قال الرَّافِعِيُّ: المثقّلاَتُ: الآلاَتُ المُثَقَّلةُ إِذا أثَّرتْ بِثِقْلِهَا دَقاً أو خَنْقاً لم يَحِلَّ الحَيَوَانُ وكذا المُحَدَّدُ إذا قتل بثقله، بل لا بد من الجَرْح؛ روى عن عَدِيِّ بن حاتم - رضي الله عنه - قال: سألت رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيدِ المِعْرَاض، فقالَ: "إن قتل بِحَدِّهِ فكل، وأن قَتَلَ بثقله، فلا تأكل" 1 ويروى "إذا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وإِذَا أَصَبْتَ بِعُرْضِهِ، فَلاَ تَأْكُلْ 2؛ فإنَّهُ وَقِيذٌ.
فيحرم الطير إذا مَاتَ ببَنْدَقَةِ رَمَاهَا إليه خَدَشَتْهُ أو لم تَخْدِشهُ، ولا يَحِلُّ وإن قطعت البَنْدَقَةُ رَأْسَهُ، وكذا الصَيد إذا وقع في البِئْرِ المَحْفُورَةِ [له]، وماتَ بالانْصِدَامِ، أو انْخَفَقَ بالأُحْبُولَةَ المَنْصُوبَةِ له، أو كان رَأْسُ الحَبْلِ في يده، فجره ومات أو مات بسهم لا نَصْلَ فيه، ولا حَدَّ له بدقّه، أو بِثِقْلِ السَّيْفِ.
والطير الضعيف إذا ماتَ بِإصَابَةِ غَرَضِ السَّهْمِ إياه، وَمَا إذا ذُبحَ بِحَدِيدَةٍ كَآلَةٍ لا تقطع، فإنَّ القَطْعَ حينئذٍ يحصل بِقُوَّةِ الذَّابحِ وشدة الاعْتِمَادِ لا بآلة، والمَقْتُولُ بالسَّوْطِ والعَصَا مَوْقُوذٌ مُحَرَّمٌ فلو خَسَقَ فيه حكى القاضي الرُّوَيانِيُّ: أنَّهُ إن كان مُحَدَّداً [يَمُورُ مَوْرَ] 3 السِّلاَحِ، فهو حَلاَلٌ، وإن كانَ لا يَمُورُ إلاَّ مُسْتَكْرَهاً؛ نُظِرَ إن كانَ العُودُ خَفِيفاً قريباً من السَّهْمِ حَلَّ، وإن كان ثقيلاً، فالأَغْلَبُ أن الثّقْلَ قتله، فيكون مَوْقُوذاً، ثم في الفصل مسألَتَان:
إحداهمَا: إذا لم يجرح الكلبُ الصَّيْد، لكن تَحَامَلَ عليه، وقتلَه بِضَغْطِه، ففيه قولاَن:
أحدُهُمَا: وبه قال أحمدُ، واختاره [المزني] 4 لا يحلُّ، كما لَو مَاتَ بِثِقْلِ السَّهْمِ والسَّيْفِ والمُثَقّلاَتِ، وكما إذا رأى الكَلْبَ، أو الفَهْدَ فانْشَقَّتْ مَرَارَتُهُ فَزَعاً ومات [أوَ تعب من كثرة العَدْوِ، ومات] 5 يُدْرِكَهُ الكَلْبُ، وأيضاً فإنَّ الله -تعالَى- سَمَّاها جَوَارح، فينبغي أن يجرح.
وأصحُّهما على ما ذكر الرويانيُ والمُوَفَّقُ بن طاهر: أنه يَحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] ولأنَّ الجَارِحَةَ تعلم ترك الأكلِ فتَؤُب وقد تفضي بها المَهَارَة فيما تعلم إلى ترك الجرح، ولا يمكن أنْ تكلف بأن تجرح، ولا تأكل بخلاف ما إذا أَصَابَ السَّهْمُ بِعَرضِهِ، فإن ذلك من سوء الرَّمْي، ومن قال بهذا القَوْلِ
قال: الجَوَارحُ الكَوَاسِبِ 1.
وعن أبي حنيفَةَ رِوَايَتان كالقَوْلَيْنِ، والأشْهَرُ منها الأَوَّلُ.
وقولُهُ: "ولو مَاتَ تحت الكَلْب غَمّاً" يجوز أن يريد به غَمّه وغشِيهُ ويجوز أن يُرِيدَ أنه مَاتَ تحته حُزْناً، وهذه المسألة لَو أوْرَدَهَا في القسم الثالثِ لَجَازَ، وإنما أَوْرَدَهَا في المُثَقَّلاَتِ؛ لأنَّ الجَارِحَةَ والصورةَ هذه لمْ تجرح كالمُثَقَّلاتِ.
وقولُهُ: من قبل "أو أَلْقَاهُ في بِشْرٍ، فانْصَدَمَ" ليحملَ على أَنَّه تَسَبَّبَ إلى إِلْقَاءِ الصيدِ فيما يحفرها لضبطه، فمات الصَّيْدُ بالانْصِدَام، فأما إذا أخذ الصَّيْدَ، وصار مَقْدُوراً عليه، وأَلْقَاهُ في البِئْرِ، وهذا أَوْضَحُ من أن يحتاجَ إَلى ذِكْرِهِ.
الثانية: إذَا مَاتَ الصَّيْدُ بِسَبَبَيْنِ مبيح وحَاظِرٍ 2 فهو حَرَامٌ، تَغْلِيباً للتحريم، وذلك مِثْلُ أن يَمُوتَ بِسَهْمٍ وبَنْدَقَةٍ أصاباه من رَامٍ أوَ رَامِيَيْنِ، أو يصيب الصَّيْدَ طَرْفٌ من الفصلِ، فيجرحَهُ، ويؤثر فيه عُرْضُ السَّهْمِ في مُرُورِهِ، فيموت منهما، وكذا لو رمَى إلى الصيدِ سَهْماً، فوقع على طَرَفَ سَطْحٍ، ثم سقط منه، أو على جَبَلٍ فتدهور منه وتردّى، أو وقع فِي مَاءٍ، أو على شجر، فانْصَدَمَ بأغصانه؛ لأنَّهُ ماتَ منهما أو لا يدري أنه من أيهما مَاتَ، وكذلك الحُكْمُ لو وقَعَ على مُحَدّدٍ من سِكِّينٍ وغيره.
ولو تَدَحْرَجَ من الجَبَل من جنب إلى جنب؛ لم يَضُرَّ؛ لأنَّ ذلك ليس مما يُؤَثِّرُ في التلف، وإن أصاب السهمُ الصَّيْدَ في الهواء، فوقع على الأرض، وماتَ، حلَّ سواءٌ ماتَ قبل الوصولِ إلى الأرض، أو بعده، أو لم يُعْلَمْ أنَّهُ ماتَ قبله أو بعده؛ لأنَّ الوُقوعَ على الأَرْضِ لاَ بُدَّ منه، فيعفى عنه، كما يعض عن الذَّبْحِ في غيرِ المذبح عند التَّعَذُّرِ، وكما لو كانَ الصَّيْدُ قائماً، فوقع على جنبه لما أصَابَهُ السَّهْمُ، وانْصَدَمَ بالأرض.
وقَالَ مالكٌ: إن مَاتَ بعدما وَقَعَ على الأَرْضِ لم يَحِلَّ، والانزحاف قَليِلاً بعد إصابةِ السَّهْمِ، كالوقوعِ على الأَرْضِ، ولو لمْ يجرحه السَّهْمُ في الهواء ولكن كَسَرَ جَنَاحَه، فوقع فَمَاتَ، فهو حَرَامٌ؛ لأنَّهُ لم يصبه جُرْحٌ يُحَالُ الموت عليه، ولو كان الجُرْحُ خَفِيفاً لا يُؤَثِّرُ مِثْلُهُ، ولكن عَطَّلَ جَنَاحَهُ، فَسقَطَ، وماتَ، فكذلك قالَهُ في "النهايَة".
ولو وَقَعَ الصَّيْدُ من الهواء بعد ما أَصَابَهُ السَّهْمُ، وجرحه في بئر، فإن كانَ فيها مَاءٌ، فعلى ما سَبَقَ، وإن لم يكن فالصَّيْدُ حَلاَلٌ، وقَعْرُ البئرِ كالأرضِ [وليكن الغرض فيما إذا لم يصادفه جُدْرَانٌ] 3 البئر، ولو كان الطَّيْرُ [واقفاً] 4 على شَجَرٍ، فَأصَابَهُ
السَّهْمُ، ووقع على الأرض حَلّ، وأن وقع على غُصْنٍ، أو أَغْصَانٍ، ثم وقَعَ على الأَرْضِ لم يحِلَّ، وليسَ الانْصِدَامُ بالأَغْصَانِ، أو بأَحْرُفِ الجَبَلِ عند التَّدَهْوُرِ من أعلاه كالانْصِدَامِ بالأرضِ، فإنَّ ذلكَ الانصدامَ ليسَ بلازمٍ ولا غالبٍ، والانصدامُ بالأرض لاَ بُدَّ منه.
وللإمام احْتِمَالٌ في الصَّورَتَيْنِ لكثرةِ وقوع الطُّيُورِ على الأشجار، والانصدامِ بأطْرَافِ الجَبَلِ، إذا كان الصَّيْدُ في الجَبَلِ.
فلو رَمَى إلى طير الماء، نُظِرَ إِنْ كَانَ على وجه الماء، فَأصَابَهُ فمات، حلّ، والمَاءُ له كالأرضِ، وإنْ كانَ خَارج الماءِ، ووقعَ في المَاءِ بعدما أصابَه السَّهْمُ، ففيه وَجْهَانِ منقولاَنِ عن "الحَاوي".
