لهذا أو لذاك كما إذا مات عن ابْنَيْنِ مُسْلِمٌ ونَصْرَانِيٌّ، وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنه مات على دِينهِ، وأخذ أبُو إسْحَاقَ بظاهِرِ النّصِّ، وقال: إذا رَمَياهُ وماتَ الصيدُ، ولم يُدْرَ: هل أَثْبَتهُ الأَوَّلُ بسهْمِه؟ يَجعلُ بينهم لأن الأَصْلَ أنه لم يُثْبته، ويبقى علَى امْتِنَاعه إلى أن [عقره] 1 الثاني، فيكُونُ عقرُه ذكاةً له، ويكون بينهما لاِحْتمالِ الإثباتِ من الأولِ، ومن الثاني ولا مَزِيَّةَ لأحدِهما على الآخر 2.
وقِيل: في حلِّه قَوْلاَنِ، كما في مسألة الإِنماء.
قال الغَزَالِيُّ: (الحَالَةُ الرَّابِعَة) وَلَوْ تَرَتَّبَ الجُرْحَانِ وَحَصَلَ الإزْمَانُ بِمَجْمُوعِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ: إِنَّهُ لِلثَّانِي فَعَلَى هَذَا لَوْ عَادَ الأَوَّل وَجَرَحَهُ ثَانِياً فَجِرَاحَتُهُ الأَولَى هَدَرٌ وَهَذَا مَضْمُونٌ فَإنْ مَاتَ بِالجِرَاحَاتِ الثَّلاَثِ وَجَبَ عَلَيْهِ قيمَةُ الصَّيْد وَبِهِ جِرَاحَةُ الهَدَرِ وجراحة المَالِكِ وَقِيلَ: علَيْهِ ثلُثُ القِيمَةِ وَقِيلَ رُبُعُ القِيمَةِ.
قال الرَّافِعِي: إذا ترتب الجُرْحَانِ، وحصل الإزمانُ بمجموعهما فكلَ واحدٍ منهما بحيث لو انفرد لم يُزْمِنْ، فلمن يكون الصيدُ؟ فيه وجهان:
أَحدُهما: أنه يكونُ بينهما؛ لأن سبَبَ المِلْكِ حصل بفعْلِهمَا.
وقد يُسَمَّى هذا قولاً مخرجًا.
والثاني: أنه للثاني؛ لأن الإزمانَ حصل عَقِيب فِعْله، ولإصابةُ حصلت، والمُرْمَى إليه صيدٌ مباحٌ [فيبطل] 3 أثر الجراحةِ الأُولَى، ويصير صاحِبُها كالمُعِين للثاني، والإعانةُ لا تقتضي الشِرْكَةَ، ولذلك لو أَرسلَ كَلْبًا إلى صيدٍ، فصرف إنسانٌ الصيدَ إلى الكلْبِ، أو ضَيَّقَ عليه الطرِيقَ، حتى أَدْركه الكلبُ، يكون الصيدُ للمُرْسِلِ، ومال الإِمامُ إلى الوجْهِ الأول، ونظمُ الكتابِ يُشْعر بترجيحه أيضاً، لكنَّ المذهبَ الظاهِرَ على ما ذكره الجمهورُ هو الثَّانِي.
وفيما عُلِّقَ عن أَبِي بَكْر الطُّوسِي بناءُ الوجْهين على الخلاف المذكور، فيما إذا كانت عنده صَغِيرتَانِ، فارضعت امرأةٌ إِحْدَاهُما، ثم الأُخْرى، يندفعُ نِكَاحُها جَمِيعًا إذا أرضعت الثانيةَ، أو لا يندفِعُ نكاح الثانيةِ؛ إِنِ انْدفع نِكَاحُها، فالصيدُ بينهما، وإلاَّ فهو للثاني، وإذا قُلْنَا: إنه للثاني أو كان الجرحُ الثاني مزْمناً لو انفرد، ولم يكن للثاني أَثَرٌ
فِيه، فلا شَيْءَ على الأول بجُرحِه، فلو عاد بعد إِزْمانِ الثاني وجرحَهُ جرَاحَةً أخْرَى، نُظِرَ؛ إِنْ أَصَابَ المذْبَحِ فهو حلالٌ، وعليه للثاني مَا انْتَقَص من قِيمتَه بالذَّبْح، وإلاَّ حَرُمَ الصيدُ، وعليه إنْ ذَفّفَ قيمته مَجْروحًا بجراحته الأُولَى، وبجراحة الثَّانِي، وكذا إِنْ لم يذفِّفْ، ولم يتمكن الأَولُ مِنْ ذَبْحه، وإنْ لم يُمَكَّن وتركَ الذَّبْحَ -عاد الخِلاَفُ السابق.
فعلى أحدِ الوجْهين: ليس على الأَوَّلِ إلاَّ أَرْشُ الجراحةِ الثانية لتقْصِيرِ المالِكِ.
وعلى أَصَحِّهما: لا يَقْتَضِي الضمانَ عليه.
وعلى هذا فعن "صَاحِب الإِفْصَاحِ" وجهٌ؛ أن عليه نِصْفَ القِيمَةِ، وخرّج المخرِّجُونَ الصُّورَ على الخِلاَفِ المذكَورَ فِيمَا إذا جَرَحَ عَبْدًا مُرتَدًّا، فأسلمَ فجرحه سيِّدُه، ثم عاد الأول وجرحه جراحة أُخْرَى، ومات مِنْهما، وفيما يلزم وجهان:
أحدُهما: ثُلُثُ الدِّيَة؛ [لأن الموتَ حَصَلَ بثلاثِ جنَايَاتِ إِحْدَاها مَضْمُونةٌ، وعلى هذا فهاهنا يجب ثُلُث الْقِيمة] 1.
والثَّانِي: وبه قال القَفَّالُ رُبْعُ الدِّيَةِ؛ لأن الأَرْشَ عند تعدد الجَانِي يوزع على عَدَدِ الرؤوسِ بالحصص ثم ما يخصُّ الواحِدَ يُوزع على حالتِي الضمَانِ والإِهْدَارِ، فعلى هذا يجبُ هاهنا رُبْعُ القِيمَةِ، وعن "صَاحِب التقريبِ": أنه تعودُ في التوزِيع الطرق المذكورَةُ في المسألة [الطويلة الذَّيْلِ] 2 ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الوجْهِ الذاهِب إلى وُجُوبِ تمام القِيمَةِ، والظَّاهِرُ التوزيعُ كما مرَّ، وهذه صورةٌ تدخل في البابِ نُورِدُهاَ مَنْثُورةً.
الاعتبارُ في التَّرْتيبِ والمعِيَّةِ بالإصابةِ لا بِابْتِدَاءِ الرَّمْيِ.
الأولى وقع بَعِيرَانِ في بِئْرٍ احدُهما فَوْقَ الآخِر، فطُعِنَ [الأَعْلَى] 3 ومات الأَسْفَلُ بِثقَلِه فهو حرامٌ، وإن نَفَذَتِ الطَعنةُ فأصابَتْهُ أيضاً -حَلّ، وإن شَكّ في أنّه مات بالثِّقَلِ أو بالطَّعْنَةِ النافِذَةِ، وقد علم أنها أصابَتْه قبل مُفَارَقَةِ الرَّوحِ -حَلَّ؛ كالصيدِ يُصِيبه السهمُ في الهواءِ ثم يَقَعُ على الأَرْضِ، وإن شك في أنها أصابَتْهُ بعد مُفَارَقة الرُّوحِ أو قبلها:
قال "صَاحِبُ التهذِيب" في "الفَتَاوَى": يحتمل وَجْهيْن بناء على أن العبْدَ الغائِبَ المنقطع خبره: هل يجوزُ إعَتاقُه عن الكفَّارة؟
الثانية رمى إلى غيْرِ مَقْدُورٍ عليه، فصار مَقدُورًا عليه، ثم أصاب غيرَ المذْبَحِ لم يحلَّ المَرْمِيُّ، ولو رَمَى إلى مَقْدُورٍ عليه، فصار غيرَ مَقْدُورٍ عليه، فأصاب مَذْبَحُه يَحِلّ.
الثالثة ولو أرسل سَهْمَيْن، فأصابَا مَعًا حلَّ، وإن أصاب أَحدُهما بعد الآخَرِ، فإن
أَزْمَنَه الأولُ، ولم يصب الثاني المذْبَح لم يحلَّ، وإن أصابه -حَلَّ، وإن لم يُزْمِنه الأول وقتله الثاني-حَلّ.
وكذا لو أرسل كلْبَيْنِ فأزمنه الأولُ، وقتله الثاني لم يَحِلَّ، قطعَ المذْبَح أو لم يقطع، وكذا لو أَرْسَلَ سَهْمًا وكَلْباً، إنْ أَزْمَنه السهمُ، ثم أصابه الكَلْبُ لم يحِلّ، وإنْ أَزْمنه الكلبُ ثم أصاب السهمُ المذبحَ -حلّ.
الرابعةُ صَيْدٌ دخل في دَارِ إنسانٍ وقلنا: "الصحيحُ أنه لا يملِكُه، فاغلق أَجْنبيٌّ البابَ لا يملكه صاحِبُ الدارِ ولا الأَجْنبِيُّ.
أما صاحبُ الدارِ، فلأنه لم يَقْصِدْ، والأجنبيُّ مُتَعدٍّ لم يحصل الصيد في مِلْكه، بخلاف ما إذا غَصَبَ شبكةً واصْطادَ بها.
الخامسة لو أخذ الكلْبُ المُعَلَّمُ صَيْدًا بغيرِ إرْسالٍ ثم أخذه غيرُه مِنْ فَمِه، ملكه الآخِذُ على الصَّحِيح، كما لو أخذَ فَرْخَ الطائِر من شجرته، وغيرُ المعلَّمِ إذا أرسله صاحبُه فأخذ صَيْدًا، فأخذه غيرُه مِنْ فِيهِ وهو حَيٌّ -وجب أنْ يكُونَ للمرْسِلِ، ويُجْعلُ إرسالُه كنصْبِ شبكةٍ تعقَّل الصيدُ بها، ويحتمل خلافه؛ لأن للكلْب اختيارًا.
السادسة إذا تعقَّل الصيدُ بالشبكةِ، ثم قلع الشبكةَ [وذهب بها،] 1 فأخذه إنسانٌ نُظِرَ؛ إنْ كان يَعْدُو ويمتنعُ مع الشبكة -ملكَهُ الآخِذُ، وإن كان ثقلُ الشبكةِ يُبْطل امتناعَه، بحيث يتيسر أخذه فهو لصاحِبِ الشبكةِ لا يملكُه غيرُه.
السابعة ذكر القاضي ابنُ كجٍّ: فيما إذا أرسل كلْبَه، فحبس صَيْدًا، فلما انتهى إليه أفلتَ الصَّيْدُ -وَجْهَيْنِ، في أَنَّهُ هل يملكه من أخذه أو هو مِلْكُ الأول بالحبْسِ 2؟
الثامنة وأنه إذا أقام بَيِّنَةً على أنه اصطاد الصيدَ، وأقام الآخر بينةً على أنه اصطادَهُ، ففيه الخِلافُ المشهور في تَعَارُضِ البَيِّنتيْنِ.
التاسعة وأنه لو كان في يَدِ رجُلٍ صيدٌ، فقال الآخر: أنا اصْطَدْتُ هذا الصيدَ، فقال صاحِبُ اليَدِ: لا عِلْم لي بذلك -لم يقنع منه بهذا الجوابِ، بل إِمَّا أنْ يَدَّعِيه لِنَفْسِه، أو يسلمه إلى مدعيه 3 والله أعلم.
(كِتَابُ الضَّحَايَا)
قال الغَزَالِيُّ: وَالضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ إِلاَّ إِذَا نَذَرَ أَوْ قَال: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةً وَمُجَرَّدُ الشِّرَاءِ بِنِيَّةِ الضَّحِيَّةِ لاَ يَلْزَمُ وَالنَّظَرُ فِي أَحْكَامِهَا وَأَرْكَانِهَا (الأَوَّلُ فِي الأَرْكَانِ) وَهِيَ أَرْبَعَة
ٌ: (الرُّكْنُ الأَوَّلُ: الذَّبِيحُ)
وَهُوَ النَّعَمُ فَقَطْ وَلاَ يُجْزِئُ مِنَ الضَّأَنْ إِلاَّ الَّتِي فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَمِنَ المَعْزِ إِلاَّ الَّتِي فِي الثَّالِثَةِ وَكَذَا مِنَ البَقَرِ وَمِنَ الإِبِلِ إِلاَّ فِي السَّادِسَةِ وَيُجْزِئُ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى.
قال الرَّافِعِيُّ: الضحايا جمع ضَحِيَّةً كهَدِيَّة وهَدَايَا، وهي التي يُضَحَّى بها من النَّعَمِ ويقال لها: أضْحِيَةٌ، والجمعُ أَضَاحِي، وأَضَاحٍ، وأَضْحاةٌ أيضًا والجمعُ أضحى بالتنوِين كأرطأة أرطى وبها 1 سُمِّيَ يومَ الأَضْحَى وذكر أن جميع ذلك مأخوذٌ من وَقْتِ التَّضْحِيَةِ، وهو ضَحْوةُ النهار.
والتَّضْحِيةُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وشعارٌ لا ينبغي لمن قَدَرَ عليها أن يتركها؛ قال الله تعالى؛ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] قِيل أَيْ: صَلِّ صلاةَ الْعِيد، وانْحَرْ نُسُكَك.
وعن أنسٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "كان يُضَحِي بكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أمْلَحَيْنِ" 2.
والأَقرنُ: ذُو القَرْنِ، والأَمْلَحُ: الذي فيه سوادٌ وبياضٌ، وبياضُه أغلبُ.
وقِيل: الذي يخالط بياضَه 3 عُقْرةٌ.
وقيل: الأَبْيَضُ النَّقِيُّ البياضِ، وسببُ اختيارِ الأَمْلح، قِيلَ: إنه حَسَنٌ منظرُه.
وقيل كثرة 4 شَحْمه وطِيبَةِ لحِمْه.
وعن عائشةَ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ [ويَبْرُكُ] 1 في سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ فَضَحَّى 2، وذُكِرَ له تَفْسِيران.
أَحدُهما: أن المرادَ سوادُ أَظْلافِه، ومَوْضِعُ برُوُكِه، وما خالط بِعَيْنَيْه.
وقِيلَ: هو إشارةٌ إلى كَثْرَةِ ظِلِّه لسُمْنَهِ وضَخَامَةِ حُثَّتِه وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عَظِّمُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ مَطَايَاكُمْ" 3.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: يجبُ التضيحةُ على كُلِّ مقيم في البلد مُوسِرٍ والمُوسِرُ هو الذي يملك نِصَابًا زَكَاتيّاً، ولا يجب على المسافِرينَ وأهل القُرَى والفُقَراءِ.
وذهب مَالِكٌ -أيضاً- إلى وُجُوبِهَا, ولم يشترط الإقامةَ.
واحتج الأصحابُ لنفي الوجُوب بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثٌ هِيَ عَليَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ والوتْرُ وركعتا الضُّحَى" 4.
ويُرْوَى: "ثَلاَثٌ كُتِبتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ الضُّحَى والأَضْحَى والوِتْرِ" 5.
وبما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا دَخَل [العَشْرُ] 6 وأَرَادَ أَحَدُكُمْ إنْ يضَحِّيَ فلا يَمَسَّنَ مِنْ شَعْرِهِ وبَشْرَتِهِ شَيْئاً" علق التضحية بالإِرَادَةِ.
وعن أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ -رضي الله عنهما- "أنَّهما كانا لا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى ذلك وَاجِبًا" 7، وأيضاً فإراقَةُ دَمٍ لا تجب على المسافِرِ، فلا تجب على المُقِيمِ كالعَقِيقَةِ.
قولُه في الكتاب: "غيرُ واجِبَةٍ" مُعْلَمٌ بالحاءِ والميم لمذهبهما, ولا ضرورةَ إلى الجمْعِ بين اللَّفْظيْنِ، وهما قوله: "سُنَّةٌ غيرُ واجبة" وإن كان قد يُسْتحسن مثلُه؛ للتأكيدِ والإِيضَاحِ.
قولُه: "إِلاَّ إذا نَذَرَ" المقصودُ منه: أنه إذا التزم التضحيةَ بالنذْرِ، يلزم كما في سَائِرِ القُرُبَاتِ المنذورةِ.
ولو كانَ في مِلْكه بَدَنَةٌ أو شاةٌ فقال: جعلتُ هذه أُضْحِيةً -صارتْ ضحية ولزم ما التزم، وسيأتي الكلامُ في هذه الصورة، وما يتعلق بها في الباب.
ولوِ اشْتَرى بَدَنَةً أو شَاةً تَصلحُ للِضَّحِيَّةِ 1 بنية التَّضْحِيَةِ أو الهدْي لم تصر لمجرد ذلك ضحية ولا هديًا خِلاَفًا لأبي حنيفةَ ومالكٍ.
واحتج الأصحابُ بأن إزالَة المِلْكِ على سَبيل القُرْبةِ لا يَحْصُل بالنيَّةِ المقارنَةِ للشراءِ، كما لو اشترى بنيَّة الوقْفِ، أو اشترى العبْدَ بنيَّةِ العِتْقِ.
