيره، فَزَوَّجَها الولي كذلك، وقلنا بِظَاهِرِ المذهب وهو وُجُوبُ المَهْرِ، عند الدخول، ففي صحة النِّكَاحِ وجهان:
أحدهما: المنع، ويحكى عن ابن أبي هُرَيْرَةِ -رضي الله عنه- لأن لا مَهْرَ لها بحال مَوْهُوبَةٌ، ونكاح المَوْهُوبَةِ مختصٌّ بالنَّبِيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-.
وأشبههما: الصحة وعلى هذا، فهو تفْوِيضٌ فاسِدٌ، فيجب مَهْرُ المثل يُلْغَى النَّفْيُ في المستقبل ويقال: إنه تَفْوِيضٌ صَحِيحٌ؟ فيه وجهان:
وبالأول: قال أبو إسحاق تَوْجِيهًا بأنّه شَرْطٌ فَاسِدٌ، والشَّرْطُ الفَاسِدُ في النكاح يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ 2، ولو أنكحها الولي، ونَفَى المَهْرَ، من غير أن تَرْضَى هي بِمَهْرِ المِثْلِ، فهو كما لو نقص عن مَهْرِ المِثْلِ 3، فإن كان مُجْبَرًا، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ، ويجب مَهْرُ المِثْلِ، أو يبطل فيه قولان.
وإن كان غير مُجْبَرٍ، فيجري القولان، أو يُجْزَمُ بالبُطْلاَنِ؟ فيه طريقان وقد سَبَقَ جميع ذلك عن ابن أبي هُرَيْرَةَ أن يَصِحُّ تفويض الوَليِّ المجبر، إذا صححنا عَفْوَهُ.
ولا يَصِحُّ تَفْوِيضُ السَّفيهَةِ المَحْجُورِ عليها، ولا تَفْوِيضُ الصَّبِيَّةِ، وإن كانت مُمَيِّزَةً، وتَفَّوِيضُهَا في المهر لعدم التفويض.
وأشار في الكتاب بقوله: تَفْويِض السَّفِيهَةِ لا يُعْتَبَرُ في إسقاط المهر" إلى أنها إذا قالت: زَوِّجْنِي بلا مَهْرٍ، يستفيد به الإِذن في النكاح، فلا يَلْغُو قَوْلُهَا على الإِطلاق، وإنما يَلْغُو فيما يرجع إلى المَهْرِ.
ولو نَكَحَهَا على أن لا مَهْرَ لها، ولا نَفَقَةَ، أو على أن لا مَهْرَ لها، وتُعْطِي زوجها الْفاً، فهذا أبْلَغُ في التفويض، ولو قالت للولي: زوجني بلا مَهْرٍ، فزوجها بالمهر، نظر إن زوَّجَهَا، بِمَهْرِ المِثْلِ من نَقْدِ البَلَدِ، صح المسمى، وإن زَوَّجَهَا بدون مَهْر المِثْلِ، أو بغير نَقْدِ البلد، لم يَلْزَمِ المسمى، وكان كما لو نَكَحَهَا على صُورَةِ التَّفْوِيضِ.
" الفَصْلُ الثَّانِي" "في حُكْمِ المَهْرِ إِذَا جَرَى التَّفْوِيضُ"
وفيه مسألتان:
إحداهما: هل تَسْتَحِقّ المُفوَّضَةُ المَهْرَ بنفس العَقْد؟ فيه طريقان:
أظهرهما: وهو المَذْكُورُ في الكتاب أنه على قولين 1 أنه لا يَجِبُ بِنَفْس العَقْدِ شَيْءٌ؛ لأن المَهْرَ حَقُّهَا، فإذا رَضِيَتْ بأَلاَّ يَثْبُتَ وجب ألا يَثْبُتَ، كما أنها إذا رَضِيَتْ بأَلاَّ ينفي.
والثاني: يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنا نحكم لها بالمَهْرِ عند الوطء، والوطء لا يجوز أن يُوجِبَ المَهْرَ؛ لأَن المَهْرَ إذا لم يجب بالعَقْدِ يكون الوطء تَصَرُّفًا فيما مَلَكَهُ بغَيْرِ بَدَلٍ، والتَّصَرُّفُ فيما يَمْلِكُهُ بغير بدل لا يُوجِبُ ضَمَانًا، كما إذا وَهَبَ منه الطَّعَامَ، فأكله.
والثاني: القَطْعُ بالقول الثاني، وإذا قلنا بالطريقة الأُولَى، فما حال قَوْلِ الوُجُوبِ؟.
أشار الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: إلى أنه مَنْصُوصٌ، والأظهر أنه مُخَرَّجٌ، واختلفوا في أنه مم مخرج من القول بوجوب المَهْرِ، فيما إذا مات أَحَدُ الزوجين في صُورَةِ التَّفْوِيضِ على ما سيأتي.
ووجه التَّخْرِيج أن المَوْتَ لا يَصْلُحُ مُوُجبًا، بدليل الموت في النِّكَاحِ الفَاسِدِ، وإذا لم يَحْصُلُ الوُجُوبُ بالموت [كان سابقًا] 2 عليه، وقيل: هو مُخَرَّجٌ من قولنا: إنه لا بدّ في الفَرْضِ من العِلْمِ بِمَهْرِ المِثْلِ، وذلك يَدُلُّ على أن المَفْرُوضَ بَدَلٌ ينتقل إليه عن المَهْرِ الواجب.
فإن قلنا: لا يجب بالعَقْدِ، فلو وَطِئَهَا، يجب مَهْرُ المثل؛ لأن البُضْعَ لا يَتَمَحَّضُ حَقّاً للمرأة، بل فيه حَقُّ الله -تعالى- ألا ترى أنه لا يُبَاحُ بالإِبَاحَةِ، فَيْصَانُ عن التَّصَوُّرِ
بصورة المُبَاحَاتِ، وأيضًا فإن الزِّنَا لو شرط فيه مَالٌ لا يثبت؛ لأن المَالَ لا يَتَعلَّقُ به شَرْعًا، فكذلك الوطء المحترم إذا نُفِيَ عنه، وجب ألا يَنْتَفِي؛ لأنه يَتَعَلَّقُ به المَالُ شَرْعًا وفيه وجه أنه لا يَجِبُ بالوَطَءِ مَهْرٌ خرجه القاضي الحُسَيَنُ، فيما إذا وَطِئَ المُرْتَهِنُ الجَارِيَةَ المَرْهُونَةَ بِإذْنِ الرَّاهِنِ ظَانًا أنها تُبَاحُ بالإذْنِ، حيث لا يَجِبُ المَهْرُ في أحد القولين، والجامع حُصُولُ الإِذْنِ من مالك البُضْعِ، وصوت التَّفْويِضِ أَوْلَى، بألا يجب فيها المهر؛ لأن الإِذْنَ فيها إِذْنٌ في وَطْءٍ مباح، بخلاف إذن المرتهن، وموضع هذا التخريج على ما حَكَاهُ أكثر من رَوَاهُ.
ومنهم صاحب "التتمة" ما إذا جَدَّدَتُ الإِذْنَ في الوَطْءِ، وصَرَّحَتُ بِنَفْي المَهْرِ، دون ما إذا لم يَجْرِ سوى التَّفْوِيضِ، ودون ما إذا جددت الإِذْنَ ولم تُصَرَّحُ بنَفْيَ المَهْرِ، وقياس مَسْأَلَةِ الرّهْنِ ألا يحتاج إلى التَّصْرِيحِ، والتقييد بنفي المَهْرِ.
قال الإِمام: والقِيَاسُ ألا يُشْتَرَطَ تَجْدِيدُ الإِذْنِ؛ لأن النِّكَاحَ على صُورَةِ التفويض أَثْبَتُ الاستحقاق لِلزَّوْجِ بلا عِوَضِ، والإذْنُ المجرد لا يُصَادِفُ حَقَّهَا، قال: وقد رَأَيْتُ في بعض المَجْمُوعاتِ ما يَدُلُّ على طرد التخريج، وإن لم يُوجَدْ إِذْنٌ جديد.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، وأَوْجَبْنَا مَهْرَ المِثْلِ، فالاعتبار بِحَالَةِ العَقْدِ، أم بحالة الوَطْءِ؟! فيه وجهان أو قولان:
أحدهما: أن الاعتبار بحال الوطء فإن الوطء هو الذي لا يُعَرَّى عن المَهْرِ، أما العَقْدُ فَيُعَرَّى.
وأَصَحُّهُمَا 1: على ما ذكر الرُّوَيانِيُّ، وهو الذي أَوْرَدَهُ ابن الصَّبّاغ أنه يُعْتَبَرُ حَالَةُ العَقْدِ، وَوجِّهُوهُ بأن العَقْدَ هو الذي اقْتَضَى الوجوب عند الوَطْءِ، واسْتَنبَطَ الإِمَامُ من هذا الخلاف مَسْلَكَيْنِ:
أحدهما: أنَّا نَتَبَيَّنُ بجريان الوَطْءِ وُجُوبَ المَهْرِ بالعَقْدِ، وعلى هذا فالأَمْرُ مَوْقُوفٌ إن ارتفع النِّكَاحُ، ولم يجر وطءَ تبينا أن المَهْرَ لم يَجِبْ بالعَقْدِ، وإن جرى بَانَ وُجُوبُهُ بالعَقْدِ.
والثاني: أن يُقْطَعَ بِخُلُوِّ العَقْدِ عن المَهْرِ، ووجوبه بالوطء، ويجعل الخلاف في أن الاعْتِبارَ بحالة العَقْدِ، أم بحالة الوَطْءِ، كالخلاف في أنا إذا أَوْجَبْنَا في الجَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرَ قيمة الأم، تُعْتَبَرُ قِيمَتُها يوم الجِنَايَةِ، أم يوم الانْفِصَالِ واعلم أن قَضِيَّةَ القَوْلِ باعتبار حَالَةِ العَقْدِ إِيجابُ مَهْرِ ذلك اليوم، سواء كان أقل أو أكثر، لكن ذَكَرَ المُعْتبرون إنه إن كان أكثر أَوْجَبْنَاهُ وإن كان أَقَلَّ لم يقتصر عليه, لأن البُضْعَ دَخَلَ بالعَقْدِ في ضَمَانِهِ، فإذا اقترن به
الإِتْلاَفُ أوجبنا أكثر ما يكون عِوَضًا، كما إذا قَبَضَ شَيْئًا لشراء فاسد، وأَتْلَفَهُ يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ قِيمَتِهِ، من يوم القبض إلى الإِتلاف وعلى هذا، فالعِبَارَةُ المُطابِقَةُ لِلْغَرْضِ أن يقال: يجب أكبر مَهْرٍ، من يوم العقد إلى الوطء أو أكبر مَهْرٍ، من يوم العقد، ويوم الوطء.
وذكر الحناطيُّ نحوًا منه.
ولو مات أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قبل المَسِيس، وقبل أن يُفْرَضَ لها مَهْرٌ، فهل يجب مَهْرُ المِثْلِ؟ روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى في بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ -وقد نُكِحَتْ بغير مَهْرٍ، فمات زوجها [قبل أن يَفْرِضَ لها] 1 -: "بمهر مثيلاتِهَا وبالميراث" 2 ولكن في رُواتِهِ اضْطِرابٌ قيل: رَوَاهُ مَعْقِلُ بن يَسَارٍ.
وقيل: ابن يَسَارٍ.
وقيل: رجل من أَشْجَعَ، أو ناس من أَشْجَعَ، فظهر لذلك تُرَدُّدٌ في كلام الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- وللأصحاب -رحمهم الله- طُرُقٌ:
أحدها: أنه إن ثَبَتَ الحَدِيثُ وَجَبَ المَهْرُ، وإلا فقولان.
والثاني: إن لم يثبت لم يجب، وإن ثَبَتَ، فقولان.
والثالث: إن ثَبَتَ وَجَبَ، وإلا فلا وهو ظَاهِرُ لَفْظِهِ في "المختصر".
وأشبههما وأظهرهما: إِطْلاَقُ قولين في المَسْأَلَةِ، وبه قال أصحابنا العِرَاقِيُّونَ والحَلِيميُّ:
أحدهما: وبه قال مالك -أنه لا يَجِبُ المَهْرُ؛ لأن المَوْتَ فُرْقَةٌ وَرَدَتْ على نِكَاحِ تَفْوِيضٍ، قبل الفرض والوطء، فلا يجب المَهْرُ كالطلاق.
والثاني: يَجِبُ، وبه قال أحمد؛ لأن المَوْتَ بِمَثَابَةِ الوطء في تقرير المُسَمَّى، فكذلك في إيجَابِ المَهْرِ في صورة التَّفْوِيضِ، وهذا يُوافِقُ مَذْهَبَ أبي حَنِيْفَةَ؛ لأنه يقول
بوجوبه بالعَقْدِ، وتقريره بالموت، وما الأظهر من القولين؟.
ذكر المُتَوَلِّي أن الأظهر الوُجُوبُ، ويقال: إنه اختيار صاحب "التقريب"، وأنه صحح الحديث وقال: الاخْتِلاَفُ في الرُّوَاةِ لا يَضُرُّ؛ لأن الصحابة عُدُولٌ كلهم، ولأنه يحتمل أن بعضهم نَسَبَهُ إلى أبيه، وبعضهم إلى جَدٍّ لَهُ قَرِيبٍ أو بَعِيدٍ، وبعضهم إلى قَوْمِهِ وقَبِيلَتِهِ.
والذي رَجَّحَهُ أصحابنا العراقيون أنه لا يجب 1، وبه أخذ الإِمَامُ، وصاحب "التهذيب"، والقاضي الرُّويَانِيُّ.
وإذا قلنا بالوجوب فيجب مَهْرُ المِثْلِ، باعتبار يوم العَقْدِ، أو يوم المَوْتِ، أو أقصى مَهْرٍ؟ حكى الحناطي فيه ثلاثة أوجه 2.
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَة: لو طَلَّقَها قبل الدُّخُولِ بها، نظر إن لم يَفْرِضْ لها بَعْدُ، فلا تَسْتَحِقُّ شَطْرَ المَهْرِ، إن قلنا: لا يجب المَهْرُ بالعَقْدِ، ولكنها تَسْتَحِقُّ المُتْعَة، على ما سيأتي وإن قلنا: يجب مَهْرُ المِثْلِ بنفس العَقْدِ، فعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ وهو المذكور في "التتمة" أنه يُشَطَّرُ كالمُسَمَّى الصحيح في العَقْدِ، وكَمَهْر المِثْلِ، إذا جَرَتْ تسمية فَاسِدَةٌ، والمشهور أنه يَسْقُطُ المَهْرُ إلى المُتْعَةِ، واسْتَثْنَوْا صورة التَّفْويضِ، على القول بوجوب المَهْرِ، عن تَشَطَّرِ مَهْرِ المِثل بالطلاق، وإن طَلَّقَها بعد الغَرْضِ تَشَطَّر المَفْرُوضُ، كالمسمى في العَقْدِ.
وعند أبي حنيفة يسقط المفروض، وتجب المُتْعَةُ.
وقوله في الكتاب: "ولا خِلاَفَ أنها لا تَسْتحِقُّ الشَّطْرَ عند الطلاق" اتبع فيه الإِمَامَ، فإنه قال بعد نَقْل التَّشَطُّرِ عن شيخه: وهذا قِيَاسٌ حكى، لكنه خِلاَفُ ما عليه الأصْحَابُ، فهو غير مُعْتَدٍّ به، ولا يلتحق بالوجوه الضعيفة، فَحَصَلَ في المَسْأَلَةِ طريقان: قاطع بمنع التَّشَطُّرِ، وصَائِرٌ إلى الخلاف.
