وقوله: "وفي مَنْكُوحَتِهِ وَجْهَانِ"، يعني مَنْكُوحَةَ المُسْلِمِ الحربية إذا نكحها في دَارِ الحربِ، والوجهان في اسْتِرقَاقِهَا، واسْتِرْقَاقِ زَوْجَةِ الكافر، إذا أسلم قبل أن يظفر يَجْرِيَانِ على نَسَقٍ وَاحِدٍ، لكنَّ صاحب الكتاب ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ في منكوحة المُسْلِمِ، ولم يَنُصَّ عليها في الصورة، واقتصر على الأظهر، فقال: "يجوز اسْتِرْقَاقُ امْرَأَةِ كُلِّ كَافِرٍ أسلم قبل الظَّفَرِ به"، والمواضع المُحْتَاجَةُ إلى العلامات في الفصلِ غير خَافِيَةٍ.
قال الغَزَالِيُّ: والمَسْبِيُّ إِذَا كَانَ علَيهِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَيَقْضِي مِنْ مَالِهِ الَّذِي لَمْ يَغْنَمْ قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِ فَإنَّ حَقَّ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الغَنِيمَةِ إلاَّ إِذَا سَبَقَ الاغْتِنَامُ رِقَّهُ وَلَوْ وَقَعَا مَعًا فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الغَنِيمَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ فَهُوَ في ذِمَّتِهِ إِلَى أنْ يُعْتَقَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ لِحَرْبيِّ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلاَ الأَمَانَ وَالدَّيْنُ قَائِمٌ وَكَذَا لَوْ سَبَقَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إِلَى الإِسْلاَمِ إلاَّ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ خَمْرًا وَهَذَا فِي دَيْن لَزِمَ بِالقَرْضِ وَالمُعَامَلَةِ فَإنْ كَانَ أَتْلَفَ مَالَ حَرْبِيِّ أَوْ غَصَبَهُ فَلاَ تَبِعَةَ لَهُ بَعْدَ الإسْلاَمِ وَالأَمَانِ عَلَى الصَّحِيح.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا كان لِمُسْلِم على حَرْبِيٍّ دَيْنٌ، فاسترقُّ الحَرْبِيُّ لم يَسْقُطِ الدَّيْنُ عنه.
وعند أبي حَنِيْفَةَ -رحمه الله-: يسقطُ.
قال الإِمَامُ: وتَشَبَّثَ الخِلاَفِيُّونَ بِمُوَافَقَتِهِ من حَيْثُ إن المُسْتَرَق انْقَلَبَ عما كان عَلَيْهِ، وكأنَّهُ عُدِمَ، ثُمَّ وُجِدَ.
قال: ولا يَلْحَقُ هذا بالمذهب، والمَقْطُوعُ به أَنَّهُ لا يسقط، نعم لو كان الدَّيْنُ للسَّابي، فَسُقُوطُهُ على الوجهين فيما إذا كان له دَيْن على عَبْدِ غيره فَمَلَكَه، وإذا لم يَسْقُطْ، فيقضي من المال المَغْنُومِ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِ، ويُقَدَّمُ الدَّيْنُ على الغَنِيمَةِ، كما يُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ، وإن زَالَ مِلْكُهُ بالرِّقِّ، كما أَنَّ دَيْنَ المُرْتَدِّ يقضى من ماله.
وإن حَكَمْنَا بزوال مِلْكِهِ، وأيضاً فَالرِّقَّ بمَثَابَةِ المَوْتِ والحَجْرِ، فيوجب تَعَلُّقَ الدُّيُونِ بالمال، وإن غنم المال قبل اسْتِرْقَاقِهِ ملكه الغَانِمُونَ، ولم ينعكس الدَّيْنُ عليه، كما لو انتقل مِلْكُهُ بوجه آخر، وإن غنم مع اسْتِرْقَاقِهِ، ففيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب في "التهذيب": -أَنَّهُ يقضي منه الدَّيْنَ، ويُقَدَّمُ الدَّيْنُ على حَقِّ الغانمين، كما يقَدَّمُ في التَّركَةِ على حُقُوقِ الوَرَثَةِ.
وأظهرهما 1: على ما ذكره صَاحِبُ الكتاب، وأَوْرَدَهُ الإِمام مع شَهَادَتِهِ لِلْوَجْهِ الأَوَّلِ بالاتِّجَاهِ، أنَّ الغَنِيمةَ تَتَقَدَّمُ، ووجه بأن تَمَلُّكَ الغَانِمِينَ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ المَالِ، وحَقُّ
صاحب الدَّيْنِ كان في الذِّمَّةِ، وما يَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ يَتَقَدَّمُ على المتعلّق بالذمَّةِ.
ولك أن تقول: إذا جَنَى العَبْدُ المَرْهُونُ، يَتَقَدَّمُ حَقُّ المَجني عليه على حَقِّ المُرْتَهِنِ، وليس من صورة المَعِيَّةِ أنْ يكون الاغْتِنَامُ مع الأسْرِ، فَإِنَّ المالَ يملك بنفس الأَخْذِ والرِّقِّ، لاَ يَحْصُلُ بنَفْسِ الأَسْرِ في الرجال الكاملين، ولكن يَظْهَرُ ذلك في حَقِّ النِّسْوَةِ، وفيما إذا فرض الاغْتِنَام مع إرْقَاقِ الإمَامِ بعْدَ الأسْرِ وإذا لم يوجد مَالٌ يُقْضَى منه، فهو في ذمَّتِهِ إلى أَنْ يُعْتِقِ، وهل يَحِلُّ المُؤَجَّلُ بالرِّقِّ؟
فيه وجهان مُرَتَّبَانِ على الوجهين في الحُلُولِ بالفَلَسِ، والرِّقُّ أَوْلى بالحلول؛ لأَنَّهُ أَشْبَهُ بالموت من حديث إنه يُزِيلُ المِلْكَ، ويقطع النِّكَاحَ، وهذا إذا كان الدَّيْنُ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كان لِذِمِّيٍّ، فبمثله أَجَابَ الإِمَامُ، وقال: دَيْنُ الذِّمِّيِّ مُحْتَرَم كأعيان أَمْوَالِهِ.
وحكى صاحبُ "التهذيب" فيه وَجْهَيْنِ، وإن كان لِحَرْبِيِّ، واسترق المديون، فالمَحْكِيُّ عن القاضي الحسين، وهو الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْقُطُ الدَّيْنُ، ووجه بأن ملتزم الدَّيْنِ انْتَقَلَ من كونه حَرْبيًّا لا يجري عليه حُكم إلَى كونه رَقِيقًا ليس له على نَفْسِهِ حُكْمٌ، وأَبْدَى الإِمَامُ احْتِمَالاً أَنَّهُ لا يسقط، كما سَنَذْكُرُ فيما إذا أَسْلَمَ من عليه الدَّيْنُ، أو قبل الأَمَان.
ويُجْعَلُ الرِّقُّ كَأَمَانٍ يَحْدُثُ، هذا إذا استرق مَنْ عليه الدَّيْنُ، فلا تبْرَأ ذمةُ من عليه الدَّيْنُ، بل هو كَوَدَائِع الحَرْبِيِّ المَسْبِيِّ، هذا لفظه في "الوسيط" ولم ينص والحَالَةُ هذه على حَالِ مَنْ عليه الدَّيْنُ، والإمامُ ذكر هذا الجَوَابَ فيما إذا اسْتَقْرَضَ مُسْلِمٌ من حَرْبِيٍّ، أو اشترى منه شيئاً، والتزم الثَّمَن، ثُمَّ استرق مستحقّ الدَّيْنِ.
قال: لا يسقط الدَّيْنُ عن ذِمَّةِ المُسْلِمِ.
وفي "التهذيب" لو كان لحربي على حَربْيٍّ دَيْنٌ فاسترق.
أحدهما: يسقط لِزَوَالِ مِلْكِهِ، قال ولو قَهَرَ المَدْيُونُ رَبَّ الدَّيْنِ يسقط؛ لَأَنَّ الدَّارَ دَارُ حَرْبٍ، حتى إذا قَهَرَ العَبْدُ سَيِّدَهُ يَصِيرُ حُرَّاً، ويصير السَّيِّدُ عَبْدًا.
ولو قَهَرَتِ الزَّوْجَة زَوْجَهَا يَنْفَسِخُ النكاحُ، وقد يفهم من هذه الجُمْلَةِ إن كان دَيْنُ المسترقّ على مسلم يطالب به كما يطالب بِوَدَائِعِهِ؛ لأنَّه مُلْتَزمٌ، وإن كان على حَرْبِيٍّ يسقط؛ لأنَّ المستحق قد زال مِلْكُهُ، والحربي غير مُلْتَزمٍ حتى يطالب.
ولو استقرض حَرْبِيٌّ من حَرْبِيٍّ، أو التزم بالشراء ثَمَنًا، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَو قَبِلاَ الجِزْيَةَ، أو الأَمَانَ معاً، أو على الترتيب، اسْتَمَرَّ الاستحاقاقُ، كما إذا أسلم الزَّوْجَانِ، ولم يقبض المهر المُسَمَّى، يبقى استحقاقه، ولو أَسْلَمَ المستحق عليه، أو قَبِلَ الجِزْيَةَ، دون المستحق، فالنَّصُّ أَنَّ الجَوَابَ كذلك، ويستمر الاسْتِحْقَاقُ، كما إذا أسلم الزوجان.
وعن نَصِّهِ -أَنَّهُ إذا ماتت زَوْجَةُ الحَرْبِيِّ، فجاءنا مُسْلِمًا، أو مُسْتَأْمنًا، فجاء وَرَثَتُهَا يَطْلبُونَ مَهْرَهَا، لم يكن لهم شيء.
وللأصحاب فيه طريقان:
أحدهما: أَنَّ فيهما قَوْلَيْنِ نَقْلاً وتَخْرِيجًا.
أصحهما: أَنَّهُ يبقى الاسْتِحْقَاقُ، ويُسْتَدَامُ حُكْمُ العَقْدِ بَعْدَ الإِسلام، وعلى هذا تُبْنَى قَوَاعِدُ في نِكَاحِ المشركات.
والثاني: المَنْع؛ لأنَّهُ يَبْعُدُ أن يُمَكِّنَ الحَرْبِيُّ من مُطَالَبَةِ المسلم، أو الذِّمِّيِّ في دارنا.
والثاني: القَطْعُ بالقول الأَوَّلِ، وبه قال ابْنُ سُرَيْجِ، وحمل النَّصَّ الثاني على ما إذا سمى لها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا وقبضته في الكُفْرِ، ولا يَخْفَى أَنَّ ما ذَكَرْنَا فيما إذا كان الفرض أو الثَّمَنُ مَالاً، بخلاف ما إذا كان خَمْرًا أو خِنْزيرًا.
ولو أَتْلَفَ حَرْبِيٌّ مَالاً على حَرْبِيٍّ، أو غَصَبَهُ، ثم أَسْلَمَا، أو أسلم المُتْلفُ، فوجهان:
أصحهما: أَنَّهُ لا يُطَالَبُ بالضَّمَانِ؛ لأَنَّهُ لم يَلْتَزِمْ شيئاً، والإسلامُ يَجُبْ ما قَبْلَهُ، والإِتْلاَفُ ليس عَقْداً يُسْتَدَامُ بخلاف الملزم بها.
وأيضاً فَالحَرْبِيُّ إذا قَهَرَ حَرْبِيًّا على مَالِهِ ملكه، والإِتْلاَفُ نَوْعٌ من القَهْرِ.
وأيضاً فَإِتْلاَفُ مَالِ الحَرْبِيِّ لا يزيد على إِتْلاَفِ مَالِ المُسْلِمِ، وأَنَّهُ لا يُوجِبُ الضَّمَانَ على الحَرْبيِّ.
والثاني: يطالبُ؛ لأَنَّهُ لاَزِمٌ في شَرْعِهِمْ، فكأنهم تَرَاضَوْا عليه.
ويَزِيدُ على هذا ما حكى عن تَعْلِيقِ القاضي حسين: أَنَّ الحَرْبِيَّ إذا جَنَى على مُسْلِمٍ، فاسترق، فَأرْشُ الجِنَايَةِ في ذِمَّتِهِ، لا يَتَحَوَّلُ إلى رَقَبَتِهِ، بخلاف المُكَاتَب، إذا جَنَى أن يكون الأرْشُ في ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ من الكَسْبِ، فإن عَجَزَ وعاد قِنًّا تَحَوَّلَ الأَرْشَ إلى رَقَبَتِهِ.
والفرقُ أَنَّ الرِّقَّ الذي هو مَحَلُّ تَعَلُّقِ الأَرْضِ كان مَوْجُودًا في حَالِ الكِتَابَةِ، إِلاَّ أَنَّ الكِتَابَةَ المَانِعَةَ من البيع منعت في التَّعَلُّقِ، فإذا عَجَزَ ارْتَفَعَ المَانِعُ، وثبت التَّعَلُّقُ، وفي الحربي لم يكن عند الإِتْلاَفِ رِقٌّ وإنما حَدَثَ بَعْدَهُ وهذا قَوْلٌ يُوجِب الضَّمَانَ على الحَرْبيِّ إذا جَنَى على مسلمٍ، أو مَالٍ.
قال الإِمامُ: وهو إِخْلاَلٌ من نَاقِلٍ، أو هَفْوَةٌ من القاضي وَلْنَعُدْ إلى ما يَتَعَلَّقُ بَلفظ الكتاب.
قوله: "أو ذمي" يجوز أن يُعَلَّمَ بالواو.
وقوله: "فيقضي" بالحاء لما ذكرنا.
وقوله: "الذي لم يغنم قبل اسْتِرْقَاقِهِ" يَدْخُلُ فيه ما اغْتَنَمَ بَعْدَ أسترقاقه، وما اغْتَنَمَ مع اسْتِرْقَاقِهِ، وقد ذكر من بعد أَنَّ الاغْتِنَامَ والاسْتِرْقَاقَ لو وَقَعَا معًا، فالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الغَنِيمَةِ، وكان من حَقِّهِ أن يقول: من المال الذي اغتَنَمَ بَعْدَ استرقاقه.
وقوله: "إِلاَّ إذا سَبَقَ الاغْتِنَامُ رِقَّهُ" الاستثناء يرجعُ إلى قوله: "فَإنَّ حَقَّ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ
على حَقِّ الغَنِيمَةِ" لا إلى الحُكْمِ المذكور قبله، وهو قوله "فيقضي من مَالِهِ الذي لم يَغْتَنِمْ قبل اسْتِرْقَاقِهِ".
قوله: "وكذلك لو سَبَقَ من عليه الدَّيْنُ إلى الإِسلام" مفهومه الظَّاهِرُ ما إذا أَسْلَمَ المستحقُّ عليه، ثُمَّ أَسْلَمَ المستحقّ، فإن أراد هذا المَفْهُوَمَ فَلْيُحْمَلْ.
قوله قبل ذلك: "ثم أَسْلَمَا" على ما إذا أَسْلَمَا مَعا، وإلاَّ فهذا دَاخِلٌ فيه، وإن قُدِّرَ أَن الْمُرَادَ ما إذا سَبَقَ للمستحق عليه إلى الإِسلام، وتَخَلَّفَ الآخَرُ فلم يُسْلِمْ وتَرَكَ قوله: "ثُمَّ أَسْلَمَا" على إِطْلاَقِهِ، فهذا مَوْضِعُ الخِلاَفِ، ويجوز أن يُعَلَّمَ بالواو للوجه الآخر.
قال الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) إِذَا سُبِيَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدُهَا الصَّغِيرُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا فِي البَيْعِ وَالقِسْمَةِ وَلَوْ تُبِعَتْ مَعَ الجَدَّةِ وَقُطِعَتْ عَنِ الأمِّ، فَفِي الجَوَازِ قَوْلاَنِ وَالجَدَّةُ فِي مَعْنَى الأُمِّ عِنْدَ عَدَمِهَا وَالأَبُ هَلْ هُوَ فِي مَعْنَاهَا؟ قَوْلاَنِ وَهَلْ يَتَعَدَّى التَّحْرِيمُ إِلَى سَائِرِ المَحَارِمِ؟ قَوْلاَنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا سبيت امْرَأَةٌ وَوَلَدُهَا الصَّغِيرُ، لم يُفَرِّقِ الإِمَامُ بينهما في القِسْمَةِ، بل يُقَوِّمُهُمَا، فإن وَافَقَتْ قِيمَتُهُمَا نَصِيبَ وَاحِدٍ من الغَانِمِينَ جعلهَما لواحدٍ، وإلاَّ اشتركَ اثنان فيهما أو باعهما، وجعل ثمنهما في المَغْنَمِ، وقد ذكرنا في "البيع" بعض الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ في تحريم التَّفْرِيقِ، فإن فَرَّقَ بينهما في القِسْمَةِ، ففي صِحَّتِهَا قَوْلاَنِ، كما قَدَّمْنَا في "البيع"، وإذا قلنا: لا يَبْطُلُ، ففي "الحاوي" أَنَّ المُتَبَايِعَينِ لا يقرَّانِ على التفريق، ولكن يُقَالُ لهما: إِنْ تَرَاضَيْتُمَا بِبَيْعِ الآخر ليجتمعا في المِلْكِ فذاك، وِإلاَّ فَسَخْنَا البَيْعَ.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كجٍّ أنْ يُقَالَ للبائع: إمَّا أَن تَتَطَوَّعَ بتسليم الأَجْرِ، أو يُفْسَخَ المَبِيعُ، فإن تَطَوَّعَ بالتسليم، فامتنع المشتري من القَبُولِ، فُسِخَ البيعُ.
فإن رَضِيَتِ الأمُّ بالتفريق، فعن رِوَايَةِ ابْنِ القَطَّانِ، والقاضي الطَّبَرِي وجه: أَنَّهُ يَرْتَفِعُ التَّحْرِيمُ، والأَصَحُّ خلافه رِعَايَةً لِحِقِّ الوَلَدِ، والجدَّةُ أم الأُمِّ عند عَدَم الأُمِّ كالأمِّ، فلو كان له أُمٌّ وَجَدَّةٌ، فبِيعَ مع الأُمِّ، انْدَفَعَ المَحْذُورُ، ولو بِيعَ مع الجَدَّةِ، وقُطِعَ عن الأُمِّ، فهل يَرْتَفِعُ التحريمُ؟.
نقل الإِمَامُ فيه قَوْلَيْنِ، والأَشْبَهُ منهما المَنْعُ، وهل الأب كالأم في تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ؟ فيه قولان، ويقال: وجهان،
أظهرهما: نعم؛ لأنَّهُ أَحَدُ الأَبَوَيْنِ، وقد روي عن عُثْمَانَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ لا يُفَرَّقُ بين الوَالِدِ وَوَلَدِهِ 1.
والثاني: لا، لاخْتِصَاصِ الأُمِّ بنهاية الشَّفَقَةِ والتَّحَنن، وعَجْزِهَا عن الصَّبْرِ، ولهذا قدمت في الحَضَانَةِ على الأب، وهل يَتَعَدَّى التَّحْرِيمُ إلى سائر المَحَارِمِ، كالأخ والعَمِّ وغيرهما، فيه طريقان:
قال أكثرهم: لا، لأَنَّ سائر القَرَابَاتِ لا يَتَعَلَّقُ بها رَدُّ الشَّهَادَةِ والعِتْقُ بالمِلْكِ، فكذلك في تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ.
نعم يُسْتَحَبْ التَّحَرُّزُ عنه.
والثاني: طَرْدُ الخِلاَفِ المذكور في الأبِ، وروى صاحب "الحاوي" في الأَجْدَاد والجَدَّاتِ من قبل الأب ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز التَّفْرِيقُ بين الوَلَدِ وجميعهم؛ بِنَاءً على جَوَازِ التَّفْرِيقِ بينه وبين الأَبِ.
والثاني: لا يَجُوزُ؛ بِنَاءً على أَنَّ التَّفْرِيقَ لا يَجُوزُ بينهما.
والثالث: يجوز التَّفْريقُ بينه وبين الذَّكَرِ منهم، كَأبِ الأب، ولا يَجُوزُ بينه وبين الأُنْثَى منهم، كأم الأب، لأَنَّ الإناث أَصْلَحُ للتَّرْبيَةِ، وهذه الوُجُوهُ على طَرِيقَةِ من لا يُعَدِّي التَّحْرِيمَ إلى المَحَارِمِ قَطْعاً، وإذا كان للولدَ أَبَوَانِ، فيحذر من التَّفْريِقِ بينه وبين الأُمِّ، ويحتمل التَّفْرِيقُ بينه وبين الأب، ولا بَأْسَ بالتفريق إذا أَلْجَأتِ الضَّرْورَةُ إليه، كما إذا كانت الأُمُّ حُرَّةً، يجوزُ بَيْعُ الوَلَدِ، ولو كانت الأُمُّ لِوَاحِدٍ، والولد لآخر، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ منهما أن يَنْفَرِدَ ببيع ما يملكه، وقد سَبَقَ ذلك في "البيع"، وحَكَيْنَا هناك قَوْلَيْنِ في أَنَّ التَّحْرِيم يَنْتَهِي بسِنِّ التمييز، أو يَمْتَدُّ إلى البُلُوغ؟
والأَصَحُّ الأَوَّلْ، فإنه لا يحرم بعد البُلُوغِ.
