العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 337-376

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أبْوَابٍ

البَابُ الأَوَّلُ فِي وُجُوبِ الجِهادِ

وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْن: (الأَوَّلُ: وُجُوبُهُ) وَهُوَ واجِبٌ عَلَى الكِفَايَة فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً واحِدَةً فِي أَهَمِّ الجِهَاتِ وَالإِمَامُ يَرْعَى النَّصَفَةَ فِي المُنَاوَبَةِ بَيْنَ النَّاسِ.
قال الرَّافِعِيُّ: السِّيَرُ: جمعُ سِيرَة، وهي الطريقةُ، يُقال: إنها مِنْ سار يَسِير، والفِعْلة للهيْئَةِ، كالقِعْدة والركبة، وترجم الكتابَ بـ"السِّيَر"، لأنَّ الأحكام المُودعة فيه متلقاةٌ من سِيَر رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في غَزَواته.
والمقصودُ: الكلامُ في الجهادُ 1 وأحكامِه، وبكتاب الجهاد ترجمه "صاحبُ التلْخِيص" وغيرُه.

........................ = "الأول" أن الجهاد يستدعي السّير وقطع المسافات غالبًا.
"الثاني" أن المجاهد له عند الناس ذكر حسن وسيرة طيبة وفضل عظيم.
"الثالث" أن هذا الموضوع مشتمل على بيان طرق الغزاة، وهيئاتهم وما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات.
وعلى كيفية القتال وبيان الغنائم وقسمتها والأسرى ومعاملتهم، وذلك كله متلقى من سير النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزواته.
فبهذه الوجوه صح التعبير بكلمة السير، وبذلك تحققت المناسبة بينها وبين موضوع الجهاد.
مشروعية الجهاد وفضله الجهاد في سبيل الله من أفضل أعمال البر وأشرفها عند الله، والدفاع عن الدِّينِ والعِرْضِ والنفس والمال، والذَّوْدِ عن الجماعة الإسلامية، وحماية الأوطان من الخراب والدمار من أسمى الخصال التي حث الله عليها، وَأَيُّ رجل أرفع قدرًا، وأطيب ذكرًا، وأعظم عند الله أجرًا، وأعلى في النّاس منزلةً، من رجل يجود بنفسه في سبيل الله، وفي سبيل الذَّوْدِ عن كلمة الله، وحرمات الله.
دعا الله عبادَه إلى الجهاد في سبيله، وبين فضائله ومزاياه في آيات كثيرة من كتابه العزيز، فقال تعالى شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قَالَ الحسن: مَرَّ أعرابي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرَأ هذه الآية فقال: كلام من هذا؟ قال كلام الله، فقال بيع والله مُبْرَعٌ، لا نقيله ولا نَسْتَقِيلُهُ، فخرج إلى الغزو واستثهد.
وأنشد الأصمعيُّ لجَعْفَرِ الصَّادِقِ -رضي الله عنه-: [الطويل] أُثَامِنُ بالنَّفْسِ النَّفِيْسَةِ رَبَّهَا... وَلَيْسَ لَهَا فِي الخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنْ بِهَا تُشْتَرَى الجَنَّاتُ إنْ أَنَا بِعْتُهَا... بِشَيءٍ سِوَاهَا إِنَّ ذَلِكُمُ غَبَنْ لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْيَا أَصَبْتُهَا... لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنْ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ومَنْ أَحبّه الله أَمَّنَهُ من عذابه، وأكرمه بجواره في الجنة التي أَعَدَّهَا الله لأوليائه، وَرَوَى الإِمَامُ أحْمد والترمذيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قاتَلَ فِي سَبِيْلِ اللهَ فَواقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ"، وفي حديث متفق عليه عن ابْنِ مَسْعُودٍ قال: سَأَلْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيُّ العمل أحب إلى الله قال: "الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا" قلت ثم أَيُّ؟ قال "بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قلت ثم أي؟ قال: "الجِهَادُ =

...................... = فِي سَبِيْلِ اللهِ" وفي حديث متفق عليه، عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لغُدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ في سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا" وفي "المُوَطَّأ"، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبيْلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِم القَائِم الدَّائِم الَّذِي لا يَفْتُرُ مِنْ صَلاةٍ وَلاَ صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ" وفيه أيضًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبيْلِهِ لاَ يُخْرجه مِنْ بَيْتِهِ إِلاَّ الجِهَادُ فِي سَبيْلِهِ وَتَصدِيْقُ كَلِمَاتِه أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهَ الَّذِي خَرَجَ مِنْه مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَو غَنيْمةٍ".
ولمّا كان الجهاد من أفضل الأعمال جازى الله الشهداء في سبيله، لقاء ما بذلوا من حياتهم في طاعته، وهم لا يملكون أعز منها، بأن أحياهم حياة أفضل من حياتهم التي بذلوها ابتغاء مرضاته قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وفي الموطأ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدَهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أُقَاتِلَ فِي سَبيْلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا فأُقتَلُ" فكان أبو هريرة يقول: ثلاثًا أشهد بالله، أي أنه قالها ثلاث مرات.
وفيه أيضًا عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبيْلِهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يُنْعَبُ دمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيْحُ رِيْحُ المِسْكِ".
والآيات والَأحاديث الواردة في مشروعية الجهاد وبيان فضله ولفت الأنظار إليه والتحبيب فيه، والحث عليه أكثر من أن تحصى فلنكتف بهذا القدر قياماً بواجب الموضوع.
قد يقال: إن أخص أوصاف الرسول محمدٍّ -صلى الله عليه وسلم- صفة الرَّحمة تحلّى بها وامتنّ الله بها عليه، ولا شَكَّ أن في الجهاد سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وتيتيم الأطفال، وترميل النساء، وإتلاف الأموال، وضياع العمران، وهدم المدنيات، وإهلاك الثروات، والنفائس العلمية، والمالية ونقص ما بناه الله، وبالجملة فهو سبب الفساد ومجزرة العباد، فكيف تأتي به شريعةٌ أرسل صاحبها رحمة للعالمين؟ فالجواب: أن قتال الناس بعضهم لبعض سنة بشرية، قضى بها الاجتماع والتنافس والطغيان، ومحبة الاستيلاء وإنفاذ الكلمة والسلطان.
عرفته الإنسانية منذ رأى الإنسان أخًا له ينفس عليه ويكيد له، ويغيظه أن ينال ما لا ينال ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
ولقد جاءت الشريعة الإِسلامية، وهي حقيقة أرحم الشرائع -وتضمنت خير الناس وسعادتهم، وليس من الحكمة أن تترك الناس يقتل بعضهم بعضًا لأتفه الأسباب، ولا أن تعمل على اقتلاع شأن قار في الطباع، وإنما الحكمة فيما سلكته في هذا الشأن، وهو أنه أقرت أصل القتال تلبية لداعي الفطرة، ثم تناولته بالتهذيب ووجهته الوجهة الصالحة للمجتمع الإنساني شأنها في كل ما شرعته من أحكام- صَيَّرتْهُ في دائرة هي أضيق الدوائر، وجعلته لغاية هي أسمى الغايات، فحظرت قتال الشّره، والهوى واستعباد النقوس وإذلالها، وجعلته لأعلاء كلمة الله وإعزاز دينه والدفاع عنه وقمع الكفر، والشرك وتمكين دين الله في أرضه، ولدفع الظلم والعدوان ولإخلاء العالم من الشر والفساد قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ =

والأَصْلُ في الكتاب الإجماعُ، وما لا يعد من الآيات والأَخْبارِ؛ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36]، وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] وقال -صلى الله عليه وسلم- "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَه إِلاَّ اللهُ" 1 وسُئِل رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الأعمال أفضلُ؟ فقال: "الصلاةُ لوقتها، فقِيل: ثم أَيّ؟ قال: بِرُّ الوالِدَيْن، قِيل: ثم أَيّ؟ قال: الجهادُ في سَبِيلِ اللهِ" 2. وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَغَدْوَةٌ في سَبِيل الله أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها" 3 ولا بُدَّ من معرفة قضية هذه الترغِيبات والأَوَامر، وحال الجهاد، أَهُوَ واجِبٌ على الكفايَةِ، أو على الأعْيان؟ وكيف ما كان؟ فالجهادُ قد يُؤْتى به فيحتاج إلى الوقوف على كيفيته، وأحكامه وقد يقتضي الحالُ تركَه بأمان يعقد؛ فرتب المصنِّفُ -رحمه الله- الكتاب على ثلاثةِ أبوابٍ.
أَحدُها: في وُجُوبِه.
والثانِى: في كَيْفِيَّتِه.
والثالِثُ: فِي تَرْكِهِ بالأَمان.
أمَّا الأول: فقد ذكر الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- والأصحابُ في صدره، أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لمَّا بُعِث أُمِر بالتبليغ والإِنْذَارِ بلا قتالٍ، واتَّبعه قومٌ بعد قوم، وفرضَتِ الصلاةُ بـ"مكة"، ولما هاجر فُرِضَ الصومُ بعد سنتين من الهجرة، واختلفوا في أنَّ الزكاة فرِضَتْ قبل الصيام أو بعده، وفُرِض الحجُّ سنة سِتٍّ، وقِيل: سنة خَمْس.
= عَلَى العالَمِينَ} وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
لهذا شرع الله الجهاد، فلم يكن القصد من مشروعية القتال سوى تمكين النّاس من عبادة الله، واقتلاع عوامل الشر والفساد في الأرض أو تخفيفها، وهذه هي أسمى مقاصد الدين والشرائع السّماوية، فإذا تعين القتال طريقًا لهذه الغاية؛ وَجَبَ في نظر العقل والحكمة اتخاذه طريقًا لها، ولهذا شرع الله القتال وإن تضمن سفك الدماء، وتيتيم الأطفال، فإن الشر القليل في سبيل الخير الكثير خيرٌ كثير.

وكان القتالُ مَمْنُوعًا عنه في ابتداء الإِسلام، بل أُمِرُوا بالصبر على أذى الكفار، والاحْتِمال منهم؛ على ما قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] ولمّا هاجر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة -وجبتِ الهجرةُ إليَها على مَنْ قَدَرَ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97] ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 98] فلمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ ارتفعت فرضيةُ الهجرة فيها إلى المدينة.
وعلى ذلك يُحْمَلُ قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ 1 وَنيَّةٌ"، وبَقِيَ وجُوب الهجرة من دار الكُفْر في الجملة على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- من بعد، ثم إِن الله تعالى أَذِنَ في القِتالِ مع مَنْ قَاتَل فقال عزَّ من قائل: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190] ثم أباح ابتداءَ القتالِ، ولكن في غير الأَشْهُرِ الحُرُمِ على ما قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5] ثم أَمَرَ به من غير تَقييدٍ بشرط أو زمان، فقال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] وقد ذكروا في خِلاَل هذه المقدمة أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَعْبُدْ صَنَمًا قطٌّ، ورَووْا عنه أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا كَفَرَ باللهِ نَبِيٌّ قَطٌّ" وفي "البَيَانِ" أنه كان قبل أَنْ يُبْعَثَ كان مُتَمْسِّكاً بدين إبْرَاهِيم -عليه السلام- 2.

........................ = عشر يومًا، وقيل: أربعة عشر، وغسله علي والعباس والفضل وقثم وأسامة وشقران رضي الله عنهم، وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى عليه المسلمون أفراداً بلا إمام ودخل قبره علي والعباس والفضل وقثم وشقران، ودفن في اللحد وجعل فيه تسع لبنات، ودفن في الموضع الذي توفي فيه، وهو حجرة عائشة، ثم دفن عنده أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنهما، ولم يحج -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة إلا حجة الوداع سنة عشر، وسميت حجة الوداع لأنه ودع الناس فيها -صلى الله عليه وسلم-، واعتمر -صلى الله عليه وسلم- أربع عمر.
واختلفوا هل فرض الحج سنة ست أو خمس أو تسع.
وأول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض الله تعالى من قيام الليل ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم نسخه بما في أواخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة بعد النبوة بعشرة سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب، وكان -صلى الله عليه وسلم- مأموراً بالصلاة إلى بيت المقدس مدة مقامه بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر، ثم أمره الله تعالى باستقبال الكعبة.
ذكر بعض الأمور المشهورة بعد الهجرة على ترتيب السنين: السنة الأولى: فيها بني -صلى الله عليه وسلم- مسجده ومساكنه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وشرع الأذان وأسلم عبد الله بن سلام.
السنة الثانية: فيها حولت القبلة إلى الكعبة، قال محمد بن حبيب الهاشمي: حولت في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، كان -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه، فحانت صلاة الظهر في منازل بني سلمة، فصلى بهم ركعتين من الظهر في مسجد القبلتين إلى القدس، ثم أمر في الصلاة باستقبال الكعبة وهو راكع في الركعة الثانية، فاستدار واستدارت الصفوف خلفه -صلى الله عليه وسلم-، فأتم الصلاة، فسمي مسجد القبلتين، وفي شعبان منها فرض صوم رمضان، وفيها فرضت صدقة الفطر، وفيها كانت غزوة بدر في رمضان، وفي شوال منها تزوج عائشة، وفيه تزوج علي فاطمة.
السنة الثالثة: فيها غزوات وأربع سرايا، منها غزوة أحد يوم السبت السابع من شوال، ثم غزوة بدر الصغرى في هلال ذي القعدة، وفيها غزوة بني النضير، وحرمت الخمر بعد غزوة أحد، وتزوج حفصة، وتزوج عثمان أم كلثوم، وولد الحسن بن علي.
الرابعة: فيها غزوة الخندق وذكرها جماعة في الخامسة، والصحيح أنها في الرابعة، ويقال لها: الأحزاب أيضًا، وكان حصار الأحزاب المدينة خمسة عشر يومًا ثم هزمهم الله تعالى، وفيها قصرت الصلاة ونزل التيمم، وتزوج أم سلمة.
الخامسة: فيها غزوة ذات الرقاع في أول المحرم وبها صلى صلاة الخوف، وهي أول صلوات الخوف، ثم غزوة دومة الجندل، وغزوة بني قريظة.
السادسة: غزوة الحديبية وبيعة الرضوان، وغزوة بني المصطلق، وكسفت الشمس، ونزل الظهار.
السابعة: فيها غزوة خيبر، وتزوج أم حبيبة وميمونة وصفية، وجاءته مارية وبغلته دلدل، وقدم جعفر وأصحابه من الحبشة، وأسلم أبو هريرة، وعمرة القضاء.
الثامنة: فيها غزوة مؤتة، وذات السلاسل، وفتح مكة في رمضان، وولد إبراهيم، وتوفيت زينب، وغزوة حنين والطائف، وفيها غلاء السعر، فقالوا: سعر لنا.
=

إذا عرفْتَ ذلك، فالجهادُ قد يكون فَرْضَ كفايةٍ، وقد يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ 1 فالكلام في القِسْم الأول في طرفَيْن: = التاسعة: فيها غزا تبوك، وحج أبو بكر رضي الله عنه بالناس، وتوفيت أم كلثوم والنجاشي، وتتابعت الوفود، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
العاشرة: فيه حجة الوداع، ووفاة إبراهيم، وإسلام جرير، ونزل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وغزواته -صلى الله عليه وسلم- بنفسه خمسة وعشرون غزوة، وقيل: سبع وعشرون، وسراياه ست وخمسون، وقيل غير ذلك.