وفي "تَتِمَّةِ التتمَّة" حكاية وجه عن الأَصْحَاب كمذهبهما، وغالبُ الظن أنه صدر عن غفلةٍ وموضع ذلك الوجهُ النيةُ في دَوَامِ المِلْكِ على ما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى.
وفي "البَحْر" للقاضي الرُّوَيانِي: أنه لو قال: إن اشتريتُ شاةً، فلله عليَّ أنْ أَجْعَلَها أُضْحِيَةً، فهذا نَذْرٌ مضْمُونٌ في الذِّمة، فإذا اشترى شاةً فعليه أَنْ يجعلَها أُضْحيةً، ولا تفسير بالشراء ضَحِيَّةٌ، وأنه لو عين وقال: إِنِ اشْتريتُ هذه الشاةَ فعليَّ أَنْ أجعلَها ضحيةً فوجهان 2:
أَحدُهما: أَنَّه لا يلزمه [جعلُها] 3 ضحيةً تَغْلِيبًا لحكم التعيين، وقد أوجبها قبل المِلْكِ.
والثَّانِي: يَلزم؛ تَغْليبًا لحكم النذْرِ، وأنَّه يتعلَّقُ بالذِّمَّةِ، جمع صاحبُ الكتاب مسائِلَ البابِ في نظرين.
أَحدُهما: في أَرْكانِ التَّضْحِيَةِ.
والثَّانِي: في الأَحْكَامِ على تَرْتِيبه المعْهُودِ.
وأمَّا الأَرْكَانُ، فلا شَكَّ أن التضحيةَ ذبحٌ خاصٌ، فلا بد من الكلام فيما يُذْبَحُ، والوقْتُ الذي يُذْبح فِيه، وكيفِية الذَّبْح، وهذه هي التي سمَّاها أَرْكَانًا، ثمَّ منها ما يعمُّ كلَّ ذبح، ومنها ما يختصُّ بهذا الذبح، ومنه قصدُ القُرْبةِ، وهو مدرج في خلال المسائل.
الأولُ: ما يُذْبَح، وتختصُّ التضحية بالأَنْعَامِ إجْماعًا، وقد قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28].
والأنعامُ: هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، ولم يُؤْثَرْ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أصحابه -رضي الله عنهم- التضحيةُ بغيرِها.
ووجهٌ أيضاً: أن التضحيَة [عبادةٌ] 1 تتعلَّقُ بالحيوانِ، فتختصُّ بهذه الأنواعِ، كالزَّكَاةِ، ويُجزِئ فيها الذكرُ والأُنْثَى بالاتفاقِ، وبالقياسِ على العَقِيقَةِ.
وقد نُقل في خبر العَقِيقَةِ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَضُرُّكُمْ ذُكْرَاناً أَو وإِنَاثاً 2 " يعني الشِّيَاهَ.
وأمَّا السِّنُّ: فلا يُجْزِئُ من الضَّأْنِ إِلاَّ الْجَذَعُ والجَذَعَةُ ومن الإبل والبقرِ إِلاَّ الثنيُّ والثنيّة؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ضحوا بالجذَعِ من الضأن 3، وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: نَعْمَ الضَحِيَّةُ الجَذَعَةُ مِنَ الضَّأَنِ" 4.
وعن البَراءِ بْنِ عَازِبٍ -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النَّحْرِ بعد الصلاةِ فقال: مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، ونَسَكَ نُسُكَنَا؛ فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَتِلْكَ شاةُ لَحْمٍ فقام أبُو بُرْدَةَ بنِ نِيَارِ -رضي الله عنه-.
فقال: يا رسولَ اللهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أخْرُجَ إلى الصَّلاةِ فقال: تلك شاةُ لَحْمٍ، فقال: فإن عندي عنَاقاً جذعةً، هي خيرٌ من شَاتَيْ لَحْمٍ، فهل تجزِئُ عَنِّي؟ قال نَعَمْ، ولَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ 5.
والمعنى فيه أَنَّ الثنَايَا 6 من الإِبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ تَتَهيَّأ للحَمْلِ والنَّزَوانِ والجذاع من
الضَّحَايَا لا يتهيَّأُ لذلك، فانتهاؤها إلى هذا الحد كالبلوغِ في حق الآدَمِيّ، وحالها قبل ذلك حال الصغير من الإنسانِ.
وفي "الرقم" لِلْعَبَّادي حكايةُ وجْهٍ مخرَّج في أن الجذَعَةَ من المعزِ تجزئ؛ لما رُوِيَ عن عَقْبَة بْنِ عَامِرٍ -رضي الله عنه- قال: قَسَّمَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ضَحَايَا فأعْطَانِي عَنَاقًا جذعًا فقلتُ: عَنَاقٌ، فقال: ضَحِّ 1 به، والمشهورُ الأول، وقد قدَّمنا في الزكاةِ أَنَّ في تَفْسِير الجذَعِ والجذَعَةِ من الغنم اختلافاً، في الظاهر وهو المذكورُ في الكتابِ أنه يُعتبرُ استكمالُ سنة والدخولُ في الثانية.
نَعَمْ.
ذكر أَبُو الحَسَنِ العَبَّادِيّ: أنَّه لو أجذع قبل تمام السنة كان مُجْزِئًا كما لو تمَّت السنةُ قبل أن يجذعَ، ونُزِّلَ ذلك مَنزِلةَ البُلوغَ بالسِّنِّ أوْ الاِحْتِلام إن استوفى السِّنَّ، ولم يحتلم كان بلوغًا [وإن احتَلم قبل استيفاءِ السنِّ كان بلوغاً] 2 وهذا ما أورده "صاحبُ التهذيب".
فقال: الجذَعَةُ: هي التي استكملَتْ سَنَةٌ، وطَعَنَتْ في الثانية أو أَجْذَعَتْ سِنَّها من قَبْلُ -أي: أَسْقَطَتْ.
وقِيل: الجَذَعُ: ما أَتَى عليه ثمانيةُ أشْهُرٍ، وهذا ما اختاره الرُّوَيانِي في "الحِلْيَةِ".
وقِيلَ: ما استكملَتْ سِتَّةَ أَشْهُر ودخلت في السَّابع، وهذا ما أورده أَبُو إسحاق الشيرازي.
والثَّنِيَّ من الإبِل: ما استكمل خَمْسَ سنِين ودخل في السادسة.
وعن رواية حَرْمَلَةَ عن الشافَعِيْ -رضي الله عنه-: أنَّه الذي استكمل سِتًّا ودخل في السابعة.
قال الرّويَانِيّ في "البَحْر": وليس ذلك قولاً آخر، وإنْ توهَمَّه بعضُ أَصْحابنا، ولكنه إخبارٌ عن نهاية سِنِّ الشيء، وما ذكره الجمهورُ بيانُ ابتداءِ سِنّهُ.
والثَّنِيُّ من البقر: مَا استكملَ سَنَتَيْنِ ودخل في الثالثة.
ويُقال: البقرُ في هذا السِّنِّ مُسِنٌ ومُسِنَّةٌ أيضاً.
وعن رواية حَرْمَلَةَ: ما استكمل ثَلاثًا ودخل في الرابعة.
وفي الثَّنِيّ من المعْزِ خِلاَفٌ مذكورٌ في الزكاة، والظاهِرُ: أنَّه كالثني من البقر، وهو الذي أورده في الكتاب، وقِيلَ: ما استكمل سنةً ودخل في الثانية.
ويجوزُ أن يُعْلَمَ -لما ذكرنا- قولُه في الكتاب: "إِلاَّ التي في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ" بالوَاوِ لوجه من اكتفى باستِيفَاءِ ثمانية أَشْهُر، وكذا قوله: "إِلاَّ التي في السنة الثانِيَةِ للوجه المكتفي باستيفاءِ السَّنَةِ".
وأيضاً: فللتخريج في تَجْوِيز الجَذَعِ من المعْزِ، ولا يبعد أنْ
يُعْلَمَ قولُه: "إِلاَّ في السَّادِسَةِ" أيضاً لتوهُّمِ مَنْ تَوَهَّم فيه قولاً آخر.
قال الغَزَالِيُّ: وَجُمْلَة مِنَ الصِّفَاتِ تَمْنَعُ الإِجْزَاءَ فَلاَ تُجْزِئُ المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا وَفِي مَعْنَاهَا الجَرْبَاءُ الكَثِيرَةُ الجَرَبِ دُونَ الجَرَبِ اليَسِيرِ وَلاَ العَرْجَاء الَّتِي يَمْتَنِعُ كَثْرَةُ تَرَدُّدهَا فِي المَرْعَى إلاَّ أنْ تَعْرَجَ وَقَدْ أَضْجَعَتْ لِلتَّضْحِيَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ وَلاَ العَوْرَاءُ وَإِنْ كَانَتِ الحَدَقَةُ بَاقِيَةً وَلاَ العَجْفَاءُ الَّتِي لاَ نَقِيَّ لَهَا وَلاَ المَجْنُونَةُ الَّتي تَسْتَدِيرُ في المَرْعَى وَلاَ تَرْعَى وَلاَ المَقْطُوعُ مُعْظَمُ أُذُنِهَا أَوْ قَدْرُ مَا يَظْهَرُ مِنَ البُعْدِ وَلاَ الَّتِي أَخَذَ الذِّئْبُ مِقْدَارًا بَيِّنًا مِنْ فَخِذِهَا أَمَّا المَقْطُوعَةُ قَدْرًا يَسِيراً مِنْ أُذُنِهَا أَوِ المخْرُوقَةُ الأذُنِ أَوِ المَشْقِوقَةُ أَوِ المَقْطُوعُ جَمِيعُ ضَرْعِهَا أَوِ الَّتِي اقْتَلَعَ الذِّئْبُ أَلْيَتَهَا فَفِي الكُلِّ وَجْهَانِ وَيُجْزِئُ المَنْزُوعُ الخَصِيَّةِ وَالْمُنْكسِرُ القَرْنِ وَالَّتِي لاَ قَرْنَ لَهَا وَالَّتِي تَنَاثَرَ جَمِيعُ أَسْنَانِهَا وَالفَحْلُ وَإِنْ كَثُرَ نَزْوَاتُهُ وَالأُنْثَى وَإِنْ كَثُرَتْ وِلاَدَتُهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: لمَّا تكلم في الأَجْنَاسِ التي تصلح للتضحية، وفي أَسْنانها المعتبرة، أراد أن يتكلَّمَ فيما يُعْتَبرُ فيها من صفاتِ الكمال والنقصانِ.
المانِعُ من الإِجْزَاءِ نَوْعان: نقصان صِفَاتٍ، ونقصانُ أَجْزَاء.
أمَّا الأول: فعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عما إذا يُنقى من الضحايا فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "العرجاءُ البين ظلعها، ويروى عرجها، والعوراء البِّين عورها، والمريضةُ البيِّن مرضها والعجفاءُ التي لا تنقى 1 ".
قوله: "لا تنقى" أي: ليس في عظامها مخ.
وقيل: لا يوجد فيها شحمُ.
يقال: أنقيت الإبل وغيرها، إذا سمنت وصار فيها نقي: وهو المخ وهذه ناقة
منقيةُ وهذه لا تنقى.
ولنشرحْ كل واحدة من هذه الصفاتِ على الترتيبِ المسبُوقِ في الكتاب.
فمنها المريضةُ البيِّنُ مرضُها، وفي هذا [التقيِيدِ] 1 ما يُفْهِم أَنَّ المرض اليَسِيرَ لا يمنع الإجزاءَ؛ لأنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في اللحم، فأمَّا إذا بان وقوي وظهر بسَبَبِه الهزالُ فيفسدُ اللحم ويصيرُ مُضرًا، وهذا ظاهِرُ المذهب.
وفي "الكَافِي" وغيره وجهٌ: أنَّ المرضَ يمنعُ الإجزاءَ وإن كان يَسِيراً.
وعن "صَاحِب الحَاوِي" حكاية قولاً عن "القَدِيم" وفي "الهُيام" حكاية وجه؛ أنَّ قَلِيلَه وكثيرَهُ يمنع الإجزاءَ.
"والهُيامُ" من أَمْراضِ الماشيةِ، وهو أنْ يشتد عَطَشُها، فلا تُرْوَى من الماءِ.
ويجوز أن يُعْلَم لهذا قولُه: "البيِّن مرضُها" بالواوِ بل يجوز إعلامُ المريضة أيضاً؛ لأنَّ في كتاب القاضِي ابْنِ كجٍّ نقلُ قول: أنَّ المنع يختصُّ بالجَرَب، وأَمَّا سائِرُ الأَمْرَاضِ فإنَها لا تمنع الإجزاءُ وقوله: "في معناها الجَرْباءُ" يَقْتَضِي أن تكون الجرباءُ غيرَ المريضة، لكنَّ الجَرَبَ نوعٌ من المرضِ، بل فسَّرَ كثيرُ من الأصحاب المريضة في الحديث بالجرْبَاءِ، ثُمَّ قضية ما أَوْرده المعظم صَرِيحًا ودَلالة، ونسبُوه إلى نَصّه -رضي الله عنه- في الجَدِيدِ: أنَّ الجَرَبَ يمنعُ الإجزاءَ يَسِيراً كان أَوْ كَثِيراً؛ لأَنَّه يُفْسِدُ اللَّحْمَ والوَدَكَ، وفيه وجهٌ: أَنَّ الكثيرَ هو الذي يمنع كما في سَائِرِ الأَمْرَاضِ، وهذا ما اختاره الإِمام، وأَورده صَاحِبُ الكتاب، ولا فرق في المرضِ والجَرَبِ بين ما يُرجى زوالُه، وما لا يُرْجَى.
ومنها: العَرْجَاءُ، فان اشتدَّ عَرَجُها بحيث تَسْبِقُها الماشيةُ إلى الكَلأَ الطيب، وتتخلَّفُ عن القَطِيع، فلا تُجْزئ؛ لضعْفِها وهُزَالِهَا، لعجزها عن الاِعْتلافِ، وإن كان يَسِيرًا لا يخلفها عن الماشية -لم يَمْنَع الإِجْزَاءَ، وإذا كان العَرَجُ البيِّنُ [يمنع] 2 مِنَ التضحيةِ فَفُقْدَانِ بَعض القوائم أو انكسار أَوْلَى بالمنْعِ، وإن كانت تزحَفُ بثلاثِ قَوَائِمَ، فإنها لا تنفرع من السعي إلى المرعى.
نَعَم.
لو أُضْجِعَت لِيُضَحَّى بها وهي سَلِيمةٌ فاضطربت؛ وانكسر رِجْلُها، أو عرجت تحت السِّكِّين فوجهان:
أَحدُهما: أَنَّ حُدوثَ العرجِ -والحالةُ هذِه- لا يُؤَثِّرُ وأشبههما التأثير لأنها عَرْجَاءُ عند الذبح، فأشبه ما لو انكسرتِ رجلُ شاة فبادر إلى التضحية بها.
ومنها العَوْراءُ فلا تُجْزِئُ إنْ لم تكن الحدَقَةُ باقيةً، ولمَ لاَ تُجزِئَ؟ قيل: لأنَّها لم تُبصِرْ أَحَدَ شِقَّيِ الْمَرْعَى فينتقص رَعْيُها، ويتأثر به لحمُها.
وقِيل: لأنَّ الحدقَةَ عُضْوٌ مُسْتطابٌ، وقد فُقِدَ وعلى المعنيين يبنى ما إذاكانت الحدقَةُ باقيةً، وبطل الإبصارُ بها.
فعلى الأول: لا تجزِئُ أيضاً وهو الأَظْهرُ، وبه قال ابنُ أَبِي هُرَيرةَ.
وعلى الثاني: يجوزُ، وبه قال أَبُو الطيب بنُ سَلَمةَ، وإذا لم تجز العوراءُ فالعمياءُ أَوْلَى.
والعَمَشُ وضَعْفُ البَصَرِ من إِحْدَى العَيْنين، وكلاهما لا يمنع الإجزاءَ، هكذا أطلق أكثرُهم.
وقال الرُّوَيانِي: إذا غَطَّى النَّاظِرَ بياضٌ أَذْهَبَ بَعضَهُ دُونَ بعضٍ، فإن ذهب الأكْثرُ -لم تَجُزِ التضحيةُ بِهَا، وإن ذهب الأقلُّ- جازت، وفيه وجهٌ آخَرُ.
وفي العَشْوَاءِ: وهي التي تُبْصِرُ بالنهارِ دُونَ الليل وجهان:
أَصَحُّهُمَا الجوازُ؛ لأنها تُبْصِرُ في وَقْتِ الرَّعْيِ.
ومنها العَجْفَاءُ التي ذهب مُخُّهَا من غاية الهُزَالِ لا تجزئُ.
ويُقالُ: إن الهُزَالَ إذا اشتدَّ صار "النَّقَي قالماء" وذلك قد يكون للهرم، وقد يكون لِعلَّةٍ ومرضٍ بها، فإن كان بها بعضُ الهُزَالِ، ولكنها منقيةٌ فتجزئُ، هكذا أطلقه مُطْلِقون [ووراءه تفصِيلانِ] 1.
أَحدُهما: عن "الحَاوِي" أنَّ الحكْمَ كذلك إِنْ كان خِلْقيًا، وإن كان لمرضٍ لم يجز؛ لأنه دَاءٌ.
