العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 123-143

الحالة الأولى: إذا رجعوا قبل القَضَاءِ؛ فيمتنع القَضَاءُ, لأنه لا يَدْرِي أنهم صَدَقُوا في الأول، أو في الآخر، فلا يَبْقَى ظَنُّ الصَّدْقِ.
ثم إن اعْتَرَفُوا بأنهم تَعَمَّدوا الكَذِبَ، فهم فَسَقَةٌ يستترون، وإن قالوا: غلطنا 1، لم يَفْسُقُوا 2، لكن لا تُقْبَلُ تلك الشَّهَادة لو أَعَادُوهَا.
وقد ذكرنا هذا من قَبْلُ، ولو كانوا قد شَهِدُوا بالزِّنَا، فَرَجَعُوا، واعترفوا بالتَّعَمُّدِ، فَسَقُوا، وحُدُّوا حَدَّ القَذْفِ.
وإن قالوا: غَلِطْنَا، ففي حَدِّ القَذْفِ وجهان: أحدهما: المنع؛ لأن الغَالِطَ مَعْذُورٌ.
وأظهرهما: الوجوب؛ لما فيه من التغيير.
وكان من حَقِّهم التَّثَبُّتُ، والاحْتِيَاطُ، وعلى هذا تُرد شهادتهم.
وإن قلنا: لا حَدَّ، فلا رَدَّ.
ولو قال الشُّهُودُ للقاضي بعد الشهادة: تَوَقَّفْ في القَضَاءِ، وجب التوقيف فإن قالوا بعد ذلك: اقضِ فنحن على شَهَادَتِنَا، ففي جَوَازِ القَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ وجهان: المنع؛ لأن قولهم: تَوَقَّفْ، يورث الرِّيْبَةَ، والتُّهْمَةَ، في شهادتهم، ولأنه طَرَأَ على الشَّهَادَةِ ما يَمْنَعُ الحُكْمَ بها، فَأشْبَهَ ما لو طَرَأَ الفِسْقُ.
وأقربهما، وبه أجاب بَعْضُ أصحاب الإِمام؛ الجَوَازُ لأنه لم يَتَحَقَّقْ رجوع.
ولا بطلت 3 أَهْلِيَّةٌ، وإن عَرَضَ شَكٌّ، فقد زَالَ.
وعلى هذا فهل يجب إِعَادَةُ الشهادة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لِبُطْلاَنِ تلك الشَّهَادَةِ بما عَرَضَ من التوقف.
وأَوْلاَهُمَا: لا؛ لأنها صَدَرَتْ من أهل الشهادة، جازم بها، والتوقف الطَّارِئُ قد زَالَ، وكأنه لم يَكُنْ.

الحالة الثانية: إذا رَجَعُوا بعد القضاء، فَرُجُوعُهُمْ؛ إما أن يكون قَبْلَ الاسْتِيفَاء أو بعده.
وإن رَجَعُوا قبل الاستِيفَاء, نُظِرَ: إن كانت الشَّهَادَةُ في مال فَيُسْتَوْفَى؛ لأن القَضَاءَ قد نَفَذَ به، وليس هو مما يُسْقِطُ الشُّبْهَةَ، حتى يَتَأثَّرَ بالرجوع.
هذا هو المَنْصُوصُ.
والأصح، وفيه وجه؛ أنه لا يُسْتَوْفَى إذ الحُكْمُ لم يسْتَقِرَّ بعد، والظَّنُّ قد اخْتَلَّ بالرجوع.
وعلى هذا، فلو كانت الشهادة في القِصَاصِ، أو حَدِّ القَذْفِ، فعدم الاسْتِيفَاءِ أَوْلَى، لكونهما عُقُوبَتَانِ تسقطَان بالشبهة.
وعلى الأول، فيه وجهان: أصحهما المنع، أيضاً لما ذكرنا.
وَوَجهُ جَوَازِ الاستيفاء؛ أن حُقُوقَ الآدَمِيِّينَ مَبْنِيَّةٌ على الضّيق، وإن كانت الشَّهَادَةُ في حدود الله تعالى؛ فَأَوْلَى بألاّ يُسْتَوْفى.
وإن كانت الشَّهَادَةُ في شيء من العُقُودِ، فتُمضَى على الأصَحِّ، كما أن الأَمْوَالَ تُسْتَوْفَى.
ومنهم من جعل النكاح كَحَدِّ القَذْفِ، والقِصَاصِ.
ويخرج من الخلاف المَنْقُولِ في العُقُوبَاتِ، فمطلقها، ثلاثة أوجه، كما ذكر في الكتاب.
ثالثها: الفرق بين عُقُوبَاتِ الآدَمِيِّين، وبين حُدُودِ الله تَعَالَى.
وحيث قارنا بالاسْتِيفَاءِ بعد الرُّجُوعِ، فَاسْتَوْفَى، فالحُكْمُ كما لو رجعوا بعد الاسْتِيفَاءِ، وإن رَجَعُوا بعد الاسْتِيفَاءِ، لم يُنْقَضِ الحُكْمُ، خلافاً لمالك فيما يُحْكَى.
ثم لا يخلو ما إن كانت الشَّهَادة فيما يُتَعَذَّرُ رَدُّهُ، وتَدَارُكُهُ، أو فيما لا يُتَعَذَّرُ.
القِسْمُ الأول: ما يُتَعَذَّرُ تَدَارُكُهُ؛ وهو نوعان: أحدهما: العُقُوبَاتُ؛ فإذا شهدوا بالقَتْلِ، فاقْتُصَّ من المَشْهُودِ عليه، ثم رجعوا، وقالوا: تَعَمَّدنَا قَتْلَهُ، فعليهم القِصَاصُ، أو الدِّيَةُ المُغَلَّظَةُ، مُوَزَّعَةً على عدد رُؤُوسِهِمْ، على ما هو مذكور، مع خِلاَفِ أبي حَنِيْفَةَ في الجِنَايَاتِ.
وكذا الحُكْمُ لو شَهِدُوا بالرِّدَّةِ، فَقُتِلَ، أو على المُحْصَنِ بالزنا فرُجِمَ، أو على غير المُحْصَنِ، فَجُلِدَ، ومات منه، أو على إِنْسَانٍ بالسَّرِقَةِ، أو بالقَطْعِ، فَقُطِعَت يَدَهُ 1 أو بالقَذْفِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، فَجُلِدَ وَمَاتَ منه، ثم رجعوا؛ ويُحَدُّون في شهادة الزِّنَا كَحَدِّ القَذْفِ أو لا ذكر أبو الحسن العَبَّادِيُّ احْتِمَالَيْنِ في أنهم يُرْجَمُونَ، أو يُقْتَلُونَ بالسَّيْفِ، والأظهر الأَوَّل.
ثم الكَلاَمُ في صُوَرٍ: إحداها 2، لو رجع القَاضِي دُونَ الشُّهُودِ، واعترف بالتَّعَمُّدِ، فعليه القِصَاصُ، أو الدِّيَةُ المُغَلَّظَةُ بِكَمَالِهَا.

ولو رجع القاضي والشُّهُودُ جميعاً، فعليهم القِصَاصُ.
وإن قالوا: أَخْطَأْنَا، أو عفى عنهم، فالدِّيَةُ مُنَصَّفة 1؛ نِصْفُهَا على القاضي، والنِّصْفُ على الشهود.
هكذا أَوْرَدَ المَسْألَةَ صَاحِبُ "التهذيب"، وغيره، وقِيَاسُهُ: ألاَّ يجب كَمَالُ الدِّيَة عند رُجَوعِهِ وَحْدَهُ، كما لو رجع بَعْضُ الشُّهُودِ 2. ولو رجع وَليُّ الدَّمِ وَحْدَهُ، فعليه القِصَاصُ، أو كَمَالُ الدِّيَةِ.
ولو رجع مع الشهود فَوَجْهَانِ: أحدهما: أن القِصَاصَ، أو الدِّيةَ بِكَمَالِهَا، على الوَلِيِّ؛ لأنه المُبَاشِرُ، وهم معه.
كالمُمْسِكِ 3 مع القاتل 4، ولا قِصَاصَ، ولا دِيَةَ، وهذا أَظْهَرُ عند الإِمَامِ.
والثاني: وهو الأَصَحُّ، عند صاحب "التهذيب"، أنهم معه كالشَّرِيكَيْنِ، لتعاونهم على القَتْلِ، ولَيْسُوا كالمُمْسِكِ مع القاتل؛ فإنهم صَوَّرُوهُ بصُورَةِ المحصن 5، وعلى هذا، فعليهم جميعاً القِصَاصُ، أو الدِّيَةُ مُنَصَّفَةً؛ نِصْفُهَا على الوَليِّ، والنِّصْفُ على الشهود.
ولو رجع القَاضِي معهم فالدِّيَةُ مُثَلَّثَةٌ؛ ثُلُثُهَا على القاضي، وثُلُثُهَا على الوَليِّ، وثُلُثُهَا على الشهود.
وينبغي ألا يجب على هذا الوجه، كمالُ الدِّيَةِ على الوَليِّ؛ إذا رجع وَحدَهُ 6.