أحدُهما: في وجُوبِهِ.
والثَّانِي: في الأَعْذَارِ المسقِطَةِ له، وهما جميعًا محفوظان بالكلام في غير الجهادِ من فُرُوضِ الكفايات، أمَّا الوجُوبُ: فاختلَفُوا في أنَّ الجهادَ في عَهْدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- كان فَرْضَ عَيْنٍ، أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ، على وجهين: أحدُهما: أنه كان فَرْضَ عَيْنٍ؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39].
ومَنْ قال به، قال: مَنْ لَمْ يَخْرُجْ كان يحرس المدينة وكانت ثَغْرَ الإِسلام، وحِرَاسَتُها نوع من الجهاد، وأظهرُهما أنها كانت فَرْضاً على الكِفَايَةِ، واحتجَّ له بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ = واجب قالا.
ما علمناه واجبًا.
"وسنعرض لهذا بتوسعة في أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم.
ان شاء الله".
وخالف في الكفاية ابن المسيب، وقال: إنه فرض عين في الأحوال كلها.
لقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" ولكن النصوص الصريحة تبطل هذا القول.
وعمل الرسول عليه السلام يدحضه فإنه لو كان فرض عين في الأحوال كلها لما وعد الله القاعدين بالحسنى في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية ولما قعد عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، واكتفى ببعث السرايا ولا أذن غيره بالتخلف ولأن فرضية القتال لمقصود إعزاز الدين، وقهر المشركين فإذا حصل هذا المقصود بالبعض سقط عن الباقين.
ولأن في جعله فرض عين حرجًا عظيمًا حيث تعطل أمور الناس من زراعة، وتجارة إذا خرجوا جميعًا للجهاد.
والحرج متتف.
"مَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ".
ويكون الجهاد فرض عين بلا خلاف بين الفقهاء.
إذا هجم العدو على بلد من بلاد المسلمين فيتعين على كل واحد من آحادهم ممن هو قادر عليه.
لأن الوجوب على الكل ثابت بالنصوص.
وسقوطه عن البعض بحصول المقصود بالبعض الآخر.
فإذا لم يتحقق الدفع إلا بالكل يبقى فرضاً عينياً عليهم جميعًا كالصلاة والصوم... إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان فيحرم على من حضر الانصراف، ويتعين عليه المقام إلا متحرفاً لقتال أو متميزًا إلى فئة، وما دام الكفار لم يزيدوا على ضعف عدد المسلمين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقال جل شأنه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
إذا استنفرهم الإمام لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوْا".

الْحُسْنَى} [النساء: 95] ذَكَرَ فَضْلَ المُجَاهِدِينَ، وَوَعَدَ الْقَاعِدِينَ بالحُسْنَى -أيضًا، ولو كان القَاعِدُونَ تَارِكِينَ للفرض لَمَا كان يعدهم بالجميل، وذكروا لوعيد مَنْ لم ينفر محملين.
أَحَدُهما: أن ذلك كان في حالِ قِلَّة المسلمين، وكَثْرَةِ المشركين، فأمرُوا بالجهاد لئلا يُظْلَمُوا.
والثاني: أَنَّ الوَعِيدَ لِمَنْ عَيَّنَهُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فإنه يَتَعَيَّنُ عليه الإجابةُ، وعلى المحملين فقد يثبت التعيينُ في غير ذلك الزَّمَانِ، امَّا لمعْنَى القِلَّةِ، والكثرة فظاهر.
وأَمَّا الثَّانِي فلأَنَّ الإِمامَ إذا عَيَّن جَماعَةً فلا بُدَّ لهم من الطاعة والإذعان، وأمَّا بَعْدَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فللكفار حَالَتَانِ: إحدَاهُمَا: إذا كانوا مستقرين في بلادهم لم يَقْصدوا المسلمين، ولا شَيْئًا من أموالهم، فالجهادُ معهم فرْضٌ على الكفايةَ، ولو فُرِضَ على الأَعْيَانِ، لتعطلت المعائِشُ والمكاسِبُ، ويدل عليه ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "من جَهَّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خلَف غَازِياً فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَدْ غَزَا" 1 وإن امتنع الكُلُّ عنه لحق الحرج، أو يعمهم أو يختص الذين ندبوا إليه؟ 2. حكى القاضي ابن كَجٍّ فيه وجهين، وإن قام به مَنْ فيه الكفاية، سقط عن الباقين، وذكر الأَصْحَابُ: أن الكفايةَ تحصُل بشَيئيْن: أحدُهما: أن يشحن الإِمام الثغور بجماعة من بإزائهم مِنَ العدُوِّ، ويكافِئُونهم، وَينْبَغي أن يَحْتَاط بإحكام الحصون وحفر الخنادِقِ ونَحْوِهما ويرتب في كل ناحية أميراً كافياً يقلِّده الجِهَادَ، وأمُورَ المسلمين.
والثاني: أن يدخل [الإِمام] 3 دار الكُفْرِ غازياً بنفسه، أو يبعث جَيْشاً يؤمر عليهم مَنْ يَصْلُحَ لذلك، وأقله مرة واحدة في كُلِّ سَنَةٍ، وما زاد كان أفضل، والأَوْلَى أن يبدأ بقتال مَنْ يَلِي دارَ الإِسلامِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] وإن كان الخوفُ من الأَبْعد أكثَرَ بدأ بهم، ولا يجوزُ إِخْلاَءُ السنة عن مرَّةٍ واحدَةٍ إلاَّ لضرورةٍ بأَنْ يكُون في المسلمين ضَعْفٌ، وفي الأَعْدَاءِ كثرةٌ، ويُخَافُ

من ابتدائِهم بالقتال الاسْتِئْصَالُ، أو لعذرٍ بأن يعز الزَّاد وعلف الدوابِّ في الطريق، فيؤخر إلى إدراك الغلاَّتِ، أو ينتظر لحوقُ مَدَدٍ، أو يتوقَّعُ إسلامُ قومٍ فيستحيلهم بترك القِتَالِ، ووجَّه الأصحابُ القول بأنه لا تخلو السنةُ عن الجهاد مرّةً واحدة؛ لفعْلِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فإنَّهُ رُوِيَ أَنَّ غَزْوَةَ 1 بَدْرٍ كانت في السنة الثانِيَةِ من الهجرة، وكانت

غزوةُ أُحُد 1 في الثالثَةِ،.................................... = هذه خلاصة وجيزة لغزوة بدر الكبرى أو إلى الغزوات التي دار فيها القتال بين القرشيين والمسلمين -فهل موقف المسلمين الحربي كان موقف دفاع أم هل كان موقف هجوم؟؟ لقائل أن يقول: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان مهاجماً فهو الذي خرج لاعتراض عير قريش -بعد أن فاتته في غزوة العشيرة.
وما ذاك إلا لأنه يتحرش بها للقتال.
وهو الذي أصر على لقائها بعد أن علم أنها خرجت بخيلها ورجلها وأن موقف قريش كان موقف الدفاع عن أموالها ورجالها- ولكن هذا القول ليس له عند البحث ما يؤيده.
فإن قريشاً كانت تحرص كل الحرص على لقاء المسلمين وقتالهم إذ لو كانت تقصد الذود عن تجارتها فقط؟ فقد نجت هذه التجارة.
وأمرهم رئيس القافلة بالرجوع إلى مكة فلماذا لم يتبعوا مشورته؟ وينزلوا على رأي الأخنس بن شريق حينما قال لهم: "اجعلوا إلى جنبها، وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة"؟ واتبعوا رأي أبي جهل؟؟ ولقيت مقالة (والله لا نرجع حتى نرد بدرًا إلخ) من نفوسهم القبول والتأييد؟؟ إن قريشاً غرتهم كثرة عددهم وعدتهم فخرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس وعز عليهم أن يعودوا دون الأخذ بثأر عمرو بن الحضرمي.
يؤيد هذا قول حكيم بن حزام لعتبة بن ربيعة "يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها.
هل لك أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال عتبة: وما ذاك؟ قال ترجع بالناس، وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلتُ.. عليّ دمه، وما أصيب من ماله.
وإرسال أبي جهل إلى عامر ابن الحضرمي وقوله له هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس فقم فانشد مقتل أخيك.
كل هذا يدل على أن قريشاً كان موقفها في هذه الغزوة موقفاً هجومياً وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يقفون موقف الدفاع، وما خروجه لاعتراض عير قريش إلا من قبيل المناوشات الحربية لحملها على الاتفاق معه.
فلما تبدل الموقف أقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- على الحرب، وهو راغب عنها يدل لذلك قوله عليه الصلاة والسلام لما رأى قريشًا تصوب من العقل ورأى عتبة على جمل له أحمر (إنْ يَكُنْ في أَحَدٍ مِنَ القَوْم خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبُ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ إِنْ يُطِيْعُوهُ يرْشدُوْا)... إذ لو رجع المسلمون إلى المدينة بعد أن توجهت قريش إلى طلبهم، وعلم الناس بذلك لكان هذا القرار سبيلاً لإطماع قريش في مفاجآتهم، والدخول عليهم في بلدهم الجديد خصوصًا، واليهود الذين عاهدهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدأوا يقلبون له ظهر المجن -فلا يبعد أن يتعاونوا مع قريش، وتتفق كلمتهم على إعادة المأساة في المدينة ومطاردتهم منها كما طردوا عن مكة.
وعندئذ يتجسم الفشل في مصير الدعوة ويذهب شأن الرسول صلوات الله عليه، ومن معه من الأنصار والمهاجرة.
فموقف الرسول كان موقفاً دفاعياً تبرره الشرائع السماوية، والوضعية في مختلف الأمم، وفي جميع العصور.

وغزوةُ ذاتِ الرقاعِ 1 في الرابِعَة، وغزوةُ الخَندَقِ 2 في الخامسة، وغزوةُ بَنِي النَّضِير 3 = شعب في الجبل وقال لهم: (احْمُوا لَنا ظُهُورَنَا) وأمرهم إلاَّ يبرحوا مكانهم- خالفوا أمر الرسول، وانتهت المعركة بخذلان المسلمين، وكسرت رباعية النبي -صلى الله عليه وسلم- وشج في وجهه.

والمُرَيْسِيعِ 1 في السادسةِ، وفتحُ خَيْبَر 2 في السابعة، وفتحُ مكةَ 3 في الثامنة، وغزوةُ = من أموالهم إلا الحلقة (السلاح) فأجابهم الرسول إلى ذلك فخرجوا إلى خيبر، وسار بعضهم إلى الشام.

تَبُوكٍ 1 في التاسعة 2، وأيضًا فإن الجزْيَةَ تُؤْخَذُ للكفِّ عن القتال، وإنما تُؤْخَذُ الجزيةُ

في السنة مرة واحدة، وأيضًا فإنَّ سَهْمَ الغزاة يُؤْخذ في كل سنة مرة، ولا بد من غَزْوةٍ واحدة، هذا ما نصَّ عليه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- وجرى عليه الأصحابُ.
وقال الإمامُ: المختارُ عندي في هذا مسالِكُ الأُصُولِيِّين، فإنهم قالوا: الجهادُ دعوةٌ قَهْرية، فيجب إقامته على حسب الإِمْكَان، حتى لا يَبْقَى إلا مُسْلمٌ أو مسالم، ولا يختص بالمرة الواحدة في السنة، وإذا أمكَنت الزيادةُ لا يعطَّلُ القرض، وما ذكره الفقهاءُ حملوه على العادَةِ الغالبة، وهي أنَّ الأموالَ والعُدَدَ لا توافي لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرَّة واحدة، وإذا اصْطَلَى الرجالُ بنار القتال، ونالوا من العدُوِّ ونيل منهم، لم يَعُودوا إلى الاسْتِعْدادِ التام ولا دوابهم إلا في مدة السنة، ثم إن تمكّن الإمامُ منْ بثِّ الأجناد للجهاد في جميع أَطْراف الكفار -فعلَهُ، وإلاَّ يَبْدَأ بالأَهَمِّ فالأهم، وينبغي للإمام أنْ يُرَاعي النَّصَفَةَ بالمُنَاوبة، فلا يتحامَلُ على طائفةٍ [بتكرير] 1 الأغزاء مع ترْوِيح الآخرين، وتركهِم في الدَّعَةِ.
= بحديث ابن عمر: عرضت على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، قال: وقد أجمعوا على أن أحدًا في الثالثة، قلت: ولا حجة فيه: لأن أحدًا كانت في شوال، فيحمل على أنه كان في أحد طعن في الرابعة عشر، وفي الخندق استكمل الخامسة عشر، فلعله كان في أحد في نصف الرابعة عشر مثلاً، فلا يستكمل خمس عشرة إلا أثناء سنة خمس، إلا أنه يعكر على هذا الجمع ما جزموا به من أنها كانت أيضًا في شوال.
قال الحافظ: (تنبيه) صحح الحافظ شرف الدين الدمياطي: أن غزوة المرَيسيع كانت في سنة خمس، وأما ابن دحية فصحح أنها كانت في سنة ست، وأما غزوة بني النضير فتبع فيه إمام الحرمين وهو غلط، ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أنها كانت بعد بدر بستة أشهر، وعن ابن شهاب أنها كانت في المحرم سنة ثلاث، وبه جزم ابن الجوزي في التلقيح، والنووي في الروضة وغيرها، وقال الماوردي: كانت في ربيع الأول سنة أربع وهذا قول ابن إسحاق.
قال الحافظ: (فائدة) كانت الحديبية في سنة ست بلا خلاف، وأما غزوة خيبر في السابعة، فهو المشهور الذي عليه الجمهور من أهل المغازي، ونقل ابن الطلاع عن ابن هشام أنها في سنة ست، وهو نقل شاذ، وإنما ذكر ابن إسحاق ومن تبعه أنها كانت في بقية المحرم سنة سبع، وأمام فتح مكة فمتفق عليه وأنه كان في رمضان سنة ثمان، وأما غزوة تبوك فمتفق عليه بين أهل المغازي، وكان في رجب، وخالف الزمخشري فذكر في الكشاف في سورة براءة أنها كانت في العاشرة.
قال الحافظ: (تنبيه) هذا الذي ذكره المصنف يوهم أن هذا جميع ما غزاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس كذلك، فإنه غزا -صلى الله عليه وسلم- بنفسه غزوات أخرى، لكن غالبها لم يقع فيه قتال، فمما قاتل فيه بني قريظة، وحنين، والطائف، ومما لم يقاتل فيه بني غطفان، وقرقرة الكدر، وبني لحيان، وبدراً بموعد، ودومة الجندل، وغير ذلك.