وعن أحمد خِلاَفُهُ، ويجوز أن يُعَلَّمَ لذلك لفظ "الصَّغِير" من قوله في الكتاب: "وولدها الصَّغِير" بالألف إِشَارَةً إلى أَنَّ عنده لا يعتبر الصِّغَرُ، واللَّفْظُ يُوَافِقُ القَوْلَ الذَّاهِبَ إلى امْتِدَادِ التَّحْرِيم إلى البُلُوغ، فيمكن أَن يُعَلَّمَ بالوَاوِ لِلْقَوْلِ الآخر، وأن يُعَلَّمَ لَفْظُ القولين في سَائِرِ المَحَارِمِ بالوَاوِ لِلطَرِيقَةِ القاطعة.
قال الغَزَالِيُّ: (التَّصَرُّفُ الثَّالِثُ) إهْلاَكُ أَمْوَالِهِمْ غَيْظاً لَهُمْ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَمَلُّكُهُ إِلاَّ الحَيَوَانَاتِ وَأَمَّا الأَشْجَارُ فَيَجُوزُ قَطْعُهَا وَيجِبُ إِهْلاَكُ كُتُبِهِم الَّتِي لاَ يَحِلُّ الاِنْتُفَاعُ بِهَا وَفِي جَوَازِ اسْتِصْحَابِهَا لِفَائِدَةِ تَعَرُّفِ مَذَاهِبِهِمْ تَرَدُّدٌ وَكَلْبُ الغَنِيمَةِ يَخُصُّ بِهِ الإِمَامُ مَنْ شَاءَ إِذْ لاَ مِلْكَ فِيهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: كما أنَّ نُفُوسَ الكْفَّارِ تَهْلِكُ تَارَةً بالقَتْلِ، وتُمْسَكُ أخرى بالاسْتِرْقَاقِ، فكذلك أَمْوَالُهُمْ تَهْلِكُ تَارَةً وتُغَنَمُ أُخْرَى، وهذا التَّصَرُّفُ الثَّالِثُ هو إِهْلاَكُ أَمْوَالِهِمْ،
والمقصود بَيَانُ موضع جَوَازِهِ، وإن احتاج المسلمون إلى إِهْلاَكِ مَالٍ لهم، كَتَخْرِيبِ بِنَاءٍ، وقَطْعِ شَجَرٍ لِيَتَمَكَّنُوا من القِتَالِ، أو لِيَظْفَرُوا بهم، فلهم إِهْلاَكُهُ؛ لما روي عن ابنَ عُمَرَ -رضي الله عنه- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَطَعَ نَخْلَ بني النَّضِيرِ وحَرَّقَ عليهم 1، وفي ذلك نَزَلَ قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: 5] الآية وأَنَّهُ قطع على أَهْلِ "الطَّائف" كَرْمَهُمْ 2، وذُكِرَ أَنَّهُ كان آخر غَزَوَاتِهِ، وإن لم يَحْتَاجُوا إليه، نظِرَ إن لم يَغْلِبْ على الظَّنِّ حُصُولُ ذلك المَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، جاز إهلاكه مُغَايَظَةً لهم، وتَشْدِيدًا عليهم، وإن غَلَبَ على الظَّنِّ حُصُولُهُ لهم، ففيه وَجْهَانِ، حكاهما في "المُهَذَّبِ":
وجه المنع ما روي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رضي الله عنه- نَهَى عنه 3.
وعن الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ إِطْلاَقُ القَوْلِ بالجَوَازِ، والأولى تَرْكُهُ بلا خِلاَفٍ، وهذا إذا دَخَلَ الإمَامُ بلاَدَهُمْ مُغيرًا، ولم يمكنه الاسْتِقْرَارُ فيها, فَأمَّا إذا فَتَحَهَا، وَقَهَرَ أَهْلَهَا، فلا يجوز القَطْعُ والتخريبُ [لأنه صارت غَنِيمَةٌ للمسلمين، وكذا لا يَجُوزُ القَطْعُ والتَّخْرِيب] 4 إذا فتحها صُلْحًا على أن يكون لهم أَوْ لَنَا.
ولو غَنِمْنَا أَمْوَالَهُم وانصرفنا وَخِفْنَا الاسْتِرْدَادَ، جاز إهْلاَكُهَا لئلا يَغْلِبُوا عليها وَيَتَقَوَّوْا بها، هذا حُكْمُ غير الحَيَوَانِ.
وأمَّا الحَيَوَانُ، فإذا كانوا يُقَاتِلُوننا على الخُيُولِ، واحتجنا إلى عَقْرِهَا لِدَفْعِهِمْ والظَّفَرِ بهم، جَازَ ذلك، فَإِنَّهَا كَأدَاةِ الِقتَالِ.
ويُرْوَى أَن حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِب -رضي الله عنه- عَقَرَ بأبي سفيان فَرَسَهُ يوم "أُحُدٍ" فَسَقَطَ، فجلس حَنْظَلَةُ على صَدْرِهِ لِيَذْبَحَهُ، فجاء ابن شعوب فقتل حَنْظَلَةَ -رضي الله عنه- واسْتَنْقَذَ أبا سفيان، ولم يُنْكِرْ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فِعْلَ حَنْظَلَةَ 5 -رضي الله عنه-
وإن غَنِمْنَا خُيُولَهُمْ ومَوَاشيهُمْ ولحقونا، وَخِفْنَا الاسْتِرْدَادَ أو ضعف بعضها، وتَعَذَّرَ سَوْقُهَا، لم يجز عَقْرُهَا، وإتْلاَفهَا.
وبه قال أحمد.
نعم تُذْبَحُ لِلأَكْلِ، وإذا خِفْنَا أَنَّهُمْ يأخذون الخُيُولَ ويُقَاتِلُونَ عليها، ويشتدُّ الأَمْرُ، يجوزُ إِتْلاَفُهَا.
وعند أبي حَنيفَةَ ومَالِكٍ: يجوز إِتْلاَفهَا بِكُلِّ حَالٍ مُغَايظَةَ لِلْكُفَّارِ.
لنا ما روي أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن تَعْذِيبِ الحَيَوَانِ إِلاَّ لِمَأْكَلَةٍ 1.
وأيضاً نَهَى عن قَتْل الحَيَوَانِ صَبْرًا 2، ولا خِلاَفَ في أَنَّهُمْ لو لحقونا ومعنا نِسَاؤُهُمْ وصِبْيَانُهُمْ لم يَجُزْ قَتْلُهُمْ، وإن خَشِينَا اسْتِرْدَادَهُمْ، ثُمَّ في الفَصْلِ مسألتان:
إحداهما: إذا ظَفَرْنَا بِكُتُبٍ لهم مما يَحِلُّ الانْتِفَاعُ به؛ كالطِّبِّ والشِّعرِ واللُّغَةِ والحِسَاب والتَّوَارِيخ، فسبيله سَبِيلُ سائر الأموال، فَيُبَاعُ أو يُقَسَّمُ، وما يحرم الانْتِفَاعُ به كَكُتُبِ الشِّرْكِ والهَجْوِ والفُحْشِ المَحْضِ، فلا يُتْركُ بِحَالِهِ، ولكن إن كان على رَقِّ، أو كَاغدٍ ثَخِينٍ؛ وأمكن غَسْلُهُ غُسِلَ، ثُمَّ هو كَسَائِرِ أموال الغَنِيمَةِ، وإن لم يكن أُبْطِلَتْ مَنْفَعَتُهُ بالتَّمْزِيقِ، ثُمَّ الممزَّقُ كَسَائِرِ الأَمْوَالِ، ولِلْمَزْقِ قِيمَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ.
وعن القاضي الطَّبَرِيِّ: أنَّهَا تُمَزَّقُ أَوْ تُحَرَّقُ، ولم يُصَحِّحُوا الإِحْرَاقَ؛ لما فيه من التَّضْيِيعِ، وكتبِ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ مما لا يَحِلُّ الانْتِفَاع به؛ لأَنَّهُم بَدَّلُوا وَغيَّرُوا.
قال في "البحر": وإنما تُقَرُّ في أَيْدِي أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لاعْتِقَادِهِمْ كما يُقَرُّونَ على الخَمْرِ.
قال: والصَّحِيحُ أَنَّهَا لا تُحَرَّقُ؛ لما فيها من أَسْمَاءِ اللهِ تعالى.
قال الإمامُ: وقد يَخْطُر لِلْفَطِنِ أنَّ كتب الشِّرْكِ يُنْتَفَعُ بها، على معنى أَنَّ الحَاجَةَ تمسُّ إلى الاطِّلاعَ على مَذَاهِب المُبْطِلِينَ ليوَجَّه الرَّدّ عليها، فإن كانت تلك المَقَالاَتِ مَشْهُورَةً، فالرَّأْيُ إِبْطَالُهَا، وإن كان ما فيها مما لم يَتَقَدَّمِ الاطَّلاعُ عليه، ففي جَوَازِ اسْتِصْحَابِهِ تَرَدُّدٌ واحْتِمَالٌ بَيِّنٌ.
الثانية: إذا دَخَلْنَا دِيَارَهُمْ غَازِينَ قَتَلْنَا الخَنَازِيرَ، وأَرَقْنَا الخُمُورَ، وتُحْمَلُ ظُرُوفُهَا إِلاَّ أن تَزِيدَ مُؤْنَةُ الحَمْلِ على قِيمَتِهَا، أو تُسَاوِيهَا، فيتلفها عليهم، والكَلْبُ المُنْتَفَعُ بِهِ للاصْطِيَادِ، وللمواشي.
أطلق صَاحِبُ الكتاب أنَّ الإِمَامَ يَخُصُّ به من يَشَاءُ، وهكذا حَكَاهُ الإِمَامُ عن العِرَاقِيِّينَ، وقال: قالوا: للإمام أن يُسَلِّمَهَا إلى وَاحِدٍ من المسلمين لِعِلْمِهِ باحْتِيَاجِهِ إليه، ولا يكون مَحْسُوبًا عليه، واعترض عليه بأن الكَلْبَ مُنْتَفِعٌ به،
فليكن حَقُّ الَيدِ فيه لجميعهم، كما أَنَّ من مَاتَ وله كَلْبٌ لا يستبدُّ به بعض الوَرَثَةِ، والذي نَجِدُهُ في كتب العِرَاقِيِّينَ: أَنَّهُ إن أَرَادَهُ بعض الغَانِمِينَ، أو بعض أهل الخُمُسِ، ولبم ينازع فيه يُسَلَّمُ إليه، وإن تَنَازَعُوا، فإن وَجَدْنَا كِلاَباً، وأمكنت القِسْمَةُ عَدَداً قُسِّمَت، وإلاَّ أُقْرِعَ بينهم، فإذن الظَّاهِرُ خِلاَفُ ما في الكَتَاب، وقد مَرَّ في "الوَصِيَّةِ" أَنَّهُ قد يعتبر قِيمَتُها عند مَنْ يرى لها قِيمَةٌ، وينظر إلى مَنَافِعِهَا، فيمكن أن يُقَالَ بِمِثْلِهِ هاهنا.
وقوله في الكتاب: "إِهْلاَكُ أَمْوَالِهِمْ غَيْظاً لهم جَائِزٌ، إذا لم يمكن تَمَلُّكُهَا"، ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُوَافِقُ ما ذكرنا أَنَّ أَحَدَ الوجهين: أَنَّهُ لا يجوز إِهْلاَكُهَا إذا غَلَبَ على الظَّنِّ حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمينَ، والعِبَارَاتُ التي تطلق في هذا المَقَامِ من غَلَبَةِ الظَّنِّ بالحُصُولِ، ورجاء الحصول، وإمكان التَّمَلّكِ والحصول مُتَقَارِبَةٌ.
والأَشْبَهُ والحالةُ هذه -التجوِيزُ والاقْتِصَارُ على الكَرَاهَةِ، وكذلك ذَكَرَهُ الإِمَامُ، فيجوز أن يرقم قوله: "إذا لم يمكن تملكها" بالواو؛ وإشَارَةً إلى أن هذا القَيْدَ غير مُعْتَبَرٍ في الجَوَازِ، ويجوز أن يُحْمَلَ لَفْظُ الجَوَازِ على الإِطْلاَقِ العَارِي عن الكَرَاهِيَة, كما يُقَالُ: وجب جَوَازُ الصَّلاةِ، ووقت الكراهة فَيُجْعَلاَنِ مُتَقَابِلَيْنِ، وحينئذٍ فلا حَاجَةَ إلى الإِعْلاَمِ.
وقوله: "الحَيَوَانَات" ليعلَّم بالحاء والميم، ولاَ بُدَّ من اسْتِثْنَاءِ ما يقاتلون عليه على ما يُتَبَيَّنُ، وإن أطلق الكلام إِطْلاَقًا.
وقوله: "وأَمَّا الأَشْجَارُ فيجوز قَطْعُهَا" لا ضَرُورَة إليه لِدُخُولِهَا في الأَمْوَالِ المَذْكُورَةِ أَولاً.
وفي "التصريح" تَنْبِيهٌ على أَنَّهَا وإن كانت نَامِيَة فليس لها حُرْمَةُ الحَيَوَانَاتِ.
وقوله: "ويجب إِهْلاَكُ كُتُبِهِمْ"، وفي بعض النسخ "ويجوز" وبكُلِّ وَجْه.
وقوله: "وفي جَوَازِ اسْتِصْحَابِهَا... " إلى آخره، أراد به ما حَكَيْنَاهُ عن الإِمَامِ، والتَّردُّدُ مَخْصُوصٌ بالكُتُبِ المشتملة عى مَقَالَتِهِمْ دون كتب الهَجْوِ والفُحْشِ، ثَمَّ إن اسْتَصْحَبْنَا تلك الكُتُبَ حتى عَرَفْنَا المَقَالاَتِ؟ فالقِيَاسُ أن نبطلها كما ذكر الإِمَامُ، أَنَّهُ لو كانت المَقَالاَتُ مَشْهُورَةٌ، فنبطلها في الحال.
قال الغَزَالِيُّ: (التَّصَرُّفُ الرَّابعُ: الاغْتِنَامُ) وَالغَنِيمَةُ كُلُّ مَا أَخَذَتْهُ الفِئَةُ المُجَاهِدَةُ عَلَى سَبيلِ الغَلَبَةِ دُونَ مَا يُخْتَلَسُ، وَيُسْرَقُ، فَإنَّهُ خَاصٌ ملْكِ المُخْتَلِسِ وَدُونَ مَا يَنْجَلِي عَنْهُ الكُفَّارُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَإنَّهُ فَيْء وَدُونَ اللُّقَطَةِ، فَإنَّهَا لِآخِذِهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: قد سبق في "كتاب قَسْم الفَيْءِ والغَنَائِم" أن الغَنِيمَةَ المَالُ الذي يُؤْخَذُ من الكُفَّارِ بالقَهْرِ، وإيجَافِ الخَيْلِ والرِّكَاب، وَأَنَّ الفَيْءَ ما يُحَصَّلُ من الكُفَّارِ من غير قِتَالٍ، فنتكلم الآن في مَسَائِلَ:
إحداها: إذا دخل وَاحِدٌ أو شِرْذِمَةٌ دَارَ الحَرْب مُسْتَخْفِينَ، وأخذوا مَالاً على صُورَةِ السَّرِقَةِ فالذي أَوْرَدَهُ في الكتابِ أَنَّهُ مِلْكُ من أَخَذَهُ خَاصَّةً وذكر الإِمَامُ أَنَّهُ المَذْهَبُ المَشْهُورُ، ورُبَّمَا أَبْدَى القَطْعَ به، وَوَجههُ بأنَّ السَّارِقَ يقصد تَمَلُّكَ المَاَلِ، وإثْبَات اليد عليه، ومَالُ الحَرْبَيِّ غير مَعْصُومٍ، وكأنَّهُ غير مَمْلُوكٍ، وصار سبيله سَبِيلَ الاسْتِيلاَءِ على المُبَاحَاتِ، بخلاف مال الغَنِيمَة، فَإنَّهُ وإن حصل في يد الغَانِمينَ، فليس مقصودهم التملُّك، إذ لا يَجُوزُ التَّغْرِيرُ بالمُهَج لاكْتِسَاب الأَمْوَالِ، والغَرَضُ الأَعْظَمُ إِعْلاَءُ كلمة اللهِ -تعالى- وقَمْعُ أَعْدَاءِ الدِّينِ، ولِلْقَصْدِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ فيما يملكُ بالاستيلاء، وحَكَى وَجْهاً آخر أَنَّهُ غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ وَضَعَّفَهُ، وهذا الذي ضَعَّفَهُ هو المُوَافِقُ لما أَوْرَدَهُ أكثرهم، وكأنهمِ جعلوا دُخُولَ دَار الحَرْبِ، وتَغْرِيرَهُ بنفسه قَائِماً مَقَامَ القِتَالِ، ويُوَضِّحُهُ أَنَّهُم ذَكَرُوا أنَّهُ لو غَزَتْ طَائِفَةٌ بغير إِذْنِ الإِمَامِ مُتَلَصِّصِينَ، وأخذت مَالاً فهو غَنِيمَةٌ مخمسة.
وَرَوَوْا عن أبي حَنِيْفَةَ أَنَّهُ لا يُخَمَّسُ، بل يَنْفَرِدُونَ له إذا لم يكن لهم قُوَّةٌ وامْتِنَاعٌ، وفي رِوَايَةٍ أخرى يُؤْخَذُ الجَمِيعُ منهم، ويجعل في بَيْتِ المَالِ.
وفي "التهذيب": أَنَّ الرَّجُلَ الوَاحِدَ إذا دَخَلَ دَارَ الحَرْبِ وأخذ من حَرْبِيٍّ مَالاً بالقِتَالِ أُخِدَ منه الخُمُسُ، والبَاقِي له، وإن أَخَذَهُ على جِهَةِ السَّوْمِ، ثُمَّ جَحَدَهُ أو هرب، فهو له خَاصَّة، ولا يُخَمَّسُ، وهذه الصُّورَة قَرِبيَةٌ من السَّرِقَةِ، والمأخوذ على صورة الاخْتِلاَسِ كالمَأْخُوذِ على صُورَةِ السَّرِقَةِ.
وقد حُكِيَ في "البحر" عن صَاحِبِ "الحاوي": أَنَّهُ يكون غَنِيمَةً يملك المُخْتَلِسُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لأنهم ما وَصَلُوا إليه عنوةً حَتَّى غَرَّرُوا بأنفسهم كما لو قاتلوا.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أَنَّ المختلس يكون فَيْئًا؛ لأَنَّه حَصَلَ بغير إِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ.
ثم الوَجْهُ الذاهب إلى اخْتِصَاصِ المختلس والسَّارِقِ بما يَأْخُذُهُ، ليكن مَوْضِعُهُ ما إذا دخل الوَاحِدُ أو النَّفَرُ اليَسِيرُ دَارَ الحَرْب وأخذوا، فَأمَّا إذا أخذ بَعْضُ الجند الداخلين بِسَرِقَةٍ أو اخْتِلاَسِ، فيشبه أَنْ يكون غُلُوَلاً يُبَيِّنَهُ أَنَّ القاضي الرُّوَيانِيَّ نقل أنَّ ما يَهْدِيهِ الكَافِرُ إلى الإِمام، أو إلى واحدٍ من المسلمين، والحَرْبُ قَائِمٌ لا يَنْفَرِدُ به المَهْدِيُّ إليه بِكُلِّ حالٍ، بخلاف ما إذا أهدى من دار الحَرْبِ إلى دار الإِسلام.
وعن أبي حنيفة: أَنَّهُ يَنْفَرِدُ بما يَهْدِيهِ المهدي إليه بِكُلِّ حَالٍ، وإذا لم تَخْتَصَّ الهَدِيَّةُ بالمَهْدِيِّ إِلَيْهِ، فأولى أَلاَّ يَخْتَصَّ السَّارِقُ بالمَسْرُوقِ.