والثَّانِي: قال الإمامُ: كما لا يُعْتبرُ السِّمَن البالِغُ في الإجزاءِ، لا يمكِنُ أَنْ يُقالَ: العَجْفَاءُ التي لا تُجْزِئُ هي التي بلغت نهايةَ العَجَفِ وأقربُ مُعْتبر فيه أن يُقال: إذا كانت بحيْثُ لا يَرْغَبُ في تناوُلِ لحْمها الطبقةُ العاليةُ من طلبةُ اللحم في [سِنِي الرَّخاءِ] 2 فهي غيرُ مُجُزِئةٍ.
ومنها ورود النَّهْيُ عن القوْلاَءِ وهي المَجنونة التي تَسْتَدِير في المرْعَى، فلا ترعى إِلاَّ الشيءَ القلِيلَ، وذلك يُورِثُ الهُزَالَ.
وتجوز التضحية بالفَحْلِ وإن كثُر نزوَاته.
وبالأُنْثى الكثيرةِ الوِلادَةِ 3، وإِنْ لم يطب لحمُها أو أَضَرَّ إلاَّ إذا انتهيا إلى العَجَفِ البين، هذا قيام يتعلق بالصِّفَاتِ.
وأمّا النوعُ الثَّانِي: وهو نقصانُ العَيْنِ، ففيه صُوَرٌ.
فمنها رويِ عن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- قال: "أمرنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذْنَ، وألاَّ نُضَحِّي بِمُقَابَلَةٍ ولا مُدَابَرةٍ ولا خَرْقَاءِ ولا شَرْقَاءَ" 1.
وقوله عليه السلام، نَسْتَشْرِف العينَ والأذُنَ، قِيلَ أي نتأمَّلُها وننظرُ فيهما، كَيْلاَ يقعَ فيها نقصٌ وعَيْبٌ 2.
وقِيلَ: أنْ نُضَحِّي بواسعِ العَيْنيْنِ، طويلَ الأُذُنِ.
والمقابَلَةُ: التي قُطِعت فلقةٌ مِنْ مقدَّم أُذُنِها.
والمُدَابَرَةُ: التي قُطِعت الفلقةُ من مُؤَخَّرِهَا.
والشَّرقاء: المشقوقةُ الأُذُنِ.
والخرْقَاءُ: التي يثقبُ أذُنُها من كَيٍّ أو غيره، فلا تُجْزِئُ التي اسْتُوْعِبَ أُذُنُها جِدعاً؛ لأنه ذهب منها عُضْوٌ مأكولَ.
ويُرْوَى أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أَنْ يُضحَى بالمُصْفَرة، وفسرت المصفرة بالتي اسْتُوْصِلَتْ أُذُنُهَا.
وذُكِرَ أنَّه مِنْ قولِهم: "صِفُرَ المكانُ إِذَا خَلاَ".
وعن مالكٍ: أنَّها تُجزِئُ.
وإن قُطِعَ بعضُ أذنها، نُظِرَ؛ إنْ أبين منها شيءٌ -لم تَجُزْ التضحيةُ بها، إِنْ كان المُبانُ كثيراً بالاضافة إلى الأُذُنِ وإن كان يسيراً -فوجهان:
أَظْهَرُهما: أنَّ الجوابَ كذلك [لذهاب جُزْءٍ] 3 مأْكُولٍ.
والثَّانِي: أنَّه لا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ -وبه قال القاضي الرُّوَيانِي، حين قال في "الحِلْية": وأنَّا أُرَخّصُ في أُنْمُلَةٍ أو ظُفْر، وذلك لأن الفلقَ الصغِيرَ يُعْتَنَى بها، بل يحذفُ مِنَ الرُّؤوسِ المشويَّةِ وأطراف الأدب الحاسية 4.
قال الإمامُ: وأقربُ العباراتِ في الفرقِ بين الجزْءِ الكبير واليَسِير أَنْ يُقال: إن كان النُّقْصانُ يلوحُ من بُعْدٍ، فالجزْءُ المُبانُ كثيرٌ، وإن كان لا يَلُوح مِنْ بُعدٍ -فهو صَغِيرٌ وإن لم يَبن منها شَيْءٌ، بل شُقَّ أو قُطِع طرفٌ وبِقِيَ مُتَدلِّيًا، فهذا لا يمنعُ الإجْزَاءَ.
وفيه وجه، وهو اختيارُ القفَّالِ: أنَّه يمنعُ؛ لأنَّ موضِعَ القطْعِ يتصلَّب ويصيرُ جِلْداً بعدما كان لَحْمًا.
وإذا قُلْنا بالأَوَّلِ، حملنا القولَيْن على الشَّرْقاءِ والخرْقاءِ على البرية 1.
وقال أَبُو حنيِفةَ -رحمه الله -: إنْ كان المقطوعُ دُونَ الثلثِ لم يمنع الإجزاءَ، والكَيُّ لا يُؤثّر.
وقِيلَ: في الموْسُومةِ وجهانِ؛ لتصلُّبِ الموضِعِ، وتجوز التضحيةُ بصغيرةِ الأُذُنِ، ولا يجوز بالتي لم يخلق لها أذنٌ.
الثانية: لا يجوز التضحيةُ بالتي أَخذ الذئبُ مقدارًا بيِّنًا من فَخِذِها بالإضافة إليه؛ لنقْصانِ اللحم، وكوْن العضوِ لازماً للجنس.
ولو اقتلع الذِّئبُ أَلْيتها أو قَطَعها قاطِعٌ، ففي جواز التضحيةِ بها وجهان.
أَحَدُهما: الجوازُ؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى في التي لم يخلق لها أَلْيَةٌ.
وأَظْهرُهما: المنعُ لما حدث فيها من نُقْصانِ القِيمَةِ والمقصُودِ، وقَطع بهذا قاطِعون، وفي مَقْطوعةِ الضَّرْعِ وجهانِ مُرَّتبانِ، وأَوْلَى بالجواز؛ لأنَّ لحمَ الضرعِ شَبِيهٌ بالخُصْيَةِ غير معنى بخلاف الأليَةِ، والظاهر المنعُ وهو الذي أورده الرُّوَيانِي وغيرُه، وفي التي خُلِقَتْ بلا ألْية أو بلا ضَرْعِ وَجْهانِ أيضاً.
أَحَدُهما: المنعُ كالتي خُلِقَتْ بلا أذن، وأصحُّهما، وبه قال القاضي أبُو حَامِدٍ والقفَّالُ أنَّهُ يجوزُ؛ لأن المعْزَ يجزئ ولا أليَّةَ له، والذَّكَرُ يجزِئُ ولا ضَرْعَ لَهُ، بخلاف الأُذُنِ، فإنه عضوٌ لازِمٌ في الغالب، والذَّنَبُ كالألْيَةِ.
ولا تجزئ مقطوعة بعضِ اللسانِ، وقطْعُ بعضِ الألْيَةِ والضرْعِ كقطع كُلِّها، وذكر الجَمِيع غيرُ محتاح إليه في قوله في الكتاب: "أوِ المقْطُوعِ جَمِيعُ ضَرْعِها".
ويجزئ الخَصِيُّ والموجُوءُ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- ضَحَّى بكبشين مَوْجُوءَيْنِ 2.
ولأن الخَصْيَ يزيدُ اللحمَ طِيبًا وكثرةً.
وأغربَ القاضي ابنُ كج، فحكى في الخَصِيِّ قَوْلَيْنِ، وجعل المنعَ الجديدَ.
الثالثة: يجوزُ التضحيةُ بالجمَّاءِ؛ وهي التي لا قَرْنَ لها، ويُقال لها الجَلْحَاءُ أيضاً؛
لأنَّ القَرْنَ لا يتعلَّقُ به كثيرُ غرض، لكنَّ ذاتَ القرْنِ أفضلُ؛ لما مرَّ من حدِيث أنْسٍ -رضي الله عنه-.
وروي -أيضاً- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خيرُ الضَّحيَّةِ لكَبْشُ الأَقْرَنُ، فإنه أَحْسَنُ 1 منْظراً".
وتجزئ العَضْباءُ وهي التي [انكَسَر قرنُها والتي] 2 انكسَرَ من قرْنِهَا الغُلافُ وحْده، أمَّا في الداخِلِ وحده، فقال القفَّالُ: إِلاَّ أَنْ يوثِّرَ ألمُ الانكسارِ في اللحْمِ، فيكون كالجَرَبِ وغيرِه.
ولا فرقَ بين وأن يُدْمى قرنُها بالانكسارِ أو لا يُدْمى.
وقال مالِكٌ: إن دَمِيَ يقع الإجزاء.
وعن أحمدَ: لا تُجزئُ العضباءُ التي انكسر بعضُ أَسْنانِها، وإن انكسر أو تناثَر الجميعُ، فقد أطلق "صاحبُ التهذيب" وجماعةٌ أنها لاَ تجْزِئُ.
وقال الإمامُ: الذي ذهب إِلَيْه المحققِّونَ أنه لا يمنعُ الإجزاء وأثبت فيه خِلاَفاً، وفَصَّل بعضُهم فقال: إن كان ذلك لمرضٍ، أو كان يؤثَرُ في الإِعْتِلاَفِ ونقصِ اللحم فلا يُجْزئ [وإلا فيجزئ] 3 وهذا أحسنُ، لكنة يُؤَثِّرُ فيه بلا شَكْ فيرجع الكلامُ إلى المنْعِ المُطلق 4، وقد يُؤَيد ذلك بما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يُضحى بالهتْمَاءِ 5 وهي التي انْكَسَرَ أو تناثر أَسْنَانُها.
قال الغَزَالِيُّ: وَتُجْزُئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ وَالبَقَرُ وَالإِبِلُ عَنْ سَبْعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَلاَ جَمِيعُهُمْ مُضَحِّينَ وَيُجْزِئُ عَمَّنْ وَجَبَ علَيْهِ سَبْعِ شِيَاهٍ بِأَسْبَابٍ مُختَلِفَةٍ إلاَّ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ وَلَوِ اشْتَرَكَ رَجُلاَنِ فِي شَاتَيْنِ عَلَى الشُّيُوعِ فَفِيهِ وَجهَانِ وَلاَ يُجْزِئُ نِصْفُ شَاةٍ وَاحِدَةٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: الشاةُ الواحِدةُ، لا يُضحِى بها إلاَّ واحِدٌ، لكن إذا ضحَّى بها وَاحِد من
أَهْل بيتٍ تَأَدَّى الشعارُ والسنَّة لِجَمِيعهم، وعلى ذلك حُمِلَ ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- أَتى بكبش أَقْرنُ، فأضجعه وقال: "بسْمِ اللهِ اللَّهمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ وضَحَّى بِه" 1.
وكما أَنَّ الفرْضَ ينقسِمُ إلى فرْضِ عَيْنٍ، وفرض كِفاية، فقد ذكر أن السُّنَّةَ كذلك وإنَّ التضحيةَ مَسْنونةٌ على الكِفاية لكل أَهْل بيتٍ، وتجزئُ البَدَنَة عن سَبْعة، وكذلك البقرة، ولا فَرْقَ بين أَنْ يكونوا جَمِيعاً مُتَقرِّبين، وبين أن يبغي بعضهُم اللحمَ، ولا إذا كانوا متقرِّبينَ بَيْنَ أن تكون القُرْبَة وَاجبَةً، أو غيرَ واجبةٍ، وبين أن تختلفَ جهةُ القُرْبةِ، أَوْ لاَ تختلِفُ، ولا بين أنْ يكونُوا منَ أَهْل البيت الواحِدِ، أو بُيُوت مُخْتلفةٍ.
واحتج الأصحابُ بما روي عن جابر -رضي الله عنه- أنَّه قال: نحرْنَا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بالحُدَيْبِيَةِ البدنَةَ عن سَبْعةٍ، والبقرةَ عن سَبعْةٍ 2، والظاهِرُ: أنهم لم يكونوا من أهل بيتٍ وَاحدٍ.
وروي أنه قال: أمرنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يشترك كُلُّ سبْعةٍ في بَدَنَة ونحن متمتَّعون 3، ودَمُ التمتُّعِ واجِبٌ وبأن ما يجزئ التضحية والسبعةُ متقرِّبُونَ جاز وبعضُهم يبغي اللَّحْمَ.
وما جاز للسبعة فهم يَذْبحُونَ عن تطوُّعٍ، جاز وهم يذبحون عن واجبٍ [وما جازوهم] 4. من أهل بيتٍ واحد، جاز وهم أَهْلُ بُيُوتٍ مُخْتِلفَةٍ فالسبع من الغنم.
وذكر أَبُو الحَسَنِ العَبَّادِي: أن عند أحْمدَ تُجْزئُ البدنةُ عن عَشَرة 5 والبقرة عن سَبْعَةٍ.
وإذا اشتركوا في بَدَنَةٍ أو بَقَرةٍ وهم مُتَقرِّبُون أو بعضهم يريدُ اللحمَ، فطريقان:
أصحهما 6 أن القِسْمَةَ تُبْنى على أنها بيعٌ أو إفرازُ حَقٍّ، إن جعلناها [إفرازاً] جوَّزْنَاهَا، كان جعلناها بيعاً، فبيعُ اللَّحْمِ باللحم في حال الرطُوبةِ لا يجوزُ.
فالطرِيقُ أن يدفعَ المُتَقرِّبونَ الأَنْصِبةَ إلى الفُقَراءِ شائعةً ثم يشتريها منهم مَنْ يبغي اللحمَ بالدَّراهِم [أو يَبِيعَ مَنْ يَبْغِي اللحمَ نَصِيبَهُ من المُتَقرِّبِينَ بالدَّراهِم] 7، ويجعلوا اللحمَ أجزاءً ويَجعلون باسْم كُلِّ واحدٍ جُزْءاً ثم يَبِيعُ صاحِبُ الجزْءِ ماله في سَائِرِ الأَجْزَاءِ بالدَّراهِمِ ويشتري ما لأصحابِه في ذلك الجزء بالدراهم، وَيتَقَاضَوْنَ.
والثاني وبه قال
صاحبُ التَّلْخِيصِ: تجوز القِسْمةُ هاهنا قَوْلاً واحِداً؛ للحاجة وأيضاً فإننا نجعل 1 القِسْمةَ بيعاً على قولِ إذا كانت الشركةُ فيما يقبل البيعَ، ولحمُ الضِّحيةِ لا يقبلُهُ كما يُجْزِئُ تضحيةُ سبْعةٍ ببدَنَةٍ أو بقرةٍ ويجوزُ أَنْ يقصِدَ بعضُهم التضحيةَ، وبعضُهم الهدْيَ أو اللحمَ فيجوزُ أَنْ يذبحَ الواحِدُ بدنتَهُ أو بقرتَهُ عن سَبْع شِيَاهٍ لزمته بأسباب مُخْتَلفةٍ: كالقِرَانِ، والتَّمتُّع، ومُبَاشرة مَحْظُوراتِ الإحرامِ، ونذر التصدق بشاة، [والتضحية بشَاة] 2.
نَعَمْ، من جزاء الصَّيْدِ يُرَاعَى المماثلةُ ومشابهةُ الصورةِ.
فلا تُجْزِئُ البدنةُ عن سَبْعةٍ من الظِّبَاءِ ولو وجب شَاتَانِ على [رَجُلَيْنِ] 3 من قَتْلِ صَيْدين لم يَجُزْ أَنْ يذبحا عنهما بدنةً أو بقرةٌ ويجوز أن يذبح الرجلُ بدنةً أو بقرةً سُبْعُها عن شاه لزمَتْهُ، ويأكل الباقي.
ولو جعل جَمِيعَ البدَنَةِ أو البقرةِ مَكَانَ الشاةِ، فيكون الكل فرضاً حتى لا يجوز أَكْلُ شيءٍ منه أو يكون الفرضُ السُّبعَ حتى يجوزَ الأكلُ من الباقي، فيه وجهان، ويقربُ هذا الخلافُ من الخلافِ في أنه إذا مسح جَمِيعَ الرأْسِ يكون الكُلُّ فرضاً أو الفرض ما يقع عليه الاسْمُ 4.
ولو اشترك رَجُلاَنِ من شَاتَيْنِ؛ فهل يجوزُ لهما التضحيةُ بهما؟ فيه وجهان:
أَحدُهما: نَعَمْ؛ لأنَّ نِصْفَيْ شاةٍ كشاةٍ وَاحِدَةٍ وعلى هذا فلا يبعد أن تجوزَ التضحيةُ بأجزاءِ شاةٍ، ويُحْتَمل تخلل الفاضل.
وأَظْهرُهما: لا؛ اقْتِصَاراً على ما ورد [به الخبرُ] 5.
وكُلُّ واحدٍ منهما يتمكنُ من الانفرادِ بواحدةٍ.
قال الإمامُ: وللخلافِ التفاتٌ إلى أعتاقِ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ عن الكَفَّارةِ، ولا تجوزُ التضحيةُ ببعضِ شَاةٍ بحال.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا السُّنَّةُ) فَالأَحَبُّ هُوَ الأَسْمَنُ الأكْمَل وَسَبْعٌ مِنَ الغَنَمِ أَحَبُّ مِنَ البَقَرَةِ وَالبَدَنَةِ وَالبَدَنَةُ أَحَبُّ مِنَ البَقَرَةِ وَالأَبْيَضُ أَحَبُّ مِنَ الأَسْوَدِ وَالنَّصُّ أَنَّ الأُنْثَى أَحَبُّ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الَّتِي لَمْ تَلِدْ فَلَحْمُ الذَّكَرِ أَطْيَبُ.