الثانية: رجوع المزكي هل يَتَعَلَّقُ به ضَمَانٌ وَقِصَاصٌ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا, لأنه لم يَتَعَرَّضْ للمشهود عليه، وإنما أَثْنَى على الشَّاهِدِ، والحكم إنما يقع بِشَهَادَةِ الشاهد، فكان كالمُمْسِكِ مع القَاتِلِ.
والثاني: نعم؛ لأن التَّزْكِيَةَ تُلْجِئُ القَاضِى إلى الحُكْم المُفْضِي إلى القَتْلِ.
والأول، أصح عند صاحب "التهذيب"، ولكن الثاني أوْفَقُ لكلام أكثرهم، وهو الذي أَوْرَدَهُ أبو الحسن العبادي.
وفيه وَجهٌ ثالث: أنه يَتَعَلَّقُ به الضمان دون القِصَاصِ.
ثم عن القَفَّالِ -رضي الله عنه- أن الخِلاَفَ فيما إذا قال المُزَكِّيَانِ: عَلِمْنَا أن الشَّاهِدَيْنِ كانا كَاذِبَيْنِ.
أما إذا قالا: عَلِمْنَا أنهما كانا فَاسِقَيْنِ، فلا شَيْءَ عليهما؛ لأنهما قد يَكُونَانِ صَادِقَيْنِ مع الفِسْقِ، وطَرَدَ الإِمَامُ الخِلاَفَ في الحالتين 1. الثالثة: ما ذكرنا في وجوب القِصَاص على الشُّهُودِ الراجعين، فيما إذا قالوا: تَعَمَّدْنَا.
أما إذا قالوا: أَخْطَأْنَا، وكان القَاتِلُ، أو الزَّانِي غيره، فلا قِصَاصَ، وتجب الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً، لكن في ما لهم؛ لأن إِقْرَارَهُم لا يلزم العَاقِلَة، فإن صدقهم العَاقِلَةُ، فهي عليهم.
قال الإِمَامُ: وقد يرى 2 القاضي، والحالَةُ هذه، تَعْزِيرَ الشُّهُودِ، لتركهم التحفظ.
ولو قال أَحَدُ شَاهِدَي القَتْلِ: تَعَمَّدتُ، ولا أَدْرِي أن صَاحِبِي تَعَمَّدَ، أم لا؟ أو اقتصر على قوله: تَعَمَّدْتُ، وقال صاحبه: أَخْطَأْتُ.
فلا قِصَاصَ على واحد منهما.
أما من قال: أخْطَأْتُ، فظاهر، وأما الآخر، فلأنه شَرِيكٌ مُخْطِئٌ، وشريك المُخْطِئِ لا يُقْتَلُ في الجُرْحِ، وقسط المخطئ من الدِّيَةِ يكون مُخَفَّفاً، وقِسْطُ التعمد مُغَلَّظاً.
ولو قال كل واحد منهما: تَعَمَّدْتُ، وأخطأ صَاحِبِي، ففي القِصَاصِ وجهان: أحدهما: يجب القِصَاص، لاعتراف كُلِّ واحد منهما بالعَمْدِيَّةِ، وثبوتها باعترافه.

وأصحهما: المنع؛ لأن كُلَّ واحد منهما لا يُقِرُّ إلا بِقَتْل صَدَرَ من شريكين؛ أحدهما، مُخْطِئٌ، وأنه لا يوجب القِصَاصَ.
ولا خِلاَفَ في أن الدِّيَةَ تجب عليهما مُغَلَّظَةً.
ولو قال أحدهما: تَعَمَّدْتُ، وأخطأ صَاحِبِي، أو قال: لا أَدرِي أن صاحبي تَعَمَّدَ، أو أَخْطَأَ، وصاحبه غَائِبٌ، أو مَيِّتٌ، لا يمكن مُرَاجَعَتُهُ، فلا قِصَاصَ عليه.
وإن قال: تَعَمَّدْتُ، وتَعَمَّدَ صَاحِبِي، وصاحبه غَائِبٌ، أو ميت، فعليه القِصَاصُ.
وإن قال: تَعَمَّدْتُ، ولا أدري حَالَ صَاحِبِي، وقال صاحبه مِثْلَ ذلك، أو اقْتَصَرَ على قوله: تَعَمَّدْتُ، فالجَوَابُ في "التهذيب" وغيره، وُجُوبُ القِصَاصِ عليهما.
ولو قال أحدهما: تَعَمَّدْتُ أنا وصاحبي، وقال صَاحِبُهُ: أَخْطَأتُ، أو أَخْطَأْنَا معاً، فلا قِصَاصَ على الثاني، وفي الأَوَّلِ وجهان: أصحهما: الوجوب؛ لإِقْرَارِه بِتَعَمّدِهِمَا جميعاً.
ووجه الثاني: أن قول الثاني في أنه مُخْطِئٌ مَقبُولٌ، فيكون الأول شَريكَ المُخْطِئِ.
ولو قال أحدهما: تَعَمَّدْتُ أنا وصاحبي، وقال صَاحِبُهُ: تَعَمَّدْتُ، وأخطأ هو، فيجب القِصَاصُ على الأول.
وفي الثاني وَجْهَانِ: الأصح -المنع؛ لأنه لم يَعْتَرِفْ إلا بِقَتْلٍ، شَرِيكُهُ فيه مُخْطِئٌ.
ولو رجع أحد الشَّاهِدَيْنِ، وأَصَرَّ الآخَرُ، وقال الرَّاجِعُ: تَعَمَّدْنا، فعليه القِصَاصُ.
وإن اقْتَصَرَ على قوله: تَعَمَّدْتُ، فلا.
الرابعة: ما ذكرنا من وجوب القِصَاصِ على الشُّهُودِ، والرَّاجِعين فيما إذا قال: تَعَمَّدْنَا، وعَلِمْنَا أنه يقتل بما شَهِدْنَا عليه.
أما إذا قالُوا: تَعَمَّدْنَا, ولكن لم نعلم أنه يُقتل، فإن كان ممن لا يَخْفَى عليهم [ذلك،] 1 وجب القِصَاصُ، ولا اعْتِبَارَ بما يقولون؛ كمن رَمَى سَهْماً إلى إنسان، واعْتَرَفَ بأنه قَصَدَهُ، ولكن قال: لا 2 أعلم أنه يبلغه.
وإن 3 كانوا ممن يجوز خَفَاؤهُ عليهم، لِقُربِ عَهْدِهِمْ بالإِسلام، فالمَشْهُورُ: أنه شِبْهُ عَمْدٍ، لا يُوجب القِصَاص.
ومَالَ الإِمام إلى وُجُوبِهِ؛ أَخْذاً مما لو ضُرِبَ المَرِيضُ ضَرْباً يَقْتُلُ المَرِيضَ دون الصحيح، وهو لا يَعْلَمُ أنه مَرِيضٌ، فيجب القِصَاصُ 4 على الأَظْهَرِ، كما هو مُبَيَّنٌ في الجِنَايَاتِ.

وذكر القاضي الرُّوَيانِيُّ نحو ذلك، وقال: سَمِعْتُهُ من بَعْضِ أصحابنا في النَّظَرِ.
هذا حكم القصاص.
وأما الدِّيَةُ؛ فالذي أَوْرَدَهُ عَامَّةُ الأصحاب: أنها تجب مُثلَّثَةً، مُؤَجَّلَةً، لكن في مَالِهِمْ، إلا أن تصدقهم العَاقِلَة، فتكون عليهم.
وحكى الفَوْرَانِيُّ عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه-: أنها تَجِبُ حَالَّةً، وأن صاحب التقريب 1 حمل النَّصَّ على ما إذا كان قد مَضَى من قبل القَتْلِ ثَلاَثُ سنين.
وإن القَفَّالَ قال: تجب حَالَّةً بكل حَالٍ؛ لِتَعَدِّيهِمْ، وتَعَمُّدِهِمْ.
ولنعد إلى ما يَخْتَصُّ بلفظ الكتاب.
قوله: "والنظر في العقوبة والبضع، والمال"، يَرْجِعُ في المعنى إلى التَّقْسِيم الذي قَدَّمْنَاهُ، وهو أن المَشْهُودَ به، إما أن يَتَعَذَّرَ تَدَارُكُهُ، أو لا يَتَعَذَّرَ، والمُتَعَذِّرُ العُقُوَبَاتُ، والأَبْضَاعُ.
وغَيْرُ المُتَعَذِّرِ الأَمْوَالُ.
لكن قوله: "فالرجوع قبل انقضاء" إلى قوله: "ففي وجوب الإعادة وجهان"؛ لا اختصاص له بالعُقُوبَةِ، بل هو شَامِلٌ لكل مشهود 2 به.
وقوله: "وإن رَجع بعد القَضَاءِ"؛ يعني في العُقُوبَاتِ، وذلك بَيِّنٌ من تخصيصه 3 على المَالِ من بَعْدُ، حيث قال: "أَمَّا المَالُ فيستوفى قطعاً" فكان الأَحْسَنُ أَلاَّ يُدْرجَ المَسَائِلَ في قِسْمِ العُقُوبَاتِ؛ بل يذكرها قبل الشُّرُوعِ في الأَقْسَامِ، ثم يخُوضُ في الأقسام، ويُورِدُ في كُلِّ واحدٍ ما يَخْتَصُّ به.
وقوله: "ثلاثة أوجه"، يجوز إِعْلاَمُهُ بالواو؛ لأن من الأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بأن حُدُودَ الله، لا يجوز استيفَاؤُهَا بعد الرُّجُوعِ.
وقوله: "ويُسْتَوْفَى قَطْعاً" كذلك لما سبق.
وقوله: "وجب عليه القصاص"، مُعَلَّمٌ بالحاء.
وقوله: "أنه كالممسك، أو كالشريك، فيه وجهان"؛ [الوجهان] 4، يَشْمَلاَنِ القِصَاصَ، والدِّيَةَ؛ لأن المُمْسِكَ، ليس عليه قِصَاصٌ، ولا دِيَةَ.
والشريك، يَتَعَلَّقُ بفعله القِصَاصُ، والدِّيَةُ.
ثم ذكر الوجه الثالث الفارق بين القِصَاصِ، والدِّيَةِ.
وقوله: "ولو قال: تعمدت، ولكن ما علمت أنه يُقْتَلُ بقَوْلِي".
هذا يَدْخُلُ فيه ما إذا قال: لم أعلم أنه يقتل بما شَهِدْتُ عليه؛ بل ظَنَنْتُ أنه يحبس، أو يؤخذ منه المال وهي الصُّورَةُ التي ذَكَرْنَاهَا، وفَرَّقْنَا بَيْنَ أن يكون قَرِيبَ العَهْدِ بالإِسلام، أو بَعيدَهُ.