وقوله: "لو أصدقها خَمْرًا تَشَطَّرَ مَهْرُ المِثْلِ" ليس المُرَادُ منه ما إذا فَرَضَ الخَمْرَ في دوام نِكَاحِ المُفَوِّضَةِ، فهذه الصورة مَذْكُورَةٌ: من بَعْدٌ وإنما المراد ما إذا سَمَّى في الابتداء خَمْرًا، وسبب ذكر هذه المَسْأَلَةِ أنه احتج في "الوسيط" لعدم التَّشَطُر بأن القِيَاسَ سُقُوطُ جميع المَهْرِ بالطلاق، إلا أن الله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فَشَطَّرْنا بهذا النص ما سَمَّى وفرض، ثم بَيَّنَ أن تَشَطُّرَ مَهْرِ المِثْلِ إذا سمي خَمْرًا خارج عن هذه
القَضِيَّةِ؛ لأن تسمية الخمر تُثْبِتُ أَصْلَ المَهْرِ، فالْتَحَقَ بالمسمى المفروض، فبقيت الصُّورَةُ مُدْرَجَةً من خلال هذه المَسَائِلِ، وإن لم يذكر الاحتجاح.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَعْنَى الفَرْضِ تَعْينُ الصَّدَاقِ أَوْ تَقْدِيرُهُ وَكَانَ الوَاجِبُ بِالعَقْدِ أَوْ بِالمَسِيسِ المُنْتَظَرِ مَهْرَ المِثْلِ أَوْ مَا تَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ أَحَدُهُمَا لا بِعَيْنِهِ، وَلِلمَرَّأَةِ عَلَى القَوْلَيْنِ طَلَبُ الفَرْضِ لِتَقْرِيرِ الشَّطْرِ أَوْ لِتَعْرِيفِ ما سَيَجِبُ بِالمَسِيسِ، وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِلفَرْضِ لاَ لِتَسْلِيمِ المَفْرُوضِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ العِلْمِ بِمَهْرِ المِثْلِ عِنْدَ الفَرْضِ؟ فِيْهِ وَجْهَانِ، وَهَلْ يَجُوزُ إِثْبَاتُ الأَجَلِ في المَفْرُوضِ؟ وَجْهَانِ، وَهَلْ يَجُوزُ إِثْبَاتُ زِيادَةٍ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ إِذَا كَانَ الفَرْضُ مِنْ جِنْسِهِ؟ وَجْهَانِ، وَلا خِلاَفَ فِي أنَّهُ يَجُوزُ تَعْيينُ عَرْضٍ يُسَاوِي أَضْعَافَ مَهْرِ المِثْلِ، وَلَوْ أَبْرَأَتْ قَبْلِ الفَرْضِ جَازَ عَلَى قَوْلِ الوُجُوبِ بِالعَقْدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ بِالوَطْءِ خُرِّجَ عَلَى قولي الإِبْراءِ عَمَّا لَمْ يَجِبْ وَجَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ، وَلَوْ قالَتْ: اسْقَطْتُ حَقَّ الفَرْضِ لَمْ يَسْقُطْ، وَلَوْ فَرَضَ لَهَا خَمْرًا لَغَا الفَرْضَ وَلَمْ يُؤَثِّرْ في التَّشْطِيرِ بِخِلاَفِ المَقْرُونِ بِالعَقْدِ، وَلَوِ امْتَنَعَ مِنَ الفَرْضِ فَرَضَ القَاضِي بِنِيَابَةٍ قَهْريَّةٍ وَلا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَلَوْ فَرَضَ الأَجْنَبِيُّ صَحَّ وَلَزِمَهُ المَفْرُوضُ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِالأَدَاءِ، وَقِيلَ: لاَ يَصِحُّ فَرْضُ الأجْنَبِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا لم يوجب المَهْرَ لِلْمُفوِّضَةِ بنفس العَقْدِ، وهو الصحيح، فلها مُطَالَبَةُ الزوج بِفَرْضِ مَهْرٍ قبل المَسِيسِ، لتكون على ثَبْتٍ من تسليمِ نَفْسِهَا، وتَعْرِفُ أنها عَلاَمَ تُسَلِّمُ نَفْسَها، وقد تَتَوقَّعُ المَرْأَةُ زِيادَةً على مَهْرِ المثل، وإن أوْجَبْنَاهُ بنفس العَقْدِ، فمن قال: إنه يَتَشَطَّرُ بالطَّلاَقِ قبل المَسِيسِ، قال: ليس لها طَلَبُ الفَرْضِ، ولكن تطالب بالمَهْرِ نَفْسِهِ، كما لو وَطِئَهَا، ووجب مَهْرُ المثل، تُطَالِبُ به لا بالفَرْضِ، ومن قال: لا يَتَشَطَّرُ، قال: لها طَلَبُ الفَرْضِ ليتقرر الشَّطْرُ، فلا يَسْقُطُ لو طلقها قبل المَسِيسِ، وهذا هو الأَظْهَرُ، والمذكور في الكتاب، ويجوز لها أن تَحْبِسَ نَفْسَها لِلْفَرْضِ، وهل لها الحَبْسُ لتسليم المَفْرُوضِ الذي حَكَاهُ الإِمَامُ عند الأصحاب، وأَوْرَدَهُ صاحب الكِتَابِ أنه ليس لها ذَلِكَ؛ لأنها قد سَامَحَتْ بِالمَهْرِ، فكيف يَلِيقُ بها المُضَايَقَةُ في التَّقْدِيم والتأخير.
وقال القاضي الرُّويَانِيُّ: ظَاهرُ المَذْهَب أن لها حَبْسَ نَفْسِهَا حتى يسلم المَفْرُوضَة، كالمسمى في العَقْدِ ابْتِدَاءً، وهذا هو الجَوَابُ في "التهذيب".
واعلم أن الفَرْضَ إما أن يُوجَدَ من الزَّوْجِ، أو من القاضي، أو من أَجْنَبِيٍّ، فهذه ثلاثة أَقْسَامٍ:
الأول: إذا فَرَضَ الزَّوْجُ، ينظر إن لم تَرْضَ به المَرْأَةُ، فكأنه لم
يَفْرِضْ 1 شيئًا، وفيما علق عن الإِمام أنه لا يُشْتَرَطُ القَبُولُ منها، بل يكفي طَلَبْهَا وإسْعَافُهُ، وليكن هذا فيما إذا طَلَبَتْ عَيْنًا، أو ذكرت مِقْدارًا، فأجابها أما إذا أَطْلَقَتِ الطلب، فلا يلزم أن تكون راضِيَةً بما يُعيِّنُهُ أو يُقَدِّرُهُ، وإذا تَرَاضَيَا على مَهْرٍ، فينظر إن كانا جاهلين بقدر مَهْرِ المِثْلِ، أو جَهِلَهُ أحدهما، ففي صحة الفَرْضِ قولان عن "الإِملاء" والقديم: أنه يَصِحُّ، وعن "الأم" 2 أنه لا يَصِحُّ، وذكروا في مَأْخَذِهِما ثَلاثَةَ طرق، عن الشيخ أبي حَامِدٍ أنهما مَبْنيَّانِ على أن المُفَوِّضَةَ تَمْلك بالعقد أن تملك مَهْرَ المِثْلِ، وتملك أن تملك مَهْرًا ما، وفيه قولان، وَجْهُ الأَوَّلِ أن الزوج مَلَكَ بُضْعَهَا، فَتَمْلِكُ مُطالَبَتَهُ بِبَدَلِهِ.
ووجه الثَّانِي أنه لاَ بُدَّ من مَهْرٍ، لكن لا تَقْدِيرَ عند التَّسْمِيَةِ، فكذلك عند الفَرْضِ، فإن قلنا بالأول، [فالمفروض] 3 بَدَلٌ عنه، ولا بدّ من العِلْم بالمُبْدَلِ، وإن قلنا بالثاني، فلا حاجَةَ إليه، وهذه الطَّرِيقَة مُؤسَّسَةٌ على أنه لا يَجِبُ المَهْرُ بالعَقْدِ.
والثاني: بِنَاءُ القَوْلَيْنِ على أن المُفَوِّضَةَ تَسْتَحِقُّ المَهْرَ بالعقد أم لا؟.
إن قلنا: نعم، فالمفروض بَدَلٌ عنه فلا بد من العِلْمِ بالبَدَلِ، وإن قلنا بالثاني فلا حَاجَةَ إليه.
والثالث: بِنَاؤُهُمَا على أن المَفْرُوضَ يجب بالفَرْضِ ابْتِدَاءً، أم يَسْتَنِدُ إلى حَالَةِ العَقْدِ؟ وفيه خلاف سبق مِثْلُهُ فيما إذا وَطِئَ، فوجب المَهْرُ، ورَجَّحَ القاضي الرُّويَانِيُّ من القولين اعْتِبارَ عِلْمِ الزوجين، والجُمْهُورُ على خِلاَفِهِ.
وإن كانا عالِمَينِ بَقَدْرِ مَهْرِ المثل صح ما يَفْرِضَانِهِ، نعم هل يجوز إِثْبَاتُ الأَجَلِ في المَفْرُوضِ؟.
نقل فيه وجهان: وجه المنع أن الأَصْلَ مَهْرُ المِثْلِ، ولا مَدْخَلَ لِلأَجَلِ فيه، وكذلك في بَدَلِهِ، والأصح ثبوته كما في المْسَمَّى، وفي الزيادة على مَهْرِ المِثْلِ وجهان أيضًا، بنَاءً على أن مَهْرَ المِثْلِ هو الأصْلُ فلا يُزَادُ البَدَلُ عليه.
والأصح الجَوَازُ، به قطع جَماعَةٌ، والخلاف فيما إذا كان المَفْروضُ من جِنْسِ مَهْرِ المِثْلِ، فأما تَعْيينُ عِوَضٍ يزيد قيمته على مَهْرِ المِثْلِ، فقد نَفَوْا الخَلاَفَ في جَوَازِهِ، وكان سَبَبُهُ أن الزِّيَادَةَ هاهنا غير مُتَحَقَّقةٍ، والقِيمُ تَرْتَفِعُ وَتَنْخَفِضُ.
" القِسْمُ الثَّانِي: فَرْضُ القَاضِي"
وذلك إذا امْتَنَعَ الزَّوْجُ من الفَرْضِ فَيَنُوبُ القاضي عنه قَهْرًا، وكذلك لو تَنَازَعَا في القَدْرٍ المَفْرُوضِ فيفرضه القاضي، ولا يَفْرِضُ إلا من نَقْدِ البَلَدِ، حَالاًّ، فإن رَضِيَتْ المَرْأةُ بالتَّأْجِيلِ لم يُؤَجِّلْ أيضًا، وتُؤَخِّرُ هي إن شَاءَتْ، ولا يزيد على مَهْرِ المِثْلِ، ولا ينقص، كما في قِيَمِ المُتَلَفَاتِ 1، نعم الزِّيَادَةُ والنقصان بالقدر اليَسِيرِ الذي يَقَعُ في مَحَلِّ الاجْتِهادِ لا عِبْرَةَ به، ولا بدّ من عِلْمِهِ بِقَدْرِ مَهْرِ المثل حتى لا يزيد ولا ينقص.
قال الشيخ أبو الفَرَج: وإذا فَرَضَ القاضي لم يتوقف لزومه على رضاهما، فإنه حُكْمُ منه، وحُكْمُ القاضي لا يَفْتَقِرُ لُزُومُهُ إلى رِضَا الخُصُومِ.
الثاني: فرض الأجنبي، فإذا جاء أَجْنَبِيٌّ، وفرض لِلْمُفَوَّضَةِ مَهْرًا، يعطيه من مالِ نفسه برضاها، ففي صحته وجهان:.
أصحهما: عند الإِمَامِ وغيره: المنع 2؛ لأنه تَعْيينَ لما يَقْتَضِيهِ العَقْدُ، وتصرف فيه، فلا يَلِيقُ بِغَيْرِ المتعاقدين، إلا إذا فُرِضَتْ وِكَالَةُ أو وِلاَيَةٌ.
والثاني: يصح؛ لأنه يجوز للأجْنَبِيِّ أن يُؤَدِّي الصداق عن الزوج بغير إذْنِهِ، فكذلك يَجُوزُ أن يفرض، وَيلْتَزِمَ بغير إِذْنِهِ، وقَرَّبَ صاحب "التتمة" هذا الخَلاَفَ من الخِلاَفِ فيما إذا أصْدَقَ عن أَبِيهِ أكثر من مهْرِ المِثْلِ هل يجوز؟.
وذكروا تَفْرِيعًا على الصِّحَّةِ أنها تُطَالِبُ الأَجْنَبِيِّ بالمَهْرِ المَفْرُوضِ، ويسقط طَلَبُ الفَرْضِ عن الزوجِ [وينبغي أن يُشْتَرَطَ للصحة رِضَاهَا، فإنا شَرَطْنَا الرِّضَا في فَرْضِ الزوج] 3 ففي فرْضِ الأجنبي أَوْلَى، ولو طَلَّقَها الزَّوْجُ، قبل المَسِيسِ، فَنِصْفُ المفروض يَعُودُ إلى الزوج، أو إلى الأجنبي؟ فيه وَجْهَانِ، كما ذكرنا فيما إذا تَبَرَّعَ أجنبي بأداءِ المُسَمَّى، ثم طلق الزوج قبل المسيس، ووراء ما ذكرنا في الفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: إذا أَبْرَأَتِ المْفَوِّضَةُ عن المَهْرِ قبل الفَرْضِ والمسيس، فإن قلنا: يجب المَهْرُ بالعقد، صح الإِبْرَاءُ، إن كان مَهْرُ المثل مَعْلُومًا لها، وان كان مَجْهُولًا، ففي
صحة الإِبْرَاءِ عن المجهول قولان مذكوران في الضمَان:
الأصح المنع، وإذا قلنا به، فذلك فيما يَزِيدُ على القَدْرِ المسْتَيْقَنِ، وفي المُسْتَيْقَنِ وَجْهَانِ، ويقال: هما مَأْخُوذَانِ من تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وإن قلنا: لا يجب المَهْرُ بالعَقْدِ، فقد قال في الكتاب: إنه إبراء مما لم يجب، وجرى سَبَبُ وجوبه، وفيه قولان كالقولين في ضَمَانِ مِثْلِ ذلك، والأصح الفَسَادُ وقد بَيَّنَّا في الضمان ما ينبغي أن ينزِل عليه.
قوله: "وجرى سَبَبُ وجوبه ولو قالت أسقطت حق الفرض لم يَسْقُطْ" كما لو أَسْقَطَتْ زَوْجَةُ المولى حَقَّهَا من مُطَالَبَةِ الزوج، وهذا لأن ثُبُوتَ المَهْرِ عند العَقْدِ، أو عند الوطء لا يَبْطُلُ بإسْقَاطِهَا، وحق طَلَب الفرض تَابعٌ له، ولو أَبرَأَتْ عن المُتْعَةِ قبل الطَّلاَقِ، فهو إِبْرَاءٌ: قبل الوجوب، وإن أَبْرَأَت بعده، فهو إِبْرَاءٌ عن المَجْهُولِ، ولو نكح إمْرَأةً على خَمْرٍ، أو خنزير، وابْرَأَتْهُ عن المسَمَّى الفاسد، فهو لَغْوٌ؛ لأن الواجب غَيْرُهُ، وإن أَبْرَأتْهُ عن مَهْرِ المِثْلِ، وهي عالمة به صَحَّ.
"
فرع
" يَتَيقَّنَ أن مَهْرَها لا يَنْقُصُ عن أَلْفٍ واحتمل أن يزيدَ عليه إلى ألفين، ورَغباً في البَرَاءَةِ، فينبغي أن تُبْرِئَهُ عن ألفين، قاله في "التهذيب" وإن قَبَضَتْ ألفًا، وأَبْرَأَتْهُ من ألف إلى ألفين، فإن بَانَ أن مَهْرَها ألف، أو فَوْقَ الألف إلى ألفين، فالبَرَاءَةُ حَاصِلَةٌ، وإن بَانَ أنه فوق ألفين، فعليه الزيادة [وحصلت البراءة من ألفين] 1 والقول بحصول البَرَاءَةِ إذا بانَ فوق الألْفِ إلى الألفين -جَوابٌ على أنه إذا قال: ضمنت من واحد إلى عشرة، أو أبرأت، صَحَّ الضَّمَانُ والإبْرَاءُ، وهو الأَصَحُّ، ولو دفع الزَّوْجُ إليها ألفين، وحَلَّلَ لها ما بين ألف وألفين، حَلَّ لها ذلك إن بَانَ فوق الألْفِ إلى الألفين، وإن بَانَ دون الألف، فعليها رَدُّ قَدْرِ قيمة التَّفَاوُتِ بين مَهْرِها، وبين الألف, لأنه لم يَدْخُلْ في التحليل، ويحصل الفرْضُ من جهة [الزوجة بلفظ التَّحْلِيلِ والإبْرَاءِ، أو الإِسقاط والعفو، وأما من جِهَةِ] 2 الزوج، فَلا بُدَّ من لَفْظٍ صَالِح لتمليك الإِعْيَانِ، فإن تصرفت في المَدْفُوعِ، وصار الزَّائِدُ دَيْنًا جَرَتْ فيه الأَلْفَاظُ.
" فرع" قال لمن عليه أَلْفُ درهم: أَبْرَأتُكَ عن ألف دِرْهَمٍ، ثم قال: لم أعلم وَقْتَ الإِبراء أنه كان لي عليه شيء لم يُقْبَلْ قوله في الظاهر، وفي الباطن وجهان.
قال الإِصْطَخرِيُّ: لا يقبل أيضًا؛ لأنه وَرَدَ على مَحَلِّ حَقِّهِ.
وقال غيره: يقبل؛ لأن عنده أَنَّ ما جرى ليس بِإِبْرَاءٍ حَقِيقَةً، والخلاف مَأْخُوذٌ من الخلاف فيما إذا باع مَالَ أبيه على ظَنِّ أنه حَيٌّ، فَبَانَ مَيِّتًا.