أحدُهمَا: أنَّهُ حَرَامٌ؛ لأنَّ المَاءَ بعد الجَرْحِ يعين على التَّلَفِ، وهذا ما يُوجَدُ في "التهذيب".
والثاني: يَحِلُّ؛ لأنَّ المَاءَ لا [يُغرقهُ] 1؛ ولأنَّهُ لا يفارق المَاءَ غالباً، ووقُوعُهُ في المَاءِ كَوُقُوعِ غيرهِ على الأَرْضِ، وهذا ما يَشْتَمِلُ عليه "شَرْحُ مختصرِ الجويني".
وإن كان الطَّائِرُ في هواء البَحْرِ، ففي "التهذيب" أنَّهُ يُنْظَرُ إن كانَ الرَّمْيُ في البَرِّ لم يحِلَّ، وإنْ كانَ في البَحرِ في السَّفِينَةِ حَلَّ.
وجميعُ مَا ذَكَرْنَا فيما إذا لم ينته الصَّيْدُ بتلك الجراحة إلى حالة حركةِ المذبوح، فإنْ انتهى إليها بِقَطْعِ الحُلْقُوم والمريء، أو غيره فقد تَمَّتْ ذَكَاتُهُ، ولا أَثر لم يعرض بعد ذلك.
وقولُهُ في الكتاب: "ولو ماتَ بِسَهْمٍ أو بَنْدَقَةٍ، أو انْصِدَامٍ" يعني: أو مَاتَ بِسَهْمٍ، وانْصِدَام، وكذَا في باقِي الأَمْثِلَةِ، ثم في بعض النُّسَخ: "أو انصدامِ بالأرضِ"، وفي بعضِها "بالعُرْضِ" فعلَى الأَوَّلِ المعنى: إذَا مات الصَّيْدُ بالسَّهْم مع ضَمِيمَةٍ من الضَّمَائِم المذكورةِ، فهوَ حَرَامٌ، إلاَّ إذا كانَتْ الضَّمِيمَةُ الانْصِدَامَ بالأرض، فيعفَى عنه وعلى الثاني: المراد عُرْضُ السَّهْمِ على ما بَيَّنَّا ورَوَيْنَا الحديث في صَيْدِ المِعْرَاضِ.
[فرع] عن "التهذيب": لو أَرْسَلَ كَلْباً في عُنُقِهِ قِلاَدَةٌ مُحدَّدَةٌ، فجرحَ الصَّيْدَ بها حَلَّ، كما لو أَرْسَلَ كَلْباً وسَهْماً فَأصَابَهُ، وقَدْ يفرق بأنَّهُ قَصَدَ بالسَّهْمِ الصَّيْدَ، ولم يقصده بالقِلاَدَةِ 2.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: جَوَارحُ الحَيَوَانِ) وَالكَلْبُ المُعَلَّمُ كَآلَةِ الذَّابِحِ فَتَحِلُّ فَرِيسَتُهُ وَالمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي يَنْزَجِرُ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ وَيَسْتَرسِلُ بِإرْسَالِهِ وَلاَ يَأْكُلُ مِنْ فَرِيسَتِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ انْزِجَارُهُ بِزَجْرِهِ بَعْدَ اشْتِدَادِ عَدْوِهِ بِإرْسَالِهِ وَحِدَّتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَلْيَتَكَرَّرْ مِنْهُ تَرْكُ
الأكْلِ مِرَاراً حَتَّى يَظْهَرَ بِهِ تَعَلُّمُهُ فَإنْ أَكَلَ المُعَلَّمُ نَادِراً لَمْ تَحْرُمْ تِلْكَ الفَرِيسَةُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ فَإِنِ اعْتَادَ الأَكْلَ حَرُمَتِ الفَرِيسَةُ الَّتِي بِهَا ظَهَرَتْ عَادَتُهُ وَهَلْ يَحْرُمُ مَا أَكَلَ مِنْهَا قَبْلَهُ فِيهِ وَجْهانِ وَلَعْقُ الدَّمِ لَيْسَ كَالأَكْلِ وَمَوْضِعُ عَضِّ الكَلْبِ يُغْسَلُ سَبْعاً وَيْعفَّرُ عَلَى وَجْهٍ وَيُقَوَّرُ عَلَى وَجْهٍ وَيُعْفَى عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ وَفَرِيسَةُ الفَهْدِ وَالنَّمِرِ حَرَامٌ لأَنَّهُ لاَ يَتَأدَّبُ بِتَرْكِ الأَكْلِ وَالبَازِيُّ أَيْضاً لاَ يَتْرُكُ الأكْلَ وَلَكِنْ إنْ صَارَ مُعَلَّماً فَفِي فَرِيسَتِهِ وَجْهَانِ لِأَنَّ جِنْسَ الطُّيُورِ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ جَارِحَةٍ وَتَعْلِيمُ جَوَارحِ الطَّيْرِ بِتَرْكِ الأَكْلِ مُتَعَذِّرْ فَإِنَّهَا لاَ تَحْتَمِلُ الضرْبَ.
قال الرَّافِعِيُّ: يجوزُ الاصطيادُ بِجَوَارحِ السِّبَاعِ كـ"الكلب" و"الفَهْدِ" و"النَّمِرِ" وغيرِهَا 1، وبجوارح الطُّيُورِ كـ"البَازِيِّ" و"الشَّاهِين" و"الصَّقِرِ" قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] وعَنْ عَدِيّ بنِ حاتمٍ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَو بَازِ، ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ -تَعَالَى- عَلَيْهِ، فَكُلُ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ" وعن أحمَد: أنَّهُ استثنَى الكَلْبَ الأَسْوَد، وقالَ؛ لا يجوزُ الاصْطِيادُ به، ويُحْكَى عن أبي بكر الفَارِسِيِّ من أصحابِنا موافقته.
ويعني بجواز الاصطياد 2 بها أن ما أَخذته وجَرَحْته وأَدْرَكَهُ صَاحِبها ميتاً، أو في حركةِ المَذْبُوحِ يحلُّ أَكْلُهُ.
ويقومُ إِرْسَالُ الصائد، وجرحُ الجارح في أي مَوْضِعٍ كانَ مَقَامَ الذَّبْحِ في المقدور عليه.
وأما الاصْطِيادُ، بمعنى إثباتِ اليَدِ عَلى الصَّيْدِ، وضبطه، فلا يختصُّ بالجوارح [بلا خلاف] 3 بل يَجُوزُ بأي طريق تَيَسَّرَ.
ثم ذَبْحهُ كذبح الحيواناتِ الإنْسِيَّةِ، ويشترط لحل ما قَتَلَتُهُ الجَوَارحُ أن تكون الجارحة مُعَلَّمةً، فإن لم تكنُ مُعَلَّمةً لم يَحلَّ، وإن ما أدركَهُ وفيه حَيَاةٌ مستقرةٌ، فلا بُدَّ من ذَبْحِهِ، روِي عن أبي ثعلبةَ الخشني -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رَسُولُ الله: إني أَصِيدُ بكلبي المُعَلّم، وبكلبي الذي ليس بِمُعَلّم، فقالَ: "مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّم، فَاذْكُرَ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأدْرَكَتْ ذَكَاتَهُ فَكُلْ" 4.
واعتبرُوا في صَيرُورَةِ الكَلْبِ فعَلَّماً ثلاثة أمور:
أحدُهَا: أن يَنْزَجِرَ بِزَجْرِ صَاحبِهِ، هكذا أَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ.
وقَال الإمامُ: يعتبر ذَلك في ابْتِدَاءِ الأَمْرِ، فأمَّا إذا انطلق واشْتَدَّ عَدْوُهُ وحدّثُهُ، فَفِي اعتبارِهِ وَجْهان:
الأَشْبَهُ: الاعتبار فإنَّ التأدُّب 1 به يظهر.
ووجهُ المَنْعِ أنَّه لا يَكَادُ يكف حينئذٍ.
والثاني: أن يَسْتَرْسِلَ بإرساله وإشارته، ومعنَاهُ: أنَّهُ إذا أغرى على الصيد هَاجَ.
والثالث: أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ ولا يأكلُ منه، وفي هذا اعْتِبَارُ وصفين:
أحدهما: أن يحفظَهُ، فلا يخليه، وعَبَّرَ عنه الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- بقوله في صِفَةِ المُعَلِّمِ: "فإذا أخذ حبس".
والثاني: أَنَّهُ لا يَأْكُلُ منه، روي في الخبر: "فَإِنْ أَكَلَ فَإنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ" 2.
وعن مالكٍ: أنْ تَرْكَ الأَكْلِ ليس بشرطٍ، ويذكر أن أبَا يَعْقُوبَ الأبيورديِّ حكى في الشَّرْح قَوْلاً مِثْلَهُ.
وفي كتاب القاضِي ابن كَجٍّ نحواً منه، والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
هذَا حكمُ الكلبِ وما في معناه من جَوَارَحِ السِّبَاعِ.
وذكرَ الإمَامُ أنَّ ظَاهِرَ المذهب أنَّه ينبغي أن يَنْطَلِقَ بإطلاق صاحبه، وأَنَّهُ لو انْطَلَقَ بنفسه لم يكُنْ مُعَلماً، ورآه مُشْكلاً من جِهَةِ أنَ الكَلْبَ على أي صفةٍ فرض إِذَا رَأَى صَيْداً بالقُرْب منه، وهو على كَلَب الجُوع يبعد تصوير انْكِفَافِهِ، وهَذَا أَمْرُ خَارجٌ عن الأمورِ الثلاثةِ.