الثانيةُ: المَالُ الضَّائِعُ الذي يُؤْخَذُ على هَيْئَةِ اللُّقَطَةِ إن كان مما يُعْلَمُ أَنَّهُ للكُفَّارِ، فَجَوَابُ الإِمَام، وصاحب الكتاب أَنَّهُ لمن وَجَدَهُ؛ بناء على أنَّ الْمُخْتَلَسَ والمَسْرُوقَ لمن أَخَذَهُ، وهذا لأنَّهُ ليس مَأْخُوذًا بِقُوَّةٍ الجُنْدِ، أو قُوَّةِ الإِسْلاَمِ، حتى يكون فَيْئًا، ولا بقتالٍ حتى يكون غَنيمَةً.
وجواب عَامَّةِ الأَصْحَاب أَنَّهُ يكون غَنِيمَةً لا يَخْتَصُّ به الآخِذُ، وعلى هذا يَنْطَبِقُ نَصُّهُ في "المختصر" على ما سنَحْكِيهِ في المسألة الثالثة، وإن أمكن أن يكون لِلْمُسْلِمِينَ، بأن كان هناك مسلمون، أو أَمْكَنَ أن تكون هُنَاكَ ضالة بعض الجند، فَلاَ بُدَّ من التَّعْرِيفِ، ثُمَّ بعد التَّعْرِيفِ يعود الطَّرِيقَانِ في أَنَّهُ يكون لِلآخِذِ، أو يكون غَنِيمَةً، وكيف يعرفُ؟ عن الشيخ أبي حَامِدٍ أَنَّهُ يُعَرَّفُ يَوْمًا أو يومين؛ ويقرب منه ما ذكره الإِمَامُ أَنَّهُ يكفي بُلُوغُ التَّعْريِفِ إلى الأَجْنَادِ إذا لم يكن هناك مُسْلمٌ سواهم، ولا ينظرُ إلى احْتِمَالِ طُرُوقِ التُّجَّارِ.
وفي "المهذَّب" و"التهذيب" أنَّهُ يُعَرَّفُ سَنَةً على ما هو قَاعِدَةُ التَّعْرِيفِ، ولفظُ "التَّهْذيب" أَنَّهُ لو وَجَدَ ضَالَّةً في دَارِ الحَرْبِ لِحربي فهو غَنيمَةٌ، فالخُمُسُ لأهله، والبَاقِي له ولمن مَعَهُ، ولو وَجَدْنَا ضَالَّةَ لحربي في دَارٍ الإِسلام لا يَخْتَصُّ هو به، بل يكون فَيْئًا، وكذلك لو دَخَلَ صَبِيٌّ أو امْرَأَةٌ بلاَدَنَا، فَأخَذَهُ رَجُلٌ يكون فَيْئًا، وإن دَخَلَ منهم رَجُلٌ فَأخَذَه مسلمٌ يكون غَنِيمَةً؛ لأنَّ لآخِذِهِ مُؤْنَة، وللإمام أن يَرَى فيه رَأْيَهُ، فإن رأى أن يَسْتَرِقَّهُ يكون الخُمُسُ لأهله، والباقي لمن أَخَذَهُ بِخِلاَفِ الضَّالَّةِ؛ لأَنَّهَا مَالٌ للْكُفَّارِ حَصَلَ في أيدينا من غير قِتَالٍ.
الثالثة: المُبَاحَات التي لم يملكها أَحَدٌ من الحَطَب والحَشِيشِ والحَجَرِ والصَّيْدِ البَحْرِيِّ والبَرِيِّ لآخذها، كما أَنَّها في دَارِ الإسْلاَمِ لآخذها, ولم يَجْرِ عليها مِلْكُ كَافرٍ، حتى يجعل غَنِيمَةً أَوْ فَيْئًا.
قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر": إِلاَّ أن يكون مَصْنُوعًا أو صَيداً مُقَرّطاً أو مَوْسُومًا، فلا يكون لمن أَخَذَهُ، يعني إِلاَّ أن يكون حَجَرًا مَصْنُوعًا بِنَقْرٍ أو نَقشٍ، أو حَجَرًا مَنْحُوتًا.
والصيد المُقَرَّطُ: الذي يُجْعَلُ القُرْطُ في أُذُنِهِ، ويروى مقرطقًا، وهو الَّذِي جُزَّ صُوفُهُ، وجُعِلَ على هَيْئَةِ القَرْطَقِ.
وقيل: هو الذي يُجْعَلُ له القَرْطَق كَالبَازِيِّ يُحَاطُ له.
فهذه الأحوال أَمَارَاتُ اليَدِ والمِلْكِ والدَّارِ للكافرين، والظاهِرُ أنَّها كانت لهم فَتَكُونُ غَنِيمَةً، وإن أمكن كَوْنُهَا للمسلمين، فهي كَسَائِرِ الأموال الضَّوَالِّ، ولاَ بُدَّ من التَّعْرِيفِ كما سَبَقَ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ وأَحْمَدَ -رحمهما الله- أَنَّ المُبَاحَاتِ التي تُوجَدُ في دَارِ الحَرْب تُخَمَّسُ أَيْضاً إذا كان لآخذيها قُوَّةٌ وامْتِنَاعٌ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلِلْغَنِيمَةِ أَحْكَامٌ: (الأَوَّلُ) أنَّهُ يَجُوزُ التَّبَسُّطُ فِي أَطْعِمَتِهَا قَبْلَ القِسْمَةِ مَا دَامُوا فِي دَارِ الحَرْبِ لِأَجْلِ الحَاجَةِ وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي القُوتِ وَاللَّحْمِ وَالتّبْنِ وَالشَّعِيرِ وَلاَ يَجْرِي فِي الفَانِيذِ وَالسُّكَّرِ وَأَمْثَالِهِ وَفِي الفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ وَجْهَانِ وَيَجْوزُ فِي الشَّحْمِ الأكْلُ وَلتَوْقِيحِ الدَّوَابِّ وَجْهَانِ وَلاَ يَجُوزُ فِي الحَيَوَانَاتِ إلاَّ الغَنَمَ فَإِنَّهُ طَعَامٌ
فَيُذْبَحُ وَيُؤْكَلُ وَيُرَدُّ جِلْدُهُ إِلَى المَغْنَمِ وَلاَ يَجِبُ قِيمَةُ اللَّحْمِ وَإِنْ أَمْكَنَ سَوْقُ الغَنَمِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ وَيُبَاحُ الأخْذُ لِمَنْ مَعَهُ طَعَامٌ وَمَنْ لَيْسَ مَعَهُ وَلَكِنْ قَدْرَ الحَاجَةِ فلوْ أَضَافَ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الغَانِمِينَ فَهُوَ كَتَقْدِيم المَغْصُوبِ إِلَى الضَّيْفِ وَلَوْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الدُّخُولِ إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ فَمَا لَهُ قِيمَةٌ رُدَّ عَلَى المَغْنَمِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً فَوَجْهَانِ وَلَوْ لَحِقَ مَدَدٌ بَعْدَ الاِغْتِنَامِ فَفِي جَوَازِ التَّبَسُّطِ لَهُمْ وَجْهَانِ وَلَوْ لَمْ يَجِدُوا سُوقًا فِي أَطْرَافِ بِلاَدِ الاغْتِنَامِ أَوْ وَجَدُوهُ فِي دَارِ الحَرْبِ فَفِي جَوَازِ الأَخْذِ وَجْهَانِ وَاِذْا أَخَذَ ثُمَّ أَقْرَضَ غانِمًا آخَرَ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمثْلِهِ مِنَ المَغْنَم مَا دَامُوا فِي الحَرْبِ وَلاَ يُطَالِبُهُ مِنْ خَاصِّ مِلْكِهِ وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يُطَالِبُهُ وَكَأَنَّ المُسْتَقْرِضَ أخَذَهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: من أحكام الغَنِيمَةِ أَنَّهُ يجوز التَّبَسُّطُ بِتَنَاولِ أَطْعِمَتِهَا قبل القِسْمَةِ، وتُعْلَفُ الدَّوَابُّ من غير عِوَضٍ؛ لما روي عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنّ جَيْشًا غنموا طَعَامًا وعَسَلاً على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يؤخذ منهم الخُمُسُ، يعني مما تَنَاوَلوه 1.
وعن ابن عُمَرَ -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نُصِيبُ في مَغَازِيِنَا العَسَلَ والعِنَبَ فنأكله" ولا ندفعه 2. وعن عَبْدِ الله بن أَبي أوْفَى -رضي الله عنه- أنَّهُ قال: أَصَبْنَا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بـ"خيبر": طَعَامًا، وكان كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَأْخُذُ منه قَدْرَ كِفَايَتِهِ 3.
والمعنى فيه الحَاجَةُ الدَّاعِيَةُ إليه، فَإِنَّ الطَّعَامَ يَعِزُّ في دَارِ الحَرْبِ، فإِنَّهم لا يبيعون منهم ويخبئون ويُحْرِزُونَ أَطْعِمَتَهُمْ، فجعلها الشَّارعُ على الإِبَاحَةِ.
وأيضاً: فقد يفسر إلى أن ينقل، وقد يَتَعَذَّرُ نَقْلُهَا، أو تَزْدَادُ مُؤْنَةُ نقلها عليها، وَيتَعَلَّقُ بهذه القَاعِدَةِ فُصُولٌ.
إحداها في جنس المَأْخُوذِ والمنفعة المُجَوِّزَة للأخذ والجنس وهو القُوتُ وما يصلح له القُوتُ واللَّحْمُ والشَّحْمُ، وكُلُّ طعامٍ يُعْتَادُ أكْلُهُ على العُمُوم، ولعَلَفِ الدواب التِّبْنُ والشَّعِيرُ وما في مَعْنَاهُمَا.
وحكى الإِمام وَجْهَيْن فيما يُؤْكَلُ غالباً، لكنَّه ليس من الأَقْوَاتِ كالفَوَاكِهِ، وَجْهُ المَنْعِ أَنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بها حَاجَةٌ حَاثَّةٌ، ووجه الجَوَازِ ما رَوَيْنَا من العِنَبِ والعَسَلِ 4.
وعن ابن أَبِي أَوْفَى -رضي الله عنه- قال: كُنَّا نَأْخُذُ من طَعَامِ المَغْنَمِ ما نَشَاءُ 1.. أطلق الكَلاَمَ إِطْلاَقًا، وقد يحتاج إلى إِقَامَةِ غير القُوتِ مَقَامَهُ عند شِدَّةِ الحَاجَةِ.
قال الإِمَامُ: ويمكن أن تَفْصِلَ بين ما يَتَسَارَعُ إليه الفَسَادُ، ويَشُقُّ نَقْلُهُ، وبين غيره، وكان صَاحِب الكِتَاب أَشَارَ بقوله: "وفي الفواكه الرَّطْبَةِ" إلى هذا المعنى، وتَخْصِيصُ الخِلاَفِ بالرَّطْبَةِ مَيْلٌ إلى الجَزْم بالمَنْعِ في غيرها، والجمهور جَوَّزُوا التبسُّط في الكُلِّ، ولم يذكروا خِلاَفًا.
والفَانِيذُ والسُّكَّرُ والأدْوَيةُ التي تَنْدُرُ الحَاجَةُ إليها لا تُلْحَقُ بالأَطْعِمَةِ المُعْتَادَةِ لِنُدُورِ الحَاجَةِ إليها، فإن احْتَاجَ إليها مَرِيضٌ منهم أخذ ما يحتاج إليه بالقِيمَةِ، وينبغي أن يُقَالَ: يراجع أَمِيرُ الجُيُوشِ فيه.
هذا هو المَشْهُورُ.
وعن "الحاوي" وَجْهَانِ آخران:
أحدهما: الإبَاحَةُ؛ لأَنَّ تَنَاوُلَهَا عند الحَاجَةِ أَهَمُّ وأَوْلَى بالتَّرْخِيصِ.
والثاني: أَنَّ ما لا يُؤْكَلُ إلاَّ تَدَاوِياً يُحْسَبُ عليه، وما يُؤْكَلُ لِلتَّدَاوِي وغيره لاَ يُحْسَبُ، والمَنْفَعَةُ المُعْتَبَرَةُ في البَاب هي مَنْفَعَةُ الأَكْلِ والشُّرْبِ وَالعَلَفِ.
وفي جواز أَخْذِ الشُّحُوم والأَدْهَانِ لتوقيح الدَّواب، وهو مَسْحُهَا بالمذاب وهوَ المغلي منها, ولجربها وجهان نقلهما الإمَامُ وَصَاحِبُ الكتاب.
أحدهما: الجَوَازُ كَعَلَفِهَا.
وأصحهما: وهو في سِيَرِ الوَاقِدِيِّ المَنْعُ كما في التَّدَاوِي بالأَدْوِيَة، وعلى الوجه الأول ينبغي أن يَجُوزَ الادِّهَانُ بها, ولا يجوز إِطْعَامُ البُزَاةِ والصُّقُورِ من الغَنِيمَةِ، بخلاف الدَّوَابِّ المُحْتَاجِ إليها للرُّكُوب والحمل، ولا يجوز أَخْذُ سائر الأَمْوَالِ، ولا الانتفاع بها كَلبْسِ الثياب، ورُكُوبِ الدَّوَابِّ، فلو خالف لَزِمَتْهُ الأُجْرَةُ، كما يُلْزَمُ الضَّمَانَ إذا أتْلَفَ بَعْضَ الأعيان ويروى عن رُوَيْفِع بْنِ ثابِتٍ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ.
حَتَّى إِذَا أَعجفها رَدَّهَا إِلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ، فَلاَ يَلْبَس ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ" 2.
وإن وَقَعَتْ حَاجَةٌ لِبَردٍ وغيره.
قال القاضي الرُّويَانِيُّ: يستأذن الإِمام ويحسب عليه، ويجوز أن يَأْذَنَ في لُبْسِهِ بالأُجْرَةِ مُدَّةَ الحَاجَةِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلى المَغْنَم [ولا يجوز اسْتِعْمَالُ أَسْلِحَتِهِمْ أَيضاً، إلا أن يُضْطَرَّ إليها في القِتَالِ، فإذا انْقَضَى الحَرْبُ رَدَّهُ إلى المَغْنَمِ] (1).
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يجوز اسْتِعْمَالُ أَسْلِحَتِهِمْ، ويجوز ذَبْحُ الحَيَوَانَاتِ المَأْكُولَةِ لُحُومُهَا، كما يجوز تَنَاوُلُ الأَطْعِمَةِ.
وفي "البيان" حِكَايَةُ وَجْهٍ آخر؛ لأنَّ الحَاجَةَ إليه تَنْدُرُ والاعْتِمَادُ على الأوَّلِ ثُمَّ الذي يُوجَدُ لمعظم الأَصْحَابِ صَرِيحًا ودِلالَةً، التَّسْوِيَةُ بين الغَنَمِ وسائر الحَيَوَانَاتِ المأكولة، وهو الوجه.
وقال الإمَامُ: ما يُمْكِنُ أنْ يُسَاقَ يُسَاقُ، والغَنَمُ تُذْبَحُ؛ لأَنَّ الأَغْنَامَ كالأَطْعِمَةِ، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- حين سُئِلَ عن ضَالَّتِهَا: "هِيَ لَكَ، أَوْ لَأَخِيْكَ أَوْ لِلْذِّئْبِ" (2) وَأَشَار إلى أَنَّ جَوَازَ الذَّبْح يَخْتَصُّ بالغَنَم، وهذا قَضِيَّةُ قوله في الكتاب: "ولا يجوز في الحَيَوَانَاتِ إِلاَّ في الغَنَم، فَإِنَّهُ طَعَامٌ" ثُمَّ ما يُذْبَحُ منها يجب رَدُّ جِلدِهِ إلى المَغْنَمِ، إِلاَّ ما يُؤْكَلُ منها مع اللَّحْمِ، ولا يجوز لِلذَّابح أَن يَتَّخِذَ من الجِلْدِ سِقَاءً، أو حِذَاءً أو شِرَاكاً، ويستعمله، ولو فعل رَدَّ المَصْنُوع كذلك ولا شَيْءَ له، وإن زَادَتْ قِيمَتُهُ بالصّنعَةِ، وإن نقص فعليه الأَرْشُ، وإن استعمله مُدَّةً، فعليه الأجْرَةُ.
وفي وجوب قِيمَةِ اللَّحْمِ إذا ذُبحَ الحَيَوَانُ المُجَوَّزُ ذَبْحُهُ وجهان:
في وجه: يجب لِنُدُورِ الحَاجَةِ إلى الذَّبْحِ، والأَصَحُّ المَنْع كما في الأَطْعِمَةِ، ودعوى النُّذُورِ مَمْنُوعَةٌ.
وقوله في الكتاب: "ولا يجب قِيمَةُ اللَّحْمِ، وإن أمكن سَوْقُ الغَنَم على أظهر الوجهين" أراد به هَذَيْنِ الوجهين، لكنَّهُ لَمَّا خَصَّصَ جَوَازَ الذَّبْحِ بالغَنَمِ أعادَ هاهنا ذِكْرَ الغَنَم، وقد يشير قوله: "وإن أمكن سَوقُ الغنم" إلى تَخْصِيصِ الوَجْهَيْنِ بما إذا أمكن السَّوْقُ، وإلى القَطْعِ بَأنَّهُ لا تجب القِيمَةُ إذا لم يمكن السَّوْقُ، ولا يبعد عن قول من يَمْنَعُ من ذِبْحِ ما سوى الغَنَمِ أن يمنع من ذَبْحِ الغَنَمِ التي يمكن سَوْقُهَا.
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الأَخْذِ، وَقَدْرِ المَأْخُوذِ.
ويجوز أَخْذُ العَلَفِ والطَّعَامِ لمن يَحْتَاجُ إليه، وإن كان معه ما يُغْنِيهِ عنها، فوجهان.12
عن ابن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لا يَجُوز لاسْتِغْنَائِهِ عن أخذ حَقِّ الغَيْرِ.
والأَصحُّ: وهو المذكور في الكتابِ -أَنَّهُ يَجُوزُ لإطْلاَقِ الأَخْبَارِ والآثَارِ الوَارِدَةِ في الباب، وكل من أخذ يَأْخُذُ بقدر كفَايَتِهِ، ويحتمل تَفَاوُتُ الرَّغْبَة والزهادة، كما يحتمل تَفَاوُتُ المشاهدين في السَّفَرِ لِلْحَاجَةِ.
قال في "التَّهْذِيبِ": ولهم التَّزَوُّدُ بِقَطْع المَسَافَةِ بين أيديهم، ولو أَكَلَ واحِدٌ فوق الحَاجَةِ، فقد حكى القَاضي الرُّوَيانِيُّ عن النصِّ أَنَّهُ يُؤَدّي ثمنه إلى المَغْنَمِ، وإذا كانت معه دَابَّتانِ فَصَاعداً، فله أن يَأْخُذَ العَلَفَ لهما.
وفيه وجه: أَنَّهُ لا يَأْخُذُ إِلاَّ لواحدةٍ كما لا يهم إِلاَّ لِفَرَسٍ واحد، ولو أخذ بَعْضُ الغَانِمِينَ فَوْقَ الحاجةِ، وأضاف به غَانِمًا آخر، أو غانمين، فلا بَأْسَ به، وليس فيه إِلاَّ أَنَّهُ تَوَلَّى الطَّبْخَ والإِصْلاَحَ للطعام الذي يحتاج إليهما وتحمّل التعب، وليس له أن يُضِيفَ به غير الغَانِمِينَ، فإن فعل فعلى الآكل الضَّمَانُ، والمُضِيفُ كَمَنْ يُقَدِّمُ الطَّعَامَ المَغْصُوبَ إلى الضَّيْفِ فيأكله، فينظرُ أهو عَالِمٌ بالحَالِ أَوْ جَاهِلٌ.
والحُكْمُ على ما ذكرنا في "الغَصْبِ".
ولو أَتْلَفَ بَعْضُ الغانمين من طَعَامِ الغَنِيمَةِ شَيْئًا كان كما لو أَتْلَفَ مَالاً آخر فَيُرَدُّ الضَّمَانُ إلى المَغْنَمِ؛ لأَنَّهُ لم يستعمله في الوجه المسوغ شَرْعًا، وما يأخذه لا يملكه بالأَخْذِ، ولكن أُبِيحَ له الأَكْلُ والأَخْذُ كالضَّيْفِ، ذكره الإِمَامُ وغيره.
ولو لَحِقَ الجُنْد مُدَدٌ بعد انْقِضَاءِ القِتَالِ وحِيَازَةِ الغَنِيمَةِ هل لهم التَّبَسُّطُ في أَطْعِمَتِهَا، أطلق الإِمَامُ، وصاحِبُ الكتاب فيه وجهين:
وَجْهُ الجواز: الحاجةُ لِحُضُورِهِ في دار الحرب التي هي مَظَنَّةُ عزةِ الطَّعَامِ.