المسْأَلَةُ الثَّانِيَة: ذكرنا أن المَفْرُوضَ فَرْضًا صَحِيحًا كالمُسَمَّى في العَقْدِ، حتى يَتَشَطَّرَ بالطلاق قبل المَسِيسِ 1، أما إذا فرض فَرْضًا فاسِدًا بأن ذَكَرَ خَمْرًا، أو خِنْزِيرًا لَغَا ولم يُؤَثِّرْ في تَشْطِيرِ مَهْرِ المِثْلِ إذا طَلَّقَ قبل المَسِيسِ، بخلاف التَّسْمِيَةِ الفاسدة المقرونة بالعَقْدِ، حيث نوجب مَهْرَ المِثْلِ، وتشطره بالطلاق قبل المَسِيسِ، والفرق أن الحَالَ هناك حَالُ ابْتِدَاءِ مِلْكِ البُضْع، وقد ذكرا في مُقَابَلَتِهِ عِوَضًا، فلا يمكن إِخْلاَؤُهُ عن العِوَضِ، وإذا وجب العِوَضْ تشَطَّرَ وهنا الحال حَالُ دَوَام المِلْكِ، وقد خلا ابْتِداؤُهُ عن العِوَضِ، فإن وجِدَ فَرْضٌ صحيح، اعْتُبِرَ، وإلا بَقِيَ الأمْرُ على ما كان عليه، وطُولِبَ بالفرْضِ الصحيح، وأما لَفْظُ الكتاب فقوله: "ومعنى الفْرْض تعيين الصَّدَاقِ، أو تقديره" إلى قوله: "أحدهما لا بعينه" أراد به أن البُضْعَ، وإن أبِيحَ بلا عِوَضٍ لا يُبَاحُ إلا بالعِوَضِ، وذلك العِوَضُ إما ما يتراضى به الزَّوْجَانِ، أو مَهْرُ المِثْلِ الذي هو قِيمَةُ البُضْعِ، فكأن الشَّارعَ على قَوْلِ الوجوب بالعَقْدِ، يقول: إن تَرَاضَيْتُمْ، في ابْتِدَاءِ العَقْدِ، على شيء فذاك، وإلا أوجبت مَهْرَ المِثْلِ، وعلى قول آخر يقول: إن اتّفَقْتُمْ على شَيْءٍ قبل الوطء، فهو الوَاجِبُ، وإلا لم أُخَلِّ الوَطْءَ عن المَهْرِ، وأوجبت مَهْرَ المِثْلِ، فالواجب أحدهما لا بِعَيْنِهِ، ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله: أحدهما لا بعينه [بالواو؛ لأن في "الوسيط" وغيره ذِكْرُ تَرَدُّدِ في أن الوَاجِبَ أَحَدُهُمَا لا بِعَيْنِه] 2 أو الأصل مَهْرُ المثل، والمفروض بَدَلٌ عنه، كالتَّرَدُّدِ في أن مُوجِبَ العَمْدِ القِصَاصُ، أو الدية أو موجبه القصاص والدية بَدَلٌ عنه.
وقوله "تَعْيينُ الصَّدَاقِ أو تقديره" يمكن أن يُرِيدَ به تَعْيينَ القَدْرِ، فيكون في المَعْنَى كالتَّقْدِيرِ، والجمع بينهما إيضاح وتأكيد، ويَجُوزُ أن يُرِيد تعيين الذَّاتِ، وَيحْسُنُ على هذا أن يُحْمَلَ التعيين على ما إذا فَرَضَ عَيْنًا، والتَّقْدِيرُ على ما إذا فَرَضَ دَيْنًا.
وقوله: "على القولين" مُعَلَّمٌ بالواو؛ لما حَكَيْنَا أن منهم من يَقُولُ: ليس لها طَلَبُ الفرض 3 على قول الوجوب بالعَقْدِ.
وقوله: "لتقرير الشَّطْرِ" أي: على قول الوُجُوبِ بالعَقْدِ، وهذا التعليل مَبْنِيُّ على
قَوْلِ من لا يقول بالتَّشَطُّرِ لو طَلَّقَ قبل الفَرْضِ، وقوله: "أو لتعريف ما سَيَجِبُ بالمَسِيسِ" أي: على القول الآخَرِ، وهو أنه لا يَجِبُ بالعَقْدِ، وقوله: "لا لتسليم المفروض" مُعَلَّمٌ بالواو لما مَرَّ.
" فَرْعٌ"
قال في "التَّتِمَّة"لو نكح ذِمِّىِّ ذِمِّيَّةَ على أن لا مَهْرَ لها، وَتَرافَعَا إلينا، حكمنا بحكمنا في المسلمين.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: إن اعْتَقَدُوا أن النِّكاحَ لا يَخْلُو عن المَهْرِ، فكذلك، وإن جوَّزُوا إخلاءه عن المَهْرِ، فلا مَهْرَ لها إلاَّ بالعَقْدِ، ولا بالدخول.
قَالَ الغَزالِيُّ: وَمَعْنَى مَهْرِ المِثْلِ القَدْرُ الَّذِي يُرْغَبُ بِهِ فِيهَا والأصْلُ فِيهِ النَّسَبُ، ويعْتَبَرُ فِيهِ الأَخَوَاتُ والعَمَّاتُ لِلأَبِ دُونَ البَنَاتِ والأُمَّهَاتِ، ويُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ العِفَّةُ والجَمَالُ والخُلُقُ وَكُلُّ ما يَتَفاوَتُ بِهِ الرَّغْبَةُ، وَلَوْ سَمَحَتْ واحِدَةٌ مِنَ العَشِيرَةَ لَمْ يَلْزَمِ البَاقِيَاتِ، وَلوْ كُنَّ يُنْكحْنَ بِأَلَفٍ مُؤَجَّلٍ لَمْ يَثْبُتِ الأجَلُ بَلْ ينْقُصُ بِقَدْرِهِ مِنَ الألْفِ، وَلَوْ كُنَّ يُسَامِحْنَ العَشِيرَةَ دُونَ غَيْرِهِمْ لَزِمَ ذَلِكَ في العَشِيرَةِ دُونَ غَيْرهِمْ.
قَالَ الرّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الفصل بَيَانُ ما يُعْتَبَرُ به مَهْرُ المِثْلِ 1 والحَاجَةُ تَمَسُّ إلى
فرع
: لو كانت نساء العصبات ببلدين هي في أحدهما -اعتبر نساء بلدها إن استويا.
ويعتبر ما يخلتف به غرض كسن، وَعَقْلٍ، وَيَسَارٍ، وَبَكَارَةٍ، وثيوبة، وَجَمَالٍ، وعفة وعلم، وفصاحة، فإن اختصت عنهن بفضل، أو نقض: فرض مهر لائق بالحال بحسب ما يراه قاض باجتهاده ولو جرت عادتهن بالتخفيف في المهر للأقارب فقط، أو لعالم، أو شريف اعتبر ذلك في المطلوب مهرها بالنسبة لما ذكر دون غيرهم.
والمفروض الصحيح، كالمسمى فينْتَظِرُ بالطلاق قبل الوطء، ولو طلق قبل فرض ووطء، فلا شطر.
معرفته، في مَوَاضِعَ: منا: المُفَوِّضَةُ، فإنا نوجب مَهْرَ المِثْلِ فيها بالعَقْدِ، أو الوَطْءِ، أو الموت.
ومنها التَّفْوِيضُ الفَاسِدُ، وتسمية الصَّدَاق الفاسد.
ومنها إذا نَكَحَ نِسْوَةً على صَدَاقٍ وَاحِدٍ، وقلنا: يصح، ويُوَزَّعُ على مهور أمثالهن [وفي وطء الشبهة والإِكراه على الزنا] 1 وفيه مسائل:
الأولى: مَهْرُ المِثْلِ هو القَدْرُ الذي يرغب به في أمثالها، والرُّكْنُ الأعظم في الباب النَّسَبُ 2، فينظر إلى نِسَاءِ عَصَباتِهَا، وهن اللَّوَاتِي يَنْتَسِبْنَ إلى من تَنْتَسِبُ هذه إليه؛ كالأَخوَاتِ، وبنات الإِخوة والعَمَّات، وبنات الأَعْمَامِ، ولا ينظر إلى ذَوَاتِ الأَرْحَامِ؛ لأن المَهْرَ مما يقع المُفَاخَرَةُ به، فكان كالكَفَاءَةِ فىٍ النِّكَاحِ، بخلاف ما ذكرنا في الحَيْضِ، أن المُبْتَدِئة تَرُدُّ إلى عادة نِسَاءِ عَشِيرَتِهَا من الأبَوَيْنِ، على أظهر الوجوه؛ تَفْرِيعاً على الرَّدِّ إلى الغالب؛ لأن ذلك أمْرٌ يرجع إلى الخِلْقَةِ والجبِلَّةِ، والأب والأم يشتركان فيه، ويُرَاعَى في نِسَاءِ العَصَبَات قُرْبُ الدَّرَجَةِ، وأقربهن الأَخوات من الأبوين، ثم من الأَبِ ثم بَنَاتِ الإِخوة من الأَبوَيْنِ، ثم من الأَبِ ثم العمات كذلك، ثم بَنَات الأَعْمَام، فإن تَعَذّرَ للاعتبار بنساء العَصَباتِ، فَيُعْتَبَرُ بِذَوَاتِ الأَرْحَامِ كالجَدَّاتِ والخَالاَتِ، وتُقَدَّمُ القُرْبَى فالقُرْبَى، من الجهات، وكذلك تُقَدَّمُ القُرْبَى فالقربى من ذَوَاتِ الجِهَةِ 3 الواحدة كالجدات، ولا يجيء تَعَذُّرْ الاعْتِبارُ بِنِسَاءِ العَصَبَاتِ بموتهن، بل يُعْتَبَرُ بهن، وإن كن مَيِّتَاتٍ كذلك ذَكَرَهُ صاحب "التهذيب" وغيره، وإنما يجيء التَّعَذُّرُ من فَقْدِهِنَّ من الأَصْلِ، وقد يكون لِلْجَهْلِ بِمِقْدَارِ مَهْرِهِنَّ، أو لأنهن لم ينكحن وإن لم يمكن الاعْتِبَارُ بذَوِي الأَرْحَامِ أيضًا، اعتبر بِمِثْلِهَا من نِسَاءِ الأَجَانَبِ، وكذا إذا لم يكن نَسَبُ المَرْأَةِ مَعْلُوماً، وتعتبر مَهْرُ العربية بِعَرَبيَّةِ مِثَلهَا والأَمَةِ بِأَمَةٍ مِثْلِهَا.
وقيل: ينظر إلى شَرَفِ السِّيِّدِ، وخِسَّتِه، ومَهْرِ المعتقة بِمُعْتَقَة مِثْلِهَا.
= وقيل: يجب الشطر بناء على وجوب مهر المثل بالعقد، ولو مات أحدهما قبلهما لم يجب مهر مثل في الأظهر كذا قاله الرَّافِعِيُّ، واعتمد النووي، ووجوبه، لأن الموت كالوطء في تقرير المسمى، فكذا في إيجاب مهر المثل في التفويض، وَقَدْ روى أبو داود، وغيره: أن بروع بنت واثق نكحت بلا مهر، فمات زوجها قبل أن يفرض لها، فقضى لها رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بِمَهْرِ نِسَائِها وَبِالْمِيْراثِ" قال الترمذي: حسن صحيح.
وفي وجه: أنه يُعْتَبَرُ مَهْرُ المعتقة بنساء المَوَالِي، كما اعْتُبِرَ مَهْرُ الحُرَّةِ بنِسَاءِ عَصْبَاتِ القَرَابَةِ.
الثانية: ينظر مع ما ذكرنا إلى البَلَدِ، فيعتبر مهر نساء عَصَبَاتِهَا في تلك البلدة وإن كان بَعْضُهُنَّ في بَلْدَةٍ أخرى، فلا عِبْرَةَ بمن في تلك البَلْدَةِ، ويعتبر أن يكون المَطْلُوبُ مَهْرُهَا مِثْلَ التي يعتبر مَهْرُ نِسَاءِ عَصَباتِهَا في تلك البَلَدِ، وإن كان بَعْضُهُنَّ في بَلْدَةٍ أخرى، فلا عِبْرَةَ بمن في تلك البَلْدَةِ، فإن عَادَاتِ البِلاَدِ في المَهْرِ مُخْتَلِفَةٌ، وإن كان جميعهن بِبَلْدَةٍ أخرى، فالاعْتِبارُ بهن أَوْلَى من الاعتبار بالأجْنَبِيَّاتِ في تلك البلدة، ويعتبر أن يكون المَطْلُوبُ مَهْرُهَا مِثْلَ التي تعتبر بها في الصِّفَاتِ المَرْغُوب فيها كالعِفَّةِ والجَمَالِ؛ لأن الرَّغَبَاتِ في الجميلة أكثر، وليس كما في الكَفَاءَةِ، فإن المَرْعِيَ هناك التَّحَرُّزُ عما يُوجِبُ عاراً.
ومنها السِّنُّ واليَسَارُ والعَقْلُ؛ لأن الرَّغْبَةَ في المُوسِرَةِ أكثر؛ لِتَوَقُّع الرِّفْقِ منها، وانتفاع الأولاد بمالِها، كذا البَكارَةُ وسَائِرُ الصَّفَاتِ التي تختلف بها الأَغْرَاضُ 1، وتزداد الرَّغَبَاتُ كالعِلْمِ والفَصَاحَةِ، والصَّرَاحَةِ، وهي أن يكون الشخص شَرِيفَ الأبَوَيْنِ، والهَجِينُ الذي أبوه شَرِيفٌ دون أُمِّهِ، وفيما علق عن الإِمَام التَّسْوِيَةُ بين البِكْرِ والثَّيِّب إذا كان لها شَرَفُ النَّسبِ، وفيه حكاية وجه أن لا اعْتِبارَ باليَسَارِ، والظاهر ما سَبَقَ ومهما اخْتّصَّتِ المَرْأَةُ بصفةَ مَرْغُوبٍ فيها، زِيدَ في مَهْرِهَا، وإن وُجِدَ فيها نَقْصٌ لم يوجد في النِّسْوَةِ المَنْظُورِ إليهن، فينقص من المَهْرِ بقدر ما يَلِيقُ به.
الثالثة: الاعْتِبارُ بِغَالِبِ حَالِ النِّسْوَةِ المنظور إليهن، فلو سامحت واحدة منهن لم يَلْزَمِ البَاقِيَاتِ التَّخْفِيف، إلا أن تكون المُسَامَحَةُ لِنَقِيصَةٍ دخلت في النَّسَبِ، وفَتَرَتِ الرَّغَباتُ.
ومَهْرُ المِثْلِ يجب حَالاًّ من نَقْدِ البَلَدِ كقيمة المُتْلَفَاتِ، وإن رَضِيَتِ المَرْأَةُ بالتَّأْجِيلِ لا يُوجِبُهُ الحَاكِمُ مُؤَجَّلاً، لكنها تسامح بالتأخير، إن شَاءَتُ، وإن كانت النِّسْوَةُ المعتبر بهن، ينكحن بِمُؤَجَّلٍ، أو بِصَداقٍ بعضه مُؤجَّلٌ، فلا يؤجّلُ الحاكم أيضًا، لكن ينقص بقدر ما يقابل التَّأجِيل، وإن جَرَتْ عَادَتُهُن بالتَّخْفيِفِ، مع العَشِيْرَةِ دُونَ غيرهم خَفَّفْنَا مَهْرَ التي نطلب مَهْرَها في حَقِّ العشيرة، دون غيرهم وكذا لو كُنَّ يخففن إذا كان الخاطِبُ شَرِيفاً، يُخَفَّفُ في حَقِّ الشَّرِيفِ دون غيره.
وعن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ: أنه لا يَلْزَمُ التَّخُفِيفُ في حَقِّ العَشِيرَةِ، والشريف، كما أن قِيَمَ الإمْوَالِ لا تختلف بين أن يكون المُتْلِفُ صَدِيقاً أو قَرِيبًا أو غيرها.
ونقل القاضي الرُّوَيانِيُّ عن الشيخ أنه قال: مَهْرُ المِثْلِ الوَاجِبُ بالعقد، يجوز أن يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ، أما الواجب بالإِتْلاَفِ، فلا يبغي أن يَخْتَلِفَ.
قال القاضي: وبهذا أَقُولُ، والفَرْقُ على ظاهر المذهب بينه وبين قِيَم الأمْوَالِ؛ أن المَقْصُودَ الأعْظَمَ من النكاح الوَصْلَةُ، فَيُراعَى فيه ما يكون أَدْعَى إلى التَّآلُفِ، وهناك المَقْصُودُ المَالُ.
" فَرْعٌ"
تَقَادُمُ العَهْدِ لا يُوجِبُ سُقُوطَ مَهْرِ المِثْلِ، كما لا يُسْقِطُ قِيَمَ الأموال وإن احْتِيجَ فيها إلى مَعْرِفَة الصفات وعَسِرَ الوُقُوفُ عليها، إذا تَقادَمَ العَهْدُ عن أبي حنيفة أنه يسقط مَهْرُ المِثْلِ، باعتبار يوم الوَطْء لا يوم العقد.
قَالَ الغَزَالِيُّ: والوَطْءُ في النِّكَاحِ الفَاسِدِ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ باعْتِبَارِ يَوْمِ الوَطْءِ لاَ يَوْمِ العَقْدِ، فَإِذا اتَحَدَتِ الشُبْهَةُ اتَحَدَ المَهْرُ وَإِنْ وَطِئَ مِرَاراً، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شُبْهَةٌ كَوَطَآتِ الزَّانِي المُكْرَهِ وَجَبَ بِكُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرٌ، والأَبُ إِذا وَطِئَ جَارَيةَ ابْنِهِ مِرَاراً فَفِي الاكْتِفاءِ بِمَهْرٍ وَاحِدٍ وَجْهانِ، وَوَجْهُهُ شُمُولُ شُبْهَةِ الإِعْفَافِ، وَإذَا وَجَبَ مَهْرٌ وَاحِدٌ بِوَطَآتِ فَيُعْتَبَرُ عَلَى الأحْوَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: الوَطْءُ في النكاح الفَاسِدِ يُوجِبُ مَهْرَ المِثْلِ، باعتبار يوم الوَطْءِ 1 بالشُّبْهَةِ، ولا يعتبر يوم العَقْدِ، لأنه لا حُرْمَةَ لِلْعَقْدِ الفاسد، فلا يجب به شَيْءٌ، وإنما يَجِبُ ما يجب بالإِتْلاَفِ، فينظر إلى يوم الإِتْلاَفِ، وليس كما لو وَطِئَ في صُورَةِ التَّفْوِيضِ، حيث يُعْتَبَرُ بيوم العَقْدِ، على رَأْيٍ قدمناه.