وأمَّا جوارحُ الطيورِ، فيُشترط فيها أن تَهيجَ عند الاغْرَاء وهل يُشْتَرَطُ أن نترك الأَكْلَ؟ فيه قولانِ، حَكَاهُمَا الصيدلانيُّ وغيره.
أظهرهما: نعم كما في جوارح السباع.
والثاني: المَنْعُ، وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ، والمزني: أنَّهُ لا يمكنُ التَّحَامُلُ عليها، والكلبُ إنَما يَنْكَفُّ عن الأكلِ بالضَّرْب، وقد قيل: إنَّ سَبيل تعليم الطيورُ إطْمَاعها في الإِطْعَام مما يُصْطَادُ.
قال الإِمام: ولا يطمع في انزجارها بعد الطَّيَرَانِ، ويبعد أيضاً اشتراط [انْكِفَافِهَا] 3 في أول الأمرِ، وقد لاح لها الصَّيْدُ، وهي جائعةٌ.
ثم في الفصل صور.
إحداها: الأمور المعتبرةُ في التَّعْلِيمِ لا بدَ وأنْ تَتَكَرَّرَ مَرَّةً بعدَ مرة؛ ليغلبَ على
الظن تَأدُّب الجارحة، ولم يُقَدِّرْ مُعْظَمُ الأصحاب عَدَدَ المَرَّاتِ، وكأنهم رأوا العُرْفَ مضطرباً، وطباع الجوارحِ مختلفةً، والرُّجُوعُ في البَاب إلى أَهْلِ الخِبْرَةِ بِطِبَاعِ الجوارحِ.
وفيه وَجْهٌ: أنَّهُ يكفي التَّكْرَرُ مرتين؛ لأنَّ العادَةَ تثبت بهما، ويروى هذا عن أبي حَنِيْفَةَ وأحمدَ وفي "شرحِ المُوَفَّق بن طاهِر" وجهٌ: أنَّهُ يعتبر ثلاث مَرَّات، ويقرب من هذا قَوْلُ صاحبِ "التهذيب" 1 أنَّ أقَلَّهُ ثلاث مراتٍ [فإن تكرر ثلاث مرات] 2 حَلَّ ما قتل في الرَّابِعَةِ، وظَاهِرُ لفظ الكتاب حيث قال: "مِرَاراً" يُوَافقُه.
الثانية: إذَا ظَهَرَ كَوْنُ الكَلْب معلَّماً، ثم أكل مَرَّةَ من لَحْمِ الصيدِ، إما قبل أن قتله، أو بَعْدَهُ، فهل يَحِلُّ ذلك الصيدُ؟
فيه قولان:
القديم، وأحد قولي الجديد: نعم، وبه قال مالكٌ؛ لما رُوِي عن أبي ثَعْلَبَةَ الخشني -رضي الله عنه- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَرْسَلتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وَذكَرْتَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى فَكُلْ" قال: وإن قَتَلَ، قال؛ "وَإنْ قَتَل".
قال: وإنْ أَكَلَ قال:"وَإِنْ أَكَل"؛ ولأنَّ الأَصْلَ بَقَاؤُهُ على التَّأَدُّبِ، والأكلُ يحتمل أنْ يَكُونَ لشدة جوعٍ، أو غَيْظٍ على الصيدِ، إذا أتعبه.
والأَصَحُّ هو الثاني من قولي الجديد، وبه قال أَبُو حَنِيفَة وأحمد أنَّهُ يحرمُ؛ لما روي عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَاً أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ [وَسَمَّيْتَ] 3 فَأَمْسَكَ وَقَتَل فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ".
وأيضاً فإن ما كانَ شَرْطاً للحلِّ في الابتداء، وجبَ أن يَكُونَ شرطاً في الدوام، كإرسالِ الكلب، فإنّه لو استرسل [بنفسه في الدوام لم يحل الصيد كما لو استرسل] 4 في الابتداء بنفسه.
قال الإِمَامُ: وَدِدْتُ لو فَصَّلَ فَاصِلٌ، بين أن ينكفَّ زماناً، ثم يأكل، وبَيْنَ أنْ يَأْكل كما أخذ، وإن الزَّمَانَ إذَا تَمَادَى يُعَدّ انْكِفَافاً لِلْكَلْب، ولم يتعرضُوا لهُ 5.
وإذَا قلنَا: بالتحريم فلا بد من استئناف التعليم، ولا يَنْعَطِفُ التَّحْرِيمُ على ما اصْطَادَهُ من قبلُ؛ خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يحرمُ الكُلُّ، واحتجّ الشَّيْخُ أبُو حامد
للمذهب بأنَّ الحلَّ يَتَعَلَّقُ بصفاتِ في الصَّائِدِ، وصفاتِ في الجارحةِ، ثم لو تغيرت صفة الصائد، بأنْ ارْتَدَّ لم يحرم ما اصْطَادَهُ من قبل، وكذلكَ إذا تَغَيَّرَت صِفَةُ الجَارِحَةِ، ولو تَكَرَّرَ منهُ الأكل، وصارَ عَادَةً له، فلا خِلاَفَ في تحريمِ الصيدِ الذي أَكَلَ منهُ، وفي الصيودِ التي أكل منها من قَبْلُ وَجْهان، لكنَّ اعتياد الأكلِ يُوهِمُ خروجه عن كونهِ مُعَلَّماً من أول مَا أَكل، وقد يُرَجَّحُ المَنْعُ تَغْلِيباً للتحريم في مواضِع التردد، ثم يصيرُ الأَكْلُ عَادَةً لهُ.
قال في "التهذيبِ": إذَا أَكَلَ من الصَّيْدِ ثانياً حُرِّمَ الصَّيْدُ الثاني، وفي الأول وجهان.
وإذَا أَكَلَ من الثَّالِث حُرِّمَ الثالثُ، وفيما قَبْلَهُ وجهان، وهذا 1 ذَهَابٌ إلى أنَّ الأكْلَ مَرَّتَيْن يخرجه عن كونهِ مُعَلّماً، وقد ذَكَرْنَا خلافاً في تَكَرُّرِ الصفاتِ التي يَصِيرُ بها مُعَلَّماً، ويجوزُ أن يفترَّق بينهما، بأنَّ أقر التَّعْلِيم في الحِلّ، وأثَر الأكلِ في التحريم، فيجري فيه على قَضِيَّة الاحتياط، وكذلكَ إذا عُرِف كونُهُ مُعَلَّماً، لم ينعطف الحِلّ علَى ما سبقَ، بلا خلاف، وفي انعطاف التحريمِ الخلافِ الذي بَيَّنَّاهُ.
ولَعْقُ الدَّمِ لا يَضُرُّ، ولا يُخْرِجُ الكَلْبَ عن كونه مُعَلَّماً؛ لأنَّهُ لم 2 يتناول ما هو مَقْصُودُ الصَّائِدِ، وأشار الإِمام إلى وجهٍ آخر ضَعيفٌ.
ولو أَكَلَ حَشْوَة الصَّيْد، ففيه طريقان:
أشبههما: أن في تحريمِ الصيد القولين المَذْكُورَيْنِ في اللَّحْم.
والثاني: القَطْعُ بالحلِ؛ لأنَّهُ يلقى غَالِباً، ولا يقصد كالدَّمِ.
ولو لم يسترسل عند الاسْتِرْسَالِ، أو لم يَنْزَجِرْ عند الزَّجْرِ، فينبغي أنْ يَكُونَ في تحريم الصَّيْدِ، وخروجهِ عن كونهِ مُعَلَّماً الخِلاَفُ المذكورُ في الأَكْلِ؛ لأنَّ كل واحدٍ من الخصَالِ المذكورةِ ركن في التعليم.
وعن القَفَّالِ: أنَّه إذَا أرادَ [الصَّائِدُ] 3 أخذ الصيد منه، فَامْتَنع وصارَ يُقَتِلُ دُونه -فهو كَمَا لَوْ أكل.
وجوارحُ الطيورِ إذَا أكلت من الصَّيْدِ، وفرَّعنا على اشتراطِ تركِ الأكلِ منَّها ففِي حلِّه طريقان.
أَحدُهما: القطعُ بالحِلِّ، وبه قال أبُو حَنِيْفَةَ، واختارَه المُزَنِيُّ؛ لأنَّ الطيورَ تعلَّمُ بالإطعامِ والإطماع في الصيد، فأكلُها لا يدُلُّ على أنه ليسَتْ بِمُعَلَّمة؛ ولأنَّ الكلبَ يُضْرَبُ، ويُمْنَع بالضرب عَنِ الأَكْلِ.
والطيورُ لا تحتَمِلُ الضربَ، وأَصَحُّهُمَا: طردُ القَوْلَيْنِ، وقد رُوِيَ في حديث عَدِيّ -رضي الله عنه- "ما عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ، أَو بَاذِيّ،
وأرْسلْتَهُ وذكرْتَ اسْمَ اللهِ، فكُلْ مما أمسَك عليكَ، ولم يَأْكُلْ" فجمع بين الكلبِ والبازِيّ.
الثَّالِثَة؛ مَعَضُّ الكلْبِ من الصيد نَجِسٌ، وفي العَفْوِ عنه وجهان: كذا قال أكثرُهُم.
وقَالَ الصَّيْدَلاَنِيُّ: قولاَن مَنْصُوصَانِ:
أَحدُهُمَا: أنه يُعْفَى عنه للحاجة، وعُسْرِ الاحْتِرَازِ، وأصحُّهُمَا: المنعُ كما وَلَغَ في الإناءِ، وأصابَ موضِعاً آخرَ، ومنهم من جعلَ الخلاف في أنَّهُ هل يَنْجَسُ ذلك الموضعُ؟ وإذ قُلْنَا: بعدمِ العَفْوِ فوجْهَان:
أَصَحُّهما: أنَّه يَكْفِي فيه الغسلُ والتعفِيرُ كغَيْرِهِ.