وقوله في الكتاب: "عَلَى الْكِفَايَةِ"، يجوزُ أن يعلم بالواو إشارة إلى قول مَنْ قال: إِنَّه في عَصْرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- فرضَ عين وكذا قولُه: مرَّةً واحدة بالواو؛ لما ذكره الإِمام -رحمه الله- وقوله: "فِي أَهَمِّ الْجِهَاتِ"، يَعْني إذا لم يمكن بعثُ الأَجْنادِ في جميع الجهات.
قال الغَزَالِيُّ: وَفُرُوضُ الكِفَايَاتِ كْثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي مَواضِعِهَا وَهُوَ كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ يُرِيدُ الشَّرْعُ حُصُولَهُ وَلاَ يَقْصِدُ بِهِ عَيْنَ مَنْ يَتَوَلاَّهُ وَمِنْ جُمْلَتِهِ إِقَامَةُ الحُجَّةِ الْعِلمِيَّةِ والأَمْرُ بِالمَعْروفِ وَالصِّنَاعاتُ المُهمَّةُ وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ المُسْلِمينَ وَالقَضَاءُ وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَتَجْهِيزُ المَوْتَى وَإحْيَاءُ الكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالحَجِّ فَإنْ تَرَكَ ذَلِكَ حُرِّجَ بِهِ كُلُّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيعْلَمُهُ أَوْ لاَ يعْلَمُ وَلَكِنْ قَصَّرَ فِي البَحْثِ عَنْهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: اطردت عادةُ الأصْحَابِ بذكر جمل من فُرُوضِ الكفايات في هذا الكتاب، وعلى ذلك جرى المُصَنِّفَ إلاَّ أنه فرق ما يتعلَّقُ بها، فمنه ما أورده في هذا الموضع [ومنه ما أورده في آخر هذا الباب الأول،] 1 ومنه ما ذكره في خلال مَسَائِل بَينَهما، ولو جمع بينهما في موضع واحدٍ، ولم يُبَدِّدْها -كان أَحْسَنَ.
وقوله: "فُرُوضُ الكِفَايَاتِ كثيرةٌ مَذْكُورةٌ في مَوَاضِعَ" أراد به أنها مُتَيَسِّرةٌ تورد في أبوابِهَا، كتجهيز الموْتَى بالغَسْل والتَّكْفِين والدَّفْنِ، وكالأذَان، وصلاةِ الجماعة، وصَلاَةِ العِيدَيْنِ، على رَأْيٍ في افْتِراضهما.
وقولُه: "وهُوَ كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ يُرِيدُ الشَّرْعُ حُصُولَهُ، ولا يقصد به عَيْنَ من يتولاَّهُ"؛ إشارةٌ إلى حَقِيقَةِ فَرْضِ الكِفَايَةِ، ومعناه: أنَّ فُرُوضَ الكفاياتِ أمورٌ كُلِّيةٌ تتعلَّق بها مَصَالِحُ دِينيَّةٍ ودُنْيوية، لا ينتظم الأمْرُ إلاَّ بحُصُولها، فقصد الشارع تحصيلها، ولا يقصد تكْلِيفَ الوَاحِد فالواحد وامتحانه بها، بخلاف فُرُوض الأعْيان فإنَّ الكُلُّ مكلَّفُون بتحصيلها.
وفروضُ الكفاياتِ أقسامٌ: منها ما يتعلق [بأصْلِ الدِّينِ، وهو إقامة الْحُجَّةِ العِلْمِيَّةِ، ومعناه أنه كما لا بد من إقامة الحُجة القَهرْية بالسَّيْف، لا بُدَّ في خُطَّةِ الإِسلام ممن يُقِيمُ البراهِينَ والحجج، ويدفع الشُّبْهاتِ، ويحل المُشْكِلات، ومنها ما يتعلق] 2 بفُروعِ الدِّين، ومنه إشاعةُ الأَمْرِ بالمعروفِ، والنَّهْي عن المنكر، والمرادُ مِنْهُ الأمرُ بِوَاجِبَاتِ الشرع، والنَّهْيُ من مُحَرَّمَاتِهِ، وهو من فُرُوضِ الكفاياتِ، فإن نُصِّبَ لذلك رجلٌ تَعيَّنَ عليه بحكم الوِلاَيَةِ، وهو المحتسب، وأَحْسَنَ أَقْضَى القُضَاةِ المَاوَردِيّ ترْتِيبَ الأمر بالمعرُوفِ -وتَقْسِيمَهُ، فجعله على ثلاثة أَضْربٍ: أحدُها: [ما يتعلق بحقوق الله تعالى، وهو ضربان:

أحدهما] 1 ما يُؤْمَرْ به الجميعُ دون الأفراد، كإقامَةِ الجمعة، حَيْثُ تجتمع شَرائِطُها، فإن كانُوا عددًا يرون انعِقَادَ الجمعة بهم، والمحتسب لا يراه، فَلا يَأْمُرُهمْ بما لا يجوزه، ولا يَنْهاهُمْ عما يرونه فَرْضًا عليهم، ويأمرُهم بصلاةِ الْعِيدِ، وهو لازِمٌ، أو جائِزٌ فيه وجهان.
والثاني: ما يُؤْمَرُ به الآحادِ، كما إذا أخّرَ بعضُ الناسِ الصلاة عن الوقت، فإن قال نسيتُها حثه على المراقبة، ولا يَعْتَرِضُ على من أخرها، والوقْتُ باقٍ؛ لاِخْتِلاَفِ العُلَماء في فَضْلِ التأخير.
والضَّرْبُ الثَّانِي: ما يتعلَّقُ بحقُوقِ الآدَمِيَّينَ، وينقسم إلى عامٍ كالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره، أو طرقه أبناء السبيل المحتاجُونَ، وتركوا مَعُونتهم، فإن كان في بيت المال مالٌ لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذَوِي المُكْنة برعايتها وإلى خَاصٍّ، كمطْلِ المدِينِ المُوسِر بالدَّين، والمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداهُ رَبُّ الدين، وليس له الضَّرْبُ والحَبْسُ.
الثالث: الحقوقُ المُشْتَركَةُ كأمر الأَوْلِياء بإِنْكاح الأَكَفَاءِ، وإلزام النساءِ أحْكام العدد، وأَخْدِ السادَةِ بحقوق الأَرِقَّاء، وأرباب البهائم بتعهدها، وألاَّ يَسْتَعْمِلُوها فيما لا تَطِيقُ، وذكر في طرف المنكرات أَنَّ من يغير هَيْئَاتِ العبادات كالجهْرِ في الصلاة السَّرِّيةِ، وبالعكس أَوْ يزِيدُ في الأَذَانِ نمنعُه، ونُنْكِرُ عليه، وَمَنْ تَصَدَّى للتدريس والوعْظِ، وليس هو مِنْ أَهْلِه، ولم يُؤْمَنْ من [اغترار] 2 الناس به في تَأْوِيلٍ أو تَحْرِيف، فينكر المحتسب عليه، ويُظهر أمره لئلا يُغتَرَّ بِهِ.
وإذا رأى رَجُلاً واقفاً مَعَ امرأَةِ في شارع يطرقه الناس لم يُنْكِرْ عليه، وإن كان في طريقٍ خالٍ، وهو موضع ريبة، فينكر عليه ويقول: إنْ كانَتْ ذَاتَ مَحْرَم -فَصُنْها عن مواقِفِ الرِّيَبِ، وإن كانت أَجْنَبِيَّةً فَخَفِ اللهَ تعالى من الخَلْوَةِ معها، ولا ينكر في حقوق الآدَمِيِّين كتعدي الجار في جِدَارِ الجار إلاَّ باستِعْداء صاحب الحق.
وينكر على مَنْ يُطِيل الصلاةَ من أئمة المساجِدِ المطروقة، كما أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على مُعاذ -رضي الله عنه 3 - وعلى القضاة إذا حَجَبُوا الخُصُومَ وقصروا في النَّظَرِ في الخصومَاتِ والسوقي المختص بمعاملة النساء تختبر أمانَتُه، فإن ظهرت منه خيانة مُنِع من مُعَامَلتهن، وهذا بَابٌ لا تتناهى صوره.
ومن هذا القبيلِ إحياءُ الكعبةِ بالحجِّ في كُلِّ سنةٍ هكذا أطلقوه، ويَنْبَغِي أن تكون العُمْرَةُ كالحج بل الاعْتِكافِ، والصَّلاَةِ في المسجد الحرامِ، فإن التَّعْظِيمَ وإحياء البُقْعَةِ

يحصل بجميع 1 ذلك.
ومنه ردُّ السلامِ، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ومنه الأذان وإقامةُ الجماعة في الصلوات ونحوهما من الشعائر وهي [من] فروض الكِفاياتِ على قَوْلِ بَعْضِ الأصحاب، وقد سبق ذكره في موضعه.
ومنها ما يتعلَّقُ بمصالح المعَاشِ وانتظام أمور الناس كدفع الضرر عن المسلمين، وإِزالَةِ فاقتهم كستر العارين واطْعَامِ الجائعين 2 وإِعَانَةِ المستَغِيثِين في النائبات، وكل ذلك فرضُ كفاية في حق أَصْحَاب الثروة والقُدرة إذا لم تف الصدقات الواجبة بِسَدِّ الحاجات ولم يكن في بيتِ المالَ مِنْ سَهْم المصالح ما يصرف إليها، فإذا انسدت الضرورةُ، فيكفي ذلك أم تَجِبُ الزيادَةُ إلى تمام الكفاية التي يقوم بها مَنْ تلزمه النفقَةِ؟ حَكَى الإمامُ فِيه وَجْهين لِأَصْحابِ الأصول 3. والحِرَفُ، والصناعاتُ، وما به قِوَامُ المعَاشِ، كالبيع، والشراء، والحراثة، وما لا بُدَّ مِنه حتى الحِجَامَةُ والكَنْسُ، جُبلَت النفوسُ على القيام بها، حتى لا يُحْتاجَ إلى حثٍّ عليها، وتَرْغِيبٍ فيها، لكن لو فُرِضَ امتناعُ الخلق منها لأثموا، وكانوا سَاعِين في إِهْلاك أنفسهم، فهي إذن من فُرُوضِ الكفايات.
ومِنْهَا ما يتعلَّقُ بأمر الدِّين، وصَلاحَ المعِيشة لتحمُّل الشهادة وأَدَائِها، وإِعانةِ القُضَاةِ على استِيفاء الحقُوقِ، ونحو ذلك وكتَجْهِيز الموْتَى: غُسْلاً، وتَكْفِيناً، وصلاة، ودفناً.
وهذه أمورٌ تتعلَّقُ بشعائِرِ الدين، ويَسْتَدعِيها حُسْنُ المعاشرة، وبها تَنْتَظِم أمورُ المعاش، ثُمَّ نختم الفَصْل بصورتين: إِحْدَاهما: إذا تعطَّلَ فرضُ كِفَايةٍ حرج به مَنْ علم، وقدر على القيام به، ومَنْ لم يعلم به، وكان قَرِيبًا مِنَ الموْضِع يليق به البحثُ والمراقبة، فانه يَأثُم من جهة ترك البَحْثِ أيضًا.
قال الإمامُ: ويختلف هذا بكِبَرِ البلاد، وصِغَرِها، وقد يبلغ التعطِيلُ مَبْلغًا ينتهي

خبره إلى سائِرِ البلاد، فيجب عليهم السّعْي في التدارك، وفي الصورةِ دَليِلٌ على أنه لا يجُوز الإعراضُ [والإهمال] ويجب البحْثُ والمراقَبةُ على ما يليق بالحال.
الثانية: إذا قام بالفْرضِ جَمْعٌ لو قام به بعضُهم يسقط الحَرَجُ عن الباقِينَ، كانوا كلهم مُؤَدِّين للفرض لتساويهم في صلاحية القيام به وشُمُول الحرج للكل لو تعطل ولا مَزِيَّةَ للبعض على البعض.
قال الإمامُ: لماذا صلَّى على الميت جمعٌ، ثُمَّ صلى آخرون، فالوجهُ أن يجعَلُهم بمثابة المقاربين الأولين في الصلاة، فإنَّ التنفلَ بصلاة الجنازَةِ، لا نَرَى له أَصلاً في الشَّرْعِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَسْقُطُ الجِهَادُ بِالعَجْزِ الحِسِّيِّ كَالصِّبَا والجُنُونِ والأنُوثَةِ والمَرَضِ والعَرَجِ وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى القِتَالِ فَارِساً وَبِالعَمَى وَبِالفَقْرِ أَعْنِي العَجْزَ عَنِ السِّلاَحَ والرُّكُوبِ وَنَفَقَةِ الذَّهَاب وَالإِيَابِ كَمَا فِي الحَجِّ وَلاَ يَسْقُطُ بِالخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ مِنَ المُتَلَصِّصِينَ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ أهَمُّ.
قال الرَّافِعِيّ: قد ذَكَرنا أَنَّ كلامَ القسم في طَرَفَيْن: أحدُهما: في وُجُوبِ الجهاد.
والثاني: فيما يُسْقِطه ويمنعُ وجوبه، وهذا أول الشروع في الطرف الثاني [وقد يُوجَدُ في بعض النسخ الطرف الثاني] 1 وفي المسقط.
ويسقطُ الجهادُ بالعَجْزِ الحِسِّي، وما يمنع الوجُوبَ ينقسم إلى: مَا يُورِثُ العجز الحسِّي، وإلى ما لا يُورِثُه، ولكن يدفع الوجوب مع القدرة عليه.
فمن القِسْمِ الأول: الصِّغَرُ، فلا يجب الجهادُ على الصبي والمجنون لما روي عن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال:.. "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يفيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتيْقِظَ" 2. وعن ابن الزُّبَيْرِ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ يَوْمَ بَدْرٍ نَفَراً من أصحابه اسْتَصْغَرَهُمْ 3.