الثانية: إذا وَطِئَ مِراراً بشُبْهَةٍ واحدة، أو في نِكَاحٍ فَاسِدٍ، لم يجب إلا مَهْرٌ وَاحِدٌ، كما أن الوَطَئَاتِ في النِّكَاحِ الصحيح، لا تَقْتَضِي إلا دَهْراً واحِداً وإن وَطِئَ بِشُبْهةٍ، وزالت تلك الشُّبْهَةُ، فَوَطِئَ بِشُبهْةٍ أخرى، وجب مَهْرَانِ، وإذا لم تكن شُبْهَةٌ، كما لو أَكْرَهَ امْرَأَةً على الزِّنَا، وَوَطِئَهَا مِرَاراً، وجب بكل وَطْءٍ مَهْرٌ؛ لأن الوُجُوبَ هاهنا بالإتْلاَفِ، وقد تَعَدُدَ الإِتْلاَفُ، وإذا وَطِئَ الأبُ جَارِيَةَ الابن مِرَاراً من غير إِحْبَالٍ، فقد أَطْلَقَ في الكتاب وجهين:
أحدهما: أنه يَجِبُ بكل وطء مَهْرٌ؛ لِتَعَدد الإِتْلاَفِ في مِلْكِ الغَيْرِ، مع العلم بحقيقة الحال.
وأشبههما: أنه لا يَجِبُ إلا مهْرٌ واحد؛ لأن الشُّبْهَةَ، وهي وُجُوبُ الإعْفَافِ شَامِلَةٌ لجميع الوَطَئَاتِ، وخصص في "التهذيب" الوَجْهَيْنِ بما إذا اتَّحَدَ المَجْلَسُ، وحكم بالتَّكْرارِ عند اخْتِلاَفِ المجلس، وَوَطِئَ أَحَدُ الشريكين الجَارِيَةَ المُشْتَرَكَةَ، وَوَطِئَ السَّيِّدُ المُكَاتَبَةُ مِرْاراً كَوَطَئاتِ جَارِيَةِ الابن، وإذا وجب مَهْرٌ واحد بِوَطَئاتٍ، فينظر إلى أعلى الأحْوَالِ، ويكون الوَاجِبُ مَهْرَ تلك الحالة؛ لأنه لو لم يُوجَدْ إلا الوَطْئَةُ الوَاقِعَةُ في تلك الحَالَةِ لَوَجَبَ ذلك المَهْرُ، فالوطئات البَاقِيَةُ إذا لم تَقْتَضِ زِيادَةً لا توجب نُقْصَاناً.
البَابُ الرَّابِعُ فِي التَّشْطِيرِ،
وَفِيهِ فُصُولٌ
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الأوَّلُ في مَحَلِّهِ وَحُكْمِهِ) وَنَقُولُ: ارتِفاعُ النِّكَاحِ قَبْلَ المَسِيسِ لاَ بِسَبَبِ مِنْ جِهَتِها يُوجِبُ تَشْطِيرَ الصَّدَاقِ الثَّابِتِ، بِتَسْمِيَةِ مَقْرُونَةٍ بِالعَقْدِ صَحِيحَةٍ أَوْ فاسِدَةٍ أَوْ بِفَرْضٍ صَحِيحٍ بَعْدَ العَقْدِ كَمَا فِي المُفَوَّضَةِ، وَيسْتَوي فِيهِ كُلُّ فِرَاقٍ، وإنَّمَا يَسْقُطُ جَمِيعُ المَهْرِ قَبْلَ المَسِيسِ بِفَسْخِهَا بِعَيْبِهِ أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الطلاق قبل الدُّخُول يوجب تَشْطِيرَ الصَّدَاقَ بين الزَّوْجَيْنِ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] ووجه ذلك من جِهَةِ المعنى؛ بأن ارْتِفاعَ العَقْدِ قبل تَسْلِيم المعقود عليه، يُسْقِطُ جميع العِوَضِ، كما في البيع والإِجَارَةِ، إلا أَنَّا قُلْنا بِسُقُوطَ البَعْضِ، دون البعض لتقريبين:
أحدهما: أن الزَّوْجَةَ كالمُسلمة إلى الزوج بنفس العَقْدِ؛ لأن التَّصَرُّفَاتِ التي يَمْلِكُها الزوج تَنْفُذُ من وقت النِّكَاحِ، ولا تَتَوَقَّفُ على القَبْضِ، فمن حيث إنه نَفَذَتِ التَّصَرّفاتُ اسْتَقَرَّ بعض العِوَضِ، ومن حيث إنه لم يتَّصِلْ بالمقصود سَقَطَ بَعْضُهُ.
والثاني: أنا لو حَكَمْنا بِسُقُوط جَمِيعِ المَهْرِ لاحْتَجْنا إلى إِيجَابِ شيء لِلْمُتْعَةِ، فكان إِبْقَاءُ شيء مما هو واجب أَوْلَى من إِثْبَاتِ ما ليس بِواجِبٍ.
وإذا عرفت ذلك فَاعْلَمْ أن كَلاَمَ الباب مُرَتَّبٌ على فصول:
أحدها: في موضع التَّشْطِيرِ، وكيفيته، أما المَوْضِعُ ففيه مسألتان:
إحداهما: الخُلْعُ كالطَّلاَقِ في اقْتِفَاءِ التَّشْطِيرِ؛ لأن الخُلْعَ، وإن كان يَتِمُّ بها فالمْغَلَّبُ فيه جَانِبُ الزوج؛ لأن المَقْصُودَ الأَصْلِيَّ منه الفِرَاقُ، وهو مستقلٌّ به، ولأنه يَتَمَكَّنُ من الخُلْع مع الأجنبي، وكذلك يَتَشَطَّرُ المَهْرُ لو فُوِّضَ إليها، فَطَلَّقَتْ نفسها، أو عَلَّقَ طَلاَقَهَا على دخولها، فدخلت، أو طَلَّقَهَا بعد انْقِضَاءِ مدة الإِيلاَءِ بطلبها، وكذلك
يتَشَطَّرُ المَهْرُ بكل فُرْقَةٍ حصلت قبل الدُّخُولِ، لا بسبب من جِهَةِ المَرْأَةِ، كما إذا أَسْلَمَ الرجل، أو ارْتَدَّ، أو أرضعت أم الزوجة الزَّوْجَ وهو صَغيرٌ، أو أم الزوج، أوأبنته الزوجة، وهي صَغِيرَةٌ أو وَطِئَهَا ابْنُ الزوج، أو أبوه بِشُبْهَةٍ، وهي تَظُنُّهُ زَوْجاً لها، أو قَذَفَ الزوجة ولاَعَنَها 1، فأما إذا كان الفِرَاقُ منها أو بِسَبَبٍ فيها، كما إذا أَسْلَمَتْ أو ارْتَدَّتْ، أو فَسَخَتِ النِّكَاحَ بِخِيارِ العِتْقِ، أو بِعَيْبٍ في الزوج، أو كانت تحته صَغِيرَةً فأرضعتها، وصارت أُم زوجته، أو فسخ الزَّوْجُ النِّكَاحَ بِعَيْبِها، فيسقط جَمِيعُ المَهْرِ على ما مَرَّ وانفساخ النكاح بشراء الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا، يسقط جَمِيعُ المَهْرِ، على الأَصَحِّ وشراء
الزوج زَوْجَتَهُ يوجب التَّشْطِيرَ على الاصَحِّ 1.
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لو طَلَّقَ المُفَوِّضَةَ قبل الدُّخُولِ والفرض، فالقول في التَّشْطِيرِ قد سَلَفَ وأما غير المُفَوِّضَةِ، فكل صَداقٍ وَاجبٍ، وَرَدَ عليه الطَّلاَقُ قبل الدخول شَطَّرَهُ سواء فيه المُسَمَّى الصَّحِيحُ في العقد، والمفروض بعده، ومهر المِثْلِ إذا جَرَتْ تَسْمِيَةٌ فاسِدَةٌ في العقد؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] والفرض في التقدير، وكُلُّ واحد من المُسَمَّى في العَقْدِ وبعده مَفْرُوضٌ مُقَدَّرٌ، فَيَدْخُلُ تحت الآية إذا كانت التَّسْمِيَةُ الفَاسِدَةُ توجب مَهْرَ المِثْلِ كانت كالتقدير بِمَهْرِ المِثْلِ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا يشطر المَفْرُوض بعد العَقْدِ، ولا مَهْرُ المِثْلِ الوَاجِبُ بالتسمية الفاسدة.
وقوله في الكتاب: "ارتفاع النِّكَاح" يدخل فيه الطَّلاَقُ، وسَائِرُ وُجُوهِ الفِرَاقِ.
وقوله: "وَيَسْتَوِي فيه كُلُّ فراق" كالإِيضَاحِ، وإلا ففي قوله: "ارتفاع النِّكَاحِ" إلى آخره ما يُفِيدُ المَقْصُودَ، وقوله: "وإنما يَسْقُطُ جَمِيعُ المَهُرِ إلى آخره" هذا مذكور مِثَالاً لارْتِفاعِ النِّكَاحِ، بسبب من جِهَتِهَا، وليس الغَرَضُ حَصْرَ السُّقُوطِ فيه، بل الفَسْخُ بالعِتْقِ في معناه، وكذلك شِرَاؤُهَا الزَّوْجَ على الأَصَحِّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَعْنَى التَّشْطِيرِ أنْ يَرْجِعَ المِلْكُ فِي شَطْرِ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الطَّلاَقِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ خِيَارُ الرُّجُوعِ في النِّصْفِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَها عَلَى كَمَالِ المَهْرِ سَلَّمَ لَهَا وَكأَنهُ رَضِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ، وَلَوْ قَالَ: أَسْقَطْتُ خِيَاري فَيُحْتَمَلُ أنْ لا يَسْقُطَ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ في الهِبَةِ (فَرْعُ): لَوْ تَلِفَ الصَّدَاقُ فِي يَدِهَا بَعْدَ الانْقِلاَبِ إِلَيهِ فَفِي الضَّمَانِ عَلَيْها وَجْهَانِ: لأَنَّهُ مِنْ وَجْه كالمَبيعِ، وَمِنْ وجْهٍ كالمَوْهُوبِ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَلَوْ تَلِفَ في يَدِها بَعْدَ رُجُوعِ الكُلِّ بِالفَسْخِ فَهُوَ مَضْمُونٌ لأَنَّ ذَلِكَ بِحُكْمِ تَرَادِّ الْعِوَضَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اعلم أن الفَصْلَ الأَوَّلَ من الباب معْقُودٌ لبيان جملتين:
إحداها: مَحَلُّ التَّشْطِيرِ، وقد تَقَدَّمَتْ.
والثانية: تَرْجَمَها بِحُكمِ التَّشْطِيرِ، ولو ترجمها بكيفية التَّشْطِيرِ، لكان أَلْيَقَ، وذلك لأن في كَيْفِيَّةِ التَّشَطُّرِ بالطَّلاَقِ وجهين معروفين للأصحاب:
أصحهما: أنه يَعُودِ نِصْفُ الصَّدَاقِ إليه 1 بنفس الطَّلاَقِ؛ لقوله تعالى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] أي: فلكم نِصْفُ ما فَرَضْتُمْ، فهو كقوله تعالى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] ولأن ما يؤثِّرُ في كُلَّ الصَّدَاقِ كالرِّدَّةِ والفسخ بالعِتْقِ والعيب يُؤَثِّرُ بنفسه، ولا يَتَعلَّقُ بالاختيار فكذلك ما يُؤَثِّرُ في النصف.
والثاني: وبه قال أبو إِسْحَاقَ وفي بعض الشُّرُوح نسْبَتُهُ إلى ابن سُرَيْجٍ أيضًا: أن الطلاق يُثْبِتُ له خِيَارَ الرجوع في النِّصْفِ، فإن شاء تَمَلَّكَهُ، وإلا تَرَكَهُ، كالشَّفِيع تثبت له حَقّ الشُّفْعَةِ بِالشِّرَاءِ، ولا يُشْتَرَطُ لرجوع النصف قَضَاءُ القاضي بأنه له على ظَاهِرِ المَذْهَبِ.
وفي "المختصر" لفظة مُشْكِلَةٌ تُشعر باشتراطه، وذكر العبادي أن أَبَا الفَضْلِ القَاشَانِيَّ الزَّاهِدَ حكاه قَوْلاً عن القديم، ومنهم من حَكَى الاشْتِراطَ وَجْهاً، وامتنع المُعْظَمُ من إِثْباتِهِ قولاً، أو وجهًا وقَطَعُوا بالأَوَّلِ، وأَوَّلُوا تلك اللَّفْظَةَ، فإذا قلنا: إنه يَثْبُتُ الخِيَارُ، ويحصل المِلْكُ بالاختيار، فلو أنه طَلَّقَها على أن يُسَلِّمَ لها كُلَّ الصَّدَاقِ، فهذا إعراض منه عن المَهْرِ، ورضا بسقوط حَقِّهِ، فيسلم لها جَمِيعَهُ، وعلى الوجه الأصح يَتَشَطَّرُ المَهْرُ وِيلْغُو فيه ما ذَكَرَهُ، كما لو أعْتَقَ، ونَفَى الوَلاَءَ، ولو طَلَّقَ، ثم قال: أسْقَطتُ خِيَاري، تَفْرِيعاً على أن الطَّلاَقَ يُثْبِتُ الخِيَارَ، فقد أشار صاحب الكتاب فيه إلى احْتِمَالَيْنِ:
أحدهما: أنه يسقط، كما أن الخِيارَ في البَيْعِ يسقط بالإِسْقَاطِ.
وأَرجَحُهُمَا: أنه لا يسقط، كما لو أسْقَطَ الوَاهِبُ خِيَارَ الرجوع، لا يسقط، ولم يَجْرِ هذا التَّرَدُّدُ فيما إذا طَلَّقَهَا، على أن يُسَلِّمَ لها كُلَّ الصَّدَاقِ؛ تفريعاً على القول بِثْبُوتِ الخِيَارِ، ويجوز أن يسوى بين الصورتين.
ولو حَدَثَتْ زَيَادَةٌ في الصَّدَاقِ بعد الطَّلاَقِ، فعلى الوجه الأول نصفها للزوج 2، وعلى الوجه الآخر إذا حَدَثَتْ قبل اخْتِيَارِ التَّمَلُّك، فالكل للِزَّوْجَةِ، كما لو حَدَثَتْ قبل الطَّلاَقِ، هذا إذا كانت الزِّيَادَةُ مِنْفَصِلَةً، فإن كانت مُتَّصِلَةً، فإن قلنا: يملك النِّصْفَ بنفس الطَّلاَقِ، فالنِّصْفُ مع الزِّيَادَةِ، وإن قلنا: لا يملك إلا بالاخْتِيَارِ فوجهان:
أحدهما: أنه يمنع الرُّجُوعِ, إلاَّ برضا المَرْأَةِ، كالزيادة المتَّصِلَةِ الحادثة، قبل الطلاق.
وأشبههما: أن له أنْ يَرْجِعَ فيه من غير رِضَاهَا؛ لأن هذه زِيَادَةٌ حدثت بعد تَعَلُّقِ حق الزوج به، فصار كثمر الأَشْجَارِ في الشَّقْصِ المَشْفُوعِ بعد البيع، وقبل علم الشفيع، فإن هذه الزِّيادَةَ لا تمنع الأَخْذَ.
وإن حدث فيه نُقْصَانٌ، فإن قلنا: إنه يملك النِّصْفَ بالاخْتِيارِ، فإن شاء أَخَذَ نِصْفَهُ نَاقِصًا، ولا أَرْشَ له، وإن شاءَ تَرَكَهُ، وأخذ بنصف قِيمَتِهِ صَحِيحًا، كما لو حدث قبل الطَّلاَقِ.
وإن قلنا: يَمْلِكُ بنفس الطَّلاَقِ، فإن وجد منها تَعَدَّ، بأن طَالَبَهَا برَدَّ النِّصْفِ بالنصف، فامْتَنَعَتْ، فله النِّصْفُ مع أَرْشِ النقصان، وإن تَلِفَ الكُلُّ، والحاله هذه، فعليها الضَّمَانُ، وإن لم يوجد تَعَدٍّ, فظاهر النَّصِّ أنها تُغَرَّمُ أَرْشَ النُّقْصَانِ إذا نَقَصَ، وجميع البَدَلِ، إذا تَلِفَ؛ لأن القَبْضَ كان عند مُعَاوَضَةٍ، وإذا ارْتَفَعَتِ المُعَاوَضَةُ، كان المَقْبُوضُ مَضْمُونًا عليها، كما إذا بقي المَبِيعُ يَدِ المُشْتَرِي بعد الإِقَالَةِ بهذا، أخذ أصْحَابُنَا العراقيون، وتابعهم القاضي الرُّويَانِيُّ، وربما نَفَوْا الخِلاَفَ فيه.