قال الرَّافِعِيُّ: المقصودُ الآن في صِفَاتِ الكمال في الأضْحيةِ وفيه مَسَائِلُ:
منها: [يُسْتحبُّ] 1 أن يختارَ للتضحيةِ الأَسْمنَ 2 الأكْمَلَ حتى أن التضحِيةَ بشاةٍ سَمِينة أفضلُ من التضحية بشاتَيْن 3 دُونَها؛ لأن لحمَ السَّمِينِ أطيبُ وفسر بعضُهم الشِّعَارَ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ بِاسْتِسْمَانِ الهدْيِ وَاسْتِحْسَانِه.
وفي الخبر: "عَظِّمُوا ضَحَايَاكُمْ؛ فَإنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ مَطَايَاكُمْ" 4.
قِيلَ معناه: أنها تهَيَّأُ مَرَاكِبَ.
وقِيل يسهل بالتضحية الجوازُ على الصراطِ.
وذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه-: أنَّ في التضحيةِ استِكْثَارَ القِيمَةِ أَحَبُّ من استكثارِ العَدَدِ، وفي العِتْق استكثارُ العَددِ أَوْلَى؛ وسبُبه أن المقصودَ -هاهنا- اللحمَ، ولحمُ السَّمِين أكثرُ وأَطْيبُ.
والمقصودُ في العِتْق التخلِيصُ من الرِّقِّ، وتخلِيصُ عَدَدٍ أَوْلَى، [من تَخْلِيص وَاحدٍ] 5 وكثرَةَ اللحمِ في الأُضْحية خيرٌ من كثرة الشَّحْم، إلاَّ أن يكونَ لحمُها حسناً.
ومنها: التضحيةُ بِسَبْعٍ من الغنم أفضلُ من التضحيةِ بَبَدَنَة أو بَقَرةٍ أو بالعَكْسِ أَفْضَلُ؟ فيه وجهان:
أَظهرُهما: وهو المذكورُ في الكتاب أَنَّ الأوّلَ أفضلُ؛ لأن لحمَ الغَنَمِ أطيبُ ولأن الدَّمَ المُرَاقَ أكثرُ والقُرْبةُ تزيد بحسبه.
والثَّانِي: أن العَكْسَ أَفْضَلُ؛ لأنَّ اللحْمَ أكثرُ.
وقد يؤدي التعارضُ في مِثْل هذا إلى التساوي، ولم يذكروه.
والبدنةُ أَحبُّ من البقرة، والبقرةُ أحبُّ من الشاةِ والضأْنُ [مِنَ المعْزِ.
وقال مَالِكٌ: الأفضلُ الضأن] 6 ثم البقرة ثم البدنةُ.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَذْبَحُوا إِلاَّ الْبَدَنَةَ إِلاَّ أن يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضأْنِ" 7. وقال -صلى الله عليه وسلم- في الجُمعَةِ: "مَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ
بَدَنَة" (1) ثم ذكر البقرةَ ثم ذكر الكَبْشَ.
والتضحيةُ بشاةٍ أفضلُ من الشِّرْكَةِ في بَدَنَةٍ أو بقرة (2). ومنها: البيضاءُ أحبُّ من العَفْراءِ والعفراءُ أحبُّ من السوْدَاءِ والعفراءُ: التي لا يَصْفُو بَيَاضُها؛ روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَدَمُ عَفْرَاءَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ" (3) ورأى الإمامُ أفضليةَ البيضِ تَعَبُّداً، ومنهم مَنِ ادَّعَى أنها أَحْسَنُ مَنْظَراً وأطيبُ لحماً.
ومنها: حُكِيَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أن الأنثى أحبُّ مِنَ الذكَرِ، والأصَحُّ -وينسبُ إلى نَصِّه -رضي الله عنه- في رواية البويطي: أنَّ الذكر أحبُّ؛ لأن لحمَهُ أطيبُ وأَفْضَلُ.
وتكلُّموا في النصِّ الأول من وجهين:
أَحدُهما: أنه إنما ذكر ذلك في جزاءِ الصَّيْدِ عند تَقْوِيم الحيوانِ للرجُوعِ إلى مِقْدارِ قِيمته مِنَ الطعامِ، والأُنْثَى أكثرُ قِيمةً.
فلا تفدى الأُنْثَى بالذكر إذا أراد التَّقْوِيم، على أن في هذا خِلاَفاً قد سبق في مَوْضِعه.
والثاني: وهو المذكورُ في الكتاب أنه أراد الأُنْثَى التي لم تَلِدْ، هي أطيبُ لَحْماً وأطيب من الذكر، وإنما يذهبُ طِيبُ لحَمِ الأنْثَى إذا وَلَدَتْ، وطِيبُ لَحْمٍ الذَّكَرِ إذا أَكْثَرَ النَّزَوَانَ (4). قال الإمامُ: ولا ينبغي أن يُعْدَلَ الشيءُ إلاَّ بما يُسَاوِيه، كالفَحْلِ الذي أكثر النَّزَوَاتِ لا يُقاسُ بالأُنْثَى الرخْصَةِ (5) التي لم تلد، ولكن يعتبر بالتي وَلَدَتْ.
فإنَّ النزَوانَ في الذُّكُورةِ كالوِلاَدَةِ في الإِنَاثِ.
وإذا فرضْنَا ذكراً لم يَنْزُ، وأُنْثَى لم تلدْ -فالذكرُ أَوْلَى.
وهذا بيِّن في العُرْفِ.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: الوَقْتُ)
وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ودِمَاءُ الجُبْرَانَاتِ لاَ وَقْتَ لَهَا وَأَوَّلُ الوَقْتِ بِانقِضَاءِ وَقْتِ الكَرَاهَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ العِيدِ بَعْدَ مِقْدَارِ خُطْبَتَيْنِ وَرَكعَتَيْنِ خَفِبفَتَيْنِ وَقِيلَ: بَلْ طَوِيلَتَيْنِ عَلَى العَادَةِ وَآخِرُهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ آخِرَ ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيُجْزِئُ بِاللَّيْلِ (م) وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيقِ.
قال الرَّافِعِيُّ: يدخُل وقتُ التضحيةِ بدخُولِ وقْتِ صلاة العيد يومَ النَّحْرِ، ومُضِيِّ12345
وقت ركْعتيْنِ وخُطْبتين بعده، فإنْ ذَبَح قبل ذلك لمِ تُجْزِ ضحِيْتُهُ؛ لما رُوِيَ عَنْ أَنَسِ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ ذبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكَهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ" 1.
وكيف تُعْتَبَرُ الركعتانِ والخُطْبتانِ؟ فيه وَجْهانِ، ويُقالُ قَوْلاَنِ:
أَحدُهما: أنه يعتبر ركعتانِ وخُطْبتانِ خَفِيفَتَانِ لحصول 2 الإجْزَاءِ بهما والظاهِرُ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لو خَفَّفَ الصلاةَ والخُطْبَة لضحّى أو أَذِنَ في الضَّحِيةِ.
والثَّانِي: أنَّ المُعتبرَ صلاةُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وخُطْبتُه وكان يقرأُ في الركعةِ الأُولَى بسورة "ق" وفي الثانية "اقْتَرَبتِ السَّاعَةُ" ويخطُب خُطْبةً مُتَوسِّطَةً؛ واحتج له بظاهِرِ قَوْلِه -صلى الله عليه وسلم-؛ "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا هَذِهِ وَذَبَحَ بَعْدَهَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ" 3. وحكى الإمامُ عن المراوزة: أن الخِلاَفَ في اعتبارِ الخِفَّةِ في الركعتينْ فأمَّا الخُطْبتانِ فالمعتبرُ فيهِما الخفَّةُ لا محالةَ.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُطَوِّلُ، وكيف والناسُ يومَ العيدِ مُسْتَوْقِرُونَ 4؟
قال: وما أرى مَنْ يعتبر رَكْعتيْنِ خَفِيفتَيْنِ يكتفي بأقَلَّ ما يجزئ وظاهِرُ لفْظِ "الشَّامِل" خلافُه 5. وفي "الشَّامِل" وجهٌ: أنه كان يُعْتَبرُ في عَهْدِ النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاتُه، وبعده المعتبرُ قدرُ الصلاةِ.
وفي "النِّهَايَةِ" عن بعْضِ التصانِيفِ: أنه يكفي مُضِيُّ ما يَسَعُ ركعتَيْن بعد انقضاءِ وَقْتِ الكراهِيَةِ، ولا يُعْتبر مُضِيُّ وقْتِ الخطبتين.
وينتهي وقْتُ التضحيةِ بغروبِ الشمس ثَالِثَ أيامِ التَّشْرِيق.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ وأحْمَدُ: يَنْتَهِي بالغُروبِ ثَانِي أَيَّامِ التشريق.
واحتج الأَصْحابُ بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَأَيَّامُ مِنَى كُلُّهَا مَنْحَرٌ" وبأن اليومَ الثالِثَ رمي من أيام الرَّمْي فيكون مِنْ أيام التضحيةِ كاليومَيْن الأولين فتجوزُ التضحيةُ في ليالِي التَّشْرِيقِ كما في الأيام خِلاَفاً لِمَالِكٍ وكذا لأحْمَدَ في روايةٍ.
لنا: أنه ذَبْحٌ يجوزُ نهاراً فيجوز ليلًا كَذبح غيرِ الضحية.
والذبحُ مطلقاً بالليل مَكْروهٌ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الذَّبْحِ لَيْلاً 1.
والمعنى فيه: أنه لا يَأْمَنُ الخطأَ في المذْبَحِ، وأيضاً فالمسَاكِينُ لا يحضرون التضحيةَ بالليل حُضُورَهم بالنهارِ.
وأما لفظُ الكتاب فقولُه: "وهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ وأَيَّامُ التَّشْرِيقِ" يجوز إعلامُ أَيَّامَ التشرِيقِ بالحَاءِ والمِيمِ والأَلِفِ؛ لما نقلنا مِنْ مَذْهَبِهم في اليوم الثالث.
ويوم النحر كُلّه ليس وَقْتَ التضحيةِ، بل لا بُدَّ مِنِ انْقضاءِ طرفٍ من صَدْرهِ على ما بين، فلْيُحْمل على أن وقْتَ التضحيةِ في هذه الأيام.
وما أشبه ذلك.
وقولُه: "ودماءُ الجبرانَاتِ لا وقْتَ لها" أَيْ: لا تختصُّ بوقْتٍ.
المسْأَلَةُ مُكَرَّرَةٌ قد ذكرها مرَّةً في "الحج" مع التعرضِ لمُخَالفتها "الضَّحايا" ولا حاجةَ إلى إِعادَتِها هاهنا.
وقولُه: "وأولُ الوقْتِ بانقضاءِ وقْتِ الكراهِيَةِ بعد طُلُوع الشَّمْسِ" اعلم أَنَّ المعتبرَ دخولُ وقْتِ صَلاةِ العِيدِ، ونذكر أَنَّا حكينا فيما يدخل به صلاةُ العِيدِ اختلاَفاً عن كُتُبِ الأَصْحَابِ؛ فمِنْ قَائِلٍ: يَدْخُلُ بطلوعِ الشَّمْس، ومن آخر يقول: يدخل بارتفاعِ الشمسِ قَدْرَ رُمْحٍ وبه ينقضي وقتُ الكراهيةِ.
ولفظ صَاحِب الكتاب هناك مُوَافِقٌ الفرقةِ الأُولَى فإنه قال: " [ووقتها] 2 ما بين طُلُوع الشمس إلى زَوَالِها".
وَاعْتُبِرَ هَاهُنَا انقضاءُ وقْتِ الكَرَاهِية [فَلْيَنْزِلْ أَحدُهما] 3 على الآخر بضرْبٍ من التأْوِيل أو ليعتقد على أنه أجاب هناك على رَأْيٍ وفرَّع هاهنا على آخَرَ.
ويجوزُ أن يُعْلَم قولُه "بانقضاءِ وَقْتِ الكراهيةِ [بالحَاءِ والمِيمِ والأَلِفِ؛ لأن عندهم لا يدخُلُ الوقْتُ بانقضاءِ وَقْتِ الكَرَاهِية] 4 ومَضَى وقْتُ ركعتين وخُطْبتيْنِ، وإنما يدخل الوقْتُ إذا صلى الامامُ وخَطَبَ.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: إِنْ زالت الشمسُ، ولم يُصَلِّ فللناس التضحيةُ وخصص ما ذكره بأهْل البلادِ، وجوَّزَ لأهلِ السَّوادِ والمسافِرِينَ التضحيةَ بعد طُلُوع الفَجْرِ.
وعن مَالِكٍ: أنه اعتبر مع صلاةِ الإمَامِ وخُطْبته تضحيته أَيْضاً ولو قال صاحبُ الكتاب بعد مُضِيِّ خُطْبتيْن وركْعَتيْنِ بدلاً عَنْ قولهِ "وبعد مِقْدَارِ خُطْبتين" كان [أَلْيَقَ بما] (1) قبلَه من النظْمِ.
ويجوزُ إعلامُ لفظ "الخُطْبتيْن" بالواو؛ للوجه المنقول عن بَعْضِ التصانِيف.
وقولُه: "بَلْ طَوِيلَتَيْنِ على العَادَة" أَيْ: الطُّولُ المعْتَادُ، وهو التوسُّطُ والمرادُ مِنْه وجهُ اعتبارِ صَلاَةِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وخُطْبتِهِ على ما قدمنا.
[وقوله] (2) "ويجزئ باللَّيْلِ" مُعْلَمٌ بالميمِ والأَلِفِ.
وقولُه: "ثالث أيام التشريقِ" مُعْلَمٌ بالحاءِ والمِيمِ والأَلِفِ، وكان بسبيل من أن يَسْتَغْنِي عنهما بما سبق.
وختم الفَصْلَ بكلامَيْنِ:
أَحَدُهما: ذكر الإمامُ أَنَّ مَنْ فاته التضحيةُ فَلْينتَظِرُ وقْتَها من قابل وحينئذٍ يقعُ عن حَقِّ الوقْتِ ولا يصفو هذا عن إِشْكَالٍ.
والثاني: جَمِيعُ ما ذكرنا من الأُضْحيةِ المُتطوَّع بها، فأما المنْذُورُ ففي تَأْقِيتِها خلافٌ سيأتي من بعد إن شاء الله تعالى.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الذِّابِحْ)
وَمَنْ حَلَّ ذَبِيحَتُهُ صَحَّ مُبَاشَرَتُهُ لِلتَّضْحِيَةِ وَلَكِنْ لَوْ وَكَّلَ كِتَابِيّاً فَلْيَنْوِ بِنَفْسِهِ وَلَوْ وَكَّلَ مُسْلِماً بِالتَّضْحِيَةِ وَالنِّيَّةِ جَازَ وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةَ أَغْنَاهُ عَنْ تَجْدِيدِ النِّيِّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ وَلاَ ضَحِيَّةَ لِلرَّقِيقِ إِذْ لاَ مِلْكَ لَهُ وَفِي المُكَاتَبِ إِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ خِلافٌ وَلْيُبَاشِرِ الذَّبْحَ بِنَفْسِهِ أَوْ لِيَشْهَدْ فَهُوَ أَحَبُّ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: المسْتَحَبُّ للمضحِّي أن يذبحَ الضَّحِيَة 3 بيده، وكذا المهدي يذبح الهدْيَ بنفسه 4؛ لما رُوي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَهْدَى مِائَةَ بدنةٍ فنحر منها بيَدِه سِتَّةً وسِتِّينَ وأمر عَلِيّاً كرم الله وجهه فنَحَرَ البَاقِي 5.12
وعن ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَذْبَحُ أُضْحِيته في المصلى 1.
وعن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- كان يأمرُ نساءَه أن يَلِيهَ ذبْحَ هَدْيَهُنَّ 2؛ لأن التضحيةَ قُرْبةٌ فيحسن [القيامُ بها] 3 ويجوزُ أن يُفَوِّضَ ذبحَها إلى الغيرِ للعَجْزِ عن المُبَاشرةِ وغيرِه كما استناب النبي -صلى الله عليه وسلم- عَلِيّاً -رضي الله عنه-.
ومَنْ تحِلُّ ذَبِيحتُه يجوزُ التفويضُ عليه ليباشِرَ الذبْحَ، والأَوْلَى أَلاَّ يُنِيبَ إلاَّ مُسْلِماً ليكونَ أَهْلاً للقُرْبَةِ وليكن فَقِيهاً ليكُونَ عَارِفاً بوقْتِ التضحية، وشرائطها.
ولو اسْتَنَابَ 4 كِتَابيّاً جاز؛ لأنه أهلٌ للذبح، ويجوزُ أن يَسْتَعِين المسلمُ من قريته بالكافر كما يستعين به في 5 قِسْمةِ زكاته.
وقال مَالِكٌ: لا يجوزُ إنابةُ الكِتابيِّ في التضحيةِ، ويكون ما ذبحه شاةَ لحمٍ.