ومنه: الأُنُوثَة، فالنِّسَاء يضعفْنَ ويعجَزْنَ عنْ القتال غالبًا، وقد رُوِيَ عن عائشةَ -رضي الله عنها- أنها سألت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- هل على النساء جِهادٌ؟ قال: "نَعَمْ، جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيه، الحَجُّ والعُمْرَةُ" 1 وفيه إشعارٌ بأنّه ليس عليهن ما فيه شَوْكٌ وهو السلاَحُ، ويجوزُ للإمام أنْ يأْذَن للنساء، والمراهقين في الخروج، وأن يَسْتَصْحبهم لسقْي الماء، ومُدَاوَاةِ الجرحَى، ولمعالجة الجرحى، ولا يأْذَنُ للمَجانِين بحالٍ، ولا يجبُ الجِهَادُ على الخُنْثَى المشْكِلِ، لاحتمال أُنُوثَتِه.
ومنه: المَرضُ، فلا جهادَ على المرِيض الذي يمنعُه مرضُه من القتال، والركُوبِ على الدابة، وكذا لو لم يمكنه القتالُ إلا بمشقة شديدة ولا اعتبار بالصُّدَاعِ، والحُمَّى الخفِيفَةِ، ووجع الضِّرْسِ، ونحوها ومنه: العَرَجُ، فلا جهادَ على المقْعَدِ العَاجِزِ عن المشْي والركوب وإن قَدَرَ على الركوب، وبه عَرَجٌ بَيِّنٌ، فكذلك لا يجب عليه الجهادُ، وإن كان يقدِرُ على الركوب وعنده دوابٌّ؛ لأن الدَّابَة قد تهلَكُ أو تنقطع ولا يمكنه الفِرَارُ منه.
وفيه وجهٌ: أن عليه الجهاد رَاكباً؛ لأن العَرَجَ لا يؤثر في حَقٍّ الرَّاكبِ، والظاهِرُ الأول، ولا فَرْق بين أن يكون العرجُ في رجْلٍ واحدة أو في الرجْلَيْن معًا.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ، أنه لا أَثر للعَرَج في رِجْلٍ واحدةٍ، ولا أثر للعرج اليَسِيرِ الذي لا يمنع من المَشْي ومكافحة العدو ولا جهاد على الأقطع والأشل [لأنه لا يَتمكَّنُ من الضَّرْبِ؛ ولا من الاتِّقَاءِ] 2 وفاقد مُعْظَم الأصابع كَالأَقْطَعِ، ومَفْقُود ما دون المِعْصم كالسليم.
ومنه: العَمَى، فلا جِهاد على الأَعْمى؛ لعجزه، ويجب على الأعْور، والأَعْشى، والضَّعِيف البصر، إذا كان يُدْرك الشخْصَ، ويمكنه أن يتَّقي السلاح، وفي بَابِ الجهادِ ورَدَ قولُه تعالى في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [النور: 61].
ومنه: الفَقْر فالذي يَعْجزُ عن السَّلاح، وأسباب القتال، لا يُكلَّفُ القتالَ، ويشترط أن يجد ما يُنْفق من طريقه ذَهَاباً وإِيَاباً، وَلا يُقَالُ: إنَّ سفرَ الغزوِ، وسفرُ الموتِ فلا يشترطُ نفقة الإياب؛ لأنَّ الإيسارَ يجد ثقة نفسه بالبقاء غالبًا ولو لم يكن معه أُهْبةُ الرجوع -انكسر نشاطه، وبطل أمره.

نَعَم مَنْ لا أهْل له ولا عَشِيرة، ففي اشتِرَاطِ نفقة الإياب في حقِّه خلاف [قد] سبق في الحجِّ، فإن كان القِتَالُ على باب البَلَدِ أوْ حَوالَيْهِ سقط اعتبار نفقة الطريق، قاله في المهذّب.
ويشترطُ وجدان الرَّاحِلَة، إِنْ كان على مسافة القَصْر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92] الآية وإِنْ كان ما دُونَ مسافَةِ القَصْر -لم تُعْتَبرِ القدرةُ على الراحلة، كما سبق في الحج.
ويجبُ أن يكونَ جميعُ ذلك فاضِلاً عن نفقة مَنْ تلزمُه نفقته، وسائِرُ ما ذكرْنَا في سفر الحج، وكل عُذْرٍ يمنعُ وجوبَ الحج يمنع وُجُوبَ الجهاد، إلاَّ أن هُنَاكَ يُشْترط أَمْنُ الطريق، وهاهنا لا يُشْتَرطُ؛ لأَنَّ الغزْوَ مبني على مُصَادفة المخاوف هذا إذا كان الخوفُ من طلائع الكُفَّارِ، وإن كان مِنْ مُتَلصّصِي المسلمين ففيه وجهان مَذْكُوران في "النهاية".
أَحدُهما: أنه يمتنع الوجوبُ كما في الحج، واصَحُّهما -وهو المذكور في الكِتَاب، أنه لا يمنعُ؛ لأن الخَوْفَ محتمل في هذا السفر، وقِتَالُ المُتَلصِّص أَهَمُّ وأَوْلَى، وإذا بذل للفاقد ما يَحْتَاجُ إليه، لم يلزمه قبولُه إِلاَّ أن يبذل الإمامُ، فعلَيْه أنَ يقبَل ويُجَاهِدَ؛ لأن ما يأخذه من الإِمام حَقُّه.
قال الإِمامُ: والذي لا يُخَاطَبُ بمجاهدةِ الكفار فإنه بذل الجِزْيَة ليذب عنه، لا ليذب عَنَّا، إنما يكون الشَّخْصُ من أَهْل الكفاية في الجهاد، إذا كان: بَالِغاً، عاقلاً حرًّا، مسْلماً، ذَكَراً.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا مَوَانِعُ السَّيْر عَنْهُ) فَكَالرِّقِّ وَمَنْعِ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَمَنْعِ الوَالِدَيْنِ أَمَّا الرَّقِيقُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الجِهَادُ وَإِنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ إِذْ لاَ حَقَّ لَهُ فِي زَوْجَةٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الذَّبُّ عَنْ سَيِّدِهِ عِنْدَ الخَوْفِ عَلَى رُوحِهِ وَلَيْسَ لِمْسُتَحِقِّ الدَّيْنِ المَنْعُ بِالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ عَنْ سَائِرِ الأَسْفَارِ وَفِي الجِهَادِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ لِأَنَّ مَصِيرَهُ إِلَى المَوْتِ فَفِي وجْهٍ يُمْنَعُ أَبَدًا وَفِي وَجْهٍ لا يُمْنَعُ إِنْ خَلَّفَ وَفَاءً وَفِي وَجْهٍ يُمْنَعُ غَيْرُ المُرْتَزَقَةِ الَّذِينَ مَعِيشَتُهُمْ مِنَ الجِهَادِ وَلِلوَالِدَيْنِ المَنْعُ وَالجَدُّ والجَدَّةُ لا يَبْعُدُ أَنْ يَلْحَقَا بِهِمَا وَلَيْسَ لَهُمَا المَنْعُ مِنْ حَجَّةِ الإِسْلاَمِ بَعْدَ الاسْتِطَاعَةِ لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ وَلاَ مِنْ سَفَرِ العِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ وإِنْ كَانَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَوَجْهَانِ وَلَهُمَا المنْعُ مِنْ ركُوبِ البَحْرِ والنَّوَادِرِ المُخَطَّرَةِ لِلتِّجَارَةِ وَحَيْثُ لاَ خَطَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُمَا المَنْعُ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ والأَبُ الكَافِرُ كَالمُسْلِمِ إلاَّ فِي المَنْعِ مِنَ الجِهَادِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: ما يمنع الوجوب مع القدرة، له ثلاثة أنواع: أحدها: الرق، فلا يجب الجهاد على الرقيق، كما لا يجب عليه الحج، لأنه لا

يتفرغ لهما، ولا يجد ما ينفقه فيهما، وقد روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يبايع الأحرار على الإِسلام والجهاد، والعبيد على الإِسلام دون الجهاد 1. فإنْ أمره سَيِّدُه بذلك، قال الإمامُ: والوجهُ أنه لا يلزمُه طاعتُه؛ لأنه لَيْس مِنْ أَهْل هذا الشأن، والملْكُ لا يقتضي التعرُّضَ للهلاكِ، وليس القتالُ من الاسْتِخْدَامِ المستحق للسيد على العبد، ولا يجوز أن يكون في هذا خِلاَفٌ، ولا يلزمُه الذَّبُّ عن سَيِّده عند الخوف على رُوحِه.
إِذْ لم نُوجِب الدَّفْعَ عَنِ الغير، بَلِ السَّيدُ في ذلك كالأجانِب، وللسيِّد اسْتِصْحَابُه فِي سَفَرِ الجهادِ، وَغَيْره؛ ليخدمه، وَيسُوسُ دوابَّه، كما في الحَضَرِ.
وقولُه في الكتاب: "وَلَيْسَ عَلَيْه الذَّبُّ عَنْ سَيِّدِه"، ينبغي أن يُعْلم بالواو فإنه جوابٌ على أن الذبُّ 2 عن الغير لا يجب، والمُكَاتِبُ والمدبِّرُ، ومَنْ بعضه رقيق كالقِنّ.
الثاني: الدَّين، ومَنْ عليه دَيْنُ مالٍ لمسلم أو ذِمّي، ليس له أن يخرج في سَفَرِ الجهاد أو غيره، إلاَّ أن يَأْذَن رَبُّ الدَّين، وله أن يمنعَهُ منه لتوجه المُطَالبةِ عليه، والحبْس، وكيف يجوزُ أن يترك الفَرْضَ المتعين عليه، ويشْتغِلَ بفرض الكفاية؟ وإن كان معسراً، فقد ذكر القاضِي ابن كَجٍّ: أَنَّ المذهَبَ أنه ليس له مَنْعُه؛ لأنه لا مُطَالبةَ عليه في الحال 3، وأَنَّ أبَا إسْحاقٍ قال: له المنعُ؛ لأنه يرجو أن يُوسِرَ فيؤدي وفي الجهاد خطر

الهَلاَكِ، وإذا استناب المدين مَنْ يَقْضِي الدينَ مِنْ مالٍ حاضر فله الخروجُ؛ لأن رَبَّ الدَّيْنِ يصل إلى حقه في الحال، وإِنْ أمره بالقضاءِ مِنْ مالٍ غائب، لم يجز الخروجُ؛ لأنه قد لا يَصِلُ، هكذا فصَّلَ صاحبُ التَّهْذِيبِ.
ويجوزُ أَنْ يخرجَ مما سنذكرُ في المؤجَّل إذا خلَّف وفاءً أنه لا يجوزُ الخروج بغير إِذْنه بحالٍ، ومَهْما أذِنَ ربُّ الدين فله الخروجُ، وهل يلتحق بأصحاب فروض الكفَايَاتِ؟ قال الإمامُ: فيه احتمالٌ، والظاهرُ الالتحاقُ، وإن كان الدين مُؤَجلاً -فله الخروجُ إلى الأَسْفَارِ التي لا يغلب الخطرُ فيها على ما سبق في "التَّفْلِيسِ" وأما في سَفَرِ الجهاد فالترتيبُ المحمود عن الإِمام وأَبِي الفَرَجِ السَّرْخَسِيِّ أنه إنْ خلف وفاءً فله الخروجُ، وليس لِرَبِّ الدَّيْنِ منعه، وإلاَّ فوجهان: أَحدُهما: أن له المنعَ؛ لأن هذا السفَرَ مخاطر فيبني على مصادفة الموت وفيه ضياعُ حَقِّ المُستحق.
والثاني: أنه لا مَنْعَ له، كما في سَائِرِ الأَسْفار؛ لأنه لا مُطَالبَة في الحال وفي "التَّهْذِيب" طريقة أُخْرَى، وهي أنه إنْ لم يخلف وفاءً فليس له الخروجُ إلاَّ بإذْنِ رَبِّ الدين وِإنْ خلَّف -فوجهانِ؛ لأنه قد يتلف ولا يصل إِلَى رَبِّ الدَّين.
ومنهم مَنْ طرد الوجهْينِ في الحالَتَيْنِ، ومنهم من خَصَّصَ الخلاف بغير المرْتَزَقَةِ، وجوَّزَ لمن هو مِنَ المرتزقة الخُروجَ، لأن اسمه مكتوبٌ في الدِّيوانِ، ولا بُدَّ له من الخروج إذا استُنْفِر، وقد يكون وجهُ مَعِيشته، وقَضاءِ دينه من الرزْقِ الذي يأخذه، أو من الغنائم المغنُومةِ من الجهاد، ويخرج مِنْ هذه الطرق عند الاختصار أربعة أوجه ذكرنَاهَا في "التَّفْلِيس".
أَظْهرها: عند الإِمام في جَمَاعةٍ أنه لا منع لرَبِّ الدين بحالٍ، وهذا يُوافِقُ ما أطلقه صاحِبُ الكتاب حيثُ قال: "وَلَيْسَ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ مَنْعُهُ"، وقد أُغْفِل هذا الوجه هاهنا.
والثاني: له المنعُ مُطْلقاً، إلا أن يُؤَدِّي الدين، وأقيم مقام الأداء ما إذا أقام كَفِيلاً على ما ذكرناه في "التفليس".
وادَّعَى الرّويَانِي أن هذا أَصَحُّ.
والثَّالِثُ: الفرقُ بين أَنْ يخلِّفَ وفاءً أَوْ لا يخلِّف، والواقِعُ الفرق بين المرتزقَةِ وغيرهم، وفي كتاب القَاضِي ابن كج: أَنَّه إن كان الأخذ يَدُوم إلى أن يَرْجِع فلا مَنْعَ، وإن كان يحل قبل أنْ يَرْجِع، ففيه الخلافُ فيخرج من هذا وَجْهٌ خَامِسٌ، وقد مر في "التفليس" أن ركوب البَحْرِ كسفر الجِهَادِ؛ لخطرِهِ، وكذلك أَوْرَدَ القاضي ابن كج لخطره، وفي "تَتِمَّةِ التَّتِمَّةِ": أنه لا يُلْحَقُ بسفر الجهاد؛ لأن راكِبَ البحر يسعى في السَّلاَمَةِ، والغِازِي قد يُعَرِّضُ نفسَهُ للشهادة.