والثَّانِي: أنَّه يُقَوَّرُ ذلك الموضعُ، ويُطْرَحُ؛ لأنَّهُ يتشرَّبُ لعابه، فلا يتخلَّلهُ الماءُ.
قَالَ الإمامُ: وهذا القائِلُ يَطَّرِدُ ما ذكره في كُلِّ لحمٍ ومَا في مَعْنَاهُ بعضَّه الكلب عليه بخلافِ الموْضِعِ الذي ينالُهُ لعابُهُ [مِنْ غَيْر عَضٍّ، وعن حكايةِ بعْضِ أَصْحاب القفَّالِ أن ما بالكلب إذا أصاب عِرْقاً نضّاحاً بالدم] 1 يسري حكمُ النجاسةِ إلى جميعَ الصيدِ ولم يَحِلَّ أكلُهُ، وغلظَة الإمامُ في ذلك وقال: النجَاسةُ وإنِ اتَّصَلَتْ بالدمِ فالعِرْقُ وعاءٌ حاجِزٌ بينه وبينَ اللحْم، ثم الدَّمُ إذَا كان يفُور امتنعَ غوصُ النجاسةِ فيه كالماءِ المتصعِّد من فَوَّارَة إذا وقعت نجَاسةٌ على أَعْلاَهُ؛ لم يَنْجُسْ ما تَحتَه وعلى عكْسِه الماءُ المنحدِرُ من الإِبْريقِ، إذَا لاقَى نجاسةً لا ينجسُ ماءُ الإبريق.
هذا فِقْهُ الفَصْلِ.
وأمَّا ما يتَعلقُ بلفظِ الكتاب فقولُهُ: "فتحِلّ فريِسَتُهُ" لفظُ "الفَرِيسَةُ" من الفَرَسِ، يُقَالُ: فَرَسَ الأَسَدُ فَرِيسَتهُ، وَأَفْرَسَهَا، أَيْ: دَقَّ عُنُقَهَا ثم كثُرَ استعمالُهُ فَسُمَّيَ كلُّ قتْلٍ فَرساً، وفَرِيسَةُ الكَلْبِ ما قتله الكلْبُ بعضِّه، وجَرْحِه، وقد يُتَوَهَّمُ أنَّ فَرِيسَةَ السُّبُعِ ما أَكَلَ مِنْه، وليس ذلكَ بشرط.
وقولُهُ "مراراً" يجوزُ أن يُعْلَمَ بالواوِ، وأَنْ تُضَافَ إلى الوَاوِ الحاءُ والألفُ لما قَدَّمْنَا 2. وقولُهُ: "لم يحرُمْ" بالحَاءِ واللاَّمِ.
وقولُه: "لَيْسَ كَالأَكْلِ" بالوَاوِ، وأما قَوْلُهُ "وفَرِيسَةُ الفَهْدِ والنَّمِرِ حرَامٌ، لأنَّه لا يبادر بتركِ الأكْل" مفهومُهُ الظاهِرُ: أنَّ ما يقتُلُهُ الفَهْدُ والنَّمِرُ من الصيدِ حَرَامٌ؛ لأنَّه لا يَصِيرُ مُعَلَّماً؛ لأنَّ أَحد أركانِ التَّعْلِيم تركُ الأكْلِ، وأنَّه لا يترُكهُ لكنَّ هَذَا المفهومَ خلافُ ما نَصَّ عليه الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- والأصحابُ فإنهم [قد جعلوا] 3 الفهدَ، والنمرَ،
وما يَصْطَادُ مِن السباعِ كالكلبِ، وحكمُوا بحِلِّ ما قتله مِنَ الصَّيْدِ.
نَعَمْ قال الإمامُ: الفهدُ لا يتم فيه الانْطِباعُ ولا ينزَجِرُ إذَا زُجِرَ، ولا يتوقفُ اسْتِشْلاَؤُه على أَشْلاَءَ، ولا يَترُك الأكل، وإنْ كَانَ قد لا يتبادر إليه حتى يَسْتَوْثِقَ من الفَرِيسَةِ ويَسْكُن ولا يَتَأتَّى كَفُّه عن الأكلِ بالضربِ لأنَّهُ لو ضُرِب عادَ إلى اسْتِيحاشِه في تصورِ انْطِباعِهِ، فحكمهُ حكمُ الكلْبِ المعَلَّم، وإنْ لم يُتَصَوَّرْ فمقصودُ صاحب الفَهْدِ أنْ يضبِطَ [الصيدَ] (1) ليذبحَه صاحبُهُ تحت ضَبْطه، وذكرَ في الوَسِيطِ أنَّه لا يتعلَّمُ، ولا يُطاوعُ بترك الأكْلِ، والانْزِجَارِ بالزَّجْرِ، فإنْ تُصُوَّرَ ذلك على نُدورٍ فهو كالكلبِ، ومقصودُهما من هذا الكلام أنه يبعد مِنْ حالة أنْ يَصِيرَ مُعَلَّماً؛ لكن لو اتفق ذلك عَلى نُدورٍ -فحُكْمُهُ حكمُ الكَلْبِ، ونَحَا صاحِبُ الكتاب نحوَ مَا ذكراه (2)، إِلاَّ أَنَّهُ لم يَسْتَدْرِك ما إذَا قُدِّرَ تعلُّمه نادِراً ولا بد (3) منه.
وأمَّا قولُهُ: "والبَازِيُّ -أيْضاً- لاَ يَتْركُ الأكْلَ.... " إلى آخِرِهِ، فاعْلَمْ أَنَا حكَيْنَا خِلاَفاً في أَنَّ تَرْكَ الأكْلِ: هَلْ يُشْتَرطُ في الطيورِ لتكونَ مُعَلَّمةً؟
وخِلاَفاً في أنَّهُ إذا جُعِلَ ذلك شَرْطاً، فلو أكَلَتْ: هل يحِلُّ الصيدُ؟
والأشبهُ أَنَّهُ أراد بما ذكره الخلافَ الأولَ؛ لأنَّه الذي أورَده في "الوَسِيط" إِلاَّ أنَّهُ أبدلَ القولَيْنِ بالوجْهَيْنِ.
ولأنَّ التوجيه المذكورَ به أَلْيقُ، وتلخيصُ ما قدَّمَ منه على الحكم وأَخَّر أنَّ البازِيَّ وسَائِرَ الطيورَ لا تتركُ الأكْلِ غالِباً، ولا يمكن أن تُعلَّمَ تَرْكَ الأَكْلِ؛ لأنَّهَا لا تَحْتَمِلُ الضربَ، ولا بد وأن يكونَ في جِنْس الطيور جَوَارحُ يُصْطَادِ بِهَا، وأمَّا في جَوَارحِ السِّبَاعِ ففي الكلبِ غُنْيَةٌ عن غَيْره وأنَّه يتَأدب بترك الأكْلِ.
وقولُهُ -في التَّصْوِيرِ "ولكن إنْ صَارَ مُعَلَّماً" أي إن وُجِد فيه سائرُ شُرُوطِ أَرْكَانِ التَّعْلِيمُ وإلاَّ فمَنْ يُشترِطُ تركَ الأكلِ لا يسلم كونه معلماً إذا لمُ يترك الصيد، ولو ترك هذه اللفظَةَ لم يضر.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكْنُ الرَّابعُ) نَفْسُ الذَّبْحِ وَالاصْطِيَادِ
وَالذَّبْحُ سَيَأْتِي فِي الضَّحَايَا وَأَمَّا الاصْطِيَادُ فَهُوَ إِمَاتَةُ الصَّيْدِ بِآلَةٍ وَهُوَ كُلُّ جُرْحٍ مَقْصُودٍ حَصَلَ بِهِ المَوْتُ وَللْقَصْدُ ثَلاَثُ دَرَجَاتٍ (الأولَى) أَصْلُ الفَعْلُ وَلاَ بُدَّ مِنْهُ فَلَوْ سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَانْجَرَحَ بِهِ صَيْدٌ أَوْ نَصَبَ مَنْجَلاً في الشَّبَكَةِ أَوْ سِكِّيناً فِي البِئْرِ فَتَعَقَّرَ بِهِ الصَّيْدُ فَحَرَامٌ وَلَوْ حَصَلَ قَطْعُ الحَلْقِ بِحَرَكَةِ اليَدِ وَحَرَكةِ الحَيَوَانِ فَحَرَامٌ وَكَذَا فَرِيسَةُ الكَلْبِ المُسْتَرْسَلِ بِنِفْسِهِ فَلَوْ123
أَغْرَاهُ فَازْدَادَ عَدْواً يَحِلًّ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ حِوَالَةً عَلَى الإِغْرَاءِ حَتَّى لَوْ صَدَرَ مِنْ مَجُوسِيٍّ لِكَلْبٍ مُسْلِم حَرُمَ أَوْ مِن مُسْلِمٍ لِكَلْبِ مَجُوسِيٍّ حَلَّ أَوْ مِنْ غَاصِبٍ مَلَكَهُ الغّاصِبُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ وَفِي الصَّيْدِ بِالكَلْبِ المَغْصُوبِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لِلغَاصِبِ وَلَوْ رَمَى سَهْماً يَقْصُرُ عَنِ الصَّيْدِ وَأَعَانَ الرِّيحُ حَتَّى أَصَابَ حَلَّ وَلَوِ انْصَدَمَ بِحَائِطٍ فَأصَابَ فَوَجْهَانِ وَلَوْ قَصَدَ الرَّمْيِ فَانْقَطَعَ الوَتَرُ فَارْتَمَى السَّهْمُ فَوَجْهَانِ.