وفي "الأم" نصٌّ يُشْعِرُ بأنه لا ضَمَانَ عليه؛ لأن عَوْدَ الصَّدَاقِ إلى الزَّوْجِ ليس على طَرِيقِ الفُسُوخ؛ إذا لو كان كذلك لَعادَ إليه الكُلُّ، كما في البَيْع والإِجَارَةِ، ولكنه ابتداء مِلْكِ حَصَلَ للزوج، والمَمْلُوكُ في يَدِهَا، بلا تَعَدَّ، فيكون أَمانَةً، وبهذا أجاب المَرَاوِزَةُ، فإن قلنا بالأَوَّلِ، فلو قال الزوج: حَدَثَ النُّقْصَانُ بعد الطلاق، فعليك الضَّمَانُ، وقالت: بل قَبْلَهُ، ولا ضَمَانَ، فالقول قولها؛ لأن الأَصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ، أو قوله: لأن الأصْلَ عدَمُ النَّقْصِ حينئذٍ.
وحكى صاحب "التَّتمة" فيه وجهين:
والأول: هو الَّذِي أَوْرَدَهُ الشيخ أبو حَامِدٍ، وابن الصَّبَّاغِ، ولو رجع كُلُّ الصَّدَاقِ إلى الزوج بالفَسْخٍ بالعَيْبِ، أو بأن ارْتَدَّتْ، وتَلِفَ في يدها، فهو مَضْمُونٌ عليها؛ لأن سَبِيلَهُ سَبِيل البَيْعِ يَنْفَسِخُ بإِقَاَلَةٍ، أو ردٍّ بِعَيْبٍ، فيكون العِوَضُ مَضْمُوناً على مَنْ هو في يَدِهِ.
قال الإِمام: وحُكْمُ النِّصْفِ في صورة رِدَّةِ الرجل حُكْمُهُ عند الطَّلاَقِ؛ لأن ارْتِدَادَهُ إليه ليس على سَبِيلِ الفُسُوخِ؛ إذ لو كان كذلك لارْتَدَّ الكُلُّ.
وقوله في الكتاب: "بِمُجَرِّدِ الطَّلاَقِ" يجوز إِعْلاَمُهُ بالحاء؛ لما يُرْوَى عن أبي حَنِيْفَةَ أنه يُمَلِّكُ بالاختيار، وقوله: "لأنه من وجْهٍ كالمبيع" يعني إذا تَلِفَ في يَدِ المُشْتَرِي بعد الإِقَالَةِ أوردّ الحوض بالعَيْبِ، ووجه الشَّبَهِ أنه انْتَقَلَ إليها في مُعَاوَضَةِ، فيرجع لارْتِفَاعِ المُعَاوَضَةِ، وقوله: "ومن وَجْهٍ كالمَوْهُوبِ بعد الرُّجُوعِ" وجه الشبه أن عَوْدَ النِّصْفِ ليس على سَبِيلِ الفُسُوخِ، وإِما هو مِلْكٌ مُبْتَدَأٌ، كالمِلْكِ في المَوْهُوبِ، إذا رجع
فيه، ويمكن أن يُشْبِهَ بالموهوب من جِهَةِ تَغْلِيب معنى النِّحْلَةِ في الصَّدَاقِ.
" فَرْعٌ"
حكى الإِمَامُ تَفْرِيعاً على أن الزَّوْجَ يُمَلَّكُ بالاخْتِيَارِ وجهين، في أن الزَّوْجَةَ، هل تَمْلِكُ التَّصَرُّفَ قبل الاخْتِيَارِ، قال: والقياس أنها تملكه كما قَبْلَ الطَّلاَقِ، وكما أن المتَّهِبَ يَتَمَكَّنُ من التَّصَرُّفَاتِ قبيل رُجُوعِ الوَاهِبِ.
آخر: إذا كان الصَّدَاقُ دَيْناً سَقَطَ نِصْفَهُ بمُجَرَّدِ الطَّلاَقِ، على الأصَحِّ وعند الاختيار على الوَجْهِ الثَّانِي، ولو كان قد أدَّى الدَّيْنَ والمؤدي باقٍ، فهل لها أن تُؤَدِّيَ قَدْرَ النِّصْفِ من موضع آخر؛ لأن العَقْدَ لم يَتَعلَّق بِعَيْنِهِ، أم يتعين حقه فيه لِتعَيُّنِهِ بالدَّفْعِ والتسليم فيه وجهان، أَقْرَبُهُمَا الثاني.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في التَّغْيِراتِ قَبْلَ الطَّلاَقِ) وَذَلِكَ إِمَّا بِزِيادَةٍ مَحْضَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ مَحْضٍ أَوْ زِيَادَةٍ مِنْ وَجْهٍ ونُقْصَانٍ مِنْ وَجْهٍ (أمَّا النُّقْصَانُ) كَالتَّعَيُّبِ في يَدِهَا فَيَثْبُتُ لَهُ الخِيَارُ إنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى قِيمَةِ النِّصْفِ السَّلِيمِ، وإنْ شَاءَ قَنِعَ بِنِصْفِ المَعِيبِ مِنْ غَيْرِ أَرْشٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّ لَهُ الأَرْشَ، وإنْ تَعَيَّبَ في يَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ إِلاَّ نِصْفُ المُعَيَّبِ؛ لأَنَّهُ نَقْصٌ مِنْ ضَمَانِهِ إِلاَّ أنْ يَكُونَ بِجِنَايَةِ جَانٍ فالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ نِصْفَ الأرْشِ، أمَّا الزِّيَادَةُ إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً سُلَّمَتْ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً امْتَنَعَ رُجُوعُهُ إِلاَّ بِرِضَاهَا، فَإِنْ أعبَتْ غُرِّمَتْ قِيمَةَ الشَّطْرِ، وَإنْ سَمَحَتْ أُجْبِرَ (و) عَلَى القَبْولِ.
قَالَ الرافِعيُّ: إذا أصْدَقَ امْرَأتَهُ عَيْناً، وطَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، فتلك العَيْنُ عند الطَّلاَقِ، إما أن تكون تَالِفَةً، أو باقِيَةً.
إن كانت تالِفَةً فالزَّوْجُ يَرْجِعُ إلى نِصْفِ مِثْلِهَا، إن كانت مِثْلِيَّةً، ونصف قيمتها إن كانت متَقوِّمَةً.
وإن كانت بَاقِيَةً، فإن لم يَحْدُثْ فيها تَغَيُّرٌ رجع إلى نِصْفِ العَيْنِ، كما سَبَقَ، وإن حدث تَغَيُّرٌ، وهو مَقْصُودُ الفَصْلِ وترجمته، فذلك التَّغَيُّرُ إما أن يَكُونَ بِنُقْصَانٍ مَحْضٍ، أو بزيادة مَحْضَةٍ، أو بهما، فهذه ثلاثة أقسام:
الأول: النُّقْصَانُ المَحْضُ، وهو إما نُقْصَانُ صِفَةٍ، أو نقصان جزء.
النوع الأول: نقْصَانُ الصِّفَةِ: كالتَّعَيُّبِ بالعَمَى، والعَوَرِ، ونِسْيَان الحِرْفَةِ، ينظر إن حدث في يَدِها، فالزَّوْجُ بالخيار، إن شاء رَجَعَ إلى نِصْفِ قِيمَةِ الصَّدَاقِ سَلِيمًا وأَعْرَضَ عن عَيْبِهِ، وإن شاء قَنِعَ بنصف النَّاقِصِ، ولا أرْشَ له، كما إذا تَعَيَّبَ المَبِيعُ في يد البائع، يَتَخَيَّرُ المُشْتَرِي بين أن يَفْسَخَ المبيع، ويُسْتَرِدَّ الثمن، وبين أن يَقْنَعَ بالمَعِيب، ولا أَرْشَ له، وليس ما نحن فيه، كما إذا نَقَصَ الصَّدَاقُ في يَدِ الزَّوْجِ، وأجازت
الزَّوْجَةُ، فإنها تُغَرِّمُهُ الأَرْشَ، على قول ضَمَانِ اليَدِ، وذلك لأن الصَّدَاقَ في يَدِهِ ملك لها، وهو مَضْمُونٌ عليه، فجاز تَضْمِينُهُ الأَرْشَ، وههنا الصَّدَاقُ ملكها في يَدِهَا، فكيف يضمنها أَرْش النُّقْصَانِ، هذا ما يوجد للأصحاب في المَسْأَلَةِ قال الإِمام: ويُحْتَمَلُ أن يقال: عليها الأرْشُ؛ لأنه لو تَلِفَ في يدها لَرَجَعَ الزَّوْجُ إلى نِصْفِ القيمة، ومن يغرم القيمة عند التَّلَفِ، لا يبعد أن يُغَرَّمَ الأَرْشَ، عند النقصان، وكون النقصان في مِلْكِهَا يجوز ألا يمنع التَّغْرِيمَ عند الرجوع، ألا تَرَى أنه إذا اشْتَرَى عَبْداً بِجَارِيَةٍ، وتَقَابَضَا، ثم وجد مُشْتَرِي العَبْدِ بالعبد عَيْبًا فَرَدَّهُ، وبالجارية عَيْبٌ حَادِثٌ.
فإنه يَسْتَرِدُّهَا مع الأرْشِ، على رَأْيٍ.
وإن كان النُّقْصَانُ حَادِثاً في مِلْكِهِ ويده، وأقام صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" هذا الاحْتِمالَ وَجْهاً، وذكره مع ظَاهِرِ المَذْهَبِ.
وإن حدث النُّقْصَانُ في يَدِهِ، قبل أن تقبض المَرْأَةُ، فأجازت فله عند الطَّلاَقِ نِصْفُهُ ناقصاً، وليس له الخِيَارُ، ولا طلب الأرش، فإنه نقص وهو من ضَمَانِهِ، نعم لو حَدَثَ النّقْصانُ بِجِنَايَةِ جَانٍ، وأخذت منه الأَرْشَ فوجهان:
أصحهما: أنه يرجع إلى نِصْفِ الأَرْشِ مع نِصْفِ العَيْنِ؛ لأن الأرْشَ بَدَلُ الفَائِتِ، ولو بقي الصَّدَاقُ بحاله، لأخذَ نِصْفَهُ.
والثانيِ: أنه لا شَيْءَ له من الأَرْشِ؛ لأن الفَوَاتَ كان من ضَمَانِ الزَّوْجِ، وهي أخذت الأَرْش بِحَقِّ الملك، فلا يعتبر في حَقِّهِ، ويجعل ما أخذته كزيادة مُنْفَصِلَةٍ.
النوع الثاني: نُقْصَانُ الجزء، كما إذا أَصْدَقَها عَبْدَيْنِ، وقبضتهما، فَتَلِفَ أحدهما في يدها، ثم طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، قال في "التهذيب"؛ فيه قولان:
أصحهما: أن الزَّوْجَ يرجع إلى نِصْفِ الباقي، ونِصْفِ قِيمَةِ التَّالِفِ.
والثاني: أنه يَأْخُذُ الباقي بِحَقِّهِ، إن اسْتَوَتْ قيمتهما.
وقول ثالث: وهو أنه يَتَخَيَّرُ بين أن يَأْخُذَ نِصْفَ الباقي، ونصْفَ قيمة التَّالِفِ، وبين أن يأخذ نِصْفَ قيمة العبدين، وَيتْرُكَ الباقي.
" القِسْمُ الثَّانِي: الزِّيَادَةُ المَحْضَةُ"
وهي إما مُنْفَصِلَةْ كالوَلَدٍ واللَّبَنِ والكَسْب، فيسلم للمرأة، سواء حَصَلَتْ في يَدِهَا، أو في يَدِ الزَّوْجِ، ويَخْتَصُّ الرجوع بنصف الأصْلِ 1.
وعن أبي حنيفة: أن الزِّيَادَةَ إن حَدَثَتْ قبل تَسْلِيم الصَّدَاقِ إليها، رجع الزَّوْجُ في نِصْفِ الأصْلِ، ونصف الزيادة، وإن حَدَثَتْ بعد التسليم، فينظر إن لم تَحْدُثِ الزِّيَادَةُ في العَيْنِ، كالكَسْب والولد، فيسلِّم لها، وَيَخْتَصُّ الرُّجُوعُ بنصف الأَصْلِ، وإن حَدَثَتْ في العَيْنِ منعت الرَجوع إلى عَيْنِ الصَّدَاقِ، كما ذَكَرَهُ في الرَّدِّ بالعَيْبِ، ثم في "الشامل" و"التتمة" أن الذي قُلْنا: إن الوَلَدَ يبقى لها، ويرجع الزَّوْجُ بِنصْفِ الأَصْلِ مفروض في غير الجَوَارِي، وأما في الجَوَارِي، فليس له الرُّجُوعُ في نصف الأم؛ لأنه يَتَضَمَّنُ التَّفْرِيقَ بين الأم والولد في بعض الزَّمَانِ، لكنه يرجع إلى القِيمَةِ، فإن ساعدته المَرْأَةُ وَرَضِيَتْ برجوعه إلى نِصْفِ الأم، فهو كالتَّفْرِيقِ بين الولد والأُمِّ بالبيع.
وإن كانت الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كالسِّمَنِ، وتَعلَّم القرآنِ، والحِرْفَةِ، فلا يَسْتَقِلُّ الزوج بالرجوع إلى عَيْنِ الصَّدَاقِ، ولكن الخيار لها 1، فإن أَبَتْ لم تُجْبَرْ عليه، ويرجع الزَّوْجُ إلى نِصْفِ القيمة من غير تلك الزيادة، وإن سمحت أُجْبِرَ على القَبُولِ، ولم يكن له طَلَبُ القِيمَةِ.
وفي "المجرد" للحناطي وجه: أنه لا يُجْبَرُ على القَبُولِ؛ لما فيه من المِنَّةِ، والظَّاهِرُ الأول، والزِّيَادَةُ المُتَّصِلَةُ لا تفرد بالتصرف، بل هي تَابِعَةٌ فلا تَعْظُمُ فيها المِنَّةُ.
قال الأصحاب: ولا تَمْنَعُ الزِّيَادَةُ المتصلة الاسْتِقْلاَلَ بالرجوع، إلا في هذا الموضع، فأما في سَائِرِ الأُصُولِ، فإنها لا تمنع، كما إذا أَفْلَسَ المشتري بالثَّمَنِ يرجع البَائِعُ في المبيع، مع الزِّيَادَةِ المتصلة، وكذا الوَاهِبُ يرجع في المَوْهُوبِ مع الزيادة المُتَّصِلَة، والمشتري إذا ردَّ المَبِيعَ بالعيب، يرجع في العِوَضِ مع الزيادة المُتَّصِلَةِ، فهؤلاء يستقلون بالرجوع معها، وفَرَّقُوا بأن المِلْكَ في هذه المَسَائِلِ يَرْجِعُ بطريق الفَسْخ، والفسخ إما أن يَرْفَعَ العَقْدَ من أصْلِهِ، أو لا يرفع، إن رفعه، فكأنه لا عَقْدَ، وحدثَت الزِّيَادَةُ على مِلْكِ الأَوَّلِ، وإن لم يَرْفَعْهُ، فالفُسُوخُ مَحْمُولَةٌ على العُقُودِ، ومشبهة بها، والزيادة تَتْبَعُ الأصْلَ في العقود، فكذلك في الفُسُوخَ، وعَوْدُ المِلْكِ في الشَّطْرِ بالطلاق، ليس على سَبِيل الفُسُوخ، ألا ترى أنه لو سَلَّمَ العَبْدُ الصَّدَاقَ من كَسْبِهِ، ثم عتق، وطلق قبل الدخول يكون الشَّطرُ له لا للسَّيِّدِ، ولو كان سَبِيلُهُ سَبِيلَ الفسوخ، لَعادَ إلى الذي خرج عن مِلْكِهِ، وإنما هو ابْتَداءُ مِلْكٍ، يثبت فيما فرض صَداقًا لها، قال الله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] وليس الزِّيَادَةُ الحَادِثَةُ مما فرض، فلا يعود إليه شَيْءٌ منها، وفرق أبو إسْحَاقَ بين الصُّورَةِ التي نحن فيها، وبين صورة إِفْلاَسِ المُشْتَرِي أن هناك لو مَنَعْنَاهُ من الرُّجُوعِ إلى العَيْنِ، لم يتم له الثَّمَنُ لِمُزاحَمَةِ الغُرَمَاءِ،
وههنا لو لم يَرْجِعْ إلى العَيْنِ لسلم له القِيمَة بتمامها، فلا يَلْحَقُهُ كبير ضَرَرٍ، حتى لو كانت مُفْلِسَة مَحْجُوراً عليها عند الطلاق، ولو تَرَكَ العَيْنَ، لاحتاج إلى المُضَارَبَةِ، قال يرجع في العَيْنِ مع الزِّيَادَةِ، ولا يحتاج إلى رِضَاهَا، وعَوَّلَ الأكثرون على الفَرْقِ الأول، وأبوا اسْتِقَلاَلَهُ بالرجوع، وإن كانت مَحْجُورًا عليها، واعتبروا في الرُّجُوعِ حينئذٍ رِضَاهَا، ورضا الغُرَمَاءِ.