وحكى الموفقُ بنُ طَاهِرٍ عن أَحْمَدَ مِثْلَهُ، ولا يجوزُ إنابةُ المجُوسِيّ والوَثَنيّ.
وإذا فَوَّضَ المُضَحِّي الذبحَ إلى غيره، فيسْتحب أن يَشْهَدهُ؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطِمةَ -رضي الله عنها-: "قُومِي إِلَى أُضْحِيَتِكِ فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّ بِأوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ ذمِهَا يُغْفَرُ لَكِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكِ" 6.
فُرُوعٌ: يجوزُ إنابةُ الحائِضِ لحل 7 ذَبِيحتها، وعن "الحَاوِي" أَنَّ فيه كراهيةَ ذَبْحِها بالتضحية وجهين.
وأَنَّ ذبْحَ الصبيّ الضَّحِيَّةَ مكروهٌ، وهذا إذا قُلنا بحل ذَبيحتِه.
ومع ذلك فإنَابةُ الحائضِ والصبي أوْلَى من إنابةِ الكِتَابِيّ، والحَائِضُ أَوْلَى من الصَّبِيِّ.
الثانيةُ: النَّيَّةُ شرطٌ في التضحيةِ، وهل يَجِبُ أن تكونَ مقرونةً بالذبْحِ أَمْ يجب
تَقْدِيمُها عليه؟ قضية ما ذكره الإمامُ تخريجه على وجهيْنِ ذكرناهما في جَوازِ تقْديِم النيةِ على تَفْرِقَةِ الزكاةِ والأظهرُ الجوازُ.
وإذا قال: جعلتُ هذه الشاةِ ضَحِيَّةً فهل يُغْنِيه التعيينُ والقصد عن نِيَّةِ الذبح؟ فيه وجهان:
أَحدُهما: نَعَمْ، ولا حاجَة إِلَى نية أُخْرَى كما لو قال لعبده: أَعْتَقْتُكَ.
والثَّانِي: لاَ؛ فإن التضحيةَ قُرْبةٌ في نَفْسِها فتحتاج إلى النيةِ وذكر الإمامُ أَنَّ الأولَ المذهبُ، واقتصر صاحبُ الكتابِ على إيرادِه، [والأَقْرَبُ] 1 الثاني وترجِيحُه.
قال الشيخُ إِبْرَاهِيمُ المَرْوَزِيّ، والقَاضِي الرُّوَيانِي وغيرُهما: وليكن الوجهانِ مُفَرَّعَيْنِ على جَوَازِ تقديم النيةِ على الذبح، فإن لم يُجوَّزة فَلْنَقْطَعْ باعتبارِها عند الذبح.
ولو التزمَ أضحية في ذِمَّتِه ثم عَيَّنَ شاةً عما في ذِمَّتِه بني على أن [المُعَيَّنَةَ] 2 هل تتغيرُ عن المُطْلَقةِ في الذِّمَّةِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، ففيه الخلافُ المذكورُ في الصورة السابقة.
وإن قُلْنَا: لا، فلا بُدَّ من نيَّةِ الذبْح، وإن فوَّضَ الذبْحَ إلى غيره ونوى عند ذَبْحِ الوَكِيل كفى ولا حاجةَ إلى نِيَّةِ الوكِيلِ بلَ لَوْ لَمْ يعْلَمْ أنه مُضَحٍّ، لم يَضُرَّ، وإن نوى عند الدَّفْعِ إلى الوَكِيلِ دُونَ الذَّبْحِ خُرِّجَ على الخِلاَفِ في جواز التقديم على الذبح.
ويجوزُ أن يُفَوِّضَ إلى الوكِيل النيةَ كما يفوضُ إليه الذبحَ، وقد سبق نظيرْه في "الزكاة" وهذا إذا كان الوكيلُ مُسْلماً، فإن كان كِتابِيّاً لم يَجُزْ تفويضُ النيةِ إليه.
الثَّالِثَةُ: العبدُ القِنُّ، والمدبرُ، والمستولدَةُ، لا تجوزُ لهم التضحيةُ إذا قلنا بالصحيح: وهو أَنَّ العبدَ لا يَمْلِكُ بالتمليك، فإن أَذِنَ السيِّدُ -وقعت التضحيةُ عنه، فإن قُلْنا: إنهم يَمْلِكون بتملِيكِ السيد لم يجز لهم التضحيةُ أيضاً من غير إِذْن السيد؛ لأن حَقَّ السيدِ لم ينقطِعْ عنه بل له الانتزاعُ؛ فإن أَذِن وقَعَتِ الأُضْحيةُ عنهم كما لو أَذِن لهم في التصدُّقِ 3، وليس له الرجُوعُ بعد الذَّبْحِ، ولا بَعْد جَعْلِها ضحيةً والمُكَاتَبُ لا يُضَحِّى بغير إِذْن السيد، فإن أَذِن فقولان؛ بناءاً على القَوْلَيْنِ في نفُوذِ تبرعاتِه بإذْنِ السيد.
ومَنْ بعضُه رَقِيقٌ إذا ملك شيئاً ببعضِه الحرّ فله أَنْ يضحي بها ولا يحتاجُ إلى إِذْن السيد كما لو تصدَّقَ بملكه.
وقولُه في الكتاب "ولا ضَحِيَّةَ لِلرَّقِيقِ" يجوزُ إعلامُه بالواوِ، لما ذكرْنَا من التفرِيع على أَنَّ العبدَ يملِكُ بالتملِيك.
فرْعٌ: لو ضَحَّى عن الغَيْرِ بغير إِذْنِه، لم يقع عنه (1). قاله في "التَّهْذِيبِ" وفي الضحيَّةِ عن الميتِ كَلاَمٌ قد مَرَّ في "الوَصَايَا".
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكنُ الرَّابع: الذَّبْحُ)
وَهُوَ التَّذْفِيفُ بِقَطْعِ تَمَامِ الحُلْقُومِ وَالمَرِيءْ بِآلَةٍ لَيْسَ بِعَظْمٍ مِنْ حَيَوَانٍ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّة وَلاَ يُشْتَرَطُ قَطْعُ الأَوْدَاجِ (م) وَلَوْ تَرَكَ جِلْدَةً يَسِيرَةً مِنَ الحُلْقُومِ حَرُمَ وَلَوْ قَطَعَ مِنَ القَفَا وَأَسْرَعَ حَتَّى انْقَطَعَ الحَلْقُ قَبْلَ حَرَكَةِ المَذْبُوحِ جَازَ وَلَوْ رَمَى رَأْسَ عُصفُورٍ ببُنْدُقَةٍ لَمْ يَحِلَّ وَلَوْ نَزَعَ غَيْرَهُ مَعَ ذَبْحِهِ حَشْوَةَ الحَيَوَانِ حَرُمَ إذْ لَمْ يَنْفَرِدِ الذَّبْحُ بِالتَّذْفِيفِ.
قال الرَّافِعِيُّ: غَرَضُ الركْنِ بيانُ الذبح الذي يُنَاطُ به الحلّ في الحيوانِ المأكُولِ المقدُورِ عليهِ إِنْسِيّاً كان أو وَحْشِيّاً، ويساوي فيه الضحيةُ وغيرُها، لكن الشافِعِيَّ -رضي الله عنه- والأصحابَ تكلَّمُوا فيه في الضَّحَايَا، وضَبَطَ في الكتاب فقال: "هو التَّذْفِيفُ بقطع تمامِ الحُلْقُومِ والْمَرِيءِ بآله ليست بِعَظْمٍ من حيوانٍ حياةٌ مستقرة" وفيه قيودٌ:
أحدُها: قطع الحُلْقوم والْمَرِيءِ، فلو اختطف رأْسَ عُصْفُورٍ ببُنْدقة فهي ميتةٌ؛ لأنه عدل عن القَطْعِ، وهو الذي اعتبر في الباب 2.
قال الإمامُ: وهو بمثابةِ ما لَوِ اعْتَمد رأْسَ عُصْفور واقتلعه والتعبُّدُ بالقْطعِ لا بالقَلْعِ.
والحُلْقُومُ: مَجْرَى النَّفَسِ خُرُوجاً ووُصُولاً.
والمَرِيءُ مَجْرَى الطعامِ والشَّرابِ، ويجمع على مُرُؤٌ؛ كَسَرِيرٍ وَسُرُر.
[و] قال الشيخ أبُو حَامِدٍ وغيرُه وهو تحت الحُلْقُومِ ووراءهما عِرْقَانِ في صَفْحَتي العُنُقِ [وَيُحِيطانِ بالحُلْقُوم] 3 [وكذلك ذكر بعضُهم، وفي "تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أبِي حَامِد"1
أنهما يُحِيطَانِ بالمَرِيءِ] 1 يقال لهما: الودَجَانِ، ويقال للحلقوم والمرِيءِ معهما الأَوْدَاجُ ولابد من قطع الحُلْقُومِ والمَرِيءِ.
وعن الاِصْطَخْرِي: أنه يكفي قطعُ أَحَدِهما لأن الحياةَ لاَ تَبْقَى بعده.
قال الأصحابُ: وهذا خلافُ نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- وخلاف مَقْصُودِ الذَّكاةِ؛ لأن المقصودَ الإزهاقُ: بما يوحى ولا يُعذَّبُ وقطْع أَحدِهم لا يوحى، ويُسْتَحَبُّ أن يُقْطَع معهما الوَدَجَانِ لأنه [أوحى] 2 والغالب أنهما ينقطعان إذا قطع الحُلْقُومَ والمريءَ، لكن لو تكلف مُتَكَلِّفٌ وقطع الحُلْقُومَ والمَرِيءَ وترك الودَجَيْنِ ثم الذبحُ وحصل الحلُّ؛ لأن قَطْعَهما مُوحٍ والْوَدَجَانِ قد يسلان من الحيوان فيبقى، وما هذا شأْنُه لا يُشْتَرطُ قَطْعُه كسائر العُروقِ.
وقال مَالِكٌ: لابد من قطعِهما مع الحُلْقُوم والمريءِ.
وعند أَبِي حَنِيفةَ: لا بُدَّ من قطع الأَكْثَرِ.
ثم قِيلَ؛ معناه أن يقطعَ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهما أكثرَهُ.
وقِيلَ: أن يقطعَ منهما ثُلُثَه، ولو ترك مِنَ الحلقُومِ والمريءِ شَيْئاً وماتَ الحيوانُ فهو حَرَامٌ، وإن كان المتروكُ يَسِيراً، وكذا لو انتهى إلى حركة المذْبُوحِ، ثم قطع المترُوكَ.
وعن "الحَاوِي" وجهٌ آخر: أنه يحلّ؛ لأنه يقومُ مقامَ الكُلِّ في تفويتِ الحياةِ.
وهذا ما اختاره القَاضِي الرُّوَيانِي في "الحِلْية".
قال: ولا أَثَرَ لقَدْرِ أُنْملة أو ظُفْرٍ يبقى والظاهِرُ الأولُ.
ولو قطع من القَفَا حتَّى انتهى إلى قَطْع الحلقُومِ والمريءِ، فيعصى؛ لما فيه من زيادَةِ الاِيلاَمِ، ثم يُنْظَرُ إن انتهى إلى حركةِ المَذْبُوحِ حين انتهى القطْعُ إلى المريءِ، فهو مَيْتَةٌ، وقطعُ الحلقُومِ والمريءِ بعد ذلك لا ينفَعُ، وإن كان فيه حياةٌ مستقرةٌ فقطعها -حَلَّ؛ كما لو قطع يدَ الحيوانِ، ثم ذَكَّاه.
وعن مَالِكِ وأَحْمَدَ: أنه لا يَحِلُّ؛ لعدُولِه عن الذبح المأْمُورِ به.
قال الإمامُ: ولو كان فيه حياةٌ مُسْتقرة عند ابتداءِ قَطْعِ المريءِ ولكنه إذا قطع المريءِ وبعضَ الحُلْقوم 3 انتهى إلى حَرَكَةِ المذْبُوح لما ناله من قبل بسبب قَطْع القَفَا -فهو حَلاَلٌ وأقصى ما وقع التعبُّدُ 4 أن يكونَ فيه حياةٌ مستقِرَّةٌ عند الابتداءِ بقَطْعِ المذْبَحِ.
والقطعُ من إِحْدَى صَفْحَتيِ العُنُقِ كالقَطْع من القَفَا.
ولو أدخل السِّكِّين في أُذُنِ الثعلب ليقطع الحلقُومَ والمريءَ داخل الجِلْدِ ففيه هذا
التفصيلُ إن انتهت الحدِيدَةُ إلى المذْبَحِ، وفيه حياةٌ مُسْتقرةٌ -حلَّ، وإلا فلا ولو أمَرَّ السكينَ ملصقاً باللّحْيَيْنِ فوق الحلقومِ والمريءِ [وأبان الرأْسَ، فَلَيْسَ هذا مذبحاً أو بِذَبْحٍ إذا لم يَقْطَعِ الحلقومَ والمرِيءَ.
القَيْدُ الثَّانِي: كون التذْفِيفِ حَاصِلاً بقطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِيء] وفيه صُورَتانِ.
إِحْدَاهُما: لو أخذ الذابحُ في قَطْعِ الحلقُومِ والمريءِ وأخذ آخر في نزع حَشْوةِ الحيوَانِ أو في النخْسِ في الخَاصِرَةِ -لم يحلّ؛ لأنَ قطع الحلقُومِ والمرِيءِ خرج عن أَنْ يكون هذا المذفّفَ.
ولا فَرْقَ بين أَنْ يكونَ ما يجري به قطعُ الحلقُومِ مما يذفّف لو انفرد، أو كان يُعِين على التَّذْفيِف.
وقطعُ رقبةِ الشَّاةِ من قَفَاهَا لو اقترن بقطْعِ الحُلْقوم بأن كان يجري مُدْيةً من القَفَا وأُخْرَى من الحلْقُومِ حتى الْتَقَيَا، فالوجهُ التحرِيمُ بخلاَفِ ما إذا تقدَّم قطع القَفَا، وبقِيَتِ الحياةُ مستقرةً إلى انتهاء المدية إلى المذْبَحِ.
ولك أَنْ تقولَ إن كان المقارن لقطع الحلقُومِ والمريءِ مُذَفّفاً فيظهر التحريمُ؛ لأن إضافَةَ الزهوق إلى أَحَدِهما ليست بأَوْلَى من الإضافَةِ إلى الثَّانِي فأما إذا لم يكن مُذَففاً - فيجوزُ أَن يُقالَ كما لا أَثَرَ له إذا تقدَّمَ على قَطْع الحُلْقُوم والمَرِيءِ لا أثر عند المُقَارنةِ، وبتَقْدِير أن يؤثرَ ويَمْنَعَ الإضافَةَ إلى قَطْعِ الحُلْقوم والمرَيءِ مع كونه مُذَفّفاً، فينبغي أن يُقالَ إذا جَرَحَ جَارحٌ جِراحةً غيرَ مُذَفّفةٍ مع حزِّ الرقبةِ من آخر، لا يَخْتَصُّ الثاني بالقِصَاصِ.
والثَّانِيَةُ: يجبُ أَنْ يستوعِبَ 1 الذابحُ في القَطْعِ ولا يتأنى بحيْثُ يَحس ويظهر انتهاءُ الشاةِ قبل اسْتِتْمام قطع المذّبَح إلى حركة المذْبُوحِ، وهذا قد يخالِفُ ما سبق أن المرعى المُتَعَبَّدَ به أَنْ يكَونَ في الحيَوانِ حياةٌ مُسْتقرة عند إلابتداءِ بقطْع المذبح، ويشبه أَنْ يكونَ المقصودُ هاهنا [إذا تبيَّنَ فظهر مَصِيرُه إلى حركةِ المذْبُوحِ، والمقصودُ هناك] 2 إذا لم يتحقق الحالُ.
القيْدُ الثَّالِثُ: ألاَّ تكونَ الآلةُ القاطِعَةُ عَظْماً وقد مر هذا في "الصَّيْدِ والذَّبَائِح".
الرَّابعُ: أَنْ يكونَ في الحيوانِ عند الذَّبْحِ حياةٌ مُسْتقرةٌ، فلو جرح السبعُ صَيْداً أو شاةً، أو انهدَمَ سقْفٌ على بَهِيمةٍ أو جرَحَتْ هِرّةٌ حمامةً ثم أدْرَكَها صاحِبُها وهي حيةٌ فذبحها -حلَّتْ، إن كانت فيه حياةٌ مُسْتقرةٌ، وإن كان يتيقن أنها تهلك مِنْ تلك الجراحَةِ
بعد يَوْمٍ أو يَوْمَيْن -فقد سبق ما يُوافِقُ هذا في جراحاتِ الآدميين.
وفي كتاب القَاضِي ابْنِ كجّ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْن بن القَطَّانِ حكى عن رواية أَبِى مُحَمَّدٍ الفَارِسِيّ قَوْلاً آخر: أنها لا تحِلّ.
والمذهبُ الأولُ: وإن لم يكُنْ فيها حياةٌ مستقرةٌ لم تَحِلّ.
وذكر القَاضِي ابْنُ كج أَنَّ أَبَا حَفْصِ ابْنَ الوَكِيلِ حكى فيه قَوْلاً آخر أنها تَحِلُّ.
والمذهبُ الأول.