الركنُ الرابعُ: مقصودُ هذا الركْنِ في نفسِ الذبح وعقْرِ الصيدِ بالأَسْلِحة، أو بالجوارح أما نفسُ الذَّبْحِ فالكلامُ فيه مؤخّرٌ إلى "الضَحَايَا".
قال الرَّافِعِيُّ: أمَّا الاِصْطِيادُ فهو إماتةُ الصيد بِآلةٍ، واعلم أنا ذكرنَا في صدْرِ الباب أنَّ الاصطِيادَ يقعُ على العقْر المزْهِق الوحشي، ويقعُ على ما هو أَعَمُّ منْهُ، والمقصودُ هاهنا المعنى الأوَّلُ دُونَ الأَعَمِّ، وفسَّره بإماتَةِ الصيدِ بآلةٍ، ولما لم تكن مُطْلق الإماتةِ كافيةً بيَّن ما عني بها، وهو الجرْحُ المقصودُ الذي حصَلَ به الموتُ.
ولو قال الاصطيادُ: هو الجرحُ الوَارِدُ عَلَى الوحشي المقصودِ المزهِق، [وترك] 1 توسُّطَ الإمَاتَةِ -لحصَلَ الغرضُ ثم هذا الضبطُ يشتمل على قُيُودٍ:
أَحَدُها: الجُرْحُ فيخرج عنه الخَنْقُ والوقْذُ ونحوهُما.
والثَّانِي: كونُه مَقْصُوداً، وقد ترك القصد على ثلاث درجات.
إحْدَاهَا: قصد أصل الفعِل الجَارح، فلو كان في يده سِكِّينٌ، فسقطَ منه وانْجرحَ به الصيدُ ومات، أو كان قد نصب مِنْجَلاً أو حَدِيدَةً أُخْرَى فتعثر به الصَيدُ ومات فهُو حرامٌ، وعلَّلُوه مَنْ وجْهَيْن:
قال الأكْثرُون؛ لأنَّه لم يُذَكِّهِ، ولم يَجْرَحْهُ أحدٌ إِذْ لَمْ يَتَّصِلْ بالعقْرِ الحاصِل فعلٌ يُنْسَبُ العَقْرُ إلَيْه، وإنَّما انجرح الصيدُ وهلك بحركة نَفْسِهِ غَايتُه أنَّ الصائِد تَسَبَّبَ إلى إِهْلاكه بِنَصْلِ المِنْجلِ، لكن الذَّكاةَ لا تحصل بالتسبب.
وقال أَبُو الطيب بنُ سَلَمَةَ؛ لأن الصَّيْدَ إنَّما يحِلُّ إذا قُصِد بعيْنهِ ودُمِيَ إِلَيْه.
أَوْ رُمِي إلى جْمُلَةٍ هو منها، والأُحْبُولَةُ والسِّكِّينُ لا يُقصدُ بها حَيْنٌ بعينِهِ، ولا واحدٌ من جملة.
ولو نصبَ سِكِّيناً أو حديدةً أُخْرَى أو كانَت في يَدِه فجاءتْ شَاةٌ واحتكَّتْ بهَّا؛ وانقطعَ حُلْقُومُهَا، أو كانت في يده حَدِيدَةٌ فوقعَت على حَلْقِ شَاةٍ قَتَلَتْهُ فهي حرامٌ أَيْضاً؛ لأنَّه لم يَذْبَحْ [ولم يَقْصِدِ الذَّبْحِ] 2 وإنما حصلَ ما حصل بفعْل الشاة أو من غيرِ فعلِ
مختارٍ، وفي "التَّهْذِيب" وغيره أنَّ عند أبِي إِسْحَاقَ: تحل الشاةُ في صورة وقُوعِ السكِّينِ مِنْ يده، ولا شكَّ أن الصيدَ في مَعْناه، فيجوزُ أن يُعْلَمَ لذلك قولُه في الكتاب "فحرام" بالوَاوِ، ويمكن أن يُعْلَمَ بالحاءِ؛ لأنه يُرْوَى عن أَبِي حَنِيفَة: أنَّه إِنْ كان فيَ الأُحْبُولة سِلاَحٌ فجرح الصيْدِ يحلّ، لكنْ قَالَ الرُّوَيانِيِّ في "البَحْر" عندي: لا تَصحُّ هذه الحكايةُ عَنْه، ولو كان مَنْ في يَدِه الحديدَةُ فحرّكَها، والشاةُ أَيْضاً تحك حَلْقها بالحديدَةِ فحصلَ الانقِطاعُ بالحركتينَ فهي حرامٌ أيضاً؛ لأنَّ الموت حَصلَ بشركةِ الذابحِ والبَهِيمَةِ.
واعترض الإمامُ: بأنَّ مَنْ أَضْجع شاةً ليذبحها وأمرَّ بالسَّكِّينِ على حلقها فإنه يضطربُ المذبح، والاضطرابُ له أثرٌ 1 في القطْعِ، وقليلاً ما تخلو الذبائِحُ 2 عنه، فلو أثَّرَ ذلك لحرمَ 3 مُعظم الدبائح.
وأجابَ بأن الشاةَ المضْبُوطة إذا مَسَّها حَد السكين يحبس الحلقوم فإنَّ كُلَّ حَيَوانٍ أَصَاب عضواً منه مؤلم انْزَوَى وتحرك عنه، وهذه الحركةِ لا تُؤَثِّرُ في الانقطاعِ، إنما الكلامُ في الاحْتِكَاك والحركة في استقبالِ الحديدة، ووراء ما ذكرنَا في الفصلِ مَسْأَلتَّان:
إِحدَاهُمَا: إذا اسْتَرْسَلَ الكَلْبُ بنَفْسِهِ؛ وقَتَل صَيْداً -فهو حرامٌ 4. مُعَلَّماً كانَ أَوْ لم يكن، واحتجَّ لَهُ [بما روِيَ] بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قيّدَ تَجْويزَ الأكْلِ بالإرسالِ، فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِذا أَرْسَلتَ كَلْبك المُعَلَّمَ فكُل وإن أكَل الكلبُ" 5، والصورةُ هذه من الصيد لم يقدَحُ ذلك في كونه 6 مُعَلَّماً بلا خلافِ، وإنَّما يعتبرُ الامساكُ إذا [أرسله] 7 صاحِبه، ولو أن صاحِبَ الكلب زَجَرَه لَمَّا اسْتَرسَلَ 8، فانزَجر ووقَفَ ثم أَغْراهُ فاسْتَرسْلَ، وقتل الصيدَ -حَلَّ بلا خِلاَفٍ، وإن لم يَنْزَجِرْ ومَضَى على وجْهِه، لم يحل الصيدُ سواءٌ زاد عَدْوه وحِدَّتُه أو لم يزدْ ولو لم يزجُرْهُ بل أَغْرَاه، فإن لم يزِدْ عَدْوَه وحِدّتُه لم يُؤَثِّرْ إِغراؤُه وحَرُمَ الصيدُ، وإنْ زادَ عدْوُه فوجهان:
أَحدُهما: يحلُّ الصيدُ الذي قتلَه، وبه قال أبُو حَنِيفةَ وأَحْمدُ؛ لأَنَّه قد ظهرَ أثرُ الإغْرَاءِ فيُقْطع الاسترسَالُ، ويَصِيرُ كأنَّه جرَح بإغراءِ صَاحِبِه.
وأَقْوَاهُما: المنعُ؛ لأنَّهُ اجَتمع الاسترسالُ المحرمُ والاغراءُ المبِيحُ -فيغلبُ التحريم.
وعَنْ مالكٍ روايتانِ كالوَجْهَيْنِ.
ولو كانَ الإغراءُ وزيادةُ العَدْوِ بعدما زجره، فلم ينزجرْ -ففيهِ الوجْهَانِ بالترْتِيب، وهذه الصورةُ أَوْلَى بالتحرِيم؛ لظهور تَأبِّيه وترك مُبَالاَتِه بإشارةِ الصَّائد، وبالتحريم أجابَ أصحابُنا العراقِيُّون قال الإمامُ: وللتردُّدِ التفاتٌ إلى أنَّ الانزجارَ بالزجْرِ في أَثْناء العَدْوِ: هل يُعْتَبَرُ في أَصْل التَعلِيم 1؟ وإذا جمعَ بين الصُّورتَيْنِ حصل ثلاثةُ أوجه:
ثَالِثُها: الفرْقُ بين أنْ يكونَ الاغراءُ بعدما زَجَرَهُ فلم يَنْزَجر، فيحرمُ، أَوْ قبلَهُ فلا يَحْرُم، ويتعلَّقُ بالخلافِ المذكور ثلاثُ صُوَرٍ.
إِحْدَاهَا: إذا أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كلْباً وأَغْرَاهُ مَجُوسِيٌّ: فَإنْ زاد عدْوُه [فإن قلْنا] 2 لا ينقطِعُ هناك حكمُ الاسترسالِ -فيحلّ الصيد هاهنا، ولا يُؤثر إغراءُ المجُوسِي- وبهذا قال أحمدُ، وهو الذي أجراه الشيخُ أَبُو مُحَمَّدٍ في كلامِه.