وحكى الإِمام وجهًا أن كونها مَحْجُورًا عليها يمنع الرُّجُوعَ، وإن لم يكن زِيادَةٌ لتعلق حَقِّ الغُرَماَءِ به قبل ثُبُوتِ حق الرجوع له، وحكم الزوائد المُنْفَصِلَةِ والمتصلة فيما سوى الطَّلاَقِ -من الأَسباب المشطرة- حُكْمُهَا في الطَّلاَقِ.
وما يوجب عَوْدَ جميع الصَّدَاقِ للزوج، ينظر فيه إن كان سَبَبُهُ عارضاً، كالرّضَاع والرِّدَّةِ من الزوجة، فكذلك [الحكم] 1 وفي ردَّتِها وجْهٌ: أن الزَّوْجَ يَسْتَقِلُّ بِأَخْذِ الصَّدَاقِ بالزوائد المُتَّصِلَةِ، ويجعل تسببها إلى قَطْعِ النكاح قَاطِعاً لِحَقَّهَا عن الزِّيَادَةِ، وإن كان السبب مُقَارِنًا لَفَسْخِهِ بِعَيْبِهَا، أو فَسْخِهِ بِعَيْبِهِ، فالجواب المَشْهُورُ أن الصَّدَاقَ يَعُودُ بزيادته إلى الزوج، ولا حَاجَةَ إلى رِضَاهَا، كما في فَسْخُ البيع بالعيب، وبناه في "التتمة" على أنَّ الفَسْخَ إذا اتَّفق بعد الدخول، هل يُسَلّمُ لها المسمى إن قلنا: نعمِ، فهو كما لو كان السَّبَبُ عِارضاً، وإن قُلْنَا بوجوب مَهْرِ المِثْلِ، فقد حكى خِلاَفاً في أنَّا هل نسند الفَسْخَ إلى وَقْتِ العقد، ونقول بارتفاع العَقْدِ من أَصْلِهِ أم لا؟.
إن قلنا: لا، فالحُكْمُ على ما ذكرنا، وإن قلنا: نعم، فيعود الصَّدَاقُ إليه بزِيَادَتِهِ بِزَوَائِدِهِ المُتَّصِلَةِ والمنفصلة.
وقوله في الكتاب: "إن شاء رَجَعَ إلى قِيمَةِ النِّصْفِ السليم" في هذه اللفظة شيء، والعِبارَةُ القَوِيمَةُ أن يقال: "إلى نصف قِيمَةِ السَّليم" وفرق بين نِصْفِ قيمة الكُلِّ وبين قِيمَةِ نِصْفِ الكل، فإنا إذا قَوَّمْنَا النِّصْفَ، نظرنا إلى جُزْءٍ من الجملة، وذلك مما يُوجِبُ النُّقْصَانَ، فإن التَّشْقِيصَ عَيْبٌ، وَيجْرِي هذا الكَلاَمُ في قوله: "فإن أَبَتْ غُرِّمَتْ قيمة الشطر" والأولى أن يقال: شَطْرُ القيمة.
وقوله: "أجبر على القَبُولِ" يجوز أن يُعلَّمَ بالواو؛ لما ذكرناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا زَادَ مِنْ وَجْهٍ وَنَقَصَ مِنْ وَجْهٍ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الخِيَارُ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ عَبْدًا صَغِيرًا فَكَبِرَ فَنْقْصَانُهُ زَوَالُ الطَّرَاوَةِ، أَوْ شَجَرَةً فأَرْقَلَتْ وَنَقَصَتِ الثَّمَرة، وَلا يُشْتَرَطَ فِي الزِّيَادَةُ القِيمَةِ بَلْ مَا فِيْهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ يُثْبِتُ الخِيَارَ، وَالحَمْلُ فِي
الجَارِيَةِ زِيَادَةٌ مِنْ وجْهٍ وَنُقْصَانٌ مِنْ وَجْهٍ، وَفِي البَهِيمَةِ زِيَادَةَ مُحَضَةٌ إِلاَّ إِذَا أَثَّرَ فِي إِفْسَادِ اللَّحْمِ، والزِّرَاعَةُ نُقْصَانٌ مَحْضٌ لِلأَرْضِ إِذ الزَّرْعُ يَبْقَى لَهَا، والغِرَاسُ كَذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثالث إذا تغير الصَّدَاقُ بالزِّيَادَةِ والنقصان جَمِيعاً، إما بَسَبَب واحد، كما إذا أصْدَقَهَا عَبْداً صغيراً، فكبر، فإنه نُقْصَانٌ من جِهَةِ نَقْصِ القيمة، ومن جهة أن الصَّغِيرَ يصلح لِلْقُرْبِ من الحُرَم، وإنه أَبْعَدُ عن الغَوَائِلِ، وأَشد تَأَثُّرًا بالتَّأْدِيبِ والرِّيَاضَةِ، وزيادة من جهةَ أنه أَقْوَى علَى الشَّدَائِدِ والأَسْفَارِ، وأحْفظ لما يستحفظ، وكما إذا أَصْدَقَهَا شَجَرَةً فأرفلت وصَارَتْ وذلك بأن يَقِلَّ ثَمَرُهَا لِطُولِ المُدَّةِ، فذلك نُقْصَانٌ من جهة نُقْصَانِ الثمرة، وزيادة من جِهَةِ زَيادَةِ الحَطَبِ، وأما بسببين، كما إذا أَصْدَقَهَا عَبْداً، فَتَعَلَّمَ القرآن، أو تعلم حِرْفَةً وأعور فلكل واحد منهما الخِيَارُ على مَعْنَى أن للِزَّوْجِ ألا يقبل العَيْنَ للنّقْصَانِ، ويعدل إلى نِصْفِ القِيمَةِ، وللزوجة أَلاَّ تَبْذُلَ العَبْدَ، وتعدل إلى بَدَلِ نِصْفِ القِيمَةِ، وإن اتَّفَقَا على الرُّجُوعِ جاز، ولا شيء لأحدهما على الآخر، وليس الاعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ القيمة، بل كُلُّ ما حدث وفيه مَنْفَعَةٌ وفائدة مقصودة، فهو زِيَادَةٌ من ذلك الوجه.
وإن [نقصت] 1 القيمة على ما بَيَّنَّا في كِبَرِ العَبْدِ الصغير, ثم الكَلاَمُ في صورتين:
إحداهما: أَصْدَقَهَا جَارِية حائِلاً، فَحَبِلَتْ في يدها، وطَلَّقَهَا قبل الدخول، فهي زَيادَةٌ من وَجْهٍ لِتَوَقُّع الولد، ونُقْصَانٌ من وجه للَضَّعْفِ في الحال، ولِلْخَطَرِ عند الوِلاَدَةِ، فإن لم يَتَّفقَا على الرجوع إلى نِصْفِ الجَارَيةِ، فالمَعْدُولُ إليه نِصْفُ قيمة الجارية، وليس لأحدهما إجْبارُ الآخر.
وحكَى أبُو عَبْدِ الله الحناطي وَجْهاً: أنه يُجْبَرُ الزوج إذا رَضِيَتْ هي بِرُجُوعِهِ إلى نصف قِيمَةِ الجَارِيَةِ، وهي حامل؛ بناءً على أن الحَمْلَ لا يُعْلَمُ، وقضية هذا أن تُجْبَرَ أيضًا إذ رَغِبَ الزَّوْجُ في الرجوع إلى نصفها حَامِلاً، وأما الحَمْلُ في البَهِيمَةِ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه زِيَادَةٌ مَحْضَةٌ؛ لأنه لا يُخَافُ عليها من الوِلاَدَةِ غالبًا.
وأظهرهما: أنه كما في الجَوَارِي زِيَادَةٌ من وجه، ونُقْصَانٌ من وجه، أما إذا كانت مَأْكُولَةً فلأن لَحْمَهَا لا يَطِيبُ؛ لأن الحَمْلَ ضَرْبُ مَرَضٍ، وأما إِذا لم تكن مَأْكُولَةَ، فلأنه لا يُحْمَلُ عليها مع الحَمْلِ، كما يحمل، ولا حَمْلَ.
وقوله في الكتاب: "إلا إذا أَثَّرَ في إِفْسَادِ اللَّحْمِ" أي: ما كانت مَأْكُولَةَ، وقضية إيراده الفَرْق بين أن تكون مَأْكُولَةً، فيكون الحَمْلُ فيها كَالحَمْلِ في الجَارِيَةِ، أو لا تكون مَأْكُولَةً، فيكون الحمل فيها زِيَادَةً مَحْضَةً، يوافق الوجه الذي ذكرنا أنه أَظْهَرُ في
الْمَأْكُولِ، ويخالفه في غير المَأْكُولِ ويجوز أن يُعَلَّمَ "المستثنى" و"المستثنى منه" بالواو.
الثانية: إذا أَصْدَقَها أرضاً فحرثتها المَرْأَةُ، فهي زيادة مَحْضَةٌ, إن كانت من الأَرَاضِي المُعَدَّةِ للزراعة، وإن كانت مُعَدَّةً للْعِمْارَةِ والبناء، فَنُقْصَانٌ مَحْضٌ وحينئذٍ لو أراد الزَّوْجُ الرُّجُوعَ إلى نِصْفِ عَيْنِها مُكِّنَ, وإن أَبَى رجع إلى نِصْفِ القيمة بلا حِرَاثَةٍ، وإن زَرَعْتَها المَرْأةُ، ثم طَلَّقَهَا، فالزِّرَاعَةُ نُقْصَانَ مَحْضٌ, لأنها تَسْتَوْفِي قُوَّةَ الأرض، ولأن الزَّرْعَ يبقى لها، وتَسْتَحِقُّ الإبْقَاءَ إلى الحَصَادِ، فتنصرف مَنْفَعَةُ المُدَّةِ إلى الزرع، فإن تَوافَقَا على الرُّجُوع إلى نصفَ العَيْنِ، وترك الزرع إلى الحَصَادِ، فذاك قال الإِمام وعليه إِبْقاؤُهُ بلا أُجْرَةٍ؛ لأنها زَرَعَتْ مِلْكَهَا الخَالِصَ، وإن رِغِبَ فيها الزوج، وامتنعت أُجْبِرَتْ عليه، وإن رَغِبَتْ هي، فله أن يمتنع، ويأخذ نِصْفَ قيمة الأَرْضِ، فإن قالت: خُذْ نِصْفَ الأرض، مع نصف الزرع، ففي إِجْبَارِهِ وجهان، كما سنذكرهما في الثِّمَارِ، مع النَّخِيلِ، هذا أحد الطريقين.
وثانيهما: القَطْعُ بالمنع؛ لأن الزَّرْعَ لا يَحْصُلُ من عين الأرض، وإنما يَحْصُلُ مما أَوْدَعَتْهُ فيها، فلا يَلْزَمُ قَبُولُهُ، بخلاف ثَمَرَةِ الشجرة، والظاهر المنع، وإن ثبت الخِلاَفُ، ولو طَلَّقَهَا بعد الحَصَادِ، وبقي في الأَرْضِ أَثَرُ العِمَارَةِ، وكانت تصلح لما لا تَصْلُحُ له قبل الزراعة فهي زيادة محض، فليس له الرجوع إلا بِرِضَاهِا، ولو أنها غَرَسَتْ في الأرْضِ المصدقة، فالحُكْمُ كما في الزَّرْع، لكن لو أَرَادَ أن يَرْجِعَ في نِصْفِ الأرض، ويترك الغَرْسَ، ففيه وجه أنه لا تُجْبَرُ المرَأَةُ عليه؛ لأن الغِرَاسَ للِتَّأبِيدِ، وفي إِبْقَائِهِ في مِلْكِ الغير ضَرَرٌ ولو طلقها، والأرْضُ مَزْرُوعَةٌ، أو مَغْرُوسَةٌ، فابتدرت إلى القَلْعِ، نُظِرَ إن بقي في الأرْضِ نُقْصَانٌ لضعفها بالزرع، والغَرْسِ، وهو الغالب، فالزوج على خِيَرَتِهِ وِإلاَّ انْحَصَرَ حَقُّهُ في الأرْضِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (فُرُوعٌ، الأَوَّلُ) لَو أَصْدَقَهَا نَخْلاً فَأثْمَرَث فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الجَدَادِ فَلَهَا الثِّمَارُ وَيعْسُرُ التَّشْطِيرُ إِلاَّ بِمُسَامَحَة أَوْ مُوَافَقَةٍ إِذْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُكَلِّفَهَا قَطْعَ الثِّمَارِ وَلاَ أَنْ يَسْقِيَ وَيَنْتَفِعَ بِنَصِيبِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ وَلاَ أَنْ يَتْرُكَ السَّقْيَ إِذْ يَتَضَرَّرُ ثَمَرُهَا، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُكَلِّفَهُ تَأْخِيرَ المِلْكِ إِلَى الجِدَادِ وَلاّ السَّقْيَ وَلا تَرْكَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أنْ يَرْجِعَ وَيَقُولَ: إلَيْكِ الخِيرَةُ في السَّقْيَ وَترْكِهِ وَأَنَا لا أَسْقِي؛ لأَنَّهَا تَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ السَّقْيِ وَلاَ يَلْزَمُهَا نَفْعُ شَجَرَةٍ بِالسَّقْي فَإِنْ سَامَحَ أَحَدُهُمَا والْتَزَمَ السَّقْيَ لَمْ يَلْزَمْهُ الإِجَابَةُ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّهُ وَعْدٌ فَرُبَّمَا لا يَفِي بِهِ، وَإِنْ وَهَبَتْ مِنْهُ نِصْفَ الثِّمَارِ يَلْزَمُهُ الَقبُولُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ وإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَّةٌ لِيَنْدَفِعَ العُسْرُ فَيَشْتَرِكَانِ في الجَمِيعِ، وَكَذا الخِلاَفُ فِيمَا لَوْ أصْدَقَهَا جَارَيةً فَوَلَدَتْ فَطَلَّقَها وَهُوَ رَضِيعٌ فَقَالَ: أَرْجِعُ اِلَى النِّصْفِ وَأرْضَى أَنْ تَبْقَى مُرْضِعَةً فَإِنَّ هَذَا
وَعْدٌ مَحْضٌ، فَإنْ تَرَاضَيَا عَلَى الرُّجُوعِ بِالنِّصْفِ ثُمَّ يَسْقِي مَنْ يَشَاءُ فَهُوَ تَوَاعُدٌ فَمَن وَعَدَ بالسَّقْيِ لَمْ يلْزَمْهُ, وَمَنْ رَضِيَ بِتَرْكِ السَّقْي يَلْزَمُهُ لأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أصْدَقَهَا نَخِيلاً حَوائِلَ، ثم طَلَّقَها قبل الدُّخُولِ، وهي مطلعة، لم يكن له أَخْذُ نِصْفِ الطَّلْعِ قَهْراً، ولا الرُّجُوعُ إلى العَيْنِ قَهْراً، فإن الطَّلْعَ كزيادة مُتَّصِلَةِ، فيمنع الرُّجُوع القَّهْري، فإن رَضِيَتِ المَرْأَةُ أن تأخذ نِصْفَ النَّخْل، مع نِصْفِ الطَّلْعِ أُجْبِرَ عليه، وليس له طَلَبُ نِصْفِ القِيمَةِ ومنهم من نَزَّلَ الطَّلْعِ مَنْزَلةَ الثَّمَرَةِ المُؤَبَّرَةِ، حتى يجيء في الإجْبَارِ الخِلاَفُ الذي نذكره في الإجْبَارِ على قَبُولِ الثمرة المُؤبَّرَةِ، وإن كانت عليها ثِمَارٌ مُؤَبَّرَةٌ عند الطَّلاَقِ، ففيه صور:
إحداها: ليس له أن يُكَلِّفَهَا قَطْعَ الثَّمَارِ، حتى يرجع إلى نصف الأَشْجَارِ؛ لأنها حَدَثَتْ في خَالِصِ مِلْكِهَا، فيتمكَّن من نَزْعِهَا، وإِبقائها إلى الجُذَاذِ، لكن لو بَادَرَتْ إلى قَطْعِهَا، أو قالت: اقطعها لترجع، فليس لِلزَّوج غير الرجوع إلى نِصْفِ الأشجار، إذا لم يَمْتَدَّ زمان القَطْعِ، ولم يحدث بالقَطْعِ نُقْصَانٌ في الأشجار لانْكِسَارِ السَّعَفِ والأَغْصَانِ.
والثانية: إذا أراد أن يرْجِعَ في نِصْفِ النَّخِيلِ، ويترك الثِّمَارَ إلى الجُذَاذِ، وَأَبَتِ المَرْأَةُ، ففيه وجهان:
أحدهما: أنها لا تُجْبَرُ عليه؛ لأنها قد لا تَرْضَى بيده، ودُخُولِهِ البُسْتَانَ.