وأصحهما: المنع؛ لأنَّهُ معهم كَغَيْرِ الضيف مع الضيف.
ولم يُورِدْ "صاحِبُ التهذيب" سوى وجه المنع، وهو مُوَافقٌ لما ذكرنا في "قِسْمَةِ الغَنَائِم" أَنَّ مَنْ لَحِقَ الجُنْدَ في دَارِ الحَرْب بعد حِيَازَةِ الغَنِيمَةِ لا يشاركهم في الغَنِيمَةِ، وإن لَحِقَ قَبلَ الحِيَازَةِ، فَأصَحُّ الوجهين أَنَّ الجَوَابَ كذلك.
ومن دَخَلَ من الغانمين دَارَ الإسْلاَمِ وقد فضل مما أَخَذَهُ شيء، ففي وُجُوبِ رَدِّ الفَاضِلِ إلى المَغْنَمِ طريقان:
أحدهما: أَنَّ فيه قولين:
أصحهما: وهو الذي نَقَلَهُ المُزَنِيُّ أنَّهُ يَجِبُ لِزَوَالِ الحَاجَةِ وكون المَأْخُوذ مُتَعَلَّقَ حَقِّ الجميع.
والثاني: لا يجب؛ لأنَّهُ أَخَذَهُ وهو مُحْتَاجٌ إليه، فَأشْبَهَ الصَّيْدَ والحَطَبَ.
والثاني: وبه قال الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: أَنَّ الكَبِيرَ الذي له قِيمَةٌ مَرْدُودٌ لا مَحَالَة، والخِلاَف في القليلِ الذي لا يُبَالَى به كَكِسَرِ الخُبْزِ، وبَقِيَّةِ التِّبْن في المَخَالِي، وَرَجَّحَ مُعْظَمُ الأَصْحَاب الطَّرِيقَ الأَوَّلَ، والذي أَوْرَدَهُ في الكتاب الثاني، وجعل الخِلاَفَ وجهين.
والمشهور القولان، ويْحْصُلُ من الطَّرِيقَيْنِ عند الاخْتِصَارِ ثلاثة أقوالٍ.
ثالثها: الفَرْقُ، ويُحْكَى الفَرْقُ عن مَالِكٍ، وأحمد، وعن أبي حنيفة أنَّهُ إن كان ذلك قبل القِسْمَةِ رَدَّهُ إلى المَغْنَمِ، وإن كان بعدما بَاعَهُ، وتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وإذا أَوْجَبْنَا رَدَّ الفَاضِلِ، فإن لم تُقَسَّمِ الغنيمة بعد رده إلى المغنم، وإن قُسِّمَت رَدَّهُ إلى الإِمام، ثُمَّ إن أمكن تَفْرِيقُهُ كما فُرّقَتِ الغَنِيمَةُ، فذاك وإلاَّ ليعرف الغانمين نزَارَةَ ذلك المِقْدَارِ.
وعن الصيدلاني: أَنَّهُ يُجْعَلُ في سَهْمِ المَصَالِحِ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ
في مكان التبسُّطِ وهو دَارُ الحَرْب التي يَعِزُّ فيها الأَطْعِمَةُ على المُسْلِمِينَ، فإذا انتَهَوْا إلى عُمْرَانِ دَارِ الإِسْلاَمِ، وتَمَكَّنُوا من الشِّرَاءِ أَمْسَكُوا, ولو خرجوا عن دَارِ الحَرْبِ، ولم ينتهوا إلى عُمْرَانِ دَارِ الإسْلاَمِ، فوجهان:
أشبههما -وبه أجاب الرّوَيانِيُّ: جواز التَّبَسُّطِ؛ لبقاء الحاجة الدَّاعِيَةِ إليه، فإنهم لا يَجِدُونَ من يَشْتَرُونَ منه ولا يُصَادِفُونَ 1 سُوقًا.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن مَظِنَّةَ الحَاجَةِ دَارُ الحرب، فَيُنَاطُ الحُكمُ به، وعلى العَكْسِ لو وَجَدُوا سُوقًا في دَارِ الحَرْبِ، وتَمَكَّنُوا من الشِّرَاء فقد ذكر صَاحِبُ الكتاب في جَوَازِ التَّبَسُّطِ وَجْهَيْنِ لانْعِكَاسِ التوجيهين.
ورأى الإمَامُ القَطْعَ بالجَوَازِ والحالة هذه، وقال: لم أَرَ أحداً يمنع التَّبَسُّطَ بهذا السَّبَبِ، ونَزَّلُوَا دَارَ الحرب في أَمْرِ الطعام منزلة السَّفَرِ في الرُّخَصِ، فإن الرُّخَصَ وإن أثبتت كمشاق السفر، فالمترفَّه الذي لا كُلْفَةَ عليه يُشَارِكُ فيها المشقوق عيله، وذكر أنه لو كان لِجَمَاعَةٍ من الكُفَّارِ معنا مُهَادَنَةٌ، وكانوا لا يَمْتَنِعُونَ مِنَ المُبَايَعَةِ وَالمُشَارَاةِ مع الذين يَطْوُقُونَهُمْ من المسلمين، فالأظهر وُجُوبُ الكَفِّ عن أَطْعِمَةِ المَغْنَم، وإن لم تكن دِيَارُ المُهَادِنِينَ معزية 2 إلى دَارِ الإسْلاَمِ والبلاد التي يَقْطُنُهَا أهل الذِّمَّةِ أو العَهْدِ، وهي في قَبْضَةِ المسلمين بِمَثَابَةِ دَارِ الإِسْلاَمِ فيما نحن فيه للمتمكِّنِ من الشراء منهم.
ونَخْتِمُ هذه الفُصُولَ بفروع: منها: وهو المذكور في الكتاب: ليس للغانم أن يُقْرِضَ ما أَخَذَهُ من الطَّعَامِ أو العَلَفِ من غير الغَانِمِينَ، أو يَبِيعَهُ، وإن فعل، فعلى مَنْ أَخَذَهُ رَدُّهُ إلى المَغْنَمِ، وإن أَقْرَضَهُ غَانِمًا آخر، ففيه وجهان:
أحدهما: أن للمقرض مُطَالَبَةَ المُسْتَقْرِضِ بِعَيْنِهِ، أو بِمِثْلِهِ ما داما في دَارِ الحَرْبِ؛ لأنه إذا أَخَذَ صار أَحَقّ به، ولم تَزُلْ يَدُهُ عنه إلا بِبَدَلٍ.
والثاني: وهو الذي ذكره الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ: أنه لا مُطَالَبَة، ولا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ؛ لأن المُسْتَقْرِضَ من أهل الاسْتِحْقَاقِ.
وأيضاً فإذا حَصَلَ في يَدِهِ، فكأنه أَخَذَهُ بنفسه.
والوجه الثاني أَصَحُّ عند الإِمام، ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الأول، وبه قال أكثرهم، وحَكَوهُ عن نَصِّهِ في سِيَرِ الوَاقِدِيِّ.
والوجهان مُتَّفِقَانِ على أنه لَيْسَ ذلك قَرْضًا مُحَقّقاً؛ لأن الآخِذَ لا يَمْلِكُ ما يَأْخُذُهُ حتى [يملكه] 1 لغيره، ولذلك قال صَاحِبُ الوَجْهِ الأول: إِنه يُطَالِبُهُ بِرَدِّ مثله من المَغْنَمِ لا من خَاصِّ مِلْكِهِ.
ولو رَدَّ عليه مَنْ خَالِصِ مِلْكِهِ لم يَأْخُذْهُ المقرض؛ لأن غَيْرَ المَمْلُوكِ لا يقابل المَمْلُوكَ، حتى لو لم يكن في المَغْنَمِ طَعَامٌ آخر تَسْقُطُ المطَالَبَةُ، وإذا ردّ من المَغْنَمِ صار الأَوَّلُ أَحَقَّ به؛ لحصوله في يَدِهِ.
وعلى الوجه الأَوَّلِ إذا دَخَلُوا دَارَ الإسْلاَم انْقَطَعَتْ حُقُوقُ الغانمين عن أطْعِمَةِ المَغْنَمِ، فيرد المُسْتَقْرِض على الإِمام.
وإذا دخلوَا دَارَ الإسْلاَمِ، وقد بقي عين المُسْتَقْرَضِ في يد المُسْتَقْرِضِ، بُنِيَ ذلك على أن البَاقِي من طَعَامِ المَغْنَمِ هل يجب رَدُّهُ إلى المَغنَمِ؟
إن قلنا: نعم.
رَدهُ إلى المَغنَمِ.
وإن قلنا: لا.
فإن جَعَلنَا لِلْقَرْضِ اعْتِبارًا، فيرده إلى المُقْرِضِ.
وإن قلنا: لا اعتبار له، فلا يَلْزَمُهُ شيء.
هذا ما يُوَافِقُ اخْتِيَارَ الشيخ أبي حَامِدٍ، لكن المَحْكِيَّ عنه هاهنا أنه يَرُدُّهُ إلى المُقْرِضِ.
ومنها: أنه لو بَاعَ الغَانِمُ ما أَخَذَهُ من غَانِمٍ آخر، فهذا إِبْدَالُ مُبَاحٍ بِمُبَاحٍ، وهو كإبدال الضَّيفَانِ لُقْمَةً بلُقْمَةٍ، وكل واحد منهما أَوْلى بما تَنَاوَلَه من يَدِ الآخر، ولو تَبَايَعَا صَاعًا بِصَاعَيْنِ لم يكنَ ذلك رِبًا؛ لأنه ليس بِمُعَاوَضَةٍ محققة 2، بل هو كما لو كان في
يد عَبْدِهِ طَعَامٌ فَتَبَايَعَا صَاعًا بِصَاعَيْنِ.
قال الإِمام: ومن جَعَلَ لِلْقَرْضِ اعْتِبَارًا يَلْزَمُهُ أن يجعل للبيع اعْتِبَارًا حتى يجب على الآخِذِ تَسْلِيمُ صَاعٍ إلى بَائِعِهِ.
وإن تَبَايَعَا صَاعًا بِصَاعَيْنِ، فإن سلم بَائِعُ الصَّاعِ الصَّاعَ لم يملك إلاَّ طَلَبَ صَاعٍ بسببها بالقَرْضِ، وإن سلم للآخر الصَّاعَيْنِ لم يطلب إلا صَاعًا، ويحمل الزَّائِدُ على البَذلِ والإيثار.
ومنها قَضِيَّةُ ما يكون المَأْخُوذُ مُبَاحاً للغانم غَيْرَ مملوك أنه لا يجوز له ألا يَأْكلَ طَعَامَهُ، ويصرف المَأْخُوذَ إلى حَاجَةٍ أخرى بَدَلاً من طَعَامِهِ، بخلاف مثله في الزكاة، كما لا يتصرف [الضيف] فيما قدم إليه بالأَكْلِ.
ومنها: قال الإمَامُ: إذا قَلَّ الطَّعَام واسْتَشْعَرَ قَائد الجُنْدِ الازْدِحَامَ والتَّنَازُعَ عليه، جعله تحت يده وَقَسَّمَهُ على المُحْتَاجِينَ على مِقْدَارِ الحَاجَاتِ، وله أن يمنع من مُزَاحَمَةِ أصحاب الحَاجَاتِ من معه ما يكفيه.
قال الغَزَالِيُّ: (وَالحُكْمُ الثَّانِي لِلغِنِيمَةِ) أنَّهُ يَسْقُطُ بِالإِعْرَاضِ قَبْلَ القِسْمَةِ وَلاَ يَسْقُطُ بَعْدَهَا وَهَلْ يَسْقُطُ بَعْدَ إِقْرَار الخُمُسِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ وَالظَّاهِرُ أنَّهُ يَسْقُطُ وَقَوْلُهُ: اخْتَرْتُ الغَنِيمَةَ هَلْ يَمْنَعهُ عَنِ الإعْرَاضِ بَعدَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَوْ أَعْرَضَ جَمْعُ الغَانِمِينَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى وَجْهٍ وَيَنْصَرِفُ إِلَى مَصْرَفِ الخُمُسِ عَلَى وَجْهٍ وَإعْرَاضُ ذَوِي القُرْبَى بِأجْمَعِهِمْ عَنْ سَهْمِهِمْ لاَ يَصِحُّ علَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ وَيَصِحُّ إِعْرَاضُ المُفْلِسِ وَإنْ أَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُون وَلاَ يَصِحُّ إِعْرَاضُ السَّفِيهِ وَلاَ يَصِحُّ إِعْرَاضُ الصَّبِيِّ إلاَّ إِذَا بَلَغَ قَبْلَ القِسْمَةِ وَلاَ يَصِحُّ إِعْرَاض العَبْدِ عَنِ الرَّضْخِ وَيصِحُّ إِعْرَاضُ سَيِّدِهِ وَفِي صِحَّةِ الإعْرَاضِ عَنِ السَّلَبِ وَالسَّالِبُ مُتَعَيَّنٌ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ومن أَحْكَام الغَنِيمَةِ أنه يَسْقُطُ حَقُّ الغَانِم بالإعْرَاض عن الغَنِيمَةِ، وتركها قبل القِسْمَةِ، ووجه بأنَ المَقْصُودَ الأَعْظَمَ في الجِهَادِ إعْلاَءُ الدِّينِ والذَّبِّ عن المِلّةِ، والغَنَائِمُ تابعة فمن أَعْرَضَ عنها فَقَدْ أَخْلَصَ بَعْضَ الإِخْلاَصِ وجرد قَصْدَهُ لِلْمَقْصَدِ الأَعْظَمِ، وأن الغنيمة لا يملكها الغانم قبل القِسْمَةِ، وإنما يملك أن يَتَمَلَّكَ، فَالحَقُّ فيه كَحق الشُّفْعَةِ، وفي هذا خِلاَفٌ سَيَأْتِي إن شاء الله تعالى على الأَثَرِ، وقد تركت التوْجِيهَ فيهما فيقال: إن لم يملك، فهو كَحَقِّ الشفْعَةِ، وإن ملك فما يَنْبَغِي أن يكون مُسْتَقِرًا، ليتمكن من تمحيض الجِهَادِ لِغَرَضِهِ الأعظم.
ولو قال أحدهم: وَهَبْتُ نَصِيبي من الغانمين، ففيه وجهان عن أبي إِسْحَاقَ: أنه يَصِحُّ، ويكون إِسْقَاطُهُ لِحَقِّهِ الثَّابِتِ له.
عن ابن أبي هُرَيْرَةَ أنه إن أراد الإسْقَاطَ فذاك، وإن أراد التَّمْلِيكَ لم يصح؛ لأنه مَجْهُولٌ، وهذا قوي.
وفي "الشَّامل": أن الأَصَحَّ الأَوَّلُ، وأما بعد القِسْمَةِ فَيَسْتقِرُّ المِلْكُ ويسقط
بالاعْرَاضِ؛ كسائر الأَمْلاَك، ولو أفرز الخمس، ولم يقسم الأخماس الأربعة بَعْدُ، ففي صِحَّةِ الإِعْرَاضِ وَجْهَانِ -ويقال: قولان:
الثاني فيهما مُخَرَّجٌ.
أصحهما: أنه يصح؛ لأن [إِفْرَازَ] 1 الخُمُسِ لا يعين حقّ الوَاحِدِ بالواحد من الغانمين [حقه منهم] فيلزمهم في حُقُوقِهِم على ما كانوا من قبله.
والثاني: ويُنْسَبُ إلى ابن سُرَيْج: أنه لا يَصِحُّ؛ لأن بِإفْرَازِ الخُمُسِ تَتَمَيَّزُ حُقُوقُهُمْ عن الجِهَاتِ المانعة 2، ويَصِيرُ الثاني لهم كَسَائِرِ الأموال المشتركة.
قال الإمَامُ: والذي أراه في تَنْزِيل القَوْلِ المُخَرَّج تَخْصِيصهُ بما إذا اسْتَقْسَمَ الغَانِمُونَ الإمَامَ، فإنه يُشْعِرُ باختيار التمَلُّكِ، وتَأْكِيدِ الحَقّ، دون ما اسْتَبَدَّ الإِمام بإفراز الخمس، فَإنهم لم يحدثوا ما يُشْعِرُ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ، ومن قال: اخترت الغَنِيمَةَ، هل يمنعه ذلك من الإِعْرَاضِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ فقد يتغير الرَّأيُ في الشَّيْءِ المَعْزُوم عليه، والاستقرار لا يحصل قبل القسمة.
والثاني: نعم -كما أن مَنْ له الخِيَارُ في العُقُودِ إذا اخْتَارَ أحد الطرفين لا يعدل إلى الآخر، ولَعَلَّ هذا أشْبَهُ، ولو أعرض الغَانِمُونَ بأجمعهم، ففي صِحَّةِ إِعْرَاضِهِمْ وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنا لو صَحَّحْنَا لَصَرَفْنَا حُقُوقَهُمْ إلى مَصَارِفِ الخُمُسِ، وليس لتلك المَصَارِفِ إلا الخُمُسُ على ما قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ...﴾ [الأنفال: 41] الآية.
وأَصَحُّهُمَا: وبه أجاب في "التهذيب" أنه يَصِحُّ ويصرف الأخماس الأربعة إلى مَصَارِفِ الخُمُسِ؛ لأن المَعْنَى المُصَحِّح لِلإعْرَاضِ يشمل الوَاحِدَ والجمع، وأما الخُمُسُ لما سوى ذَوِي القُرْبَى من مَصَارِفِهِ جهات عامة لا يفرض فيه إعْرَاضٌ، وفي صِحَّةِ إِعْرَاضِ ذَوِي القربى عن سَهْمِهِمْ وجهان:
أحدهما: يَصِحَّ كما يَصِحُّ إِعْرَاضُ الغَانِمِينَ.
وأظهرهما: على ما ذكره الإِمَامُ: المَنعُ، ووجه بأن سَهْمَهُمْ مِنْحَةٌ أثبتها الله -تعالى- لهم من [غير] 3 مُعَانَاةٍ وشهود وَقْعَةٍ، فليسوا كالغانمين الذين يحمل شهودهم
على إعْلاَءِ كلمة الله -تعالى- والمُفْلِسُ الذي حَجَرَ عليه القَاضِي لإحَاطَةِ الدُّيْونِ به، يصح إِعْرَاضُهُ؛ لأن اخْتِيَارَ التَّمَلُّكِ بِمَثَابَةِ ابْتِدَاءِ الاكْتِسَابِ؛ وليس على المُفْلِسِ الاكْتِسَابُ.
وأيضاً فالإعْرَاضٌ بِمحْضِ الجِهَادِ لِلدَّارِ الآخرة، والمُفْلِسْ فيه كغيره.
قال الإِمام: ولو كان الغَانِمُ سفِيهاً مَحْجُورًا عليه، ففي صِحَّةِ إِعْرَاضِهِ تَرَدُّدٌ، ولَعَلَّ الظَّاهِرَ أن حَقَّهُ يلزم وليس له إِسْقَاطُ المِلْكِ، أو إِسْقَاطُ حَقِّ المِلْكِ، فلو صار رَشِيدًا قبل القِسْمَةِ، وانْفَكَّ الحَجْرُ عنه، صَحَّ إعْرَاضُهُ، ولا يَصِحُّ إِعْرَاضُ الصَّبِيِّ عن الرَّضْخ، ولا إعراض الولي عنه، فإن بَلَغَ قبل القَسْمَةِ، صَحَّ إِعْرَاضهُ، ولا يَصِحُّ إعراض العبد 1 عن الرضخ، ويصح إعراض سيده فإنه حقه وهل يَصِحُّ إِعْرَاضُ السَّالِبِ عن السَّلَبِ؟.
فيه وجهان عن رِوَايَةِ الشَّيْخِ أبي محمد:
أحدهما: نعم كَإِعرَاضِ سائر الغَانِمِينَ عن الغَنِيمَةِ.
والثاني: لا؛ لأنه متعين عليه لتَعين الحِصَصِ بالقِسْمَةِ.