وإِنْ أحلْنا الاصطيادَ على الإغْرَاءِ، وقطَعْنَا حكَ الإرسالِ -لم يحلَّ، وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ، واختاره القاضي أَبُو الطَّيب- هكذَا خَرَّج الأكْثرُون الصورَ على 3 الخلافِ، وقطعَ في "التهذِيب" بالتحريم، وقَال: الإغراءُ إِمَّا أن يَقْطَعَ الحكْمَ الأول، أو يُوجِبَ الشَّرْكةَ، وعلى التقديريْنِ يلزمُ التحريمُ.
الثَّانِيَة: لو أَرْسلَ المجُوسِيُّ كلباً، فأغراهُ مُسلْمٌ، وزاد عَدْوُه: فَإنْ قُطِعَ الإغراءُ الذي زاد به العدْوُ -حُكْمْ حِلُّ الصيدِ، وإلاَّ لم يَحِلَّ، ورَوَى الرُّوَيانِيُّ القطعَ بالتحرِيمِ، وقالَ: إذا وُجِدَ الإرسالُ 4 في الانتهاءِ فلا يُقْطَعُ حكم الإرسالِ الأَوَّلِ.
الثَّالِثَةُ: إذَا أرسَلَ إنسانٌ كلْبَهُ، فزجره فَضُولِيٌّ، فَانْزَجر ثم أَغْراه؛ فَاسْترسَلَ، [وأَخَذَ صَيْداً، فلِمَنْ] 5 المِلْكُ في الصيد: لِلْغَاصِبِ أو لصاحبِ الكلبِ؟ فيه وجهان مذكوران في "كتاب الغَصْبِ".
أَصَحُّهما: أنَّه للغاصِبِ.
ولو زجره فلم ينزجِرْ وأغراه، أو لم يزجره بل أغراه فازداد عَدْوُه، وفرعنا على أنَّ الصَيدَ للغاصِبِ فيخرَّجُ على الخِلاَفِ في أن الإِغْرَاءَ: هل يقطَعُ حكْمَ الابتداء أم لاَ؟
إنْ قُلنَا: لا، وهو الأَصَحُّ فالصيدُ لصاحب الكلب، وإلاَّ فَلِلفَضُوليِّ.
قال الإمامُ: ولا يمنعُ خروجُ وجهٍ في أَنَّهُمَا يشترِكانِ في الملكِ.
وقولُهُ في الكتاب: أو مِنْ غَاصِبٍ، ملكه الغاصِبُ على أصَحِّ الوجهين يتعلقُ بقولهِ مِنْ قبلُ "حِوَالَةَ" عَلى الإغْرَاءِ" يعنيَ إذا جعلنَا الحكْمَ للإغراء، فيكونُ الملكُ في الصيدِ على الوجْهَيْنِ: في أَنَّ الصيد بالكلب المغصُوبِ لمن هُو؟
وقال: أَصحُّهمَا: يكون للمَالكِ، والأحسَنُ 1 أن يُقْرَأَ "فَفِى الصيدِ بالكلبِ المغصوبِ" بالفاء 2.
المسْألَةُ الثَّانِيةُ: لو أصابَ السَّهْمُ الصيدَ بإعانَةِ الرِّيح، وكان يَقْصُرُ عنه لولا الرِّيحُ -حَلَّ؛ لأنَّ الاحْترازَ مِنْ هُبُوبهَا لا يمكِنُ فلا يتغير بِه 3 حُكْمُ الاستِرْسَالِ.
هكذا نقله الأَصْحَابُ متوافِقِينَ 4، وحكاهُ الإمامُ عن بَعْضِ التَّصَانِيف، كما يُنقل الشيءُ الغَرِيبُ، وأَبْدَى تردُّداً فيه؛ وقد يُؤَيِّدُ تردُّدَهُ ما سيأتي في "المناضلة" إنْ شاءَ الله.
ولو أصاب الأرضَ أوِ انْصدَمَ بحائِط، ثُمَّ ازدلَفَ مِنْه، وأصاب الصيد، فوجهانِ مَبْنِيَّانِ على القولَيْن في أنَّ الإصابةَ هكذا: هل تُحْسب في المناضلة؟
قال الشيخُ أَبُو حَامِدٍ: والمذهَبُ حِلُّ الصيدِ، فإنَّ ما يتولَد من فِعْل الرامِي منسوبٌ إليه إِذْ لا اختيار للسهم، وبالحلِّ أجابَ في "التهذِيبِ" قال: وكذَا لو أصابَ حَجَراً فنبا عنه، وأصاب الصَّيْدَ أو نفذ فيه إلى الصيدِ يَحَلّ.
ولو كانَ الرَّامِي في نزْعِ القَوْسِ فانقَطَع الوترُ [وصدم العوق] 5 فارتمَى السهمُ، وأصابَ الصيدَ فوجهان:
أحدهُما: يحلُّ نظراً إلى الرامي، وحصولُ الإصابة كما قصد.
الثَّانِي: لا؛ لأنَّ ما جرَى لم يكُنْ على وَفْقِ قَصْده، وقد يقتضي قياسُ ما سبَق ترجيحَ الأول.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ: قَصْدُ جِنْسِ الْحيَوَانِ) فَلَوْ رَمَى سَهْمَاً فِي خَلْوَةٍ وَهُوَ لاَ يَرْجُوْ صَيْدَاً فَاتَّفَقَ حُرِّمَ وَكَذَا لَوْ أَجَالَ سَيْفَهُ فَأصَابَ حَلْقَ شَاةٍ وَلاَ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الذَّبْحِ إِذْ لَوْ قَطَعَ مَا ظَنَّهُ ثَوْباً فَإذَا هُوَ حَلْقُ شَاةٍ حَلَّ وَلَوْ ظَنَّهُ حَلْقَ آدمِيِّ فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَلَوْ ظَنَّ حَلْقَ خَنْزِيرٍ فوَجهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالْحِلِّ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصلَ مَسْأَلتَّان:
اِحْدَاهُما: إذَا أرسَلَ سَهْماً في الهواءِ أو في فَضَاءٍ من الأَرض لاختبار قُوَّتِه أو رَمَى إلى هَدَف فاعترض صَيْداً؛ فأصابه، وقتله، وكان لا يرجُو صَيْداً، بَلْ لاَ، يخطر له الصيدُ ففي حِلِّه وَجْهانِ:
أَحَدهُمَا: وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ يحلُّ؛ لأنَّه وُجِدَ قصدُ الفعلِ والاعتبارُ بهِ لا بمورد الفعل وما يتعلق به من ظنٍّ، ولذلك لو قطَع ما ظنَّه ثَوْباً فإذا هو حَلْقُ شاةٍ -يحلُّ على ما سنذكره.
وأَصَحُّهما: وهو المذكورُ في الكتاب، والمنصوصُ: المنْعُ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ الصَّيْدَ لا مُعَيِناً ولا مُبْهماً وقد شبه ذلك بما إذا وقعَ في الشَّبَكة صَيْدٌ، وتعثَّر بحدِيدةٍ منها.
ويفرَّقُ بينُه وبين قَطْع ما ظَنَّه ثوباً بإن هناك قد قصد عيناً ويجري الخلافُ فيمَا إذَا كان يرمي ذلك الصيْدَ، لكَنَّهُ يرمي إلى هَدَفٍ أو ذِئْبٍ، ولا يقصد، فأَصابه، ولو كانَ يُجِيلُ سيْفَه فأصابَ عُنق شَاةٍ، وقطع الحُلْقُومَ والمرِّيء من غيرِ شُعورٍ بالحلِ، فالذي حكاهُ الإمامُ وغيرُهُ: أنَّ الشَاة مَيْتَةٌ، وقد يَجيءُ فيه الخِلافُ المذكورُ في إرسالِ السَّهْمِ وإصابةِ الصَّيْدِ، والقولُ المنقولُ؛ فِيمَا إِذَا وقَعَ السكِّينُ مِنْ يده.
ولو أَرسَل كلباً حيثُ لا صَيْدَ أو اعترضَ صَيْداً فقَتَله -لم يحلَّ، وفي "الكَافِي" للرُّوَيانِي، وغَيْرِه: أنَّ فيه وَجْهاً آخرَ كما في السَّهْم، ويفرق بينهما بأنَّ الرَّمْي فعلُهُ المتولد من أقربُ إلى الانْتِساب إليه مما يفعلُه الكلْبُ؛ فإنه حيوانٌ ذو اخْتِيارٍ وسيعودُ هذا الفرقُ في صُورةٍ تأتي.
الثَّانِيَةُ: لو رَمَى إلى ما ظنَّهُ حَجَراً، أو جُرْثُومَةً، وكان صَيْداً فقتَله فهو حَلالٌ، وكذا لو ظنّه صَيْداً غَيْرَ مَأْكُولٍ فكانَ مَأْكُولاً؛ لأنَّه قصَدَ عينَهُ.
لكن ظَنَّهُ على خلافٌ ما هو عليه.
قِيسَ 1 ذلكَ بما إذا كانَت له شَاتَانِ فذبَح إِحْدَاهُمَا، وهو يظنُّها الأُخْرَى وفي "التهذيبِ" وغَيْرِهِ وَجْهٌ: أنَّه لا يحلُ؛ لأنَّه لم يقصَد الصيدَ وبه قال مَالِكٌ، ووجهُ المذهبِ الظاهِرُ بالخبرِ وهُوَ ما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلْ مَا رَدَّ عَلَيْكَ قَوْسُكَ" 2 وبعبارَتَيْنِ:
إحدَاهُمَا: أنَّه حصل رامياً إلى صيدٍ عن قَصْدٍ منهُ إِلَيْه، وإنَّما فقد علمه بحالِه.