ويَدْخُلُ فيه، ما إذا قال: لم أعلم أنه يُقْتَلُ بِقَولِي؛ لأنني ظننت أني أجرح 1 بأسباب تَقْتَضِي الجرح، ويمكن أن يجعل هذا خَطَأً.
قوله: "ولو ضربه ضَرْباً يقتل المَرِيضَ دون الصحيح".
هذه الصُّورَةُ مُكَرَّرَةٌ، وغرض الاسْتِشْهَادِ على ما حَكَيْنَا عن الإِمام دعى إلى إعادتها.

فرع: حكى القاضي ابنُ كَجٍّ: أن أبا الحُسَيْنِ قال: لو رجع المَشْهُودُ، وقالوا: أَخْطَأْنَا، وادَّعَوْا: أن العَاقِلَةَ تَعْرِفُ أنهم أَخْطَأوُا، وعليهم الدِّيَةُ، فقالت العَاقِلَةُ: لا نَعْلَمُ، ليس للمشهود تَحْلِيفُهُم، وإنما يُطالب العاقلة، إذا قامت البَيِّنَةُ قال القاضي: ويُحْتَمَلُ أن يُقَالَ: لهم تَحْلِيفُهُمْ؛ لأنهم لو أَقَرُّوا، لَغَرِمُوا.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي البُضْعِ فَإذَا رَجَعُوا بَعْدَ الشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلاَقِ، وَبَعْدَ القَضَاءِ، نَفَذَ الطَّلاَقُ، وَعلَيْهِمُ الغُرْمُ، وَكَذَا فِي العِتْقِ وَالرَّضَاعِ المُحَرَّمِ.
قَالَ الرَّافعِيُّ: النوع الثَّانِي مما يَتَعَذَّرُ تَدَارُكُهُ غير العُقُوبَاتِ، فمنه الأَبْضَاعُ، فإذا شَهِدَ على طَلاَقٍ بَائِنٍ، كالطَّلاَقِ بالعِوَضِ، والطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، أو على رَضَاعٍ مُحَرَّمٍ، أو لِعَانٍ، أو فَسْخٍ بِعَيْبٍ، أو غيرها من جهات الفِرَاقِ، وقضى القاضي بشَهَادَتِهِمَا، ثم رَجَعَا، لم يُرَدَّ الفِرَاقُ؛ لأن قولهما في الرُّجوعِ محتمل، فلا يُرَدُّ القَضَاءُ بِقَوْلٍ محتمل.
لكن يجب الغُرْمُ على الشَّاهِدِينَ، سواء كان قَبْلَ الدُّخُولِ، أو بعده؛ لأنهم فَوَّتَا عليه ما يَتَقَوَّمُ، فَيُغَرَّمَانِ، كما لو شَهِدَا بِعِتْقِ عَبْدٍ، ثم رجعا.
وقال أبو حَنِيْفَةَ، ومالك، وأحمد -رحمهم الله-: لا غُرْمَ عليهما بعد الدُّخُولِ، ثم الذي يُغَرَّمَانِ عندنا بعد الدخول، مَهْرُ المِثْلِ بِتَمَامِهِ؛ لأنه قِيمَةُ مَا فَوَّتَاهُ، وفيه قول: أنهما يُغَرَّمَانِ المُسَمَّى؛ لأنه الذي فَاتَ على الزَّوجِ مُتَقَوّماً، والبُضْعُ ليس بِمُتَقَوِّمٍ في الحقيقة.
وأما قبل الدخول، فَرِوَايَةُ المُزَنِيِّ: أنهما يُغَرَّمَانِ مَهْرَ المِثْلِ بتَمَامِهِ، ويُحْكَى مِثْلُهُ عن رواية حَرْمَلَةَ، وروى الربيع: أنهما يُغَرَّمَانِ نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ.
ونص فيما إذا أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الكبيرة زَوجَتَهُ الصغيرة، وانْفَسَخَ النكاح: أن الكَبِيرَةَ تُغَرَّمُ نِصْفَ مَهْرِ المِثْلِ للصغيرة.
وللأصحاب -رحمهم الله- طُرُقٌ في مسألة الشهود: أظهرهما: إثبات قولين: إما أَخْذَاً بِرِوَايَةِ راويي المَذْهَبِ، الربيع والمزني -رضي

الله عنهما-، وإما تَصَرُّفاً من نَصِّهِ هاهنا، ونصه في الرَّضَاعِ بالتَّحْرِيمِ، وإليه ذهب الإصْطَخرِيُّ: أحدهما: وهو اختيار المُزَنِيِّ: أن الشَّاهِدَيْنِ لا يُغَرَّمَانِ إلا النِّصْفَ؛ لأنه الذي فَاتَ على الزَّوْجِ، والنصف الثاني عَادَ إليه سَلِيماً، فصار كما لو شَهِدَ على المُشْتَرِي بالإقَالَةِ، وقضى القاضي، ثم رَجَعَا لا يُغَرَّمَانِ شَيْئًا؛ لأنهما وإن فَوَّتَا عليه السِّلْعَةَ، ردًّا إليه الثَّمَنَ.
وأصحهما: أنهما يُغَرَّمَانِ جميعه؛ لأنه بَدَلَ ما أَتْلَفُوهُ.
والنظر في الإتْلاَفِ، إلى المُتْلف، لا إلى ما قام به على المُسْتَحقّ، ولهذا لو أَبْرَأَتْهُ عن الصَّدَاقِ، وشهَد الشَّاهِدَانِ بالطلاق، ورجعا، يُغَرَّمَانِ، وإن لم يَفُتْ على الزوج شيء.
واْصحاب الطريق افْتَرَقُوا؛ فمن مثبت للقولين في صورة الرَّضَاعِ أيضاً، مخرج لإحداهما من هاهنا، ومن قَاطِع بوجوب النِّصْفِ هناك.
والفَرْقُ أن الرَّضَاعَ يقطع النِّكَاحَ حَقِيقَةً، كالطلاق، ولا يُفَوِّتُ عليه من المَهْرِ إلاَّ النِّصْفَ، فلا يُغَرَّمُ له، إلا النِّصْفَ.
وهاهنا اعترف الشَّاهِدَانِ بالكَذِب.
ولا فِرَاقَ في الحقيقة كما يَزْعُمَانِ، لكن حَالا بينه وبين حَقِّهِ، فيُغَرَّمَانِ تَمَامَ القِيمَةِ، كَالغَاصِبِ، يَحُولُ بين المالك ومِلْكِهِ.
والطريق الثاني: القَطْعُ بأن الشاهدين يُغَرَّمَانِ مَهْرَ المِثْلِ.
والثالث: القطع بأنهما يُغَرَّمَانِ النِّصْفَ، وجعل ما قاله المزني غَلَطاً: حَكَاهُ الشيخ أبو علي.
والرابع: إن كان الزَّوْجُ قد سَلَّمَ إليها الصَّدَاقَ، فيُغَرَّمُ الشَّاهِدَانِ جَمِيعَ مهر المثل؛ لأنه لا يتمكن من اسْتِرْدَادِ شيء، لِزَعْمِهِ أنّها زَوْجَتُهُ، وأنها تَسْتَحِقُّ جميع الصَّدَاقِ,.
[و] عليه يُحْمَلُ مَنْقُولُ المزني.
وإن كان قبل التَّسْلِيمِ، فلا يُغَرَّمَانِ إلا النِّصْفَ؛ لأنها لا تُطَالِبُهُ إلا بالنِّصْفِ، وعلى هذا، يُحْمَلُ مَنقُولُ الربيع.
وحُكِيَ في المسألة على طَرِيقَةِ إثبات الخلاف، قَوْلاَنِ آخران: أحدهما: عن القديم، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ: أنهما يغرمان 1 نصف المسمى؛ لأنه الفَائِتُ على الزَّوْجِ [لا مَهْرَ المِثْلِ، ولا نصفه.] 2 والثاني: يُغَرَّمَانِ جَمِيعَ المُسَمَّى؛ لأنه قد بذل، والتَّشَطُّرُ أمر يَخْتَصُّ بالزَّوْجَيْنِ، فَيُجْعَلُ في المسألة أربعة أقوال، كما هي مَذْكورةٌ في الكتاب في باب الرَّضَاعِ.