وهذا بخلاف الشَّاةِ إذا مَرِضَتْ فصارت إلى أَدْنى الرمق، فذُبِحَتْ تحلُّ لأنه لم يُوجَدْ سببٌ يُحالُ عليه الهلاكُ ويجعل قَتْلاً.
قال الغَزَالِيُّ: وَالمُشْرِفُ عَلَى المَوْتِ إِنْ شَكَكْنَا فِي أَنَّ حَرَكَتَهُ كَحَرَكَةِ المَذْبُوحِ أَوْ حَيَاتَهُ مُسْتَقِرَّةٌ فَالغَالِبُ التَّحْرِيمُ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بِدَوَامِ الحَرَكةِ بَعْدَ الذَّبْحِ وانْفِجَارِ الدَّمِ وَعَلاَمَات أُخْرَى جَازَ ذَبْحُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: ولو أكلتِ الشاةُ نباتاً مُضِرّاً فصارت إلى أَدْنَى الرَّمَقِ فذبحت فقد ذكر شَيْخِي -يعني القاضي حُسَيْن- فيه وَجْهَيْنِ ثم قطع من كره بنفي الحِلِّ؛ لأنا وجدنا سَبَباً يُحالُ الهلاكُ عليه، فصار كجُرحِ السَّبُع، ثم كون الحيوان مُنْتهياً إلى حركةِ المذْبُوحِ أو حيّاً بحياةٍ مُسْتقرةً يُسْتَيْقَنَ تَارةً، ويُظَنُّ أُخْرَى بعلامَاتٍ وقَرائِنَ لا تضبطها العبارةُ وشبه بعلاماتِ الخَجَلِ وَالغَضَبِ ونحوهما، ومن الأَمَاراتِ 1 على بقاءِ الحياةِ المُسْتقرَّةِ الحركةُ الشدِيدةُ بعد قطع الحُلْقُومِ والمِريءِ وانفجارِ الدَّمِ وتدفقه.
وذكر الإمامُ: أن فيهم مَنِ اعْتمد كُلَّ واحدٍ منهما، وَاكْتَفَى به دَلِيلاً على أَنَّ فيه حياةً مُستقرةً، وأن الأَظْهرَ أن كلاً منهما وإن كان يثير ظناً -فإنَّه لا يُكْتَفَى به لأنهما قد يحصُلاَنِ بعد الانتهاءِ إلى حركة المذْبُوحِ.
نَعَمْ.
قد ينضمُّ إلَى احدِهِما أو كِلاهُما قرائِنُ وإماراتٌ أخَرُ تُفِيدَ [اليقينَ] 2 أو الظَّنَّ فيجبُ النظرُ والاجتهادُ، وإذا شَكَكْنَا في الحياة المُسْتقرةِ ولم يترجّحْ في ظَنِّنا شيءٌ ففيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: وينسب إلى ابْنِ أَبِي هُرَيْرةَ أنه يحلُّ؛ لأن: الأصلَ بقاءُ الحياةِ المستقرة.
وأَظْهرُهما وهو المذكورُ في الكتابِ، وبه قال أَبُو إسحاقَ: المنعُ تغلِيباً للتحرِيم
فيه، ومَواضِع العلامَاتِ من الفَصْل بَيْنَهُ لمن تَأمَّلَ الشرحَ.
وقولُه "عندَ تَمامِ الحُلْقُومِ والمِريءِ [ولو طرح لفظُ "التَّمَام" لحصلَ الغَرَضُ؛ فإنه إذا ترك بعضَ الحلْقُومِ أو المرِيء] 1 لم يكن قَاطِعاً لَهُمَا.
وقولُه "ولو قطِع من القَفَا وأَسْرَعَ حتى انقطع الحلقومُ" ظاهِرُه يخالف ما حكينا عن الإمامِ أنه يَكْفِي أن يكونَ فيه حياةٌ مستقرةٌ عند ابتداءِ قَطْعِ المريءِ، وذلك لأنَّ لفظَ "الحلْق" إن حُمِل على المذْبَحِ الشامل للحلْقُومِ والمِريءِ، فقضيةُ اعتبارِ انقطاعِهمَا قبل الانْتِهاءِ إلى حركة المذْبُوجِ، وإن حُمِل على الحَلقُوم -فكذلك لأنَّ القطعَ مِنْ جنبِ القَفَا ينتهي إلى المِريءِ أوَّلاً ثم إلى الحُلْقُومِ، فيكون انقطَاعُ الحلقُومِ بعد إنقطاع المَرِيءِ.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا السُّنَنُ) فَيُسْتَحَبُّ تَحْدِيدُ الشَّفْرَةِ وَسُرْعَةُ القَطْعِ وَتَوْجِيهُ المَذْبُوحِ إِلَى القِبْلَةِ وَاسْتِقْبَالُ الذَّابِحِ القِبْلَةَ وَأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ وَلاَ يَقُولَ: بِسْمِ مُحَمَّدٍ وَلاَ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ وَمُحَمَّدٍ وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ جَازَ ويُسْتَحَبُّ ذَبْحُ البَعِيرِ فِي اللَّبَّةِ لِلتَّسْهِيلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: تَبيَّنَ في الفصْلِ السابِقِ ما يعتبرُ في الذبْحِ لتحلَّ الذبيحةُ، والغرضُ الآنَ بيانُ ما يتعلق بسُنَته وآدابه.
فمنها تحديدُ الشَّفْرَةِ.
روي عن شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِحَتَهُ.
والشِّفْرةُ: السِّكِّينُ العَظِيمةُ، ويقال لِحَدِّ السيْفِ شَفْرةٌ أيضاً.
ومنها: إِمْرَارُ السكينِ بقُوَّةٍ وتحامُلٍ ذَهَاباً وعَوْداً والجد في الإسْرَاعِ ليكون أَوْحَى وأَسْهَلَ.
ومنها: استقبالُ الذَّابحِ القِبْلةَ، وتوجِيهُ الذبيحةِ إِلَيْها، وذلك في الهدْيِ والضحيةِ اْشَدُّ اسْتِحْباباً؛ لأن الاستقبالَ مُسْتحبٌّ من القُرُبَاتِ.
ويُرْوَى عن جَابِرٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ضَحَّى بكبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فلما وجههما قَرَأَ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ [وَالْأَرْضَ]﴾ الآيتيْنِ وكيف توجيهها 2؟ ذُكِرَ فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
أَظْهرُهَا: وهو المذكورُ في الكتاب أنه يُوَجِّهُ مَذْبَحَها إلى القِبلة [ولا يوجِّه وَجْهَهَا؛ لأنه حِيئَذٍ يحتاج إلى أن يَسْتَدْبِرَ القِبلة] ويجعلها على يَسَارِه.
وثانيها: أَنْ يُوَجِّهَهَا بجميعِ بَدَنِها.
وثالثها: أَنَّهُ يُوَجِّهُ قَوَائِمَهَا.
ومنها: التسميةُ عند الذَّبْحِ، وقد سبق ذكرها في "الصيد والذَّبَائِحِ، ولو ضَمَّ صاحبُ الكتاب ما ذَكَرَ هاهنا مِنْ مَسائِل التسمية إلى ما ذَكَر هناك، وأوردهما في أحد الموضِعَيْنِ -لكان أَحْسَنَ ويجوزُ أن يُعْلمَ قولُه "وأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللهِ" بالحَاءِ والأَلِفِ؛ لأنهما لا يَعُدَّانِه من السُّنَنِ على ما سبق بيانُ مذهبِهمَا.
ولا يجُوز أن يقول [الذابِحُ: بسم مُحمد ولا أن يقول] 1 باسْمِ الله واسم محمدٍ، وإنما هو حَقُّ لله تعالى أن تُجْعَلَ الذبائِحُ باسْمِه، وأن يكون اليمنُ باسْمِه وأن يكون الجود له لا يُشَارِكُه في ذلك خَلْقٌ.
هكذا حكاه الصَّيْدَلانِي، والرُّويَانِي، وغيرُهما عن القَفَّالِ وذكر في "الوَسِيطِ" أنه لا يجوزُ أَنْ يقولَ بِاسْم اللهِ، ومُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ؛ لأنه لاَ شَرِيكَ، وكان لا يبعدُ أَنْ يجعل إضافَتَهُ إلى الله تعالىَ بالرسالةِ صَارفاً عَنِ [التَّشْرِيكِ] 2، وإيهامه بخِلاَفِ ما إذا اقْتَصَر على العلم.
قال ولو قال: باسْمِ اللهِ ومُحَمدٌ رسولُ الله، بالرفْعِ فلا بأسَ به.
وتناسِبُ هذه المسائِلُ ما حكى في "الشَّامِل" وغيره عن النصِّ أنه لو كان لِأَهْلِ الكُفَّارِ ذبيحةٌ يذبحونها باسمِ غَيْرِ الله تعالى كالمسيحِ -لم يَحِلَّ.
وفي كتاب القاضي ابنِ كج: أن اليهودِيَّ لو ذَبَح، لـ"مُوسَى" أو النصراني لو ذبح لِـ"عِيسَى" -عليه السلام- أو الصليب -حَرُمَتْ ذبيحتُه، وأَنَّ المسلِمَ لو ذبح للكعبةِ أو للرسول -صلى الله عليه وسلم- فيقوى أن يُقَال يحرمُ لأنه ذبح لغيرِ الله تعالى.
وإن أَبَا الحُسَيْن خَرَّجَ وجهاً آخر: أنه يَحِلُّ لأن المسلمَ يذبح للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ولا يعتقِدُ في الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يعتقده النصرانيُّ في عِيسَى -عليه السلام-.
قال وإذا ذبح للصَّنَمِ -لم تُؤكَلِ الذبيحةُ سَوَاءٌ كان الذابحُ مُسْلِماً أو نصرانياً.
وفي تَعْلِيقة إبراهِيم المرْورُّوذي أن ما يُذبْحُ عن استقبالِ السُّلْطانِ تقرُّباً إليه، أَفْتَى أهلُ بُخَارَى بتحريمهِ؛ لأنه مما أُهِلَّ به لغير الله تعالى واعلَمْ أن الذبْحَ للمعبُودِ وبِاسْمِه نازِلٌ منزلةَ السُّجُودِ له، وكل واحد منهما نوعٌ من أنواع التعظِيم والعبادَةِ المخصُوصَةِ بالله تعالى الذي هو المستحِقُّ للعبادةِ، فمَنْ ذبح لغيره مِنْ حَيَوَانٍ أو جَمَادٍ كالصَّنم على وَجْهِ
التعظيم والعبادَةِ -لم تَحِلَّ ذبيحتُه وكان ما يأتي به كُفْراً كمَنْ سَجَدَ لغيرِه سَجْدَةَ عِبَادةٍ، وكذا لو ذَبَحَ له ولغِيْره على هذا الوجه.
فأما إذ ذبح لغيرِه لا على هذ الوَجْهِ، كما إذا ضَحَّى غيرُه أو ذبح للكعبةِ تعظيماً لها؛ لأنه بيتُ الله تعالى، أو للرسولِ -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهذا لا يجوزُ أن يمنع الحِلَّ.
وإِلَى هذا المعْنَى يرجع قولُ القائِل: أَهْدَى فلانٌ للحرَمِ أو للكعْبَةِ.
ومِنْ هذا القَبِيل: الذبحُ عند استقبَالِ السُّلْطَانِ فإنه استبشَارٌ لقدُومِه نازِلٌ مَنْزلةَ ذَبْحِ العَقِيقَةِ لولادَةِ الموْلودِ، ومِثْلُ هذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، وكذا السجودُ للغير خُضُوعاً وتذلُّلا.
وعلى هذا فإذا قال الذَّابحُ: باسمِ الله وباسم اسم مُحمدٍ، وأراد: أَذْبَحُ بِاسْمِ الله وأتبرَّكُ باسْمِ محمدِ فينبغي أَلاَّ يحرمَ.
وقول مَنْ قال لا يجوزُ ذلك يمكِنُ أن يُحْمَل على أن اللفظةَ مكروهةٌ لأنها فيها الجمعُ والتَّشْرِيكُ، فالمكروه يَصِحُّ تَغْلِيباً للجوازِ والإِبَاحَةِ المطلقَةِ عنه 1.
وكانت وقعت مُشَاجَرةٌ بين جماعةٍ مِمَّنْ لقيناهم مِنْ فُقَهاء "قَزْوِين".
في أَنَّ مَنْ ذبحَ باسم الله واسم رسوله، هل تَحِلُّ ذبيحتُه؟ وهل يكفر بذلك؟ وأفضت تلك المشاجرةُ إلى فِتْنةٍ، والصوابُ ما بينا.
ولا تُكْرَهُ الصلاةُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الذَّبْحِ، خِلاَفاً لأبي حَنِيْفَةَ ومَالِكٍ، وأَحْمَدَ رحمة الله عليهم.
وعن نَصِّه -رضي الله عنه- في "الأُمِّ" أنها مُسْتَحَبَّةٌ كما في سائِر الحَالاَتِ.
وعن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنها لا تُسْتَحَبُّ ولا تُكْرَهُ 2.
ومِنْهَا: المستحبُّ في الإبِل النَّحْرُ، وهو [قطعُ] 3 اللَّبَّةِ من أَسْفَلِ العُنق، ومن البَقَرِ والغَنَم الذّبْحُ؛ وهو قَطْعُ الَحلْقِ أَعْلَى العُنُقِ، وذلك لأن عنقَ الإِبِل طوِيلٌ فإذا قطع أَعْلاَهُ تبَاطَأَ خُرُوجُ الرُّوحِ، والمرعى في الحالتَيْنِ قَطْعُ الحلقُوم والمِريءِ.
ولو ذَبَحَ الجازِرُ الابلَ أو نحو البقرَ والغنمَ ثبت الحِلُّ، ولم يكره فِعْلُه وإن ترك المستحب.
وفيه قولٌ أنه يُكْرَهُ.
وعن مَالِكٍ: أنه لا يحلُّ إذا ذبح البَعِيرَ أو نحرَ الشَّاةَ، وفي البقرِ يحصل الحلُّ بالطريقَيْن.
والأَوْلَى أن ينحر البعيرُ قَائِماً على ثَلاَثِ قَوَائِمَ مَعْقُولُ الرُّكْبَةِ 1، وإلا فَبَارِكاً وأن تُضْجَعَ البقرة والشاةُ على الجنْبِ الأَيْسَرِ 2، ويتركُ رِجْلُها الأَيْمنُ وتشد القوائم الثلاث.
ومنها: إذا قطع الحلقومَ والمرِيءَ من الحيوان، فينْبَغِي أن ينكف ولا يبينُ رَأْسَه في الحال ولا يَزيدُ في القَطْع حتى يبلغ النُّخَاعَ.
وفسره بعضُهم [بعظم] 3 الرقَبَةِ المتَّصِل بالقَفَا، وآخرون قالوا: إنه عَرْقٌ أبيضُ يمتد من الدِّمَاغِ إلى الظاهِر إلى عَجْبِ الذَّنَبِ.
ولا يُبَادَرُ إلى سَلْخِ الجِلْدِ، ولا يَكْسِرُ القفارَ، ولا يقطع عُضْواً من الأَعْضَاءِ [ولا
يحرك البَهِيمة] 4 ولاَ يجرُّهَا مِنْ مكانِ إلى مَكَانِ، بل يترك جَمِيعَ ذلك إلى مفارقَةِ الرُّوحِ، ولا يمسِكُها بعد الذبح؛ لِئَلاَّ تضطربَ، والأَوْلَى أن تُسَاقَ إلى المذْبَحِ برفْقٍ، وتضجعَ برفْق، ويَعْرِضَ عليها الماءَ قبل الذبح ولا يحِدُّ الشِّفْرةَ في وَجْهِهَا، ولا يذبح بَعْضَها في وَجْهٍ بَعْضٍ.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَقُولُ في الضَّحِيَّة: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا مِنْكَ وَإلَيْكَ فَتَقبَّل مِنِّي وَيَنْوِيْ عِنْدَ التَّضْحِيَةِ وَإِنْ كان قَدْ عَيَّنَ الشَّاةَ وَإنَّمَا تَتَعَيَّنُ بِقَوْلهِ: جَعَلْتُ هَذِهِ ضَحِيَّةً وَلَوْ نَذَرَ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ عَنْ نَذْرِي فَفِي التَّعْيِينِ وَجْهَانِ وَلَوْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ التِّضْحِيَةُ بِهَذِهِ الشَّاةِ فَفِي التَّعْيِينِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأنْ يَتَعَيَّنَ وَلَوْ عَيَّنَ الدَّرَاهِمَ لِلصَّدَقَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ وَلَوْ نَذَرَ الضَّحِيَّةَ فَفِي تَعْيِينِ وَقْتِ الضَّحِيَّةِ خِلاَفٌ وَيُسْتَحَبُّ لِلمُضَحِّي أَنْ لا يَحلِقَ وَلاَ يُقَلِّمَ في عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ تَكْمِيلاً لِلأَجْرِ وَرَجَاءً لِلعِتْقِ مِنَ النَّار فيهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: لما تكلَّم فيما يعتبر في مُطْلق الذبح ليفيد الحل، وفي سُنَنَه، وآدابِه أراد أن يتكلَّمَ فيما يختص بذبح الضَّحيةِ فذكر ثلاثَ مَسائِلَ:
إِحداها: يُسْتحب أَنْ يقولَ عند التضحِيَةِ: "اللَّهُمَّ مَنْكَ وإِلَيْكَ فتقبلْ مِنّي".