وأيضاً فإنه لما كان مُتَعَينًا كان شَبِيهًا بالوَارِثِ، وإلى هذا التَّوْجِيهِ أشار بقوله في الكتاب "والسالب متعين" وشَبَّهَ الإِمام هذا الخِلاَفَ بالخلاف في إِعْرَاضِ جميع الغانمين عن الغنيمة فإن جُمْلَةَ المَغْنُومِ مُتَعَيِّنَةَ لهم، وقد يرجّح الثاني، وُيؤَيِّدهُ ظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَتَلَ قَتيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ" 2.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الغَنِيمَةِ قُدِّرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَقُسِّمَ عَلَى البَاقِينَ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلاثُ مسائل:
إحداها: الصحيح أن من أعرض عن الغنيمة يقدر، كأنه لم يحضر مع القَوْمِ، ويُقَسَّمُ المَالُ خُمُسًا وأَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ، وفيه وجه: أن نَصِيبَ المُعْرِض يضم إلى الخُمُسِ؛ لأن المَغَانِمَ في الأَصْلِ لله -تعالى- على ما قال تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 1] فمن أعرض رجعت حِصَّتُهُ إلى أصلها، فيجوز أن يُعَلَّمَ لهذا قوله: "على الباقين" بالواو، والمراد بالبَاقِي بَاقِي المُسْتحقّ، لا باقي الغانمين.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الإعْرَاضِ قَامَ الوَارِث مَقَامَهُ وَمِنْ هَذَا نَشَأ خِلاَفٌ فِي المُلْكِ فَفِي قَوْلٍ لاَ تُمْلَكُ الغَنِيمَةُ إلاَّ بِالْقِسْمَةِ وَفِي قَوْلٍ: تُمْلَكُ بِالاسْتِيلاَءِ مِلْكًا ضَعِيفًا
ويَسْقُطُ بِالإعْرَاضِ وَفِي قَوْلٍ هُوَ مَوْقُوفٌ إِلَى القِسْمَةِ وَالإعْرَاضِ.
قال الرافِعي: إذا مَاتَ وَاحِدٌ من الغانمين، ولم يعرض، انْتَقَلَ حَقُّهُ إلى الوَرَثَةِ؛ لأنه ثَبَثَ له مِلْكٌ، أو حَقُّ ملك، وَكُل موروث إن شَاءُوا أَعْرَضُوا، وإن شَاءُوا طلبوا.
الثالثة: هل يملك الغَانِمُونَ الغَنِيمَةَ قبل القِسْمَةِ؟ فيه ثلاثة أوجه جمعها صاحب "التقريب":
أظهرها: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه لا مِلْكَ لهم قبل القِسْمَةِ، وإنما يملكون أن يملكوا بدليل صِحَّةِ الإِعْرَاض، كما شاءوا, ولو مَلَكُوا بالاسْتِيلاَءِ لما سَقَطَ مِلْكُهُمْ بالإِعْرَاضِ، كملك من احْتَشَّ أو احْتَطَبَ.
وأيضاً فالإمام أن يَخُصُّ كُلَّ طَائِفةٍ بِنَوْعٍ من المال، ولو مَلَكُوا لم يَجُزْ إبْطَال حَقِّهِمْ عن بعض الأنْوَاعِ بغير اختيارهم.
والثاني: يملكون [بالحِيَازَةِ] 1 والاسْتِيلاَءِ التَّامِّ؛ لأن الاسْتِيلاَءَ على ما ليس بِمَعْصُومٍ بين الأموال سَبَبٌ لِلْملْكِ، وأيضاً فإن مِلْكَ الكافر يَزُولُ بالاسْتِيلاَءِ، ولو لم يملكها المُسْلِمُونَ لكان ذلك مِلْكاً لا مَالِكَ له.
نعم هو مِلْكٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بالإعراض، ولذلك نقول: لا تَجِبُ الزَّكَاةُ فيه مِثْلَ اخْتيَارِ التَّمَلُّكِ على الأظهر.
والثالث: أن مِلْكَهُم مَوْقُوفٌ إن سلمت الغنيمة إلى أن اقتسموا بَانَ أنهم مَلَكُوهَا بِالاسْتيَلاء, إلا فإن تَلِفَتْ أو أعرضوا تَبَيَّنَّا عَدَمَ المِلْكِ، ووجه بأن قَصْدَ الاسْتِيلاَءَ على المال لا يَتَحَقَّقُ إلا بالقِسْمَةِ؛ لما سَبَقَ أن المَالَ تَابِعٌ في الجهاد، والغَرَضُ الأَصْلِيُّ إِعْلاءُ كلمة الله -تعالى- فإذا اقْتَسَمُوا تبينا قَصْدَ التملك بالاسْتيلاَءِ، فَتَبَيَّنَ حصولُ المِلْكِ.
قال الإِمام -رحمه الله-: وإذا قُلْنَا بالوَقْفِ فلا نقول: تبين بالقِسْمَةِ أن حِصَّة كل واحد من الغَانِمِينَ على التعيين صارت مِلْكاً بالاستيلاء، ولكن نقول: إذا اقْتَسَمُوا تبينَّا أنهم مَلَكُوا الغَنَائِمَ أَوَّلاً مِلْكاً مَشَاعًا، ثم بالقِسْمَةِ تَتَمَيَّزُ الحِصَصُ وعن رواية صاحب "التقريب" وَجْهٌ بَعِيدٌ أنه يتبين بالقِسْمَةِ أن كُلَّ وَاحِدٍ منهم مَلَكَ حِصَّتَهُ على التعيين.
وقوله في الكتاب: "ومن هذا نَشَأَ الخِلاَفُ في المِلْكِ" يعني في الصُّورَتَيْنِ المذكورتين من قبل، وهو أنه يَجُوزُ الإعْرَاضُ، وأنه إذا مات قام وَارِثُ الغَانِم مَقَامَهُ وأن جَوَازَ الإِعْرَاضِ قبل القِسْمَةِ يَدُلُّ على عَدَم المِلْكِ حينئذ، واحتج بقيام الوَارِثِ مَقَامَهُ على ثُبُوتِ المِلْكِ، إلاَّ أن هذا الاحْتِجَاجَ لا يَتَّضِح؛ لأن حَقَّ المِلْك مَوْرُوثٌ لحقيقة
المِلْك، وتَسَاهَلَ صَاحِب الكتاب في التعيين عن الخِلاَفِ بالأَقْوَالِ، والمشهور الوجوه.
ونختم الفَصْلَ بفائدتين:
إحداهما: في كلام الأَصْحَاب تصريح بأن الغَانِمِينَ، وإن لم يملكوا الغَنَائِمَ، فمن قال منهم: اخترت مِلْكَ نصيبي منَ الغنيمة ملكه، وقد بَيَّنَّا ذلك في "كتاب الزكاة" عند ذكر الزَّكَاةِ في الغنيمة، وإذا كان كذلك، فالاعْتِبَارُ باخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ لا بالقسمة، إنما يعتبر لتضمنها اختيار التملك، وَيتَأيَّدُ هذا الوَجْهُ الذي فسر أنه إذا اختارا الغَنِيمَةَ لا يَصِحُّ الأعراض بعده.
والثانية: ذكر هاهنا، وفي "الزكاة" أن للإمام أن يُقَسِّمَ [الغَنِيمَةَ] 1 قسمة تحكم، فيخصّ بعضهم ببعض الأَنْوَاعِ، وببعض الأَعْيَانِ، وحينئذ فإذا قلنا: إن المِلْكَ يَسْتَقِرُّ بالقِسْمَةِ، فيريد به غَالِبَ الأمْرِ، وهو ما إذا رَضِيَ الغَانِمُ بالقِسْمَةِ وقبل ما عَيَّنَه الإِمام.
فأما إذا أعرض ورد، فينبغي أن يَجُوزَ له ذلك.
وذكر صاحب "التهذيب" خِلاَفًا في هذه الصورة، فقال: إذا أَفْرَزَ الإِمام الخُمُسَ وأفرز نَصِيبَ كُلِّ واحد منهم أو أفرز لكل طَائِفَةٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، فهل يَمْلِكُونَ قبل اختيار التَّمَلُّكِ؟.
فيه وجهان:
الأصح أنهم لا يَمْلِكُونَ حتى لو تَرَكَ بعضَهم حَقَّهُ، ينزل إلى الباقين.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الأَقْوَالِ مَسَائِلُ: (الأُولَى) أنَّهُ لَوْ وَقَعَ في المَغْنَم بَعْضُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى الغَانِمِينَ لَمْ يُعْتَقْ حِصَّتُهُ مَا لَمْ يَقَعْ فِي حِصَّتِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنِ الإعْرَاضِ وَلَو اسْتَوْلَدَ جَارِيةً وَقُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ فَلاَ حَدَّ وَلاَ يَنْفُذُ الاِسْتِيلادُ فِي نَصِيبِهِ فَإنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ فَفِي نُفُوذِهِ فِي حِصَّتِهِ وَجْهَانِ وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا يَمْلِكُ لِضَعْفِ المِلْكِ نَفَذَ وَإنْ قُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ فَقَوْلاَنِ كَاسْتِيلاَدِ الأَبِ جَاريةَ الابْنِ وَمِنْ هَذَا خُرِّجَ قَوْلٌ فِي أَنَّ نَصِيبَهُ مِنَ القَرِيب يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَإِنْ نَفَذَ فِي نَصِيبِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الغَنِيمَةِ أَوْ لِغَيْرِهِ سَرَى وَالوَلَدُ حُرٌّ (ح) جَمِيعُهُ وَفِي وُجُوب حِصَّةِ غَيْرِهِ مِنْ قِيمَةِ الوَلَدِ قَوْلاَنِ بَنَاءً عَلَى أنَّهُ يَنْتَقِلُ المِلْكُ إِلَيْهِ قُبَيْلَ العُلُوقِ أو بَعْدَهُ كَمَا فِي الجَارَيةِ المُشْتَرَكَةِ وَوَلَدُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ حُرٌّ وَنَسِيبٌ (ح) وَلَكِنْ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَوَقَفَ الاسْتِيْلاَدُ عَلَى بَعْضِهِ فَيُعْتَقُ جَمِيعُ الوَلَدِ أَوْ بَعْضُهُ فيهِ خِلاَفٌ وَيَجْرِي فِي وَلَدِ الجَارِيَةِ المُشْتَرَكةِ لَكِنَّ الأَظْهَرَ أَنَّ الشَّركَةَ شُبْهَةٌ تَوجِبُ حُرِّيَّةَ الوَلَدِ نَعَمْ مَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ وَنصْفُهَا رَقِيقٌ فَوَلَدُهَا يَتَبَعَّضُ فِي الرِّقِّ إِذْ لاَ شُبْهَةَ وَأَمَّا الحَدُّ فَلاَ يَجِبُ وَالمَهْرُ يَجِبُ جَمِيعهُ إِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لاَ مِلْكُ لَهُ وَيُوضَعُ
في المَغْنَمِ وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ حُطَّ عَنْهُ قَدْر حِصَّتِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ذكر في "الوسيط" مفرّعًا على الخِلاَفِ المذكور في مِلْكِ القِسْمَةِ ثلاث مسائل:
إحداها: فيما إذا سَرَقَ بَعْضُ الغانمين من الغنيمة.
والثانية: فيما إذا وَقَعَ في المَغْنَمِ بَعْضُ من يعتق على بعضهم.
والثالثة: فيما إذا وَطِئَ بَعْضُهُم جَارِيَةٌ من المَغْنَم واسْتَوْلَدَهَا وهاهنا ذكر أنه يَتَفَرَّعُ على الأقوال مَسَائِل الأولى كذا لكنه لم يعقب الأولى بثانية وثالثة بل أهمل الأُولَى، وأَخْلَطَ الكلام في عِتْقِ القريب بالاسْتِيلاَدِ، ويمكن تَنْزِيلُ المَسَائِلِ على غير ما رتب في "الوسيط" وحملها على صوَرِ الكتاب، وإن لم يَتَلَفَّظْ بالثانية والثالثة، ونحن نُورِدُ فِقْهَ المَسَائِلِ الثلاث مُتَوَجِّهِينَ للاخْتِصَارِ:
أما الأولى: فإذا سَرَقَ أحَدُ الغانمين من مَالِ الغَنِيمَةِ قبل إفْرَازِ القِسْمَةِ، لم يقطع حُرًّا كان أو عَبْدًا؛ لأن له في خُمُسِ الخُمُسِ حَقًّا, ولأن له في الأَخْمَاسِ الأَرْبَعَةِ حَقًّا، وإن أَفْرَزَ الخمس، فإن سرق منه لم يُقْطَعْ أيضاً للمعنى الأَوَّلِ، وإن سَرَقَ من الأَخْمَاسِ الأربعة، فإن سَرَقَ قَدْرَ نَصِيبِهِ أو أَقَلَّ أو أكثر لكنه لم تبلغ الزِّيَادَةُ نِصَاباً لم يُقْطَعْ، وإن بَلَغَتْ فوجهان:
أحدهما: أنه يُقْطَعُ، وهذا الوجه ذَكَرْنَاهُ في أن أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذا سَرَقَ من المَالِ المشترك ما يَزِيدُ على نَصِيبِهِ بِنِصَابٍ يُقْطَعُ.
وأظهرهما: أنه لا يُقْطَع، وإن حكمنا هناك بالقَطْع؛ لأن حَقَّ كل واحد من الغانمين [متَعَلِّقٌ بجميع المَغْنَمِ؛ لأنه يجوز أن يعرض الباقون] 1 فيكون الكُلُّ له، وعلى كُلِّ حال فيسترد المسروق إن كان بَاقِيًا، وبَدَلَهُ إن كان تَالِفًا، ويجعل في الغَنِيمَةِ، ومن غَلَّ في الغنيمة من الغانمين عُزِّرَ، والذي رَوَى أن رَجُلاً غَلَّ في الغَنِيمَةِ فَأحْرَق النبي -صلى الله عليه وسلم- رِجْلَهُ.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: لو صَحَّ لَقُلْتُ 2 به، ويريد أنه لم تظهر صِحَّتُهُ، وبتقدير الصِّحَّةِ فقد حمل على أنه كان ذلك في مَبْدَأ الأمر، ثم نُسِخَ، وإن سرق غير الغانمين، نُظِرَ إن كان له في الغَانِمِينَ وَلَدٌ أو والد أو عبد، فهو كسرقة الغَانِم، وإلا فإن سَرَقَ قبل إِفْرَازِ الخُمُسِ، فهو كما لو سَرَقَ مَالَ بَيْتِ المال؛ لأن فيه مالاً لبيت المال
وإن سرق بعد إفْرَازِ الخُمُسِ، فإن سرق من الأَخْمَاسِ الأربعة قُطِعَ، وإن سرق من الخمس قَبْلَ أن يخرج خُمُسُهُ، أو سرق من خُمُسِ المصالح بعد إِفْرَازِهِ، فهو كَسَرِقَةِ مَالِ بَيْتِ المال، وإن سَرَقَ من أربعة أخماسه، لم يُقْطَعْ، إن كان من أَهْلِ اسْتِحْقَاقِهَا، وإلا فوجهان:
أظهرهما: القَطْعُ.
ووجه الآخر: أَنه يَجُوزُ أن يَصِيرَ من أَهْلِ اسْتِحْقَاقِهَا.
وأما المَسْأَلَتَانِ الأخريان [فالرَّأْي] 1 أن نذكر مَسْأَلَةَ الوَطْءِ والاستيلاد، ثم مسألة عِتْقِ القريب، وكذلك وَقَعَتَا في كلام الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- فإذا وَطِئَ أَحَدُ الغانمين جَارِيةً من الغنيمة قبل القسْمَةِ، فلا حَدَّ عليه خِلاَفًا لمالك، ويُوَافِقُهُ قَوْلٌ قديم مَذْكُورٌ في وَطْءِ أَحَدِ الشريكين الجَارِيَةَ المشتركة.
ووجه المذهب أن له فيها مِلْكًا أو شُبْهَةَ مِلْكٍ، فيدفع الحد، كما في وَطْءِ الأَبِ جَارَيةَ الابْنِ، وُيعَزَّرُ إن كان عَالِماً بالتحريم، وإن كان جاهلاً لِقُرْبِ عَهْدِهِ بالإسْلاَمِ، فينهى عنه ويُعَرَّفُ الحُكْمُ، وإذا لم يتعلق به الحَدُّ، فيتعلق به المَهْرُ، وينظر إن كان الغَانِمُونَ مَحْصُورِينَ يَتَيَسَّرُ ضَبْطُهُمْ، فقد ذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ والإمام أن حُكْمَ المَهْرِ يُبْنَى على الخِلاَفِ في أن الغَنِيمَةَ هل تُمْلَكُ قبل القِسْمَةِ؟.
إن قلنا: لا، فعليه تَمَامُ مَهْرِ المِثْلِ، يؤخذ ويجعل من المَغْنَمِ، ويقسم كما تُقَسَّمُ الغنيمة.
وإن قلنا: إن كُلَّ واحد يَمْلِكُ بقدر حِصَّتِهِ غُرِّمَ من المَهْرِ حِصَّةَ الخُمُسِ، وحِصَّةَ غيره من الغَانِمِينَ، ويَسْقُطُ منه حِصَّتُهُ.
وهذا هو المَنْصُوصُ، وظاهر المَذْهَب، لا من جهة الأَصْلِ المذكور، فقد ذكرنا أن الظَّاهِرَ أن الغَنِيمَةَ لا تملك قبل القِسْمَةِ، ولكنه يوجه بأنه وَطِئَ في غير مِلْكٍ سقط فيه الحَدُّ، ويجب المَهْرُ كَوَطْءِ الأب جَارَيةَ الابن، وإنما يَسْقُطُ قِسْطُهُ؛ لأن المَهْرَ مَقْسُومٌ كالغَنِيمَةِ، فلا معنى لأخذ قِسْطِهِ، وردّه عليه.
قال الإِمام: وقَضِيَّةُ الوَجْهِ الذي نقله صاحب "التقريب" أن مَنْ وَقَعَ في حِصَّتِهِ شَيْءٌ من المَغْنَم تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مَالِكًا ذلك الشيء أن يقال: إن وقعت الجَارَيةُ في حِصَّةِ غير الوَاطِئِ، فعليه تَمَامُ المَهْرِ، وإن وقعت في حِصَّةِ الوَاطِئ [فلا شيء عليه] وقد حكاه القاضي ابْنُ كَجٍّ قولاً عن رِوَايَةِ أبي الحُسَيْنِ، والظاهر ما سَبَقَ، وجعلوا صَيْرُورَتَهَا له بِمَثَابَةِ ما إذا وَطِئَ جَارَيةَ غَيْرِهِ، ثم ملكها بشراء أو غيره، فإن كان الغانمون غَيْرَ مَحْصُورينَ، فالمراد أن يعسر ضَبْطُهُمْ لكثرتهم، نظر إن أَفْرَزَ الإِمَامُ الخُمُسَ، وعَيَّنَ لكل طَائِفَةٍ شَيْئاً، وكانت الجَارِيةُ مُعَيَّنةَ لجماعة مَحْصُورِينَ، فإن وَطِئَ بعدما اخْتَارُوا
تَمَلُّكَهَا، فإذا وَطْءُ الجارية المشتركة، فَيُغَرَّمُ من المَهْرِ قِسْطَ شركائه، وإن وَطِئَ قبل اخْتِيَارِهِمْ التَّمَلُّكَ فقد قيل: إنه كما بعد اختياره، والظَّاهِرُ أن الحكم كما ذكرنا فيما إذا كانوا مَحْصُورينَ في الأَصْلِ، إلا أنه لا يُخَمَّسُ المَهْرُ هاهنا, ولكن يُوَزَّع عليهم، فيسقط قِسطُ الوَاطِئِ، وبجب قِسْطُ البَاقِينَ، وإن لم يُفْرُزِ الإِمَامُ، ولا عَيَّنَ شيئاً، فَيُؤْخَذُ من الوَاطِئِ جَمِيعُ المَهْرِ، ويضم إلى المَغْنَمِ، ويقسم بين الكل، فَتَعُودُ إلى الوَاطِئِ حَصَّتُهُ، ولا يُكَلَّفُ الإِمَامُ أَن يَضْبِطَهُمْ، ويعرف حصّته؛ لما فيه من المَشَقَّةِ، بخلاف ما إذا كانوا مَحْصُورِينَ وسهل الضبط، فلا نقول: يُؤْخَذُ أَو يُرَدُّ.
قال الإِمام: وليكن هذا الذي ذكره الأَصْحَابُ مَخْصُوصًا لما إذا طَابَتْ نَفْسُ الوَاطِئِ بأن يُغَرَّمَ جَمِيعَ المَهْرِ، فإن قال: أسقطوا قدر حِصَّتِي، فلا بد أن يجاب 1 [فإن تَيَسَّرَ الضَّبْطُ فذاك، وإلا فَيُؤْخَذُ المتيقن، ويُتوَقَّفُ في المشكوك فيه؛ هذا كله فيما إذا خَلاَ الوَطْءُ عن الإِحْبَالِ] 2 أما إذا أَحْبَلَهَا فَحُكْمُ المَهْرِ والحَدِّ كما بَيَّنَّا، وَيزْدَادُ النَّظَرُ في أمور:
منها: الاسْتِيلاَدُ، ولنتكلم في المُوسِرِ، ثم في المُعْسِرِ.
أما المُوسِرُ ففي الاسْتيلاَدِ في نَصِيبِهِ طريقان:
أحدهما: عن صاحب "التقريب".