والثَّانِيَةُ: قال أبو إسحاقَ: حصل قَتلُ الصيدِ بفعلهِ الذي قصدَه، وإنَّما فعلَ ما اعتَقَدهُ، وبُنِيَ على العبارتَيْن الخلافُ السابقُ فِيمَا إذا أرسَلَ سَهْماً في الهواءِ؛ فأصابَ صَيْداً فقتَلَه، فعلى العبارة الأُولَى: لاَ يَحِلَّ؛ لأنَّه [ليس قاصِداً إليه، وعلى عبارة أَبِي
إسحاق يَحِلُّ لأنه وجَد القصد إلى الفعل، وحصَل القتلُ] 1 بذلك الفِعْلِ، ولو قطَع ما ظَنَّهُ ثوباً ونحوَهُ بأنْ كانَ في ظُلْمَةٍ -فكانَ عُنْقَ شَاةٍ، وانقطَعَ الحُلْقومُ والمريءُ- حلَّتِ الشاةُ، نصَّ عليه الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- وعن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وجهٌ: أنَّهُ لا يَحِلُّ؛ قاله في "البَحْرِ".
ولو أَرسلَ كَلْباً إلى شَاخِصٍ ظنَّها حَجَراً فبان صَيْداً فوجْهَانِ:
أَصحُّهمَا: أنَّه يحِلُّ كمَا في رَمْيِ السَّهم.
الثَّانِي: المنْعُ؛ لأنَّ للكلْب اختياراً، ولو رمَى إلى شاخص ظنَّه آدَمِيّاً مَعْصُوماً فكانَ صيداً، وفرعنا على ظاهرِ المَذهبِ لو ظنه حَجَراً وهو أنَّه يحِلّ فوجهان:
أَصَحُّهُمَا: أنَّ الجوَابَ كذلك؛ لأنَّه قد قَصَدَ العَيْنَ وأَصَاب، وإنَّما الخطأُ في جِنْسِ المرمي إليه.
والثَّانِي: أنَّه لا يحِلُّ؛ لأنَّه لم يَقصد صيداً حَلاَلاً بل قصد فِعلاً مُحَرَّماً فلا تحصل 2 به الاستباحَةُ.
ولو ظنَ الشاخِصَ خِنْزِيراً، أو حيواناً آخرَ مُحَرَّماً [ففي وَجُهانِ مُرَتَّبَانِ، وأَوْلَى بالحِلِّ؛ لأن المحرَّمَ لحمُ الخِنْزير دُونَ قَتْلِه، وإهْلاَكِه.
ولو ذَبَحَ حَيَواناً في ظُلْمة فَظَنَّه خِنْزِيراً أو حيواناً آخر محرماً] 3 فتبيَّنَ أنَّهُ ذَبَحَ شَاةٌ؛ قال في"النِّهايةِ" الوجْهُ عندي: القطْعُ بحلِّها؛ لقُوَّةِ الفِعْل، وأنَّه في حُكْمِ التعاطِي والرمِي ولا يحكُم عليه بإصابَةٍ.
قال ولو رمَى إلى شَاخِصٍ، ولم يغلبْ على ظَنِّهِ شيءٌ منْ حالهِ واستوت عنده الجائِزات فتبين كونُه صَيْداً -فقد أشارَ شَيْخِي إلى وَجْهَيْنِ ورَتَّبَهُمَا على ما إِذَا ظنَّه خِنْزِيراً- والوجهُ القطعُ بالحلِّ كما لو حسِبَه حجراً.
وقولُه في الكتابِ الثانية: "قصَد جِنْسَ الحيوانِ" المقصُودُ من السِّيَاقِ المذكورِ تَرْتِيبُ مُتَعلّقاتِ القصْدِ، وبيانُ ما يُعتبر [مِنْهَا ومَا لاَ يُعْتَبَرُ عَلَى ما فِيها من الوِفَاقِ والخِلاَفِ لأنَّ جَمِيعَها مُعْتَبر] 4، وكيفَ وقد بينَ في الفَصْلِ أنَّ الظاهرَ فِيمَا إذَا رمَى إلى شَاخِصٍ ظنَّه حجراً فكانَ صَيْداً [يحلُّ أكْلهُ] 5، وأنَّه لو قَطعَ ما ظنَّهُ ثَوْباً فكانَ حلْقَ شاة يحلُّ، ولم يوجد قَصْدُ جِنْسِ الحيوانِ وفِيمَا إذا رَمَى سَهماً [حيث لا يرجُو الصيدَ، ليس إلا التحرِيمُ؛ لأنه لم يقصِدْ جِنْس الحَيوانِ، بل لأنه] 6 لم يقصدْ بفعلهِ مُعَيَّناً ولا مُبْهَمَاً.
قولُهُ: "ولو رمَى سَهْماً في خَلْوةٍ" ذِكْرُ الخلْوَةِ لا معنَى له في هذا الموضِع.
إلاَ أنْ يُرِيدَ في مَوضِعٍ خَالٍ عن الصَّيْدِ.
وقولُهُ: "ولو ظَنَّهُ حَلْقَ آدَمِيٍّ فوجْهَانِ، ولو ظنَّهُ حلقَ خِنْزِيرٍ" تَصْوِيرٌ فيما إذَا قَطَعَ ما ظنَّه حلْقَ آدمي أو 1 حَلْقَ خِنْزِير، فَبَانَ أنه حلْقُ شاةٍ.
والإمامُ صَوَّرَ الصُّورَتَيْنِ فيما إذا رمَى إلى شَاخِصٍ ظنَّه آدَمِيًّا أو خِنزِيرًا، فكانَ صيْدًا كما أَوْرَدْنَاه، وكانَ صاحبُ الكتابِ رآهما مُتَساوِيَيْن فلم يُبَالِ بتغيِيرِ التصوِيرِ، وقد يُظَنُّ فرقٌ بين المقدُورِ عليه وغَيْرِه، ويُسْتَشْهَدُ له بتردُّدٍ إمامِ الحرمَين 2 في فَرْعِ ذِكْرِهِ.
قَالَ: لَوْ رَمَى إلى شَاتِهِ الرَّبيطَةِ 3 -آلةً جارِحَةً- فأصابَت الحلقومَ والمريءَ وِفَاقاً وقطعهما -ففي حِلِّ الشاةِ مع القُدْرَةِ على إمرارِ السِّكِّينِ نَظَرٌ، ويجوزُ أنْ نُفرِّق بين أن يقصدَ المَذْبَحَ بما يَرْمِيهِ وبَيْنَ أنْ يَقصِدَ الشاةَ فيصيبُ المذبحَ والاحتمالُ متطرِّقٌ إلى جَمِيعِ ذلك.
هذا لفظُهُ.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ: قَصْدُ عَيْنِ الْحيَوَانِ) فَلَوْ رَمَى بِاللَّيْلَ إِلَى حَيْثُ لاَ يَرَاهُ وَلَكِنْ قَالَ: رُبَّمَا أُصِيبُ صَيْدًا فأصَابَ فَفِيْهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يِفَرَّقُ في الثَّالِث بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَظَنَّةِ التَّوَقُّعِ أَوْ لا يَكُونَ فَيُعَدَّ عَبَثًا وَلَوْ قَصَدَ سِرْبَاً مِنَ الظِّبَاءِ فأصَابَ وَاحِداً حَلَّ وَلَوْ قَصَدَ وَاحِداً مِنْهُ فَأصَابَ آخَرَ فَوَجْهَانِ فَإِنْ كَانَ المُصَابُ مِنْ غَيْرِ السِّرْبِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالْمنْعِ وَلَوْ قَصَدَ حَجَرًا فَأصَابَ ظَبيَةً فَوَجْهَانِ وَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَلَوْ قَصَدَ خِنْزِيراً فَمَالَ إِلَى ظَبْية فَأوْلَى بِالتَّحْرِيْمِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مَسأَلَتان:
إِحْدَاهُمَا: الصيدُ المصابُ إنْ كانَ يراه الرَّامِي، وقصدَه فذاك، وفي معناه ما إذَا كان يحس به في ظُلْمةٍ، أو من وَرَاءِ حِجَابٍ كما لو كانَ بين اشْجارٍ مُلْتفَّةٍ، وقصدهُ وإنْ لم يَعْلَمْ به فإنْ رمَى وهو لا يَرْجُو صَيْدًا 4 ولا يقصِدُه فأصابَ صَيْدًا ففيهِ الخلافُ المذكورُ في صدر 5 الفَصْلِ السابق، وإنْ كانَ يَتَوقَّعُ صَيْدًا وبنَى الأمرَ عليه كما إذَا رمى في ظُلْمَةِ الليلِ.
وقالَ: رُبَّما أصبتُ صَيْدًا فأصابه ففي حِلِّه ثلاثةُ أَوْجه حكاهَا الإِمامُ وصاحبُ الكتاب: أَوْفَقُها لظاهِرِ النص، ولما أَطلَقَه عامةُ الأصحاب: المنعُ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ قصداً صحيحًا وقد يعد مثلُه عبثًا وسفَهاً.
والثاني: يحل ويحكي عن أبي حنيفة لأنه قتل الصيد على توقع ونوى قصدٍ.
والثَّالِثُ: الفرقُ بَيْن أنْ يَتَوَقَّعَ الصيدَ هناك بظنٍّ غالبٍ وبين مُجَردِ التجوِيزِ.
الثالثة: لو رمَى إلى سِرْبٍ من الظِّباء أو أرسلَ كَلْبًا فأصابَ واحدَةً منها، فهي حَلالٌ وإن لمْ يقصِدْ غيرَ تلك الواحِدَةَ.
ولو قَصَد بالرَمي ظَبْيَةً منها فأصابَ غيرَهَا فوجْهَان:
أصحُّهمَا: وبه قال أَبُو حنيفةَ: أنَّها تَحِلُّ؛ لوجودِ قصْدِ الصيْدِ.