ولو كان النِّكَاحُ قد جرى على صُورَةِ التَّفْوِيضِ، وشهدا بالطلاق قبل الدخول، والفرض.
وقضى القاضي بالطَّلاَقِ والمُتْعَةِ، ثم رَجَعَا، فالخلاف في أن الشَّاهِدَيْنِ يُغَرَّمَانِ مَهْرَ المِثْلِ، أو نِصفَهُ، كما في غير صورة التَّفْوِيضِ.
وعلى ما حُكِيَ عن القديم: أنهما يُغَرَّمَانِ المُتْعَةَ التي غَرِمَهَا الزَّوْجُ، وهو مذهب أبي حَنيفَةَ، وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ.
قال الأَصحَابُ: وهو خَطَأٌ، إلا أن يريد التخريج على القَدِيمِ.
هذا كله فيما إذا شَهِدَا على الطَّلاَقِ البَائِنِ أما إذا شَهِدَا على طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ، ثم رجعا، نُظِر: إن رَاجَعَهَا، فلا غرم 1، إذا لم يَفُتْ عليه بشهادتهما شَيْءٌ، وإن لم يُرَاجِعْهَا حتى انْقَضَتِ العِدَّةُ، الْتَحَقَ بالطَّلاَقِ البَائِنِ، ووجب الغُرْمُ.
هكذا ذكره صاحب "التهذيب".
وحكى أبو الفَرَج السَّرَخْسِيُّ عن القاضي الحُسَيْنِ وَجْهاً: أنه لا غُرْمَ، إذا لم يراجع لتقصيره بِتَرْكِ التَّدَارُكِ، وأَطْلَقَ القاضي ابن كَجٍّ وجْهَيْنِ في أن الشَّهَادَةَ على الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، والرجوع عنها، هل يقتضي غُرْماً؟ ومَالَ إلى المَنْعِ، وحكاه عن ابن أبي هُرَيْرَةَ.

فرعان: أحدهما: شَهِدَا بالطلاق، وقضى القاضي، ثم رَجَعَا، وقامت بَيِّنَةٌ على أنه كان بينها وبَيْنَهُ رضاع مُحَرِّمٌ، أو شُهِد له بأنه طَلَّقَهَا اليَوْمَ، ورَجَعَا، وقامت بَيِّنَةٌ على أنه طَلَّقَهَا ثَلاَثاً أمس، فلا شَيْءَ على الراجعين؛ لأنا بَيَّنَّا: أن شهادتهما لم تُفَوِّتْ عليه شَيْئًا، ولو غُرِّمَا قبل تَمَامِ البَيِّنَةِ، استردا المَغْرُومَ.
الثاني: شهدا على امْرَأَةٍ: أنها زَوْجَةُ فلان بأَلْفٍ، وقضى القاضي بشهادتهما، ثم رَجَعَا، فالجَوَابُ في "التهذيب": أنه لا غُرْمَ عليهما.
وحكى ابن الصَّبَّاغ: أنه إن كان بعد الدُّخُولِ، غرِّمَا ما نَقَصَ عن مَهْرِ المِثْلِ، إذا كان الألف دُونَهُ، [قال] 2: وعلى هذا، لو كان قبل الدخول، ثم دَخَلَ بها، يَنْبَغِي أن يُغَرَّمَا ما نقص.
وهذا ما أطلقه القاضي ابن كَجٍّ 3.

ولو شَهِدَا على أنه طَلَّقَهَا على ألف، ومَهْرُهَا ألفان، فعن ابن الحَدَّادِ، وهو الذي ذكره في "التهذيب": عليهما ألف.
وقد وَصَلَ إليه من المرأة أَلْفٌ، وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن عليهما مَهْرَ المِثْلِ بعد الدخول، ونِصْفَهُ قبل الدخول، كما لو لم يذكرا عِوَضاً.
والأَلْفُ إن قبضه، مَحْفُوظٌ عنده للمرأة؛ لأنه لا يَدَّعِيهِ، وإن لم يقبضه فيقر عند المَرْأةِ إلى أن يَدَّعيه.
ومن النوع الثاني العِتْقُ؛ فإذا شَهِدَا على عِتْقِ عَبْدٍ، وقضى القاضي، ثم رَجَعَا غُرِّمَا قِيمَةَ العَبْدِ، ولم يرد العتق، ولا فَرْقَ بين أن يكون المَشْهُودُ بِعِتْقِهِ قِنّاً، أو مُدَبَّراً، أو مُكَاتَباً، أو أُمَّ وَلَدٍ، أو مُعَلَّقَ العِتقِ بِصِفَةٍ 1، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ في أُمِّ الوَلَدِ حيث قال: لا غُرْمَ.
ولو شهدا على تَدْبِيرٍ، أو اسْتِيلاَدِ جَارِيةٍ، ثم رجعا بعد القضاء، لم يُغَرَّمَا في الحَالِ؛ لأن المِلْكَ لم يَزُلْ، فإذا مات غُرِّمَا بالرجوع السَّابِق.
قال في "التهذيب".
وهكذا لو شهدا على تعليق 2 العِتْقِ، أو الطَّلاَقِ بصفة، ثم رَجَعَا، وفيهما وجه: أنه لا غُرْمَ؛ لأنهما لم يَشْهَدَا بما يُزِيلُ المِلْكَ.
ولو شهدا بِكِتَابَةِ عَبْدٍ، ثم رَجَعَا، وأَدَّى العَبْدُ النُّجُومَ، وعتق ظَاهِراً، ففيما يُغَرَّمَانِ وجهان 3: أحدهما: ما بين قِيمَتِهِ وبين النُّجُومِ.
= على المذهب قال: وسواء دخل بها الزوج أم لا لأن الشهود لم يوجد منهم إلا الشهادة بالنكاح وإتلاف منافع البضع حصل بفعل الزوج بخلاف ما لو شهدوا بالطلاق ثم رجعوا حيث يغرمون لأن نفس الشهادة تضمنت الإتلاف، فإن قيل إتلاف منافع البضع وإن حصل من الزوج لكن شهادته تضمنت إباحته فوجب أن يغرموا كما لو شهدوا بالقتل فاستوفى منه ثم رجحوا أغرموا وإن وجد الإتلاف من ولي الدم.
قلنا: الفرق من وجهين: أحدهما أن مباشرة القتل وإن وجد من الولي فهو ملجأ إليه والشهود ألجؤوا القاضي للحكم، فإذا لم يجب على الولي وجب على الملجئ، وهو الشاهد، وأما هاهنا فالواطئ غير ملجأ إلى الوطء بل مختار فيه وقد غرم الموطوءة، فإذا وجب على المباشر لا يجب على الشهود شيء.
والثاني: أنهم وإن أتلفوا عليها منافع البضع بشهادتهم فقد حصلوا بأدائها المهر في ملكها فالتفريط من جهتها حيث أنكرت النكاح ولم تأخذ المهر بخلاف شهود القتل.
قاله في الخادم.

والثاني: جميع القِيمَةِ؛ لأن المُؤَدَّى من كَسبِهِ، وكَسْبُهُ للسَّيِّدِ.
ولو شهدا: أنه أعْتَقَهُ على مَالٍ هو دون القِيمَةِ، فقد سَوَّى بينه وبين ما إذا شَهِدَا على أنه طَلَّقَهَا على أَلْفٍ، ومَهْرُ مِثْلِهَا ألفان.
ويمكن أن يُفَرَّقَ؛ لأن العَبْدَ يُؤَدِّي من كَسْبِهِ، [وأنه للسيد] 1 والزَّوْجَة بخلافه.
ومنه إذا شَهِدَا على أنه وَقَفَ عَلَيَّ مَسْجِدٍ، أو جِهَةٍ عَامَّةٍ، ورجعا بعد القَضَاءِ، غُرِّمَا قِيمَتَهُ، ولم يُرَدَّ الوَقْفُ.
وكذا لو شهدا على أنه جعل هذه الشَّاةَ ضَحِيَّةً.
ويمكن أن يعلم قوْلُهُ في الكتاب: "وعليهم الغُرْمُ" بالحاء، والميم، والألف؛ لأنه أَطْلَقَ، وهم لا يُوجِبُونَ الغُرْمَ، إذا كان بعد الدُّخُولِ على ما تبين.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ شَهِدَ عَلَى المَالِ رَجُلٌ وَامْرَأتانِ أَو عشْرٌ، فَنِصْفُ الغُرْمِ عَلَى المَرْأَةِ، وَنِصْفُهُ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَى رَضَاعٍ مُحَرَّم وعَشر نِسْوَةٍ، وَرَجَعُوا، فَعَلَى الرَّجُلِ سُدُسٌ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ سُدُسٍ، وَيُنَزَّلُ كُلُّ امْرَأتَيْنِ مَنْزِلَةَ رَجُلٍ؛ لِأَنَّ هَدا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسْوَةِ، فَلاَ يَتَوَقَّفُ شَطْرُهُ عَلَى الرَّجُل، وَلَوْ رَجَعُوا إلاَّ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ، فَالصَّحِيحُ أَنْ لاَ غُرْمَ لِقِيَامِ مَا يَسْتَقِلُّ بِكَوْنِهِ حُجَّةً، وَقِيلَ: يَجِبُ حِصَّتُهُم، وَلَوْ رَجَعُوا إلاَّ ثَلاَثَ نِسْوَةٍ، فَفِي وَجْهٍ تَجِبُ حِصَّتُهُمْ، وَعَلَى الصَّحِيحِ يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الرَّاجِعِينَ رُبُعُ الغُرْمِ، إِذْ لَمْ يَبْطُل إلاَّ رُبُعُ الحُجَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذا الفصل والذي بَعْدَهُ، لا اخْتِصَاصَ له بهذا الطرف.
ولو ذكر حكم الغُرْمِ في الأَطْرَافِ الثَّلاثةِ جَمِيعاً، ثم أتى بهذا الفَصْلِ، والذي بعده، كان أَحْسَنَ في النَّظْمِ.
والفِقْهُ: أن الرجوع المُغَرَّمَ؛ إما أن يفرض والمحكوم بشهادتهم على الحَدِّ المُعْتَبَر [في الباب، أو يفرض وهم أَكْثَرُ عَدَداً منه.
فإن كانوا على الحَدِّ المُعْتَبَرِ] 2، كما لو حكم في العِتْقِ، أو القَتْلِ بشهادة رَجُلَيْنِ، ثم رجعا، فعليهما الغُرْمُ بالسَّوِيَّةِ.
وإن رَجَعَ أحدهما، فعليه النِّصْفُ.
وكذا لو رُجِمَ في الزِّنَا بشهادة أربعة، فإن رَجَعُوا جَمِيعاً، فعليهم الدِّيَةُ أَرْبَاعاً، وإن رجع بَعْضُهُمْ، فعليه حصته منها، وإن زَادُوا على الحَدِّ المُعْتَبَرِ، كما لو شهد بالعِتْقِ، أو القَتْلِ ثَلاثَةٌ، أو بالزِّنَا خمسة، فإن رجع الكُلُّ، فالغرم مُوَزَّعٌ عليهم بالسَّوِيَّة؛ وإن رجع البَعْضُ، فإما أن يثبت العدد المُعْتَبَرُ على الشهادة، أو لا يَثْبُتَ إلا بعضهم.