أما إذا قلنا: إن الغَانِمِينَ لا يَمْلِكُونَ قبل القِسْمَةِ، فلا يَنْفُذُ؛ لأن وَطْئَهُ أيضًا لم يُصَادِفِ المِلْكَ.
وإن قلنا: يَمْلِكُونَ -ففي نُفُوذِ الاسْتِيلاَدِ وَجْهَان؛ لأنه مِلْكٌ ضَعِيفٌ، وقرب الوجهان لِضَعْفِ المِلْكِ من الوجهين في نُفُوذِ اسْتِيلاَدِ المشتري، في زَمَانِ الخيار، إذا حَكَمْنَا بِثُبُوتِ المِلْكِ.
والطريق الثاني: أنا إذا قُلْنا يَتَرَتَّبُ المِلْكُ قَطَعْنَا بنفوذ الاسْتِيلاَدِ، وإلاَّ فقولان كالقَوْلَيْنِ في استيلاد الأَب جَارِيةَ الابن، وقد ترَتَّبَ، فجعل هذه الصُّورَةَ أَوْلَى بنفوذ 3 الاسْتِيلاَدِ؛ لأن حَقَّ الأُمِّ أَقْوَى من حَقِّ سَائِرِ الغَانِمِينَ، وحَقُّ الأب أَضْعَفُ من حَقِّ الغانم الوَاطِئِ.
ويخرج من الطريقين إذا اخْتصرت قَوْلاَنِ، أو وجهان في نفوذ الاسْتِيلاَدِ في نَصِيبِهِ.
ويحكى المَنْعُ عن ابن أبي هُرَيْرَةَ، وهو الذي يُوجَدُ في كُتُبِ العراقيين وكثير من الأَصْحَابِ.
وإذا قيل به فلو مَلَكَ الجَارِيةَ بالوُقُوع في سَهمِهِ، أو مَلَكَهَا بِسَبَبٍ آخر يوماً، ففي نُفُوذِ الاسْتيلاَدِ حينئذ قولان يَطَّرِدَانِ في نَظَاَئِرِهِ، والظاهر المَنْصُوصُ أنهَ يَنْفُذُ، وهو الذي رَجَّحَهُ الإِمَامُ، ولم يُورِدْ في "التهذيب" غيره.
وعن "الحاوي": أنهم إن كَانُوا مَحْصُورِينَ، ولم يَغْنَموا غير تلك الجَارِيةِ، فَيُقْطَعُ بنفوذ الاسْتِيلاَدِ فِي حِصَّتِهِ منها، بخلاف ما إذا كان في الغَنِيمَةِ غيرها، فإنه يحتمل أن يَجْعَلَ الإمَامُ الجَارَيةَ لغيره، وإذا نَفَذَ الاسْتِيلاَدُ في نَصِيبِهِ سَرَى لِيَسَارِهِ إلى البَاقِي، وتحصل السِّرَايَةِ بِنَفْسِ العُلُوقِ، أم بأداء قيمة نَصِيب الشريك؟ فيه قولان وموضع شرحها "كتاب العِتْقِ".
ورأى الإِمام التفريع هاهنا على حُصُولِ السِّرَايَةِ في الحال، وذكر الإِمَامُ، وَصَاحِبُ الكتاب أن يَسَارَ الوَاطِئِ كما يَحْصُلُ بِيَسَارِ الأموال، يَحْصُلُ بِحِصَّتِهِ من المَغْنَم، إذا كانوا قد غَنِمُوا غير تلك الجَارِيَةِ، فان لم تَفِ حصَتَه من غير تلك الجَارِيَةِ بقيمة الجارية حَصَلَتِ السِّرَايَةُ بمقدار حِصَّتِهِ، وكان يجوز أن يخرج ذلك على أن المِلْكَ في الغَنِيمَةِ هل يَحْصُلُ قبل القِسْمَةِ؟.
إن قلنا: لا مِلْكَ، فينبغي ألاَّ يجعل مُوسِرًا بحصته، ويؤيده أن الإِمام ذكر أن الحُكْمَ بغِنَاهُ مَوْقُوفٌ على ألاَّ يعرض وَيَسْتَقِرّ مِلْكُهُ، فإن أعرض تبينا أنه لم يَكُنْ غَنِيًا، ولا نقول: إن حَقَّ الرَّايَةِ يَلْزَمُهُ اختيار المِلْكِ، فإن الاخْتِيَارَ بِمَثَابَةِ ابتداء الأكْسَاب 1، ومهما حَكَمْنَا بِثبُوتِ الاسْتِيلاَد، إما في الحال، أو بعد وقوعه في حِصَّتِهِ، فعليه القَيمَةُ.
ثم هو في سُقُوطِ حِصَّتِهِ، وأَخْذِ الجميع بِحَسَبِ انحصار القوم، وعدم انحصارهم على ما ذكرنا في المَهْرِ، وإن لم يُحْكَمْ بالاسْتيلادِ، فَإِنْ تأخرت القِسْمَةِ حتى وَضَعَتْ.
قال ابْنُ سُرَيْجٍ -رحمه الله-: نجعل الجَارِيةَ في المَغْنَمِ، وتدخل في القِسْمَةِ، فإن دخلها نَقْصٌ بالوِلاَدَة، فعليه الأَرْشُ، وقبل الوضع الجارية [حامل بحر] 2 لما سنذكر أن الوَلَدَ حُرٌّ.
وبيع مثل هذه الجَارَيةِ لاَ يَصِحُّ على المَذْهَب كَمَا مَرَّ في "البيع" وإذا جعلنا القِسمَةَ بَيْعاً لم يَكُنْ إدخالها في القِسْمَةِ.
فعن صاحب "التقريب": أنه يحتمل أن تسلم الجَارِيَةُ إليه بحصته إذا كانت حِصَّتُهُ فوق قيمتها [أو أكثر، وقيل: تؤخذ قيمتها وتلقى] 3 في المغنم؛ لأنه بالإِحْبَالِ حَالَ بينها وبين الغَانِمِينَ بَيْعًا وقِسْمَةً.
وأَبْدَى الإِمام احتمالين آخرين:
أحدهما: أن تُوَقَفَ الجَارِيةُ إلى أن تَلِدَ، ثم تُلْقَى في الغنيمة.
والثاني: أن تُلْقَى في المَغْنَم، ويجوز القِسْمَةُ، وإن كانت حَامِلاً وهو الأَظْهَرُ، إذا جعلنا القِسْمَةَ إِفْرازًا وعَبَّرَ [معبرون] 1 عما ذكرنا من الخِلاَفِ في القِسْمَةِ بأن قالوا: هل تُقَوَّمُ هذه الجَارَيةُ عليه، أو تُتْرَكُ في المَغْنَمِ، وتُقَسَّمُ بين الغانمين؟ فيه طريقان قال أكثرهم: يُبْنَى على ثُبُوتِ الاسْتيلاَدِ [وعدمه] 2، فإن أَثْبَتْنَا الاستيلاَدَ أَوْجَبْنَا القِيمَةَ، وإلا فلا.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أنها تُقَوَّمُ عليه، سواء أَثْبَتْنَاهُ أو لم نثبته؛ لأنه بالإِحْبَالِ منع من البيع والقِسْمَةِ.
هذا حكم المُوسِرِ.
وأما المُعْسِرُ فينظر إن كان الجُنْدُ مَحْصُورِينَ، أو غَيْرَ محصورين وأفرد الإِمَامُ الجَارِيَةَ لِطَائِفَةٍ منهم، ففي ثُبُوتِ الاستيلاد في حِصَّتِهِ الخِلاَف المذكور في ثُبُوتِهِ في حِصَّةِ المُوسِرِ، فإن 3 أثبتناه فلا سِرَايَةَ هاهنا، وإن كان غَيْرَ مَحْصُورِينَ، ولم تفرز الجارية، فلا يُحْكَمْ بالاسْتِيلاَدِ في الحال، فإن وقعت بالآخرة في حِصَّةِ الوَاطِئِ ثبت الاسْتِيلاَدُ حينئذ، وان صار بعضها له ثَبَتَ في ذلك البَعْضُ -ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
ومنها الوَلَدُ حُرٌّ ونَسِيبٌ وبه قال أحمد، خِلاَفًا لأبي حَنيِفَةَ، حيث قال: بقي النَّسَب وَالحُرَّيَّة.
لنا؛ إنه مالك بحِصَّتِهِ فيها في الحال، فَأشْبَهَ أَحَدَ الشريكين يَطَأُ الجَارِيةَ المشتركة، أو غير مالك، ولكنَ له شُبْهَةُ المِلْكِ، وحق التملك فليكن وَطؤهُ كَوَطْءِ الأب جَارِيَةَ الابْنِ، وهل يَجِبُ عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؟
فيه خِلاَفٌ مَبنِيٌّ عندنا على أن الجَارِيةَ هل تُقَوَّمُ عليه؟.
إن قلنا: نعم -لم يَلْزَمهُ قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنها في مِلْكِهِ، حين وضعت الولد.
وإن قلنا: لا -لَزِمْتُهُ؛ لأنه منع من رقّه بِوَطْئِهِ، وشبهه مُشَبِّهُونَ بالخلاف في وُجُوب قِيمَةِ الولد إذا وَطِئَ أَحَدُ الشريكين الجَارَيةِ المشتركة، وهو مُوسِرٌ، ثم منهم من بَنَى الَخِلاَفَ فيها على أن المِلْكَ يَحْصُلُ لِلْمُسْتَوْلِدِ قبل 4 العَلُوق، أو يَنْتَقِلُ إليه مع العلوق أو بعده، وهذا أَصْلٌ سَبَقَ، وقد ذكر مثله في اسْتِيلاَدِ الأَب جَارِيَةَ الابْنِ، ثم حُكْمُ قِيمَةِ الوَلَدِ حُكْمُ المَهْرِ، وقيمة الجارية وقد بَيَّنَّاه، هذا إذا كانَ الوَاطِئُ مُوسِرًا.
وثبت الاسْتِيلاَدُ في جَمِيعِ الجَارَيةِ.
أما إذا كان مُعْسِرًا وثبت الاسْتِيلاَدُ في حِصَّتِهِ، ولم يسر فيخلق الولد حُرًّا كُلُّهُ، أو الحر منه قدر حِصَّتِهِ، والباقي رَقِيقٌ فيه؟ وجهان أو قولان:
أحدهما: أن كُلَّهُ حُرٌّ؛ لأن الشُّبْهَةَ تَعُمُّ الجَارِيةَ، وحرية الولد تَثْبُتُ بالشُّبْهَةِ، وإن لم يثبت الاستيلاد، ولهذ لو وَطِئَ جَارِيَةَ الغَيْر على ظَنِّ أنها جَارِيتُهُ، أو زوجته يَنْعَقِدُ الوَلَدُ حُرًّا، وإن لم يثبت إلاستيلاد..
والثاني: أن الحُرَّ منه قَدْر حِصَّتِهِ، وليس كالوَطْءِ بالشبهة فإن الشُّبْهَةَ [نَاشِئَةٌ] 1 من الظَّنِّ غير مُتَبَغضٍ، والشُّبْهَةُ هاهنا من جِهَةِ اسْتِحْقَاقِ المُسْتَوْلَدَةِ مِلْكًا أو وِلاَيَةَ مِلْكٍ، وهو مُتَبَعِّضٌ.
وعَبَّرَ بَعْضُهُم عن هذا الخِلاَفِ بأن قال: البَاقِي من الولد هل يُقَوَّمُ عليه مع إِعْسَارِه؟ فيه وجهان:
وإذا قلنا: لا يُعْتَقُ من الوَلَدِ إِلاَّ قَدْرُ حِصَّتِهِ من الأُمِّ، فلو ملك باقي الجَارِيَةِ من بعد بقي الرِّقُّ فيه؛ لأنها عَلَقَتْ بِرَقِيقٍ في غير الملك.
وإن قلنا: إن جميعه حُرٌّ، ففي ثُبُوتِ الاسْتِيلاَدِ في باقيها إذا مَلَكَهُ قَوْلاَن؛ لأنه أَوْلَدَهَا حُرًّا في غَيْرِ المِلْكِ، والخِلاَفُ في أنه هل تَتَبَعَّضُ حُرِّيَّةُ الوَلَدِ جار فيما إذا أَوْلَدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الجَارِيةَ المُشْتَرِكَةَ، وهو مُوسِرٌ.
فإن قلنا: إن جميعه حُرٌّ فعلى المُسْتَوْلِدِ قِيمَةُ 2 حِصَّةِ الشُّرَكَاءِ من الولد، وهذا أَظْهَرُ الوَجْهَيْنِ على ما ذكره القاضي الرُّوَيانِيُّ، ورواه عن القاضي الطَّبَرِيِّ وغيره.
وقوله في الكتاب: "لكن الأَظْهَرَ أن الشَّرِكَةَ شُبْهَةٌ تُوجِبُ حُرِّيَّةَ الولد" يشعر بِتَخْصِيصِ التَّرْجِيحِ بصورة الشَّرِكَةِ، وبأن الأَظْهَرَ في استيلاد أحد الغانمين التَّبْعِيضُ.
والأشبه أنه لاَ فَرْقَ بين الصُّورَتَيْنِ، وفي كلام الإمَامِ ما يَدُلُّ على تَرْجِيح حُرِّيَّتِهِ فيهما.
ورجّح في "التهذيب" التَّبْعِيض فيما يُقَارِبُ هذه الصورة، وقرب الخلاف في الصورتين من الخِلاَفِ في أن الإِمام، هل يجوز أن يَرُقَّ من الأَسِيرِ بعضه؟
وقد مَرَّ، وسُئِلَ القاضي حسين عمن أَوْلَدَ نِصْفُهَا حُرٌّ، ونصْفُهَا رقيق، بنكاح أو زنا، كيف حَالُ الوَلَدِ؟
فقال: يمكن أن يُخَرَّجَ على ذلك الوجهان في وَلَدِ الجارية المشتركة بين الشريك المُعْسِرِ، ثم اسْتَقَرَّ جوابه على أنه كالأم حُرِّيَّةً وَرِقّاً، وهذا هو الوَجْهُ؛ لأنه لا سَبَبَ لِحُرِّيَّتهِ، إلاَّ حرية الأم، فَتَتَقَدَّرُ بتقدر حُرِّيَّتِهَا, وليس كالجَارِيَةِ المشتركة، فإن الشَّرِكَةَ قد تظن شبهة عامة في الجَارَيةِ، وكذا شُبْهَةُ الاستِحْقَاقِ.
واعلم أن ما ذَكَرْنَا من ثُبُوتِ
الاسْتِيلاَدِ في حِصَّةِ المُعْسِرِ، والخلاف في حال الوَلَدِ مَوْضِعُهُ ما إذا انحصر المُسْتَحِقُّونَ، فإن كانوا غير مُنْحصِرِينَ، ففي "التهذيب" أنا إذا قلنا عند الانْحِصَارِ: كُلُّ الولد حُرٌّ فيؤخذ منه قيمته، وتوضع في المَغْنَمِ، ويقسم 1 على الكل.
وإن قلنا: إن هناك الحُرّ قَدْر حِصَّتِهِ في الأُمِّ، فهاهنا يكون الكُلُّ رَقِيقًا، ثم الإِمَامُ عند القِسْمَةِ يَجْتَهِدُ حتى تَقَعَ الأُمُّ، والولد في حِصَّةِ الوَاطِئ، فإن وَقَعَا في حِصَّتِهِ كانت الجَارِيَةُ أُمَّ ولد له، والولد حر، وإن وَقَعَ البَعْضُ في مِلْكِهِ صار بقدره أُمَّ وَلَدٍ، وعتق من الولد بقدر ما مَلَكَ هذه أَلْفَاظُهُ.
ولك أن تقول: قد سَبَقَ أن للإمام أن يُقَسِّمَ الغَنِيمَةَ قِسْمَةَ تَحَكُّم، ولا يحتاج إلى مُرَاضَاة الغانمين، وإلى الإقْرَاعِ، وحينئذ فلا حاجة 2 إلى سَعْي وَاجْتِهَادِ، بل ينبغي أن يقول: يوقعها في حِصَّتِهِ، أو يوقع بعضها.
ثم قوله: "وعتق من الولد بِقَدْرِ ما مَلَكَ" الخلاف في أن الوَلَدَ يُعْتَقُ كله أو بالحِصَّةِ، ينبغي أن يَجِيءَ هاهنا فكان ما ذكره جَوَاباً على وجه التَّبْعِيضِ، أو أراد أن قَدْرَ الحِصَّةِ يعتق لا مَحَالَةَ وفي الباقي خِلاَفٌ، وجميع ما ذكرنا فيما إذا كان الاسْتِيلاَدُ قبل القِسْمَةِ، واخْتِيَارِ التَّمْلِيكِ، ولاَ فَرْقَ بين أن يَكُونَ قَبْلَ إِفْرَازِ الخُمُسِ أو بعده، وقبل القِسْمَةِ بين الغَانِمِينَ إذا كنت الجَارِيَةُ بين الأَخْمَاسِ الأَرْبَعَةِ، وإذا كان بعد القِسْمَةِ، وبعد اختيار التَّمْلِيكِ، فهو إما وَطِئَ جَارَيةَ نَفْسِهِ، أو جَارِيةَ غَيْرِهِ، أو هو كَوَطْءِ أَحَدِ الشريكين الجَارِيَةَ المشتركة، ولا يَخْفَى، ولو كان بعد القِسْمَةِ.
وقبل اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فهو كما قبل القِسْمَةِ.
وفيه وجه: أنهم إذا كانوا مَحْصُورِينَ، أو أفرزت الجارية لِطَائِفَةٍ مَحْصُورِينَ، فهو كما بعد 3 القِسْمَةِ، واختيار التَّمْلِيكِ، وهو ظاهر ما أَطْلَقَهُ القاضي ابْنُ كَجٍّ وقد مَرَّ نَظِيرُهُ.
ولو وَطِئَ أحدهم 4 بعد إِفْرَازِ الخُمُسِ جَارَيةً من الخُمُسِ، فهو كَوَطْءِ الأجنبي، وإذا وَطِئَ جَارِيةً من الخُمُسِ، وقبلِ إِفْرَازِ الخُمُسِ، ففي وُجُوبِ الحَدِّ عليه وجهان:
أظهرهما: وبه أجاب صاحب "التهذيب" والروياني: أنه يَجِبُ، كما لو وَطِئَ جَارِيةً من بيت المال [بخلاف ما لو سرق مال بيت المال] 5 لأنه يستحق النَّفَقَةَ دون الإِعفاف.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنه لمصالح المُسْلِمِينَ، والواطئ من المسلمين وهذا أَقْوَى عند القاضي ابْنِ كَجٍّ.
وإذا كانت الجَارِيةُ مِن الأَخْمَاسِ الأربعة، فعليه الحَدُّ، إلاَّ أن يكون له في الغَانِمِينَ وَلَدٌ، هذا تَمَامُ الكَلاَمِ في الوَطْءِ والاسْتِيلاَدِ.
وأمّا مَسْأَلَةُ عِتْقِ القَرِيبِ: فإذا وَقَعَ في الأَسْرِ من يعتق على بَعْضِ الغَانِمِينَ، ورُقَّ، إما بِنَفْسِ الأسْرِ، أو بإرْقَاقِ الإِمام، فالنَّصُّ أنه لا يُعْتَقُ قبل القِسْمَةِ، واختيار التمليك والنَّصّ فيما إذا اسْتَوْلَد بَعْضُ الغانمين جَارِيةً من المَغْنَمِ، أنه يثبت الاستيلاد على ما مَرَّ وفيهما طريقان للأصحاب:
أحدهما: أن في الصورتين قَوْلَيْنِ: نَقْلاً وتخريجًا، بِناءً على أن الغَنِيمَةَ تملك بالاستيلاد أم لا؟
إن قلنا: نعم نفذ، وتُؤْخَذُ منه القِيمَة، ويجعل في المَغْنَمِ.
وإن قلنا: لا لم يَنْفُذْ وَاحِدٌ منهما.
والثاني: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، والفَرْقُ أن الاسْتِيلاَدَ أَقْوَى، ولذلك يَنْفُذُ استيلاد الأَبِ جَارَيةَ الابْنِ، ولا يَنْفُذُ منه إِعْتَاقُهَا، وينفذ اسْتِيلاَدُ المَجْنُونِ دون إِعْتَاقِهِ.