الثالثُ: مَنْ أَبَواهُ أَو أَحَدُهما في الحياةِ لا يجوزُ له الجهادُ إلاَّ بإذْنهما، أَوْ بإِذْنه؛ لما روي عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَاسْتَأْذَنه في الجهاد، فقال -عليه [الصلاة] والسلام- "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قال: نَعَمْ، قال: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" 1. ويروى أن رَجُلاً جاء فقال: إني أُرِيد أَنْ أُجَاهِدَ مَعَكَ، فقال -صلى الله عليه وسلم- "أَلَكَ أَبَوَانِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ: فقال: كَيْفَ تَرَكْتَهُمَا؟ فَقَالَ: تَرَكْتهُمَا وهما يَبْكِيانِ.
فَقَالَ: ارْجِعْ إلَيْهِمَا وَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا" 2 وأيضاً، فالجهادُ فَرْضٌ على الكفايَةِ، وغيرُه يقوم مَقَامَهُ فيه، وبِرُّ الوالِدَيْن مُتَعيّنٌ عليه، هذا بشرطِ الإسْلاَم، وأما إذا كان الأَبَوانِ أَو الحيُّ منهما مُشْرِكاً -فلا يَحْتَاجُ في الخروج إلى إِذْنِه للتهمة الظَاهرة بالمَيْلِ إلى أَهْلِ الدين.
وكان عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلَولٍ يغزُو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعلومٌ أَنَّ أباه كان يَكْرَهُ ذلك، وأنه كان يُخَذُلُ الأجانِبَ، ويمنَعُهم من الجهاد 3. وأَمَّا الأَجْدادُ والجدَّاتُ، فقد قال الإمامُ: لا يتعدَّى عندي إلحاقُهم بالوالِدَيْن في اشتراطِ الرِّضَا، وعلى هذه اللفظة جرى صَاحِبُ الكتابِ، والمفهُومُ مما أورده غيرهما إلْحَاقُهم بهما بلا تَمْيِيز، وحكى في التَّهْذِيبِ وَجْهِيْنِ، في أنه: هَلْ يحتاجُ إلى اسْتِئْذان الجد مع الأب والجدَ مَعَ الأُمِّ؟ أحدُهما: المنعُ؛ لأن البَعِيدَ محجُوبٌ بالقرِيبِ.
وأَصَحُّهما: نَعَمْ؛ لأن البِرَّ إلى البعِيد، وشفقته لا يختصان بحالة فقدان القريب ولما ذكر أَنَّ للأَبوَيْنِ المنعُ من سفر الجهاد، وذكر حُكْم سائِرِ الأَسْفار.
فمنها حَجَّةُ الإِسْلاَم إذا وجبت على الابْنِ؛ لاجتماع شَرَائِطِ الاستطاعة فليس لَهُمَا المنعُ منها؛ لأنها فرضُ عَيْنٍ، وفي التأخير خطر الفوات وليس الخوفُ فيه كالخوفِ في سَفَرِ الجهاد.
وحكى صاحبُ الكتاب في "كِتَاب الحج" وجْهاً: أَنَّ لهما المنعَ مِنَ الخروجِ لها، وذكرنا هناك أنه غرِيبٌ، وقد يُوَجَّهُ بأن الحج على التَّرَاخِي، وبِرَّ الوالدين لاَزِمٌ في الحال.

وأَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ، فقد مَرَّ هناك أن لهما المنعَ منه.
ومِنْها: السَّفَرُ لطلب العِلْمِ، فإنْ كان يَطْلُب ما هو مُتَعَيَّنٌ عليه، فليس لهما المنعُ، ولا يجبُ عليه الاستِئذانُ لسفر الحج وبل أولى؛ لأن الحجَّ على التَّرَاخِي، وإن كان فَرْضُ كفايةٍ، بأن كان خَرَجَ طالِباً لدرجة الفَتْوَى، وفي الناحية مَنْ يستقِلَّ بالفتوى فوجهان: أَحدُهما: أَنَّ لهما المنع؛ كما في سفر الغَزْوِ.
وأصحهما: أنه لاَ مَنْعَ لهما 1؛ لأن الحجر على المُكَلَّفِ وحَبْسه بعيد، والسَّبَبُ في الغَزْوِ أَنَّ مَصِيره مَصْرعُ الموْتِ، وإن لم يكن هناك مَنْ يَسْتَقِلَّ بالفتْوَى، لكن خرج عند خُرُوجِه جماعةٌ، ففي الحاجة إِلى الإِذْن وَجْهان مُرَتَّبان.
وَأَوْلَى بأَنْ لاَ يحتاجُ إِلَى الإذْنِ؛ لأنه لم يُوجَدْ في الحالِ مَنْ يقومُ بالمقصودِ، والخارِجُونَ معه قد لا يَظْفَرُونَ بالمقصُودِ.
وإِنْ لم يخرجْ معه أحدٌ، فالرشيد المبادرُ إلى الخُروج لا يحتاج إِلى الإذْن؛ لأنه بالخُروجِ يدفع الحرج عن نَفْسِه فيمكَّن منه، كما إذا خَرَجَ للفَرض المُتعيَّنِ عليه.
وقَيَّدَ بعضُهم هذه الصورةَ بما إذا لم يمكنه التعليم في بَلَدِه، ويجوزُ ألاَّ يعتبر ذلك، ويكتفي بأَنْ يتوقَّعَ في السفر زيادةَ فَراغٍ أو إِرْشاد أُسْتاذ أَوْ غيرهما كما لم يقيد الحُكْم في سَفَر التجارة بأن لا يتمكَّنَ من التجارة في البَلَدِ، واكتفى بأن يتوقَّعَ زيادَةَ رَبْحٍ، أو رَوَاجٍ 2. وأَمَّا سَفَرُ التجارةِ وغَيْرِها، فإنّ كان قَصِيراً -فلا مَنْعَ بحالٍ، وإِنْ كان طَويلاً نُظِرَ، إِنْ كان فيه خَوْفٌ ظاهِرٌ، كركوب البَحْرِ والبوادِي المخطرة، فلا بُدَّ فيه مِنْ الاِسْتِئْذانِ 3، كما في سَفَرِ الجِهَادِ، ويجيء فيه ما حكينا عن "تَتِمَّةِ التَّتِمَّةِ"، وإنْ كان الأَمْر غالباً فوجهان: في وجه، لهما المنعُ، وعليه الاستِئْذَانُ تحرزاً عما يُؤْذِيهما، وقد يُؤَيَّدُ ذلك بأنهما يمنعانِ مِنْ حج التَّطَوَّع، وإذا كان لهما أن يَمْنَعا [هُ] من العِبادَةِ، فأَوْلَى أن يكون لهما المنعُ من المُبَاحِ.

والأَظْهَرُ أنه لا مَنْعَ لهما؛ لأنه بِالامْتِناع عن ذلك قد يَنْقَطِعُ عن مَعَاشِه، ويضطرِبُ عليه أَمْرُه، والأَبُ الكافِرُ كالمسلم في هذه الأَسْفَارِ، بخلاف ما سبق في سَفَرِ الجهادِ، ولا فَرْقَ بين الحُرِّ والرَّقِيقِ في أَصَحِّ الوجهَيْن؛ لشمولِ مَعْنى البِرِّ والشفقة 1. قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَلَغَ كِتَابُ الوالِدَيْنِ أَوْ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِذْنِ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ فَلْيَنْصَرِفْ إِنْ قَدَرَ وإِلاَّ فَلْيَقُمْ فِي قَرْيَةٍ وَإِنْ كَانَ فِي القِتَالِ وَجَبَ الانْصِرَافُ عَلَى وَجْهٍ إِنْ لَمْ يَخَفْ وَهَن المُسْلمِينَ وَلاَ يَجِبُ فِي وَجْهٍ وَيُتَخَيَّرُ فِي وَجْهٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ العِلْمَ وَفُرُوضَ الكِفَايَةِ لا تَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ وَإِنْ أَنِسَ المُتَعَلِّمُ الرُّشْدَ مِنْ نَفْسِهِ وَفِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ خِلاَفٌ وَالجِهَادُ إِنَّمَا يَحْرُمُ فِيهِ النُّزُوعُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّخْذِيلِ هَذَا كُلُّهُ فِي قِتالِ نَفَرٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِنْ وَطِئَ الكُفَّارُ دَارَ المُسْلِمِينَ تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ لَهُ مُنَّةُ قِتَالِهِمْ حَتَّى العَبْدِ وَالمَرْأَةِ وَانْحَلَّ الحَجْرُ عَنِ العَبْدِ إِنْ لَمْ يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَإِنِ اسْتُغْنِيَ وَلَكِنْ فِيهِمْ زِيَادَةُ قُوَّةٍ فَفِي الوُجُوبِ وَجْهَانِ وَلَوْ خَرَجَ قَوْمٌ فِيهِمْ كِفَايَةٌ فَفِي وُجُوبِ المُسَاعَدَةِ عَلَى الآخَرِينَ وَجْهَانِ وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ مَسَافَةِ القَصْرِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَلاَ يُشْتَرَطُ المَرْكُوبُ فِيمَنْ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ وَفِيمَنْ وَراءَهُ وَجْهانِ وَهَلْ يَنْزِلُ نُزُولَهُمْ فِي مَوَاتِ دارِ الإِسْلاَمِ وَأَسْرِهِمْ مُسْلِماً أَوْ مُسْلِمِينَ فِي تَعْيِينِ الوُجُوبِ مَنْزِلَةَ دُخُولِهِمْ البلاَدَ؟ فِيهِ وَجُهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْلِ الكلامُ فيما إِذا خرج مُجَاهِداً ثم عرض مَانِعٌ، وضم إليه ما يناسِبُه، وفيه مَسْأَلَتان: إِحْدَاهُمَا: مَنْ خرج للجهاد بإِذْن رَبِّ الدَّين، أو الوالدين، ثم رجعوا عَنِ الإذْنِ، أو كان الأَبَوانِ كافِرَيْن، فخرج ثُمَّ أَسْلَمَا ولم يَأْذَنَا، وعلم المجاهِدُ بالحال، فإنْ لم يشرع في القِتَالِ، ولم يحْضَرِ الوقْعَة بَعْدُ -فعليهِ الانْصِرافُ إلاَّ إِذَا كان يخاف على نفسِهِ أو مَالِه، وألحق به ما إذا كان يخافُ من انصرافه انكساراً على المسلمين، فيعذر في المضي، وإِنْ لم يمكنه الانصرافُ للخوف، ولكن أَمْكَن أن يُقِيم في قرية في الطَّرِيق إلى أَنْ يَرْجِعَ جنودُ المسلِمينَ، لزمه أَنْ يُقيم؛ لأن غَرَضَ الرَّاجِعِين عن الإذْنِ ألاَّ يقاتل، فأوهم في "الوَسِيطِ" خلافاً في وُجُوبِ الإقامة هناك، وقد يوجَّهُ بما يناله مِنْ وحشة مفارقة، وِإبْطَالِ أُهْبة الجهاد عليه.

وفي كتاب "القاضي ابن كَجٍّ" حكايةُ قولٍ: أنه لا يلزمُه الانصرافُ ويتخير، كما لا يجب الانصرافُ على المرأَةِ إذا أذِن لها في السفر، وطلَّقَها بعد مُفَارقَةِ البلد، والمشهورُ الأوَّلُ.
وإِنْ كان الرجوعُ بعد الشروع في القِتَالِ، ففي جَوَازِ الانْصِرافِ قَوْلاَنِ، أَوْ وجهان: أَحدُهما: يجبُ؛ لأنَّ حقَّ الراجعِين عَنِ الإِذْن أَوْلَى بالرعاية؛ لأنه فرضُ عَيْنٍ، والجهادُ فرضٌ على الكِفَايةِ؛ لأن حَقَّهم أسبقُ؛ ولأن حُقُوقَ الأدمِيِّينَ مبنيةٌ على المضايقة، وهو أَوْلَى بالمحافَظَةِ.
والثاني: لا يجبُ؛ لأن مَنْ حضر الوقْعَةَ يلزمه الثَّبَاتُ، قال الله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] وَلِأَنَّ الانصراف يُشَوِّشُ أَمْرَ القتال، ويكْسِرُ القلُوبَ، ومنهم من يرتب على هذا الخِلاَفِ في أنه هل يجوزُ الانْصِرافُ.
قال الإمامُ: ويخرج مِنِ اخْتِلافِ العبادَتَيْنِ ثلاثةُ أوجهٍ: أحَدُها: يجبُ الانصرافُ؛ لارتفاع الإِذْن.
والثاني: لا يجوزُ، بل تجب المصابرةُ.
والثالثُ: يتخيَّرُ بين الانصرافِ والمُصَابَرَةِ؛ لتعارض المعْنَيَينِ، ويُنْسب هذا إلى اخْتِيارِ القَاضِي الحُسين، ومال أَكْثرُهم إلى تَوْضِيح الثاني، وهو الجوابُ في "التهْذيبِ"، وهذه الوجُوهُ هي التي أَوْرَدها في الكتاب لكن لفظُ الوجْهِ الثاني، وهو أَنَّه لا يجبُ الانْصِرافُ غير وافٍ بتمام المقصُودِ؛ لأن مَقْصُودَ هذا الوجه أَنَّه تجب المُصَابرة، ولا يجوزُ الانصرافُ، ولا يلزم مِنْ أَلاَّ يجبَ ألاَّ يجوزَ، نَعَمْ في لفْظِ التَّخْيِير المذكُورِ في الوجه الثالِثِ، ما يفهم الغرض، فَإِنَّ المعْنَى التخييرُ بين الانصرَافِ والثُّبوتِ، وفي ذلك إشعارٌ بأنَّ الواجِبَ في وجه هذا وفي وجه هذا.
وحُكِيَ وجهٌ رابعٌ: أنه يجبُ الانصرافُ إنْ رجع رَبُّ الدَّيْن، ولا يرجع ولا يجب إِذَا رجع الوالد، والفرقُ عِظَمُ شَأْنِ الدَّيْنِ، والاحتياطُ للمظالم، ومن شرط عليه الاستئذان إذا خرج بغيرِ إذْنٍ لزمه الانصرافُ، ما لم يَشْرعْ في القِتَالِ؛ لأَنَّ سفره سفَرُ مَعْصِية إلاَّ أَنْ يَخَافَ على نفسه أَوْ مَالِه، كما سبق، وإِنْ شرع في القِتَالِ -فَوَجْهان بالترتيب.
وهذه الصورةُ أَوْلَى بوجوب الانْصِراف؛ لأنَّ ابتداءَ الخُروجِ كان مَعْصِيةً، والعبدُ إذا خرج بغير إِذْنِ سَيِّده- لزمه الانصرافُ، ما لم يحضر الوقْعَة فإِنْ حضر فلا، قَالَهُ في التهذيب.
وقال القَاضِي الرُّويَانِي: يُسْتَحَبُّ له أَنْ يَرْجِع.
ولو مَرِضَ بعد ما خرج أو عرج أو فني زادُه، أو هلكت دابَّتُه، فهو بالخِيَارِ بين أن ينصرِفَ، أو يمضي ما لم يحضر الوقْعَة.

