والتحيةُ تشملُ الطرفَيْن، ويُسْتحبُّ عيادةُ المريضِ، وزيارةُ القادِمِ، ومُعَانَقَتُه 1.
.......................... = والصحيح المختار تقديم السلام، فقد صحت فيه أحاديث صريحة، وإذا استأذن بدق الباب ونحوه، فقيل: من أنت، فليقل: فلان ابن فلان، أو فلان الفلاني، أو المعروف بكذا وما أشبهه بحيث يحصل تعريف تام، ويكره أن يقتصر على قوله: أنا، أو الخادم، أو المحب، أو نحو ذلك مما لا يعرف به، والحديث الصحيح في ذلك مشهور ولا بأس أن يصف نفسه بما يعرف به وإن تضمن تبجيلاً له إذا لم يعرفه المخاطب إلا به، بأن يكني نفسه، أو يقول: القاضي فلان، أو الشيخ فلان أو نحوه.
وأما قول الرافعي: إذا قال: أطال الله بقاءك إلى آخره، فيحتاج فيه إلى تتمات، فأما أطال الله بقاءك، فقد نص جماعة من السلف على كراهته، وأما حني الظهر فمكروه للحديث الصحيح في النهي عنه، ولا يغتر بكثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم وصلاح.
وأما القيام، فالذي نختاره أنه مستحب لمن فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو ولادة أو ولاية مصحوبة بصيانة، ويكون على جهة البر والإكرام لا للرياء والإعظام، وعلى هذا استمر عمل الجمهور من السلف والخلف، وقد جمعت جزءاً في ذلك ضمنته أحاديث صحيحة وآثاراً وأفعال السلف وأقوالهم الدالة لما ذكرته، وأجبت عما خالفها، وأما الداخل فيحرم عليه أن يحب قيامهم له، ففي الحديث الحسن "من أحب أن يمثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار" وهذا ظاهر في التحريم، وقد روي بألفاظ أوضحتها مع معناه وما يتعلق به في جزء الترخيص في القيام، وأما قوله: لا يمنع الذمي من تعظيم المسلم بها، فلا نوافق عليه.
وأما تقبيل اليد، فإن كان لزهد صاحب اليد وصلاحه، أو علمه أو شرفه وصيانته ونحوه من الأمور الدينية، فمستحب، وإن كان لدنياه وثروته وشوكته ووجاهته ونحو ذلك، فمكروه شديد الكراهة، وقال المتولي: لا يجوز، وظاهره التحريم، وأما تقبيله خد ولده الصغير وبنته الصغيرة وسائر أطرافه على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فسنة، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة مشهورة، وكذا قبلة ولد صديقه وغيره من الأطفال الذين لا يشتهون على هذا الوجه، وأما التقبيل بشهوة فحرام بالاتفاق، وسواء في ذلك الوالد وغيره، بل النظر إليه بالشهوة حرام على الأجنبي والقريب بالاتفاق، ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك.
وسن تقبيل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه ومعانقته للحديث الصحيح فيهما، وأما المعانقة وتقبيل الوجه لغير القادم من سفر ونحوه، فمكروهان، صرح به البغوي وغيره للحديث الصحيح في النهي عنهما، وأما المصافحة، فسنة عند التلاقي، سواء فيها لحاضر والقادم من سفر، والأحاديث الصحيحة فيها كثيرة جدًا، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصل لتخصيصه، لكن لا بأس به، فإنه من جملة المصافحة، وقد حث الشرع على المصافحة، وجعله الشيخ الإِمام أبو محمد بن عبد السلام من البدع المباحة، ويستحب مع المصافحة البشاشة بالوجه والدعاء بالمغفرة وغيرها.
ويسن زيارة الصالحين والإخوان والجيران والأصدقاء والأقارب إكرامهم وبرهم وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم، وينبغي أن تكون زيارته على وجه يرتضونه وفي وقت لا يكرهونه، ويستحب أن يطلب من أخيه الصالح أن يزوره، وأن يكثر زيارته إذا لم يشق، وأما العاطس، فيسن له أن يقول: الحمد لله، وإن كان في صلاة قاله وأسمع نفسه، ولو قال: الحمد لله على كل حال، كان أفضل، ففيه حديث صحيح، ويسن بمن جاءه العطاس، =
يُرْوَى أَنَّ جَعْفَراً -رضي الله عنه- لَمّا قَدِمَ مِنَ الحَبَشَةِ عانَقَهُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، (1) وقد قدّمْنَا في المُعَانَقَةِ كَلاَماً في أَوَّلِ النِّكَاحِ، والله أعلم.
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الجِهَادِ
قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي تَصَرُّفِ الإِمَامِ فِيهِمْ بِالقِتَالِ وَالاسْتِرْقَاقِ وَالاِغْتِنَامِ (النَّظَرُ الأَوَّلُ فِي القِتَالِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الْأُولَى) أَنَّهُ يَجُوزُ الاسْتِعَانَة بِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَبِالمُشْرِكِ الَّذِي تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ وَبِالعَبِيدِ إِذَا أَذِنَ السَّادَةُ وَبِالمُرَاهِقِينَ وَالذِّمَّيُّ إنْ حَضَرَ منْ غَيْرِ إِذْنٍ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الرَّضْخَ خِلاَفٌ وإِنْ نُهِيَ فَحَضَرَ لَمْ يَسْتَحَقُّ وَالمُخَذِّلُ يَخْرُجُ مِنَ الجُنْدِ وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئاً وَإِنْ حَضَرَ.1
= أن يضع يده أو ثوبه ونحوه على وجهه، ويخفض صوته وتشميته إلى ثلاث مرات، فإن زاد، دعا له بالشفاء، ولا يشمته حتى يسمع تحميده، وأقل التشميت وجوابه أن يسمعه، ولو قال لفظاً آخر غير الحمد لله، لم يشمت، ففي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى، فشمتوه، فإن لم يحمد الله تعالى، فلا تشمتوه" وهذا الحديث مما ينبغي حفظه وإشاعته، فإن كثيراً من الناس يتساهلون فيه، وإذا لم يحمد الله تعالى، يستحب لمن عنده أن يذكره الحمد، ولو سمع حمده بعض القوم، يشمته السامعون فقط، ولو عطس يهودي، فليقل: يهديكم الله، ولا يقل: يرحمكم الله، ففيه حديث صحيح، ولو تثاءب، فالسنة أن يرده ما استطاع، وأن يضع يده على فمه، ثبت ذلك في صحيح مسلم، وسواء كان في صلاة أو غيرها، ويستحب إجابة من ناداه، بلبيك، وأن يقول لمن ورد عليه: مرحباً، وأن يقول لمن أحسن إليه: جزاك الله خيراً، أو حفظك الله ونحوهما، ويسن لمن أحب أخاً له في الله تعالى أن يخبره أنه يحبه، وهذا الباب واسع جداً، وفيما ذكرته مقنع، وقد أوضحت جميع ذلك بدلائله الصحيحة المتظاهرة في كتاب "الأذكار" وفيه ما لا يستغنى عن مثله من أشباهه، وإنما بسطت هذا الفصل على خلاف العادة، لأنه أحكام وسنن تدعو الحاجة إليها ويكثر العمل بها، فهي أولى من نوادر المسائل التي لا تقع في العادة، وأسأل الله الكريم التوفيق للخيرات.
والله أعلم.
قال الرَّافِعِيُّ: الجهادُ يتضمنُ قصدَ نُفُوس الكُفَّارِ وأَمْوالهم، وتَصرُّفُ الإمامِ في نِفِوسِهم: قد يكونُ بالقَتْلِ والقِتَال، وقد يكونُ بالاسْتِرْقَاقِ، وقَدْ يَكونَ بالمنِّ أو الفِدَاءِ، وتصرُّفه في أَمْوالهم: قد يكون بالإِتْلاَفِ، وقد يكُونُ بالاغتِنَامِ، فأَهْملَ صاحبُ الكتاب حُكْمَ المنِّ والفِدَاء؛ لأنَّ خَطْبَهما هَيِّنٌ.
وقال: "والنَّظَرُ فِي تَصَرُّفِ الإِمَامِ فِيهِمْ بالْقَتْلِ وَالاِسْتِرْقَاقِ وَالاِغْتِنَامِ، ولم يَذكرْ في الترجمةِ إتلافَ أموالِهم، لكنَّهُ يَبيِّنه عند التفصِيل بين الاسْتِرْقاق والاغْتِنام على ما سيأتي.
واعلمْ أَنَّهُ يكرهُ الغزْوُ بغَيْرِ إذْن الإِمَام، أو الأَمِير المنصُوب مِنْ جهته ولا يحرُم 1، وأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إذا بَعث الإمامُ سَرِيَّةً أَن يُؤَمِّرَ عليهم أَمِيراً، وَيأْمُرَهم بطاعتِه، ويوصيه بهم، وأَنْ يأخُذَ البيعَةَ على الجُنْدِ حتَّى لا يَفرُّوا، وأن يَبْعَثَ الطَّلائِعَ ويتجسس أَخْبارَ الكفار 2، ويُسْتحبُّ الخروجَ يومَ الخمِيس 3 في أوَّل النَّهَارِ، وأن يَعْقِدَ الراياتِ، ويجعل كُلَّ أمير تحت رايةٍ، ويجعل لِكُلِّ طائِفَةٍ شعاراً؛ حتَّى لا يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً بياتاً، ويُسْتَحبُّ أَنْ يدخل دارَ الحرْبِ بتعبئة الحرب؛ لأنَّهُ أحوطُ وأَهْيَبُ، وأن يستنصِرَ بالضعفَاءِ، وأَنْ يَدْعُوَ عند التِقَاءِ الصَّفّيْنِ، وأن يُكَبِّر مِنْ غَيْرِ إسرافٍ في رفْعِ الصوت، وأن يُحَرّضَ الناسَ على القتالِ، وعلى الصَّبْرِ والثَّباتِ، وكُلُّ ذلك مَشْهُورٌ في سِيَرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- ومَغَازِيه.
ولا يُقاتِلُ مَنْ لم تبلغه الدعوة حتى يدعوه إلى الإسلام، والذين بلغتْهُم الدعوةُ يُسْتحب أن يعرض عليهم الإسلامَ، ويَدْعُوهم إليه أَيْضاً، ويجوزُ أَنْ يبتهم [بغير دعاء] ثُمَّ الذين لا يقرون بالجزيةِ يُقَاتلُون وتُسْبَى نِسَاؤُهم، وتُغنم أموالُهم إلى أن يُسْلِمُوا، والذين تُقْبَلُ منهم الجزيةُ يُقَاتلون إلى أن يُسْلِمُوا أو يبذلوا الجِزُيَة، إذا عرفْتَ ذلك، فَإِنَّ صاحِبَ الكتابِ رتَّبَ التصرُّفَ الأول وهو القتالُ، والقتلُ -على مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: فِيمَنْ يُسْتَعَانُ به وفيه صُوَرٌ:
إِحْدَاهَا: يجوزُ الاستعانةُ بأَهْلِ الذِّمةِ والمشْرِكين في الغَزْوِ؛ لما رُوِيَ أَنَّ النبيَّ -
صلى الله عليه وسلم- استعانَ بيهودِ بَنِي قَيْنقَاع في بعض الغَزَواتِ، ورضخ لهم 1، وشهد صَفْوَانُ معه حربَ حُنَيْنٍ وِهو مُشْرِكٌ 2، وإِنَّمَا تجوز الاستعانةُ بهم إذا عرف الإِمَامُ حُسْنَ رَأْيِهم في المسْلِمينَ، وأَمِنَ من خِيَانَتِهم، واعتبر الإمامُ، وصاحبُ "التَّهْذِيبِ" وآخرون شرطاً آخرَ، وهو أَنْ يُكَثِّرَ المسلِمينَ بحيثُ لو خان المستعانُ بهم، وانضمُّوا إلى الذين يَغْزُونهم -لتمكَّنَ المسلِمُونَ مِن مُقَاوَمتهم جميعاً، وفي كتُبِ العِرَاقِيِّينَ وجماعةٍ أَنَّ شَرْطَ جوازِ الاستعانة أن يكون في المسلمِينَ قِلّة، وتمسّ الحاجةُ إلى الاستعانَةِ، ويكاد هذان الشرْطَانِ يتنافَيَانِ؛ لأنهم إذا قَلُّوا حتَّى احتاجُوا في مُقاوَمةِ إِحْدَى الفئتَيْنِ إلى الاستعانة بالأخرى فكيف يَقْدِرُون على مُقَاومتهما معاً 3؛ لو التأمتا وتمالأتا؟ وتكلَّمُوا فيما رُوِيَ عن عائِشَةَ -رضي الله عنها- أَن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى بَدْرٍ، فتبعَهُ رجلٌ من المشُرِكين فقال: "تُؤْمِنُ باللهِ ورسُولِه قال: لاَ، قال: فَارْجِعْ؛ فإنَّا لا نَسْتَعِينُ بمُشْركٍ، ثُمَّ أَتَاهُ بعد ذلك، ووصف الإسلامَ، فقبله وَاسْتَصْحَبَهُ" 4 من وجوه:
قِيلَ: كانت الاستعانةُ ممْنُوعةً، ثم رَخّص فيها 1.
وقِيلَ: إنما لم يستعِنْ حينئذٍ لفوات بعْضِ الشرُوطِ المعتبرة.
وقِيل: إِنَّ الأمْرَ فيه إلى رأْي الإمامِ، فرأى أَنْ يستعين في بعض الغَزَواتِ، ولم يره في بَعْض.
قِيل: تفرَّسَ فيه الرغبةَ في الإسلامِ؛ فردَّهُ رجاءَ أن يسْلِمَ، فصدق ظَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-.
= رابعاً- هناك حوادث أخرى اشتهرت عند أهل السير تفيد الاستعانة بهم كما في زاد المعاد، وعيون الأثر والشوكاني منها أن قزمان خرج مع -رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُشْرِكٌ فَقَتَلَ ثَلاَثةً مِنْ بَنِيْ عَبْدِ الدَّارِ حَمَلَةِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِيْنَ حَتَّى قَالَ رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- "إِنَّ اللهَ لَيُأزِّرُ هَذَا الدِّيْنَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ، وَمِنْهَا: أَنَّ خُزَاعَةَ خَرَجَتْ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى قُرَيْشٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمنْهَا أَنَّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دُروْعاً وَأَشْيَاءَ أخْرَى يُسْتَعَانُ فِي الْحَرْبِ بها، وَكَانَ صَفْوَانُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُشْرِكاً".
وأجابوا عن حديث عائشة، وحديث خبيب -رضي الله عنهما- بأنهما مَنْسُوخَانِ؛ لأن المنع من الاستعانة كان في أول الأمر ثم استعان بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوةِ خَيْبَرَ سَنَة سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ فَتَكُوْنُ ناسِخَةً لِمَا قبْلَهَا.
"مناقشة الأدلة" ونوقشت أدلة المجيزين بما يأتي:
أولاً- الحديث الأول في سنده الحسن بن عمارة وهو ضعيف فلا يحتج به.
ثانياً- والحديث الثاني أرسله الزهري، وكان يحيى بن القطّان لا يرى مراسيل الزهري شيئاً ويقول هي بمنزلة الريح.
ثالثاً- حديث ذي مخبر ليس في استعانة المسلمين بأفراد من الكفَّار وإنما هو في التحالف معهم ضد عدوّ مشترك.
رابعاً- يقال في حديث قزمان أنه لم يبين طريقه ليمكن الحكم عليه ولو سلمت صحته فلم يثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- أذن له بذلك في الابتداء، وغاية ما فيه أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين تبرعاً منه من غير استعانة منهم به وأما خزاعة فقد كانوا حلفاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، والأهم من ذلك أنهم كانوا في ذلك الوقت مسلمين بدليل قول عمران بن سالم الخراعي حين وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَنْصِرُهُ علي بني بكر وقريش.
يَا رَبِّ إِنَّي نَاشِدٌ مُحَمَّداً... حلفَ أَبِيْنَا وَأَبِيْه الأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمْ ولْداً وَكُنَّا وَالِداً... ثمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلمْ نَنْزَعَ يَدَا
إلى أن قال:
هُمْ بَيَّتُونَا بِالوَتِيْر هُجَّداً... وَقَاتَلوْنَا رُكَّعاً وَسُجَّدا
وأمَّا حديث صفوان فهو في غير محل النزاع؛ لأن ما فيه أن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- اسْتَعَانَ بِالسِّلاَحَ وَالْكَلاَمِ فِي الاسْتِعَانَةِ بِالرِّجَالِ، وَالْفرْقُ وَاضِحٌ.
ومن هذه المناقشة يظهر أن أدلة المجيزين لا تنهض للاستدلال فضلاً عن كونها تعارض أدلّةَ المنع، ولو صحَّ أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- استعان بأحد من المشركين لأمكن أن نجعله مخصوصاً من عموم المنع للمصلحة، ولأمكن أن نقيس عليه مثله مما يكون في الاستعانة به مصلحة للمسلمين، ولكن لم يظهر ذلك.