وعن "المنهاج" للشيخ أبي مُحَمَّدٍ الفَرْقُ بين الصُّورَتَيْن بأن الوَطْءَ اختيار التَّمَلُّكِ، ولذلك جعَلَ وَطْءَ البائع في زَمَانِ الخِيَارِ فَسْخًا وليس فيَ مسألة عِتْقِ القريب ما يَدُلُّ على الاخْتِيَارِ، حتى لو قال مشيرًا إلى قَرِيبهِ قبل القِسْمَةِ: قد أَعْتَقْتُ هذا، يُحْكَمُ بثبوت العتق، والظاهر أنه لا يَثْبُتُ العِتْقُ في الحال، وإن قدرنا الخِلاَفَ فإذا اسْتَقَرَّ 1 مِلْكُهُ فيه بأن وَقَعَ في نَصِيبِهِ، واختار تملكه، أو وَقَعَ بَعْضُهُ في نصيبه، واختاره عتق عليه، وينظر لتَقْوِيمِ البَاقِي عليه إلى يَسَارِهِ وإِعْسَارِهِ.
وعن "الحاوي": أنهم إذا كَانُوا مَحْصُورِينَ، ولم يكن في الغَنِيمَةِ إلاَّ قريبه، فيملك حِصَّتَهُ، وإن لم يَجُزِ التَّمَلُّكُ، وعلى هذا فلا يُقَوِّمُ 2 عليه الباقي؛ لأنه دَخَلَ في مِلْكِهِ بغير اخْتيَارِهِ.
ولو أعتق واحد من الغَانِمِينَ عَبْدًا من الغَنِيمَةِ ففي ثُبُوتِ العِتْقِ في الحال ما ذَكَرْنَاهُ في عِتْقِ القَرِيبِ.
هكذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره.
وعن "الحاوي": أنه لا يعتق بحال، بخلاف عِتْقِ القَرِيب، فإنه يثبت بلا اختيار، وهو 3 أقوى مما يثبت بالاختيار، ولذلك لا يُعْتَقُ على المَحْجُورِ عليه قريبه إذا مَلَكَة، ولو أعتق لا ينفذ.
وأما ما يَتَعَلَّقُ بلفظ الكتاب، فقوله: "لو وقع من المَغْنَمِ بَعْضُ من يُعْتَقُ على الغانمين" -في اللفظ نَوْعُ التِبَاس، والمقصود من يعتق على بَعْضِ الغَانِمِينَ، فيقدر 1 لفظ البَعْضِ.
ولو كان الغانمون طَائِفَةً يَسِيرَةً، ووقع في المَغْنَمِ من يُعْتَقُ عليهم جميعاً، فلا يتوقف [العتق] 2 إلا على اخْتِيَارِهِمُ التَّمَلُّكَ.
ويجيء وَجْهٌ أنه [لا] 3 حَاجَةَ إلى الاختيار، وإذا اخْتَارُوا جَمِيعا فلا يفرض فيه تقويم البَعْضِ على البَعْضِ.
وقوله: "لم يعتق حِصّته" لا حَاجَةَ إلى إِعْلاَمِهِ بالواو، فإنه ذكر الخلاف فيه من بعد حَيْثُ قال: "ومن هذا خُرِّجَ قَوْل... " إلى آخره.
قوله: "ولم يمنعه ذلك عن الإعْرَاضِ" معناه أَنَّ الإِعْرَاضَ عن الغَنِيمَةِ لا يمنع وُقُوعَ القَرِيب في المَغْنَمِ إذا لم يحكم بالعِتْقِ في الحال.
وقوله: "ولو اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً؛ وقلنا: لا يملَك فلا حد" ليعلم قوله: "لا حَد" بالميم والواو؛ لما بَيَّنَّاهُ، ولا حَاجَةَ إلى ذِكْرِ الحَدِّ في هذا الموضع فقد أعاده من بعد، وبَيَّنَ أنه لا حَدَّ على كل قول، جَوَابًا على الصحيح.
وقوله: "فالولد حُرٌّ جميعه" مُعَلَّمٌ بالحاء، والغَرَضُ أنه إذا ثَبَتَ الاسْتِيلاَدُ في جميع الجَارِيَةِ كان الولد حُرًّا لا مَحَالَةَ، وفي وجوب قيمة حِصَّةِ غيره من الوَلَدِ خِلاَفٌ، فجرى ذكر حُرِّيَّةِ الوَلَدِ للحاجة إليه في بَيَانِ صُورَةِ الخِلاَفِ، ثم اتخد حكم الولد مَقْصَدًا، فقال: وولده على كل حال حر نَسيبٌ، وكان بِسَبِيلٍ من الاسْتغْنَاءِ بالثَّاني عن الأول، وإيراد الغرض بِدَليلِ طَرِيقٍ آخر.
وقوله: "فولدها يَتبَعَّضُ" مُعَلَّمٌ بالواو.
"فرع لابن الحَدَّادِ -رحمه الله-": إذا دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الحَرْبِ مُنْفَرِدًا وأَسَرَ أَبَاهُ وَابْنَهُ البَالِغَ، لم يُعْتَقْ منه شَيْءٌ في الحال؛ لأنه لا يَصِيرُ رَقِيقًا بنفسَ الأَسْرِ، وإن اخْتَارَ الإِمَام قَتْلهُ أو المنَّ عليه أو الفِدَاءَ فذاك.
وإن اختار تملكه [نُظِرَ إن لم يختر التَّمَلُّكَ بِالأَسْرِ، فلا يُعْتَقُ أيضاً في ظَاهِرِ المَذْهَبِ، وإن اختار تَمَلُّكَهُ] 4 صار له أربعة أخماسه فيعتق عليه، ويُقَوَّمُ عليه الباقي إن كان مُوَسِرًا، وهو الخمس المستحق لأهله.
ولو أَسَرَ أُمَّهُ أو ابْنَتَهُ البَالِغَةَ، رُقَّتْ بِنَفْسِ الأَسْرِ، ولا حَاجَةَ إلى اختيار الإمَامِ،
وإذا اختار التَّمَلُّكَ كان الحُكْم على ما بَيَّنَّا.
وألحق ابْنُ الحَدَّادِ الابْن الصَّغِيرَ بأسْرِ الأُمِّ والبنت [البالغة] 1 وهذه هَفْوَةٌ عند الأصحاب؛ لأن الأَبَ المُسْلِمَ يَتبَعُهُ وَلَدُهُ الصغير في الإِسلام، ولا يُتَصَوَّرُ منه سَبْيُ ولده.
وإن أَسَرَ أَبَاه في القِتَالِ، زاد النظر في أن الأسير إذا رُقَّ هل يعد من السَّلَبِ؟ وفيه خلاف مذكور في "قسمة الغَنَائِمِ".
قال الغَزَالِيُّ: (الحُكْمُ الثَّالِثُ) أَنَّ أَرَاضِيَ الكُفَّارِ تُمْلَكُ بِالاِسْتِيَلاءِ وَقَدْ مَلَكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَاضِيَ العِرَاقِ وَقَسَّمَهَا ثُمَّ اسْتَطَابَ عَنْهَا قُلُوبَ المُلاَّكِ وَوَقفَهَا وَآجَرَهَا مِنْ سُكَّانِهَا إجَارَةً مُؤَبَّدَةً لِأَجْلِ المَصْلَحَةِ وَضَرَبَ الأَجْرَةَ خَرَاجًا عَلَيْهِمْ فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ أَرَاضِي العِرَاقِ وَيَصِحُّ إِجَارَتُهَا مِنْ أَرْبَابِهَا إِجَارَةً مُؤَقَّتَةَ لاَ مؤَبَّدَةً وَلاَ يُزْعَجُ عَنْهَا سُكَّانُهَا إِذَا وَرِثُوهَا مِنْ آبَائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَأْجَرُوهَا مِنْ عُمَرَ وَلاَ تنفَسِخُ الإجَارَةُ بِالمَوْتِ وَأَمَّا مَكَّةُ فَيَصِحُّ بَيْعُ دُورِهَا لِأَنَّهَا مِلْكٌ وَقَدْ فُتِحَتْ عَنْوَةً.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: الأَرَاضِي والعَقَارَاتِ تُمْلَكُ بالاسْتِيلاَءِ 2، كما تُمْلَكُ المَنْقُولاَتُ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يَتَخَيَّرُ الإمَامُ في العَقَارِ المَغنوم بين أن يقسمها على الغَانِمِينَ كالمَنْقُولِ، وبين أن يَتْرُكَهَا في أيديَ الكُفَّارِ، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بَعَقَار "مكة"، وبين أن يَقِفَهَا على المسلمين، كما فعل عمر -رضي الله عنه 3 - بِسَوَادِ 4 "العراق".
هكذا حكاه
......................... = السواد وقفًا على المسلمين ما تناسلوا، وعن ابن شبرمة قال: لا أجيز بيع أرض السواد، ولا هبتها, ولا وقفها، وعن عمر قال: لولا أخشى أن يبقى آخر الناس بيانًا لا شيء لهم، لتركتكم وما قسم لكم، ولكني أحب أن يلحق آخر الناس أولهم، وتلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وعن أبي الوليد الطيالسي قال: أدركت الناس بالبصرة، وأنه ليجاء بالتمر، فما يشتريه إلا أعرابي أو من يتخذ النبيذ، يريد أنهم كانوا ينخرون عنه، وأن ذلك كان مشهورًا فيما بينهم، أما أثر عمر في فتح السواد فقال أبو عبيد في كتاب الأموال نا هشيم أنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال: لما افتتح المسلمون السواد، قالوا لعمر: اقسمه بيننا فإنا فتحناه، عنوة، قال: فأبى، ثم أقر أهل السواد على أرضهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أرضهم الخراج، ورواه سعيد بن منصور عن هشيم مثله، وأما أثر جرير فرواه الشَّافعي عن الثقة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير مثله، وأما أثر عتبة بن فرقد فأخرجه البيهقي من طريقين في السنن, ورواه الخطيب في تاريخ بغداد من طريق الخراج ليحيى بن آدم، عن عبد السلام بن جرير عن بكير بن عامر عن عامر هو الشعبي، قال: اشترى عتبة بن فرقد فذكره، وقال يحيى بن آدم أيضاً نا حسن بن صالح عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: أسلمت امرأة من أهل مهر الملك، فكتب عمر بن الخطاب إن اختارت أرضها وأدت ما على أرضها، فخلوا بينها وبين أرضها، وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم، وأما قول سفيان الثوري فرواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج له عنه، وأما قول ابن شبرمة فرواه يحيى بن آدم أيضاً، وأما حديث عمر فرواه البخاري في غزوة خيبر من رواية زيد بن أسلم عن أبيه أنه عمر عمر، ورواه الطبراني في الكبير أيضاً، وقوله بيانًا بموحدتين الثانية مشدودة وبعد الألف نون خفيفة، أي شيئاً واحداً كذا قيل في تفسيره، وأما قول أبي الوليد الطيالسي فهو في كتاب الأحكام لزكريا بن يحيى الساجي عنه وكذا نسبه إليه صاحب البحر.
قوله: وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب بعث عثمان بن حنيف ماسحًا، ففرض على كل جريب شعير درهمين، الحديث، رواه البيهقي من طريقين، وهو في الخراج ليحيى بن آدم، وقال أبو عبيد في الأموال نا الأنصاري محمد بن عبد الله، ولا أعلم إسماعيل بن إبراهيم إلا ناه أيضاً عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز: أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر إلى أهل الكوفة على صلاتهم وحربهم، وعبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، ثم فرض لهم في كل يوم شاة، الحديث، وفيه: فمسح عثمان بن حنيف الأرض، فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل خمسة، وعلى جريب القصب ستة، وعلى جريب البر أربعة، وعلى جريب الشعير درهمين، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
قوله: يذكر أن الحاصل من أرض العراق على عهد عمر بن الخطاب وإن مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف، وقيل مائة ألف ألف وستين ألف ألف، ثم كان يتناقص حتى عاد في زمن الحجاج إلى ثمانية عشر ألف ألف، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ارتفع في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف، وفي الثانية إلى ستين ألف ألف، وقيل فوق ذلك، وقال: لئن عشت لأبلغنه إلى ما كان في أيام عمر بن الخطاب، فمات في تلك السنة، ويحيى بن آدم في كتاب الخراج من طريق قتادة عن أبي مجلز وقال ابن سعد أنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أبي =
صاحب "التهذيب" ويذكر عنه أنه إذا أَقَرَّهَا على مِلْكِ أَرْبَابِهَا ضرب عليهم جِزْيَتَيْنِ:
إحداهما: على رُؤوسِهِمْ.
والأخرى: على الأَرَاضِي.
فإذا أَسْلَمُوا سَقَطَتْ جِزْيَة الرؤوس دُونَ الأخرى.
ويروى عن أبي حَنِيْفَةَ في سَوَادِ "العراق" ما يُخَالِفُ التخيير بين الخِصَالِ الثلاث وسيجيء من بَعْدُ، والقول في عَقَارِ "مكة" يأتي في المسألة الثانية.
وأما سَوَادُ "العراق" ففيه فُصُولٌ:
أحدها: في كيفية فَتْحِهِ، وما فعل به عُمَرُ -رضي الله عنه- فعن أبي إِسْحَاقَ نَقْلُ وَجْهٍ نَقَلَهُ القاضي ابْنُ كجٍّ -أنه فتح صُلْحًا.
وعن الماسَرْجِسِيَّ أن أبَا إِسْحَاقَ كان يَنْصُرُهُ في الدَّرْسِ، وهذا ما حكي عن أبي حَنِيْفَةَ عن رِوَايَةِ القَفَّالِ وغيره، وأنه قال: إن عُمَرَ -رضي الله عنه- رَدَّهَا عليهم بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ كل سَنَةٍ.
وعن أبي الطَّيِّبِ بن سَلَمَةَ أنه قال: أشْتَبَهَ الأَمْرُ عَلَيَّ، فلا أدري أَفتِحَ عَنوَةً أو صُلْحًا؟!
والصحيح المَشْهُورُ أنه فُتِحَ عَنْوَةً وأن عُمَرَ -رضي الله عنه- قَسَّمَ أَرَاضِيَ السَّوَادِ 1 في جملة الغَنَائِمِ، وكيف قَسَّمَ؟
عن أبي إِسْحَاقَ تَفْرِيعًا على أنه فُتِحَ عَنْوَةً إن كان في الغَنِيمَةِ غير الأراضي من المَوَاشِي، وصُنُوفِ الأَمْتِعَةِ، فرأى عمر -رضي الله عنه- أنه إن صَرَفَ خُمُسَهَا إلى أَهْلِ الخُمُسِ أَنْفَقُوهُ، وأراد أن يجعل لهم عدة باقية يَسْتَظْهِرُون بها فَعَوَّضَهُمْ عن خُمُسِهَا الأخماس الأربعة من الأراضي فحصلت 2 الأراضي لِأَهْلِ الخُمُسِ، والمَنْقُولاَتُ لِلْغَانِمِينَ.
والصحيح المشهور أنه قَسَّمَهَا بين الغَانِمِينَ، ولم يُخَصِّصْهَا بأهل الخُمُسِ، ثم اسْتَطَابَ قُلُوبَهُمْ عنها واسْتَرَدَّها.
قال جَرِيرُ بن عَبْدِ الله البَجَلِيُّ -رضي الله عنه-: كانت بَجِيلَةُ رُبُعَ النَّاسِ يوم = مجلز، ومن طريق محمد بن المنتشر: أن عمر بن الخطاب وجه عثمان بن حنيف على خراج السواد، الحديث، وفيه: فحمل من خراج سواد الكوفة إلى عمر في أول سنة ثمانون ألف ألف درهم، وقيل مائة وعشرون ألف ألف، والذي في الرافعي عزاه صاحب المهذب إلى رواية عباد ابن كثير عن قحدم، وعباد ضعيف.
قوله: اشتهر أن أرض البصرة كانت سبخة، فأحياها عثمان بن أبي العاص، وعتبة بن غزوان بعد الفتح، قلت: هو كما قال، رواه عمر بن شبة في أخبار البصرة، وكان ذلك سنة أربع عشرة، وكان السابق إلى ذلك عتبة بن غزوان.
قوله: روي أن عمر اشترى حجرة سودة بمكة.
وأن حكيم بن حزام باع دار الندوة من معاوية، أما حجرة سودة فالمعروف أن الذي اشتراها ابن الزبير، وقد تقدم في البيوع، وكذا تقدم فيه قصة حكيم.
"القَادِسِيَّةِ" فَقَسَّمَ عمر -رضي الله عنه- رُبُعَ السَّوَادِ، فاشتغلوا ثَلاَثَ سِنِينَ، وأربعًا، ثم قَدِمْتُ على عمر -رضي الله عنه- فقال: "لولا أني قَاسِمٌ مَسْؤُولٌ لتركتكم على ما قسم لكم ولكني أرى أن تَرُدُّوا على الناس".
[فَغَاصَبَنِي من حَقِّي نَيِّفاً وثمانين] 1 دِينَارًا، وكان معي امْرَأَةٌ يقال لها: أُمُّ كُرْزٍ، فقالت: إن أبي شَهِدَ "القادسية" وثبت سَهْمُهُ، ولا أسلمه حتى يَمْلأَ كَفِّي دَنَانِيرَ وفمي لآلِئَ، ويُرْكِبَنِي نَاقَةً ذَلُولاً عليها قَطِيفَةً حَمْرَاءُ، ففعل عمر -رضي الله عنه- فتركت حقها، ثم اخْتَلَفَ الأصحاب فيما فعله بالأراضي المُستَرَدَّةِ على وجهين:
أظهرهما: وبه قال الأكثرون منهم الإصْطِخْرِيُّ [وفقهاؤنا البصريون أنه] 2 وَقَفَهَا على المسلمين، وأَجَّرَهَا من أهلها، والخَرَاجُ المضروب عليها أُجْرَةٌ مُنَجَّمَة تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ، وعلى هذا نَصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "كتاب الرُّهون"، وفي سِيَرِ الوَاقِدِيّ، وَيدُلُّ عليه ما روي أن عتبة بن فَرْقَدٍ اشترى أَرْضاً من أرض السَّوَادِ، فأتى عمر -رضي الله عنه- فَأخْبَرَهُ فقال: ممن اشْتَرَيْتَهَا؟ فقال؛ من أهلها؟ فقال: فهؤلاء المسلمون أبعتموه شيئاً؟ قالوا: لا.
قال: فَاذْهَبْ فاطلب مَالَكَ.
وعن سفيان الثَّوْرِيُّ أنه قال: جَعَل عمر -رضي الله عنه- السَّوَادَ وَقْفًا على المسلمين ما تَنَاسَلُوا.
والثاني: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، ويُحْكَى عن اختيار أبي إِسْحَاقَ أنه باعها من أهْلِهَا، والخَرَاجُ [ثَمَن مُنَجَّمٌ] 3؛ لأنه لم يَزَلِ الناس يَبِيعُونَ أَهْلَ السَّوَادِ وَيشْتَرُونَ من غَيْرِ إِنْكَارٍ، ومن قال بالوجه الأول لا يسلم عدم الإنْكَارِ، وقد رَوَيْنَا عن عمر -رضي الله عنه- في شراءِ ابن فَرْقَدٍ.
وعن ابن شُبْرُمَةَ أنه قال: لا أجيز بَيْعَ أَرْضَ السَّوَادِ، ولا هِبَتَهَا, ولا وَقْفَهَا، وقد أَوْرَدَ الوجهين معاً صَاحِبُ الكتاب في "الرَّهْن" واقْتَصَرَ هاهنا على إِيرَادِ الأَظْهَرِ منهما، وفيما فعل عُمَرُ -رضي الله عنه- على اخْتِلاَفِ الوَجْهَيْنِ عدول عن الأصل المُمَهّدِ، وأنه شَرْطٌ في الإجارة أن تكون المُدَّةُ مَعْلُومَةً، وفي البيع أن يكون جملة الثمن معلومةً، لكن قال العلماء: إنها بالاسْتِرْدَادِ رجعت إلى حُكْم الكُفَّارِ، وللإمام أن يفعل المَصْلَحَةَ الكلية في أموال الكفار ما لا يجوز مثله في أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ، كما سيأتي إن شاء الله -تعالى- في مسألة العِلْجِ وكما نقل في البَدأَةِ والرَّجْعَةِ.
ورأى عمر -رضي الله عنه-[المصلحة] 4 فيما فعل من وجهين:
أحدهما: أنه خشي أن يَشْتَغِلُوا بالعِمَارَةَ والزِّرَاعَةِ، لو تركها في أيديهم وَيتَقَاعَدُوا عن الجِهَادِ.
والثاني: أنه لم يَسْتَحْسِنْ أن يَنْفَرِدوا بها وذُرِّيَّتُهُمْ، وينقطع عن سَائِرِ النَّاسِ الذين يَأْتُونَ من بعدهم [رفقها ومَنْفَعَتهَا] 1.