وكذا الحكْمُ لو كان العذرُ حاصِلاً وقْتَ الخروج، فإن حضر الوقعةَ فعن رواية القاضي أَبِي الطَّيَّبِ، وصَاحِبِ التَّقْرِيب، أنه يلزمه الثباتُ، وعَنْ غيرِهما يجوز الرجوعُ؛ لأنه لا يمكِنُه القتالُ، وهذا أَظْهرُ، وخصَّ الإمامُ الخِلاَفَ بما إذا كان [لا] يُورِثُ انصرافُه انفلالاً وانْحِلالاً في الجُنْدِ، فإن أَوْرَثَهُ لم يجز الرجوعُ.
وفي "التَّهْذِيبِ" في صورة هلاك الدَّابَّةِ أنه يلزمه القِتالُ راجلاً إن أَمْكَنهُ ذلك، وإِلاَّ فله الانصرافُ.
وعن بَعْضِهم فيما إِذَا انْقَطَعَ عنه سِلاَحه، أو انْكَسَرَ أنه إِنْ أمكنه القتالُ بالحجارة لزمه ذلك.
وحيثُ جوزنا الانصرافَ لرجوع رَبِّ الدَّيْنِ، أو الأَبَوَيْنِ عن الإِذْنِ، أو لحدُوثِ المرض ونحوه فليس للسلطان حَبْسُه.
قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- إِلاَّ أَنْ يتفق ذلك لجماعَةٍ، وكان يَخْشَى من انصرافِهِم الخَلَلَ في المسلمِينَ، ولو انصرف لذَهَاب نفقةٍ، أو هَلاَكِ دَابّةٍ، ثم قَدَرَ على النفقة، والدَّابَّةِ في بِلاَدِ الكُفْر -فعليه أن يرجِع إلى المجاهِدِين، وإن كان قَدْ فارقَ بِلاَدَ الكُفْر- لم يلزمه الرجوعُ إليهم.
وعن نصه: أَنَّ مَنْ خرج للجهادِ وَبِه عُذْرٌ مِنْ مرض وغيره، ثم زال عُذْرُه، وصار مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الجهاد -لمِ يكن له الرجوعُ عن الغَزْوِ دُون رُجُوع مَنْ غزا معهم، وكذا لَوْ حدثَ العُذْرُ وزال قبل أَنْ ينصرِفَ، والله أَعلم.
المسألة الثانيةُ: مَنْ شرع في القتالِ، ولا عُذْرَ له -يلزمُه المصابرةُ؛ ولا يجوزُ له الانصرافُ؛ لما يخاف منه من التخذِيلِ، وكَسْرِ قلوب الجند، وعبر الأصحابُ على هذا بأنَّ الجهادَ يَصِيرُ مُتَعيّناً على من هو مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الكفاية بالشروع.
وطالبُ العِلْم إذا اشتغل بالتعلم 1 وآنَسَ الرُّشْدَ مِنْ نَفْسه، هل يحرمُ عليه الانكِفافُ.
فيه وجهان: أَحدُهما: نَعَم، ويلزمه الإتمامُ بالشُروعِ، ويُحْكَى هذا عن القاضي الحُسين.
وأَصَحُّهما: المنعُ؛ لأنَّ الشرُوعَ لا ينبغي أَنْ يُغَيِّر حكمَ المشروع فيه، وفي الجهادِ إنَّما حرم الرجوعُ لخوْفِ التخذِيل، والانْكِفَافُ عن التعلُّمِ ليس في معناهُ، وأيضاً كُلُّ مَسْأَلةٍ مَطْلُوبة برأْسِها، مُنْقَطعة عن غَيْرها، وليست العلومُ كاَلجملةِ الواحِدَة بخلاف الجِهادِ.
وهل يجبُ إِتْمَامُ صلاةِ الجَنَازَة إِذا شرع فيها؟ حَكَى الإمامُ فيه وَجْهين عن القفال.
أَحدُهما: أنه لا يجبُ، كما لا يلزمُ التطوُّعُ بالشروع، وعن أكثر الأئمة أنه يجبُ كالجهاد؛ لأن الصَّلاَةَ في حُكْم الخَصْلَةِ الواحدة، وقد تعلق الفرض بعين المصلي إذا

ابتدأَ فِيه، وربما توجه بأنَّ الإعراضَ هتك لحرمة الميت.
وقَوْلِه في الكتاب: "وَلَوْ بَلَغَ كِتَابُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ"، يشعر ظاهِرُه بالاعتمادِ على الكتاب، ويجوزُ أن يقال إنه اكتفى بالقَرَائِنِ، ويجوزُ أَنْ يُنَازعَ فيه، ويؤوّل اللفظ.
وقولُه: "إِنْ لَم يخف وهن على المسْلِمِينَ" تبين أَنَّ الخلافَ في وجوب الانْصِرافِ أَوْ جوازِ موضعه ما إِذَا لم يكن في الانْصِرَافِ خوفٌ، وإن كان لم يجز الانصرافُ.
وقولُه: "والصَّحِيحُ أَنَّ العِلْمَ وفُرُوضَ الكِفَايَاتِ لاَ يَتَعَيَّنُ بالشروع" قضيته اطرادُ الخلاف المذكور في التعليم، وسَائِر فُرُوضِ الكفايات، وحينئذٍ فيدخل فيها صلاةُ الجنازَةِ، ويغني ذلك عن قوله: "وَفِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ خِلاَفٌ"، وكأنه أَشَارَ بهذه اللَّفْظَةِ بعد ما تبين أَنَّ الصحِيحَ في التعلم وغيره أنه لا يتعيَّنُ بالشرُوع.
إلاَّ أنَّ الخلافَ في صَلاةِ الجنازَةِ ليس كالخلاف في التعلُّم، بل الأرجَحُ في صَلاَةِ الجنازةِ وُجُوبِ الإتمام.
قال: هذا كُلُّه في قتالٍ هُوَ فَرْضُ كفاية.
فرغنا عن الكلام في أَحَدِ قِسْمَي الجهادِ، وهو فَرْضُ الكِفَايَةِ.
والقِسْمِ الثَّانِي: الذي هو فَرْضُ عَيْنٍ، وذلك إِذَا وَطِئَ الكُفَّارُ بَلْدَةَ من بِلادِ المسلمين، وأطَلُّوا عليها، فنزلوا بها قَاصِدِين، ولم يدخلوها بعد، فيصير الجهادُ فرضَ عَينٍ، على التفصِيل الذي نبيِّنُه على المشهور.
وعن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وغَيْرِه، فيما روى القاضي الرُّويَانِي، أنه فَرْضُ كفايةٍ أيضاً، والمذهبُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ دُخُلَوهم دارَ الإسلامِ خَطرٌ عَظِيمٌ، لا سبِيلَ إلى إهْمالِه، ولا بُدَّ من الجِدِّ في دَفْعِه بما أمكن ثم أجمع ترتيب في ذلك نَقْلاً وتصرفاً ما أفادَهُ الإمامُ، وتَلْخِيصُه: أَنَّ أَهْلَ تلك البلدةِ يتعيَّنُ عليهم الدفْعُ بما أمكنهم، وللدفْعِ مرتبتانِ: إحْدَاهُمَا: أن يحتمل الحال اجتماعُهم وتأهُّبهم، واستعدادُهم للموت، فعلى كُلِّ واحدٍ من الأَغْنِياءِ والفُقَراءِ التأهبُ بما يقدِرُ عليه، وإذا لم يمكنْهُم المقاومَةُ إلا بموافقة العَبِيد وجب على العَبِيدِ الموافَقَةُ، فينحل الحجر عنهم حتى لا [يراجعوا] 1 إلى مُرَاجَعةِ السادات، وإِنْ أمكَنَهُمَ المقاومة من غير موافقة العبيد فوجهان: أَحدُهما: أن الحُكْمَ كذلك لتقوى القُلُوبُ، وتعظم الشَّوْكَةُ، وتشتد النِّكايةُ في الكفار؛ انتقاماً من هُجُومِهم.

والثاني: أنه لا ينحل الحجر عنهم؛ لأن في الأَحْرَارِ غنيةٌ عنهم، والأول أَلْيَقُ بِفِقه الباب، وأشبه، والنَّسْوةُ لم يكن فِيهنَّ قوة دفاعٍ لا يحضرن، فإنَّ حُضُورَهُنَّ قد يَجُرُّ شرًّا وُيورِثُ وهناً، وإِنْ كان فِيهنَّ قوةٌ، فعلى ما ذكرنا في العَبِيد، ولا يجبُ في هذا القِسْم استئذانُ الوالِدَيْن، ولا استئذانُ رَبِّ الدَّيْنِ.
والمرتبةُ الثانِيَةِ: أَنْ يتغَشَاهم الكُفَّار، ولا يتمكَّنُوا من التأهُّبِ والتجمُّعِ فمن وقف عليه كَافِرٌ، أو كُفَّارٌ -وهو يعلمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ إِنْ أُخِدَ- فعليه أَنْ يتحرَّك، ويدْفَعَ عن نفسه بما يمكنه؛ يستوي فيه: الحُرُّ، والعَبْدُ، والرجلُ، والمرأةُ، والسَّلِيمُ، والأَعْمَى، والأَعْرَجُ، ولا تكلِيفَ على الصِّبْيانِ والمجَانِين، فإن كان يجوزُ أَنْ يُقْتَلَ، وأن يُؤْسَر، ولو امتنع لَقُتِلَ، فيجوزُ أَنْ يَسْتَسْلِم، فَإِنَّ المقاومة والحالةُ هذه، استعجالُ القَتْلِ، ويجوزُ أَنْ يُؤْسَر، والأَسْرُ يحتمل الخلاصُ.
ولو علمت المرأةُ أنَّها لو استَسْلمتْ لامتدَّتِ الأَيْدِي إِلَيْها -فعليها الدَّفْعُ، وإِنْ كانت تقتل؟ لأَنَّ مَنْ أُكْرِه على الزِّنَا لا يحلُّ له المطاوعة لدفع القتل، وإِنْ كانت لا تقصدُ بالفاحشة في الحال، وإِنَّمَا يُظَنُّ ذلك بَعْد السَّبْيِ، فيحتمل أَنْ يجوزَ لها الاستسلامُ في الحالِ، ثُمَّ تدفع حينئذٍ، ولو كان في أَهْلِ البُقْعَةِ كثرة فخرج بعضُهم وفيهم كفاية، فهل يَتَحَتَّمُ على الآخرِينَ المساعدة؟ فيه وجهان: أَحدُهما: لا, لأنَّ المقصودَ دفعُ الكفارِ وإخراجُهم.
وأصَحُّهما: نَعَمْ؛ لأنَّ الواقِعَةَ عظيمةٌ، ولو لم يخرج إِلاَّ من يَكْفِيهم ويُكَافِؤهم -لاستَجْرؤوا على دُخُول دَارِ الإسلام.
وأَمَّا أهلُ تلك البَلْدَةِ، فمَنْ كان منهم على دُونِ مَسَافة القَصْرِ، فهو كبعْضِهم، حَتَّى إذا لم يكُنْ من أَهْلِ البلدة كفايةٌ -وجب على هَؤُلاءِ أن يطيروا إِلَيْهم، وإنْ كان منهم كفايةٌ، ففي وُجُوبِ المساعدة عليهم الوجْهَانِ.
وِالذين هم على مسافة القَصْر إِنْ لم يكن في أَهْل البَلْدةِ، والذين يَلُونهم كفايةٌ يجب عليهم أَنْ يَطِيرُوا إليهم فإن طار إليهم مَنْ تحصل به الكِفايةُ -سقط الحرَجُ عن الباقين.
وهذا معنى قَوْلِ صاحِب "التَّهْذِيب": إنَّ الجِهَادَ إذا دَخَلَ الكُفَّارُ دَارَ الإسلامِ -فرْضُ عَيْنٍ في حَقٌ من قَرُبَ، وفرْضٌ على الكِفَاية في حَقّ مَنْ بَعُدَ، وعلى هذا الحكم أصحابُ الأَعْذار على ما ذكرناه في القِسْم الأوَّلِ.
وفيه وَجْهٌ: أَنَّهُ يجب على جميعِهم المساعدةُ والمسارَعَةُ، وليكن هذا في الأَقْرَبِين ممن هم على مَسافة القَصْرِ، وإِنْ كان من في أَهْل البلدة، والذين يلونهم -كفايةٌ، فأظهر الوجْهَيْنِ هو الذي أَوْرَده صَاحِبُ "التهذيب" أَنَّهُ لا يجِبُ على الذين هُمْ على مَسَافَةِ