ثُمَّ إذا حضر الذِّمِّيُّ القتالَ بإِذْن الإمامِ، فله الرضخ كما تبيّن في "قِسْم الغَنَائِم"، إلاَّ إذا كان قد اسْتَأْجره، فلا يستحقُّ إِلاَّ الأَجْرة، وإِنْ حضر بعد ما نهاه، فلا شَيْءَ له؛ لأنَّهُ مُتَّهَمٌ بموَالاة أَهْلِ دِينه، وللإمام أَنْ يُعَزّره إذا رآه، وإنْ لم يكن نهيٌ ولا إِذْنٌ، فهل يَسْتَحِقُّ الرضخ؟ فيه وجهانِ:
أَصَحُّهما: المنعُ؛ لأَنَّهُ ليس مِنْ أَهْل الذَّبِّ عن الدين، بل هو مُتَّهَمٌ بالخيَانةِ، والميْلِ إلى أَهْل دينه.
والثَّانِي: أَنَّهُ يستحقُّ؛ لأنَّهُ بالعَهْدِ المُؤَبَّدِ صار من أَهْلِ الدار، ومِنْ أهل نصرتها.
[و] الثَّانِيَةُ: يجوزُ أَنْ يَسْتعين الإمامُ بالعبِيد إِذَا أَذِن السادَةُ 1، وأَنْ يسْتصْحِبَ المراهِقِين، إذا كان فيهم جلادةٌ وغناءٌ في القتال، وكذا لمصلحةُ سَقْيِ الماء، ومُدَاوَاةِ الجرْحَى، وكذلك يَسْتَصْحِبُ النساءَ لمثل ذلك على ما مرَّ.
وفي "جَمْعِ الْجَوَامِعِ" للرُّوَيَانِي: أَنَّ القَفَّالَ ذكر: أَنَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أطلقَ قولَيْن في جواز إِحْضار نساءِ أَهْل الذِّمةِ وذَرَارِيهم، فأَحَدُ القوليْن: أَنَّهُ يجوزُ كما يجوز إِحْضارُ نساءِ المسلمين، وذَرَارِيهم.
والثَّانيِ: لا يجوزُ؛ لأنَّهُ لا قِتَالَ فِيهم، ولا رأْيَ ولا نتبركُ بدعائهم 2، وهَاهُنَا كلمتانِ:
إِحْدَاهُمَا: ظاهِرُ ما ذكره لَفْظاً وتوجيهاً -جوازُ إحضارِ الذُّريَّةِ مُطْلقاً، إِلاَّ أَنَّ مَنْ لا يميِّزُ وَجَبَ أَلاَّ يجوزَ إحضارُه، كما نَصُّوا في المجنون أَنَّهُ لا يُحْضَرُ؛ لأنَّهُ يُعَرَّضُ للهلاك بلا مَنْفعةٍ.
والثَّانِيَةُ: ذكرنا في "قسْم الفَيْءِ والغَنَائِمِ" أَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الذِّمةِ إذا خَرَجنَ بإذْنِ الإِمام، لهن الرضخُ على أصحِّ الوجْهَيْن، فيجوزُ أَنْ يُبنَى الوجهان على القولَيْن المنقُولَيْن هاهنا، ويجوز أن يقدر خلافٌ في استحقاقهن الرضخ، مع تجْوِيز الإذْنِ لَهُنَّ، ويوجه المنعُ بِأَنَّهُنَّ يتبعْن الرجال في الجزيَةِ المبذُولَةِ، فكذلك يتبعن في الرضخِ المأخُوذِ.
الثَّالِثَةُ: المخذَّل للجيش يُمْنعُ من الخُرُوج مع الناس، فإنْ خَرجَ أُخْرِجَ من الجنْدِ، ولا يَسْتحقُّ شَيئاً وإن حضر القِتالَ، فإنْ قتل كافراً لا يستحق سلبَه.
والمخذِّلُ: هو الذي
يخوِّفُ النَّاسَ، بأَنْ يقولَ: عددكم قَلِيلٌ، وخُيُولكُم ضَعِيفةٌ، ولا طاقَةَ لكم بالعدوّ، وما أشبه ذلك، وفي معنى المخذِّلِ: المرجفُ والخَائِنُ، والمرجفُ: هو الذي يُكْثر الأَراجِيفَ بأن يقول: قُتِلَتْ سريَّةُ كذا، أو لحقهم مددٌ مِنْ جِهَةِ كذا، أو لهم كَمِينٌ في مَوْضِع كذا.
والخَائِنُ والخِيانَةُ: أَنْ يتجسَّسَ لهم، ويُطْلِعَهم على العَوْراتِ بالمكاتبة والمُراسَلَةِ، وتكلموا في أنَّهُ لَمَّا كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَغْزُو ومعه عبدُ الله بنُ أَبيّ مع ظُهُورِ التخْذِيل منه؟ فقِيلَ: كانت الصحابةُ -رضي الله عنهم- أَقْوِياءَ في الدِّين، لا يُبَالُون بتخذِيله، وقِيلَ: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يطّلِعُ بالوحْي على أَفْعاله، فلا يستضر بكَيْده، وصورة المخذِّل مكررةٌ، قد ذكرها مَرَّة في "قِسْمِ الغَنَائِم".
ويجوزُ أن يعلم قوله هاهنا: "وَلاَ يَسْتَحِقّ شيئًا وإن حضر" وقولُه هنا: "فَلا يُعْطَى شيئاً أصْلاً" بالحاء لأنَّ القاضي ابنَ كَجّ رَوَى عن أَبِي حَنِيْفَةَ أَنَّه يُسْهِمُ له مِنْ الغنيمة إذا حضر، وبالوَاوِ؛ لأنَّ القاضِيَ الروياني روى وراء المشهور وَجْهين:
أَحَدُهما: أَنَّهُ إِنَّمَا يحرمُ إذا نهاه الإِمام فلم ينْتَهِ.
أَمَّا إذا لم يَنْهَهُ -فيسهم له كغيره.
والثاني: أَنَّهُ يرضخُ له، ثُمَّ لفظُ الكتاب هاهنا أَنَّهُ يخرجُ من الجند، وهناك أَنَّهُ يخرجُ مِنَ الصَّف، فالإخراجُ من الجُنْدِ قبل التقاءِ الصَّفَّيْنِ ظاهِرٌ، وأَمَّا عند الالتِقَاءِ، فَإِنَّما يخرج إذا لم يخف منه وهن.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) لاَ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ المُسْلِم عَلَى الجِهَادِ إِذْ يَقَعُ عَنهُ لَكِنْ لِلإِمَامِ أَنْ يُرغُبَهُمْ بِبَذْلِ الأهْبَةِ وَالسَّلاَحِ وَلَوْ أَخْرَجَهُمْ قَهْراً لَمْ يَسْتَحِقُّوا الأُجْرَة وَلَوْ عَيَّنَ الإِمَامُ شَخْصاً لِدَفْنِ مَيِّتٍ وغَسْلِهِ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَرِكَةٌ أَوْ فِي بَيْتِ المَالِ مُتَّسَعٌ وَيَجُوزُ اسْتِئْجارُ العَبِيدِ إِنْ قِلْنَا: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ القِتَالُ بِحَالٍ وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الذِّمِّيِّ وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ جَعَالَةٌ لِلجِهَادِ وَفِي اسْتِقْلاَلِ الآحَادِ بِاسْتِئْجَارِ الذِّمِّيِّ وَجْهَانِ كَمَا فِي الأَذَانِ وَلَوْ أُخْرِجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ قَهْراً اسْتَحَقُّوا أُجْرَةَ المِثْلِ مِنَ الغَنِيمَةِ عَلَى رَأْيٍ وَمِنْ بَيْتِ المَالِ عَلَى رَأْيٍ وَلوْ خُلَّيَ سَبِيلُهُمْ قَبْلَ الوُقُوفِ لَمْ يسْتَحِقُّوا إِلاَّ أُجْرَةَ الذَّهَابِ وَلَوْ وَقَفُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِمُ الأُجْرَةَ الكَامِلَةَ خِلافٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: أمَّا المسلمُ فلا يجوزُ أَن يُسْتَأجر؛ لأنَّه إن كان مُتَعيناً عليه -فهو بالخرُوجِ يُؤَدِّي فَرْضاً عليه مُتعيناً، وإنْ لم يكُنْ متعيِّناً عليه، فإذا حضر الوقعَةَ تَعيَّنَ عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة عن الفرضِ المتعيّن عليه، الواقِعِ عنه، كما لا يَأْخُذُ الصّيرورة الأُجْرة على الحج؛ لأنَّ الحجَّ يقع عَنْه، فلا فرقَ في ذلك بين الإِمَامِ والآحادِ.
وعن الصَّيْدَلاَنِيِّ: أَنَّهُ يجوزُ للإمامِ أَنْ يَسْتأْجِرَ المسلِمَ للجهادِ، ويُعْطِيَه الأُجْرة من سَهْم المصالح، والظاهِرُ الأوّلُ، والإمامُ يرغّبُ في الجهادِ ببذل الأُهْبة والسِّلاحِ مِنْ بيْتِ الماَل، أو مِنْ خاصِّ ماله، فينال ثوابَ الإعَانَةِ، ويقع الجهادُ عن المباشر، وكذلك إذا بذل أهبته الواحد من عرض الناس مِنْ ماله.
رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فِي سَبِيلِ اللهِ فَقدْ غَزَا" 1 ورُوِي "مَنْ جَهَّزَ غَازِياً أَوْ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِراً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" 2.
قال الأَصْحابُ: وما يُدْفَعُ إلى المُرْتَزَقَةِ من الفَيءِ وإلى المطوّعة من الصَّدَقَاتِ -حقوقُهم المرتبة لهم وليس أجرةً وجهادُهم واقِعٌ عنهم.
ولو قَهَرَ الإمامُ جماعةً من المسلمِينَ، وأَكْرَههُم على الخروج والجهاد -لم يَسْتَحِقُّوا الأُجْرةَ؛ لما ذكرنا من وُقوعِ الجهاد عنهم، وامتناع استئجارِهم له، هكذا أطْلقُوه، وفصَّلَ في "التَّهْذِيبِ" فقال: إِنْ تَعَيَّنَ الجهادُ عليهم، فالحكْمُ كذلك، وإِلاَّ فلهم الأُجْرةُ مِنْ حِين أخْرجهَم إلى أَنْ يحضروا الوقْعَةَ، وأطلق مُطْلقون القولَ بأنَّهُ إذا عَيَّنَ الإمامُ رَجُلاً، وأَلْزمه غَسْلَ الميِّتُ ودَفْنه -لم يكنُ لذلك المقهور أجرةً، واسْتَدْرَكَ الإمامُ فقال: هذا إذا لم يكُنْ للميت تَرِكَةٌ، ولا في بيت المال مُتَّسَعٌ، فإن كان له تَرِكَة، فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزه في تركَتِه، وإِلاَّ وفي بيتِ المال متسع فمؤنُته في بيت المالِ، فيستحق المقهورُ الأُجْرةَ، والتفصِيلان حَسَنَانِ، ولنحمل عليهما الإِطْلاَق.
وهل يجوزُ للإمامِ استئجارُ عَبِيد المسلمين؟ قال الإمامُ: الترتِيبُ فيه: أَنَّا إن جَوَّزْنَا له استئجارَ الأَحْرَارِ، فيجوزُ استئجارَ العبِيد أيضاً، وإلاَّ فَفِي اسْتئجار العَبِيد وَجْهان مُخَرَّجَانِ على أنه إذا وَطِئَ الكفارُ طرفاً مِنْ بلادِ المسلمين، هل يتعيَّن الجهادُ على العبيد؟
إِنْ قُلْنا: نَعَم، فهم مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الجهادِ، فإذا وقفوا في الصفِّ -وقع عنهم، فيكون استئجارُهُم كاستئجار الأحْرارِ، وإِلاَّ فيجوزُ استئجارُهُم، وهو الذي أراد بقوله في الكتاب "إنْ قُلْنَا: لا يجبُ عليهم القتالُ بحِالٍ" وإن أَخْرج عَبِيداً قَهْراً- لزمت أجرتُهم من يَوْمِ الإخراج إلى أَنْ يَعُودَ كُلُّ واحدٍ إلى يَدِ سَيَّده، هكذا أطلق صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وغيرُه، ويشبه أن يبنى ذلك على الوجْهَيْن السابِقَيْنِ: إنْ جعلناهم من أَهْلِ فرض
الجهاد، فَلْيَكُونُوا كالأَحْرَارِ، وهذا في استئجار المسلم.
وأَمَّا الذِّمِّيُّ فللإمام أَنْ يستعمِلَه للجهاد بمالٍ يبذله، وطريقه الجُعَالة أو الإِجَارَة فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: الجُعَالَةُ؛ لأنَّ أعْمال القتال مجهولة لاَ تَنْضَبطُ، وأصَحُّهما: الإِجَارةُ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الأَعْمال مَجْهُولةً، فَإِنَّ المقصُودَ القتالُ على ما يتفق والمقاصِدُ هي المرعيّةُ على أنَّ مُعَاقَدَاتِ الكُفَّار يُحْتَملُ فيها ما لا يُحْتَملُ في مُعَاقَداتِ المسلمين، على ما سيأتي -إِنْ شاء اللهُ تعالى- في مَسْأَلَةِ العِلْجِ، ولو كان جُعَالَة لكان للذِّميّ الاِنْصِرَافُ، مَتَى شَاءَ، وهو بَعِيدٌ، وعلى هذا فَفِيمَا يستأجره به وَجْهَانِ مَنْقُولاَنِ في "المهذب":
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لا يجوزُ أن تبلغ الأُجْرةُ سَهْمَ رَاجِلٍ؛ لأنَّهُ ليس مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الجهادِ، فلا يُعْطَى سَهْمَ راجلٍ كالصبي والمرْأَةِ، وكأنَّ حاصِلَ هذا الوجْهِ الحكم بِالاِنْفِسَاخ، والردِّ إلى أُجْرة المِثْلِ، إذا بَانَ بالأجرة ازديادُ الأُجْرَةِ على سَهْمٍ من الغَنِيمة، وإِلاَّ ففيَ الابْتِدَاءِ لا ندْرِي قَدْرَ الغنِيمة، وسَهْم الراجِل منها، وأَصَحُّهما: أَنَّهُ لاَ حَجْرَ في قدر الأجرة كما في سائر الإجَارَاتِ، وهل لأحادِ المسْلِمِينَ استئجارُ الذمي للجهاد؟ فيه وَجْهانِ كما في اسْتِئْجَارِ الآحادِ للآذانِ:
أصَحُّهمَا: المنعُ؛ لأنَّ الآحادَ لا يَتَولّون المصَالِحَ العامَّةَ، وذكرنا في "الأَذَانِ" أَنَّ الأصحَّ تجويزُ الاستئجارِ، ويمكن أَنْ نفرّق بِأَنَّ الجهادَ أعظمُ وَقْعاً، ويتعلَّقُ بإقامَتِه وتأْخِيره مَصَالِحُ يحتاج فيها إلى نَظَرٍ كَامِلٍ، وأَيْضاً فالذِّمي مخالِفٌ في الدِّين، وقد يَخُون في الجيْشِ إذا حَضَرَ، فلْيفوَّضْ أمرُه إلى رأْيِ الإِمام، ثُمَّ في الفَصْلِ صُورَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: إذا أخرج الإمامُ أهلَ الذِّمةِ، فالأحبُّ أن يُسَمَّيَ لهم أجرة [فإن ذكر شَيْئاً مَجْهُولاً بأن قال: نُرْضِيكم أو نُعْطِيكم ما تَسْتَغْنون به وجب أجرة] 1 المِثْل فإن أَخْرجَهم وحَمَلَهُم على الجهاد قَهْراً، فكذلك تجب أجرةُ المِثْلِ كالاستئجار في سائر الأَعْمالِ، فإِنْ خرجوا آمِنينَ، ولم يُسَمَّ لهم شيئاً فهذا مَوْضِعُ وُجُوب الرضْخِ، وفِي محلِّه أقوالٌ مذكورة في كتاب "قِسْم الفَيْءِ والغَنِيمة"، والأُجْرة الواجبة مُسَمّاة كانت أَوْ أُجْرةَ مثلٍ مِنْ أَيْن تُؤَدَّى؟ ذكروا فِيه وَجْهَيْن:
أَحَدُهما: مِنْ خُمُسِ الخمْسِ مِنْ سَهْم المصالح؛ لأنهم يحضرون للمصلحة، لا أَنَّهم من أهل الجِهَادِ.
والثَّانيِ: مِنْ رَأْسِ مَالِ الغَنِيمة، فجعل المدفوعَ إليهم كسائر المُؤَنِ.
وحَكَى القاضي ابنُ كَج وَجْهاً ثالثاً، وهو أَنَّهَا تؤدي مِنْ أرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الغَنِيمة؛ لأنَّها مُؤَداة بالقتالِ كسِهَامِ الغَانِمِينَ، هذه هي الأَقْوَالُ المذكورَةُ في الرَّضْخِ.