ويروى أنه قال: لولا أن أَخْشَى أن يَبْقَى آخر الناس بياتًا لا شيء لهم لَتَرَكْتُهُمْ، وما قسم لكم، ولكني أحِبُّ أن يلحق آخِرُ الناس أَوَّلَهُم -وتلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ...﴾ الآية.
قوله: "بَيَاتًا" قيل: أي: شيئاً وَاحِدًا وقيل: متَسَاوِيْنَ في الفَقْرِ.
وعن القاضي أبي حَامِدٍ أن لابن سُرَيْجٍ عِبَارَة أخرى تخرح الخلاف عن أن يكون ثمناً مع تجويز البَيْع، فقال؛ إن عُمَرَ -رضي الله عنه- وَقَفَهَا وَقْفًا لا محرماً مؤبّدًا، ولكن جَعَلَهَا مَوْقُوفَةً علَى مَصَالِح المسلمين ليؤدي مُلاكها على تَدَاوُلِ الأيدي ويَبْذُلُهَا بالبيع والشراء خَرَاجاً يَنْتَفِعُ به المسَلمون، فعلى الوجه الثاني يجوز رَهْنُهَا، وبَيْعُهَا، وهِبَتُهَا.
وعلى الأول لا يَجُوزُ بيع شيء من ذلك، ويَجُوزُ على الوجهين لأَرْبَابَهَا إِجَارَتُهَا مُدَّةً معلومة، وهل لهم الإجارة المؤبدة بمال يتراضيان عليه؟.
حكى الإِمَامُ فيه تَردُّدًا للأصحاب ومنهم من جَوَّزَهُ تَبَعًا لفعل عُمَرَ -رضي الله عنه-.
وقال: من استحق مَنفَعَةً على جِهَةٍ لم يبعد أن يملك إخراج نفسه من البيت وِإحْلاَل غيره مَحلَّهُ.
والأصح: وهو المَذْكُور في الكتاب: المَنْعُ، كما في سَائِرِ الإجَارَاتِ والتأبيد في إِجَارَةِ عمر -رضي الله عنه- احتمل لِمَصْلَحَةِ كلية، والجزئيات ليسَت كَالكُلِّيَّاتِ -فلا يجوز لغير سُكَّانِهَا أن يزعج واحداً من السُّكَّانِ، ويقول: أنا أَسْتَغِلُّهَا، وأُعْطِي الخَرَاجَ؛ لأنه مالك لرقبتها إِرْثًا على أحد الوَجْهَيْنِ، ومَالِكٌ مَنْفَعَتَهَا على الوجه الأظهر بعقد إنَابَةٍ مع عُمَرَ -رضي الله عنه- والإجَارَة لاَزِمَةٌ لا تَنْفَسِخُ بِالمَوْتِ، وهذا كُلُّهُ في الأرَاضِي المُغِلَّةِ، وهي التي تُزْرَعُ وتُغْرَسُ.
فأما في حَدِّ السَّوَادِ من المَسَاكِنِ والدُّورِ، فإن قلنا: إن تلك الأراضي مَبِيعَةٌ من أَرْبَابِهَا فكذلك المساكن.
وإن قلنا: إنها مَوْقُوفَةٌ فوجهان:
أحدهما: أنها كالمَزَارعِ.
وأظهرهما: وهو الذي أَوْرَدَهُ الرُّوَيانِيُّ في "جمع الجوامع": المنع لأنه لم يكره أحد شِرَاءها وسُكْنَاهَا ولأن وَقْفَهَا يُفْضِي إلى خَرَابِهَا، وهل يجوز لمن في يَدِهِ الأرض تَنَاوُلُ ثِمَارِ أشجارها؟ إن قلنا: إن الأراضي مَبِيعَةٌ منهم، فما فيها من الأشْجَارِ كذلك والثمار مَمْلُوكَةٌ لهم.
وإن قلنا: إنها مستأجرة، فوجهان:
أحدهما: يجوز له تَنَاوُلُهَا لِلْحَاجَةِ، ويحتمل ذلك وإن كانت الثِّمَارُ لا تستحقّ في سائر الإجَارَاتِ كما يحتمل التَّأْبِيد.
وأصحهما: وأرجحهما على ما ذكره الرُّوَيانِيُّ وغيره المَنْعُ بل الإِمام يَصْرِفُهَا وأثمانها إلى مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ؛ لما روي عن أبي الوَلِيدِ الطَّيَالِيسِيِّ أنه قال: "أدركت النَّاسَ بـ"البصرة" وإنه لَيُجَاءُ بالتمر الفرات فما يَشْتَريهِ إلا أَعْرَابِيٌّ أو من يَتَّخِذُهُ لِلنَّبِيذِ" يريد به أنهم كَانُوا يَتَحَرَّزُونَ منه وإن ذلك كان مَشْهُورًا فيما بينهم.
وإذا تَأمَّلْتَ هذا الشَّرْحَ، ذلك أن تُعَلِّمَ قوله في الكتاب؛ "وقد مَلَكَ عُمَرُ -رضي الله عنه- أَرَاضِيَ العِرَاقِ" بالحاء والواو.
ولأن من يقول: إنها فُتِحَتْ صُلْحًا لا يقول: إنها مُلِكَتْ، ثم إِضَافَةُ المِلْكِ إليه على سَبِيلِ أنه المُتَسَبِّبُ إلى تحصيله، لا على معنى أنه ملكها خَاصَّةً.
ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله: "وقسمها" وقوله بعد ذلك: "ووقفها" كلاهما بالميم؛ لأن عند مَالِكٍ أنها صارت مِلْكًا بنفس الاغْتِنَامِ، والاسْتِيلاَءِ.
ولْيُعَلَّمْ بهذا قوله في الكتاب: "ولا يملك بالاسْتِيلاَءِ" بالميم أيضاً، ويجوز إِعْلاَمُ قوله: "ووقفها وأجرها" بالواو؛ لقول من قال: إنَّهُ بَاعَهَا.
وكذا قوله: "وضرب الأُجْرَة خَرَاجًا"؛ لأن ذلك القَائِلَ المَضْرُوب ثمن لا أُجْرَةٌ.
وقوله: "فلا يَصِحُّ بَيْعُ أراضي العِرَاقِ" بالحاء والواو، ولك أن ترجع من هذا المُنْتَهَى إلى لَفْظِ الكتاب في الرَّهْنِ، فتعلم قوله: "وأنه وقف" بالحاء.
وقوله: "وَقَفَهَا عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-" بالميم.
وقوله: "يملكها غيره" بالحاء والواو.
ونختم هذا الفَصْلَ الأَوَّلَ بفائدتين:
إحداهما: قال الشَّافعَيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر": ولا أعرف ما أقول في السَّوَادِ إلا بظن مَقْرُونٍ إلى عِلْمٍ، واختلف في تفسيره:
فعن ابن سُرَيْجٍ أن المعنى كِدْتُّ أقول: إلا أنه اقْتَرَنَ به العِلْمُ، فزال الظَّنُّ وقلت: بعلم.
وعن أبي حَفْصِ بن الوَكِيلِ: أنه أراد بالظَّنِّ أن الأَخْبَارَ الواردة في الباب طَرِيقُهَا الظَّنُّ الغَالِبُ، وأراد بالعِلْمِ العِلْم بِوُرُودِهَا.
وعن أبي إِسْحَاقَ أنه أراد بقوله: "بِظَنِّ مَقْرونٍ بدليل"، كأنه عَبَّرَ عن العِلْمِ بالدليل؛ لأنه يثمر العلم.
وقيل: أراد أن فَتْحَهَا عَنْوَةً مَعْلُومٌ لِكَثْرَةِ الناقلين، والذي فعل عمر -رضي الله عنه- بِهَا مَظْنُونٌ، ويمكن أن يُقَالَ: أَشَارَ بالكلمة إلى كثرة اخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ فيه، فيكاد يرتقي الظَّنُّ إلى حَدِّ العلم، ويراجع العلم إلى حَدِّ الظَّنِّ أخرى.
الثانية: إذا أراد الإِمَامُ اليوم أن يُوقِفَ أَرْضَ الغَنِيمَةِ كما فعل عمر -رضي الله عنه- جاز إذا اسْتَطَابَ قُلُوبَ الغانمين في النزول عنها بِعِوَضٍ، أو بغير عِوَضٍ، وإن أَبَى بَعْضُهُمْ فهو أَحَقُّ بماله، وكذلك المَنْقُولاَتُ والصِّبْيَانُ والنِّسْوَان لا يجوز لِلإمَامِ رَدُّ شيء منها إلى الكُفَّارِ إلا بِطِيبَةِ أَنْفُسِ الغانمين؛ لأنهم ملكوها بالاغْتِنَامِ.
قال الإِمام: وليس لِلإمَامِ أن يَأْخُذَ الأَرَاضِيَ قَهْرًا، وإن كان يعلم أنهم [يَتَوَانَوْنَ بسببها] (1) في الجِهَادِ، ولكنَ يَقْهَرُهُمْ على الخروج إلى الجِهَادِ بحسب الحَاجَةِ.
وجَوَّزَ أبو حنيفة رَدَّ الأراضي المَغْنُومَةِ إلى الكُفَّارِ، وِإن أبَى الغَانِمُونَ.
[قال الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي: فِي حَدِّ السَّوَادِ].
قال الرَّافِعِيُّ: وقد أطلق مُطْلِقونَ أن سَوَادَ "العِرَاقِ" من "عَبَادَانَ" إلى حديقة "المَوْصِلِ" طُولاً، ومن [عذيب] "القادسية" إلى حلوان عَرْضًا، وعلى هذا جَرَى صَاحِبُ الكتاب في "باب الرَّهْنِ" وهو بالفَرَاسِخِ على ما ذكر المَاوَرْدِيُّ وغيره في الطُّولِ مائة وستون، وفي العَرْضِ ثمانون، وذكر في مَسَاحَتِهِ قولان:
أحدهما: أنها اثْنَانِ وثلاثون ألف جريب، ويُنْسَب؛ هذا إلى ابن المُنْذِرِ.
والثاني: ستة وثلاثون أَلْفَ ألف، ويمكن أن يرجع التَّفَاوُتُ إلى ما يَقَعُ في الحد المذكور من السِّبَاخِ والتُّلُولِ والطُّرُق ومجاري الأنْهَارِ، ونحوها مما لا يزرع، وكان بعضهم أَخْرَجَهَا عن الحساب، لكن في إِطْلاَقِ الحَدِّ المذكور [تَسَاهُلٌ] 2 لما اشتهر من أَرْضِ "البصرة" أنها كانت [سَبْخَة] 3 أحْيَاهَا عثمان بن أبي العَاصِي، وَعُتْبَة بن غَزْوَانَ -رضي الله عنهما- بعد الفتح، وهي دَاخِلَةٌ في هذا الحَدِّ، ولا بد من استثنائها.1
وقد أطلق صاحب "التهذيب" أن "البصرة" لا تَدْخُلُ في حكم السَّوَادِ، وإن كانت دَاخِلَةً في حَدِّهِ.
وفي "البحر" أن القاضي المَاوَرْدِيّ قال: حضرت الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ، وهو يدرس تحديد السَّوَادِ في "كتاب الرَّهْنِ"، وأدخل فيه "البصرة" ثم أقْبَلَ عَلَيَّ، وقال: هكذا تَقُولُ.
فقلت: لا إنها كانت مَوَاتاً أَحْيَاهَا المُسْلِمُونَ، فأقبل على أصحابه وقال: عَلِّقُوا ما يَقُولُ، فإن أهل "البصرة" أعرف بـ"البصرة"، ولكن في اسْتِثْنَاءِ "البصرة" على الإِطْلاَقِ تَسَاهُلٌ أيضاً.
والثالث: وهو الذي أَوْرَدَه صاحب "التهذيب" وغيره أن "البصرة" ليس لها حُكْمُ السَّوَادِ، إلا في موضع من شرقي دِجْلَتِهَا يسمى "الفُرَات"، وموضع من غربي يسمى نهر "الصراة" وإنما سموها أَرْضَ السَّوَاد؛ لأنهم خَرَجُوا من البَادِيَةِ، فرأوا خضرة [الزرع والأشجار الملتفة، والخضرة] (1) ترى من البعد سَوَادًا، فقالوا: ما هذا السَّوَادُ؟.
وأيضاً فبين اللَّوْنَيْنِ تَفَاوُتٌ، وقد أطلق اسم أحدهما على الآخر.
الفصل الثالث في الخَرَاجِ الَّذِي ضُرِبَ على أرض السَّوَادِ
ما يُؤْخَذُ من خَرَاجِ هذه الأَرَاضِي يَصْرِفُهُ الإمَامُ إلى مَصَالِحِ المسلمين والأهم منها فالأهم، ويجوز صَرْفُهُ إلى الفُقَرَاءِ والأَغْنِيَاءِ من أَهل الفَيْءِ وغيرهم، وقدر الخَرَاج في كل سَنَةٍ مَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ أن عمر -رضي الله عنه- بعث عُثْمَانَ بن [حنيف] 2 مَاسِحَاً فَفَرَضَ على كل جَرِيبِ شَعِيرٍ دِرْهَمَيْنِ، وعلى كل جَرِيبِ حِنْطَة أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وعلى جَرِيبِ الشَّجَرِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ ستة دَرَاهِمَ، وعلى جَرِيبَ النَّخْلِ عشرة دراهم، وعلى جَرِيبِ الزَّيْتُونِ اثني عشر درهماً.
وعن رواية أبي مجلز أن ابن حنيف فَرَضَ على جَرِيب الكَرْم عشرة دراهم، وعلى جَرِيب النخل ثَمَانِيَةَ دَرَاهِم، وليس فيها ذِكْرُ الزيتون والبَاقي لما سبق وأقام مُقِيمُونَ الرِّوَايَتَيْنِ وجهين لِلأصْحَابِ، والمشهور الثاني على ما ادّعى صاحب "البيان".
وعن أبي حَنِيْفَةَ أنه سَاعَدَنَا في جميع ذلك، إلاَّ في الشَّعِيرِ والحِنْطَةِ، فإنه قال: يُؤْخَذُ من جَرِيبِ الشعير قَفِيزٌ ودرهم ومن جَرِيبِ الحِنْطَةِ قَفِيزٌ ودرهمان.1
وعن أحمد: يُؤْخَذُ من كل واحد منهما قَفِيزٌ ودرهم، ويذكر أن الحَاصِلَ من أرض "العراق" في عَهْدِ عمر -رضي الله عنه- كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف درهم.
وقيل: مائة ألف ألف وستين ألف ألف، ثم كان يَتَنَاقَصُ حَتَّى عاد في زَمَانِ الحَجَّاجِ إلى ثمانية عشر ألف ألف دِرهَمٍ، فلما وَليَ عُمَرُ بْنُ عبد العزيز -رضي الله عنه- ارْتَفَعَ في السَّنَةِ الأولى إلى ثلاثين ألف ألف دِرهَمٍ، وفي الثانية إلى ستين أَلْفَ ألف.
وقيل: فوق ذلك فقال: إن عِشْتُ [لَأَبْلُغَنَّ] 1 إلى ما كان في عَهْدِ عُمَرَ بن الخَطَّابِ -رضي الله عنه- فمات في تلك السَّنَةِ -رضي الله عنه-.
المسألة الثانية مَكَّة شَرَّفَهَا الله -تعالى- فتحت صُلْحًا.
وقال أبو حَنيفَةَ ومالك: فتحت عَنْوَةً.
واحتج الأصحاب بقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: 21].
قيل: التي عَجَّلَ لهم غَنَائِمُ "خيبر" والتي لم يقْدِرُوا عليها غَنَائِمُ "مكة"، والمعنى لم تَقْدِرُوا عليها بالقَهْرِ، وفي قِصَّةِ فتح "مكة" بأن أبا سفيان طلب الأَمَانَ لأهل "مكة" فَعَقَدَ الأَمَانَ لهم رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وهم بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فقال: "مَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ [ومن ألقى سلاحه فهو آمن] 2 وَمَنْ أَغلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ" 3 واستثنى رِجَالًا مَخْصُوصِينَ أمر بقتلهم، وأيضاً فإنه لم يقتل، ولم يسب، ولا قَسَّمَ عَقَارًا، ولا منقولاً، ولو فتحت عَنْوَةً لكان الأَمْرُ بخلافه.
وقال صاحب "الحاوي": عندي أن أَسْفَلَ "مَكَّةَ" دخلها خالد بن الوَلِيدِ عَنْوَةً، وأَعْلاَهَا دخل الزبير بن العَوَّامِ -رضي الله عنه- صلحًا ودخل النبي -صلى الله عليه وسلم- من جهة الزبير، فصار حُكْمُ جهته الأَغْلَبَ، ولم يغلب أسفل "مكة"؛ لأن القِتَالَ كان على جِبَالِهَا ولم يكن فيها.
وقد يعلل أبو حنيفة امْتِنَاعَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قِسْمَةِ العَقَارَاتِ بأنها خلقت حرة ويقول: لا يجوز [بيع] 4 دور "مكة".
وعندنا: دُورُهَا وعِرَاصُهَا المحياة مَمْلُوكَةٌ، كما
في سائر البلاد ويصح بيعها ولم يَزَلِ النَّاسُ يَتَبَايَعُوْنَهَا.
وقد رُوِيَ أن عُمَرَ -رضي الله عنه- اشترى حُجَرَةَ سَوْدَةَ بـ"مكة" حَرَسَها الله -تعالى- وأن حكيم بن حِزَامِ باع دَارَ النَّدْوَةِ من مُعَاوَيةَ.
قوله في الكتاب: "وقد فتحت عَنْوَةً" ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ المَذْهَبَ فإن الفتح عَنْوةً قَوْلُ أبي حنيفة ومالك على ما بَيَّنَّاهُ، وإذا آخره فهول مَحْمُولٌ على ما قال الإِمام: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل "مكة" مُسْتَعِدّاً لقتال لو قُوتِلَ، إلا أنه لم يُقَاتَلْ واستؤمن وأما الفتح عَنْوَةً [فعلى معنى] (1) أنه منع فقاتل، فهذا لم يَتَحَقَّقْ، وقد فسر العَنْوَةَ في "الوسيط" بذلك، وكان في غُنْيَةٍ من استعمال "عَنْوَةِ" وتفسيره والله أعلم.
" البَابُ الثَّالِثُ فِي تَرْكِ القَتْلِ وَالقِتَالِ بِالأَمَانِ"
قال الغَزَالِيُّ: وَالأَمَانُ مَصْلَحَةٌ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ وَمَكِيدَةٌ مِنْ مَكَائِدِ القِتَالِ في المُبَارَزَةِ وَلا يَصِحُّ مِنْ آحَادِ المُسْلِمِينَ إلاَّ فِي آحَادِ الكُفَّارِ أَوْ عَدَدٍ مَحْصُورِينَ وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُؤْمِنٍ مُكَلَّفٍ حَتَّى العَبْدِ (ح) وَالمَرْأَةِ وَالشَّيْخِ الهَرِمِ وَالسَّفِيه وَلاَ يَصِحُّ مِنْ مَجْنِونٍ (و) وَصَبيٍّ.
قال الرَّافِعِيُّ: الأَمَانُ وإن تَضَمَّنَ تَرْكَ القتل والقِتَالِ، لكنَّ المَصْلَحَة قد تَقْتَضِيهِ، إما في استمالة الكافر لِيَرْغَبَ في الإِسْلاَم، علَى ما قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ...﴾ [التوبة: 6] الآية أَو لِتَرْفِيهِ الجُنْدِ، أو لترتيب أمُورِهِمْ، أو لِلْحَاجَةِ إلى دخولِ الكُفَّارِ، وقَدْ يصيرُ مَكِيدةً من مَكَائِدِ القِتَالِ فِي المُبَادَرَةِ لاستنزال الأَبْطَالِ والأَقْرَانِ، وينقسمُ إلى عَامٍّ، وَهُوَ الذي يَتَعَلَّقُ بِأهْلِ إقليم، وناحيةٍ، وبَلدَةٍ وهذا يَخْتَصُّ بالإمام وَوُلاَتِهِ، وهو عَقْدُ المُهَادَنَةِ، وسيأتي من بعد إن شَاءَ اللهُ تعالى.
وإلى خَاصٍّ وَهُوَ الذي يَتَعَلَّقُ بالآحَادِ وهذا يَصِحُّ من الوُلاَةِ ومن الآحَاد، والباب مَعْقُودٌ لِهَذَا القِسْمِ الخاص.
والأَصْلُ فيه مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَجَارَ رَجُلاً من المُشْرِكِينَ، فقالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ، وخِالِدُ بنُ الوَلِيدِ: لا يُجِيرُ ذلكَ، فقَالَ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاح -رضي الله عنه- ليس لكما ذلكَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يجير علَى المُسْلِمَينَ بعضهم" فأجَارُوهُ 2.1