والمعنى: هذه نعمةٌ وعطيةٌ منك وسعيُها وتقرِيبُها إليك، واحتج له بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال عند التضحية بذلك الكَبْشِ؛ "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ" وعن "الحَاوِي" ذكر
وجْهَيْن في استحبابه.
وقال أَبُو حنيفةَ: إنه مكروهٌ.
وعن مالك: مِثْلُه.
وفي "البَحْر" أنه رُوِيَ عن بعْضِ السَّلَفِ أنه يقول: تَقَبَّلْ مني كما تقبلت مِنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ، ومُوسَى كَلِيمِكَ، وعِيسَى رُوحِكَ، ومُحمّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ -صلوات الله عليهم أجمعين، فإنَّ أصحابَنا قالوا: لا يُكْرَهُ ذلك ولا يُسْتَحبُّ؛ لأنه لا يُسَاوِيهم غيرُهم فيها، لكن يجوز أن يكون المسؤُولُ التشرِيكَ في أَصْل التقبل.
وعن "الحَاوِي" أنه يُخْتَارُ في الأُضْحِيَةِ أن يكبِّرَ الله تعالى قبل التسمية وبعدها ثَلاَثاً ويقول: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبر اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ؛ لأنه في أَيَّامِ التكبير.
الثَّانِيَةُ: قدَّمْنَا أن النيةَ شرطٌ في التضحية وذكروا وجهيْن في أنه إذا عَيَّن الشاةَ وجعلها أُضْحيةً؛ هل يُغْنِيه ذلك عن تَجْدِيد النيةِ عند الذبْح، وبيَّنَّا أن جوابَ صاحب الكتاب أن يغنيه.
والوجْهُ أن يحمل قولُه هاهنا ويَنْوِي عند التَّضْحِيةِ.
وإن كان قد عَيَّن الشاةَ على أنه يُسْتَحِبُّ ويحْسُنُ التجديدُ بعد التعْيِين السابِقِ، وإن كان التَّعْيِينُ مُغْنياً عنه.
ولو حُمِل على الوجُوبِ كان ذلك مُنَاقِضاً لقوله مِنْ قَبْلُ.
ولو قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً أغناه ذلك عن تَجْديدِ النِّيةِ عند الذبْح.
ثم ذكر صاحبُ الكتابِ هاهنا قاعِدَتيْنِ تتعلقَان بالضحية المعنية.
إحداهما فِيما يحصلُ التعْيينُ، ومهما كانت في مِلْكِه بدنةٌ أو شَاةٌ فقال جعلتُ هذه ضحيةً [أو هذه ضحيةً 1] أو عليّ أن أُضَحِّيَ بها صارت ضَحيةً مُعينةً.
ويجوزُ أن يُعْلَم قولُه في الكتاب "وإنَّما يتعيّنُ" بالحاءِ؛ لما سنذكر أَنَّ عنده يجوزُ إِبْدَالُها بغيرها.
وكذا لو قال: جعلتُ هذه هَدَايَا أَوْ هَذا هَدْيٌ أو عليّ أَنْ أهدي به يَصِيرُ هَدْياً، وشرط بعضُهم أن يقولَ مع ذلك؛ لله تعالى.
قال في "التهذيب": والمذهبُ الأولُ، وشبه ذلك بتوجِيه العتق تَنْجِيزاً على العَبْدِ.
قال الإمامُ [تَشْبيهُهُ بتعيين] 2 الشيْءِ للوقْفِ والحبْسِ أقربُ، فإن الضيحةَ لا تخرجُ عن الماليَّةِ وإِنْ تَعيَّنَ كالعَيْنِ المحتبسةِ والعبدُ الذي وجد عليه العتق يخرُجُ عن المالِيَّةِ بالكُلِّية، وهذا لا يسلمه الأَوَّلُونَ، بل صَرَّحُوا بزوال المِلْكِ عن الهدْي [والأُضْحيةِ المعنيَّةِ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بتفارِيعه] 3، وكذلك لو نذر أن يتصدَّقَ بمالٍ بعَيْنهِ- يزولُ مِلْكُه عنه بخلاَفِ ما لو نَذَر إعتاقَ رقبةٍ بعيْنها لا يزول مِلْكُه عنها ما
لم يُعْتَقْ؛ لأن المِلْكَ في الهدْي والأُضْحيةِ والمالِ المعيَّنِ ينتقل إلى المسَاكِينِ، وفي العَبْدِ لا ينتَقِلُ المِلْكُ إليه بل ينتقل الملك بالكُلِّية وإن لم يتلفظ بشيْءٍ، ونوى جعْلَ الشاةِ هَدْياً أو أضحيةً -لم تصر هَدْياً أو أُضْحيةً على القوْلِ الجَديدِ، كما لا يحصلُ العِتْقُ والوقْتُ إلاَّ باللفْظِ.
والقَدِيمُ ويُحْكَى عن اختيارِ ابْنِ سُرَيْج وَالإِصْطَخْرِيّ -أنه لا حاجةَ إلى اللفْظِ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَهْدَى ولم ينقل أنه تلفَّظَ بشِّيْءٍ، وعلى هذا فبم تَصِيرُ هَدْياً وأضحية؟ فيه وُجوهٌ:
أَحدُها: وبه قال ابن سُرَيْج بمجردِ النيَّةِ كما يدخل في الصَّوْمِ بالنية.
والثاني: وبه قال الإصطخري، بالنيَّةِ والتَّقْلِيد أو الإشْعَارِ لتنضم الدلالةُ الظهِرَةُ إلى النيةِ البَاطِنَةِ فيقوم مقامَ اللَّفْظِ.
والثَّالِثُ: بالنيةِ والذَّبْحِ؛ لأنه المقصودُ وهو كالقبْضِ من الهِبَةِ.
والرَّابعُ: بالنيَّةِ والسَّوْقِ إلى المذْبَحِ.
وإذا لزمه هَدْيٌ أو أضْحيةٌ بالنذْرِ وقال: عيَّنْتُ هذه الشاةَ لنذري أو جعلتُها عن نَذْرِي، أو قال: لِلَّه عَلَيّ أَنْ أُضَحي بها عما في ذِمّتي فَفِي تَعْيِينها وَجْهانِ نقلهما الإِمامُ.
أَظْهرُهما: وهو الذي يوجد لأكثرهم -التعيِينُ وبل أَوْلَى؛ لأنه لو أَوْجَبَ على نَفْسِه ابتداءً، ولا شَيْءَ عليه تَعَيَّنَ ما عَيَّنَهُ فإذا عيَّن عما هو واجبٌ عليه كان أَوْلَى بأن يتعين.
هكذا وجه ابْنُ الصَّبَاغِ وغيرُه.
والثَّانِي: لاَ يَتَعَيَّنُ؛ لأن الملتزِمَ في الذِّمَةِ دَيْنٌ، والديْنُ لا يتعين إلاَّ بالإبقاء على المستحق.
وحكى الإمامُ هذا الخِلافَ في صُوَرٍ سَرَدَها، ورتَّبَ الخلافَ في بعضها على بَعْضٍ نُورِدُها مع زَوَائِدَ:
فمنها: لو قال ابتداء لله على التضحية بهذه البَدَنَةِ أو الشاةِ فعليه التضحيةُ، وفي تَعْيينِ تلك الشَّاةِ وجْهَانِ، وهذه الصورةُ أَوْلَى بالتعْيِين لأنه لم يتجرّدْ الاِلْتِزَامْ على التَّعْيِينِ.
وهذا هو الصحيح.
ولو قال: لله عَلَيَّ أن أَعْتِقَ هذا العبدَ -يلزمُه العِتْقُ، وفي تعيين ذلك العبْدِ وجهانِ مُرَتَّبانِ على الخِلاَفِ في مِثْلِ هذه الصُّورَةِ من الأُضْحية والعبْدُ أَوْلَى بالتعيينِ؛ لأنه ذُو حَقٍّ وحَظٍّ في العِتْق بخلاف الأُضْحيةِ، فلو كان قد نذر إعتاقَ عَبْدٍ ثم عَيِّنَ عبداً عما التزمَ، فالخِلاَفُ مرتَّبٌ على الخلاف في مِثْلِه من الأُضْحية.
ولو قال: جعلتُ هذا العبْدَ عَتِيقاً -لم يُخْفَ الحُكْمُ.
ولو قال: جَعَلْتُ هذه الدراهِمَ أو هذا المالَ صدقة فَفِيه وَجْهانِ، قد يوجه التعيينُ بالقِياسِ على ما إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً، والآخر بأنه لاَ فَائِدَةَ في تَعْيينِ الدراهِمِ، والشاةُ يُفْرَضُ اختصَاصُها بِسِمَنٍ وَحسْنٍ مَنْظَرٍ وغَيْرِهما وتفاريعُ الأئِمَّةِ لِلتَّعْيِين أَوْفَقُ.
ولو قال عَيَّنْتُ هذه الدَّرَاهِمَ عَمَّا في ذِمتِي منْ زكاةِ أَوْ نَذْرٍ، فَقَدْ ذكر الإمامُ أَنَّ الأصحابَ قطعُوا بأنه يلغو؛ لأنَّ التعيينَ ضَعِيفٌ في الدَّرَاهِم، وتَعْيِينُ ما في الذِّمَّةِ ضعيفٌ فيه، فإذا اجتمع سَبَبُ الضَّعْفِ لغى، وقد يِقَاسُ ذلك علىَ تَعْيِين الدَّرَاهِم كديون الآدَمِيِّين.
قال: وَلَيْسَتِ الصورةُ خَاليةً عن الاحتمَالِ 1.
وقولُه في الكتاب: "ولو عيَّن الدراهمَ للصدقةِ، لم يتعيَّنْ، يمكنُ حملُه على هذه الصورةِ إلى الصدَقَةِ الثابتة في ذِمَّته، ويمكن حملُه على ما إِذَا قال: جعلتُ هذه الدراهمَ صدقةً، أو: لله عليّ أن أتصدَّقَ بهذه الدراهِمِ، والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأن الأَقْرَبَ إلى اختيارِ الأَئِمة السَّالِفِين -رحمهم الله- في الصورة الثانية التعيين فلو حُمِل عليها كان جوابُه على خلافِ جوابِهم.
الثانيةُ وقْتُ التَّضْحِية للمتطوِّع بها قد تبيَّن من قبلُ.
قال الرُّوَيانِي: فإذا أراد التطوّعَ بالذبح، وتَفْرِيق اللحم في غير أَيَّام التشرِيقِ -يحصلُ له ثوابُ الصدقةِ ولا تحصلُ الأُضْحيةُ ولا ثوابُها.
ولو قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحِيةً فوقْتُها قوتُ المتطوع بها.
ولو قال: لِلَّه عليِّ أن أُضَحِّي بشاة، فهل [تتأقَّتُ] 2 بذلك الوقْتِ؟ فيه وجهانِ:
أَحدُهما: لاَ؛ لثبوتها في الذَّمِّةِ كما في دماءِ الجُبْرانَاتِ.
وأظْهرُهما: نَعَمْ؛ لأنه التزمَ ضحيةً في الذمةِ، والضحيةِ مؤقَّتة وعلى هذا ينطبقُ ما حكى الرُّوَيانِي عن الأصْحاب أنه لا تجوزُ التضحية بعد أيام التشْرِيق إلا أُضْحيةً واحدةً -وهي التي أَوْجبها في أيامها أَو قبلِها ولم يذبحْهَا حتى فات وقتُها، فإنه يذبحها قضاءً.
فإن قُلْنا: لا تتأقتُ فلو التزم بالنذْرِ ضحيةً، ثم عيَّن واحدةً عن نذره وفرّعْنا على أنها تتعيَّنُ، وهل تتأَقّتُ التضحيةُ بها؟.
فيه وجهان:
أحدُهما: نعم -كما لو قال: جعلتُ هذه ضحيةً، ولم يلتزم في الذمة.
وأَقْيسُهما: لا؛ لأنه عيّنَها عما التزم وما التزم غير مؤقَّتٍ على هذا الوجه.
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ 1: يُسْتَحَبُّ لمن أرادَ التضحيةَ أَلاَّ يحلِقَ شعرَه، ولا يقلّم ظُفْرَه في عَشْرِ ذِي الحِجّةِ حتى يُضَحّي 2، فإن خالف فقد فعل مَكْرُوهاً.
وعن أَبِي حنيفةَ: أنه لا يُسْتحبُّ تركُ الحلْقِ والقلْم بل يكرهُ.
وقال أحمدُ: يجب ترْكُهما.
وفي "الرّقمِ": أَنَّ لبعض أَصْحابنا تخريجاً [مِثْلَه] 3.
ويُروَى عن مالكٍ [مِثْلُ قولنا، ويُرْوَى مثل] 4 قول أَبِي حنيفةَ.
لنا ما رُوِيَ عن أم سَلَمةَ -رضي الله عنها- قالت: قال رسُول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَمَسّ مِنْ شَعَرِهِ وَلاَ بَشَرِهِ شَيْئاً" 5.
والمقصودُ مِنْه الكراهةُ دُونَ التحريم.
واحتج له بما رُوِي عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أنها قالتْ: "كُنْتُ أَقْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ثم يُقَلّدُهَا هو بيَدِه ثم يَبْعَثُ بها فلا يحرم عليه شيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ له حتى يُنْحَرَ الهدْيَ" 6 وذكر فيه معنيانِ:
أَحدُهما: التشبيهُ بالحاجِّ، واعتُرِض عليه بأنه لو كان كذلك، لأمرَ بترك التطيُّيبِ ولُبْسِ المخِيطِ.
وأَظْهرُهما: وهو المذكورُ في الكتابِ: أن التضحيةَ سببُ الغُفْرانِ والعِتْق من النار، وقد ورد أن الله تعالى يَعْتِقُ بكل عُضْوِ من الضحية عُضْواً من المُضحّي؛ فاستحب أن يكون على أَكْمل الأجزاء ليعتق من النَّارِ.
ويجوزُ أن يُعْلَم -لما بينا- قولُه في الكتاب "وَاسْتُحِبَّ" بالحاءِ والمِيمِ والأَلِفِ [والواوِ وقولُه "ولا يُقَلِّم] " 7 بالواوِ؛ لأن في "الحَاوِي" أن قوله في الخبر: "فلا يَمَسُّ مِنْ شَعَرِه وبَشَرِه" له تأْوِيلان عن الشَّافعي -رحمه الله-:
أَحدُهما: أن المرادَ من الشعر شعرُ الرأْسِ، ومن البَشَرِ شعرُ البدَنِ، وعلى هذا لا يكره تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ.
والثَّانِي: أن المرادَ من البَشَرِ تقليمُ الأَظْفار.
وكذا قوله: "فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّة"؛ لأنه حكى وجه؛ أن الحلْقَ والقَلْمَ لا يكرهانِ باستهلالِ ذي الحجَّة، وإنما يكرهان إذا دخل العشْرُ واشترى [أُضْحيةً أَوْ عيَّن] (1) واحدةً مِنْ مَوَاشِيَه للتضحية.
قال الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي في
أحْكَامِ الضَّحَايَا)
وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: (الحُكْمُ الأَوَّلُ) إِذَا قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةً فَمَاتَتْ فَلاَ شيْء عَلَيْهِ وَإِنْ عَيَّنَها عَنْ نَذْرٍ سَابِقٍ وَقُلْنَا تَتَعَيَّنُ فَمَاتَتْ فَفِي وُجُوبِ الإِبْدَالِ وَجْهَان وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ فَيَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا أُخْرَى فَإِنْ لَمْ تَفِ القِيمَةُ بِشَاةٍ كَامِلَةٍ اشْتَرَى بِهَا شِقْصاً لِلضَّرُورَةِ وَعَلَى وَجْهٍ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الضَّحَايَا وَلَوْ أَتْلَفَ المَالِكُ وَنَقَصَتِ القِيمَةُ فَفِي وُجُوبِ التَّكْمِيلِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ وَلَوْ زَادَتْ القِيمَةُ اشْتَرَى بِهَا كَرِيمَةً فَإنْ لَمْ يُوجَدْ فَشِقْصٌ آخَرُ عَلَى وَجْهٍ وَعَلَى وَجْهٍ يَشْتَرِي خَاتَماً فَيَتَخَتَّمُ بِهِ أَوْ بِصَرْفه مَصْرِفَ الضَّحَايَا.
قال الرَّافِعِيُّ: النظرُ الثانِي: حضر أحكام الضَّحَايَا في ثلاثة أنواع:
أحدُها: فيما يتعلّقُ بتلَفِها وإِتْلاَفِها، ويقدم عليه أن الأُضْحيةَ المعيَّنةَ، والهدْيَ المعيَّن يزول مِلْكُ المتقرِّب عنهما، ولا ينفذ تصرفُه ببيع، أو هِبَةٍ وإبْدَالٍ بمثله وبخير منه؛ لما روي أن عُمَرَ -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسولَ الله؛ إني أوجبتُ على نَفْسِي بَدَنَةً وهي تُطْلَبُ مِنِّي بِنُوقٍ فقال -عليه السلام-: "انْحَرْهَا وَلاَ تَبِعْهَا وَلَوْ طُلِبَتْ بمِائَةِ بَعِير" 2.