وقد يُقالَ: ما معنى قَوْلِنَا: تُؤَدَّى من خُمْسِ مال الخمسِ؟ نعني به خُمْسَ خُمُسِ الغَنِيمة التي تحصلُ في هذا القتال، أو خُمْس خُمس الفَيْءِ والغَنِيمة الحاضر المُعَدِّ عند الإِمام؟
والجوابُ: أَنَّ التأَمُّلَ فيما ساقه الأَئِمّةُ يُفْهمُ تارةً هذا، وتارةً هذا، وحُكْمها واحدٌ، والظاهِرُ أَنَّ كُلاًّ مِنْهما جائزٌ، فإنْ لم يوجد أَحَدُهما -يتعيّنُ الثاني الأداء، وقد يُقالُ: ذكرتُم في الرضخ أَنَّ الأصَحَّ أنَّهُ يُعْطَى من أَرْبَعَةِ أَخْماسِ الغنيمة، وهاهنا رَجَّحُوا الأداءَ من خُمْسِ الخُمْسَ، ورُبَّمَا لم يذكروا غَيْرَهُ، وهو الذي نَصَّ عليه في "المخْتَصَرِ" هاهنا، فما الفرق؟
والجوابُ: يمكِنُ أن يُقال: إذا حضر طائِعاً ولم يُذْكَرْ له مالٌ -فقد شبّه نَفْسَهُ بالمجاهِدِينَ، فيجعل في القِسْمة معهم، وأمَّا الأُجْرة فهي عِوَضٌ محضٌ، ونظره مقصور عليها، فيُجْعل فيما يختص ببدء الإِمَامِ، وتصرُّفِه ولا يُزَاحِمُه فيه الغانِمُون.
الثانية: لو خَلَّى سَبِيلَهُم، وقد أخرجهم قَهْراً قبل أن يَقفوا في الصَّفِّ، أَوْ أفلتوهم ولم يقفوا -لا تلزمْ إِلاَّ أجرةُ الذهابِ، وإن تعطّلت منافِعُهم في الرجُوعِ؛ لأنَّهم يتردَّدُون حيئنذٍ كيف شاؤوا ولا حبس ولا استئجارَ، وإن وقف المقْهُورُونَ ولم يُقَاتِلُوا، فهل لهم الأُجْرةُ لمدَّةِ الوقُوفِ؟ فِيه وجهان:
أَحَدُهما: نَعَمْ, لأنَّ الوقُوفَ والحضُورَ كالقتالِ في استحقاق سَهْمِ الغَنِيمة، وكذلك في اسْتِحْقَاقِ أُجْرة الجهاد.
وأَظْهرهُما: المنعُ؛ لأنَّ الأُجْرة في مُقَابلة العَمَل، والفائدة المبتغاةُ لم تحصلْ، فعلى هذا إذا لم يكن عليهم حَبسٌ وَقَهْرٌ فلا شَيْءَ لهم، وإِلاَّ فعلى الخِلاَفِ في أَنَّ منفعة الحُرِّ -هل تضمن الحبس والتعطِيل دون الاستيفاء؟ وأشار في "الوَسِيطِ" إلى أَنَّ بين أُجْرة مثل القتال وأجرة الحضور والاحتباسِ هناك- فَرْقاً وتفاوتاً ظَاهِراً.
فإنْ جعلنا الحضُورَ كالقتال -وجبَ أجرة مثل القتال، وإِلاَّ فالواجِبُ أُجْرةَ مثل الوقُوفِ، والاحْتِباسِ إن قُلْنَا: إِنَّ منفعةَ الحُرِّ تضمن بالحبس.
وقولُه في الكتاب: "فَفِي اسْتِحْقَاقِهِمُ الأُجْرَة الكَامِلَة خلافٌ" مُنَزَّلٌ على هذا، ويمكنُ أن تُحْمَل الأُجْرة الكاملة على أُجْرة مِثْلِ الذهابِ والوقُوفِ، فَإِنَّا إذا لم نوجب للوقوف شَيْئاً -يكونُ الواجِبُ أجرة مثل الذهاب وحدها وهي ناقِصَةٌ بالإضافة إلى أُجْرتهما.
وحكى في "البَيانِ" فيما إذا اسْتَأْجر الإمامُ الذِّمِّيَّ فلم يقاتِلْ وَجْهين: في أنَّهُ هَلْ
يستحِق شَيْئاً وهو مثلُ ما ذكرنا في صورةِ القهرِ وقوله قبل ذلك: "ومن بيت المال على رَأْيٍ" يعني مالَ المصالحِ.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ فِيمَنْ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ) وَهُوَ الرَّحِمُ كَالأَبِ وَالأُمِّ وَالصَّبِيِّ وَالمَرْأَةِ وَإِنْ شُكَّ فِي بُلُوغِ الصَّبِيِّ كُشِفَ عَنْ مُؤْتَزَرِهِ وَاعْتُمِدَ نَبَاتُ شَعْرِ العَانَةِ فَإِنْ قَالَ: اسْتَعْمَلْتُهُ بِالدَّوَاءِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ عَيْنُ البُلُوغِ لاَ عَلاَمَتُهُ وَلاَ يُعَوَّلُ عَلَى اخْضِرَارِ الشَّارِبِ وَيُعَوَّلُ عَلَى مَا خَشُنَ مَنْ شَعْرِ الإِبِطِ وَالوَجْهِ وَفِي جَوَازِ قَتْلِ الرَّاهِبِ وَالعَسِيفِ وَالحَارِس وَالشَّيْخِ قَوْلاَنِ وَفِي السُّوقَةِ طَرِيقَانِ مِنْهُمْ مِنْ قطَعَ بقتْلِهِمْ فَإنْ لَمْ يُقْتَلُوا أرْفِقُوا لِمُجَرَّدِ الأَسْرِ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ يُرْفَقْ إِلاَّ بإِرْقَاقٍ عَلَى وَجْهٍ وَيَمْتَنِعُ اسْتِرْقَاقُهُمْ أَصْلاً عَلَى وَجْهٍ بَعِيدٍ وَهُوَ جَارٍ فِي المَنْعِ مِنْ سَبْيِ ذَرَارِيهمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالشَّيْخُ ذُو الرَّأي يُقْتَلُ.
قال الرَّافِعِيُّ: والكلامُ في صُورٍ:
إحداها: يَنْبغي أَنْ يَتَوقَّى الغازِي قَتْلَ قَرِيبه وهو مكروه، وإن انْضمَّتْ إلى القَرَابةِ المحْرمِيّة ازدادت الكراهيةُ قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].
رُويَ أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مَنَعَ أَبَا بكرٍ -رضي الله عنه- يَوْمَ أُحُدٍ عن قتل ابنه عبْدِ الرحْمَنِ 1، وأَبَا حُذَيفَةَ بن عُتْبة -رضي الله عنه- عن قتل أبيه يَوْمَ بدْرٍ 2، فإنْ سَمِعِ أباه أو قَريبه يذكر الله -عز وجل- أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- بِسُوءٍ لم يكْرَهْ له قَتْلُه؛ لما روي أنَّ أَبَا
عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ -رضي الله عنه- قتل أَبَاهُ حِينَ سَمِعَه يَسُبُّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فلم يُنْكِر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَنِيعَهُ 1.
وقولُه في الكتاب: "وَهُوَ الرَّحِمُ" أَيْ: ذَوُ الرَّحِمِ.
الثانية: لا يجوزُ قتلُ صِبْيان الكُفَّار، ونِسَائِهم إذا لم يُقَاتِلُوا؛ لما رُوِيَ عن عَبْدِ الله ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: نَهَى عن قَتْلِ النِّسَاءِ 2 والصبيان، وروى أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ في بعض غَزَوَاتِه؛ فقال: مَا بَالُ هَذِه تُقْتَلُ وَهِيَ لاَ تُقَاتِلُ" 3؟ والمجنُونُ كالصَّبي، والخُنْثَى المُشْكِلُ كالمرأة.
فإن قاتلوا جاز قَتْلُهم؛ لما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بامرأةٍ مَقْتُولةٍ يَوْمَ خَيْبَرٍ، فقال: مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ فقال رجلٌ: أنا يا رسولَ اللهِ، غنِمْتُها؛ فأَرْدَفْتُها خَلْفِي، فَلَمَّا رأتِ الهزيمةَ فِينَا أَهْوَتْ إليَّ قَائِمَ سَيْفِي لتقتلني؛ فَقَتَلْتُها، فلم يُنْكِرْ عليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم 4 -، وإذا أُسِرَ مِنْهم مُرَاهِقٌ، ولم يُدْرَ أَهُوَ بالغ أمْ صَبِيٌّ؟ كُشِفَ عن مُؤْتَزرِهِ، فإن لم يَنْبُتْ فحكمُه حُكْمُ الصبيان، وإِنْ أَثْبَتَ حُكِمَ بِبُلُوغه خِلاَفاً لأَبِي حَنِيْفَةَ وقد ذكرناه، ومعتمدُ المذْهَبِ في "كتاب الحَجْرِ"، وحكينا قولَيْن من أَنَّهُ بلوغ حَقِيقةٌ أو هو دَلِيلُ البلوغ، فإِنْ قال المأْسُورُ: استعجلْتُ الشعرَ بالدَّواءِ بُنِيَ على هذين القوْلَيْن.
فإن قُلْنا: إِنَّهُ عَيْنُ البلوغ، فلا عِبْرَة بما يقولُه، فهو بالغٌ.
وإنْ قُلْنا: إِنَّهُ دَلِيلُ
البلوغِ، وهو الأَظْهرُ فيصدق بيمينه ويحكمُ بالصغرِ، هكذا حكى عن النَّصِّ، وبه أَخَذَ الأصحابُ، لكن رَأَوْهُ مُشْكِلاً من وجهين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الأَيْمانَ تُسْتعملُ في النَّفْيِ، وهذه اليمين لإثباتِ الاسْتِعْجالِ.
وأُجِيبَ: بِأَنَّا صِرْنَا إليه لحقْنِ الدَّمِ، وقد يخالف القياس، وكذلك نقبلُ الجزية من المجُوسِ، وإن لم نناكحهم ولم نستحلّ ذَبِيحَتَهُم.
والثاني: أنه يَدَّعِي الصِّبَا، وتحليفُ مَنْ يدّعي الصبا بعيدٌ ولهذا الإشكالِ ذهب بعضُ الأَصْحاب إلى أَنَّ هذه اليمينَ احتياطٌ، واستظهارٌ، وليست بواجبة.
وقال أَكْثَرُهُم: لا بُدَّ منها؛ لأَنَّ الدلِيلَ الظاهِرَ قائِمٌ فلا ينزل بمجرَّدِ قَوْل المأْسُورِ، ونزيدُ هذه الصورة شَرْطاً في "كتاب الدَّعَاوى" بتيسِير اللهِ تعالى، وقد أعاد هناك صُورةَ دَعْوَى الاستنبات بالعلاج، ليتبيّن الحكم لو ادَّعَاهُ، ونَكَلَ عن اليمين، ثُمَّ الاعتمادُ في شَعَرِ العَانَةِ على الخَشِنِ دُونَ الضَّعِيفِ الذي لا يُحْوِجُ إلى الحلْقِ، وذكرنا في "الحَجْر" وَجْهَيْنِ في أَنَّ شَعَر الإِبِطِ والوَجْه يُشْترط الخُشُونةُ هل يُلْحقَانِ بشعر العَانَة؟ وبالإلْحَاقِ أجابَ صاحبُ الكتابِ -هاهنا- وهو قَرِيبٌ، وللأئمة اختلافٌ في أَنَّ الراجِحَ من الوجْهَيْنِ ماذا وقد بيناه في ذلك البَابِ، ونباتُ الشَّارِبِ كنباتِ اللِّحْيَةِ، ولا أَثَر لاخضرَارِ الشارِبِ، ويجوزُ أَنْ يُعْلَمَ، لما بَيّنَّا قَوله في الكتابِ: "وَاعْتُمِدَ نَبَاتُ شَعَرِ الْعَانَةِ بالحَاءِ" وقولُهَ: "ويُعَوَّلُ عَلَى ما خَشُنَ" بالواو.
الثالثة: في جواز قَتْلِ الرَّاهِبِ شَاباً كان أو شيخاً، قولانِ، وكذا في العُسَفَاءِ: وهم الأُجَراءُ، والحارفِينَ المشغُولِين بحرَفِهم، وفي الشيوخ الضُّعَفَاءِ، وفي معناهم العُمْيَانِ والزُّمْنَى ومَقْطُوعِي الأَيْدِي والأَرْجُلِ -أحد القولين، أَنَّهُ يجوز قَتْلُهم وبه قال أَحْمَدُ، وهو اختيارُ المُزَنِيُّ وأَبِي إسْحَاقَ؛ لعُموم قولِه تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] وروي أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ" 1 2 وفَسَّرَ "الشَّرْخَ " بالمُرَاهِقِينَ، وأيضاً فهم كفارٌ ذُكُورٌ أَحْرَارٌ مُكلَّفُون -فجاز قَتْلُهم كغيرهم.
والثاني: وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ: أَنَّه لا يجوزُ؛ لما روي أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَلاَ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ" 3.
ورُوِيَ أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال لخالدٍ -رضي الله عنه-: "لاَ تَقْتُلْ عَسِيْفاً وَلاَ امْرَأَةً" 1 وأيضاً فَإِنَّهم لا يُقَاتِلُون، فأشبهوا النساءَ والصِّبْيَانَ.
ورُوِيَ أَنَّ أبا بكر -رضي الله عنه- بعث جَيْشاً إلى الشامِ فنهاهم عن قَتْلِ الشُّيوخِ، وأَصْحَاب الصَّوامِعِ 2، وأَصَحُّ القولَيْن على ما ذكره الشيَخُ أَبُو حَامِدٍ وأَصْحابه، والرُّويَانِي الأول، وفي سِيَاقِ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- في "المخْتَصَر" ما يَدُلُّ عليه، فإنَّهُ لمَّا أحتج للقول الثاني بقصَّةِ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- قال مُجِيباً عن الاحتجاج: يُشْبِهُ أَنْ يكونَ المقصودُ من النهي أَمْرهُم بالجد في قِتَالِ المقاتِلة لئَلاَّ يشتغِلُوا عن الحرْبِ بالمَقام على الصوامعِ وشبهه، بما رُوِيَ عنه -رضي الله عنه- أَنَّهُ نهاهم عن قَطْعِ الأَشْجَارِ المثْمِرَةِ مع أَنَّهُ حضر رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وأمر بقطْعِ نَخِيل بَنِي النَّضِيرِ 3، لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان وَعَدَهُمْ فَتْحَ الشامِ، فأراد أَنْ تَبْقَى منفعتها للمسلمين.
والقَوْلاَنِ فيما إذا لم يكن لهؤلاءِ المذكُورَيْنِ رأي، كما لم يكن منهم قتالٌ، فأَمَّا الشيخُ وغيرُه إذا كان لهم رأْيٌ يَسْتَعِينُ الكفار به في القتال، وكان يُدَبّر لهم أَمْرَ الحرْبِ - فيجوزُ قتلُه، لأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصمَّةِ قُتِلَ يوم حُنَيْنٍ وقد نَيَّفَ على المِائةِ، وكانوا قد استحضروه لِيُدَبِّرَ لهم، فلم يُنْكِرُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم 4 -، والذي يَقْتَضِيه ويفهمه كلامُ الأَصْحاب:
أَنَّهُ لا فَرْقَ أَنْ يحضر ذُو الرأْيِ في صَفٌ القِتَالِ، أو لا يحضر في أَنَّهُ يجوز قتلُه، ولا بين أَنْ يقدر على الأَخْرق منهم في صَفِّ القتال، أَوْ يدخُل بعض بلادِهم وهم غَازُون، فنجده هناك في أَنَّ جَوازَ قتْلِه على القَوْلَيْنِ.
وهذا قَرِيبٌ في الشيُوخِ والعُمْيَانِ والزِّمْنَى الذين لا يَتَأَتَّى منهم القتالُ: وفي الرُّهْبَانِ المعرِضِينَ عن التعرُّضِ للناس.
لكن يبعد في الأُجراءِ والمشغولين بالحرف إلاَّ نتعرّضَ لهم إِذَا دخلْنَا بلادَهم! كيف وأكثرُ النَّاسِ أَصْحَابُ حِرَفٍ وصناعات؟ وإذا جاز التعرض لهم، إذا دخلْنَا بلادهم = وفيه: ولا تقتلوا وليداً ولا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً، وفي إسناده ضعف وإرسال، ورواه من وجه آخر منقطعاً وفيه: ولا تقتلوا امرأة ولا صغيرًا ورواه ابن أبي حاتم في العلل من حديث جرير بلفظ: ولا تقتلوا الولدان وقال: هذا حديث منكر.
قاله الحافظ في التلخيص.