القَصْرِ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَيْهم ويساعدوهم.
ولو أَوْجَبْناه لَأوْجَبْنا -أيضاً- على الذين يَلُونهم إِذا انتهى الخبرُ إِلَيْهم، وهكذا إلى أن يَسْتَوْعِبَ المسلِمينَ كُلَّهم وهو بَعِيدٌ.
والثَّانِي: يجبُ على الأَقْرَبِين، فالأَقْربين بلا ضَبْطٍ حتَّى يصلَ الخبرُ بأنهم قد كُفُّوا وأُخْرِجُوا، وليس لأهل البلْدَةِ، ثُمَّ الأَقْربين فالأَقْربين إِذَا قَدَرُوا على القِتَال أن يلبثوا إلى لحوق الآخَرِين.
ولا يُشْترطُ وِجْدَانُ المرْكُوب فيمن هو دُونَ مَسَافةِ القَصْر، وفيمن هو على مسافة القَصْر، وفوْقَها وجهان: في وِجْهٍ لا يشترطُ لشِدَّةِ الخَطْبِ.
والأَظْهرُ الاشتراطُ كما في الحج.
وحكى الإمامُ تَفْرِيعاً على الأوَّل وَجْهين في أَنَّه يُشْترطُ وِجْدان الزَّادِ، ويجري ذلك فِيمَنْ هو دُون مسافَةِ القَصْر، والأصح الاشْتِراطُ، إِذْ لا اسْتِقْلاَل بدون الزَّادِ، ولا معنى لإلزامهم الخروج مع العِلْم بِأَنَّهم يهلكون، ثُمَّ في الفصل صورتان.
إِحْدَاهُما: إذا نزلُوا في خَرَابٍ أو على جبل في دَارِ الإسلام بَعيدٍ عن البُلْدانِ والأوْطَانِ، ففي نزوله منزلة دُخُول البلاد وَجْهانِ أطلقهما في الكتاب، والذي رواه الإِمَامُ عن الأَصْحاب أَنَّهُ ينزل منزلته؛ لأَنَّهُ مِنْ دار الإسلام، والذي زاد المنع؛ لأنَّ الدِّيارَ تشرقُ بسكُونِ المسلمِينَ، وإذا لم يكن مَسْكناً لِأَحدٍ، فتكْلِيفُ المسلمين التهاوي صونها عن المَتَالِفِ بَعِيدٌ 1. والثانية: لو أَسَرُوا مُسْلماً، أو جماعةً مِنَ المسلمين، فهل كدخُولِ دار الإسلام؟ فيه وجهان: أَحدُهما: لا, لأنَّ تَحْرِيك الجُنودِ لواحدٍ يقع في الأَسْرِ بعيدٌ ومخالفٌ لما نُقِل في السَّيَّرِ، وأظهرهُما عند الإمامِ نعم؛ لأَنَّ حُرْمَةَ دارِ الإسلام كحرمَةِ المسلمين، والاستِيلاءُ على المسلمين أَعْظَمُ مِنْ الاسْتِيلاء على دَارِ الإسلام، وعلى هذا فلا بُدَّ من رعاية النَّطَرِ، فإِنْ كانوا على القُرْب مِنْ ديارِ الإِسْلاَم، وتوقعْنَا استخلاصَ مَنْ أَسَرْوه، لو طِرْنَا إليهم -فعلنا، وإن توغَّلُوا فيَ بلاد الكُفْرِ، ولا يمكن التسارعُ إِلَيْهم، وقد لا يتأتى خرقُها بجنود الإِسْلاَم، فيضْطَرَّ إلى الانْتظار، وهذا كما أَنَّهُ إذا دخل ملكٌ عظيمٌ منهم طرفاً مِنْ أَطْراف بلاد الإسلام لا يتسارع إلى دَفْعِه الآحادُ والطوائِفُ، ويجوزُ أَنْ يُعْلَمَ قوْلُه في الكِتَابِ: "تَعَيَّنَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ مُنَّةٌ" بالواو وقولُه: "انحَلَّ الحَجْرُ عَنِ الْعَبْدِ... " إلى

آخره تفصيلٌ لما أجمله بقوله: "حتَّى العبْد" وإذا كان في المرأَةِ مُنَّةٌ، فقد سبق أَنَّ الحُكْمُ فِيها كما في العبْدِ في حَالَتِي الاسْتِغْناءِ عنها، وعَدَمِ الاستغناء، ويجوزُ ألاَّ يحوجَ الزوجة إِلاَّ بإِذْن الزَّوْجِ، كما لا يحوج العبد إلى إذْن السَّيِّد.
وقوله: "وَلوْ خَرَجَ قَوْمٌ فِيهمْ كِفَايَةٌ، فَفِي وُجُوب المُسَاعَدَةِ عَلَى الآخَرِينَ" -يَعْنِي الذين هم مِنْ أَهْل تلك البلدة ومَنْ منها على مسافة القَصْرِ.
وقولُه: "وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ مَسَافَةِ القَصْرِ -فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ"، أراد به ما ذكره الإمامُ: أَنَّ الوجْهَيْنِ في البُعَدَاءِ الذين هم على مَسَافَةِ القَصْرِ يترتَّبانِ على الوجْهَيْنِ في أهل تلك النَّاحِية إِنِ اكْتَفَينَا هناك بِمَنْ فِيه كِفَايةٌ، ففي البُعْدِ أوْلَى، وإِلاَّ ففيهم وَجْهان.
قال الغَزَالِيُّ: وَمِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ القِيَامُ بعُلُومِ الشَّرْعِ فَأَمَّا مُهِمَّاتُ الصَّلاَةِ وَالوُضُوءِ فَفرْضُ عَيْنٍ وَكَذَا عِلْمُ التَّجَارَةِ فَرْضٌ عَلَى التَّاجِرِ وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ صَنْعَةٍ وَهُوَ القَدْرُ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي كِتَابِ آدَابِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ دُونَ الفُرُوعِ النَّادِرَة وَلاَ يَتَعَيَّنُ مِنَ الأَصُولِ إِلاَّ اعْتِقَادٌ صَحِيحٌ فِي التَّوْحِيدِ فِي صِفَاتِ اللهِ كَمَا وَرَدَ فِي القُرْآنِ وَالقِيَامُ بِدَفْعِ شُبْهَةِ المُبْتَدعَةِ فَرْض كِفَايَةٍ وَكَذَا القِيَامُ بالفَتْوَى.
قال الرَّافِعِيُّ: ومِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ العلومُ، منها ما يتعيّن طلبُه وتعلُّمُه، ومنها ما هو مِنْ فرُوضِ الكفايات.
فمما يتعيَّنُ تعلّمُه وطلبُه: ما يُحْتاجُ إِلَيْه لإقامَةِ مفْرُوضات الدِّين: كالوُضُوءِ، والصَّلاةِ، والصِّيام، وغيرَها، فإنَّ من لا يفرّق بين أَرْكانِ الصلاةِ، وشَرَائِطِها, لا يمكنه إِقَامَتُها، وَإِنَّما يتعيّنُ تعلمُ الأَحْكام الظاهرة دُونَ الدقائق، والمسائِل التي لا تعم بها البَلْوَى، وإِنْ كان له مالٌ ذَكَوِيٌّ، فلاَ بُدَّ مِنْ تعلّم ظواهر أحْكَامِ الزكاة.
قال القَاضِي الرُّويَانِيّ: هذا إِذَا لم يكن له سَاعٍ يَكْفِيه الأَمْرَ 1. ومَنْ يَبِيعُ، وَيشْتَرِي، ويتَّجِرُ يتعيّن عليه معرفةُ أحْكام التِّجَاراتِ، وكذا ما يحتاجُ إِلَيْه صاحبُ كلِّ حِرْفةٍ يتعيَّنُ عليه تعلُّمهُ، وأَمَّا فروضُ الكِفَايَاتِ فقولُه: "القِيَامُ بعُلُومِ الشَّرْعِ" يدخل فيه التَّفْسِيرُ، والحديثُ على ما تبين في الوصيَّةِ.
ومنها أَنْ ينْتَهِي في مَعْرِفة الأَحْكام إلى أَنْ يصلح للفَتْوى والقضاء على ما يتبيّن -إنْ شاء اللهُ تعالى- في "أَدَبِ الْقَضَاءِ"، وهناك يتبيَّنُ أَنَّ المُجْتهِدَ في الشَّرْعِ مُطْلَقاً يُفتي وأَنَّ مَنْ يتبحر في مَذْهب بعَض الأَئِمَّةِ المجتهدين، يُفْتِي أَيْضاً على الأَصَحّ، ولا يكفي

أن يكون في الإِقْلِيم مُفْتٍ واحِدٌ؛ لعُسْرِ مراجعته على النَّاسِ.
واعتبر الأصحابُ فيه مسافةَ القَصْرِ، وكأَنَّ المُرَادَ أَلاَّ يزيدَ ما بين كل مُفْتِيَيْنِ على مَسافَةِ القَصْر، لئلا يحتاج مَنْ يراجع إلى قَطْعِ مسافة القصْرِ.
وفي العُلُومِ العقلِيّة ما هو فَرْضٌ على الكِفَايَةِ: كالطّبِّ المحتاج إِلَيْه في مُعَالجة الأَبْدَانِ، والحِسَابِ المحتاج إليه في المُعَاملاتِ، وقِسْمة الوَصَايَا والموَارِيث.
قال المصنِّفُ -رحمه الله- في "الإِحْيَاءِ": ولا يُسْتَبْعَدُ عَدُّ الطِّبِّ والحسَابِ من فُرُوضِ الكفايات، فَإِنَّ الحِرَفَ والصناَعات التي لا بُدَّ للناس منها في مَعَايِشِهمْ كالفِلاَحَةِ، والزِّرَاعَةِ مِنْ فرْوضِ الكِفَايَاتِ، والطبُّ والحسابُ أَوْلَى.
وأَمَّا أُصولُ الاعْتِقادَاتِ.
فالاعتقادُ المستقِيمُ مع التصميم على ما ورد به القرآنُ والسنَّةُ فَرْضُ عينٍ، والعِلْمُ المُتَرْجَمُ بـ"عِلْمِ الكَلاَمِ" ليس بفرْضِ عَيْنٍ، وما كان الصحابةُ -رضي الله عنهم- يَشْتَغِلُون به.
قال الإمامُ: ولو بَقِيَ الناسُ على ما كانوا عليه في صَفْوةِ الإسلام -لما أوْجَبْنَا التشاغل به، ورُبَّمَا نَهَيْنَا عنه، فَأَمَّا الآن وقد ثارت البِدَعُ، فلا سَبِيلَ إلى تركها تَلْتَطِمُ، ولا بُدَّ مِنْ إِعْداد ما يُدْعَى به إلى المسْلَكِ الحقِّ وتُحَلُّ به الشُّبَهُ، فصار الاشتغالُ بأَدِلَّةِ العُقُولِ، وحلّ الشبه مِنْ فُرُوض الكِفَايَاتِ، ومَنِ اسْترابَ في أصْلٍ مِنْ أُصُول الاعتقاد، فعليه السَّعْيُ في إِزَاحته إلى أَنْ تَسْتَقِيم عَقِيدَتُه 1.

وقولُه في الكتاب: "وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَاب آدَابِ الكَسْبِ والتِّجَارَةِ" يَعْنِي من كُتب الإِحْيَاءِ مِنْ رُبْعِ العِبَادَاتِ، والمقصودُ الأحكامُ الظاهِرَةُ للمعامَلاتِ الغالِبَةِ من البيع، والسَّلَم، والإِجَارةِ، وغيرها، ويشتمل على تلك الأَحْكَامِ مختصرات المذْهَبِ، دُون الفُرُوَع النادرة، والمسائِلِ الدَّقِيقة.
قال الغَزَالِيُّ: وَأمَّا السَّلاَمُ فَابْتِدَاؤُهُ سُنَّةٌ والجَوَابُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الوَاحِدِ وَفرْضُ كِفَايَةِ عَلَى الجَمَاعَةِ وَلاَ يُسَنُّ السَّلاَمُ عَلَى المُصَلي وَمَنْ يَقْضِي حاجَتَهُ وَفِي الحَمَّامِ وَتَشْمِيتُ العاطِسِ وَجَوَابُهُ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: في هذه البقيَّة فَصْلاَنِ:

" الفَصْلُ الأوَّلُ في السَّلاَمِ"

ابتداءُ السَّلاَمِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61] أَيْ: يُسَلِّمُ بعْضُكم على بَعْضٍ، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: 86] الآيةَ، وفي الأَخْبَارِ الوارِدَةِ في السلامِ، وإِفْشَائِه كثرةٌ وشُهْرة، وللأمر بالإِفْشَاءِ نقولُ: لو سَلَّمَ على واحدٍ تعيّن عليه الجوابُ 1، وإِنْ سَلَّمَ على جَماعَةٍ، فالجوابُ فَرْضٌ على الكِفَايةِ، فإذا أجَابَ واحدٌ منْهُمْ سقط الفَرْضُ عن الباقِينَ وإِنْ أجاب الجمعُ -كانوا مُؤَدِّين للفرْضِ سواءٌ أَجابُوا معاً أو على التعاقُبِ، وإِنِ امْتنع الكُلُّ حَرِجُوا جميعاً، = بليداً، وأن يقدر على الانقطاع إليه بأن تكون له كفاية، ويدخل الفاسق في الفرض ولا يسقط به، لأنه لا تقبل فتواه للمستفتين، وفي دخول المرأة والعبد وجهان؛ لأنهما أهل للفتوى دون القضاء.
واعلم أن تعليم الطالبين، وإفتاء المستفتين فرض كفاية، فإن لم يكن من يصلح إلا واحداً وكان هناك جماعة، ولا يحصل الغرض إلا بكلهم، تعين عليهم، وإذا كان هناك غير المفتي، هل يأثم بالرد؟ وجهان، أصحهما: لا، وينبغي أن يكون المعلم كذلك، ويستحب الرفق بالمتعلم والمستفتي، فهذه أنواع العلوم الشرعية، ووراءها أشياء تسمى علوماً، منها: محرم ومكروه ومباح، فالمحرم، كالفلسفة والشعبذة والتنجيم والرمل وعلوم الطبائعيين، وكذا السحر على الصحيح، فكل ذلك محرم، وتتفاوت دركات تحريمه.
والمكروه: كأشعار المولدين المشتملة على الغزل والبطالة.
والمباح: كأشعار المولدين التي ليس فيها سخف، ولا شيء مما يكره، ولا ينشط إلى الشر أو يثبط عن الخير ولا يحث عليه، أو يستعان به عليه.