وعن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- أنه قال: مَنْ عَيَّنَ أضحيةً فلا يستبدلَ بها 3.
وفي "شَرْح الفُرُوعِ" للشيخ أَبِي عَلِيّ وجهٌ آخرُ: أنه لا يزولُ المِلْكُ عنه حتى يَذبَحَ ويتصدَّقَ باللحم.
كما لو قال: لله عليّ أن أعْتِقَ هذا العبْدَ، لا يزولُ مِلْكُه إِلاَّ [بإعتاقِه] 4، ولكن الفرْقَ ما تقدَّمَ.1
وعن أَبِي حَنيفةَ: لا يزولُ المِلْكُ عنها، وله بيعُها وإبْدَالُها.
ولو نذر العِتْقَ في عَبْدٍ بعَيْنِه، لم يجز بيعُه وإِبْدَالُه، وإن لم يزل المِلْكُ عنه.
وقال أَبُو حنيفةَ: يجوزُ.
ولو خالف ما ذكرناه وباع الأُضْحيةَ والهدْيَ المعيَّنَ -فيُسْتردُّ إن كانت العيْنُ باقيةً، ويردُّ الثمنَ.
وإن أَتْلَفها المشتَرِي أو تلِفَتْ عنده فعلَيْه القيمةُ أكثر ما كانت من يوم القَبْضِ إلى يوم التَّلَفِ.
والناذِرُ يَشْتَرِي بتلك القِيمَةِ مِثْلَ الذي تلِفَ جِنْساً ونَوْعاً وسِنّاً فإن لم يجِدْ بالقِيمَةِ المثْلَ لغلاء حَدَثَ فيضم إليها مِنْ عنده ما يتم به الثمنُ، وهذا معنى قولِ الأَصْحابِ: إنه يضْمَنُ ما باعَ بأكثر الأَمْرَيْن مِن قِيمته ومِثْله.
وإن كانت القيمةُ أكْثَر من ثَمَنِ المِثْلِ لِرُخْصٍ حادثٍ، فعلى ما سنذكرُ إنْ شاء الله تعالى في نظيره ثم المثل إنِ اشْترى بعيْنِ القيمةِ -صار المُشْتَري ضحيةً [بنفس الشراءِ] 1، وإنِ اشْتراه في الذِّمة ونوى عند الشراءِ أنَّها أُضْحيةٌ فكذلك، وإلاَّ فليجعله بعد الشراء أُضْحِيَةً؛ ذكره الرُّوَيانِي وغيره.
وكما لا يصحُّ بيعُ الضحية التي عُيِّنَتْ -لاَ يَصِحُّ إجارتُها؛ اتباعاً للمنافع بالأَعْيان ويجوزُ إعارَتُها؛ لأنها إرفاقٌ.
ولو [ركبها] 2 المُسْتأْجِرُ فتلِفَتْ ضمن المؤَجِّر قِيمتَها والمستأجر الأُجْرة، وفي الأجرة التي يضمنها وجهانِ:
أَظْهرُهما: أُجْرةُ المِثْل.
والثاني: الأكثرُ مِنْ أُجْرةِ المِثْل والمُسَمَّى، ثم يصرفها مصرف الضحايا أو الفقراء خاصةً؟ حكى "صاحب البَحْر" فيه وجهين.
إذا تقرر ذلك فلو قال: جعلتُ هذه البدَنَةَ أو الشاةَ ضَحِيَّةً، أو نذر أَنْ يُضَحِّي ببدنةٍ أو شاةٍ عَيَّنَها فماتَتْ قبل يوم النَّحْر أو سُرِقَتْ قبل أن يتمكَّنَ مِنَ الذَّبْحِ يوم النحر -فلا شَيْءَ عليه، وكذا الهَدْيُ المَعيَّن إذا تَلِفَ قبل بلُوغِ المنسَكِ أو بَعْدَهُ وقبل التمكُّنِ من الذبح.
ولو كان في ذِمَّتِه دَمٌ عن قِرَانٍ أو تمتُّعٍ أو أُضْحيةٍ أو هَدْيٍ عن نَذْرٍ مُطْلق ثم عُيَّن بدنةً أو شاةً عما في ذِمَّته -فقد قدَّمْنَا خِلاَفاً في أنها هل تتعيَّينُ؟ وَالظاهِرُ التَّعْيِينُ، وحينئذٍ فالظاهِرُ زوالُ المِلْكِ عنها؛ كالمعينة ابتداءً لكن لو تَلِفَتْ ففي وُجُوبِ الإِبْدَالِ وَجْهانِ رواهما الإمامُ وصاحبُ الكتاب:
أَحَدِهما: المنعُ؛ لأنَّها تعينت بالتعْيِين فتلتحِقُ بما إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيهً.
وأَصَحُّهما: وهو الذي اقتصر عليه المعظُم؛ الوجوبُ؛ لأن ما التزمَهُ يثبت في ذِمَّته 1، والمعيَّنُ وإنْ زال مِلْكُه عنه فهو مَضْمونٌ عليه، كما لو كان لرجُلِ على آخر دَيْنٌ فاشترى منه سِلْعة بذلك الدَّيْن 2 ثم تلِفَتِ السلعةُ قبل التَّسْلِيم في يَدِ بائِعِها -فإنه ينفسِخُ البيعُ ويعودُ الدَّيْنُ؛ كذلك هاهنا يبطل التعيِينُ ويعودُهَا في ذِمَّته كما كان.
وفي "الشَّامِلِ" أن على قول ابْنِ الحدَّادِ في صورة التعييب 3 على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
إن تلِفَ [الهديُ] 4 بعد الوُصُولِ إلى المقام توسُّعاً وذلك لأنَّ ما [يؤديه] 5 بعد تلَفِ المعيَّن ليس بَدَلاً عنه، ولكن يَعُودُ الدَّيْنُ علىَ رَأْي، وما يُؤَدِّيه يؤديه عما في الذمِّةِ واللفظة الناصَّة على الغرضِ أنه هل يَبْطُلُ التَّعْيِينُ ويعود الدِّين أم لا؟.
هذا إذا تَلِفَ الهديُ والأُضْحيةُ المعيَّناِن، وإن فُرِض إتلافٌ فينظر، إنْ وُجِد من أَجْنبيٍّ، فعلَيْه القيمةُ يأخُذُها المضحِّي ويشتري بها مِثْلَ الأول فإنْ لم يجِدْ بها مِثْلَ الأول، اشْتَرى ما دُونه ويخالف ما إذا نَذَرَ إعتاقَ عَبْدِ بعيْنِه فقُتِل حيثُ يأْخُذُ القيمةَ ولا يلزمه أن يشتري بها عَبْداً آخر ويَعْتِقَه؛ لأن مِلْكَه هنا لم يزل عنه، ومُسْتحقُّ العِتْقِ العبدُ وقد هلكَ بالقَتْلِ ومُسْتَحِقُّو الهدْي والأُضْحية باقُونَ، وإن لم يجدْ بها ما يصلح للهدْي والأضحيةِ.
فعن "الحَاوِي" أن علَى المضحِّي أن يُضُمَّ من عنده إلى ما أخذه مَا يَحْصُلُ به أُضْحيةً؛ لأنه قَدِ التزمَهَا، ومن قال بهذا فيُمْكِنُ أن يطرده في التَّلَفِ [وهذا الذي في "الحاوي" شاذٌ] والصحِيحُ المشهورُ أنه لاَ شَيْءَ عليه؛ لأنه لم يُوجَدْ مِنْه تقصيرٌ ولا إِتْلافٌ، وعلى هذا فإنْ أَمْكَن أن يَشْتَرِيَ بها شِقْصاً مِنْ هَدْيٍ أو أُضْحيةٍ، ففيه وجهان:
أَصَحُّهمَا على ما ذكره القاضي الرُّوَيانِي: أنه يلزمه شِرَاؤُه، والذبح مع الشِّرِيك، ولا يجوزُ إخراجُ القِيمة، كما لا يجوزُ إخراجُها في الأَصْلِ بدلاً عن التضحية.
والثَّانِي: يجوزُ -لأنَّ في شِراءِ الشِّقْصِ مَشَقَّةٌ وتجعل الدراهِمُ أَصْلاً؛ كما في الجبْرانِ في الزكاة، ويُحْكَى هذا عن أبي إِسْحاقَ، وقرَّب الإمامُ الوجْهَيْن من الخلاف فيما إذا أخرج واجِبَ مَالِه بحساب الحقَاقِ وبناتِ اللَّبُونِ، وأخرج غيرَ الأغبط، وأَلْزمْناهُ [جَبْرَ] 6 التفاوُتَ، هل يجوزُ إخراجُ الدراهم أو عليه صرفُها إلى شِقْصٍ، ثم إذا قلنا بالوجْهِ الثاني فقد أطلَقَ مُطْلِقُونَ: أنه يتصدَّقُ بها، وعبارةُ الإمامِ: أنه يصرِفُها إلى مَصْرِف الضحايا حتى لو أراد أن يتَّخِذَ مِنْه خاتماً يَقْتَنِيه ولا يَبِيعه -فله ذلك، وهَذا
أَوْجَةٌ، ويُشْبه ألاَّ يكونَ فِيه خلافٌ محقق لكنَّ مقصودَ الوجْهِ أَلاَّ يجبَ شراءُ الشِّقْصِ، ويجوز إخراجِ الدراهِمِ، وقد يُتساهَلُ في [ذكْر المصرِفِ] 1 في مثل ذلك 2.
وفيه وجْهٌ ثالِثٌ: أنه يشترِي بها لَحْماً، ويتصدَّقُ به؛ فإنه أقربُ إلى التضْحِية مِنْ تَفْرِقَةِ الدَّراهِمِ، فإن كان الدراهمُ قَدْراً لا يمكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بها شِقْصاً؛ لقلته -سقط الوجْهُ الأول، ويبقى الثانِي والثَّالثُ.
وعَنِ "الحَاوِي" ترتيبٌ حَسَنٌ لأحوالٍ تُفْرَضُ في هذه الصورة وهي أنه إذا كان المُتْلَفُ ثَنِيَّةً من الضَّأْنِ مثلاً، ولم يمكن أن يشتري بالمأْخُوذِ مِثْلَها أو أمكن أَنْ يشتريَ به 3 جَذَعَةً من الضأْنِ وثَنِيَّةً من المعْزِ فيتعينُ الأَوَّلُ؛ رعايةً للنوع، وإن أمكن شراءُ الثنية من المعْزِ وما دون الجذَعَةِ من الضَّأْنِ، فيتعين الأول لأن الثاني لا يصلح للتضحية.
وإن أَمْكَن شراءُ ما دُون الجدَعَةِ وشراءُ سَهْم من الضحية، فيتعيَّن الأول؛ لأن التضحيةَ لم تحصُلْ لواحدٍ منهما، وفي الأول إراقة دَمٍ كامل.
وإن أمكن شراءُ سَهْمٍ، وَشُرَاءُ لَحْمٍ -فيتعيَّن الأولُ؛ لأن فيه شِرْكةً في إراقَةِ الدَّمِ، وإن لم يمكن إلاَّ شراءُ اللحم وتفرقةُ الدراهِم- فيتعيَّن الأولُ؛ لأن اللحمَ هو مقصودُ الأُضْحية، وإن وُجِد إتلافٌ منَ المضحي فوجهان ذكرهما الإمامُ:
أَحدُهما: أن الواجِبَ عليه قيمتُه يوم الإِتْلافِ كالإِجْنبي، وبهذا قال أَبُو حَنِيفَة وأحمدُ -رحمهما الله-.
وأَصحُّهمَا: أنه يلزمه أكثرُ الأَمْرَيْنِ من قيمتهِ، وتحصيل مثله كما ذكرنا فيما إذا باع الأُضْحيةَ المعيَّنة، وتلِفَتْ عند المشتري؛ واحتج له بأن مَنْ نذر أضحيةً فقد ألزم نفْسَه أمريْن مقصودَينِ -وهما النحرُ وتفرقةُ اللحمِ.
فإن كانت القيمةُ أكثرَ، لزمه ذلك اللحمُ، وإن كان المثل أكثر لزمه ذلك؛ لتحصيل النَّحْرِ 4 فهو كما لو نَذَرَ أُضْحِيتْينِ ثم أَتْلَفهما عليه ضمانهما، وعلى هذا فإن كانت قيمةُ يوْم الإتلافِ أكثرَ ثم رَخُصَتِ الغنمُ وأمكن شراءُ مِثْلِ الشاةِ الأُولَى ببعضها فيشتري بها كَرِيَمةً، أو شاتين فصاعداً، وإن لم يُوجَدْ كريمةٌ وفضل مالاً يفي بأُخْرَى فعلى ما ذكرنا فِيما إذا لم تَفِ القيمةُ عند إتلافِ الأَجْنبِيّ بشاة وهاهنا وجهٌ: أَنَّ له أنْ يَصْرِفَ ما فَضَلَ عن واحدٍ إلى غير المِثْل؛ لأن الزيادةَ بعد حُصُولِ المِلْكِ كابتداء الضحية.
ووجْهٌ: أنه يملكُ ما فَضَل.
إذا تمكن 1 مِنْ ذَبْحِ الهدْي بَعد بلوغ المنسكِ أو من ذبح الأُضْحيَةِ يومَ النحْرِ فلم يذبح حتى تَلِفَ -فهو كالإتلاف؛ لتقصِيره بتأْخر الذَّبْحِ.
وقولُه: "وعلى وجْهٍ يشترِي خَاتِماً ويتختِمُ به أو يصرِفَه إلى مَصْرِف الضحايا" يعني سائر مصارِف الضَّحَايَا وإلاَّ فاقتناؤه خاتماً لينتفع بعيْنهِ من المصارِف، ولم يذكِر الإِمام شراء الخاتَمِ بها، إنما ذكر اتخاذه منها.
فَرْعٌ اسْتحبَّ الشافِعِيَّ -رضي الله عنه- أن يتصدَّقَ بالفاضِلِ الذي لا يَفِي بشاةٍ أُخْرَى ولا يأْكُلَ منه شَيْئاً، وفي معناه البدلُ الذي يذبحه.
وعن أبي عَلِيٍّ الطَّبرِيّ وجهٌ: أنه لا يجوزُ له الأكْلُ منه؛ لتعديه بالإتلاف.
قال الْغَزَالِيُّ: أَمَّا إذَا ذَبَحَهَا أَجْنَبِيٌّ فِي وَقْتِ التَّضْحِيَةِ فحَيْثُ لاَ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ للتَّعْيِينِ السَّابِقِ وَقَعَ المَوْقِعَ وَفِي لُزُومِ أَرْشِ الذَّبْحِ وَجْهَانِ وَحَيْثُ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فَاتَتِ القُرْبَةُ وَيُصْرَفُ لَحْمُهَا مَصْرِفَ الضَّحَايَا عَلَى وَجْهٍ وَيُؤْخَذُ القِيمَةُ مِنَ الذَّابِحِ وَيُصْرَفُ فِي الأُضْحِيَةِ وَيَنْفَكُّ عَنُ حُكْمِ الضَّحِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ وَمَنْ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ وَأكَلَ لَحْمَهُ فَفِي قَوْلٍ: يَلْزَمُهُ قِيمَةِ الشَّاةِ وَفِي قَوْلٍ: يَلْزَمهُ أَرْشُ الذَّبْحِ وَقِيمَةُ اللَّحْمِ وَرُبَّمَا زَادَ ذَلِكَ عَلَى قِبمَةِ الشَّاةِ أَوْ نَقَصَ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد تبيَّنَ حكمُ إتلافِ الأُضْحية الذي هو إفسادٌ.
وأما إذا ذبحها في غَيْرِ وقْتِ الضحية، وإذا جعل شاته أُضْحيةً أو نذر أن يُضَحِّي بمعيَّنةٍ ثم ذبحها قبل يَوْم النحر -فعليه أن يتصدَّقَ بلحمها ولا يجوزُ أَكْلُ شيء منها، وعليه أَنْ يذبَحَ مِثْلَها بدلاً عنها يَوْمَ النحر، وكذا لو ذبح الهدْيَ المعيَّنَ قبل بُلُوغ المَنْسَكِ يتصدق بلحْمِه وعليه البَدَلُ.
ولو باع الهدْيَ أو الأضحيةَ المُعَيَّنَيْنِ فذبحها المشتَرِي، واللَّحْمُ باقٍ فيأخذُه ويتصدَّقُ به، وعلى المُشْتَرِي أَرْشُ ما نقص بالذَّبْحِ ويضم البائِعُ إليه مَا يشتري به البدَل.
وفيه وجهٌ 2. أَنَّ المشتريَ لا يُغَرَّمُ شَيْئاً؛ لأن ما فعله كان بتسْلِيط البائع.
وذُكِرَ أن الوجهيْنِ مبنيَّانِ على أَنَّ السيِّدَ إذا باع المُكَاتَبَ فأدى المكاتب النجومَ إلى المُشْتَرِي هل يَعْتِقُ؟.
وفيه خلافٌ.
والظاهِرُ ما قدَّمُنا.
ولو ذبح أَجنَبِيٌّ الأضيحةَ المعيَّنةَ قبل يَوْمِ النحر فيلزمُه ما نقص مِنَ القِيمَةِ بسبَبِ