والثاني: وجه قال أبو إِسْحَاقَ: يُجْبَرُ وتجعل الأشجار في يدهما، كما هو دَأْبُ الأمْلاَكِ الشَّائِعَةِ، وهذا أَصَحُّ عند أَئِمَّتِنا العراقيين وهو الجواب في "التهذيب" ورجَّح أبو سَعْيدٍ المُتَوَلِّي الأَوَّلَ، هذا ما يوجد في كُتُب الأصحاب، وتَعَالِيقِهِمْ، وزاد الإِمام شَيْئاً آخر، فقال: لا يَنْفَصِلُ الأمر بقوله: أرجعَ إلى نِصْفِ الأشجار، وأبْقِي الثِّمَارَ إلى الجُذَاذِ؛ لأنه لا بدّ من تنمية الثِّمَارِ بالسَّقْي في نَصِيبِهَا من الأَشْجَارِ [ولا يمكن تكليفها السقي لأن نفعه غير مختص بالثمر بل ينفع به الشجر أيضًا، ولا يمكن تكليفها ترك السقي لتضرر الثمر والشجر] وَتابَعَهُ صاحب الكتاب على ما ذكره، وكان ما ذَكَرَاهُ ذَهَابُ منهما إلى أَنَّهَا لا تُجْبَرُ على ما يقوله الزَّوْجُ، ويوجبه له لما في السَّقْي من الإِشْكَالِ، ولمن ذَهبَ إلى الإجْبَارِ، أن يقول: ليكن سَبِيلُ السَّقْي هاهنا سَبِيلَهُ فيما إذ اشْتَرَكَ اثْنَانِ في الأشجار، وانفرد أحدهما بالثِّمَارِ، في غير صورة الصَّدَاقِ.
الثالثة: إذا أَرَادَتِ المَرْأَةُ أن ترجع إلى نِصْفِ الأشجار وتترك الثمار إلى الجْذَاذِ، فللزوج أَلاَّ يَرْضَى به، ويطلب القِيمَةَ؛ لأن حَقَّهُ في الأشجار الخَالِيَةِ، وليس لها أنْ تُكَلِّفَة تَأْخِيرَ الرُّجُوع، إلى الجُذَاذِ؛ لأنه يَسْتَحِقُّ العين، أو القيمة في الحال، فلا يَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ، ولو قال الزوج: أُؤَخِّرُ الرُّجُوعَ، إلى أن تُجْذِيَ الثمرة، فلها أَلاَّ تَرْضَى به؛ لأن نَصِيبَهُ يكون مَضْمُوناً عليها، هكذا وَجَّهُوهُ وهو مَبْنِيٌّ على أن النِّصْفَ الراجع إلى الزوج
بالطَّلاَقِ، يكون مَضْمُوناً عليها، وفيه اختلاف تَقَدَّمَ.
فإن قال الزوج: أَرْجِعُ، ويكون نَصِيبِي من النَّخِيلِ وَدِيعَة عِندَكِ، وقد أَبْرَأْتُكِ عن ضَمَانِهِ، ففي شرح الجُوَيْنِي حكايته وجهين فيه، ولهما الْتِفَاتٌ إلى إِبْراءِ الغَاصِبِ عن الضَّمَانِ، مع بَقَاءِ المَغْصُوبِ في يده، وزاد من نظر إلى أمْرِ السَّقْي، وقال: ليس للمرأة أن تَقُولَ: ارجع واسْقِ؛ لأن فَائِدَةَ السَّقْي تَعُودُ إلى نَصِيبِهَا في الأَشجار، وإلى الثمار، وهي خَالِصَةٌ لها، ولا أن تَقُولَ: ارجع ولا تَسْقِ؛ لأن نَصِيبَهُ من الشجر يَتَضَرَّرُ بترك السَّقْي، ولو قالت: ارْجِعْ وأنا لا أسْقِي، وإليك الخِيَرَةُ في السَّقْي، وتركه، أو قال الزوج: أرْجِعُ ولا أَسْقِي، وإليك الخِيَرَةُ في السَّقْي، وتركه، فلا تَلزم الإِجابة على الآخر؛ لأنه إن تَرَكَ السَّقْيَ تَضَرَّرَ، وإن سَقَى كانت المؤنة عليه، وعَادَ بعْضُ الفائدة إلى صَاحِبِهِ، ولو قال الزوج: أَرْجِعُ إلى النصف وأسْقِي، والتزم مُؤْنَتَهُ، أو قالت المرأة: ارْجِعْ وأنا أسْقِي، فهل على الآخر إجَابَتُه؟ حَكَوُا فيه وجهين:
أحدهما: نعم؛ لأن المُؤَنَةَ ترتفع عن الآخر، فيندفع العشر.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه وَعْدٌ، وربما لا يَفي به ولأن المُمْتَنِعَ لا يَرْضَى بدخول صاحبه البُسْتَانِ للسَّقْي، فإن قلنا بالأول فلو بَدا لِمَنِ الْتَزَمَ السَّقْيَ، وامتنع منه تَبَيَّنَ أن المِلْكَ لم يَرْجِعْ إلى الزوج، وكأنه مَوْقُوفٌ على الوَفَاءِ بالوَحْدِ، وألْحَقُوا بهذه الصورة ما إِذا أَصْدَقَها جَارِيَةً، فَوَلَدَتْ في يدها وَلَداً، مَمْلُوكاً، ثم طَلَّقَها قبل الدخول، فقال الزوج: أرْجِعُ إلى نِصْفِ الجارية، وأرْضَى بأن تُرْضِعَ الولد، ففيه الوجهان.
قال الإِمام: ونصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- يَدُلُّ على أنه لا يُجابُ ولو قال: أرْجِعُ وأَمْنَعُهَا من الإرْضَاعِ، لم يجب، بلا خِلاَفٍ، وفي هذه المسألة وَرَاءِ الإرْضَاع، ومُضِيِّ زمانه شَيْءٌ آخر، وهو ما يَقَعُ من التَّفْرِيقِ بين الجارية وَوَلَدِها، وقد نَقَلْنَا ما حَكَاهُ صاحبا "التتمة" ["والشامل"] 1 فيه.
الرابعة: لو وَهَبَ منه نِصْفَ الثمار، ليشتركا في الثِّمَارِ والأشجار جميعاً، ففي وجوب القَبُولِ وجهان وجه الوُجُوب أنها مُتَّصِلَةٌ بالأَشْجَارِ، فأشبهت الطَّلْعَ والسِّمَنَ في الحيوان والأصح ما ذكر صاحب "التهذيب" وغيره: المَنْعُ؛ لأن الإِجْبارَ على قَبُولِ مِلْكِ الغير بَعِيدٌ، والثمار المُؤَبَّرَةُ في حُكْمِ المُنْفَصِلِ، ولهذا لا يَدْخُلُ في بيع الأشجار.
الخامسة: إذا تَرَاضَيَا على الرُّجُوعِ إلى نِصْفِ الأَشْجَارِ في الحال أو على تأخير الرجوع إلى الجُذَاذِ مُكِّنَا مما تَرَاضَيَا عليه، وإذا بَدَا لأحدهما في التَّأْخِيرِ.
مُكِّنَ من الرجوع عنه.
وقال المُعَلِّلُونَ بِالسَّقْيِ إذا تَرَاضَيَا على الرُّجُوع في الحال، على أن يَسْقِيَ من شاء منهما مُتَبرِّعاً، أو على أن يَتْرُكَا أو أحدهما السَّقْي، فمن الْتَزَمَ أن يَسْقِي، فهو وَعْدٌ لا يلزمه الوَفَاءُ به، لكنه إذا لم يَفِ تَبَيَّنَ أن المِلْكَ لم يَعُدْ إلى الزوج، ومن تَرَكَ السَّقْيَ لم يمكن من العَوْد إليه.
قال الإِمام: لأن مَضْمُونَ ما تَرَاضَيَا عليه تَعْجِيلُ حَقٍّ، والْتِزَامُ ضَرَرٍ، وألزمنا بأن الضَّرَرَ إذا تَبعَ تَعْجِيلَ حَقٍّ، ولزم هذا مَحْصُولُ المسألة، ولم أَرَ تَعَرُّضًا فيها للسَّقْيِ، إلا الإِمام ومن نَحَا نَحْوَهُ.
وظهور النَّوْرِ في سائر الأَشْجَارِ إذا جعلت صَدَاقًا كَبُدُوِّ الطَّلْعِ النَّخِيلِ، وانعقاد الثمار مع تَنَاثُرِ النَّوْرِ كالتَّأْبِيرِ في النخيل.
أما لَفْظُ الكتاب فقوله: "ويعسر التَّشْطِير" أي: في النخيل "إلا بِمُسَامَحَةٍ" أي: من أحد الجَانِبَيْن "أو مُوَافَقةٍ" وهي التَّرَاضِي من الجانبين، ثم انْدَفَعَ في بَيَانِ جِهَةِ العُسْرِ، وقال: "إذ ليس له أَن يُكَلِّفَهَا" إلى قوله: "ولا تركه"، وقوله: "وليس له أن يرجع، ويقول: إليك الخيرة" هذه صورة من صُوَر المُسَامَحَةِ، وقوله: "فإن سَامَحَ أَحَدُهُمَا، والتزم السَّقْيَ" أي قال لها: أرْجِعُ وأَسْقِي، أو قالت له: ارْجِعْ وأنا أسْقِي، فهذه صورة ثانية.
وقوله: "وإن وهبت منه نِصْفَ الثمار" هذه صورة ثَلاِثَةٌ من صور المُسَامَحَةِ.
وقوله آخراً: "فإن تَرَاضَيَا على الرُّجُوعِ" هو صورة المُوَافَقَةِ، وقد يَتَرَاضَيَانِ على أن يَسْقِيَ من شَاءَ منهما مُتَبَرِّعاً، وقد يَتَرَاضَيَانِ عليه، ويلزم أحدهما، أو كلاهما السَّقْي، أو يَرْضَى أحدهما بِتَرْكِ السَّقْي، أو كلاهما، ولم يُصَرِّحْ بهذه الأحوال فيما إذا تَرَاضَيَا، واقْتَصَرَ على إذا قَالاَ: على أَنْ يَسْقِيَ مَنْ شاء، لكن قوله: "فمن وعدَ بالسَّقْي لم يلزمه، ومن رَضِيَ بِتَرْكِ السَّقْي لزمه" يخرج إلى التعرض لهما، وَيدُلُّ على أنه أَرَادَهُمَا جَمَيعاً على ما هو مُبَيَّنٌ في "الوسيط".
" فَرْعٌ"
لو أصْدَقَهَا نَخُلَةً، عليها ثمار مُؤَبَّرةٌ، وطلقها قبل الدُّخُولِ، فله نِصْفُ الثمار، مع نصف النخلة، جُذَّتِ الثِّمَارُ أو لم تجذ 1. وإن كانت مُطْلِعَةَ فإن طَلَّقَهَا، وهي بعد مطْلِعَةْ أخذ نصْفَهَا مع الطَّلْعِ.
ونقل أبو سَعْدٍ المُتَوَلِّي وَجْهاً أنه إذا امْتَدَّ الزَّمَانُ، بحيث يزداد في مثله الطَّلْعُ لا يجوز له الرُّجُوعُ فيه، هذا لفظه، ولو قال: لا يَجُوزُ الرُّجُوعُ إلا بِرِضَاهَا كان أَحْسَنَ، ولو كانت مُؤَبَّرَةً عند الطَّلاَقِ، فهل للزوج حَقٌّ في الثمرة؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على قولين، كالقولين فيما إذا أصْدَقَهَا جَارِيَةٌ حَامِلاً، وولدت قبل الطلاق، وسنذكره في الفصل الآخر، بعد هذا الفَصْلِ.
وأصحهما: القَطْع بِإثْبَاتِ حَقِّهِ في الثمرة لأنها مشاهدة متيقنة بخلاف الحَمْلِ، ولهذا لا يُفْرَدُ الحَمْلُ بالعَقْدِ، وتُفْرَدُ الثمار، وإذا أَثْبَتْنَا له الحَقّ في الثمرة لا يأخذ إلا بِرِضَاهَا؛ لأنها قد زَادَتْ، فإن لم تَرْضَ أخذ نِصْفَ قيمة الطَّلْعِ, مع نصف الأشجار.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي) لَوْ أَصْدَقَهَا جَارِيَةً حَامِلاً فَوَلَدَتْ فَلا يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الوَلَدِ إِنْ قُلْنَا: لاَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُقَابِلُهُ يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ, وَفِيه وَجْهٌ آخَرُ أنَّهُ لاَ يَرْجِعُ لأَنَّهَا زِيَادَةٌ ظَهَرَتْ بِالانْفِصَالِ.
قَالَ الرَّافِعِي: أَصْدَقَها جَارِيَةٌ حَامِلاً, ثم طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، نظر إن طَلَّقَها، وهي حَامِلٌ بعد، فللزوج نِصْفُهَا حَامِلاً، ويجيء عند امْتِدَادِ الزَّمَانِ الوَجْهُ المذكور فيما إذا أَصْدَقَهَا نَخْلةً مُطْلِعَةً، وطَلَّقَهَا، وهي بعد بجالها لم يؤثر، فإن طَلَّقَهَا، وقد وَلَدَتْ، فالكلام في الأم، ثم في الوَلَدِ أما الأم، فلا يَأْخُذُ نِصْفَهَا إن كان الوَلَدُ رَضِيعاً كيلا يختلَّ أَمْرُهُ، لكن يرجع إلى نِصْفِ القِيمَةِ، فإن كانت فَطِيماً، فإن كان في زَمَانِ التفريق المُحَرَّمِ، فعلى ما تقدَّمَ، وإلا فله نِصْفُها، فإن انْتَقَصَتْ قيمتها بالوِلاَدَةِ، نظر إن وَلَدَتْ في يد الزوج، فعلى ما سَبَقَ من حكم النُّقْصَانِ الحاصل في يد الزوج، وإن وَلَدَتْ في يد الزَّوْجَةِ فله الخِيَارُ إن شاء أَخَذَ نِصْفَهَا، ولا شيء له مع ذلك، وإن شاء رجع إلى نِصْفِ القيمة، وأما الوَلَدُ، فهل يأخذ الزَّوْجُ نصفه؟ ينبني على أن الحَمْلَ هل يُعْرَفُ؟ وهل يقابله قِسْطٌ من الثمن في البيع؟ وفيه قولان مَذْكُورَانِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، فإن قلنا: "لا" فهو كالوَلَدِ الحَادِثِ بعد العَقْدِ، ولا حق للزَّوْجِ فيه.
وإن قلنا: نعم، وهو الأَصَحُّ، ففيه وجهان:
أحدهما: أن للزوج حَقّاً فيه، كما لو أَصْدَقَهَا عَيْنَيْنِ، لكن الولد قد زَادَ بالوِلاَدَةِ، فللمرأة الخِيَارُ إن رضيت بوجوع الزَّوْجِ إلى نِصْفِهِ، مع نِصْفِ الأم، أُجْبِرَ عليه، وإن أَبَتْ قال في "التتمة": لا يرجع في نِصْفِ الجَارِيَةِ للتفريق، ولكن يرجع إلى نِصْفِ قيمتها، وقيمة الولد، وتعتبر قِيمَتُهُ بيوم الانْفِصَالِ؛ لأنه أوَّلُ وَقْتِ إِمْكَانِ التقويم.
والثاني: أنه لا حَقَّ له بسبب الوَلَدِ؛ لأن هذه زِيَادَةٌ ظهرت بالانْفِصَالِ، ولا قِيمَةَ
له حَالَةَ الاجْتِنَانِ 1.
ولو كانت الجَارَيةُ المصدقة حَائِلاً، فطلقها وهي حَامِلٌ، فقد سَبَقَ، وإن وَلَدَتْ، ثم طَلَّقَهَا، فالوَلَدُ لها، والقول في الأم، كما ذكرنا فيما إذا كانت حَامَلاً يوم الإِصْدَاقِ، ووَلَدَتْ، وطلقها قبل الدُّخُولِ، وإن حَبِلَتْ في يد الزوج، ووَلَدَتْ في يد اَلزَّوْجَةِ، فيكون النُّقْصَانُ من ضَمَانِهِ، ويثبت لها الخِيَارُ؛ لأن السَّبَبَ وُجِدَ في يده، ومن ضَمَانِهَا، ويثبت له الخِيَارُ؛ لأن النُّقْصَانَ حَصَلَ عندها، فيه وجهان لا يَخْفَى نَظَائِرُهُمَا.
قَالَ الغَزالِيُّ: (الثَّالِثُ) لَوْ أصْدَقَهَا حُلِيّاً فَكَسَرَتْهُ وَأَعَادَتْهُ صَنْعَةً أُخْرَى فَهُوَ زَيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ وَنُقْصَانٌ مِنْ وَجْهٍ، فَإِنْ أَعَادَتْ تِلْكَ الصَّنْعَةَ لَمْ يَرْجِعْ إِلاَّ بِرِضَاهَا فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأنَّهَا زِيَادَةٌ حَصَلَتْ باخْتِيَارِهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ مَصُوغاً، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ مِثْلَ وَزْنهِ مِنَ التَّبْرِ وَأُجْرَةَ الصَّنْعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أصدقها حُلِيّاً فَكَسَّرَتْهُ، أو انْكَسَرَ في يدها، وبَطَلَتِ الصَّنْعَةُ، ثم أَعَادَتِ المُنْكَسِرَ حُلِيّاً، ثم طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قبل الدخول، فينظر إن صاغَتْهُ على هَيْئَةٍ أُخرى، فالحاصل زِيَادَةٌ من وجه، ونُقْصَانٌ من وجه، وليس له أن يَرْجِعَ إلى نصف العين قَهْراً، ولا لها أن تُجْبِرَهُ على قَبُولِ نِصْفِ العَيْنِ، بل الرجوع إلىِ نصْفِ القيمة، مهما أَبَى أحدهما، وإن اتَّفَقَا على الرُّجُوعِ إلى نصفه، جاز، وإن أعَادَتِ الصّنْعَة التي كانت، فوجهان:
أحدهما: أنه يرجع الزَّوْجُ إلى نِصْفِ العَيْنِ، وإن لم ترض؛ لأنه بالصِّفَةِ التي كانت عليها يَوْمَ الإِصْدَاقِ، والتسلم إليها وأظهرهما -وبه قال ابْنُ الحَدَّاد: أنه لا يرجع إلا بِرِضَاهَا؛ لأن الصّنْعَةَ المعادة حَدَثَتْ عندها، والمَوْجُودَة قبلها، فإنها مِثْلُهَا لا عَيْنَهَا، فالزِّيَادَاتُ الحَادِثَةُ عند الزوجة تمنع الرُّجُوعَ القَهْريّ.