الحالة الأولى: إذا ثبت العَدَدُ المُعْتَبَرُ، كما لو رجع من الثَّلاَثةِ في العِتْقِ، أو من الخمسة في الزِّنَا واحد، فوجهان، ويقال: قَوْلاَن: أصحهما: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، وابن سُرَيجٍ، والإصْطَخْرِيُّ، وابنُ الحَدَّادِ: لا غُرْمَ على الراجع؛ لأنه بقي 1 من تَقُومُ به الحُجَّةُ، ولو لمَ يَشْهَدُ في الابتداء سِوَى من بَقِيَ، لاكتفينا بِشِهَادَتِهِ، فكأن الرَّاجِعَ لم يَشْهَد.
والثاني: وهو اختيار المُزَنِيُّ، وأبي إِسْحَاقَ: أن على الراجع حِصَّتَهُ من الغُرْمِ، إذا وزع عليهم جَمِيعاً؛ لأن الحُكْمَ وَقَعَ بشهادة الجَمِيعِ، وكل منهم قد فَوَّتَ قِسْطاً، فَيُغَرَّمُ ما فوَّتَ.
قال في "التهذيب": لا خِلاَفَ أن القِصَاصَ لا يجب، والحَالَةُ هذه، لكن قال الشيخ أبو مُحَمَّدٍ في "الفروق": حكى [لي] 2 من أَعْتَمِدُهُ عن الشيخ القَفَّالِ: إنه إذا رَجَعَ وَاحِدٌ من شهود القَتْلِ، وقال: تَعَمَّدْنَا جَمِيعاً، فعليه القِصَاصُ 3. وإن ثبت من تَقُومُ به الحُجَّةُ؛ لأن الرَّاجِعَ اعْتَرَفَ على نَفْسِهِ بالقَتْلِ، والمال إنما 4 يلزم الراجع، إذا أثرت شهادته تَفْوِيتاً.
وإذا ثبت من يُكْتَفَى بشهادته للحكم، يَتَحَقَّق التَّفْوِيتُ في شهادته الثانية، إذا لم يَثْبُتْ في العَدَدِ المُعْتَبَرِ، إلا بعضهم، كما إذا رجع من الثَّلاَثةِ أو الخمسة اثْنَانِ، فعلى الوَجْهَيْنِ في الحالة الأولى: إن قلنا: لا غُرْمَ على الرَّاجعين هناك؛ فَيُوَزَّع الغُرْمُ هاهنا على العَدَدِ المُعْتَبَرِ، وحِصَّةُ من نقص عن العدد المُعْتَبَرِ تُوَزَّع على مَنْ رَجَعَ بالسَّوِيِّةِ، ففي صُوَرِهِ الثلاثة، يكون نِصْفُ الغُرْمِ على الراجعين، لبقاء نصف الحُجَّةِ.
وفي صوره الخمسة عليهما رُبْعُ الغُرْمِ، لبقاء ثلاثة أَرْبَاعِ الحُجَّةِ، وإن أَوْجَبْنَا الغُرْمَ على من رَجَعَ هناك، فعلى الرَّاجِعِينَ من الثَلاثة ثُلُثَا الغُرْمِ، وفي الخمسة خمساه.

ورَجَّحَ صاحب "التهذيب" وغيره من هذين الوجهين وُجُوبَ النِّصْفِ على الراجعين من الثلاثة، وفاء برجحان 1 الأصل المَبْنِيّ عليه، وهو أنه لا غُرْمَ هناك.
وفي "الشامل": أن الأَصَحَّ وُجُوبُ الثلثين عليهما؛ لأن البَيِّنَةَ إذا نقص عَدَدُهَا، زَالَ حُكْمُهَا، وصار الضَّمَانُ مُتَعَلِّقَاً بالإِتْلاَفِ، وقد استوفى فيه.
وهذا كله فيما إذا كان جميع الشُّهُودِ ذُكُوراً، أو إِنَاثاً، كما في الرَّضَاعِ، وما يثبت بشهادة النِّسَاءِ المُتَمَحِّضَاتِ.
أما إذا انْقَسَمُوا إلى الذُّكُورِ، والإنَاثِ، فإن لم يَزِيدُوا على أقل ما يكفي، كَرَجُلٍ وامرأتين في الرَّضَاع، أو في الأَمْوَالِ، فنصف الغُرْمِ على الرَّجُلِ عند الرجوع، وعلى كُلِّ وَاحِدَةٍ منهما الرُّبُعُ.
وإن زادوا على الأَقَلِّ، فالمشهود به: إما أن يثبت بشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، أو لا يثبت.
القسم الأول: ما يَثْبُتُ بشَهَادَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، كالرَّضَاعِ، وهو مؤخر 2 في نَظْمِ الكتاب.
فإذا شَهَدَ أربع نِسْوَةٍ مع رجل، وَرَجَعُوا جميعاً، فعلى الرَّجُلِ ثُلُثُ الغُرْم، وعليهن ثُلُثَاهُ، وإن رجع الرَّجُلُ وَحْدَهُ، فلا شَيْءَ على أصح الوجهين؛ لبقاء الحُجَّةِ.
وكذا لو رجعت امْرَأَتَانِ.
وعلى الثاني عليه أو عليهما ثُلُثُ الغُرْمِ.
ولو شهد رَجُلٌ وعشر نِسْوَةٍ، ورجعوا، فَعَلَيهِ سدس الغُرْمِ، وعلى كل واحدة نِصْفُ سدسه.
وإن رجع 3 الرجلَ وَحْدَهُ، أو مع واحدة، أو اثْنَتَيْنِ، أو ثلاث، أو أربع، أو خمس، أو سِتّ، فلا غُرْمَ على الأصح؛ لبقاء الحُجَّةِ.
وعلى الثاني -يجب على من رجع حِصَّتُهُ، وإن رَجَعَ مع سَبْعٍ، فعلى أظهر الوجهين السَّابقين، عليهم رُبُعُ الغُرْمِ؛ لِبُطْلاَنِ رُبع الحجة، وإن رجع [مع ثمان، فَنِصْفُهُ؛ لبطلان نِصْفِ الحُجَّةِ، وإن رجع] 4 مع تسع، فعليه ثَلاثةُ أَرْبَاعٍ؛ فيكون ما على الذَّكَرِ مِثْلُ ما على الأُنْثَيَيْنِ.
وعلى الوجه الثاني -عليهم ما هو حِصَّتُهُمْ، لو رجعوا جَمِيعاً.
ولو رجع النساء وَحْدَهُنَّ، فعليهن نِصْفُ الغُرْمِ في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
وخمسة أسداسه في الثاني.
والقسم الثاني: ما لا يَثْبُتُ بشَهَادَةِ النِّسَاءِ المُتَمَحِّضَاتِ، كالأَمْوَالِ؛ فإذا أوجبنا الغُرْمَ فيها بالرُّجُوعِ، فشهد رَجُلٌ وأربع نسوة، ورَجَعُوا، فوجهان: أحدهما: أن على الرجل ثُلُثَ الغُرْمِ، وعليهن ثُلُثَاهُ، كما في الرّضاعِ.

والثاني: أن نِصْفَ الغُرْمِ عليه، ونصفه عليهن، بخلاف الرَّضَاع؛ لأن المَالَ لا يَثْبُتُ بشهادة النِّسَاءِ -وإن كَثرن - فنصف الحُجَّةِ.
تقوم بالرجل مَعَهُنّ كم كُنّ.
ويُحْكَى الوَجْهُ عن أبي حَنِيْفَةَ، ومالك، وأبي إِسْحَاقَ، وابن القَاصِّ، وبه أجاب كَثِيرٌ من العِرَاقِيِّينَ.
لكن الثاني -أَقْوَى من جهة المعنى- ويُرْوَى عن ابن سُرَيْجٍ، واختيار القَفَّالِ، والشيخ أبي عَلِيٍّ، والإمام، وصاحب "التهذيب"، وهو المذكور في الكتاب، وإذا قلنا به، فلو رَجَعَ النِّسَاءُ، فعليهن نِصْفُ الغُرْمِ.
ولو رجعت امْرَأتَانِ، فلا شَيْءَ عليهما لِبَقَاءِ الحُجَّةِ على الأَصَحِّ، كما 1 حكينا عن اختيار المُزَنِي، وأبي إِسْحَاقَ، عليهما ربع الغُرْمِ.
ولو شهد رَجُلٌ وعشر نسوة، ورجعوا، فعلى الرجل نِصْفُ الغرم، وعلى النسوة النصف، إذا قلنا بالأصح، وعلى الوجه الآخر، على الرجل سُدُسُ الغرم، والباقي عليهن.
ولو رجع الرجل دُونَهُنَّ، فعلى الرجل النِّصْفُ على الأَصَحِّ، وعلى الآخر عليه السدس.
ولو رجع النساء دُونَهُ، فعليهن نِصْفُ الغرم [على الأصح] 2 وعلى الوجه الآخر، خمسة أسداسه، وإذا عَلَّقْنَا نِصْفَ الغُرْم برجوع الرجل، فلو رَجَعَ مع ثَمَانِ نسوة، فعليه النصف، ولا شَيْءَ عليهن؛ بنَاءً على أنه لا يثبت بشهادتهن إلا نصف الحق، وقد بَقِيَ من النساء من يتم 3 به الحَقُّ، وعلى ما اختاره المُزَنِيُّ، عليهن أربعة أخماس النِّصْفِ، كما لو رَجَعُوا جميعاً.
ولو رجعوا 4 مع تِسْعِ نسوة، فعليه النِّصْفُ، وعليهن الرُّبُعُ، لبقاء ربع الحُجَّةِ، وعلى ما اخْتَارَهُ، عليهن تِسْعَةُ أعشار النصف.
وإن رجع ثَمَانِ نسوة لا غَيْرَ، فلا شَيْءَ عليهن؛ لبقاء نِصْفِ الحُجَّةِ التي تتعلق بهن، وعلى ما اخْتَارَاهُ عليهن أربعة أخماس النِّصْفِ.
وقوله في الكتاب: "ولو شهد على المال رجل وامرأتان، أو عشر"، إنما قال: "أو عشر"، إِشَارَةً إلى أنه لا فَرْقَ على وَجْهِ التنصيف [بين] 5 أن يَقِلَّ عَدَدُ النساء، أو يَكْثُر.
ويجوز أن يُعَلَّمَ بالواو لِلْوَجْهِ الآخَرِ المذكور في صورة العشر، أما في صورة الرجل والمرأتين، لا يَخْتَلِفُ تَفْرِيعُ الوجهين.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَفِي وُجُوبِ الغُرْمِ عَلَى شُهُودِ الإِحْصَانِ مَعَ شُهُودِ الزِّنَا ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): لاَ يَجِبُ شَيْءٌ (والثَّانِي): أَنَّهُ يَجِبُ الشَّطْرُ عَلَيْهِمْ (وَالثَّالِثُ:) أنَّهُ يَجِبُ الثُّلُثُ

عَلَيْهِمْ إِذْ أقَلُّ شَهَادَةِ الإِحْصَانِ اثْنَانِ وَأَقَلُّ شَهَادَةِ الزِّنَا أَرْبَعَةٌ، فلَوْ رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ شُهُودِ الزِّنَا وَالإِحْصَانِ اجْتَمَعَ مِنَ الأُصُولِ أَقْوَالٌ لاَ تَخْفَى، وَالقَوْلاَنِ جَارِيَانِ فِي أَنَّ شُهُودَ التَّعْلِيقِ فِي الطَّلاَقِ هَلْ يُغْرَمُ مَعَهُمْ شُهُودُ الصِّفَةِ أَوْ يَنفَرِدُ شُهُودُ التَّعْلِيقِ بِالغُرْمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هل يَتَعَلَّقُ الغُرْمُ برجوع شُهُودِ الإِحْصَانِ؟ فيه وجهان في رِوَايَةِ جماعة؛ منهم المُحَامِلِيُّ، وصاحب "التهذيب"، وقولان في رواية آخرين؛ منهم الإِمام، وصَاحِبُ الكتاب، والقَاضِي الرُّوياني -رحمهم الله-: أحدهما: نعم؛ لأن الرَّجْمَ يَتَوَقَّفُ على ثبوت الزِّنَا, والإِحْصَانِ جميعاً، وعلى هذا، فلو قالوا: تَعَمَّدْنَا جَمِيعاً، لَزِمَهُمُ القصاص 1، كشهود الزِّنَاَ.
والثانيِ: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ: لا؛ لأنهم لم يَشْهَدُوا بما يُوجِبُ عليه عُقُوبَةً، وإنما وَصَفُوهُ بِصِفَةِ كَمَالٍ، والخِلاَفُ جَارٍ في أن شُهُودَ الصفة مع شهود تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ، أو العِتَاقِ، هل يُغَرَّمُونَ إذا رَجعوا؟ أم يختص الغُرْمُ بشهود التعليق؟ والصحيح على ما ذكر صاحب "التهذيب": أن رجوع شهود الإِحْصَانِ، وشهود الصِّفَةِ لا يَقْتَضِي غُرْماً.
وعن بعض الأصحاب: أنه يُفَرَّقُ في شهود الإحْصَانِ، بين أن تَتَقَدَّمَ شهادتهم على شهَادَةِ الزنا، فلا غُرْمَ إذا رجعوا، وبين أن يَتَأخَّرَ، فَيُغَرَّمُونَ؛ لترتب الرَّجْمِ على شهادتهم.
وإذا قلنا: يَتَعَلَّق [بتعلق] 2 الغرْمِ برجوعهم، فكيف يُوَزَّعُ عليهم، وعلى شهود الزِّنَا؟ وجهان: أصحهما: أنه يُعْتَبَرُ نِصَابُ الشهادتين؛ فيكون ثُلُثَا الغُرْمِ على شهود الزنا، وثلثه على شهود الإِحْصَانِ.
والثاني: أن نِصْفَه على شُهُودِ الزِّنَا، ونِصْفَهُ على شهود الإحْصَانِ؛ لأنهما صنفان 3 مُخْتَلِفَانِ، فَأشْبَهُ ما إذا رَجَعَ القاضي، والشُّهُودُ، يكون نصف الدِّيَةِ عليه، ونِصْفُهَا عليهم، ولا يَجِيءُ في شهود الصِّفَةِ، إذا علقنا الغُرْمَ برجوعهم، إلا النصف.
إذا عُرِفَ ذلك، فلو شَهِدَ أربعة بالزِّنَا، واثنان سِوَاهُم بالإحْصَانِ، وَرَجَعُوا جميعاً بعدما رُجِمَ، فَالضَّمَانُ على شُهُودِ الزنا، إن لم يُغَرَّمْ شهود الإحْصَانِ.
وعلى الصنفين 4 جميعاً، إن غَرَّمْنَاهُم بالسَّوِيَّةِ إن نَصَّفْنَا، أو أَثْلاَثاً إن ثَلَّثْنَا.
وإن رجع وَاحِدٌ من شهود الزِّنَا، وواحد من شَاهِدي الإحْصَانِ، فإن لم يُغَرَّمْ شُهُودُ الإِحْصَانِ، فعلى الراجع من شُهُودِ الزنا، [رُبُعُ الغُرْمِ، وإن غَرَّمْنَاهُمْ، فإن نَصَّفنَا،

فعلى الراجع من شُهُودِ الزنا] 1 ثُمُنُ الغُرْمِ، وعلى الآخر رُبُعُهُ.
وإن ثَلَّثْنَا، فعلى كل واحد منهما سُدُسُه.
وإن رجع واحد من أحد الصِّنْفَيْنِ لا غير، ففيما عليه هذا الخِلاَف.
ولو شهد أربعة بالزِّنَا، والإحصان جميعاً، ثم رَجَعَ أَحَدُهُمْ، فإن لم يُغَرَّمْ شُهُودُ الإحْصَانِ، فَعليه رُبُعُ الغُرْمِ، وإن غَرَّمْنَاهُمْ، فقد بقي هاهنا من تَقُومُ به حجة الإحْصَانِ، فإَن غَرَّمْنَا الراجع مع ثَبَاتِ من تَقُومُ به الحُجَّةُ، فعليه الرُّبْعُ أيضاً، كما لو رَجَعُوا جميعاً، وإن لم يُغَرَّمْ، فلا ضَمَانَ بِسَبَبِ الإِحْصَانِ، وأما بسبب الزِّنَا؛ فإن نَصَّفْنَا، فعليه ثُمُنُ الغُرْمِ، وإن ثَلَّثْنَا فَسُدُسُهُ، وإن رجع ثلَاثة، وثَبَتَ واحد، فقد بَطَلَ ثَلاثة أرباع حُجَّةِ الزنا، ونصف حجة الإِحْصَانِ.
فإن لم نغرم 2 شُهُود الإحصان، فعليهم ثَلاثَةُ أرباع الغُرْمِ، وإن غَرَّمْنَاهُمْ، فعلى كل وَاحِدٍ إن نَصَّفْنَا للرجوع عن شهادة الزِّنَا ثمن الغُرْمِ، والرجوع عن شهادة الإِحْصَانِ نصف سُدُسِهِ، بِتَوْزِيعِ نِصْفِ غُرْمِ الإحصان عليهم.
وإن ثَلَّثْنَا، فعلى كل واحد الرُّجُوعُ عن شَهَادَةِ الزِّنَا سدس الغُرْم، تَوْزِيعاً للثلثين على الأَرْبَعَةِ؛ ولِلرُّجُوع على شَهَادَةِ الإحصان ثلُث سُدُسِهِ، تَوْزِيعاً لنصفَ غُرْمِ الإِحْصَانِ على الراجعين.
ولو شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بالزنا، واثنان منهم بالإِحْصَانِ، ورَجَعُوا بَعْدَما رُجِمَ، فإن لم يُغَرَّمْ شُهُودُ الإحصان في المَسَائِلِ السابقة، فكذا هاهنا, ولا أَثَرَ لِشَهَادَةِ الإِحْصَانِ.
وإن غَرَّمْنَاهُمْ، فهل يُغَرَّمُ شُهُودُ الإِحْصَانِ هاهنا زِيادَةٌ؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ كما في الصورة السابقة.
والثاني: لا؛ لأن الشَّهَادَةَ، والرجوع، كَجِنَايَةٍ على جانيين 3 يستوون في الدِّيَةِ، وإن قلنا: بالأَوَّلِ عاد الخِلاَفُ، إن نَصَّفْنَا على اللذين شَهِدَا بالإحصان ثلاثة أرْبَاعِ الغُرْمِ؛ النصف لِشَهَادَةِ الإِحْصَانِ، والربع لشهادة الزِّنَا وعلى الآخرين الرُّبُعُ.
وإن ثَلَّثْنَا، فعلى الذين شهدا بالإِحْصَانِ الثلث، لِشَهَادَةِ الإِحْصَانِ، والثلث لِشَهَادَةِ الزِّنَا.
وعلى الآخرين الثلث.
فإن رَجَعَ وَاحِدٌ منهم، فإن لم يُغَرَّمْ شهود الإِحْصَانِ، فعليه رُبُعُ الغُرْمِ، وإن غَرَّمْنَاهُم، فإن الرَّاجِعَ من اللَّذَيْنِ شهدا بالإحْصَانِ، فإن نَصَّفْنَا، فعليه ثَلاثَةُ أَثْمَانِ الغُرْمِ، ثمن لشهادة الزنا، والباقي 4 لشهادة الإحْصَانِ.

وإن ثَلَّثْنَا، فعليه ثُلُثُ الغُرْمِ، سدس لهذه، وسدس لهذه، وإن كان الرَّاجِعُ من الآخرين، فإن نَصَّفْنَا، فعليه ثُمُنُ الغُرْمِ.
وإن ثَلَّثْنَا فالسُّدُسُ.
ولو شهد ثَمَانِيَةٌ بالزنا والإحصان، ثم رجع أحدهم، فلا غُرْمَ على الأَصَحِّ؛ لبقاء الحُجَّتَيْنِ.
وكذا لو رجع ثَانٍ، وثالث، ورابع، وإن رجع خامس؛ فقد بَطَلَتْ حُجَّةُ الزِّنَا، ولم تبطل حُجَّةُ الإحصان، فإن لم يُغَرَّمْ شهود الإِحْصَانِ، فعلى الخَمْسَةِ رُبُعُ الغُرْمِ؛ لبطلان ربع الحجة، وإن غَرَّمْنَاهُمْ فلا غُرْمَ هاهنا، لِشَهَادَةِ الإحْصَانِ على الأصح؛ لبقَاء حُجَّتِهِ.
ويُغَرَّمُ الراجعون، رُبُعَ غُرْمِ الزنا، والسدس، إن ثَلَّثْنَا وَالثمن، إن نَصَّفْنَا.
وإن رجع ستة، فعليهم نِصْفُ غُرْمِ الزنا، وهو الثلث إن ثَلَّثْنَا، والربع إن نَصَّفْنَا، وإن رجع سَبْعَةٌ، فقد بَطَلَتِ الحُجَّتَانِ، ولا يخفى قِيَاسُهُ مما ذكرنا.
وقوله في الكتاب: "اجتمع في الأصول أقوال لا تَخْفَى" أحد الأصول المشار إليها، أن شُهُودَ الإِحْصَانِ، هل يُغَرَّمُونَ؟ والثاني: أنهم إن غرموا، كم يُغَرَّمُونَ؟ والثالث: أنه إذا رجع بَعْضُ الشهود، وبقي من تَقُومُ به الحُجَّةُ، هل يُغَرَّمُ مَنْ رجع؟ وقد عرفت هذه الأُصُولَ والأَقْوَالَ الحَاصِلَةَ منها.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ: الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالٍ يُتَوَقَّع رُجُوعُهُ بِإقْرَارِ الخَصْمِ هَلْ يُوجِبُ الغُرْمَ فِي الحَالِ لِلْحَيلُولَةِ؟ فيه قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تقدم أن المَشْهُودَ به؛ إما أن يَتعَذَّرَ تَدَارُكهُ، أَوْ لا يَتَعَذَّرَ.
وقد فَرَغْنَا من القَوْلِ فيما يتعذَّرُ تَدَارُكهُ.
والقسم الثاني: ما لا يَتَعَذَّرُ؛ وهي الأَمْوَالُ، أَعْيَانُهَا، ودُيُونُهَا، وإذا شهد الشُّهُودُ لإنسان 1 بمال، ثم رجعوا بعد دَفْعِ المال إليه، لم يُنْقَضِ الحُكْمُ، ويُرَدُّ المَالُ إلى المُدَّعَى عليه، لاحتمال أنهم كَاذِبُونَ في الرُّجُوعِ.
وفي "العدة" حكاية وَجْهٍ: أنه يُنْقَضُ الحُكْمُ، ويُرَدُّ المال إلى المَحْكُومِ عليه، والمذهب الأول، وهل يُغَرَّمُ الشُّهُودُ للمحكوم عليه؟ نقل المزني: أنهم لا يُغَرَّمُونَ، وقد قَطَعَ به من الأَصْحَاب طَائِفَةٌ؛ منهم: ابن خَيْرَانَ، وتوجها بأن الشُّهُودَ لم يثبتوا 2 اليَدَ على المال، ولم يَتَلَقَّوْهُ، فلا يضمنون.
وإن أَتَوْا بما يُفْضِي إلى الفَوَاتِ، كمن حَبَسَ المالك 3 عن مَاشِيَتِهِ حتى ضَاعَتْ،

وليس كالشَّهَادَةِ على الطَّلاَقِ، والعِتْقِ؛ لأن هناك وُجِدَ التَّفْوِيتُ حَقِيقَةً، فإنهما لا يريدان، وإن صَدّقَ العَبْدُ والمرأة الشُّهُودَ في الرجوع، وهاهنا لم يوجد تَفوِيتٌ حَقِيقَةً؛ لأن المَشْهُودَ عليه لو صدقهم في الرُّجُوعِ، لَزمَهُ رَدُّ المَالِ، وَأكْثَرُ الأصحاب، وفيهم ابن سُرَيْجٍ، وأبو إِسْحَاقَ.
قالوا: في المسألة قولان: أحدهما: أنهم لا يُغَرَّمُونَ؛ لما ذكرناه.
والثاني: وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، ومالك، وأحمد -رحمهم الله-: أنهم يُغَرَّمُونَ، لِحُصُولِ الحَيْلُولَةِ بشهادتهم.
وما يضمن بالتَّفْوِيتِ [بغير الشهادة، ينبغي أن يُضْمَنَ بالتَّفْوِيتِ] 1 بالشهادة، كالنَّفْسِ.
وهذا القول عند العراقيين، والإمام، وغيرهم، أرْجَحُ.
وذُكِر في "العدة": أن الفَتْوَى عليه وأن ظاهر المَذْهَب: أَنَّهُمْ لا يُغَرَّمُونَ، واخْتَلَفُوا في حَالِ القَوْلَيْنِ فذكر الشيخ أبو حَامِدٍ ومن اتَّبَعَهُ: أنهما 2 مَنْصُوصَانِ، والتَّغْرِيمُ فيهما للقديم 3 وقيل: المَنْصُوصُ، أنهم لا يُغَرَّمُونَ، والآخر مُخَرَّجٌ.
وقيل: هما مَبْنِيَّانِ على القولين فيما إذا قال: غصبت هذه الدَّارَ من فلان، [بل من فلان] 4، تُدْفَعُ الدَّارُ إلى الأول.
وهل يُغَرَّمُ الثَّاني؟ على قولين فينزل رجوع الشاهد مَنْزِلَةَ رُجُوعِ المقر.
وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ: أن النَّصَّ فيما إذا شَهِدُوا بِعَيْنٍ، ثم رجعوا، أنهم لا يُغَرَّمُونَ.
وفيما إذا شَهِدُوا بِدَيْنٍ، ثم رجعوا، أنهم يُغَرَّمُونَ، فحصل القَوْلاَنِ من تَخْرِيجِ كُلِّ واحد منهما في صورة الآخر.
ويجوز أن يُعَلَّمَ لَفْظُ "القوْلَيْنِ" في الكتاب بالواو لطريقة مَنْ قَطَعَ بنفي الغُرْمِ.

فروع: شهد الشُّهُودُ على أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ في الرَّقِيقِ؛ أنه أَعْتَقَ نَصِيبَه، وهو مُوسِرٌ، فقضى القاضي بِعِتْقِهِ، وبالسِّرَايَةِ، ثم رجعوا، فعلى الشُّهُودِ قِيمَةُ نَصِيبِ المشهود عليه.
وفي قِيمَةِ نَصِيب الشريك الخِلاَفُ، في غُرمِ المال، وشُهُود القَتْلِ الخَطَإِ، إذا رجعوا بعدما غرم العاقلَة، هل يُغَرَّمُونَ؟ فيه الخلاف.
ولو حكم القاضي بِشَهَادَةِ شهود الفرع، ثم.
رجعوا، غُرِّمُوا.
ولو رجع شُهُودُ الأَصْلِ، وقالوا: كذبنا، فكذلك يُغَرَّمُونَ، خِلاَفاً لأبي حَنيفَةَ.

ولو رجع الأُصُولُ، والفُرُوعُ جميعاً، فالغُرْمُ على شهود الفَرْعِ؛ لأنهم يُنْكِرُونَ إِشْهَادَ الأُصُولِ، ويقولون: كذبنا فيما قلنا، والحُكْمُ وقع بِشَهَادَتِهِمْ، وحيث وَجَبَ على الرَّاجِعِ عُقُوبَةٌ من قِصَاصٍ، أو حَدِّ قَذْفٍ، دخل التَّعْزِيرُ فيها.
فإذا لم تجب عُقُوبَةٌ، واعترف بالتعمد، فَيُعَزَّرُ.
ولو شَهِدَ أَرْبَعَةٌ على إِنْسَانٍ بأربعمائة، ثم رَجَعَ وَاحِدٌ منهم عن مائة، وآخَرُ عن مائتين، وثالِثٌ عن ثلاثمائة، والرَّابعُ عن الجَمِيع؛ فالبَيِّنَةُ بَاقِيَةٌ بِتَمَامِهَا في مائتين، وأصح الوَجْهَيْنِ: أنه لا يجب غُرْمُهُمَا، وَيجِبُ على الأربعة غُرْمُ المائة.
المَرْجُوعِ عنها باتِّفَاقِهِمْ، وعلى الثاني، والثالث، والرابع، ثَلاثةُ أرباع المائة التي اختَصُّوا بالرُّجُوعِ عنها.
والوجه الثاني: أن عَلَى كُلِّ رَاجِعٍ حِصَّته فيما رجع عنه، فعلى الأَوَّل، خمسة وعشرون، وعلى الثَّاني خمسون، وعلى الثالث خمسة وسبعون، وعلى الرابع، مِائَةٌ.
والشَّهَادَةُ على الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ، والرجوع عنها، هل تَقْتَضِي غُرْماً؟ فيه تفصيل، وخِلاَفٌ أَسْلَفْنَاهُمَا.
قال أبو الحَسَنِ العَبَّادِيُّ: إن أَوْجَبْنَا الغُرْمَ في الحال، وغرم الشهود، ثم راجعها الزَّوْجُ، فهل عليه رَدُّ ما أخذ؟ فيه احتمالان؛ بِنَاءً على ما إذا وَطِئَ الرَّجْعِيَّةَ، ثم رَاجَعَهَا -هل يَلْزَمُهُ المَهْرُ؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا ظَهَرَ كَوْنُ الشَّاهِدِ عَبْدَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ بَانَ بُطْلاَنُ القَضَاءِ وَانْدَفعَ الطَّلاَقُ وَالعِتَاقُ، وَإِنْ كَانَ فِي قَتْلٍ وَجَبَ الغُرْمُ عَلَى القَاضِي لِخَطَئِهِ، وَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الشُّهُودِ كَلامٌ سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قَضَى القاضي بشَهَادَةِ اثنين، ثم بَانَ أنهما كَانَا عَبْدَيْنِ، أو كافرين، أو صَبِيَّيْنِ مُرَاهِقَيْنِ، [فقد] 1 مَرَّ في آخر الباب الأول من الشَّهَادَاتِ، أنه [يُنْقض] 2 حُكْمُهُ، وكذا لو [بانا] 3 فاسِقَيْنِ في أَصَحِّ القولين.
وقوله هاهنا: "بان بُطْلاَنُ الحكم" إِشَارَةً إلى ما ذكره الإِمَامُ؛ أن القَضَاءَ ليس أَمْراً يعقد ويحلّ، وإنما المُرَادُ تَبَيُّنُ الأَمْرِ على خلاف ما ظَنَّهُ، وحَكَمَ به 4، فإن كان المَشْهُودُ

به طَلاَقاً، أو عتاقاً، أو عَقْداً من العقود, فقد بَانَ أنه لا طَلاَقَ، ولا عِتَاقَ، ولا عَقْدَ.
فإن كانت المَرْأَةُ قد ماتت [فقد ماتت] 1 وهي مَنْكُوحَتُهُ، فإن 2 مات العَبْدُ، مات وهو رَقِيقٌ، ويجب ضَمَانُهُ على ما سنذكره في ضَمَانِ الأَمْوَالِ؛ وإن كان المَشْهُودُ به قَطْعاً، أو قَتْلاً، أو حَدّاً، واستوفي وتَعَذَّرَ التَّدَارُكُ، فَضَمَانُهُ في بَيْتِ المَالِ على أَحَدِ القولين، وعلى عَاقِلَةِ القاضي في أَظْهَرِهِمَا على ما هو مُقَرَّرٌ في باب ضَمَانِ الوِلاَدَةِ، وإنما تَعَلَّقَ الضمان بالقاضي؛ لأنه أَهْلَكَهُ بحكمه الذي أَخْطَأ فيه، وكان من حَقِّهِ أن يَتَفَحَّص، وَيثبَّتَ، ولا يجب الغُرْمُ على المَشْهُودِ له؛ لأنه يقول: استَوْفَيْتُ حَقِّي.
ولا يضمن الشهود؛ لأنهم ثَابِتُونَ على شَهَادَتِهِمْ، زَاعِمونَ صدقهم، بخلاف ما في صُورَةِ الرُّجُوعِ.
وإذا غرم العاقلة، أو بيت المال، فهل يَثْبُتُ الرُّجُوعُ على الشُّهُود؟ فيه خلاف، وتفصيل مَذْكُورَانِ في باب ضَمَانِ الولاة.
والذي أَجَابَ به أَصْحَابُنَا العراقيون: أنه لا رُجُوعَ عليه.
قالوا: وكذا لا رَجُوعَ على المزكيين؛ لأن الحُكْمَ غير مَبْنيٍّ على شهادتهم.
وعن القاضي أبي حَامِدٍ: أن الغَارِمَ يرجع على المزكين 3، ويَسْتقِرُّ عليهم الضَّمَانُ، بخلاف الشُّهُودِ؛ لأنه يثبت عند القاضي، أن الأَمْرَ على خلاَفِ ما ذكره المزكون، ولم يَثْبُتْ أنه على خلاف ما ذكره الشُّهُودُ، وإلى هذا مال القَاضِيَانِ -أبو الطَّيِّبِ، والرُّوَيانِيُّ- ومَفْهُوم ما ذكروه: أنه يجوز تَغْرِيمُ المزكي أَوَّلاً، ثم لا رجُوعَ له على القاضي.
وأَلَمَّ الإِمَامُ بِمِثْلِ ذلك في الشهود، إذا قُلْنَا بِثُبُوتِ الرُّجُوعِ عليهم، ولا فَرْقَ فيما ذكرناه في تعليق الضَّمَانِ؛ بالقاضي 4 بين أن يكون الحُكْمُ في حَدِّ الله تعالى، أو في قِصَاصِ الآدَمِيِّ، ولا إذا كان 5 في قِصَاص بين أن يَسْتَوْفِيَه المُدَّعِي، وبين أن يَسْتَوْفِيَهُ القاضي بنفسه، أو يفوض استيفاء بإذن المُدَّعِي إلى غيره.
وقد مَرَّ في "أدب القضاء" عن الإصْطَخْرِيِّ: أن المُدَّعِي إن اسْتَوْفَاهُ بنفسه،

فالضَّمَانُ عليه، وإنما يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بالقاضى، إذا بَاشَرَ الاسْتِيفَاءَ، أو فَوَّضَهُ إلى غير المُدَّعِي بإذنه.
وإن كان المَحْكُومُ به مالاً؛ فإن كان بَاقِياً عند المَحْكُومِ له، انْتُزع وَرُدَّ، وإن كان تَالِفاً، أُخِذَ منه ضَمَانُهُ.
وحكى الشيخ أبو حَاتِمٍ القزويني وَجْهاً: أنه إذا كان التَّلَفُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، لم يلزمه الضَّمَانُ، والمَشْهُورُ الأول، وفَرَّقُوا بَيْنَهُ وبين [الإتلافات، حيث] 1 قلنا: لا غُرْمَ عليه، فيها بأن [الإتلافات] 2 إنما تُضمن إذا وقع على وَجْهِ التَّعدِّي، وحكم القاضي أَخْرَجَهُ عن أن يكون مُتَعَدِّياً، وأما المال فإذا حَصَلَ في يد إنسان بغير حَقٍّ، كان مَضْمُوناً، وإن لم يُوجَدْ منه تَعَدٌّ، فإن كان المَحْكُومُ له مُعْسِراً، أو غَائِباً، فللمحكوم عليه مُطَالَبَةُ القاضي، ليغرم له من بيت المال على أحَدِ القولين، ومن خَالِصِ ماله على الثاني؛ لأنه ليس بدل النَّفْسِ حتى يَتَعَلَّقَ بالعَاقِلَةِ، ثم الحاكم يرجع على المحكوم له، إذا ظَفِرَ به مُوسِراً، وهل له الرُّجُوعُ على الشهود؟ جعله الإمَامُ على الخِلاَفِ.
والتفصيل المُشَارُ إليه في الإِتْلاَفاتِ ويجيء 3 أن يُقَالَ على قِيَاسِ مَا مَرَّ؛ أن المَحْكُومَ عليه يَتَخَيَّرُ في تغريم القاضي، وتَغْرِيمِ المَحْكُومِ له.
والله أعلم بالصواب.

جارٍ التحميل