وَلَو رَدَّ عليه غيرُ مَنْ سَلَّمَ عليه يَكْفِ، ولم يُسْقِطْ نيةَ الحَرَجِ عَمَّن سَلَّمَ عليه.
وابتداءُ السلامِ سنَّةٌ الكِفَاية أَيْضاً، حتَّى إذا لَقِيَ جَماعةٌ جماعةً فَسَلَّمَ أَحَدُ هؤلاءِ على أَحَد هَؤُلاَء كفى ذلك لإقامة السُّنَّةِ.
ومن سَلَّمَ في بَعْضِ الأَحْوَالِ التي لا يُسْتَحَبُّ فيها السلامُ -لم يستحقَّ الجوابَ، فمنها أطلق صاحب الكتاب هاهنا.
وفي "الْوَسِيطِ": أَنَّهُ لا يُسَنُّ السلامْ على المُصَلِّي، ولم يمنع منه المُتَوَلِّي في "التَّتِمَّةِ"، ولَكِنْ قال: إذا سَلَّمَ على المصلِّي فلا يُجِيبُ حتَّى يفرغ من الصَّلاةِ، ويجوزُ أَنْ يُجِيبَ في الصلاة بالإِشَارَةِ.
وإِنْ قال في الصلاةَ: عَلَيْكُمْ السلامُ -بطلتْ صلاتُه، وإِنْ قال عَلَيْهِمْ السلامُ لم تَبْطُلْ، وقد سبق هذا في "الصَّلاَةِ".
ومنها لا يُسْتَحَبُّ السلامُ على مَنْ يَقْضِي حاجَتَهُ، بل كان القربُ مِنْه، ومُكَالمتُه بَعِيدٌ عن الأدب، والمُرُوءَةِ، ويروى النَّهْيُ عنه في الخبر 1. ومنها لا يُسْتحب لمن دخل الحمَّامَ أَنْ يُسَلِّمَ على مَنْ فيه؛ لأَنَّهُ بيت الشيطان، وليس مَوْضِعَ التحيَّة؛ ولأنهم في الدَّلْكِ، والتَّنْطِيف؛ ولا تليقُ التحيةُ بحالهم.
ومِنْها لا يُسَلِّمُ على المشْغُولِ بالأَكْلِ، وكذلك ذكره الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ، وأطلقه صاحبُ "التَّتِمَّةِ"، ورأى الإمامُ حَمْلَ ذلك على ما إِذَا كانتِ اللقْمةُ في فِيهِ، وكان يمضي زمانٌ في المضْغِ والابْتِلاَعِ، ويعسرُ عليه الجوابُ في الحالِ.
أَمَّا إذا وقع السَّلامُ بَعْدَ الابتلاعَ، وقَبْل وضْعِ لقمة أخرى في الفَمِ -فلا يتوجه

المنعُ، ولا مَنْعَ من السلام على مَنْ هو في مُسَاوَمةٍ أو مُعَامَلةٍ، وإِلاَّ فلا يحصل إِفْشاءُ السلامِ، والنَّاسُ في أَغْلبِ الأَحْوالِ في أَشْغَالهم.
هذا ما تعرَّضَ له في الكِتَاب ونتبعه بمسائِلَ أَوْرَدَ أَكْثرها صَاحِبُ "التتمة" في "كتاب الجمعة".
ولا بُدَّ في السَّلاَمِ والجَواب بقدْرِ ما يحصل به الإسْمَاعُ.
وصِيغَتُه "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ"، ويَقُومُ مقامَهُ "سَلامٌ عليكُمْ".
وقال الإمامُ: وكذا "عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ".
وفي التتمَّةِ: أَنَّهُ لو قال: "عَلَيْكُمُ السَّلامُ"، لم يكن مُسَلِّماً 1 إِنَّما هو صِيغَةُ جوابٍ، ويُرَاعِي صِيغَةَ الجمْعِ وَإِنْ كان السلامُ على وَاحِدٍ خِطَاباً له ولملائِكَتِه، ولو لم يأْتِ بِصِيغَةِ الجمْعِ حصل أصلُ السُّنَّةِ، وصيغةُ الجَوَابِ "وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ" أو "وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ" للواحِدِ، ولو ترك حَرْفَ العطْفِ وقال: عَلَيْكُمْ السَّلاَمُ، ففي "النِّهَايَة" أنه يَكْفِي ذلك، ويكونُ جَواباً، والأحْسَنُ أن يُدْخِلَ حَرْفَ العَطْفِ.
وفي "التتمَّةِ" أَنَّهُ ليسَ بِجَوابٍ 2، وأَنَّهُ لو تَلاَقَى اثْنَانِ، فَسَلَّمَ كُلُّ واحدٍ منهما على الآخرِ -وجب على كُلِّ وَاحِدٍ منهما جَوَابُ الآخر، ولا يَحْصُلُ الجوابُ بالسَّلاَمِ، وإِن ترتب السَّلاَمَانِ 3. ولو قال المُجِيبُ: وَعَلَيْكُمْ، قال الإِمَامُ: الرأيُ عِنْدَنا أَلاَّ نَكْتَفِي بهذا فَإِنَّهُ ليس فيه تَعَرْض للسَّلامِ.
ومنهم مَنْ قال: إِنَّهُ يكونُ جَواباً لِلْعَطْفِ، ورجوعُه إلى قوله: السلام.

ولو قال: عَلَيْكُمْ -لم يكن جَوَاباً بلا خِلاَفٍ، وكمالُ السلام أَنْ يَقُولَ: السَّلاَمْ عَلَيْكُمْ ورحمةُ الله، وكما أَنَّ الجوابَ أَنْ تَقُولَ: وَعَلَيْكُمْ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه 1. وينبغي أَنْ يكونَ الجَوابُ متَّصِلاً بالسلامِ أيضاً ليرعى مثله بين الإِيجَابِ والقبول في العُقُود.
وفي "التتمة": أَنَّهُ لو نَادَاهُ مِنْ ورَاءِ سترٍ أَوْ حائطٍ وقال: السلامُ عليك يا فُلانُ، أو كتب كتاباً وسَلَّمَ فيه عليه، أَوْ أَرْسَلَ رَسُولاً فقال: سَلَّمْ على فُلاَنٍ فبلغَهُ الكتابُ والرسالةُ -وجبَ عليه الجوابُ؛ لأنَّ تحيَّة الغائِبِ إِنَّمَا تكون بالمُنَادَاةِ أو الكتابِ أو الرِّسَالةِ؛ وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية [النساء: 86]، وأَنَّ ما يعتادُه بعضُ النَّاسِ مِنَ السَّلامِ عند القِيَامِ، ومُفَارقَةِ القوم- دُعَاءٌ لا تحِيَّة، فيستحب الجوابُ عنه ولا يجِبُ.
وأَنَّهُ يكره أن يخصَّصَ طائفةً من الجمع بالسلام.
وأَنَّهُ لو سَلَّم عليه جماعةٌ، فقال: وعليكم السَّلاَمُ، وقصد الرَّدَّ عليهم جَمِيعاً -جاز، وسَقَطَ الفَرْضُ في حَقِّ الكُلِّ كما لو صَلَّى على جَنَائِزَ صلاةً واحدةً.
وأنَّ المُسْتحبَّ أن يُسَلِّمَ الراكبُ على الماشِي، والمَاشِي على الجالِسِ، والطَّائِفَةُ القَلِيلَةُ على الكَثِيرة 2، ولا يُكْره أَنْ يَبْتدِأ الماشي، والجالس 3. وأَنَّ في السَلامِ على الأَصَمِّ يأتي باللَّفْظِ لقُدْرَتِه عليه، وُيشِيرُ باليد لَيحْصُلَ الإفهامُ، ولو لم يَضُمَّ الإشارةَ إلى اللَّفْظِ لم يستحق الجواب، وكذا في جَوابِ الأَصَمِّ

ينبغي أَنْ يجمع بين اللفظِ والإِشَارة.
وأَنَّ سَلامَ الأَخْرَسِ بالإشارَةِ مُعْتَدٌّ به، وكذا ردّه السلامَ.
وأَنَّ الصَّبِيَّ لا يلزمُه جوابُ السلامِ؛ لأنَّهُ ليس من أَهْلِ الفرض، ولو سَلَّمَ على جَمَاعةٍ فِيهم صَبِيٌّ -لم يسقُطِ الفَرْضُ عنهم بجوابه 1. ولو سَلَّمَ الصبيُّ- ففي وجُوبِ جَوَابِه وجهان بناءً على الخلاف في صِحَّةِ إسلامه 2. وأَنَّ سلامَ النساءِ على النِّساءِ كَسَلاَم الرجال على الرِّجالِ، ولو سَلَّمَ رَجُلٌ على امُرَأةٍ أوْ بالعَكْسِ، فإِنْ كان بينهما زوْجِيَّةٌ أو مَحْرَمِيَّةٌ -جاز، وثبت استحقاقُ الجوابِ، وِإلاَّ لَمْ يَثْبُتْ إِلاَّ إِذَا كانت عَجُوزاً خارِجةً عن مَظَنَّةِ الفتنة 3. وأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَنْ دخل دَارَ نفْسِه أن يُسَلِّمَ على أهْلِه، وأَنَّ مَنْ دخل مَسْجداً أو بيتاً، وليس فيه أحدٌ، يستحب أن يقول: السَّلامُ عَلَيْنَا وعلى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ 4. وأَنَّهُ لا يجوزُ السلامُ على أَهْلِ الذَّمَّةِ ابتداءً، ولو سَلَّمَ على مَنْ لم يَعْرِفْه، فَبَانَ ذِمِّيًّا -فَيُسْتَحَبّ أَنْ يسترد سَلامَهُ بأَنْ يَقُولَ: رُدَّ عليَّ سَلاَمِي؛ تَحْقِيراً له، ويُحَيَّى الذِّمي بغير السَّلاَم بأن يُقالَ: هَدَاكَ اللهُ، وأَنْعَمَ اللهُ صَبَاحَكَ، أَوْ أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ، وإذا سَلَّمَ عليه ذِمِّيٌّ لَم يزِدْ في الجوابِ على قوله: وَعَلَيْكَ 5.

وأنَّ التحيَّةَ بالطَّلْيَقَةِ [وهي أَطَالَ اللهُ بقَاكَ] وَانْحِنَاءَ الظَّهْرِ، وتَقْبِيلَ اليَدِ لا أَصْلَ له في الشَّرْع، لكن لا يُمْنع الذي مِنْ تَعْظِيم المسلم بها 1، ولا يُكْرَهُ التعظِيمُ بالتقبيل لِزُهْدٍ، أو علمٍ، أو كِبَرِ سنٍ.
روي أَنَّ أَعْرَابِيَّا قعد عند رسول اللهُ -صلى الله عليه وسلم- فاسْتَحْسَن كلامَهُ, فاسْتَأْذَن في أَنْ يُقَبِّلَ وَجْهَهُ فأذِنَ له, ثم اسْتَأْذَنَ أن يُقَبِّلَ يدَهُ فَأَذِن له, ثُمَّ استأذن أَنْ يَسْجُدَ له, فلَمْ يّأْذَنْ له 2. وأَنَّهُ تُسَنُّ المصافَحَةُ، وأَنَّهُ يُكْره للداخلِ أَنْ يَطْمعَ في قِيَامِ القَوْمِ، ويُسْتَحبُّ لهم أن يُكْرِمُوه، واللهُ أعلمُ.
وهذه زياداتٌ أُخَر في السلام علّقها بعضُهم في السلام بالفارِسِيَّةِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ.
ثالثها: الفرق إِنْ كان قَادِراً على العربِيَّةِ.
لم يجز 3. ومن لا يَسْتَقِيمُ نُطْقُه بالسلام فَسَلَّمَ كيف أَمْكَنه -كان مُسلِّماً.
= والحديث أخرجه البخاري (1/ 31) كتاب بدء الوحي/ باب (6) حديث (7). ومسلم (3/ 1393 - 1397) في الجهاد والسير/ باب كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل حديث (74/ 1773).

وفي استحبابِ السلامِ على الفاسق [المجاهر بنفسه] ووجوب الرَّدِّ على المجْنُونِ والسَّكْران إِذَا سلَّمَا وجهان.
ومَنْ سلَّمَ على مَنْ يَقْضِي حاجته -هل يستحقُّ الجواب بعد الفراغ؟ فيه وجهان.
وذكر في "القَدِيم" أَنَّ المصلِّي إذا سُلِّمَ عليه يَرُدُّ بالإشارَةِ، وفي لُزُومِه وَجْهٌ، وفي لُزُومِ الرَّدِّ بعد الفراغِ مِنَ الصَّلاةِ وَجْهَانِ (1)، وهل يُسَنُّ سلامُ النِّساءِ على النّساءِ، فيه [احتمالاتٌ].

الْفَصْلُ الثَّانِي في تَشْمِيتِ الْعاطِسِ

رُوِيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتٌّ، أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَأَنْ يُجيْبَهُ إِذَا دَعَاهُ، وَأَنْ يُشَمَّتَهُ إِذَا عَطِسَ، وَأَنْ يَعُودَهُ إِذَا مَرِضَ، وَأَنْ يُشَيِّعَ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، ألاَّ نَظُنّ فِيهِ إِلاَّ خَيْراً" 2 واستحبابُه على الكِفَايةِ كما ذكرنا في ابتداءِ السَّلامِ، وإنَّما يسْتَحَبُّ التشمِيتُ إذا قال العاطِسُ: الحمدُ لله، وَينْبغِي أَنْ يُخَاطِبَ المُشَمت فيقول: يَرْحَمُكَ اللهُ، أو يَرْحَمُكَ رَبُّكَ.
ويُكَرِّرُ التَّشْمِيتَ إذا تكرر العُطَاسُ، إِلاَّ أَنْ يعلَمَ أَنَّهُ مَزْكُومٌ فيدْعُو له بالشِّفَاءِ.
ويستحب للعاطِسِ أن يُجِيبَه فيقول: يَهْدِيكَ اللهُ، أو يَغْفِرُ اللهُ لك، ولا يَجِبُ ذلك، بخلافِ جَوابِ السَّلامِ.
قال الإِمامُ: لَعَلَّ السَّبَبَ فيه أَنَّ التشْمِيتَ للعُطَاسِ، ولا عُطَاسَ بالمشمِّتِ،1

جارٍ التحميل