واحْتَجَّ بعضهم لِلْوَجْهِ الأَوَّلِ بما إذا هَزُلَتِ الجارية المَمْهورَةُ في يدها، ثم سَمِنَتْ يرجع إلى نصفها، وإن لم تَرْضَ، وجعلوا هذا مُتَّفَقًا عليها، ثم فَرَّقُوا بين السَّمَنِ، وإِعَادَةِ الصَّنْعَةِ، بأن عَوْدَ السِّمَنِ لا صُنْعَ فيه والصّنْعَةُ عَادَتْ بِصُنْعِها، والْتِزَامِهَا المُؤْنَة، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: "لأنها زِيَادَةٌ حَصَلَتْ باختيارها" لكن الذي ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغ وآخرون: أن مسألة السِّمَنِ على الوجهين أيضا، وهو الذي أَبْدَاهُ الشَّيْخُ أبو علي على سبِيلِ الاحْتِمَالِ، وهما كالوَجْهَيْنِ فيما إذا هَزُلَتِ الجَارِيَةُ المَغْصُوبَةُ، ثم سَمِنَتْ، هل يُغرَّمُ الغَاصبُ نُقْصَانَ الهُزَالِ، أو تُقَامُ العائدة مَقَامَ الأَوَّلِ؟ فلا فرق إِذًا بين
المَسْأَلَتَيْنِ، ويجري الوَجْهَانِ فيما إذا نَسِيَ الحِرْفَةَ، ثم تَعَلَّمَهَا، ولو طَرَأَتْ في عَيْنِ العَبْدِ غِشَاوَةٌ، فكان لا يُبْصِرُ شَيْئًا، ثم زالت، ثم طلقها قبل الدخول، ففيما علق عن الإِمام أن الزَّوْجَ يَرْجِعُ إلى نِصْفِ العبد، بلا خلاف ويكون كما لو حَدَثَ عَيْبٌ في يدها، وزال، ثم طَلَّقَهَا، وإذا قلنا: إنه لا يرجع إلى نصف الحُلِيِّ المُعادِ عند إِبائِهَا فإلى ما يرجع فيه وجهان:
أحدهما: أنه يرجع إلى نصْفِ قِيمَةِ الحُلِيِّ على الهَيئَةِ التي كَانَتْ.
والثاني: إلى مِثْلِ نِصْفِهِ بالوَزْنِ تِبْراً، وإلى نصف أُجْرَةِ مثل الصّنْعَةِ، وهي قيمتها، ونَظْمُ الكتاب يُشْعِرُ بترجيح الوَجْهِ الأول، وبترجيحه قال الشيخ أبو عَلِيٍّ، وهو جواب ابن الحَدَّادِ، لكن المُوَافِقَ لما مَرَّ في الغَصْبِ فيما إذا أَتْلَفَ حُلِيّاً على إِنْسَانِ بِتَرْجِيح الوجه الثاني.
وإذا قُلْنا بالوجه الأَوَّلِ فيم يقوم الحُليّ به وجهان:
أحدهما: أنه يُقَوَّمُ بغير جِنْسِهِ، وإن كان نَقْدُ البَلَدِ من جِنْسِهِ، إن كان ذَهَباً يُقَوَّمُ بالفِضَّةِ، وإن كان فِضَّةً فَبِالذَّهَبِ؛ لأن التَّقْوِيمَ بالجنس يَتَضَمَّنُ المُقَابَلَةَ مع الفَضْلِ، وهي مُمْتَنِعَةٌ في التقدير، كالمُقَابَلَةِ باَلبَيْعِ.
والثاني؛ أنه يُقَوَّمُ بِنَقْدِ البَلَدِ، وإن كان ذلك من جِنْسِهِ، وبالأول أجاب ابْنُ الحَدَّادِ، وإلى الثاني ذَهَبَ محمد بن نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ، ويجري الوجْهَانِ في قِيمَةِ الصّنْعَةِ، ففي وجه: يُقَوَّمُ بِغَيْرِ جِنْسِ الحُلِيِّ.
وفي وجه بنَقْدِ البَلَدِ، وهو الأشبه، كما تَقَدَّمَ في الغَصْبِ، ولو صورت المسألة في آنِيَةِ الذَّهَبِ، أَو الفضة، فَيْبُنَى على أَنَّهُ هَلّ يَجُوزُ اتِّخَاذُ الأَوَانِي من الذَّهَب والفِضَّةِ، وهل لتلك الصّنْعَةِ قِيمَةٌ أم لا؟!.
إن قلنا: لا، فللزوج أن يَرْجِعَ إلى نِصْفِ العَيْنِ، سواء أَعَادَت الصنعة الأولى 1 أو غيرها؛ لأنه إذا لم تكن تِلْكَ الصّنْعَةُ مُتَقَوَّمَةً لم يكن هناك زِيَادَةٌ.
وإن قلنا: نعم، فالحكم كما في مَسْأَلَةِ الحُلِيِّ، وهذا الخِلاَفُ كالخلاف فيما إذا غَصَبَ آنِيَةً من ذَهَبٍ أو فِضّةٍ وَكَسَّرَهَا، هل يُغَرَّمُ مع رَدِّ العَيْنِ قيمة الصنعة؟ وَيلْتَحِقُ به ما إذا غَصَبَ جارِيَة مُغَنِّيَةً، فَنَسِيَتْ عنده الألْحَانَ، هل يَرُدُّ معها ما انْتُقِصَ من قِيمَتِهَا بِنِسْيَانِ الألْحَانِ؟ فيه وجهان 2:
وجه المنع: أنه مُحَرَّمٌ ولا عِبْرَةَ بالنُّقْصَانِ الحَاصِلِ به، وعلى هذا، فلو اشْتَرَى
جَارِيَةً مُغَنِّيَةً بألفينِ ولو لم تكن مُغَنِّيَةً لكانت تشترى بألف، حكى الشيخ أبو عَلِيٍّ فيه ثَلاَثَة أوجه:
أحدها: وهو الذي أَفْتَى به المحمودي 1 "مرو" أنه يبطل؛ لأنه بَذْلُ مَالٍ في مُقَابَلَةِ مُحَرَّمٍ.
والثاني: عن أبي زَيْدٍ أنه إن قَصَدَ بالشراء الفنَاءَ بَطَل؛ لأنه قَصَدَ مُحَرَّماً، وإلا لم يَبْطُلْ.
والثالث: قال الأودني: القِيَاسُ صِحَّةُ البَيْعِ، وما سوى ذلك اسْتِحْسَانٌ 2.
وقوله في الكتاب: "فله نِصْفُ قيمته مَصْنُوعاً"، وفي بعض النُّسَخِ "مصُوغاً"، وهما صحيحان.
وقوله: "وقيل: إن له مثل نِصْفِ وَزْنِهِ" أي: مِثْلَ نِصْفِ وَزْنِهِ، ونصف أُجْرَةِ الصنعة، حذفه لِلْعِلْمِ بالمَقْصُودِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ) لَوْ أَصْدَقَ الذِّمِّيُّ خَمْراً وَقَبَضَتْ فَأَسْلَمَا فَطَلَّقَهَا قَبْلَ المَسِيسِ وَقَدْ صَارَ خَلاًّ يُرْجَعُ بِنِصْفِ الخَلِّ عَلَى وَجْهٍ، وَلاَ يُرْجَعُ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهٍ، وَإِنْ قُلْنَا: يُرْجَعُ فَلَوْ كَانَ قَدْ تَلِفَ الخَلُّ قَبْلَ الطَّلاَقِ رَجِعَ بِمِثْلِهِ عَلَى وَجْه، وَلاَ يُرْجَعُ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهٍ؛ لأَنَّهُ يُعْتَبَرُ بَدَّلَهُ يَوْمَ القَبْضِ وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ مُتَقَوِّماً، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الخَمْرِ جِلْدُ مَيْتَةٍ فَدَبغَتْهُ فَفِيهِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ وَمَنْعُ الرُّجُوعِ أَظْهَرُ؛ لأَنَّ مَالِيَّتَهُ حَدَثَتْ بِاخْتِيَارِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الذمي إذا أَصْدَقَ امْرَأَتَهُ خَمْراً، ثم أَسْلَمَا، أو تَرَافَعَا إلينا، فقد مَرَّ أنه إن اتفق ذلك بعد القَبْضِ، لم نَحْكُمْ لها بشَيْءٍ، وإن كانت غَيْرَ مَقبُوضَةٍ، حكمنا بوجوب مَهْرِ المِثْلِ، ولو صارت الخَمْرُ المُصْدَقَةُ خَلاًّ في يد الزَّوْجِ، ثم أَسْلَمَا، أو أحدهما فوجهان:
أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ لا شَيْءَ لها إلا الخَلَّ؛ لأن الصَّدَاقَ بالعَقْدِ يصير للزَّوْجَةِ، وتكون يَدُ الزَّوْجِ يَداً لها، فأشبه ما إذا قَبَضَتْهُ خَمْراً، وصارت الخَمْرُ خَلاًّ في يدها.
وأصحهما: وبه قال القَفَّالُ أن مَهْرَ المِثْلِ؛ لأن الخمر لا يَصْلُحُ أن يكون صَداقاً،
ولا اعْتِبَارَ لِذِكْرِهَا إذا لم يَتَّصِلْ بها القَبْضُ قبل الإِسْلاَمِ، ولهذا لو أَسْلَمَا، أو أحدهما قبل أن تَصِيرَ خَلاًّ يحكم بِوُجُوب مَهْرِ المِثْلِ، ولوَ أصْدَقَهَا عَصِيراً فَتَخَمَّرَ في يده، ثم عاد خَلاًّ، ثم أَسْلَمَا أَو تَرَافَعَا إلينا نُلْزِمُهُ قيمته 1، ولا عبرة بِتَخَلُّلِ الخَمْرِ، ولو قبضت الذِّمِّيَّةُ الخَمْرَ، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول، أو أَسْلَمَا، أو تَحَاكَمَا إلينا، فلا رُجُوعَ للزوج؛ لأن الخَمْرَ إن كانت بَاقِيَةٌ، فلا مَالِيَّةَ لها، ولا يجوز قَبْضُهَا في الإِسلام، وإن تَلِفَتْ عندها، فلا قِيمَةً لها حَتَّى يُفْرَضُ رُجُوعٌ، وإن صارت خَلاًّ عندها، ثم طَلَّقَهَا قبل الدخول، فهذه مَسْأَلَةُ الكتاب، فهل للِزَّوْجِ أن يرجع إلى نِصْفِ الخَلِّ؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ، نعم: لأن عين الصَّدَاقِ بَاقِيَةٌ، وإنما تَغَيَّرَ بَعْضُ صِفَاتِهَا.
والثاني: لا يرجع بشيء؛ لأن حَقَّ الرُّجُوعِ إنما يَثْبُتُ إذا كان المَقْبُوضُ مَالاً، وها هنا حدثت المَالِيَّةُ في يدها، فهو كَزِيَادَةِ مُنْفَصِلَةٍ حصلت عندها.
قال في "التتمة": والوجهان كالوجهين فيما إذا غَصَبَ خَمْراً، فَتَخَلَّلَتْ في يد الغَاصِبِ يكون الخَلُّ لِلْمَغْصُوبِ منه، أو لِلْغَاصِبِ، وذكرنا هناك أن الأَصَحَّ أنه لِلْمَغْصُوب منه المُلاَئِمُ له ترجيح الرُّجُوعِ هاهنا، وإذا قلنا به، فلو تَلِفَ الخَلُّ أو أَتْلَفَتْهُ، ثم طَلَّقَهَا، فوجهان:
أحدهما: ويحكى عن الخُضَرِيِّ -أنه يرجع بِمِثْلِ نِصْفِ الخَلِّ؛ لأنه لو بقي لرجع في نِصْفِهِ، فإذا تَلِفَ كان الرجوع إلى بَدَلِهِ.
والثاني: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ أنه لا يرجع بشيء؛ لأن الرُّجُوعَ إلى بَدَلِ الصَّدَاقِ عند تَلَفِهِ، ينظر فيه إلى يوم الإِصْدَاقِ، والقبض، ألا ترى أنه إذا كان متقوّماً، ينظر إلى قيمته يَوْمَ الإصْدَاقِ، وقيمته يوم القَبْضِ، ويحكم بِوُجُوبِ نِصْفِ الأقل منهما، وهاهنا لم يكن الصَّدَاقُ مَالاً لا عند الإِصْدَاقِ، ولا عند القَبْضِ، فيمتنع الرُّجُوعُ إلى بَدَلِهِ، والأَصَحُّ الأول عند الشيخ أبي عَلِيٍّ.
ولو أصدقها جِلْدَ مَيْتَةٍ، فقبضه ودَبَغَتْهُ ثم طَلَّقَهَا قبل الدُّخُولِ، ففي رجوعه إلى النِّصْفِ منه وجهان مُرَتَّبَانِ على الوجهين، فيما إذا تَخَلَّلَتِ الخَمْرَةُ، وأَوْلَى بأَلاَّ يرجع، لأن الخَمْرَ انْقَلَبَتْ خَلاًّ بنفسها، لا صُنْعَ لأحدٍ فيه، وهاهنا أَحْدَثَتِ المَرْأَةُ مَالِيَّتَهُ
بالدِّبَاغ، والتزمت مُؤنَاتِهِ، فيكون الحَاصِلُ كَسْباً لها، ومع هذا الترتيب ذَكَرْنَا في الغَصْب أن الأصَحَّ كَوْنُ الجِلْدِ للمغصوب منه، لا لِلْغَاصِب، فَيُشْبِهُ أن يكون الرُّجُوعُ هاهنا أَظْهَرَ أيضاً، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ، فإن هَلَكَ الجِلْدُ عندها بعد الدِّبَاغِ قال ابْنُ الحَدَّادِ: لا رُجُوعَ، كما قاله فيما إذا أَتْلَفَ الخَلَّ، وساعده الشيخ أَبُو عَلِيٍّ هاهنا، وقال: ينبغي ألا يرجع وَجْهاً وَاحِداً، بخلاف ما إذا تَلِفَ الخَلُّ؛ لأن الخَلَّ مِثْلِيٌّ.
فإذا تَلِفَ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ إلى مِثْلِهِ، والجلدُ مُتَقَوَّمٌ، والنظر في المُتَقَوَّمَاتِ إلى وَقْتِ الإِصْدَاقِ والإِقْبَاضِ، ولم يكن له قِيمَةٌ حينئذٍ، ولو ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ قبل الدخول، وانْفَسَخَ النِّكَاحُ، فالَقول في كُلِّ الجلد وكل الخُلِّ كالقول في النِّصْفِ عند الطَّلاَقِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ) إِذَا أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ القُرْآنِ وَطَلَّقَ قَبْلَ المَسِيسِ عَسُرَ تَعْلِيمُ النِّصْفِ لأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَلَهَا نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ أَوْ نِصْفُ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ عَلَى اخْتِلاَفِ القَوْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما يجوز أن تُجْعَلَ أَعْيَانُ الأَمْوَالِ صَدَاقاً، يجوز أن تُجْعَلَ المَنَافِعُ والأعمال صَدَاقاً، وفي جَعْلِ الأعمال صَدَاقاً مَسَائِلُ لا بدّ من إِيرَادِهَا وهذا الفَرْعُ أَوْلَى مَوْضِعَ بِها؛ لأنه مُصَوَّرٌ في تَعْلِيمِ القرآن، فَنُورِدُ المسائل، وَنُدْرجُ فيها الفَرْعَ المذكور في الكتاب.
واعلم أن كُلَّ ما يَجُوزُ عَقْدُ الإجَارَةِ عليه يجوز جَعْلُهُ صَدَاقاً، وذلك كالخِيَاطَةِ، [والخِدْمَةِ، وَتَعْلِيمِ] 1 القرآن، والحِرَفِ وغيرها.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لاَ يَجُوزُ أن يُجْعَلَ تَعْلِيمُ القرآن ومَنْفَعَةُ الحر صَدَاقاً.
لنا: ما رُوِيَ أن امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقالت: يا رَسُولَ الله وَهَبْتُ نَفْسِي لك، وقامت قياماً طَوِيلاً، فقام رجل فقال: يا رَسُولَ اللهِ، زَوِّجْنِيهَا إن لم يكن لك بها حَاجَةٌ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ نُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟ " فقال: ما عندي إلا إِزَارَي هذا! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِزَارَكَ جَلَسْتَ لاَ إِزَارَ لَكَ، الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيد" فلم يجد شَيْئاً فقال -صلى الله عليه وسلم-: "هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ " قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا لسور سَمَّاهَا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" 2.
وفي الفَصْلِ مَسَائِلُ: