العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 96-122

الذبْحِ، ويشبه أَنْ يجيءَ خلافٌ في أن اللحمَ يُصْرف إلى مصارِفِ الضحايَا أو ينفك عن حُكْم الضحية وتعود مِلْكاً كما سنذكر في مِثْله -إن شاء الله تعالى- فيما إذا ذبح الأَجْنبي يَوْمَ النَّحْرِ، وقُلْنا: إنه لا يقعُ ضحيةً ثم ما حصل من الأَرْشِ ومن اللحم إن عاد مِلْكاً له، يَشْتَرِي به أضحيةً يذبحها يومَ النحْرِ، ولو كان قد نذر أضحيةً ثُمَّ عيَّن واحدةً عما في ذِمَّته، فذبحها أجنبيٌّ قبل يوم النحر.
قال في "التهذيب": يأْخُذُ اللحمَ ونقصان الذبح ويملك الكل والأصل في ذمته.
وإنْ ذبح الأَجْنَبيّ الأُضْحيةَ المعيَّنةَ ابتداءً في وقْتِ التضحية، فهذه مَسْألةُ الكتاب وفي معناها ذبحُ الهدْي المعيَّن بعد بلوغ المنسَكِ فالمشهورُ أنه يقعُ الموْقِعَ، ويأخذ صاحِبُ الضحية لَحْمَهاَ ويُفَرِّقُه.
وبناه الإمامُ وصاحبُ الكتابِ على أَنَّ التَّعْيِينَ السابِقَ هَلْ يُعْني عن النيةِ عند الذبح؟ إِن قُلْنا: نَعَمْ، وقع الموقع، وعلى صاحب الضحية بدلُها وما يأْخذُه من الأَرْشِ مِلْكٌ له.
واحتج الأصحابُ بأنه يستحق الصَّرْفَ إَلى هذه الجهة، ولا يُشْتَرطُ فيه فِعْلَه كردِّ الودِيعةِ وبأن ذبحها لا يفتقر إلى النيَّةِ، فإذا أتى به غيرُه أَجْزَأَ كما 1 في إزالة النجاسَةِ، وهذا يُؤَيِّدُ قولَ مَنْ قَالَ: إِنَّ التعيِينَ السابِقَ يُغْني عن تجديد النيَّةِ.
وعن القَدِيم قولٌ: أنَّ لصاحِب الضحية أَنْ يجعلَها عن الفُضُولِيّ الذَّابح، وُيغَرِّمُه القيمةَ بتمامِها؛ بناءً على وقْفِ العُقُودِ.
وإذا قلنا بالظاهِر، وهو وقوعُ الضحية مَوْقِعَها فهل على الذابح أَرْشُ ما نقص بالذبح؟ [قال في الكتاب: "فيه وَجْهانِ"، وقال أكثرُ مَنْ نُقِلَ فيه الخلافُ قولان أَحدُهما وبه] 2 قال أَبُو حنيفةَ: لاَ؛ لأنه لم يُفَوِّتْ عليه شيئاً مَقْصُوداً بل خَفَّفَ عنه مُؤْنَةَ الذبح.
وأَصحُّهما: وهو المنصُوصُ وما أورده المعظم: نَعَمْ؛ لأنَّ إراقَةَ الدمِ مقصودَةٌ وقد فوّتَها، وشُبِّهَ ذلك بما إذا شَدَّ قوائِمَ شاتِه، وأراد ذَبْحَها، فجاء آخرُ وذبحها بدُون إِذْنه -يلزمه أَرْشُ النقصانِ.
وعن أَقْضَى القُضَاةِ المَاوَرديّ أنه قال: عِنْدِي إِنْ ذَبَحَهَا وفي الوقْتِ سَعَةٌ فعليه الأرْشُ؛ لأنه لم يتعيَّنْ ذبحُه حقيقةً، وإن ضاق الوقْتُ ولم يبق إلا مَا يَسَعُ للذبح فذبحها -فلا أَرْشَ عليه؛ لِتَعَيُّنِ الوقْتِ، وإذا أوجبْنَا الأَرْشَ- ففيه وجوهٌ: أَحدُها: أنه للمضحي 3 لأنه ليس مِنْ عَيْن الأُضْحية حتى يستحقَّه المسَاكِينُ.

وثَانِيها: أنه للمساكين خاصَّةً؛ لأنه بدلُ بَعْضِ الأُضْحية، وليس [للمضحي] 1 من الأُضْحيةِ إلاَّ الأَكْلُ.
وأظهرها: أنه يَسْلُكُ به مَسْلَكَ الضحايا، وعلى هذا فيشتري به شاةً، وإن لم يتيسَّرْ عاد ما سبق أنه يَشْترى به جُزْءاً من ضحيةٍ أو لحْمٍ أو يفرق نفسه.
وقِيلَ: هو مُخَيَّر بين أن يصرِفَ إلى جُزْءٍ، وبين أن ينتفعَ به ولا يَبِيعَهُ، وجميعُ هذا فِيمَا إذا ذَبح الأَجْنَبيُّ واللحم باقٍ.
فأما إذا أكله أو فَرَّقَهُ في مصارِفِ الضحايا، أو تعذَّر اسْتردادُه فهو كإلاتلاَفِ الإِفْسادِ لأن تعيين 2 المَصروف إليه، إلى المضحي فعليه الضمانُ، والمالِكُ يشتري أُضْحية أُخْرَى بما يأخذ.
وفي كتاب القاضِي ابْنِ كج أنه تقع [التفرقةُ] 3 عن المالِكِ كالذَّبْح والظَّاهِرُ الأَوَّلُ.
وفي الضمانِ الوَاجِبِ -والحالة هذه- قَوْلاَنِ عن حكاية "صاحب التقريب": أَحدُهما: وهو اختيارُ الجمهورِ: أنه يضمن قِيمَتها عند الذبح كما في صورةِ الإِفْسَادِ.
والثاني: وبه قال ابنُ أَبِي هريرة: أنه يضمن الأكثرَ من قيمتها وقيمة اللحم؛ لأنه فرّقَ اللحمَ متعدياً بعدما ذبح.
ورَوَى بعضُهم بدل الثاني أنه يُغَرَّمُ أَرْشَ الذبح، وقِيمةَ اللَّحمِ، وعلى هذا جرى الامامُ وصاحبُ الكتابِ.
وقد يزيدُ الأَرْشُ مع قيمةِ اللحم على قيمة شاةٍ، وقد يَنقَص، وقد يتأدَّى المقداران ولا اختصاصَ [لهذا الخلافِ] 4 بصورة الضَّحيةِ بل يطردُ في كل مَنْ ذبح شاةَ إنسانٍ ثم [أتْلَف] 5 اللحْمَ ولذلك عمم التَّصْويرَ فقال: "ومَنْ ذَبحَ شاةَ غَيْرهِ وأكل لَحْمها" وهذا كلُّه تفريعٌ على أن الشاةَ التي ذبحها الأَجْنبيُّ في الوقْتِ تقع ضحيةً عن صاحبها.
أما إذا قُلْنا: لا تقع أُضْحيةً، فليس على الذابح إلاَّ أَرْشُ النقصانِ.
وما حُكْمُ اللحم؟ فيه وجهان: أَحدُهما: أن اللحم صَار مُسْتحقّاً بجهة الضحية حيثُ قال: جعلت هذه الشاةَ ضحيةً [فيصرف إلى مَصَارِفِها، وإن لم تقع ضحيةً] 6. والثاني: أنه ينفكُّ عن حُكْم الأضحية، ويصيرُ مِلْكاً له.
ولو التزم ضحيةً أو هَدْياً

لنذْرِه ثم عَيَّن واحِدةً عما في ذِمَّته فذبحها أجُنبيٌّ يومَ النحرِ أو فِي الحَرَم، فالقولُ في وُقُوعِها عن صاحبها ومن أْخْذِه اللحمَ وتصدُّقِه به وفي غرامة الذَّابِح أَرْشَ ما نقص بالذبح على ما ذكرنا فيما إذا كانت مُعَيَّنةً في الابتداءِ، وإن كان اللحم تالِفاً.
قال "صاحبُ التهذِيب" وغيرُه: يأخذ القيمةَ ويملكُها والأصْلُ في ذِمَّتِه، وفي هذه اللفظةِ ما بيْن أن قولَنَا في صورة الإتْلافِ: أنه يأْخُذُ القيمةَ ويشترِي بها مِثْلَ الأول يريد به أن يَشْتري بقدْرِها فأَمَّا ما أخذ فهو مِلْكٌ له، فله أَنْ يُمْسِكَهُ.

قال الغَزَالِي

ُّ: (الحُكْمُ الثَّانِي: التَّعَيُّبُ)

وَحَيْثُ لاَ يَلْزَمُ شَيْءٌ بِالتَّلَف فَلاَ يَلْزَمُ بالتَّعَيُّب فَإنْ كَانَ العَيْبُ مَانِعاً مِنَ الضَّحِيِّةِ فَغِي انْفِكَاكِ الشَّاةِ عَنِ الضِّحِيَّةِ وَجهَانِ وَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: جَعَلْتُ هَذِهِ ضَحِيَّةً وَهِيَ مَعِيبَةٌ فالصَّحِيحُ وُجُوبُ صَرْفِهَا اِلَى مَصَارِفِ الضَّحِيَّةِ وَلَوْ قَالَ لِظَبْيَةٍ جَعَلْتُهَا ضَحِيَّةً فَهُوَ لاَغٍ وَلَوْ قَالَ لِفَصِيلٍ أَو سَخْلَةٍ فَوَجْهَانِ وَلَوْ عَيَّنَ مَعِيبَةً لِنَذْرِهِ وَقُلْنَا: تَتَعَيَّنُ فَلاَ تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّتُهُ وَهَلْ يَلْزَمُ تَفْرِقَةُ لَحْمِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَوْ زَالَ العَيْبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي البَرَاءَةِ بِهَا وَجْهَانِ وَإِنْ تَعَيَّبَتِ المَعِيبَةُ بِفِعْلِهِ فَعَلَيْهِ إِبْدَالُهَا بِصَحِيحَةٍ وَفِي انْفِكَاكِ المَعِيبَةِ وَجْهَانِ وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضْحِيّ بِعَرْجَاءَ لَزِمَهُ عَرْجَاءُ وَفِي وَجْهٍ يَلْزَمُهُ صَحِيحَةٌ وَفِي وَجْهٍ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفَصْلِ مَسَائِلُ: إحْدَاها: إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحِيّةً أو نذر أن يُضَحِّيَ ببدنَةٍ بعيْنها، ثم حَدَثَ قبل وقْتِ التضحيةِ [عيبٌ] 1 يمنع من ابتداءِ الضحية -فلا يلزمُه، لما حدث شيءٌ؛ كما لا يَلْزَمُه شَيْءٌ لو تلفت ولا تنفكُّ هي عن حُكْمِ الضحيَّةِ بل تُجْزِئُه عن التضحية 2 ويذبحُها في وقتها.
وقال مَالِكٌ: لا تجْزِئُه، وسلم في الهدْيِ الأجزَاءُ.
وعند أبِي حَنِيفةَ: لا تُجْزِئُه، بل عليه التضحيةُ بسلِيمةٍ إن كان ممَّنْ يجب عليه الأضحيةُ، ويُحْكَى ذلك عن أَبِي جَعْفرٍ الأَسْتَرابَاذِي من أصحابنا.
لَنَا ما رُوِي عن أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيّ -رضي الله عنه- أنه قال: اشتريْتُ كَبْشاً لأُضْحِّي به [فَعَدَا] 3 الذِّئُبْ فأخذ منه الألْيَةَ فسألْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال:

"ضَحِّ بِهِ" 1. ولو خالف ما ذكرنا، وذبحها قبلَ يوْم النحر -تصدَّقَ باللحم، وعليه التصدُّقُ بقِيمتها أيضاً، ولا يجبُ أنْ يشترِيَ بها أضحيةً أُخْرى كذا نقله في 2 "التهذِيبِ" وكان سبَبُه أن تلك القيمةَ بدلُ حيوان لا يجوزُ ابتداءُ التضحية به.
ولو تَعيَّبتْ يومَ النحْر قبل التمكُّنِ من الذبح فيذبحها، ويتصدق بلحْمِها [وإنْ تَعَيَّبَتْ بَعْدَ التمكِين يَذْبَحُها] 3، وعليه ذبحُ بدَلِها، وتقصيرُه بالتأْخِير كالتعييب، ولو لزم ذمته أُضْحيةً بنذرِ أَوْ هَدْيٍ عن قِرَان أو تَمتُّعٍ أو نَذْرٍ -تعيَّن واحدة عما في ذِمَّته، فحدث بها عَيْبٌ قبلَ وَقْتِ التضحية أو قبل بلُوغ المنسَكِ فيجيءُ الخلافُ السابقُ في أنها: هل تَتَعيَّنُ؟ إنْ قُلْنا لا تتعيَّنُ، فلا أثر لتعيبها.
وإنْ قُلْنا: تتعين -وهو الصحِيحُ- فهلْ عليه ذبحُ سَلِيمة؟ فيه وجهانِ حكاهما الإمامُ كما في صُورةِ التَّلَفِ الصحيح -وهو جوابُ الجمهورِ.
نَعَمْ؛ لأنَّ الواجِبَ في ذمَّتِه سَلِيمٌ فلا يتأدى بالمعِيب.
وهل تنفكُّ تلك المُعيّنةُ عن الاستحقَاقِ، أو يلزمُه ذبحُها والتصدقْ بلحمها؟ فيه وَجهانِ: أَحدُهما: أنه يلزمُه الذَّبْحُ والتصدُّق؛ لأنه التزمَها بالتعيين.
وأَصَحُّهما: وينسب إلى النصِّ: المنعُ -بل له تملّكُهَا وبيعُها؛ لأنه ما التزم التصدُّقَ بها ابتداءً، إنما عيَّنها لأداءِ ما في الذِّمَّةِ بها وإنما يتأدَّى بها ما في الذمةِ بشرْطِ دَوَام السلامة.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ: وقرَّب بعضُ الأصحاب الوجهَيْن في أن تقليد الهدْيِ ونية الذبح: هَل تكْفِي لوجُوب الذَّبْح ووَجَّهَ إِلَيْنَا أنه إنَما أَوْجَبَها عَمَّا في ذِمَّته، وقد خرجت بالتعيب عن أنْ تجزئَ فيَبقى التعيِينُ مع النية، ويقرب من الوجهين وَجْهان ذُكِرَا فيما إذا عَيَّن أفضلَ مِمَّا عليه، ثم عاب: هل يَلْزمُه رعايةُ تلك الزيادةِ في البَدَلِ؟ ففي وَجْهٍ: يلزم؛ لالتزامِه تلك الزيادةَ بالتعيِين.
وعلى الأَصَحِّ: لا يلزُم؛ كما لو التزم مَعِيبةً ابتداءً، فهلكت مِنْ غير تعدٍّ منه.

ولو تعيب الهدْيُ بعد بلوغ المَنْسَكِ فوجهان: أَحدُهما: ويُحْكَى عن ابنِ الحدَّادِ: أنه يجزئُ ذَبْحُه؛ لأنه لما بلغ مواضِعَ الذَّبْحِ -صار كالحَاصِل في يَدِ المسَاكِين، [ويكون كمن دفع] 1 الزكاةَ إلى الإِمام فتلِفَتْ في يده، تُحْسَبُ مِنْ زكاتِه، ونسب الإمامُ هذا الوجهَ إلى القُّفالِ.
وأَصحُّهما: المنعُ -لأنه منْ ضمانِه حتى تُذْبَحَ.
وفي "التهذِيب": أنه إن تعَيَّب بعد بُلُوغِ المنْسَكِ والتمكن من الذبْح، فالأصْلُ في ذِمِته، وهل يتملَّكُ المعيَّن أو يلزمه ذَبْحُه؟ فيه الخلاَفُ، وإن تعيَّبَ قبل التمكُّنِ من الذبح فوجهان: أَصحُّهما: أَنَّ الحُكْمَ كذلك.
والثاني: أنه يكْفِيه ذبحُ المعيب والتصدُّقُ به، ويقرب من الخلاف المذكور فيما إذا حدث العَيْبُ بعد بلوغ المنْسَكِ.
واختلف الأصْحابُ فيما إذا شَدَّ قوائِمَ الشَّاةِ؛ قاصِداً للتضحية بها، فاضْطَربَتْ؛ وانكسر رجْلُها، وهذا قد ذكرنَاهُ مِنْ قَبْلُ -ورَأى الإمامُ تَخْصِيصَه بما إذا عَيَّن عن نذْرٍ في الذمَّةِ، والقطع بعدم الإجزاءِ إذا فرض ذلك في الأُضْحية المتطوع بها 2. وعن أَبِي حَنِيفَة: أَنَّ العَيْبَ الحادِثَ لمعالجةِ الذبْحِ كما إذا أصابت [المُدْيَة] 3 عَيْنَها فعوّرَها، لا يَمْنَعُ الإجزاءَ.
وقولُه في الكتابِ: "فإن كان العَيْبُ مانِعاً من التَّضْحِية" ليس بحَسَن الموْقِع فإنَّ الفَصْلَ مِنْ أوَّله في هذا النوع من العَيْبِ.
فإما ما لا يمنع الإجزاءَ فلا أثرَ لحدُوثهِ، ثم المقصودُ من الصورة ما إذا كانتِ الشاة مُعيَّنةً عن واجب في الذمة، فهي التي يشتهر في انفِكَاكِهَا عن الضحيَّةِ الوجهان.
فأما المعُيَّنة للالتزام ابتداء فَلاَ انْفِكاكَ لها إلاَّ على ما روينا عن الأَسْتَرَابَاذِي، لكن الحملَ على البعِيدِ بَعِيدٌ.
المَسْألَةُ الثَّانِيَةُ: لو قال لمَعِيبَةٍ بعَورٍ ونحوه: جعلتُ هذه ضحيةً، أو نَذَرَ أن يُضَحِّيَ بها ابتداءً -وجب ذَبْحُها؛ لأنه التزمَه وهو 4 كما إذا عتق مَعِيباً عن كفَّارَتِه [يَعْتِق ويُثابُ] 5 عليه.
وإن كان لا يُجْزِئُ عن الكفارَةِ ويكونُ ذبْحُها قُرْبةً، وتفرقُه لحمها

صَدَقةً ولا تجزئ عن الضَّحايَا والهدَايَا المشروعَةِ؛ فإنَّ السلامةَ مُعْتبرةٌ فيها.
وهل يختَصُّ ذَبْحُها بيومِ النحْر، ويجري مَجْرَى الضحايا في المصْرِف فيه وَجْهانِ: أَحدُهما: لاَ؛ لأنها ليْسَتْ بأُضْحيةٍ في الحقيقة، وإنما هي شاةُ لحْمٍ.
وأَصَحهما عند الإِمام وصاحِب الكتاب: نَعَمْ؛ لأنه أَوْجَبَ بِاسْم الضَّحيةِ ولا مَحَمَلَ لكلامِه، إلاَّ هذا، وعَلى هذا فُلَوْ ذبحها قبل يوْم النحر -فيتصدَّق بلحْمِها، ولا يأكل منها شَيْئًا، وعليه قِيمتُها يتصدقُ بها، ولا يَشْتَرِي أُخْرَى؛ لأن المعِيب لا يثبت في الذمَّةِ- قاله في "التهذيب".
ولو أشار إلى ظَبْيةٍ وقال: جعلتُ هذه أضحيةً فهو لاغ 1 -هكذا أطلق هاهنا وفي "الوَسِيط" وأضاف الإمامُ إلى ذلك قولَه: ولا يلزمه صَرْفُه 2 إلى حُكْم الضحيةِ، وقد يُفْهِمُ ذلك وُجُوبَ أَهْلِ التصدق بها.
ولو أشار إلى فَصِيلٍ أو سَخْلَةٍ وقال: هذه أضحيةٌ، فوجهان إِلْحَاقاً لنُقْصانِ السِّنِّ في أحدهما بالجِنْس المخالف للنَّعَم.
وفي الثَّانِي بالعَيْب -وهو الأَشْبَهُ- لأن نقصانَ السنّ من جِنْس ما يُضَحّي به -وبهذا أجاب الشيخ أبُو عَلِيّ.
وإذا أوجبه مَعِيباً ثم زال العيبُ: فهل يُجْزِئُ ذبحُه عن الضحية؟ فيه وجهان: أصحهما 3: المنعُ؛ لأنه زال مِلْكُه عنه [وهو] 4 ناقِصٌ فالكمال بعد ذلك لا يُؤَثِّر كما إذا أَعْتَقَ عَبْداً أَعْمَى عن كفارته فارتد [بَصِيراً] 5. والثاني: يَجُوز؛ لكماله وقْتَ الذبح.
وعن القاضي أَبِي حَامِدٍ -أنه حكى الجوازَ قَوْلاً عن القديم.
ولو كان في ذمَّتِه أَضحيةٌ أو هَدىٌ بنذْرٍ وغيره، فعيَّن مَعِيبةً عما عليه -لم تَتَعيَّنْ ولم تبرأ بذبحها ذمتُه؛ لأن السليم هو الواجبُ عليه، وهل يلزمُه بالتعْيِين ذبحُ المعِيبة؟ نُظِرَ، إن قال: عينت هذه عما في [ذِمَّتِي- لم يلزمْهُ وإن قال: لِلَّه عَلَيَّ أن أُضَحي بهذه عَمَّا في] 6 ذِمَّتي أَوْ أَهْدَى بهذه أو قال: لله عليّ ذبحها [عن الواجب في ذمتي -فوجهان:

أظهرُهما على ما ذكره الشيخ أبُو عَلِيّ والأئمة أنه يلزف ذبحُها] 1 كما لو التزمَ ابتداءً ذبح مَعِيبة.
والثاني: المنعُ؛ لأنه جعلَها عما في الذمَّةِ فلا تقع عنه فيستمر الملك فيها، والوجهانِ عند الشيخ مُبْنِيَّانِ على أنَّ قولَ القائِل: لله عَلَيّ أنْ أذبحَ هذه الشاةَ أو أتصدَّقَ بها هل يزيلُ المِلْك في الحال؟ وفيه خلافٌ قد مَرّ.
والأصَحُّ: أنه يلزمُه وحينئذ فقولُه: لِلَّه عَلَيّ أن أضحي بهذه عما عليّ ينزل مَنْزِلةَ إِعْتاقِ العَبْدِ الأَعْمَى عن الكفَّارة وأنه يُوجِبُ العِتْقَ، لكان كان لا يقَعُ عن الكفَّارةِ فإنْ قُلْنَا: يلزمُه ذبْحُها: فهل يختصُّ بوقْتِ التضحيةِ إذا كان التعيِينُ عن الأضحية؟ فيه الوجهانِ السابقان ولو زال عَيْبُ المعيَّنةِ المَعِيبةِ قبل أنْ يَذْبَحَها، فهل تحصل البراءةُ بذبحها؟ فيه الوجْهانِ السابقانِ وليبنيا على أنه هل يزولُ الملْكُ في الحال عنها بالتعيين؟ إن قُلْنا: نَعَمْ، فلا أَثَر لزوالِ العَيْب بعد ذلك.
وقولُه في الكتاب: "ولو عَيَّنَ مَعِيبةً لنذْرِه وقلنا: تتعين" كأنه أراد به الخلافَ الذي مَرَّ في أن تعيينَ واحدَةٍ عن الثابت 2 في الذّمة هل يُوجِبُ تعْيِينُها؟ قال قُلْنا: لا تتعيَّنُ، فيلْغُو التَّعْيِين، ولم يتعرَّضْ في "الوسيط" للتقيِيدِ بهذا التفْرِيع، وهذا كُلُّه فيما إذا لم يكنِ التَّعيُّبُ بفعله.
فأما إذا تعيَّبَتِ المعيبةُ ابتداءً، أو عما في الذمة بِفعْله -فعليه ذبْحُ صحيحةٍ.
وفِي انْفكاكِ المعِيبة عن حُكْمِ الالتزامِ الخلافُ الذي سبق.
ولو ذبح الأُضْحيةَ المنذُورةَ يومَ النحر أو الهدْيَ المنذُورَ بعد بُلوغِ المنْسَكِ ولم يفرِّقِ اللحْمَ حتى تغَيَّر وفَسَدَ -فعليه قِيمَةُ اللَّحْم ويتصدَّقُ بها، ولا يلزمُه شراءُ أُخْرَى؛ لأنها حصلت إِرَاقَةُ الدمِ وكذا لو كصب اللحم غَاصِبٌ وتلِفَ عنده أو أَتْلَف مُتلِفٌ يأخذ القيمةَ ويتصدَّق بها.
الثَّالِثَةُ 3: لو التزم بالنذْرِ التضحيةُ بمعِيبة عن مُعَيَّنة بأن قال: لله عليّ أنْ أضحّي بشاةٍ عَرْجَاءَ أو عَجْفَاءَ لا نَتْقِي ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أَحدُها: أنه يلزْمه ما التزم، ولا يَلْزَمُه صَحِيحةً.
والثَّانِي: يلزُمه صحيحةً؛ لأن التضحية بالعَرْجَاءِ لا يجوزُ فكأن هذا القائِلَ يعتبر قوله: أُضَحِّي ويُلْغَى ما بعده.

والثالثُ: أنه لا يلزمُه شيءٌ؛ لأنه التزمَ مَا لا يجوِّزُه الشرعُ، ونظمُ الكتابِ يَقْتَضِي ترجيحَ الأَوَّلِ، ويُشْبِهُ أن يكونَ الحكمُ في لزوِم ذبْحِها، والتصدُّقِ بلحمها، وفي أَنَّها ليْسَت من الضَّحايَا وفي أن مَصْرِفَها هل هو مَصْرِفُ الضَّحايَا؟ على ما ذكرْنَا فِيما إذا قال: جعلتُ هذه المعِيبةَ ضحيةً، وإن التزم الضحيةَ بظَبْيةٍ أو بفصِيلٍ ففيه التَّرْتِيبُ الذي تقدَّم في المعِيبَةِ.
[ويشبه] 1 أن يَجِيءَ [الخلافُ] 2 في قولِه: لله عَلَيَّ أن أُضحي بظَبْية وإن لم يذكرْ خلافٌ في قوله: جعلتُ هذه الظَّبْيةَ أُضْحيةً 3. قال الغَزَالِيُّ: وَالضَّلاَلُ كَالهَلاَكِ وَلَكِنْ حَيْثُ وَجَبَ البَدَلُ وَوَجَدَ الضَّالَّةَ بَعْدَ تَضْحِيَةِ البَدَلِ فَفِي تضْحِيَةِ الضَّالَّةِ قَوْلاَنِ وَلَوْ عيَّنَ وَاحِدَةً بَدَلَ الضَّالَّةِ ثُمَّ وَجَدَهَا قَبْلَ ذَبْحِ البَدَلِ وَجَبَ ذَبْحُهُمَا في قوْلٍ وَتَعَيَّنَ الأوَّلُ فِي قَوْلٍ وَتَعيَّنَ الثَّانِي في قَوْلٍ وَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا ضَلَّ هدْيُهُ أو أضحيتهُ المتطَوَّعُ بها لم يلزمْهُ شَيْءٌ 4. والهدْيُ الملتزم بعينهِ ابتداءً إذا ضَلَّ بغيْرِ تَقْصِيرِ لم يلزمْهُ ضمانَه، فإن وجده ذَبَحَهُ والأُضْحية إِنْ وجدَها في وقْتِ التضحية -ذبحَها وإن وجدَها بعد مُضِيّ الوقْتِ- فله أنْ يذبحَها قضاءً ولا يلزمُه الصبرُ إلى قَابِلٍ، وإذا ذَبَحَهَا صرفَ لحْمَها إلى مَصَارِف الضحايا.
وعن ابْنِ أَبِي هُريْرَةَ وجهٌ ضَعِيفٌ: أنه يصرفُه إلى المساكِينِ خاصَّةً ولا يأكلُ ولا يدَّخِرُ؛ لأنها لما صارت قضاءً صارت حَقّاً للغير.
وعند أَبِي حَنِيفةَ إذا وجدها بعد وقْتِ التضحية، لم يذبحْها، ولكن يتصدّقُ بها حَيَّةَ أو ينتظر العامَ القَابِلَ.
وعند مَالكٍ: أنها تعودُ إلى مِلْكِه ومهما كان الضَّلاَلُ بغير تقصيرهِ فلا يلزمُهُ الطلبُ إن كان فيه مَؤُنةٌ، وإن لم يكن لزمَهُ؛ لأنه مُؤْتَمنٌ في حُقُوقِ المستحقِّين، وإن كان الضلالُ بتقصِيره -فعليه الطَّلَبُ، فإن لم يجُدْ.
فعليه الضمانُ، فإن عَلِم أنه لا يجدُها في أيَّام التشرِيقِ- فعليه ذَبْحُ بَدَلِها في أَيَّامِ التشريق وتأخُّرُ 5 الذَّبْحِ إلى مُضِيِّ أيام التشرِيقِ بِلا عْذُرٍ -تَقْصِيرٌ.

فإذا ضلت بعده، فعلَيْه الضمانُ، وإن مضى بعد أيامِ التشريق ثُمَّ ضلت، فهل هو تقصيرٌ؟ فيه وجهان 1. ولو عيَّن هَدْياً، أو أضحيةً عما ثبت في ذِمَّته، فضَلَّ ما عينه، فقد قال الإمامُ: هو كما لو تَلِفَتْ هذه المعيَّنةُ، وفي وُجُوبِ البدل وَجْهَانِ.
وقد ذكرنا هُناكَ حالَ هَذا الخلافِ، وما في إِطْلاَقِ لفْظِ البَدَلِ من التَّوسُّعِ.
وعبارةُ الجمهورِ: أن الأصْلَ الملتزم في ذمَّته يلزمه إخراجُه، فإن ذبح واحدةً عما عليه ثُمَّ وجد الضَّالَةَ، فهل يلزمُه ذَبْحُها؟ فيه وجهان: وقيل قَوْلاَنِ: أَصَحُّهمَا على ما ذكر في "التهذيب": أنه لا يلزمُ، على ما ذكرنا في التعيُّبِ، بل له تَملُّكُ الضَّالةِ.
والثَّانِي: يلزمُ؛ لأنه رَبَط الاستحقاق بهاْ وأزال الملْكَ عنها بالتعْيِينِ.
ويُرْوَى أن عائشةَ -رضي الله عنها- أَهْدَتْ هَدْيَيْن فضلتُهما [فبعث ابن الزبير - رضي الله عنهما- إليها هديين، فنحرتهما] 2 ثم عاد الضَّالاَّنِ فنحرتْهُما، وقالت: هذه سُنَّةُ 3 الهدْي وهذا ما أورده ابنُ الصَّباغِ، وفرَّق بين الضَّالةِ، والمَعِّيبة بأن الضالةَ لم تخرج عن صِفَةِ الإِجْزَاءِ فلا يزولُ عنها مِلْكُ الفقراءِ ولو عَيَّن بدلَ الضالةِ أُخْرَى، ثم وجد الضالةَ قبل ذَبْحِ البدَلِ، ففي أَرْبَعةُ أَوْجُهٍ: أَحدُها: أنه يُضَحِّي بالضَّالَّة؛ فإنها الأصلُ الذي تعيَّن أولاً، والثاني كان بدلاً لا يسقط حُكْمه بالقدرة على الأصْل.
والثَّانِي: يُضَحِّي بهما جَمِيعاً لتعيِيْنهما وتعلُّقِ إلاسْتحقاقِ بها، والوجْهانِ مَبْنِيَّانِ على الخِلاَفِ في أنه هل يَجِبُ ذَبْحُ الضَّالةِ إذا وجدت بعد ذَبْحِ البدل؟

إنْ قُلْنا: نَعَمْ، أوجبْنَا هاهنا ذبحَها وإلاَّ اكتفينا بالأَصْل.
والثالِثُ: أنه يضحِّي بالثانِي؛ لانتقَالِ الوُجُوبِ إليه، لانْفِكَاكِ الأول.
والرَّابعُ: أنه لا يَعْدِلُ عنهما لتعَيُّنِهِمَا ويتخيَّرُ فيهما، والتعبِيرُ عن هذا الخلافِ بالأقْوَالِ لا يكادُ يُوجَدُ إلاَّ لصاحب الكِتَابِ في هذا الكتاب، ولم أَرَ نَقْلَ الوجوهِ مَجْمُوعةً إلاَّ للإمام.
فَرْعٌ: لو عيَّن واحدةً عن أُضْحيةٍ في ذمَّته، وقلْنا: إنها تَتَعيَّنُ ثم ضحى بأُخْرَى عما في ذِمّته.
قال الإمامُ: يخرَّجُ على أن المعِيبةَ لو تلِفَتْ هل تبرأ ذِمَّتُه؟ إن قلنا: نَعَمْ، لم تقعَ الثانيةُ عَمَّا عليه، وكان كما إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً ثم ذبح أُخْرَى بدلاً عنها.
وإنْ قُلْنَا: لاَ -وهو الصحيحُ- ففِي وقوع الثانية عَمَّا عليه تردُّدٌ، فإن قُلْنا: تقعُ عنه، فهل تنفكُّ الأَوْلَى عن الاستحقَاقِ؟ فيه الخلَافُ السابِقُ.
ولو عيَّن مَنْ عليه كفارةٌ عَبْداً عما عليه ففي تَعْيِينه خلاف.
والذي أجاب به الشيخُ أَبُو حَامدٍ أنه يتعيَّنُ (1). وإن تعيَّبَ المُعيَّن فعليه إعتاق عَبْدٍ سَلِيمٍ، ولو مات بقِيَتْ ذمَّتُه مشغولةً بالكفارة عما كانت، وإن أَعْتق عَبْداً آخر عن كفَّارته مع التمكُّنِ من إعتاق المعيَّنِ، فالظاهِرُ أن ذمتَهُ تبرأُ.
وفرْقٌ بين ما نحن فِيه، وبيْنَ الكفارةِ: بأن النَّاذِرَ وإنْ كان مُلْتزِماً، فهو متبرَّعٌ بالالتِزَام، فإنْ قَبِلَ النقْلَ إلى عيْن، كان له، وجهٌ على بُعدٍ، والكفارةُ الواجِبة شَرْعاً لا تَحْتَمِلُ ذلك.

قال الغَزَالِي

ُّ: (الحُكْمُ الثالِثُ في الأكْلِ)

وَفِي جَوَازِ الأَكْلِ مِنَ المَنْذُورَةِ وَجْهَانِ وَالمُتَطَوِّعُ بِهَا يَجْوزُ الأَكْلُ مِنْهَا وَإِطْعَامُ الأغْنِيَاءِ وَلاَ يَجُوزُ تَمْلِيكُ الأَغْنِيَاءِ لِلبَيْعِ وَيَجُوزُ تَمْلِيكُ الفُقَرَاءِ لِلبَيْعِ وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقَدْرِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الاسْمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَإِنْ أَوْجَبْنَا لزم التَّمْلِيكُ فِي ذَلِكَ القَدْرِ فَإنْ أكَلَ الجَمِيعَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلاَّ قِيمَةُ ذلك القدر وقيل يجب قيمة النِّصْفِ ثُمَّ الأَحْسَنُ التَّصَدُّقُ بِالجَمِيعِ والتَّبَرُّكُ بِأْكْلِ لُقمَةٍ وَيَتأَدَّى كَمَالُ الشِّعَارِ بِالتَّصَدُّقِ بِالثُّلُثِ وَبِأَكْلُ الثُّلُثَ وَيدَّخِرُ الثُّلثُ وَقِيلَ: بَلْ يَتَصَدَّقُ بالنِّصْفِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الأَكْلِ من الهدْيِ والأَضْحية فضْلاَنِ:1

أَحدُهما: في الأَكْلِ مِنَ الوَاجِب منها، فكُلُّ [هَدْيٍ] 1 وَجَبَ ابتداءً من غَيْرِ التزَامٍ كدمِ القِرَانِ والتمتُّعِ ودِمَاءِ الجبراناتِ فَي الحجِّ -لاَ يجوزُ الأَكْلُ منه.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: يجوزُ الأكْلُ مِنْ دَمِ التَّمتع والقِرَانِ وقال مَالِكٌ: يجوزُ الأكْلُ منها إلاَّ من فِدْيةِ [الأَذَى] 2، وجزاء الصيد.
لنا أنها كفاراتٌ فلا يجوزُ للمكفِّرِ الانتفاعُ بها؛ كسائر الكفاراتِ فلو أكل منها شَيْئًا -غَرِمَهُ، ولا يجبُ إراقةُ الدمِ ثانياً وفيما يَغْرَمُ، ثلاثةُ أَوْجُهٍ: أظهرها 3: ويحكى عن نصِّه -رضي الله عنه- في القديم أنه يَغْرَمُ قيمةَ اللَّحْمِ، كما لو أَكَلَهُ أو أتْلَفَه غيرُه.
والثاني: أنه يلزَمُ مِثْلَ ذلك اللحم؛ لأنه لو أَتْلَفَ الشاةَ التي عيَّنها لما عليه، أو أتلف الهدْيَ -لزمه مِثْلُه، فكذلك إذا أتلف بعضَه لَزِمَهُ مِثْلُه.
والثَّالِثُ: عليه أن يشترِيَ شِقْصاً من حيوانِ مِثلِه، ويشاركه في الذبح؛ لأن ما أكله أَبطَلَ إِرَاقَةَ الدمِ فيه، فصار كما إذا ذبح وكل الجمِيعَ يلزَمُه دَمٌ آخر.
وأما الملتزِمُ بالنذْرِ من الضحايا أو الهدَايَا، فإنْ عيَّن بالنذْرِ عما في ذمَّته حَلْقٍ أو تَطَيُّبِ أو غَيْرِهما -شاةً، لَمْ يَجُزْ له الأكلُ منها إذا ذبحها؛ كما لو ذبح شاةً بهذه النيَّةِ من غَيْر نَذْرٍ.
واحتجَّ له الشيخُ أَبُو عَلِيّ بأنه أَخْرَجَهَا عن الواجب في ذمته، فليس له صَرْفُ شَيْءٍ منها إلى نَفْسِه؛ كما إذا أَخْرَجَ الزكاةَ وإن نَذَرَ نَذْرَ مُجَازَاةٍ فمات، [فإن] 4 علَّقَ التزام الأُضْحيةِ أو الهَدْيِ بشفاءِ المرِيضِ، وقُدُومِ الغَائِبِ، وغَيْرِهما -لم يَجُزِ الأكْلُ منها.
واحتجَّ له بأنه وجب على سبيل المُجَازاةِ والمُعَاوَضَةِ فأشبه جزاءَ الصيْدِ، وقضيةُ ما أَطْلقوه -والحالةُ هَذهِ أَلاَّ يفرق بين أن يكونَ الملتزَمُ مُعَيَّناً أو مُرْسَلاً في الذمة، ثم يذبح عنه، وإن أطلق الالتزامَ ولم يعلِّقْه بشيء، وفرَّعْنَا على أنه يلْزَمُ الوفاءُ؛ وهو الأظهرُ، فيُنْظَرُ.
إنْ كان الملتزَمُ معيَّناً كما إذا قال: للهِ عليّ أن أضحّي بهذه أو أهدي هذه ففي جوازِ الأكْلِ قَوْلاَنِ أَوْ وجهانِ بناءً على أن النذورَ تحمل على أَقَلِّ ما أوجبَ الله تعالى من ذلك النوع، أو على أَقَلِّ ما يُتَقَرَّبُ به إليه.
فإن قُلْنا بالأول، لم يجز الأكلُ منها؛ كالهدْيِ الواجب بالشرع.

وإن قلنا بالثاني، فيجوزُ؛ كما لو ضَحَّى بشاةٍ وقد توجه المنعُ من غير بناءً بأنه دم واجبٌ فأشبه دِمَاءَ [الجبراناتِ] 1. والثَّانِى: بأنه متطوِّعٌ بالتزامه فأجرى عليه حكم المتطوع به.
وفيه وجْهٌ ثالثٌ: وهو الفرقُ بين أن ينذِرَ الأُضْحيةَ فيجوز الأكلُ منها أو الهدْيَ فلا يجوزُ؛ حملاً لكل واحدٍ منهما على المعْهُودِ الشرْعِيّ.
ومِنْ هذا القبيل ما إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً من غير تقدم نذر والتزام وإن التزَمَ في الذِّمَّةِ ثم عيَّن واحدةً عما عليه، فهل يجوزُ الأكلُ منها إذا ذبحها؟ ترتب ذلك على المعيَّنةِ ابتداءً إن لم نجوِّزُ الأكْلَ هناك فهاهنا أَوْلَى.
وِإنْ جَوَّزْنَاه فهاهنا قولانِ أَوْ وجهان.
والفرقُ أن ما في الذمةِ آكدُ؛ ألا تَرَى أنه إذا عيَّن عنه واحدةً فهلكت -لم تبرأْ ذِمَّتُه والمعيَّنةُ ابتداءً إذا هلكت تبرأُ ذِمَّتُه، وأيضاً فإن ما يثبت في ذمتِه يثبت لغيره، وما لا يتعلق بالذمَّةِ لا يبعد أنْ يكُونَ هو فيه كغيْره هكذا فَصَّلَ حُكْمَ الأَكْلِ في الملتزمِ بالنذْرِ [كثيرُون من مُعْتَبِري] 2 الأَئِمّةِ وهو الأَثْبَتُ.
وقولُه في الكتاب: "وفي جَوَازِ الأَكْلِ من المنذُورَةِ وجهان" يقتضي ظاهِرُه التسويةَ بين نَذْرِ المُجَازَاةِ وغيرِه، وبين الملتزم المعيَّن والمرْسَلِ، ولذلك أطلقَ جماعةٌ، وبالمنْع قال أَبُو إسحاقَ، وذكر المحَامِلِي: أنه المذهبُ، والجوازُ هو اختيارُ الإمامِ والقفَّالِ، وفي "العُدَّةِ" أنه المذهبُ ويشبه أن يتوسط [فيرجح في المعين] 3 الجوازَ، وفي المرسل المنْعَ سواءٌ عَيَّنهُ عنه ثم ذبح المعيَّن، أو ذبح بلا تَعْيِينٍ؛ لأنَّه عن دَيْنِ في الذِّمةِ كجبرانَاتِ الحجِّ وإلى هذا ذهب "صَاحِبُ الحَاوِي" وعليه ينطبق سِيَاقُ الشيخ أبِي عَلِيّ.
وحيثُ قلْنا: لا يجوزُ الأكْلُ من المنذُورِ فإنْ أكل فَفِيمَا يغرم الوجوهُ الثلاثةُ المذكورَةُ في [الجبرَانَات] 4 وحيثُ قُلْنا: يجوز.
قال في "التهذيب": كَمْ يأْكُل؟ فيه قولانِ يأتي ذِكْرهما في أُضحية التطوّعِ، ولك أن تقولَ ذلك الخلاف في القدْرِ المُسْتحب أَكْلُه، ولا يبعد أن يُقال: لا يُسْتحبَّ؛ الأَكْلُ، وأقلُّ ما في تركهِ: الخُروجُ من الخلاف.
والفُصْلُ الثَّاني: في الأَكْلِ من الأُضْحية والهدْيِ المتطوَّعِ بهما، وهو جائِزٌ بل مُسْتحب.
قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] وروي عن

جَابرِ -رضي الله عنه- أن عَلِيًّا -كرم الله وجهه- قَدِمَ ببدنٍ من اليمن وساق النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مائةَ بدنَةٍ فنحر منها ثَلاَثاً وسِتِّين بيده ونحر عليٌّ -رضي الله عنه- ما بقي ثُمَّ أمر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُؤْخَذَ بِضْعَةٌ من كُلِّ بدنةٍ، فتجعل في قِدْرٍ فأَكَلا من لحمِهَا وحَسَيَا من مَرَقِهَا وكان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُتَطَوِّعاً 1 بها.
وليس للمُضَحِّي والمهدِي أن يتلف شيئاً منها، بل إمَّا أن يُطْعِمَ وإمَّا أن يَطْعَمَ، ولا يجوزُ بَيْعُ شيءٍ منهما ولا أن يُعْطِي الجزَّارَ شيئاً أُجْرةً له بل مُؤْنَةُ الذبْحِ على المُضَحِّي والمُهْدِي كمؤنة الحصاد.
وروي عن علي -كرم الله وجهه- أنه قال: أَمَرنِي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَقُومَ على بَدَنةِ وأُقَسْمَ جُلُودَها وجلاَلَها، ولا أُعْطِي الجازِرَ منها شَيْئاً 2. ويجوزُ أَنْ يُعْطَى منها شيئاً؛ لفَقْرِه أو يُطْعَم إن كان غَنِيّاً، ولا يجوزُ تَمْلِيكُ الأَغْنياء مِنْها، وإن كان يجوزُ إِطْعَامَهم كما يُطْعَمُ الضَّيْفُ.
ويجوزُ تملِيكُ الفقراءِ؛ ليتصرَّفوا فيه بالبيْعِ، ونحوه بل لو أصْلَحَ الطعامَ ودعا إليه الفُقَراءَ فَقَدْ قال الإمامُ: الذي ينقدِحُ عندي إذا أَوْجَبْنا التصدقَ بشيْءٍ أنه لا بُدَّ من التَّمْلِيكِ كما في الكَفَّارَاتِ، وهذا ما أطلَقَهُ القاضي الرُّوَيانِي في "البَحْر" فقال: لا يجوزُ أن يَدْعُوَ الفقراءَ ليأكلُوا مَطْبُوخاً؛ لأن حَقَّهُم في تملُّكهِ لا في أَكْلِه، وإِنْ دفع مَطْبُوخاً -لم يَجُزْ بل يفرِّقُه نَيّاً، وقد شبه المطبوخ بالخبز في الفطرة.
وقولُه في الكتاب: "ولا يجوزُ تملِيكُ الأغنياءِ البيعَ": كلمةُ "البيْع" تذكر في مِثْلِه للإيضاح، وفي لفظ "التَّمْلِيك" ما يُغْنِي عنه.
وقولُه: "ويجوزُ تمليكُ [الفقير] 3 للبيع" وقد عرفت أنه لازمٌ فَضْلاً عن كونه جَائِزاً، واقتصر هاهنا على ذِكْر الجوَازِ في مقابلة نفي الجوَازِ في تمليك الأغنياءِ، وأما لزومُه فقد ذكره مِنْ بَعْدُ مُفَرَّعاً على وُجُوبِ التصدُّقِ بشَيء، كما ذكره الإمامُ.
وفي الفصْلِ مَسْأَلتانِ: إحْدَاهُمَا: هَل يُشْتَرطُ التصدُّقُ بشيء، أم يجوزُ أَكْلُ الجميع؟ فيه وَجْهان: أَحدُهما: لا يشترطُ، ويجوز أَكْلُ الجمِيع، وبه قال أَبُو العَبّاسِ بنُ سُرَيْجٍ، وابن القَاصِ والاِصْطَخْري، وابْنُ الوَكِيل: أنه يجُوز أكلُ أكثرِهَا، فيجوزُ أَكْلُ جمِيعِهَا،

وحيازةُ الثَوابِ تحصلُ بإِرَاقَةِ الدم بنية القُرْبةِ.
قال الله تَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
ونسب ابنُ القاص هذا الوجْهَ إلى النصِّ، وحكاه الموفقُ ابْنُ طاهرٍ، عن أَبِي حَنِيفةَ.
وأَصحهُّمَا: أنه لا بُدَّ من التصدُّقِ بقدر ما يَنْطَلِقُ عليه الاسمُ لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] ولأنَّ المقصودَ الإرفاقُ بالمسَاكِينِ، ولا يحصلُ ذلك بمجرد الإراقَةِ، وعلى هذا فلو أَكَل الجميعَ، ضمن، وما الذي يضمن؟ عن رواية القَاضِيَيْن: ابْنِ كج، والماوردي، أنه يَضمَنُ الكُلَّ بأكثر الأَمْرَيْن من قِيمَتِهما، ومثلها؛ لأنه يَأكُلِ الكُلِّ عَدَلَ عن حُكْمِ الأُضْحية فكأنه أَتْلَفَها، وينسب هذا إلى أَبِي إِسْحَاقَ، وابْنِ أَبِي هُريْرة، وعلى هذا فينَبغي أنْ يذبَحَ البدلَ في وقْتِ التضحية فلو أَخَّره عن أَيَّامِ التشرِيقِ، ففي إجزائِه وَجْهانِ: وجهُ المنْعِ بالقياسِ على تَأْخِير ذبح الأَصْلِ.
والآخَرُ بأنَّ إراقةَ الدَّم في وقْتِ التضحية، والمقْصُودُ من البدل تَدارُكُ الإطعام، وهل يجوزُ أن يأكُلَ من البدلِ؟ ذكر فيه وَجْهين، والظاهِرُ المشهورُ: أنه لا يُغرَّمُ الجمِيعَ ويعتد بإراقَةِ الدم، وعلى هذا فكم يُغَرَّمُ؟ فيه وجهان، أو قولان: أَصحُّهمَا: القدْرُ الذي كان يجوزُ الاقتصارُ على التصدُّقِ به ابتداءً.
والثَّاني: القدْرُ الذي لا يُسْتحب أن يَنْقُصَ التصدُّقُ عنه وهو النِّصْفُ أو الثُّلثُ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى.
وبنوا الخلافَ على الخلافِ: في أنه إذا دفع أحد سهمان الزكاة إلى اثنين يغرم أقَلَّ ما يتموَّلُ؛ لأنه لو دفعه إلى الثالثٍ في الابتداءِ لجازَ أو الثلث لأنَّ المُسْتحبَّ في الابتداءِ التسويةُ، وذكر القاضي الرُّوَيانِي في "البَحْر" أن ما يَضْمَنُه على الوجْهينِ لا يتصدَّقُ به ورِقاً، وهل يلزمُه صرفُه إلى شِقْصٍ من أضحية، أو يكْتَفِي بصرْفِه إلى اللحم، وتَفْرِقته؟ فيه وَجْهانِ: وعلى الوجهين يجوزُ تأخِيرُ الدفعِ أو التفريقُ عن أيام التشريقِ؛ لأن الشَّقْصَ ليس بأُضْحية فلا يُعْتَبرُ فيه وقْتُ الأُضْحية، ولا يجوزُ أَنْ يَأْكُلَ منه.
الثانيةُ: الأفْضَلُ [والأحْسَنُ] 1 التصدَّقُ بالجمِيعِ، والتبرُّكُ بأَكْل لُقْمةٍ.

ويُرْوَى أَن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يَأْكُلُ من كَبِدِ أُضْحِيَته 1. وعن عَلِيٍّ -كرم اللهُ وجهه- أنه قال في خُطْبتهِ بالبصرة: إِنَّ أَمِيرَكُمْ هذا قَدْ رَضِيَ مِنْ دُنْيَاكُم بطمرية، وأنه لا يأْكُلُ اللحْمَ في السَّنَةِ إلا الفَلْذَةَ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَتِه 2. وعن "الحَاوِي" أن أَبَا الطَّيبِ بْنَ سَلَمةَ قال: لاَ يَجُوزُ أَنْ يتصدَّقَ بالجميع ولا بُدَّ وأن يأكل شيئاً، وفي القدْرِ الذي يستحب ألاَّ ينقصَ التصدُّقُ عنه قولان: القدِيمُ: أنه يأْكُل النِّصْفَ ويتصدَّقُ بالنصْفِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] جعلها على قِسْمَيْنٍ واختلفوا في التعيِين على القول الثاني، فنقَلَ ناقِلُون عن الجدِيدِ: أنه يأكلُ الثلثَ، ويتصدقُ بالثلثِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] جعلها على ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ.
وفسّر مُفسِّرون القانِعَ: بالذي يَسْأَلُ، يُقالُ: قَنَعَ قُنُوعاً إذا سأل، وقَنِعَ قَنَاعَةً: إذا رَضِيَ بما رزقه الله تعالى.
والمُعْتَرُّ: الذي يُعَرِّضُ بالسُؤالِ، ويحُومُ حَوْلَه.
وروى آخروُنَ أنه يَأْكُلُ الثلثَ، ويهدي للأغنياءِ والمتجملِينَ الثلثَ، ويتصدق بالثُّلثِ.
وهكذا حكاه الشيخ أَبُو حَامِدٍ في التعْلِيق ثم قال: ولو تصدَّقَ بالثلثَيْن -كان أَحَبَّ، ويُشْبه ألاَّ يكونَ في الحقِيقَةِ اختلافٌ، ولكن مَنِ اقْتصر على التصدُّقِ بالثلثَيْن ذكر ما هو الأَحَبّ، أو توسَّعَ فعدَّ الهديةَ من الصدَقَةِ ولكن عن "صاحِب الحَاوِي": أنه في الحِكَايةِ عن القَدِيم جعل الهديةَ من حيز الأَكْل فقال على القدِيم: يأكَلُ ويهدِي النصْفَ، ويتصدق بالنصف وهذا يخالِفُ عَدَّ الهديةَ من الصدقة.
والمفهومُ مما أجروه أن الهديةَ لا تُغْنِي عن التصدق بشيْءٍ إذا أَوْجَبْناه وأنها لاَ تحسب من القَدْرِ الذي يُسْتَحبُّ التصدُّقُ به، ويجوزُ صَرْفُ القدْرِ الذي لا بُدَّ منه إلى مِسْكِين وَاحدٍ بخلاف الزكاة 3. وقولُه في الكتاب: "وقِيلَ يَجِبُ قِيمةُ النِّصْفِ" يريدُ أو الثلثَ بناءً على الخِلاَفِ في أنه بكَمْ يتصدَّقُ؟

هكذا ذكر في "الوَسِيط" ويجوزُ أَنْ يُقَدَّرَ أنه قصد ذِكْرَ أحدٍ القَوْلَيْن، وتركَ الثاني.
وقولُه: "ثم الأَحْسَنُ التصدقُ بالجمِيع، والتبرُّكُ بأَكْلِ لُقْمة".
فيه معنى الاستثناءِ، أَي التَّصدُّق بالجمِيع سِوَى لُقْمةِ يتبرك بأَكْلها، وإلاَّ فالتصُّدقُ بالجمِيعِ، وأَكْلُ البعْضِ لا يجتمعانِ.
وقولُه: "ويتَأدَّى كَمَالُ الشّعارِ بكَذَا" يريدُ أنه الدرجةُ المرضِيّة المُسْتَحبّة، ويجوزُ أَنْ يكُونَ فَوْقَها ما هو أَحَبُّ مِنْها، وهذا كما يُقال في تَسْنبِيحات الركُوع والسُّجُودِ: الأفْضَلُ كذا، وأَدْنَى الكمالِ كَذَا.
وقوله: "التصدُّقُ بالثلثِ، ويأْكُلُ الثلثَ، ويدَّخِرُ الثلثَ" نذكر فيه أَوَّلاً حُكْمَ الادِّخَارِ، ثُمَّ تعودُ إلى ما يتعلَّقُ بالكتاب خاصَّةً.
أَمَّا الأولُ: قال العلماءُ: كان ادخارُ الأُضْحية فوقَ الثلاثِ مَنْهِيّاً عنه، ثم أَذِنَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فيه لَمَّا رَاجَعُوهُ.
وقال: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الدَّافّة وَقَدْ جَاءَ اللهُ تَعَالَى بِالسَّعَةِ فَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ" 1. والدَّافَّةُ: جماعةٌ كانوا قد دخلوا المدِينَة قد أَفْحَمَتْهُم السَّنَةُ في البادِيَةِ، فأرادوا أَنْ يُوَاسُوهم، ويَتَصدَّقُوا عليهم.
والدَّفِيفُ: سَيْرٌ فيه سُرْعَة وتَقَاذُفُ 2 خُطًى ويُقَالُ: هو السَّيْرُ اللَّيْنُ تقول منه: دَفَّ يَدِفُّ.
وقيل: الدَّافَّةُ: النَّازِلَةُ، ودَفَّ القومُ بموضِع كذا؛ أَيْ: نزلوا والمشهورُ أن النهيَ أَوَّلاً كان نَهْيَ تَحْريمٍ.
وعن "صاحب الإِفْصَاح" أنه يحملُ على [الإرْشَادِ] 3 وَالاِسْتِحْبَابِ وذكروا تَفْرِيعاً على الأول وَجْهَيْن: في أَنَّ ذَلك التحريمَ كان عاماً ثم نُسِخ؛ إذ كان مَخْصُوصاً بتلك الحالَةِ الحادِثَةِ، فلمّا انتهت انتهى التحريمُ.
ووجْهِيْن تَفْرِيعاً على الثاني: في أنه لو حَدَثَ مِثْلُ ذلك في زَمَانِنَا وبِلاَدِنَا، هل يُحْكَمْ بالتحرِيمِ؟ والظاهِرُ أنه لا يُحَرّمُ اليومَ بمالٍ.
وأمَّا مَا يتعلَّقُ بالكتابِ فما تعرض له مِنْ الإدِّخَار

فبقوله "بالتصدُّقِ بالثلثِ، ويأْكُلُ الثلثَ، ويدخر الثلثَ" [ويجوز أن يقرأ: وَيدَّخِرُ الثلثَ] 1 والأَحْسَنُ أَنْ يُقْرَأ أَوْ يِدَّخِرُ الثلثُ؛ ليوافِقَ اللفْظَ والتصدُّقَ والأَكْلَ، ثُمَّ التثلِيثُ ثم بالكيفيةِ التي أَوْرَدَها بَعِيدٌ نَقْلاً وَمَعْنًى.
أَمَّا النقلُ فلأنه لا يكادُ يُوجَدُ في كتابٍ مُتَقدِّمٍ، ولا مُتَأَخِّر وليس في "النِّهايَةِ" ولا في "الوَسِيط" تصريحٌ به.
وأما المذكورُ أنه يكْفِي التصدُّقُ بالثلثِ، والذي رواه سائِرُ الأَصْحابِ ما قدَّمْنَا 2. وأما المعْنَى: فَلأَنَّ الإِدِّخارَ والأَكْلَ [تختصُّ فائِدتُهما به فلا وَجْهَ] 3 لجعْلِ أَحدِهما في حَيِّزٍ والآخرَ في حَيِّزٍ وإنما المعقولُ أن يُجْعَلاَ في حيِّزَ وَاحِدٍ، ثم تارةً يُذْكَرانِ مَعاً، وتارة يُسْتَغْنَى بأَحدِهما عن الآخر؛ كما اقتصر كَثِيرُونَ على ذُكْر الأكْلِ، ولم يتعرّضُوا للادِّخَارِ.
وعن البُوَيْطِي: أنه يُبَقِّي الثلثَ -أَيْ: لِنَفْسِه، ويتصدقُ بالثلثِ ويهدي الثلثَ، والصدقةُ والهديةُ ترجع فَائِدَتُهما إلى صنفين، فحسن جَعْلُ كُلِّ واحدٍ منهما في حَيِّزٍ ويُشْبِه أَنْ يَكُونَ الموهَمُ الكيفيةَ التي أوْرَدها في الكتاب ما ذكر الإمامُ أنه مَنْ قال بالتثلِيثِ احتج بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في حَدِيثِ الدَّافَّة " ألا فَكُلُوا وَادَّخرُوا وَاتجِرُوا" 4 أي: اطْلُبُوا الأَجْرَ بالصدقةِ، فذكر ثلاث جهات [ولك أنْ تمنع كَوْنَها ثَلاَثَ جِهَاتٍ] 5 وتجعل الأكْلَ وَالاِدِّخَارِ جهةً واحدَةً؛ لما تقرَّرَ وتقول: إنما تعرَّضَ للادخارِ؛ لأنَّهُم راجَعُوه فيه، فقال: كُلُوا في الحَالِ إن شِئْتُم، وادَّخَروا إِنْ شِئْتُم.
قال الغَزَالِيُّ: وَجِلْدُ الضَّحِيَّةِ يَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ يُنْتَفَعُ بِهِ في البَيْتِ وَوَلَدُ الضَّحِيَّةِ لَهُ حُكْمُ الأُمِّ لَكِنْ يَجُوزُ أَكْلُ جَمِيعِهِ كَمَا يَجُوزُ أَكْلُ جَمِيعِ اللَّبَنِ لِأنَّهُ جُزْءٌ وَلَوِ اشْتَرَى شَاةً وَقَالَ: جَعَلْتُهَا ضَحِيَّةَ ثُمَّ وَجَدَ بها عَيْباً لَمْ يَكُنُ لَهُ الرَّدُّ وَلَهُ الأَرْشُ وَلاَ يَلْزَمُ صَرْفُ الأَرْشِ إِلَى مَصْرِفِ الضَّحَايَا.
قال الرَّافِعِيُّ: في هذه البقيَّةِ مَسَائِلُ ثلاثٌ:

إحْدَاهَا: جلْدُ الأَضْحيةِ لا يجوزُ بَيْعُه، ولا جَعْلُه أُجْرةً للجزَّارِ، ولكن للمُضَحِّي أن يتصدَّقَ به، أوَ يَتَّخِدَ مِنْهُ ما ينتَفِعُ بِعَيْنهِ مِنْ خُفٍّ أو نَعْلٍ أو دَلْوٍ أو فَرْوٍ أَو يعيره من غيره ولا يؤجره.
وعن رِوَايَة "صَاحِب التقريب" قولٌ غَرِيبٌ؛: أنه يجوز أن يبيعَ الجِلْدَ ويصرف ثُلُثَه إلى ما تُصْرفُ الأُضْحيةُ إلَيه، فيجبَ التشريِكُ فيه كالانتفاعِ باللَّحْم.
وعند أَبي حَنِيفةَ يَجُوز أَنْ يَبيعَهُ، ويتصدقَ بثمنِه، وأن يشتري بعيْنِه [ما ينتفِعُ به] 1 في البيْتِ.
لنا القياسُ على اللحم 2. والتصدقُ بالجِلْدِ لا يَكْفِي وإذا أَوْجَبْنَا التصدقَ من الأُضْحيةِ بشيْءٍ نقله الإمامُ عند "صَاحِب الحَاوِي" واسْتَحْسنهُ، وليكن القَرْنُ كالجِلْدِ.
ولا يُجزُّ صوفُ الأُضْحيةِ إن كان وقْتُ الذَّبْحِ قَرِيباً ولم يَضُرَّ إبقاؤُه أو إن كانتِ المصْلَحةُ في الابقاءِ لِلْحَاجَةِ إلى دَفْعِ الحرّ والبرْدِ به وإلاَّ فيجزّه، وحِينئَذٍ فيجوزُ أن يَنْتَفِع به، والأَحَبُّ التصدقُ.
وفي "التَّتِمَّةِ": أَنَّ صُوفَ الهدْي إذا جَزَّهُ يستصحبُه مع نَفْسه ويتصدَّقُ به على مَسَاكِينِ الحَرَمِ كالولد.
الثانيةُ: إذا ولَدَتِ الأُضْحية أو الهدْيُ المُتَطَوَّعُ بِهِمَا فهو مِلْكُه كالأُمِّ والمعيَّنةِ بالنذْرِ ابتداءً، إذا ولدت سَواءٌ كانت حَامِلاً عند التعْيِين، أو حدث الولدُ بعده يتبع الأم، ووجْهُ ذلك بأنَّ تعْيِينَها يزيلُ المِلْك؛ فتستتبعُ الولَدَ كما لَوْ أَعْتقها.
فإن ماتَتِ الأُمُّ بقي حُكْمُ الولدِ كما كان؛ كولدِ المدبرةِ، ولا يرتفعُ التدبِيرُ عنه بموتِ الأمّ، وإن عُيِّنت عما في الذِّمَّةِ -فحكم الولدِ كما ذكرنا في المعيَّنة بالنْذرِ ابتداءً.
وفي "الشَّامِلِ" لابْنِ الصَّبَّاغِ وجهٌ آخر: أنه لا يَتْبَعُها الولدُ فيكون مِلْكاٌ للمُضَحِّي والمهدِي؛ لأن مِلْكَ الفقراءِ غيرُ مُسْتقِر في هذه؛ أَلاَ تَرَى أنها لو عابت عادَتْ إلى مِلْكه.
والظِاهِرُ الأولُ، وعدمُ الاستقرارِ لا يمنَعُ ثبوتَ المِلْكِ في الولَدِ بدليلِ أَنَّ الأمةَ المبيعةَ إذا ولدَتْ في يَدِ البائِعِ، يكون الولدُ للمشترِي، وعلى هذ فلو ماتَتْ يبقى الحكْمُ في الولدِ.
وفِيه وجْهٌ: أنه لاَ يَبْقَى، والخلاف مُجْرى في وَلَدِ الأمةِ المبِيعَةِ إذا ماتَتْ في يدِ البائع، وإذا لم يَطُقْ ولدُ الهدْيِ المشيَ بنفْسِه -حُمِل على الأُمِّ أو غيرها؛ ليبلغ الحرمَ، ثُمَّ إذا ذبح الولدُ والأُمُّ ففي تفرقة لحمها وجوهٌ: أَحدُهَا: أنه يُسَلَكُ بلحْمِ كُلِّ واحدٍ منهما مَسْلَكَ الضَّحَايَا فيتصدّق مِنْ كُلِّ واحدٍ

منهما بشيءٍ؛ تفرِيعاً على الصحِيحِ لأنهما أُضْحِيتانِ.
والثَّانِي: أنه يكفي التصدُّقُ من أحدهما؛ لأن الولدَ بعضٌ 1 منها.
والثَّالِث: أنه لاَ بُدَّ مِنَ التصدُّقِ مِنْ لَحْم الأُمِّ؛ لأنها الأصلُ والولدُ تابعٌ، والوجهانِ الآخرانِ يشتركَانِ في تَجْوِيز أَكْلِ جميع الَولد وهو الذي رآه صاحبُ الكتابِ؛ أصحَّ، وبه أجابَ في الكتاب، وقاسه على اللَّبَن، وذكر الرُّوَيانِي: أَنَّ المذهبَ الأولُ.
وإذا ضَحَّى بشاةٍ، فوجد في بَطْنِها جَنِيناً -فيمكِنُ أَنْ يطَّرِدَ فيه هذا الخلافُ، ويمكِنُ أن يقطع بأنه 2 بعضُها.
ولبنُ الأُضْحيةِ، والهدْي لا يُحْلَبُ إنْ كان قدْرَ كفايةِ الولد، فإن حلَبَه ونقصَ الولدُ -ضمن النقْصَ.
وإِنْ فَضَل عن رِيِّ الولدِ، فيُحْلَب؛ لأنَّ في تركه إِضْراراً بالبهيمة.
ثم قال في التتمةِ: يُبْنَى شُرْبُه على أُكْلِ اللَّحْمِ: فإنْ لم نجوِّزْةُ، لم يُشْرَبِ اللبنُ، ويُنْقلُ لبنُ الهدْيِ إلى مكَّةَ، إن تيسَّرَ أمْكَنَ تجفِيفُه وإِلاَّ فيتصدَّقُ به على الفقراءِ هناك.
وإِنْ جوَّزْنَا الأكْلَ، فيُشْرب اللبنُ، وهذا ما أورده الجمهورُ ورَوَوْا عن عَلِيٍّ -كرم الله وجهه- أنه رأى رَجُلاً يسوقُ بدنَةَ معها ولدُها؛ فقال: لا تشرَبْ مِنْ لبنها إلاَّ ما فضل عَنْ 3 وَلَدِها وفَرَّقُوا بينه وبين الولَدِ بأنَّ اللبنَ يعسر نقلُه بخلافِ الولد وبأنه يُسْتَخلَفُ فيُسَامَحُ به.
وعن تخريجِ أَبِى الطَّيِّبِ بْنِ سُلَمَةَ، فيما حكاه القاضي ابْنُ كَجٍّ وجهٌ: أنه لا يجوزُ شربُ لبنِهَا، وبه قال أبُو حنيفةَ، وقال: يُرَشَّ على الضَّرْعِ الماء؛؛ ليتقطع اللبنُ.
ويجوز أن يركبَ الدَّابَّةَ وأَنْ يركب ويحمِلَ عليها مِنْ غَيْرِ إِجْحافٍ، فإنْ دخلَها نقصٌ بالركُوبِ، ضمِنَهُ ولا يجوزُ إجارةُ الهدْيِ والأُضْحية.
الثَّالِثَة: إذا اشْترى شاةً، وجعلها أُضْحيةً، ثم وجَدَ بها عَيْباً قَدِيماً -لم يكُنْ له

رَدُّها؛ لزَوَالِ المِلْكِ عنها؛ كما لوِ اشْتَرى عَبْداً وأَعْتقه، ثُمَّ وجد به عَيْباً، ولكنه يرجع على البائِعِ بالأَرْشِ، وما الذي يُفْعَلُ به؟ فِيه وَجْهانِ عن "صَاحِبِ الحَاوِي": أَحدُهما: أنه يصرِفُه إلى جِهَةِ الأُضْحيةِ، وينظر: أَيُمْكِنهُ أَنْ يشتريَ به أضحيةً، أو جُزْءاً، ولا يُمْكِنه أَنْ يشتريَ به أُضْحيةً ويعود فيه ما سبق في نَظَائِرِ، وفَرَّقُوا بين الأُضْحيةِ، وبَيْن الأَرْش المأْخُوذِ فيما إذا وَجَدَ عَيبَ العَبْدِ بعد إعْتاقِه، حيْثُ يكون ذلك للمُعْتِق بأن المقصودَ من العِتْقِ تكميلُ الأَحْكامِ، والعيبُ لا يؤثرُ فيه، والمقصودُ من الأُضْحيةِ اللَّحْمُ، ولحمُ المعِيبَةِ ليس بكامِلٍ.
والثَّانِى: أنه لِلْمُضَحِّي خاصِّةً لا يلزمُه صَرْفُه إلى مَصَارِف الضحايا لأن الأرْشَ إنما يجب لاقتضاءِ البيْعِ السلامةَ، وهو حَقٌّ يثبت للمشتري قبل التعْيِين، وثُبُوتِ حَقِّ المساكِين.
وأيضاً فإنَّ العيْبَ قد لا يُؤَثِّرُ في اللحْمِ الذي هو مَقْصُودُ الفقراءِ (1). والوجهُ الأولُ هو الذي أَوْرَدَه أكثرُهم، لكنَّ الثانِي أَقْوَى، ونسبه الإمامُ إلى المراوزَةِ وقال: لا يَصِحُّ غيرُه، وإليه ذهب ابنُ الصبَّاغ والرُّوَيانِي (2)، وهو الجوابُ في الكتاب ويجوزُ أَنْ يُعْلَمَ قولُه: "وولدُ الأُضْحيةِ له حُكْم الأُمِّ" بالواوِ؛ لأنه يتناوَلُ المعيَّنةَ ابتداءً والمعيَّنةَ عَمَّا في الذمَّةِ، وفي الثانية خِلاَفٌ كما عرفت.
والله أعلم.

فُرُوعٌ وصُوَرٌ مِنَ الْبَابِ

في مَجْمُوع أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ المرزبان: أَنَّ مَنْ أَكَلَ بعضَ الأُضْحية، وتصدَّقَ ببعْضِها، يثابُ علىَ الكُلِّ أو على ما تصدق به؟ فيه وجهانِ كوجْهيْن ذُكِرَا في أن المتطوعَ بالصوْم إذا نوى نهاراً يُثابُ بجمِيع اليوْمِ، أم لما [اقترنت] 3 به النيَّةُ؟ وينبغي أن يُقالَ لَه: ثوابُ التضحيةِ بالكلِّ والتصدّق 4 بالبعض.
وأن في جواز صَرْفِ الأُضْحية إلى المكاتب وجهين:12

في وجه يجوزُ كالزكاةِ.
وفي مجمُوعِ القاضي ابنِ كج: أن مَنْ ذبح شاةً، وقال أذبحُ لِرَضَا فلانٍ -حلَّتِ الذبيحةُ ولا يَضُرُّ قولُه: لرضَا فلانٍ؛ فإنه لا يتقرب إليه بخلاَفِ مَنْ يتقرب إلى الصنم بالذَّبْحِ.
وفي "البَحْر" للرُّوَيَانِي: أَنَّ مَنْ ذبح ذَبِيحةَ للجِنَّ، فينظر: إِنْ قَصَدَ به التقربَ إلى الله تعالى؛ ليصرفَ عنه شرَّهم، فهو حلالٌ، وإن قصد الذبح لهم فهو حرامٌ.
وفيه يروى أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-نَهَى عن ذَبَائِح الجِنِّ (1). وعن أبِي إِسْحَاقَ: أنه إذا أَوْجب الأُضْحيةَ العامَ فأَخَّرها عَصَى، ويَقْضِي؛ كما إذا أخَّر الصلاةَ عَنِ الوقْتِ.
ومَنْ ضَحَّى بعَدَدٍ فليفرِّقْ على أيَّام النَّحْرِ، إنْ كان يُضَحِّي برَأْسَيْن وقع ذبحُ أَحَدِهما إلى الأَوَّلِ مِنَ الأيَّامِ، وختم بذبح الثاني آخرها.
ومحل الأُضْحيةِ بلدُ المُضَحِّي بخلاف الهدْيِ، وخُرِّجَ في نقل الضحيَّةِ وَجْهَانِ من القولين في نقل الزكاةِ.
والأَحْسَنُ أن يُضَحّي في بَيْتِه بمشهد (2) أَهْلِه.
وعن "الحَاوِي": أنه يُختار للإمامِ أَنْ يُضحي لكافَّةِ المسلمين [من بيت المال] (3) بَدَنَةً ينحرها في المُصَلَّى، فإن لم يتيسَّرْ فبشاةٍ، وأن يتولى النحرَ بنفْسِه، وإن ضحَّى مِنْ مالِه ضحى حيْثُ شاءَ.

قال الغَزَالِي

ُّ: (وَأَمَّا العَقِيقَةُ)

فهِيَ أَيْضاً كَالضَّحِيَّةِ فِي أَحْكَامِهَا لَكِنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ بِوِلاَدَةِ المَوْلُودِ إِلَى السَّابِعِ وَلاَ يَتأَدَّى الاسْتِحْبَابُ اِلاَّ بِمَا يَتأَدَّى بِهِ الضَّحِيَّة لَكِنْ تَنْضُجُ عِظَامُهَا صَحِيحَةَ مِنْ غَيْرِ كَسْرِ تَفَاؤلاً بِسَلاَمَةِ أَعْضَاءِ الصَّبِيِّ وَيُعَقُّ عَنِ الجَارِيَةِ بِشَاةٍ وَعَنِ الغُلاَمِ بِشَاتَيْنِ وَتَكْفِي وَاحِدَةٌ أَيْضاً وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ الدَّعْوَة وَالتَّصَدُّقُ بِالمِرَقَةِ يُغْنِي عَنِ التَصدُّقِ بِاللَّحْمِ أَعْنِي إِذَا أَوْجَبْنَا التَّصَدُّقَ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاَسْمُ لِأَدَاءِ العِبَادَة وَتَلْطِيخُ رَأْسِ الصَّبيِّ بِدَمِ الشَّاةِ مَكْرُوهٌ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمَّى فِي السَّابعِ وَيُحْلَقَ شَعْرَهُ وَيتصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ ذَهَبَاً أَو فِضَّةً.
قال الرَّافِعِيُّ: العقيقةُ في أصْلِ اللغَةِ: اسمٌ للشعرِ الذي يُولَدُ المولودُ وهو عَلَيْه، ثم تُسَمَّى الذبيحةُ التي تذبحُ عن المولودِ عند حَلْقِ شَعَرِه عَقِيقَةً على عادتِهم وفي تَسْميةِ123

الشئَ باسم سَبَبِه أو ما يُجَاوِرُه، والفِعْل منه: عَقَّ يَعُقُّ، يعني بضَمِّ العيْنِ، والعَقِيقَةُ سُنَّةٌ.
رُوِيَ عن عائشةَ -رضي الله عنه- قالتْ: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَن نعقَّ عن الغُلاَمِ بشَاتَيْنِ، وعن الجارية بِشَاةٍ 1. وعن سَمُرَةَ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الغلامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تَذْبَحُ عَنْهُ في الْيَوْم السَّابعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى" 2 وعن أُمِّ كُرْزٍ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَنِ الغُلاَمِ شَاتَانِ، وَعَنِ الجَارِيةِ شَاةٌ" 3. وقال أَبُو حنيفةَ -رضي الله عنه-: لا تُسْتَحَبُّ العقيقةُ وربَّمَا قال: هي بِدْعَةٌ، والأَحَبُّ الذبْحُ في اليومِ السَّابع مِنَ الولادَةِ، ويدخُلُ يومُ الولادةِ في الحسابِ.
وفي وَجْهٍ: لا يدخُلُ -وهو اختيارُ الزُّبَيْرِيّ.
والذبحُ قبلَ تمامِ السَّبْعَةِ مُعْتَدٌّ به، وقبلَ الولادةِ، لا تكون عقيقةً بل شاةَ لحْمٍ وتأخرها عن السبْعَةِ لا يُفَوِّتُها، ولكنْ الاختيارُ ألاَّ تؤخر إلى البُلُوغِ.
وعن أبي عبد الله البوشنجي من أصحابنا أنه إن لم تذبح في السابع فتذبح في الرابع عشر، فإن لم يفعل ففي الحادي والعشرين.
وقيل إذا تكررت السبعة ثلاث مرات؛ فات وقت الاختيار، وإن أخرت إلى البلوغ سقط حكمها في حق غير المولود، وهو مخير في العقيقة عن نفسه، واستحسن القفال الشاشي أن يقوم بها، ويروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-عق عن نفسه بعد النبوة 4. وعن نصه -رضي الله عنه- في البويطي أنه لا يفعل ذلك واستغربوه، وإنما يعق عن المولود من تلزمه نفقته ولكن روي أنه -صلى الله عليه وسلم- عق عن الحسن والحسين -رضي الله

عنهما 1 - وكأنه مؤول، ولا يذبح عن المولود من ماله، ولكن المنفق عاجزاً عن العقيقة فأيسر في السبعة استحب له إقامة الستة، وإن أيسر بعدها وبعد مدة النفاس فهي ساقطة وإن أيسر في مدة النفاس فيه احتمالان عن الأصحاب، لبقاء أثر الولادة، ولتكن الذبيحة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز كما في الضحية وعن "الحاوي" أنه يجزي ما دون الجزعة والثنية ولتكن سليمة عن العيوب المانعة من التضحية وفي "العدة" ما يشعر بوجه آخر مسامح وعن بعض الأصحاب أن الغنم أفضل من الإبل والبقر والصحيح خلافه كم في الأضحية وينبغي تتأدى السنة بسُبع من البدنة والبقرة، وحكم العقيقة في التصدق منها وفي الأكل والهدية والادخار وقدر المأكول وامتناع البيع وتعيين الشاة إذا عينت للعقيقة كما ذكرنا في الضحية، وقيل إن جوزنا ما دون الجذعة لم يلزم التصدق منها وجاز تخصيص الأغنياء بها وينوي عند الذبح أنه عقيقة، نعم إن جعله عقيقة من قبل ففي الحاجة إلى النية عند الذبح ما ذكرنا في الأضحية، ويستحب ألا يتصدق بلحمها نياً بل يطبخه وعن الحاوي أنا إذا لم نجوز ما دون الجذعة من الضأن والثنية من المعز فيجب أن يتصدق بلحمها نياً وهذا ما رآه الإِمام وقال إذا أوجبنا التصدق بمقدار فيجب تمليكه وهو ني والمشهور الأول ثم يطبخه قيل: بحموضة وعزاه في التهذيب إلى النص والأظهر أنه يطبخه بحلو تفاؤلاً بحلاوة أخلاق المولود وذكروا على هذا وجهين في أنه هل يكره الطبخ بالحامض والأظهر المنع ولا بكسر عظام العقيقة تفاؤلاً بسلامة الولد عن الآفات، قال في العدة وهل يكره فيه وجهان المذهب المنع ويعق عن الجارية بشاة وعن الغلام بشاتين وإن كان أصل السنة يتأدى بواحدة وقال مالك الغلام كالجارية لنا ما سبق من الخبر.
ويستحب أن تكون الشاتان متساويتين لأنهما إذا اختلفتا آثرت النفوس الأجود فيختلف ما يطعم وما يطعم والتصدق بلحمها ومرقها على المساكين بالبعث إليهم أفضل من الدعوة إليها ولو دعا إليه قوماً فلا بأس، واستحب أن يكون ذبح العقيقة في صدر النهار وأن يعق عن من مات بعد الأيام السبعة وإمكان الذبح، وقيل إنها تسقط بالموت وأن يقول الذابح بعد التسمية اللهم لك وإليك عقيقة فلان ويكره تلطيخ رأس الصبي بدم العقيقة وكانوا يفعلونه بالجاهلية ولا بأس بتلطيخه بالزعفران أو الخلوف وقيل باستحبابه ويستحب أن يسمى المولود في اليوم السابع ولا بأس بأن يُسَمَّى قبله واستحب بعضُهم ألاَّ يفعله.
ويُرْوَى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "سَمُّوا السِّقْطَ".
ولْتكن التسميةُ باسمٍ حَسَنٍ، وتغير الأسماءُ القبيحةُ، ويكره مِنَ الأَسْمَاءِ: نَافِعٌ،

ويَسَارٌ، ونَجِيحٌ، وأَفْلَح وبَرَكَةٌ.
وأنْ يُحْلَقَ رأْسُ المولودِ في اليوم السابع، وِيتَصدَّقَ بوزْنِ شَعَرِه ذهباً، فإنْ لم يتيسَّرْ ففِضَّةْ، ولا فرْقَ فيه بين الذكرِ والأُنْثَى.
ورُوِيَ أَنَّ فَاطِمةَ -رضي الله عنها- بِنْتَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وَزَنَتْ شَعَرَ الحَسَنِ والحُسَيْنِ -رضي الله عنهما- وزَيْنَبَ وأُمَّ كُلْثُوم فتصدقت بوزْنِهِ فِضَّة 1. ثم في "التهذيب": أن الحلْقَ يكون بَعْد ذبحِ العَقِيقة.
والذي رجحه القاضي الرُّوَيانِي، ونسبه إلى النصِّ: أنه يكونُ قبل الذبحِ 2. وأنه يُؤَذِّنَ مَنْ وُلِد له ولدٌ في أُذنه؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- أَذَّنَ في أُذُنِ الْحُسَيْنِ حِينَ ولدتْهُ فاطمةُ -رضي الله عنهم 3 -. وعن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ -رضي الله عنه- أنه كان إذا وُلِدَ له وَلَدٌ أذَّن في أُذُنِه

الْيُمْنَى، وأَقَامَ في اليُسْرَى 1، وعلى هذا جَرَى بعضُ الأَصْحاب.
وعن مَالِكٍ -رضي الله عنه- أنه لاَ يُسْتحبُّ.
وأن يقولَ في أُذُنِ المولُودِ: إِنِّي أُعِيذُهَا بكَ وَذُزِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم، وأن يُحَنكه بالتّمْرِ: وهو أَنْ يَمْضَغُهُ ويدلك 2 به حَنَكَه، فإن لم يكن تمرٌ حَنَّكَه بِشَيْء آخرَ حُلْوٌ، وأَنْ يُهَنَّأ الوالدُ بالولاَدَةِ.
وأَمَّا لفظُ الكتاب فقولُه: "فهي أيضاً كالضحية في أَحْكامها" يعني: في الأَكْلِ، والهَدِيَّةِ، والسَّلاَمَةِ، عَنِ العُيُوب، وغيرها؛ كما بينا لكنَّ الضحيةَ يختصُّ ذَبْحُهَا بأيَّام النَّحْرِ، والعقيقةُ يدخُلُ وقتُ ذبَحِهَا بولادَةِ المولُودِ كدماءِ [الجُبْرانَاتِ] 3 التي تتعلَّق بأسبابٍ حَادِثةٍ.
وقوله: "إلى السَّابع" ليس على مَعْنَى أنه يَنْتَهِي وقْتُها بتمام السبعة لكن فيه على معنى أَنَّ الأَحَبَّ أَلاَّ يُؤَخرَ عنه.
وقوله "ولا يَتَأَدَّى الاستحبابُ إلا بما يتأدَّى به" يُشْبه أَنْ يُريدُ به القدْرَ الذي يخرجه، وكيفيةَ الإخْراجِ، ومَنْ يخرج إليه، وهو في الحقيقةِ دَاخِلٌ في قوله: أَوَّلاً إِنَّها كالضحية في أَحْكَامِها.
ويجوزُ إعلامُ قولِه: "يتضح" بالواوِ؛ لما سبق.
وقولُه: "والتصدُّقُ بالمرَقَةِ" يُغْنِي عن التصدُّقِ باللَّحْم أعني إذا أَوْجَبْنَا التصدُّقَ بقدْرِ مَا يَنْطَلِقُ عليهِ الاِسْمُ" هذا ليسَ بواضِحِ لا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، ولا مِنْ جِهَةِ الْمعنى.
أمَّا المعْنَى فظاهِرٌ.
وأما النقلُ، فلأَنْهُ لاَ يَكادُ يُوجَدُ ذلك لغيْرِه.
نَعَمْ، في "الْوَسِيطِ" أن الصِّيْدَلاَنِيّ قال: يجوزُ التصدُّقُ بالمرقةِ، ثم قال مُعْتَرِضاً عليه؛ إِنْ أراد بهذا أنه يكفي عن التصدُّقِ بمقدَارٍ من اللحْم، إِذَا قُلْنَ: لا بُدَّ مِنْه فَفِيه نَظَرٌ، وقد نظرتُ في مَجْمُوع الصيدلاَنِي فلم [أجدْ فيه ما نقَله] 4 وإنما قال: يَطْبُخُهَا ويبعَثُ بها وبمَرَقِهَا إلى الفُقَرَاءِ.
وكذلك حكاه الإمامُ عنه، وكلمة أَعْنِي: لا حاجةَ إِلَيْها، ولو طَرَحها لانْتظم الكلامُ.
فَرْعٌ: تُعْطَى الْقَابِلَة رِجْلَ العَقِيقَة؛ اقتداء بفَاطِمَةَ -رضي الله عنها 5 -. آخرِ -رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا فَرَعَةَ ولا عَتِيرةَ" 6.

ويُرْوَى: لا فَرَعَ والفرع: أَوَّلُ نتاج البهِيمَةِ كانوا يذبحونَهُ ولا يملِكُونه؛ رجاءَ البركةِ من الأُمِّ وكثرة نَسْلها.
والعتيرةُ: ذبيحةٌ كانوا يَذْبَحونَها في العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ رَجَبٍ، وُيسَمُّونَها: الرَّجَبيَّةَ أيضاً.
في كتاب القاضِي ابْنِ كَجٍّ، وغيرِه اختِلاَفٌ فيها؛ فَعَنْ بعضِ الأصْحاب: أنهما مَكْرُوهان؛ عن ظَاهِرِ الخبر.
وعن بَعْضِهم: أنه لا كراهةَ فيهِما والمنعُ رَاجِعٌ إلى ما كانوا يَفْعَلُونَ، وهو الذبحُ لآلِهَتِهم أو المقصودُ بنفْي الوُجُوبِ: أنَّهما ليستَا كالأضْحيَةِ في الاِسْتحبابِ أو في الثَّوابِ على إِرَاقَةِ الدم.
فأمَّا تفرقَةُ اللحْمِ على المسَاكِين، فَبِرٌّ وصدقَةٌ.
ويُرْوَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: إِنْ تَيَسَّرَ ذلك في كُلِّ شَهْرٍ كان حَسَناً.
والله اعْلَمُ 1. = وبين حديث أبي هريرة، أن المراد الوجوب، أي لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة، قاله الشافعي، ونمى في رواية حرملة أنهما إن تيسّرا كل شهر كان حسناً.
قاله الحافظ.

.......................................................... = التاسعة: ذكر الغزالي وغيره، في اللحية عشر خصال مكروهة: خضابها بالسواد إلا للجهاد، وتبييضها بالكبريت أو غيره استعجالاً للشيخوخة، ونتفها أول طلوعها إيثاراً للمرودة وحسن الصورة، ونتف الشيب، وتصفيفها طاقة فوق طاقة تحسناً، والزيادة فيها، والنقص منه بالزيادة في شحر العذارين من الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، ونتف جانبي العنفقة، وغير ذلك، وتركها شعثة إظهاراً لقلة المبالاة بنفسه، والنظر في بياضها وسوادها إعجاباً وافتخاراً، ولا بأس بترك سباليه، وهما طرفا الشارب.
العاشرة: في "صحيح مسلم" عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن أحب أسمائكم إلى الله عزّ وجلّ، عبد الله، وعبد الرحمن"، وإذا سمي إنسان باسم قبيح، فالسنة تغييره.
وينغي للولد والتلميذ والغلام، أن لا يسمي أباه ومعلِّمه وسيده باسمه.
ويستحب تكنية أهل الفضل من الرجال والنساء، سواء كان له ولد، أم لا، وسواءكني بولده، أم بغيره.
ولا بأس بكنية الصغير، وإذا كني من له أولاد، فالسنة أن يكنى بأكبرهم، ونص الشافعي رحمه الله، أنه لا يجوز التكني بأبي القاسم، سواء كان اسمه محمداً، أم غيره، للحديث الصحيح في ذلك، وسنوضحه في أول النكاح إن شاء الله تعالى.
ولا بأس بمخاطبة الكافر والمبتدع والفاسق بكنيته إذا لم يُعرَف بغيرها، أو خيف من ذكره باسمه فتنة، وإلا فينبغي أن لا يزيد على الأسم.
والأدب، أن لا يذكر الإنسان كنيته في كتابه ولا غيره، إلا أن لا يعرف بغيرها، أو كانت أشهر من اسمه.
ولا بأس بترخيم الاسم إذا لم يتأذِّ صاحبه، ولا بتلقيب الإنسان بلقب لا يكره.
واتفقوا على تحريم تلقيبه بما يكرهه، سواء كان صفة له، كالأعمش والأعرج، أو لأبيه، أو لأمه، أو غير ذلك.
ويجوز ذكره بذلك للتعريف، لمن لا يعرفه بغيره، ناوياً التعريف فقط.
وثبت في "صحيح مسلم" وغيره: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كان جنح الليل أو أمسيتم، فكلفوا صبيانكم، فإن الشيطان ينتشر حينئذ، فهذا ذهب ساعة من الليل، فخلوهم، وأغلقوا الباب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، وأَوْكوا قِرَبكم واذكروا اسم الله، وخمِّروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تَعْرُضوا عليها شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم" وفي رواية: "لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء" وفي رواية: "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون".
فهذه سنن ينبغي المحافظة عليها، و"جنح الليل" بضم الجيم وكسره: ظلامه.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "تعرضوا عليها شيئا" -بضم الراء- على المشهور.
وقيل: بكسرها، أي: تجعلوه عرضاً.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ترسلوا فواشيكم" هي -بالفاء جمع فاشية- وهو كل ما ينشر من المال كالبهائم وغيرها، وفحمة العشاء: ظلمتها.

جارٍ التحميل