فكذلك إذا وجدْنَاهم في الصَّفِّ، ولا يَمْنَعُ من التعرُّضِ قولُ القائِلِ: إِنَّهم لا يقاتِلُون، أو إنَّهم لم يخرجُوا على قَصْدِ القتال، فإنَّ هذا المعنى مُتَحققٌ في حَقِّهم، وهم في بلادِهم قَارُّونَ وغارون، وهذا يجرُّ إلى طريقَةٍ قَوِيَّةٍ حَكَاهَا القاضِيَانِ: ابنُ كَجٍّ وأَبُو الطَّيِّبِ -قاطِعَةً بأن الأُجَرَاءَ يجوز قَتْلُهم، ورُبَّمَا نُسِبَ إِلى ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، والخَارِقُونَ في مَعْنَاهُمْ لا مَحَالَةَ، ويُؤَيِّدُهَا ما سنذكُرُ إنْ شاء اللهُ تعالى في "السُّوقَةِ" وفي "الوَسِيطِ" موضع القولين في الشيخ الأَخْرقِ ما إذا لم يحضر القِتَالَ، فإن حضر.
فالظاهِرُ أَنَّهُ يُقْتَلُ، ويحتمل أَنْ يَطَّرِدَ القولان، وأَنَّ ذَا الرأْي يُقْتَلُ إذا حَضَرَ، وإِنْ لم يحضرُ فَفِيه تردُّدٌ، والظاهِرُ أَنَّهُ يُقْتلُ، وفي السُّوقَةِ طريقان عن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ:
أَحَدُهمَا: أَنَّ فيهم القولَيْن؛ لأنَّهم لا يمارسُون القتَالَ، ولا يتعاطَوْنَ الأسْلحة.
قال الإمامُ: وهذا لم يتعرَّضْ له الأئمةُ، وإن كان متوجهاً.
والثَّانِي: القطعُ بأنهم يُقْتَلُونَ؛ لِقُدْرَتِهم على القتالِ واستقلالهم.
التفريع
:
إِنْ قُلْنَا: يجوز قَتْلُهم، فيجوزُ اسْتِرْقَاقُهم، وسَبْيُ نِسَائِهم، وذَرَارِيهم، واغْتِنَامِ أَمْوَالهم.
وَإِنْ قُلْنا: لا يجوزُ ففي اسْتِرْقَاقِهم طُرُقٌ.
أَظْهُرها: أنهم يرقُّونَ بنفس الأَمْرِ كالنساء والصبيان.
والثاني: أنَّ فيهم قَوْلَينِ كالأَسِير إذا أسلم قبل الاسْتِرْقاق، ففي قولٍ: يتعيّن رِقُّهُ، وفي قولٍ للإمام: أن يَرِقَّهُ أو أن يَمُنَّ عليه أو يُفَادِيَهُ.
والثَّالِثُ: عن رِوَايةِ صَاحِبِ "التَّقْريبِ" وَأَبِي يَعْقُوبَ الأبْيُوردِي عن النصِّ أنه لا يجوزُ استرقاقُهم، بل يُتْركُونَ، ولا يتعرض لهم، وهذا ما أورده في "التَّهْذِيبِ" ويخرج مِنْهَا عند الاِخْتِصَارِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ كما ذكره في الكتاب، وفي جواب سَبْيِ نسائِهِم وذَرَارِيهم وجوهٌ أيضاً.
ففي وجه: يجوزُ كإِرْقَاقِهم.
وفي وَجْهٍ: لا يتعرّض لهم.
وفي الثالث: يجوزُ سَبْيُ نسائِهم ولا يجوزُ سَبْيُ ذَرَارِيهم؛ لأنَّهم أَبْعَاضُهم، وأجرى الخلاف في اغتنامِ الأَمُوالِ، وقال الإمامُ: مَنْ قال: لا تغنم أموال السوقة فقد قرب من خرق الإجماع.
وقولُه في الكتابِ: "والعَسِيفُ" يجوزُ إعلامُه بالواو لما ذكرناه مِنَ الطريقَةِ القاطِعَةِ، وكذا قولُه: "والحَارِفُ"، وأراد بالحارِفِ المشغُولَ بالحِرْفَةِ، وقد جمع في "الوسِيطِ" بين اللَّفظَيْنِ، وفي بَعْضِ النسخ بدله الحَارِث: يعني المشغُول بالحِراثة.
وقولُه: "فَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُمْ" يَعْنِي المذكُورِينَ جَمِيعاً.
وقولُه: "هو جار" يجوزُ أَنْ يُصْرَفَ إلى وَجْهِ امتناعِ استرقَاقِهم، أَيْ: كما يمتنع استرقاقُهم يَمْتَنِعُ سَبْيُ ذَرَارِيهم ونِسائِهم، ويجوزُ أَنْ يُصْرَفَ إلى الخلافِ.
فرع
ٌ:
إذا تَرَهَّبَتْ المرأةُ ففي جَوَازِ سَبْيِها وجهانِ، بناءً على القَوْلَيْنِ في جَوازِ قتل الرَّاهِبِ:
ولا يُقْتَلُ رسولُهم؛ لما روي عن ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلَيْن أَتَيَا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَسُولَيْنِ لمسَيْلِمَة فقال لهم: أَتَشْهَدَانِ أَنَّي رَسُولُ الله، فقالا: نَشْهَدُ أنَّ مُسَيْلمةَ رسولُ الله، فقال عليه السلامُ: "لَوْ كُنْتُ قَاتِلاً رَسُولاً لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا".
فجرت السنَّةُ أَلاَّ يُقْتَل الرسلُ 1:
قال الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): يَجُوزُ نصْبُ المِنجَنِيقِ عَلَى قِلاَعِهِمْ وَإِنْ كَانُوا فِيهِمْ نِسْوَةٌ وَصِبْيَانٌ وَكَذَا إِضْرَامُ النَّارِ وَإِرْسَالُ المَاءِ وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِالنِّسَاءِ ضَرَبْنَا التُّرْسَ إِلاَّ إِذَا كَانُوا دَافِعِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ غَيْرَ مُقَاتِلِينَ لَنَا فَفِي جَوَازِ قَتْلِ النِّسَاءِ قَوْلاَنِ وَإِنْ كَانُوا فِي القَلْعَةِ فَأَوْلَى بِالجَوَازِ كَيْلا يَنْجد ذَلِكَ حِيلَةً وَإِنْ كَانَ فِي القَلْعَةِ أَسِيرٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ تُصِيبِهِ النَّارُ وَالمَنجَنِيقُ احْتَرَزْنَا وَإِنْ تَوَهَّمْنَا إِصَابَتَهُ فَقَوْلاَنِ وَلَوْ تَتَرَّسَ كَافِرٌ بِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدِ المُسْلِمُ وَإِنْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا فَإِنَّ ذَمَ المُسْلِمِ لاَ يُبَاحُ بِالخِوْفِ وَإِنْ تَتَرَّسُوا فِي الصَّفِّ وَلَوْ تَرَكْنَاهُمْ لانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ وَعَظُمَ الشَّرُّ فِفَيهِ وَجُهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: المسألةُ الرابِعَةُ في مُحَاصَرَةِ الكفارِ 2، ومُقَاتلتهم بما يُعُمّهم بالهلاكِ ويجوز للإمامِ مُحَاصرتُهم في البلاد والحُصونِ والقِلاَعِ، وتشديد الأَمْرِ عليهم بالمنع من
.......................... = ومستند هذا الاتفاق عموم الأدلة الدالة على مشروعية القتال كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ووجه استنادهم إلى هذه الآية: أن الله أمر فيها بقتال المشركين أمراً مطلقاً لم يقيده بآلة خاصة من آلات القتال وما رواه أحمد وابن ماجة عن صفوان بن عسّال قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سرية فقال: "سِيْرُوا بِاسْمِ اللهِ وَفِي سَبيْلِ اللهِ قَاتِلُوْا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ وَلاَ تُمثَّلُوا وَلاَ تَغْدُرُوْا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيْداً".
أمّا القتال بالماء والنار، فقد اتفقوا على جوازه إذا خيف على جماعة المسلمين، واختلفوا بعد ذلك في جواز إحراقهم بالنار وإرسال الماء عليهم ليغرقوا أو حبسه عنهم ليموتوا عطشاً فذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى جواز قتال الكفار بهما في الجملة -غير أن الحنفية يرون جواز ذلك مطلقاً سواء أمكن القدرة عليهم بغيرهما أم لا، وسواء كان معهم نساء وصبيان أو مسلمون أم لا- وقد قال الكمال في فتح القدير "هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح بادٍ كره ذلك, لأنه إفساد في غير محل الحاجة وما شرع إلاّ لها".
والشافعية، والحنابلة، يقيدون استعمالهما بعدم القدرة عليهم بغيرهما فإن أمكن القدرة عليهم بغيرهما كره استعمالهما عند الشافعية، وحرم عند الحنابلة.
أمّا المالكية فيقولون برأي الحنابلة على تفصيل لهم وفرق بين كونهم داخل الحصون أو خارجها، وبين وجود النساء والصبيان فيها أو عدم وجودهم، وبين استعمال الماء والنار يَطُول المقام بشرحه.
الأدلّة: استدلّ الجمهور على الجواز بما يأتي:
أولاً: بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وجه الدلالة أن الله تعالى أمر بقتالهم من غير تقييد بآلة خاصة.
ثانياً: بما روي عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قرية يقال لها أُبْنى فقال: "ائْتِهَا صَبَاحاً ثُمَّ حَرِّقْ" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.
فهذا صريح في الأمر بالتحريق من غير تقييد، وهو نص في إباحة التحريق بالنار، ويقاس عليه التغريق بالماء, لأنه لا فرق بينهما باعتبار أثرهما.
ثالثاً: إن المقصود من مشروعية الجهاد مع الكفار قتالهم بأي وسيلة لتكون كلمة الله هي العليا -ولا شك أن التحريق والتفريق ممّا يتحقق به المقصود فيكون جائزاً.
واستدل الحنابلة على حرمة استعمال الماء والنار عند القدرة عليهم بدونهما بما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بَعَثَنَا رَسُوْلُ اللهِ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُم فُلاَناً وَفُلاَنَاً لِرَجُلَيْن فَأَحْرِقوهُمَا بِالنَّارِ" ثم قال حين أردنا الخروج: "إِنِّي كُنْتُ أَمرْتُكُمْ أَنْ تَحْرِقُوْا فُلاَناً وَفُلاَناً، وأَنَّ النَّارَ لاَ يُعَذَّبُ بِهَا إِلاَّ اللهُ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا" رواه أحمد والبخاري وغيرهما "وجه الدلالة" أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة عن إحراق الرجلين لعلمه بأنهم يقدرون عليهما بغير النار، والنهي ظاهر في التحريم فهم يجمعون بين الأدلة فسيعملون بالدليل المجوز لاستعمالهما في حالة عدم القدرة عليهم بغيرهما، وبالدليل المانع عند القدرة عليهم بغيرهما.
واستدل الشافعية على الكراهة في حالة القدرة عليهم بغيرهما بأنه يحتمل إصابة مسلم يظن أنه كافر فلذلك كان مكروهاً.
هذا -وقد قال صاحب الفتح من علماء الحنفية بعد أن ذكر جواز التحريق، وإرسال الماء وقطع الأشجار وإفساد الزرع "هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون =
الدخُولِ والخروج؛ لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: 5].
وعَنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ حاصر أَهْلَ الطائِفِ شهْراً 1، وإن كان فِيهِمُ النساءُ والصِّبْيَانُ، واحتمل أَنْ يُصِيبَهم، ويجوزُ له التحريقُ بإضْرَام النار، ورَمْي النَّفْطِ إليهم، والتفريقُ بإرسالِ المَاءِ، وتَبْيِيتهم وهم غارون 2؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- شَنَّ اَلغَارَةَ على بَنِي = بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح بادٍ كُرِهَ؛ لأنه إفساد في غير محل الحاجة، وما شرع إلاّ لها.
ومما تقدم يعلم أن مذهب الحنفية يلتقي مع المذاهب الأخرى في الجواز حيث دعت الحاجة، وعدمه إذا لم تدع الحاجة.
فلم يبق ما يصح أن يكون محلاً للخلاف سوى أنه مكروه أو حرام عند عدم الحاجة إليه، والخلاف في ذلك سهل لا يمنع الاتفاق على أصل الحظر أو الإباحة.
بقي علينا بعدما تقدم النظر إلى ما يستعمله العدو من الآلات فنستعمل معه مثل ما يستعمل جرياً على قاعدة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
وقد علمنا من أصول الشريعة العامة أنها لا تسمح بعمل من شأنه أن يؤدي إلى هزيمة المسلمين، كما أنها لا تبيح من المحظورات باعتبار أصلها إلاّ ما دعت إليه الحاجة.
وبذلك نستطيع أن نقول: إذا رأى المسلمون أن اتقاء الهزيمة ومغلوبية الأعداء متوقف على استعمال ما ذكر فإن الشرع يبيح لنا ذلك بل يوجبه إذا اشتدت الحاجة إليه.
وبهذا يمكن التوفيق بين هذه الآراء المختلفة وتصير المسألة إجماعية لا خلاف فيها، وهكذا شأن المسائل التي يناط الحكم فيها بتقدير أولي الأمر وأصحاب البصيرة.
وقد صح الأمر بالتحريق في بعض المواضع، والنهي عنه في بعضها والقريب في ذلك أنه مبني على تقدير حالة العدو والعمل بما يناسبها.
المُصْطَلَقِ 1، وأمر بالبَيَاتِ، ونَصبَ المنْجَنِيق على أَهْلِ الطائف.
وروي أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن المشْرِكِين يَبِيتُون فيُصابُ مِنْ نِسَائهم وذَرَارِيهم، فقال: "هُمْ مِنْهُمْ" 2 إذا عُرِفَ ذلك ففي الفَصْلِ صُوَرٌ:
إِحْدَاهَا: لو تَتَرَّسُوا بالنساءِ والصبيان، نُظِرَ إِنْ دَعتِ الضرورةُ إلى الرَّمْي والضرْبِ بأن كان ذلك في حال التحامِ القِتَال، ولو تُرِكُوا لغلبوا المسلِمينَ، فيجوز الرمْيُ والضرْبُ، لَئِلاَّ يتخِذُوا ذلك ذَرِيعَةً إلى تعطيل الجهادِ، ولدفع ضَرَرِهم بالمسلمين ونَكَايتِهم فيهم، وإنْ لم تكن ضرورة بأن كانوا يَدْفَعُون عن أنْفُسهم، واحتملَ الحالُ تركَهُم فطريقان:
أَظْهُرهُمَا: أَنَّ فيه قولَيْن: = الأحاديث الواردة في تحريم القتل أن معناها أنه يحرم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك بخلاف ما إذا تحصنوا بغيرها فإنه يجوز قتالهم بكل وجه قال وقد نص الشَّافعي على هذا التأويل في سير الواقدي قال صاحب الخادم: الذي في سير الواقدي يضع نصب القتال العام فيها كما قاله القفال، وعبارته في باب الحربي إذا لجأ إلى الحرم ولو أن قوماً من أهل الحرب لجؤوا إلى الحرم وكانوا ممتنعين به أخذوا كما يؤخذون في غير الحرم، فإن قيل كيف زعمت أن الحرم لا يمنعهم وقد قال عليه الصلاة والسلام في مكة هي حرام لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، قيل أما معنى ذلك والله أعلم أنها لم تحل أن ينصب عليها الحرب حتى تكون كغيرها، فإن قيل ما دل على ما وصفت قبل أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما قتل عاصم بن ثابت وخبيب وحسان بقتل أبي سفيان في داره غيلة بمكة أن قدر عليه، وهذا في الوقت الذي كانت فيه محرمة فدل على أنها لا تمنع أحداً من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع أن ينصب عليها الحرب كما ينصب على غيرها هذا لفظه وكلام القفال صحيح ولا يخالف كلام الشَّافعي وكأن الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى اعتقد أن كلام الشَّافعي مخصوص بأن ينصب عليها بما يعم كالمنجنيق وكلام الشَّافعي لا يختص بهذه الحالة وهي ممنوعة بطريق الأولى ومن جملة ما حكاه في شرح المهذب عن الماوردى في الأحكام السلطانية من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل فقال بعض الفقهاء يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا، وقال الجمهور يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم إلا بالقتال لأن قتالهم حق من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها.
أَحَدُهمَا: أَنَّهُ يجوزُ قَصْدُهم كما يجوز نصبُ المِنْجَنِيقِ على القلْعَةِ وإنْ كان يُصِيبُهم، وأيضاً فلو امتنعنا بما صنعوا -لاتخذوا ذلك ذَرِيعَةً إلى تعطيل الجهاد.
والثَّانِي: المنعُ؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قَتْلِ النساءِ والصِّبْيانِ 1، ونحن في غِنْيةٍ عنه، والحالُ هذه، وهذا أصحُّ عند القَفَّالِ، وكذلك حكاه الرُّوَيانِيُّ -رحمه الله- ويميلُ إلى ترجيح الأوّل مَائِلُون.
والطَّرِيقُ الثَّانيِ: القطعُ بالجَوازِ، وردّ المنع إلى الكَرَاهَةِ ويُحْكَى هذا عن أَبِي إِسْحَاقَ، وقد تورَّع في حكاية الكراهَةِ عنه، وذكر أن عنده يُسْتحب التوقّي عنه لاَ غَيْرَ، ومِنْ أصحاب هذه الطريقة مَنْ قال في الكراهة قَوْلاَن، ولو تَتَرَّسُوا بِهِمْ وهم في القَلْعَةِ، فمنهم مَنْ قاَل: يَرْمِيهِمْ، والصورةُ هذهِ أُوْلَى بالجواز؛ لِئَلاَّ يتخذ ذلك حِيلَةً وذرِيعة إلى استبقاء القِلاعَ على كثرة غَائِلَتها، وهذا ما أورده في الكتاب، ومنهم مَنْ قال في جواز الرمْيِ إليهم قَوْلاَنِ، وإن عجزنا عن القلعة إِلاَّ به؛ لأنا في غيبة مِنْ أهل القلعة 2.
الثَّانِيَةُ: إذا كان في البَلْدَةِ أَوِ القَلْعَةِ مُسْلِمٌ: من أَسِيرٍ، أو تاجِرٍ، أو مُسْتأمن، أو طائفة مِنْ هؤلاءِ، فهل يجوزُ قصد أهلها بالنَّارِ والمِنْجَنِيقِ وما في معناهما؟ قال قائِلُون: إنْ لم تدعُ إليه ضرورةٌ، فهو مكْرُوهٌ تحرزًا من إهلاكِ المسلم وفي تحريمه قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ؛ لأَنَّهُ قد يُصِيبُ المسلِمَ؛ وزوالُ الدنيا أَهْونُ عند الله مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ، كما ورد في الخبرِ 3.
وأَظْهرهُمَا: وهو المنصوصُ في "المختَصَرِ" المنعُ؛ لوجهين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قد لا يُصِيبُ المسلِمَ؛ وإذا حَرَّمناه أمسك المشركُونَ في كُلِّ قلعةٍ وبلْدَةٍ مُسْلمًا فيتعطل أمرُ الجهاد.
والثَّانِي: وقد نَصَّ الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- أن الدارَ دارُ إباحةٍ، فلا يحرمُ القتالُ بكوْنِ المسلم فيها، كما أَنَّ دارَنا لا تحلُّ بكوْنِ المشرِكِ فيها، وإنْ دَعَتْ إليه الضرورةُ بأن كان يُخَافُ ظفرهم على المسلمِينَ لو لم يدفعهُم بذلك الطريقِ، فيجوزُ دَفْعاً عن المسلمين، ونكايةً في المشركين، وحفظُ مَنْ مَعَنَا أوْلَى مِنْ حِفْظِ مَنْ معهم، وأُلْحِقَ بالضرورة ما إذا لم يحصل فتحُ القلعَةِ إِلاَّ بذلك، هذه طريقة.
ومِنْهُمْ مَنْ لم ينظر إلى الضرورة وعَدَمِها.
وقال: إنْ علم أَنَّ ما يَرْمِي به من النَّارِ أو المِنْجَنِيق يَهْلِكُ المسلِمَ لم يجُزْ، وإِنْ
كان ذلك مَوْهُومًا ففيه القولان، وهذا ما أوردَهُ في الكتاب، ويتولَّدُ مِنَ الطرِيقَيْن اختلافٌ في أنَّهُ: هل يجوزُ الرَّمْيُ عند الضرورة، والعِلْم بأنَّهُ يُصيبُ المسلمَ، كما سيأتي مِثْلُه فيما إذا تَتَرَّسَ الكافِرُ بالمسلمِ؟ والظاهِرُ المنصوصُ عليه في "المخْتَصَرِ" أَنهُ يجوزُ؛ لأنَّ حُرْمَةَ مَنْ يخاف عليهم أَعْظمُ حرمةً مِمَّنْ في أَيْدِي الكُفَّارِ، فَإِنَّهُ إن هلك منهم هالِكٌ، فقد رُزِقَ الشهادة، قاله أبُو إِسْحَاقَ.
ومنهم مَنْ لم يُطْلقِ القولَيْن عند عدم الضرورة، لكن قال: إن قَلَّ عَدَد المسلمِينَ في الكُفّارِ جاز رَمْيهُم؛ لأنَّ الغالِبَ أَنَّه لا يصيب المسلِمينَ، وإنْ كان عددُهم مِثْلَ عَدَدِ المشركين أو أكثر -لم يَجُزْ رَمْيهُم بها، وهذه طريقةٌ ثَالِثةٌ، وبها أجاب في، "الشَّامِلِ" وإذا رَمَى بِشَيْءٍ منها إلى القلْعةِ أو البلْدةِ وقتل مُسْلمًا، فإن لم يعلمْ أنَّ في أَهْلِها مُسْلمًا -لم تجب إِلاَّ الكفارةُ، وإن عَلِمَ وجبتِ الدِّيَةُ والكفَّارةُ، حكاه الرُّوَيانِي.
الثَّالِثَةُ: إذا تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بالمسلمِينَ مِنَ الأسارى أو غيرهم، نُظِرَ إِنْ لم تدعُ ضرورةٌ إلى رَمْيهم، واحتملَ الحال الإعراضَ عنهم لم يجزْ رميُهم، وإن رَمَى رامٍ وقتل مسْلمًا قال في "التهذيب": هو كما لو قتلَ رَجُلًا في دَارِ الحربِ، فإن عَلِمَه مُسلمًا -فعليه القَوَدُ، وإن ظَنهُ كَافِرًا- فلا قَوَدَ، وتجبُ الكفّارةُ.
وفي الدِّيَةِ قولان.
وِإنْ دعتِ الضرورةُ إليه بأن تترَّسُوا بهم في حَالِ التِحَامِ القِتَالِ، وكانوا يظفَرُون بالمسلمِينَ، ويكثرون النكاية فيهم لو كففنا -فوجهان:
أَظْهَرهُمَا: وهو المنصوصُ وهو الذي أَوْرَدَهُ أصحابُنَا العراقِيُّون أَنهُ عُذْرٌ في جَوَازِ الرَّمْي، فيرمى على قَصْدِ قتالِ المشُرِكينَ، ويتوقى المسلمين بحسب الإمْكَانِ؛ لأنَّ محذُوَرَ الإِعْراضِ أكبرُ من مَحْذُورِ الإِقْدَامِ.
والثَّانِي: أنَّهُ لا يجوزُ الرميُ إذا لم يتأت ضربُ الكفار إِلاَّ بضرْبِ المسلم؛ لأنَّ غايةَ ما فيه أنَّا نخافُ على أَنْفُسِنا، ودمُ المسلمِ لا يُباحُ بالخوفِ بدليلَ صُورةِ الإِكْراهِ، وهذا ما أورده صَاحِبُ "التَّهْذِيب" وبه أجابَ في الكِتَاب فيما إذا تَتَرَّسَ كافِرٌ بمسْلِم، وأشعر إيرادُه بتخْصِيصِ الوجْهَيْنِ بما إذا تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بَطائِفَةٍ من المسلِمينَ في صَفِّ القِتَالِ.
وأشارَ الإمامُ إلى تَوْجِيهِ الفَرْق بين الحالتَيْنِ فقال: إذا تترَّسُوا عند التفافِ الزَّحْفَيْنِ، وكان الانكفاف مِنَ الأَسْرَى يُفْضِيِ إلى أن يصطلمِ جُنْدُ الإِسلام ويختل بانْفلالِهم ركنٌ عظيمٌ، فهذا أمرٌ كُلِّي فلا يَبْعُدَ أنْ يتساهلَ في أشْخاصٍ من الأسَارَى؛ حَفْظًا على الكُلِّيَّاتِ.
التَّفْرِيعُ:
إِنْ جوَّزنا الرمْيَ، فرمى رامٍ إليهم، وقتل مُسْلمًا، فلا قِصَاصَ؛ لأنَّ القِصَاصَ مع
تَجْوِيز الرمْيِ مما لا يجتمعَانِ، وتجبُ الكفارةُ؛ لأنَّهُ قتل مَعْصُومًا.
وأَمَّا الدِّيَةُ: فعن الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قال في مَوْضِعٍ: تجبُ الدِّيَةُ والكفارةُ، وفي موضِعٍ اقتصر على ذِكْر الدِّيَةِ وفي النصَّيْنِ طريقان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذلك ليس باختلافِ قَوْلٍ، لكنهما مَحْمُولاَنِ على حَالَيْنِ، وعَلامَ يحملان؟ عَنِ المُزَنيُّ وأَبِي الطيِّب بن سَلَمةَ وهو ظاهِرُ النَّصِّ أَنَّهُ إِنْ علم أَنَّ المرمي إليه مسلمٌ -وجبتِ الدِّيَةُ، وإن لم يعلم إسلامَه- لم تلزم.
والفرْقُ أنه إذا علم إسلامَه أَمْكَنَهُ التوقِّيَ عنه والرمي إلى غَيْرِه فغلظ عليه.
وقال أَبُو إِسْحَاقَ: إنْ قَصَدَهْ بعيْنِه -لزمه الدِّيَةُ: علمه مُسْلمًا أو لم يعلم، وإنْ لم يقصِدْه بعينِه، بل رمى إلى الصَّفِّ- لم يلزم.
والفَرْقُ أنَّه يتيسَّرُ التحرُّزُ عن قصدٍ مُعَيَّنٍ، والامتناعُ عن الرَّمْيِ والقِتَالِ مُطْلَقاً، والحالةُ هذه لا يُمْكنُ.
والطريقُ الثَّاني: أَنَّ فيه قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تجبُ الدِّيَةُ؛ لأنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا مَعْصُومًا مَعْذُورًا في الحضور هناك.
والثاني: لا تجبُ؛ لأنهُ مأذون في الرمي، وعن أَبِي حَفْصٍ بْنِ الوَكِيلِ أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّ هناك مُسْلِمًا وجبت الدِّيَةَ سواءً قصده بعينه أوْ لم يقصِدْه، وإن لم يعلم فعلى قَوْلَيْن.
وعَنْ أَبِي حَنِيْفَةَ أَنَّهُ لا دِيةَ ولا كفّارة.
وإنْ قُلْنا: لا يجوزُ الرميُ، فَرَمَى، قِيلَ: ففي وجُوبِ القِصَاصِ طَرِيقَانِ: أحدُهمَا: أَنَّهُ على قَوليْن كالمكره إذا قتل.
والثَّانِي: القَطْعُ بالوُجوبِ كالمضطر إذا قتل إِنْسانًا وأكَلَهُ، ويفارق المكرهُ، فَإِنَّهُ مُلْجَأٌ إلى القَتْل، وهاهنا بخلافِه، وأَيْضًا فإنَّ هناك مَنْ يُحال عليه وهو المكرهُ، وليس هاهنا غيرهُ.
وإن تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأمَنٍ أو عَبْدٍ، فالحكمُ في جَوَازِ الرمْي، والدِّيةُ، والكفّارةُ على ما ذكرنا، لكَنَّ الواجِبَ في العَبْدِ القِيمةُ لا الدِّية.
وفي "التَّهْذِيبِ" أَنَّهُ لو تَتَرَّسَ كافِرٌ بتُرْسِ مسلمٌ أو ركب فرسَهُ، فرمى إليه مُسْلمٌ فأتْلفهُ، فإن كان في غيرِ الْتِحامِ القِتَالِ -فعليه الضَّمَانُ، وإنْ كان في حالِ الالتحامِ، فإنْ أمكنه أَلاَّ يُصِيبَ الترسَ والفرسَ فأصابه- ضَمِنَ، وإنْ لم يمكِنه الدفع إلاَّ بِإصَابَتِه، فإنْ جعلْناهُ كالمكْرَهِ لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ المُكْرَه في المالِ يكونُ طَرِيقًا في الضَّمَانِ، وهاهنا لا ضَمانَ على الحربي، حتَّى يجعلَ المسلم طَرِيقًا، وإنْ جعلناه مُخْتارًا لزمه الضمان.
قال الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): لاَ يَجُوزُ الانْصِرَافُ مِنْ صَفِّ القِتَالِ إِنْ كَانَ فِيهِ انْكِسَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيَجُوزُ إِنْ قَصَدَ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ قَرِيبَة يَسْتَنْجِدُ بِهَا فِي هَذَا القِتَالِ وَهَلْ يَجُوزُ إِذَا قَصَدَ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ؟ فِيهِ وَجُهَانِ فَإِنْ جَوَّزْنَا فَبَدَا لَهُ أَنْ لاَ يُقَاتِلَ مَعَ الفِئَةِ البَعِيدَةِ أَيْضًا جَازَ وَلاَ يَشْتَرِكُ فِي هَذَا المَغْنَمِ إِنْ فَارَقَ قَبْلَ الاغْتِنَامِ وَهَلْ يَشْتَرِكُ المُتَحَيِّزُ إِلَى فِئَةٍ قَرِيبَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَيَجُوزُ الانْهِزَامُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَادَ عَدَدُ الكُفَّارِ عَلَى الضِّعْفِ لَكِنْ فِي انْهِزَامِ مِائَةِ بَطَلٍ مِنْ مِائَتَيْ ضَعِيفٍ وَوَاحدٍ خِلاَفٌ مَأْخَذُهُ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى صُورَةِ العَدَدِ أَوْ إِلَى المَعْنَى.
قال الرَّافِعِيُّ: الخَامِسَةُ: في حُكْمِ الهزِيمَةِ إذا التقى الصَّفَّانِ في القتال 1، فقد
أَطْلَقَ في الكتاب أَنَّهُ إِنْ كان في انهزامِه انكِسَارُ المسلِمينَ -لم يَجُزْ الاِنْهزامُ بحالٍ، وإنْ لم يمكِنْ ففيه التفصيلُ الذي نذكرْ إِن شاء الله تعالى.
والجمهورُ لم يتعرّضُوا لذلك، وقالوا إذا الْتَقَى الصفانِ، فَإِمَّا أَلاَّ يزيدَ عددُ الكُفَّارِ على ضِعْف عددِ المسلمين أو يزيد.
الحَالَةُ الْأُولَى: إِنْ لم يَزِدْ عَدَدُ الكُفَّارِ على الضِّعْفِ، بَلْ كَانُوا مثليهم أو أَقَل -لم يَجُزْ الانْصِرافُ والهزيمةُ، وقد عَدَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الفِرَارَ من الزحف مِنَ الكبائِرِ 1، = لم يكن محرماً، بل قد يكون واجباً إذا اقتضته المصلحة كضم قوة المسلمين بعضه إلى بعض.
ثانيهما: عدم زيادة الكفار على ضعف عدد المسلمين، أما إذا زادوا على الضعف فاختلف الفقهاء في حكمه: فذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الفرار مطلقًا وذهب المالكية إلى جوازه ما لم يبلغ جيش المسلمين اثني عشر ألفًا غير مختلفين على أنفسهم، فإن بلغ هذا العدد مع الاتحاد حرم الفرار، ونسبه الجصاص إلى الحنفية، ورأى صاحب البدائع منهم أن العبرة بالقوة والاستعداد دون العدو فقال: والغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم، والحكم في هذا الباب لغالب الرأي وأكبر الظن دون العدد، فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات، وإن كانوا أقل عدداً منهم.
وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عدداً من الكفرة.
وذهب ابن حزم إلى تحريم الفرار مهما بلغ العدد.
"الأدِلَّة": استدل الشافعية والحنابلة بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية -وجه الاستدلال- أنها دلت على وجوب ثبات المائة للمائتين بعد أن كان الواجب أن تثبت المائة للألف وذلك تخفيف من الله ورحمة.
وعلى ذلك فإذا زاد الكفار على هذه النسبة جاز للمسلمين الفرار.
واستدل المالكية بما رواه الزهريّ عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حديث فيه طول "وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ" وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ما معناه: إذَا بَلَغَ جَيْشُكُمْ هَذَا الْعَدَد فَلاَ تَأْتِيْهِ الْهَزيْمَةُ مِنْ جِهَةِ عَدَدِهِ وَإنَّمَا تَأْتِيهِ مِنْ وُقُوْعِ الْخُلْفِ بَيْنَكُمْ، وَإِذَا كَانَتْ الْهَزِيْمَة لاَ تَأْتِي مِنَ الْعَدُوِ فَلاَ يَجُوْزُ الْفِرَارُ.
وتمسّك ابن حزم بظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ فإنها تدل بظاهرها على وجوب الثبات مهما بلغ عدد العدوّ.
"المنَاقَشَة": القرطبي: رواه بشر وأبو سلمة العاملي وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو متروك.
وعلى فرض صحته فالمراد منه أن الغالب على هذا العدد النصر والظفر، ولا تعرض فيه لحرمة الفرار أو عدمها وبهذا يرد على المالكية والحنفية فيما نسبه الجصاص إليهم.. ويرد على ابن حزم أن الأمر بعدم الفرار في الآية مخصص بألاّ يزيد العدد على ضعف عدد المسلمين كما أشارت إليه آية ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.
ويُسْتَثْنَى ما إذا انصرف وَوَلَّى مُتَحرِّفاً للقتالِ أو مُتَحيِّزًا إلى فِئَةٍ على ما قال [اللهُ] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ...﴾ الآية.
والمتحرّفُ للقِتَالِ: هو الذي يَنْصَرِفُ ليكمن في موضعٍ، ويهجم، أو يكون في مَضِيقٍ فيتحرّفَ ليتبعه العدُوُّ إلى مَوْضِعٍ واسِعٍ فيسهل القتالُ فيه، أو يرى الصوابَ في التحوُّلِ من الموُضِع الواسِع إلى المضِيق؟ أو يكون في مُقَابلة الشَّمْسِ أو الرِّيح، فيتحول إلى جهة أُخْرى ليسهُلَ عليه القتالُ.
والمتحيِّزُ إلى فِئَةٍ: هو الذي يَنْصَرِفُ على قَصْد أَنْ يذهب إلى طائِفَةٍ يَسْتَنْجِدُ بها في القتال، ولا فَرْقَ بين أَنْ تكون تلك الطائفةُ قَلِيلةً أو كثيرةً، وهل يشترطُ أَنْ تكون قَرِيبةً؟ فيه وجهان:
أَحَدُهما: نَعَمْ، ليتصوّر الاستنجادُ بها في هذا القتال وإتمامه.
وأَصَحُّهما: لا، بل يجوزُ الانصرافُ على قَصْدِ التحيُّزُ إلى الفِئَةِ البَعِيدَةِ -أيضاً- لمطْلَقِ قَوْلِه تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.
ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ -رضي الله عنه- قال: "أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" وكان بالمدينَةِ، وجنودُه بالشَّامِ والعِرَاقِ 1، وعلى هذا فهل يجبُ عليه تحقِيقُ ما عزم بالقِتَالِ مع الفئة التي تحيَّز إليها؟ فيه وجهان:
أَصَحُّهُمَا: وهو المذكورُ في الكتاب -لاَ؛ لأنَّ العزمَ عليه رَخَّصَ له في الانْصِرَافِ، فلا حجرَ عليه بعد ذلك، والجهادُ لا يجبُ قضاؤُه، ولا يلزَمُ بالنذر أيضاً على اختلافٍ سيأتي إِنْ شاء اللهُ تعالى في مَوْضِعه، وفي كلام الإمامِ، أن التحيُّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرَى إِنَّمَا يجوزُ إذا اسْتَشْعَرَ الموْلَى عَجْزًا مُحْوِجًا إلى الاسْتِنْجادِ بضعف جند الإِسلام [فإِنْ لم يكن كذلك -فلا حاجةَ إِلَى التحيُّزِ، فإِنَّ تَحَيُّزَهُ قد يقل جُنْدَ الإِسلامِ] 2.
وقول صاحِب الكتاب في المسْأَلةِ "لا يجوز الانصرافُ من صفِّ القتالِ إِنْ كان فيه انْكِسَارُ المسلمين" يحتمل أَنَّهُ أخذه مما ذكره الإمامُ، ولم يشترطْ غيرهما ذلك، وكأنَّهم رَأَوْا تركَ القِتَالِ، والانهزامَ في الحال؛ مَجْبُورًا بعزمه إلى الاتصالِ بفئةٍ أُخْرى، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأَمْرين: التحرُّف للقتال، والتحيُّز إلى فئةٍ أُخْرَى يتضمنُ العزْمَ على العَوْد إلى القتال؛ والرخصةُ منوطةٌ بعزْم الشَّخْصِ، ولا يمكنُ مُخَادعَةُ الله تعالى في العَزْمِ، ثُمَّ ظاهِرُ الآيةِ يقتضي انحصارَ الاستثناء في حَالَتَيِ التحرُّفِ والتَّحَيُّزِ، والمرادُ حالةُ القدرة
والتمكن من القتالِ، وحينئذٍ يَنْحَصِرُ الاستثناءُ فيهما.
فأمَّا مَنْ عجز لمرضٍ، أَوْ لم يَبْقَ معه سِلاحٌ -فَلَهُ أن ينصرفَ بِكُلِّ حال، ويستحب أن يولي مُتَحرِّفًا أو مُتَحَيِّزًا، وإِنْ أَمْكنه الرميُ بالحجارة، فهل يقومُ 1 مقامَ السلاح؟ ذكر فيه وجهان:
ولو مات فرسُه وهو لا يَقْدِرُ على القِتال رَاجِلاً -فله الانصرافُ أيضاً، وإنْ غلب على ظَنِّهِ أَنَّهُ إن ثبت قُتِلَ هل له الانصرافُ؟ فيه وجهان:
أَحَدُهما: نَعَنم، لظاهر قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 95].
وأَصَحُّهُمَا: لاَ؛ لقولِه تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] والغزاةُ يَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وقد فُسِّرت التهلكةُ بالفِرَارِ من الزِّحْفِ، والمتحيِّز إلى الفِئَةِ البعيدةِ لا يُشَارِكُ الغَانِمِينَ في الغَنِيمَةِ، إن فارق قبل الاغتنام وإنْ غنِمَ شيءٌ دون شيء -لم يبطل حَقُّه مما غَنِمَ قبل مُفَارقَتِه، ولا شيْءَ فِيما غنم بَعْدَها، هكذا نُقِلَ عن نَصِّ الشافعِيُّ -رضي الله عنه -، وبمثله أجاب في المتحرّفِ للقتالِ، ومنهم مَنْ أطلق القولَ بأنَّ المتحرِّفَ يُشَارِكُ في الغَنِيمة، ولَعَلَّ هذا فِيمَا إذا لم يبعد ولم يَغِبْ، والنَّصُّ فيما إذا تَحَرَّفَ للقتالِ، ثُمَّ انقَطَع عن القَوْمِ قبل أَن يَغْنَمُوا أَنَّهُ لا يُشَارِكُهم، وهل يُشارِكُ المتحيِّز إلى الفِئَةِ القريبةِ الغانِمينَ في المغنُومِ بعد ما وَلَّى؟ ذكر صاحبُ الكتاب فيه وَجْهَيْنِ:
أَشْبَههُمَا: الاستحقاقُ؛ لأنَّهُ لا يفوّت نصرته، والاستنجادُ به، فهو كالسريَّةِ يشاركُ جُنْدَ الإمامِ فيما يغنمون إذا كانت بالقُرْب مِنْهم.
وإذا عَرَفْتَ ذلك، ونظرت في قول صاحب الكتاب في "قَسْم الفَيْءِ والغنائِم فمَنْ غَابَ فِي آخِرِ الْقِتَالِ: إنْ كَانَ بِانْهِزَامٍ، سَقَطَ حَقُّهُ، إِلاَّ إذا قَصَدَ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى" -عرفْتَ أنَّ هذه اللقطةَ إِنَّما تجري على ظاهِرِهَا إذا جعلنا التَّحَيُّزَ إِلَى الفِئَةِ القريبة كالتَّحَيُّزِ إلى الفئَةِ البعِيدَةِ، فإنْ فَرَّقنَا بينهما حملنا اللفظَ على الفِئَةِ البَعِيدَةِ، وأَنَّ حقَّ المتحيِّزِ إِنَّمَا لا يسقط عن المغنومِ قبل مُفَارقته، أمَّا المغنومُ بعده فلا حَقَّ فيه، وإِنَّمَا يُسْقِطُ الانهزامُ الحقَّ إذا اتفق قبل القِسْمة، أمَّا إذا غنموا شَيْئاً واقتسمُوه ثُمَّ انهزم بعضُهم لم يُسْتَردّ منه ما أخذ.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إذا زاد عددُ الكُفَّارِ على الضِّعْفِ جاز الانهزامُ، وكان يجبُ في ابتداءِ الإسْلامِ أن يثبت الواحِد في مُقَابلة العشْرَةِ، ثُمَّ خَفَّفَ اللهُ تعالى ذلك فأَوْجب على
المسلِمينَ مُصَابرةَ ضِعْفَهم من الكُفَّارِ دُونَ ما زاد، فقال عَزَّ وجلَّ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66].
قال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- "مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلاثةٍ لَمْ يَفِرّ، وَمَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَرَّ" (1) يعني الفِرَارَ المحرمَ، وهل يجوزُ أن يَفِرَّ مائةٌ من الأبْطَالِ من مِائَتَيْنِ وواحدٍ من ضُعَفَاءِ الكُفَّارِ؟ فيه وجهان:
أَصَحُّهمَا: على ما ذكر صاحبُ الكتاب: المنعُ؛ لأنَّهم يُقَاوِمُونَهم لو ثَبَتُوا، وإنَّمَا يُرَاعَى العددُ عند تَقَارُبِ الأَوْصَافِ.
والثَّانِي: أَن اتباعَ الأَوْصَافِ يعسر، فيُدَارُ الحكمُ على العددِ، ويجري هذا الخلافُ في عَكْسِه، وهو فِرارُ مِائَةٍ منْ ضُعَفاءِ المُسْلِمينَ مِنْ مِائَةٍ وتِسْعَةٍ وتِسْعِينَ مِنْ أَبْطال الكُفَّار، فإن رَاعَيْنا صورةَ العدَدِ لم يَجُزْ، وإنْ راعينا المعنى -فيجوزُ، وإذا جاز الفِرارُ نظِرَ.
إنْ غلب على ظَنَّهم أَنَّهم لو ثبتوا ظَفِرُوا، فالمستحبُّ لهم الثباتُ، وإنْ غَلَبَ على ظنهم الهلاكُ لو ثبتوا فهل يلزمهم الفَرارُ، فيه وجهان:
أَحَدُهما: نَعَمْ: لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
والثَّانِي: لاَ؛ لما رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً.
قال: يا رسولَ الله أرأَيْتَ لو انْغَمَسْتُ في المشْرِكينَ فقاتلتُهم حتى قْتِلتُ ألِي الجنة؟ قال: نَعَمْ، فانغمسَ الرَّجُلُ في صَف المشركِينَ، فقاتل حتى قُتِلَ (2).
وذكر الامامُ أَنَّهُ إن كان في الثبات الهلاكُ المحْضُ من غير نِكَايَةٍ في الكُفَّارِ لَزِمَ الفِرَارُ، وإن كان في الثباتِ نِكايةٌ فِيهم، فَفِي جَوَازِ المُصَابرةِ الوجهان (3).
فرع
ٌ: لَقِيَ مُسْلِمٌ مُشْرِكَيْنِ، فإنْ طلباه، فله أَنْ يُوَلِّي عنهما؛ لأنَّهُ غيرُ متأهِّبٍ للقتالِ، وإِنْ طلبهما ولم يطلباه، فوجهان:123
أَحَدُهما: أنَّهُ لا يُوَلِّي عَنْهُما؛ لأنَّ طَلَبَهُمَا والحملُ عليهما شُرُوعٌ في الجهاد، فلا يجوزُ الإعْراضُ عنه.
وأظْهَرُهُمَا على ما ذكر في "البحرِ" أَنَّهُ يَجُوزُ ذلك، وفَرْضُ الجهادِ والثبات عليه في الجماعَةِ دُونَ الأفْرَادِ
ولو وَلَّى النِّساءُ لم يَأثَمْنَ، فلسْنَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الجهادِ نَص عليه.
ولا إِثْمَ على الصَّبِيِّ ولاَ عَلَى المغْلُوب على عَقْلِهِ إِذَا وَلَّيَا، فَإِنَّهُمَا ليسا بمكَلَّفَيْنِ، نعمْ، يأثَمُ السَّكْرَانُ.
ولو قصد الكُفَّارُ بَلَدًا فتحصّنَ أهلُه إلى أن يجدوا قُوةً، ومددًا لم يأْثَمُوا، إِنَّمَا الإِثْمُ على مَنْ وَلَّى بعد الالتقاء 1.
قولَه في الكتاب: "فبدَا لَهُ ألاَّ يُقَاتِل" أي: عَرَضَ وَظَهَرَ، وقد يوجد في بعض النُّسَخِ: "فَبَدَا له أن يُقَاتِلَ" وَهُوَ صحيح أيضاً، يقال: بَدَا لِفُلاَنٍ في كذا أي: نَدِمَ وأَعْرَضَ عَمَّا عَزَمَ عليه.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَجُوزُ الاسْتِبْدَادُ بالمُبَارَزَةِ دُونَ إِذْنِ الإِمَامِ عَلَى أظْهَرِ الوَجهَيْنِ، حَتَّى يَنْفُذَ أَمَانُهُ لِقرْيَةٍ رُؤُوس وَفِي نَقْلِ الكُفَّارِ إِلَى بِلاَدِ الإِسْلاَمِ كرَاهَةٌ عَلَى وَجْهٍ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِكَايَةٌ فِي الكُفَّارِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: المُبَارَزَةُ جَائِزَةٌ؛ لما روي أَنَّ عَلِيًّا -رضي الله عنه- بَارَزَ يوم "الخَنْدَقِ" عَمْرَو بن عبد 2، وقد بَارَزَ عُبَيْدَةُ بْنُ الحَارِثِ وحَمْزَةُ بْنُ عبد المطلب وعَلِيُّ -رضي الله عنهم- يوم "بدرٍ" عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ ربيعة، والوَلِيدَ بن عتبة 3، وبَارَزَ محمَّد بن مَسْلَمَةَ -رضي الله عنه- يوم "خيبر" مرْحَبًا 4، ويروى أَنَّهُ بَارَزَهُ عَلِيٌّ -رضي الله
عنه 1 - وبارز الزُّبَيرُ -رضي الله عنه- يَاسِرًا 2، وإذا خرج مُشْرِكْ ودعا إلى المُبَارَزَةِ، فَيُسْتَحَبُّ الخُرُوجُ إليه؛ لما روي أَنَّ الثَّلاثةَ المذكورين طَلَبُوا المُبَارَزة، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه -رضي الله عنهم- بالخُرُوجِ إليهم 3، ولأَنَّهُ إذا لم يَبْرُزْ أَحَدٌ إليهم، ضَعُفَتْ قُلُوبُ المسلمين، واجْتَرَأ المشركون، والخُرُوجُ وابتِدَاءُ المُبَارَزَةِ ليس بِمُسْتَحَبٍّ ولا مَكْرُوهٍ.
أمَّا أَنَّهُ ليس بمُسْتَحَبٍّ، فلأنه قد يُقْتَلُ فتَنْكسِرُ قُلُوبُ المسلمين.
وأَمَّا أنَّهُ ليس بِمَكْرُوهٍ، فلما فيه من إِظْهَارِ القُوَّةِ، وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ وأَطْلَقَ ابْنُ كَجٍّ اسْتِحْبَابَ المُبَارَزَةِ، ولم يُفَرِّقْ بين الابْتِدَاءِ والإِجَابَةِ وإِنَّمَا تَحْسُنُ المُبَارَزَةُ ممن جَرَّبَ نَفْسَهُ وعَرَفَ قُوَّتَهُ وجَرَاءَتَهُ.
وأَمَّا الضعيف الذي لا يَثِقُ بِنَفْسِهِ، فَتُكْرَهُ له المُبَارَزَةُ ابْتِدَاء وإِجَابَةً.
نَصَّ عليه، وحكى في "البَيَان" وَجْهًا أَنَّهُ لا يَجُوزُ، والمشهور الأَوَّلُ 4، والمُسْتَحَبُّ ألا يَخْرُجَ للمبارزة إِلاَّ بِإِذْنِ الإِمام، وهل يَجُوزُ من غير إذْنِهِ؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو الذي اوْرَدَهُ أكثرهم -أَنَّهُ يجوز؛ لأنَّ عَبْدَ الله بن رَوَاحَةَ، وعَوْفًا ومُعَوِّذًا ابني عَفْرَاءَ -رضي الله عنهم- خرجوا يوم "بدرٍ" مُبَارِزِينَ، فلم يُنْكِرْ عليهم رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم 5 -. = بنحوه قال الحاكم: صحيح الإسناد على أن الأخبار متواترة بأن علياً هو الذي قتل مرحباً.
والحديث عند البيهقي 9/ 131.
والثاني؛ وبه قال أبو حَنِيْفَةَ -لا يجوز؛ لأنَّ لِلْإمَام نَظَراً في تَعْيينِ الأَبْطَالِ والأَقْرَانِ، فلا يُفَوتُ عليه، وبنى على الخلاف أَنَّه لو أَمَّنَ المُسْتَبِدُّ بالمُبَارَزَةِ قِرْنَهُ هل يصح أمانه؟
والكَلاَمُ فِي أَمَانِ المبَارِزِ أَخَرَّهُ إلى "باب الأمان".
الثانية: في نَقْلِ رُؤُوسِ الكُفَّارِ إلى بِلاَدِ المسلمين، وجهان:
أحدهما: لا يُكْرَهُ؛ لأَنَّ أبا جَهْلِ لمَّا قُتِلَ، حُمِلَ رَأْسُهُ 1.
وأصحهما: وهو الذي أَوْرَدَهُ أَصْحَابُنَا العِرَاقِيُّونَ، والقاضي الروياني أَنَّهُ يُكْرَهُ، وقالوا: ما حُمِلَ إلى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- رَأْسُ كَافِرٍ قَطُّ، وحُمِلَ إلى أبي بَكْرٍ -رضي الله عنه- رؤوس جَمَاعَةٍ من المشركين، فأنكروا، وقالوا: ما فُعِلَ هذا في عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما روي من حَمْلِ رَأْسِ أبي جَهْلٍ فقد تَكَلَّمُوا في ثُبُوتِهِ، وبتقدير الثُّبُوتِ، فإنَّهُ حُمِلَ في الوَقْعَةِ من مَوْضِع إلى موضع، ولم يُنْقَلْ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وكأنَّهُمْ أرادوا أَن يَنْظُرَ الناسُ إليه، فَيَتَحَقَّقُوا موْتَهُ.
وقوله في الكتاب: "إِلاَّ أن يَكُونَ له نِكَايَةٌ في الكُفَّارِ" يقتضي الجَزْمَ بِنَفْي الكَرَاهَةِ، ولم يَتَعَرَّضْ له أَكْثَرُهُمْ، نعم ذكر صاحِبُ "الحَاوِي" أَنَّهُ لا يُكْرَهُ النَّقْلُ، والحَالةُ هذه، بل تُسْتَحَبُّ، وقد يقال: إِنَّهُ لا يخلو عن النِّكَايَةِ، فإن ارْتَفَعَتِ الكَرَاهَةُ بذلك، فَيُطْلَقُ القَوْلُ بأنه لا كَرَاهَةَ فيه.
قال الغَزَالِيُّ: (التَّصَرُّفُ الثَّانِي بالاِسْتِرقَاقِ) وَلاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ كُلِّ كَافِرٍ أَسْلَمَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ وَيَجوز اسْتِرْقَاقُ كُلِّ كَافِرٍ أَسْلَمَ بَعْدَ الظّفَرِ بِهِ وَلاَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ المَرْأَةِ حَامِلاً بِوَلَدٍ مُسْلِمٍ، لَكِنْ لاَ يُرَقُّ الوَلَدُ وَمَنْكُوحَةُ الذِّمِّيِّ تُسْبَى وَيَنْقَطِعُ نِكَاحُهُ وَفِي مُعْتَقَتِهِ وَجْهَانِ وَمُعْتَقُ المُسْلِمِ لاَ يُسْبَى وَفِي مَنْكُوحَتِهِ وَجهَانِ فَإِنْ قُلْنَا: يُسْبَى انْقَطَعَ نِكَاحُهُ عَنِ الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ وَلاَ تَنْقَطِعُ إِجَارَتُهُ عَنِ الدَّارِ المَسْبِيَّةِ وَالعَبْدِ المَسْبِيِّ وَالزَّوْجَانِ إِذَا سُبِيَا أَوْ أَحَدُهُمَا انْقَطَعَ النِّكَاحُ بَينَهُمَا وَفِي انْقِطَاعِ نِكَاحِ الرَّقِيقَيْنِ المَسْبيَّيْنِ مَعًا وَجْهَانِ.
" القَوْلُ في سَبْيِ الكفار واسترقاقهم"
قال الرَّافِعِيُّ: نساءُ الكُفَّارِ وصبيانهم إذا وقعوا في الأسْرِ رُقُّوا 1، وكان حُكْمُهُمْ حُكْمَ سَائِرِ أموال الغَنِيمَةِ من أَنَّ الخُمُسَ لأهل الخُمُسِ، والباقي لِلْغَانِمِينَ، وقد ذكر أَنَّ = رسول الله فإنهم يصنعون ذلك بنا؛ قال: تأسيًا أو أسيانًا بفارس والروم، لا يحمل إلى برأس.
وإنما يكفي الكتاب والخير، إسناده صحيح، قلت: رواه النسائي في الكبرى، وروى البيهقي من طريق معاوية بن خديج، قال: هاجرنا على عهد أبي بكر، فبينما نحن عنده إذ طلع المنبر فحمد الله وأثنى عليه، قال: إنه قدم علينا برأس يناق البطريق، ولم يكن لنا به حاجة.
إنما هذه سنة العجم، قلت: ورأيت في كتاب أخبار زياد لمحمد بن زكريا الغلابي الأخباري البصري، بسنده إلى الشعبي قال: لم يحمل إلى رسول الله، ولا إلى أبي بكر، ولا إلى عمر، ولا إلى عثمان، ولا إلى علي برأس وأول من حمل رأسه عمرو بن الحمق، حمل إلى معاوية.
النَّهْيَ عن قَتْلِ هؤلاء، إِنَّمَا كان لِيَنْتَفِعَ بهم المُسْلِمُونَ، ويكونوا خَوَلاً لهم.
والعَبيدُ إذا وَقَعُوا في الأَسْرِ، كانوا كَسَائِرِ الأموال المَغْنُومَةِ لا يَتَخَيَّرُ الإمَامُ فيهم؛ لأَنَّ عَبْدَ الَحَرْبِيِّ مَالٌ له، واحْتَجَّ له الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ، بأَنَّ عَبْدَ الحَرْبِيِّ لو أَسْلَمَ في دَارِ الحَرْبِ ولم يخرج، ولا قهر سيده، لا يَزُولُ مِلْكُ الحَرْبِيِّ عنه، وإذا سَبَاهُ المُسْلِمُ كان عَبْدًا مُسْلِمًا، ولا يَجُوزُ المَنُّ عليه، ويجوز اسْتِرْقَاقُهُ، ولولا أَنَّهُ مَالٌ لجاز تَحْلِيَةُ سَبِيلِهِ كالحُرِّ، ولما جاز اسْتِرقَاقُهُ؛ لأنَّهُ مُسْلِمٌ، هذا ما ذكره ابْنُ الحَدَّاد، وصَرَّح بأَنَّهُ ليس لِلْإِمَامِ قَتْلِ العَبِيدِ ولا المَنُّ عليهم، وعلى ذلك جَرَى الأئِمَّةُ.
وفي "الْمُهَذَّب" أَنَّهُ لو رأى الإِمام قَتْلَهُ لِشَرِّهِ وَقُوَّتِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغَانِمينَ.
وأمَّا الرجالُ الأَحْرَارُ الكَاَمِلُونَ إذا أُسِرُوا، فالإِمَامُ يَتَخَيَّرُ فيهم بين أَرْبَعَةِ أمورٍ.
أن يقتلهم صَبْرًا بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ، لا بالتَّحْرِيقِ، ولا بالتَّغْرِيقِ، ولا يُمَثِّل بهم، وأن يَمُنَّ عليهم بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ، وَأن يُفَادِيَهُمْ بالرِّجَالِ أو بالمَالِ، وأن يَسْتَرِقَّهُمْ، ويكون مَالُ الفِدَاءِ ورِقَابُهُمْ إذا استرقُّوا كَسَائِرِ أَمْوَالِ الغنيمة، وبهذا قال أحمد.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يَتَخَيَّرُ الإِمَامُ بين القَتْلِ والاسْتِرْقَاقِ لا غير.
وقال مَالِكٌ: يَتَخَيَّرُ بين القَتْلِ، والاسْتِرْقَاقِ، والفِداء، وِإنَّمَا يَجُوزُ الفِدَاءُ بالرِّجالِ دون المال.
لنا قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] وكُلُّ واحدٍ من الأمور الأربعة قد نُقِلَ عن فِعْلِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَتَلَ يوم "بَدْرٍ" عقبة بن أبي مُعَيْط والنَّضرَ بْن الحَارِثِ، ومَنَّ على أبي عَزَّةَ الجُمَحيِّ على أَلاَّ يقاتله، فلم يَفِ فَقَاتَلَهُ يوم "أحدٍ" فأُسِرَ وقُتِلَ يومئذٍ.
وعن عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَادَى رَجُلاً أَسره أصحابه برجلين أسرهما ثقيف من أَصْحَابِهِ 1، وأَخْذُ المَالِ في فِدَاءِ أَسْرَى "بدر" مَشْهُورٌ، ومَنَّ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على أبي العَاصِ بن الربيع، وعلى ثُمَامَةَ بْنِ أثَالِ الحنفي، وليس هذا الخيار على التَّشَهِّي، لكنَّ الإمَامَ يَجْتَهِدُ ويَأْتِي بما فيه الحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ، فإن لم يَظْهَرْ لِه وَجْهُ الصواب في الحالِ وَتَرَدَّد حَبَسَهُمْ، إلى أَنْ يَظْهَرَ له الصَّوَابُ، ولا فَرْقَ في الاسْتِرْقَاقِ بين أن يكون الكافر المأْسُورُ كِتَابِيًّا أو وَثَنِيًّا، وعن الإِصْطَخْرِيِّ، ورواية ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الوَثَنِيِّ، كما لا يجوز تَقْرِيرُهُ بالجِزْيَةِ، والظَّاهِرُ الأَوَّلُ، واحتجَّ له بما رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ -رضى الله عنه- أنَّهُ قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:
67] أن ذلك كان يوم "بدر"، وفي المسلمين قِلِّةٌ، فَلَمَّا كثروا واشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ أنزل اللهُ تعالى في الأَسْرَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين بالخِيَارِ فيهم، إن شَاؤوا قَتَلُوهُمْ، وان شاؤوا اسْتَعْبَدُوهُمْ، وإن شاؤوا أَفَادُوهُمْ؛ أطلق ولم يُفَرِّقْ بين كَافِرٍ وكافر، وبأنَّ من جَازَ أن يَمُنَّ يَمُنُّ عليه ويُفَادِي، جاز أن يسترق كالعَانِي، ولا فَرْقَ أَيضاً بين أن يكون الكَافِرُ من العَرَب أو غيرهم على الجديد الصحيح، ووجه بما رَوَيْنَاه عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- وبَأنَّ مَنْ جَازَ المَنُّ عليه، ومُفَادَاتُهُ، يجوز اسْتِرقَاقُهُ لغير العرب.
وعن "القديم": أنَّهُ لا يجوز اسْتِرقَاقُ العَرَب؛ لما روي عن مُعَاذٍ -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم حُنَيْنٍ: "لَوْ كَانَ الاسْتِرْقاق ثَابِتًا عَلَى الْعَرَبِ لَكَانَ الْيَوْمَ؛ إِنَّمَا هُوَ إِسَارٌ وفِدَاءٌ" 1، فعلى هذا يكون الخِيَارُ من ثلاثة أمور:
الْقَتْلُ والْمَنُّ والفِدَاءُ، وكذلك على وجه الإصْطَخْرِي في الوَثَنِيِّ، وهل يجوز أن يَسْترِقَّ بَعْضَ الشخص؟ فيه وجهان، بِنَاءً على القَولين، في أنَّ أَحَدَ الشريكين إذا أَوْلَدَ الجَارِيَةَ المشتركة وهو مُعْسِرٌ، يكون الوَلَدُ كُلُّهُ حُرًّا، أَو يكون بِقَدْرِ نَصِيبِ الشريك رَقِيقًا، والأَقْيَسُ على ما ذكره الإِمَامُ وغيره جَوَازُ إِرقَاقِ بَعْضِ الشخصَ قال في "التهذيب": وإن لم نُجَوِّزْ، فإذا ضُرِبَ الرِقُّ على بعضه رُقَّ الكُلُّ، وكان يَجُوزُ أن يُقَالَ: لا يُرَقُّ شَيْءٌ.
وإن اخْتَارَ الفِدَاءَ يجوز بالمَالِ، سِلاَحًا كان أو غيره، ويجوز أن يفدى بأسَارَى المُسْلِمِينَ، فيردّ مشركاً بمسلم، أو مسلمين أو مشركين بمسلم، ويَجُوزُ أَنْ نَفْدِيَهُمْ بِأسْلِحَتِنَا في أيديهم، ولا يَجُوزُ أن ترد أسلحتهم في أيدينا.
بمال يَبْذُلُونَهُ، كما لا يَجُوزُ بَيْعُ السِّلاحَ منهم، وفي جَوَازِ رَدِّهَا بِأُسَارَى المسلمين وَجُهَان:
ولو قتل مُسْلِمٌ أِو ذِمِّيٌّ الأسِيرَ قبل أن يَرَى الإِمَامُ رَأْيَهُ فيه، عُزِّرَ، ولكن لا قِصَاصَ ولا دِيَةَ؛ لأنَّهُ لا أَمَانَ له، وهو حُرٌّ إلى أن يُسْتَرَقَّ، ولذلك يَجُوزُ أن يُخَلَّى سبيله، والأَمْوَالُ لا تُرَدُّ إليهم بَعْدَ الاغْتِنَام، ولو وقع في الأسْرِ امْرَأَةٌ أو صَبِيٌّ، فقتل وَجَبَتِ القِيمَةُ، لأَنَّهُ صار مَالاً بِنَفْسِ الأَسْرِ، ثُمَّ إن سُبِيَ الصَّبيُّ مُنْفَرِدًا، فهو محكوم بِإِسْلاَمِهِ تبعاً للسَّابي، ففيه قِيمَةُ عبد مُسْلِمٍ، وإن كان قَاتِلُهُ عَبْدًا، فعليه القصَاصُ، وعلى
هذا لو أُسِرَ البَالِغُ وله زَوْجَةٌ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ بالأَسْرِ، وينظر إن فَادَاهُ الإِمَامُ، أو مَنَّ عليه استمرت الزَّوْجِيةُ، فإن أَرَقَّهُ ارتفع النِّكَاحُ حينئذٍ.
وإن أُسِرَ صَبِيٌّ، وله زَوجَةْ ارتفع النِّكَاحُ كما أسر.
وإن أُسِرَ كافِرٌ ومعه زوجته وذُرِّيَّتُهُ، فالإِمَامُ بالخِيَارِ في حَقِّهِ، ولا خِيَارَ في حَقِّهِمْ.
وإذا أَسْلَمَ الأَسيرُ بَعْدَ الظَّفَرِ به، فقد عَصَمَ دَمَهُ، ويَتَخَيَّرُ الإِمَامُ في باقي الخِصَالِ، أو يَتَعَيَّنُ فيه الرِّقُّ؟ فيه خلافٌ نَشْرَحُهُ إن شاء الله تعالى في آخر كتاب السِّيَرِ؛ لأنَّهُ تَعَرَّضَ للصورة هناك.
وإن أَسْلَمَ قبل الظَّفَرِ به وَوُقُوعِهِ في الأَسْرِ، فقد حَقَنَ مَالَهُ ودَمَهُ، على ما قال صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: "فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ" ولا فَرْقَ بين أَنْ يُسْلِمَ هو مَحْصُورٌ وقد قَرُبَ الفَتْحُ، وبين أن يُسْلِمَ في حَالِ أَمْنِهِ.
وعن أبي حنيفة: أن إسلاَمَهُ بعد المُحَاصَرَةِ ودُنُوِّ الفَتْحِ لا يَعْصِمُ نَفْسَهُ عن الاسْتِرْقَاقِ، ولا مَالَهُ عن الاغْتِنَامِ، ولا فرق بين مَالٍ ومَالٍ.
وعند أبي حنيفة: إسلامه يُحْرِزُ ما في يَدِهِ الحِسِّيَّةِ من الأَمْوَالِ دون العَقَارَاتِ، ولا فَرْقَ بين أن يَكُونَ في دار الإِسْلاَمِ، أو في دَارِ الحرب.
وقال مالك: إذا أَسْلَمَ في دَارِ الإِسْلاَمِ عَصَمَ مَالَهُ الذي معه في دَارِ الإِسْلاَمِ، دون ما معه في دَارِ الحَرْبِ.
لنا: إِطْلاَق الخَبَر السَّابِقِ، وأيضاً روي أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: إِنَّ القوم إذا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ 1، ويُحْرِزُ أَيْضًا بإسلامه أَوْلاَدَهُ الصغار عن السَّبْي، ويُحْكَمُ بإسْلاَمِهِم تبَعاً له؛ لما روي أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حَاصَرَ بني قُرَيْظَةَ، فَأسْلَمَ ثعلبةُ وأُسَيْدُ ابنا سُعْيَةَ 2، فَأحْرَزَ لهما إِسْلاَمُهُمَا أَموَالَهُمَا وأولادهما الصِّغَارَ 3.
وعن أبي حنيفة أَنَّ الحَرْبِي إذا دخل دَارَ الإِسْلاَمِ، وله أولادٌ صِغَارٌ في دَارِ الحَرْبِ يجوز سَبْيُهُمْ، والحَمْلُ كالمنفصل.
وجَوَّزَ أبو حنيفةَ اسْتِرقَاقَ الحَمْلِ تَبَعاً للأُمِّ.
لنا: أَنَّهُ مسلمٌ بإسلام أبيه، فأشبه المُنْفَصِلَ، وهل يُحْرِزُ وَلَدَ ابنه الصغير؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم كالأَبِ.
والثاني: يُفَارِقُ الأب فيه، كما يُفَارِقُهُ في المِيرَاثِ، ثم عن القَفَّالِ أَنَّهُ قال مَرَّةً: الوجهان فيما إِذا كان الأَبُ مَيِّتًا، وإن كان حَيًّا لم يُحْرزْ الجَدّ وَجْهًا وَاحِداً.
وقال أخرى: الوجهان في الصَّغِيرِ الذي أبوه حَيٌّ، فإن كان ميتاً أحرز الجدُّ وَجهًا واحداً.
قال الروياني في "البَحْرِ": هذا هو الصَّحِيحُ عند أصحابنا، والمجانين من الأولاد كالصِّغَارِ، ولو كان قد بَلَغَ عَاقِلاً ثم جُنَّ فهل يُحْرِزُهُ؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، وهما كوجهين ذَكَرْنَاهُمَا في "باب اللَّقِيط" في أَنَّهُ هل يُحْكَمْ بِإِسْلاَمِهِ، والحالة هذه تَبَعًا، أَو هما هما.
وإذا أَسْلَمَتِ المَرْأَةُ قبل الظَّفَرِ، فَتُحْرِزُ أيضاً نَفْسَها ومَالَهَا وَأوْلاَدَهَا الصغار.
وعن مَالِكٍ: أَنَّها لا تُحْرِزُ الأَوْلاَدَ.
وعن الفُورَانِيِّ: أن للشافعي -رضي الله عنه- قَوْلاً مثله والمَشْهُورُ الأَوَّلُ، وبتقدير أن يثبت قول، فيشبه أن يقال لهما: لا تَسْتَتْبِعُهُمْ في الإِسْلاَمِ على ذلك القَوْلِ ولم يَجْرِ في اللَّقِيطِ حِكَايَةُ خِلاَفٍ فيه.
وأمَّا الأَوْلاَدُ البَالِغُونَ العَاقِلُونَ فلا يُحْرِزُهُمْ إِسْلاَمُ الأب لاسْتِقْلاَلِهِمْ بالإِسْلاَمِ.
إذا تَقَرَّرَتْ هذه الجُمُلُ عُدْنَا إلى صُوَرِ الفَصْل في الكتاب:
إحداها: هل يَعْصِمُ إِسْلاَمُ الكافر قبل الأَسْرِ زَوْجَتَهُ عن الاسْتِرْقَاقِ؟
فيه وجهان، ويقال: قولان: مَنْصُوصٌ، ومُخَرَّجٌ، وذكر الشيخ أبو عَلِيٍّ وآخرون في كيفية خُرُوجِهَا أَنَّهُ نَصَّ على أنه يجوز اسْتِرْقَاقُهَا، ونَصَّ على أنَّ المُسْلِمَ إذا أَعْتَقَ = يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا، فوالله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- بسنتين، وكان يقول: إنه يتوقع خروج نبي قد أظل زمانه، فذكر الحديث، وفيه: فلما كانت تلك الليلة التي افتتحت فيها قريظة قال: أولئك الفتية الثلاثة: يا معشر يهود، والله إنه للرجل الذي كان ذكر لكم ابن الهيبان.
قالوا: ما هو، قالوا: بلى، والله إنه لهو، قال: فنزلوا وأسلموا، وكانوا شبابًا، فخلوا أموالهم وأهليهم في الحصين مع المشركين، فلما فتح رد ذلك عليهم، ورواه البيهقي.
عَبْدًا كافرًا، والْتَحَقَ بدار الحَرْبِ لا يجوز اسْتِرقَاقُهُ، وللأصحابِ فيهما طريقان.
أشهرهما: أَنَّ فيهما قَوْلَيْنِ، النَّقْل والتخريج.
أحدهما: أَنَّهُ لا تُسْتَرَقُّ زَوْجَتُهُ ولا عَتِيقُهُ، لئلا يَبْطُلَ حَقُّهُ من النكاح والوَلاَءِ، كما لا يُغْنَمْ مَالُهُ.
وأيضاً فَعَقْدُ الأَمَانِ يُحْرِزُ الزَّوجَةَ، فالإِسلامُ أَوْلَى.
والثاني: يَسْتَوِيَانِ؛ لأنهما مَالِكَانِ لأنفسهما، وحَقُّهُمَا في أنفسهما آكَدُ من حَقِّ الزَّوْجِ والسَّيِّدِ، ولا عِصْمَةَ لهما، فلا يَجُوزُ المَنْعُ من اسْتِرْقَاقِهِمَا.
والثاني: تَقْرِيرُ النَّصَّينِ، والفَرْقُ أَنَّ الوَلاَءَ بعدما ثَبَتَ لا يمكن رَفْعُهُ وإِبْطَالُهُ، وإن تَرَاضَيَا به، والنِّكَاحُ يِنْفَسِخُ، ويرتفع بأسْبَابٍ، وحُدُوثُ الرِّقِّ من تلك الأسْبَابِ على ما سنذكر.
والظَّاهِرُ ما نَصَّ عليه في الصَّورَتَيْنِ، وإن قُدِّرَ الخِلافُ، هكذا قاله الجمهور.
واختار القاضي ابْنُ كَجٍّ في الزَّوْجَةِ امْتِنَاعَ الاسْتِرْقَاقِ أيضاً، ويجري الخِلاَفُ فيما إذا نَكَحَ المُسْلِمُ حَرْبِيّةً في دَارِ الحَرْبِ، هل يجوز اسْتِرْقَاقُهَا؟
"
التفريع
":
إن قلنا: إنَّ إسلاَمَ الزوج لا يُحْرِزُ زَوْجَتَهُ الحَرْبِيَّةَ، فلو كانت حَامِلاً عند إِسْلاَمِهِ، ففى جواز اسْتِرْقَاقِهَا وجهان:
أحدهما: المَنْعُ؛ لأن الحَمْلَ مَحْكُومٌ له بِالإِسْلاَمِ، كما قَدَّمْنَا فلا يجوز تَمَلُّكُ الحَامِلِ دونه، كما لا يجوز تَمَلُّكُهَا بالشِّرَاءِ، دون الحمل.
وأصحهما: وهو المَذْكُورُ في الكتاب جَوَازُ استرقاقها؛ لأنَّها كَافِرَة حَرْبِيَّةٌ، فَأشْبَهَتْ غيرها وبهذا قال أبو حَنِيْفَةَ، وأَرَقَّ الحَمْلَ أيضاً؛ لما ذكرنا أَنَّهُ لا يجعله تَبَعاً لأبيه في الإِسْلاَم، وحُكِيَ في "الوسيط" أنَّ الحَمْلَ عند أبي حَنِيْفَةَ يمنع الاسْتِرْقَاقَ، والثابت الأَوَّلُ.
وإذا اسْتُرِقَّتِ الزَّوْجَةُ، نُظِرَ إن كان قبل الدُّخْولِ انْقَطَعَ النِّكَاحُ في الحَالِ؛ لأنَّهُ زال مِلْكَهَا عن نَفْسِهَا، فَيَزُولُ مِلكُ الزَّوْجِ عنها, ولأنها صَارَتْ أَمَةً كِتَابِيَّة، فلا يجوز إِمْسَاكُ الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ للنكاحِ.
وعن رواية صاحب "التَّهْذِيب" وَجْهٌ أَنَّهَا وإن استرقت يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وإن كان بَعْدَ الدُّخُولِ، فوجَهان:
أحدهما: أَنَّ الجَوَابَ كذلك؛ لأَنَّ حُدُوثَ الرِّقِّ يقطع النِّكَاحَ، فأشبه الرِّضَاعَ، وهذا أَوْلى لإِطْلاَقِ الأصحاب.
والثاني: أَنَّا نتَوَقَّفُ رَجَاءَ زَوَالِ الرِّقِّ، والكفر في مُدَّةِ العِدَّةِ، كما لو ارْتَدَّتْ بعد الدُّخُولِ، بخلاف الرضاع؛ لأنَّا لا نَتَوَقَّعُ زَوَالَ الحُرِّيَّةِ الحَاصِلَةِ به، فعلى هذا إن أعتقت
وأسلمت قبل انْقِضَاءِ العِدَّةِ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وكذا لو أُعْتِقَتْ ولم تُسْلِمْ؛ لأنَّ إِمْسَاكَ الحُرَّةِ الكتابية للنكاحِ جَائِزٌ، ولو أسلمت ولم تُعْتَقْ، فإن كان الزوج ممن يجوز له نِكَاحُ الإِمَاءِ، فله إِمْسَاكُهَا، وَإِلاَّ فوجهان 1:
أحدهما: أَنَّهُ ليس له إِمْساكُهَا؛ لأَنَّ من ليس له ابْتِدَاءُ النِّكَاح، ليس له الإمْسَاكُ بِعَقْدٍ مُتَقَدِّمٍ، كما لو أَسْلَمَ الكَافِرُ مع أَمَةٍ تَحْتَهُ، وهو مُوسِرٌ، ليس له إِمْسَاكُهَا.
والثاني: يجوز، ويُسَامَحُ في الاسْتِدَامَةِ، كما لو نكح فَاقِدُ الطَّوْلِ أَمَةً، ثُمَّ أَيْسَرَ، ويُخَالِفُ ما إذا أَسْلَمَ الكَافِرُ، لأنَّهُ لم يكن وقت العَقْدِ مُلْتَزِمًا بِحُكْم الإِسْلاَمِ، فاعتبر حَالُ اجتماعهما, ولو أَسْلَمَ الكَافِرُ بعدما استرقت زوجته الحَامِلُ، حُكَمَ بإسلام الحَمْلِ، ولم يَبْطل رِقُّهُ، كما في المُنْفَصِلِ.
ولو أسلمت حَامِلٌ تحت حرْبِيٍّ، لم تسترق ولا وَلَدُهَا؛ لأن الحَمْلَ يَتْبَعُهَا في الإِسْلاَمِ.
ولو استأجر مُسْلِمٌ دَارًا من حَرْبِيٍّ في دار الحرب، ثُمَّ غَنِمَ المسلمون الدَّارَ، أو اسْتأْجَرَ حربيًّا [رقيقًا أو حرًا] فاسترق لم تَنْقَطِعِ الإِجَارةُ، بل يبقى للمستأجر اسْتحْقَاقُ المَنْفَعَةِ.
ولأن مَنَافِعَ الأَمْوَالِ مَمْلُوكَةٌ مِلْكًا تَامًّا، مَضْمُونَةٌ باليد، كأعيان الأموال، وكما لا تُغْنَمُ العَيْنُ المَمْلُوكَةُ لِلْمُسْلِمِ لا تُغْنَمُ المَنَافِعُ المَمْلُوكَةُ له، بخلاف مَنْفَعَةِ البُضْعِ، فَإِنَّهَا تُسْتَبَاحُ، ولا تُمْلَكْ مِلْكًا تاماً, ولذلك لا تضمن باليدِ، ومن الأصحاب من جعل انْقِطَاعَ الإِجَارَة على الخلاف في انْقِطَاعِ النِّكَاحِ.
الثانية: يجوز سَبْيُ مَنكُوحَةِ الذِّمِّيِّ، إذا كانت حَرْبِيَّةً، وَينْقَطِعُ به نِكَاحُهُ، وهل يجوز سَبْيُ معتقه وإِرْقَاقُهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز اسْتِرْقَاقُهُ، كاسْتِرْقَاقِ مُعْتقِ المسلم، وهذا كما أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ مَصُونٌ عن الاغْتِنَامِ، كَمَالِ المسلم.
والثاني: يجوز؛ لأَنَّ الذِّمِّيِّ لو نَقَضَ العَهْدَ، والْتَحَقَ بدار الحرب، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ، فمعتقه أَوْلَى أَنْ يكون كذلك.
قال القاضي الرُّويَانِيُّ: وهذا ظَاهِرُ المَذْهَب، والوَجْهُ أن يرتب، فيقال: إِنْ جَوَّزْنَا أن يسترق عَتِيقُ المُسْلِمِ، فعتيق الذِّمِّيِّ أَوْلَى، وَإِلاَّ ففي عَتِيقِ الذِّمِّيِّ وَجْهَان.
قال في "التهذيب": ولو أَعْتَقَ الذِّمِّيُّ عَبْدًا، ثُمَّ نَقَضَ السَّيِّدُ العَهْدَ، والْتَحَقَ بِدَارِ الحَرْب، فاسترق، فالمذهب أن وَلاَءَهُ على عَتِيقِهِ لا يبطل حقّه، حتَّى لو عُتِقَ كان وَلاَؤُهُ عليه بَاقِيًا، ولمعُتِقِهِ أَيضًا الوَلاَءُ على عَتِيقِهِ، ولو مَلَكَهُ عَتِيقُهُ فَاعْتَقَهُ، كان لِكُلِّ واحدٍ منهما الوَلاَءُ على الآخرَ.
وفيه وَجْهٌ: أنَّهُ إذا استرقَّ بَطَلَ وَلاَؤُهُ على عَتِيقِهِ، كما يَبْطُلُ مِلْكُهُ على عَبْدِهِ.
الثالثة: إذا سُبِيَ الزَّوْجَانِ معاً، أو سُبِيَ أحدهما يَنْفَسخُ النِّكَاحُ، صَغِيرَيْنِ كانا، أو كبيرين ورقّا سواء كان قبل الدُّخُولِ أو بعده.
قاله مالك.
وقال أبو حنيفة: إن سُبيَا مَعًا يَدُومُ النِّكَاحُ بينهما، وإن سُبِيَ أَحَدُهُمَا دون الآخر، يقع النِّكَاحُ لاِخْتِلاَفِ الدَّار، لا لحدوث الرِّقِّ، واحْتَجَّ للمذهب بما رُوِي أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال يومُ أَوْطَاس: "أَلاَ لاَ تُوطَأ حَامْلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيْضَ" 1 ولم يفصل بين ذات الزَّوْجِ وغيرها, ولا بين أن يكون مَعَهَا زَوْجُهَا، أو لا يكون.
وعن أبي سعيد الخُدَرِيِّ -رضي الله عنه- قال: أَصَبْنَا نِسَاءً يَومَ أَوْطَاسٍ، فكرهوا أنْ يَقَعُوا عَلَيْهِنَّ من أَجْل أَزْوَاجِهنَّ من المشركين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] فاسْتَحْلَلْنَاهُنَّ 2.
وأيضاً فَإِنْ الرِّقَّ إذا حَدَثَ زَالَ مِلْكُهَا عن نَفْسِهَا, ولأن تَزُولَ العِصْمَةُ بينها وبين الزَّوْجِ كان أَوْلَىَ، وهذا المعنى هو ما أَرَادَ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر" بقوله: "وليس قَطْعُ العِصْمَةِ بينهن وبين أزْوَاجِهِنَّ بأكثر من اسْتِئْمَانِهِنَّ.
وإن كان الزَّوْجَانِ رَقِيقَيْنِ فَغُنِمَا، أو أحدهما، ففي انْقِطَاعِ النِكاح وجهان، سواء كانا مُسْلِمَينِ، أو كافرين:
أصحهما: المَنْعُ؛ لأنَّهُ لم يَحْدُثِ الرِّقُ، وإنما انتقل المِلْكُ من شَخْصٍ إلى شخْصٍ، وذلك لا يُؤَثِّرُ في النِّكَاحِ كالبَيْعِ وغيره.
والثاني: ينقطع، لأنَّهُ حَدَثَ شَيْءٌ يُوجِبُ الاسْتِرْقَاقَ، فكان لحدوث الرِّقِّ، ولهذا لو سُبيَتْ المُسْتَوْلَدَةُ تَصِيرُ قِنَّةً.
ومنهم من قَطَعَ بالوَجهِ الأَوَّلِ، ويجوز أن يُعَلمَ لذلك لفظ الوَجْهَيْنِ في قوله في الكتاب وفي انْقِطَاع نِكَاح الرَّقِيقيْنِ المَسْبِيَّيْنِ وَجْهَان بالواو، وأَرَادَ اللَّذَيْنِ كانا رَقِيقَيْنِ قبل السَّبْي.
وفي قوله: "ولا تَنْقَطِعُ إجَارَتُهُ عن الدَّارِ المغنمة، والعَبْدِ المسبي"، لا يلزم لِلْحَمْلِ على من كان عَبْدًا قَبْلَ السَّبْي، بل حُكْمُ الإجارة فيه وفي الحُرِّ الذي اسْتُرِقَّ بَعْدَ السَّبْيِ واحِدٌ، لا فَرْقَ بينهما.
وقوله: "انقطع نِكَاحُهُ عن الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ"، يعني أنَّ هذه المسبية تَصِيرُ أَمَةً كِتَابيَّةً، ولا يجوز إِمْسَاكُ الأمَةِ الكتابية لِلنَّكَاحِ على مَا بَيَّنَّا.