والثاني: المنعُ.
وبه قال مَالِكٌ؛ لأنَّهُ أصابَ غيرَ ما قصدَه.
وفيه وجهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّهُ إنْ كانَ يَرى الصيدَ الثاني حَالةَ الرَّمي -حَلَّ أكْلُ المصابِ، وإن كانَ لا يراه [حينئذ] 1 لم يحلّ؛ كما لو رَمَى سَهْمًا وهو لاَ يرى صَيْدًا، فأصابَ صيدًا، ومنهُم مَنْ قطَع بالحلِّ، ولم يُثبِتِ الخِلافَ، ولا فَرْقَ بين أن يعدلَ السهمُ عن الجهَةِ التي قَصَدَهَا إلى غيرِها؛ فيصيبَ وبين أَلاَّ يعدِلَ؛ لأنَّ السَّهْمَ لا اختيارَ لهُ وما حصَلَ فعلهُ.
ولو 2 كانت الظَّبْيَةُ التي أَصَابَهَا من غيرِ ذلك السِّرْبِ فوجهَانِ أَيْضاً.
وهذه الصورةُ أَوْلى بالتحرِيمِ بخروجِ تلك الظَبيةِ عن مُتَعلّق القصْدِ، ومع هذا التَّرْتِيبِ فالحلُّ هو الذي رجحوه 3، وقد يُجمع بين الصورتين ويُقالُ: في المسألةِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ.
ثالثها: الفرقُ بين أن يكونَ التي أصابَهَا من ذلك السرْبِ أو من غيرهِ.
ولو رمَى إلى شَاخِصٍ على اعتقادِ أنَّهُ حَجَرٌ وكان حَجَرًا فأصابَ السهمُ ظَبْيَةً، ففي الحِلِّ خلافٌ مُرَتبٌ على الخِلاَفِ فيما إِذَا قصَدَ ظَبْيَةً، وأصابَ غَيْرَهَا.
وهذه الصورةُ أَوْلَى بالتحرِيمِ؛ لأنَّه لم يُوجِّهْ قَصْدَهُ إلى صَيْدٍ.
وبالتحريم أجابَ الصَّيْدَلاَنِيُّ، وغيرُه، وهو المحْكِيُّ عن أَبِي حَنِيْفَةَ.
وإن كانَ الشَّاخِصُ صَيْدًا ومال السَّهْمُ عنه وأصابَ صَيْدًا آخَرَ -اطَّردَ الخِلافُ.
وهذه الصورةُ أَوْلَى بالحلِّ فيما إذا اعتقدَ حَجَرًا وكان حجرًا لأنَّه لمْ يقصِدِ الصيْدَ، ولا أصابَ غيرَ ما قصَدَهُ.
ولو رَمَى إلى شَاخِصٍ ظَنَّهُ خِنْزِيرًا، وكانَ خِنْزِيرًا فأصابَ السهمُ ظَبْيَةً -جرَى الخِلاَفُ، وهذه الصورةُ أَوْلَى بالتحريم مما إذَا اعتقَدَهُ حَجَرًا وكانَ حَجَرًا؛ لأنَّهُ رمَى إلى محَرَّمِ فلا يستفيد الحِلَّ.
وإن كانَ الشَّاخِصُ صَيْدًا فهو أَوْلَى بالحلِ مما إذَا كانَ خِنْزِيرًا كما إذا اعتَقده، ومع هذَا الترْتِيب فالأَظْهَرُ التحريمُ كما في مَسْأَلةِ الحَجر، [وعند أَبِي حَنيفةَ: حل الصيد في مسألة الخِنْزير] 1 ولو رَمَى إلى شاخصٍ ظنَهُ صَيْدًا فَبَانَ حَجَرًا أو خِنْزيرًا، فأصابَ السهمُ صَيْدًا.
قال "صاحبُ التَّهْذِيب": إنْ اعتبَرنَا الظَّنَّ فيما إذَا رمي [إلى ما] 2 يظنُّه حجراً وكان صيْدًا، فأصابَ السهْمُ صيدًا آخَرَ، وقُلْنَا: بالتحريمِ فهاهنا يحلُّ الصيدُ الذي أصَابَهُ، وإن اعتبرْنَا الحقِيقَةَ.
وقُلْنَا: بالحِلَّ -هناك- فلا يَحِلُّ هاهنا هذا في رَمْيِ السَّهْمِ.
أمَّا إذا أرسل الكَلْبَ إلى صَيْدٍ فأخذ صَيْدًا آخَرَ، نُظِرَ، إنْ عدلَ عن الجِهَةِ التي أَرْسَلَهُ فيهَا إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى ففي حِلِّ ما قتلَه وَجْهَانِ:
أَحَدُهما، وبهِ قال أَبُو إسْحَاقَ: لاَ يَحِلُّ؛ لأنَّهُ مَضَى في تِلْكَ الجِهَةِ باختِيارهِ، فهو كما لو [استرسل] 3 بنفْسِه.
وأظهرهُمَا: الحِلُّ؛ لأنَّهُ أَرْسلَه على الصيدِ، وأَخْذُ الصَّيْدِ وتكليِفُه ألاَّ يَعدِلَ مِن جِهَةٍ إلى جهةٍ بَعِيدٌ.. ولذلك لو عدَل الصيدُ من تلك الجهةِ إلى غَيْرِها فتبعهُ الكلبُ لم يَضُرَّ، وقد يُوجَّه الوجْهَان بمثل مَا وجه 4 الخلاف به فيما إِذَا رَمَى إلى صَيْدٍ -فأصابَ آخرَ فأثبتوا الوجْهَينِ هناك، ورتَّبُوا الخِلاَفَ على الخِلاَفِ، واختلفُوا في كَيْفِيَّةِ الترتيبِ.
فقال أكثرُهم: صورةُ الكَلْب أَوْلى بالتحريم، لأنَّهُ حيوانٌ مُخْتَارٌ فمخالفَتُه تشعر بأنَّه عدَلَ وقتلَ باختيارِه، وعكَس بعضُهُمْ وجعلَها أَوْلَى بالحلِّ؛ لأنَّ تَسْدِيدِ السهْم على ظَبْيةٍ من السِّرْبِ مُمْكنُ، وإغراءَ الكَلْبِ على ظَبْيةٍ منه غيرُ مُمْكِن، ولذلك لو انفلتَ السَّهْمُ، وقتلَ الطَّائِرُ بِعَرْضِهِ حُرِّمَ 5؛ لسُوءِ الرَّمْيِ، ولو قَتَلَ الكلبُ بالضغطة كانَ على قَوْلَيْنِ.
وقطَعَ الإمامُ بالتحرِيم إذا عدلَ إلى 6 جِهَةٍ أُخْرَى وظهر مِنْ عُدوله 7 واختيَارِه، بأنِ امتَدَّ في جِهَةِ الإرسالِ زمانًا ثم بانَ صيدٌ أخَرٌ فاستدْبَرَ الصَّيْدَ المرسَلَ إلَيْهِ وقَصدَ الآخرَ.
وقال "صَاحِبُ الحَاوِي": الصَّحِيحُ عندي أنْ يُقَالَ: إنْ خَرَجَ عادِلًا عن جِهَةِ إرسالِه حَرُمَ ما يقتُلُه، وإنْ خَرجَ إِلَيْها ففاته الصيدُ؛ فعدلَ إلى غيرِهَا واصْطَادَ حلَّ؛ لأنَّ ذلك يدلُّ على حِذُقِه حيثُ لم يرجِعْ خَائِبًا إلى صَاحِبه، فلا مُخالفة 8 فِيه، وإنْ لمْ يعدِلْ عَنْ جِهة الإرْسالِ وكان فِيهَا صيودٌ، فَاصْطادَ غيرَ ما أغرَاهُ عليه -حَلَّ؛ كما في السهمِ.
وفيه وجهٌ أَيْضًا حِوَالَةٌ 1 للمخالفةِ على اختيارِه، ويجوزُ أنْ يُعْلَمَ قَوْلُه في الكتاب: "فِيمَا إِذَا قَصَدَ واحداً من السِّرْبِ وأصابَ آخَرَ" بالوَاوِ؛ للطريقةِ القَاطِعةِ.
وكذَا قولُهُ: عَقِيبَهُ "فوجْهَانِ مُرَتَّبانِ".
وقَوْلُهُ: "ولو قَصَدَ حَجَرًا فأصَاب ظَبْيَةً" المرادُ منهُ ما إذَا ظنَّه حَجَرًا على ما بَيَّنَّاهُ.
وقولُهُ: " [فَأَوْلَى] 2 بالتحريم" في مسألةِ الخِنْزِيرِ يجوزُ أَنْ يُعْلَمَ بالحَاءِ؛ لأنَّ عنده يحلُّ إذَا رَمَى إلى ما يظنُّه خِنْزيرًا، ولا يحلُّ إِذَا رَمَى إلى ما يظنُّه حَجَرًا على ما سبَقَ فصورةُ الخِنْزِيرِ عنده أَوْلَى بالحلِّ واللهُ أعلمُ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا قَوْلُنَا: حَصَلَ الْمَوْتُ بِهِ أَرَدْنَا أنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِافْتِرَاسِ سَبُعٍ أَوْ صَدْمَةٍ لَمْ يَحِلَّ فَإنْ غَابَ عَنُهُ وَأَدْرَكَهُ مَيِّتًا وَعَلَيْهِ أَثَرٌ آخَرُ لَمْ يَحِلُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَثَرًا آخَرَ فَقَوْلاَنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القيْدُ الثالِثُ: حصولُ الموتِ بذلك الجرْح، فلو ماتَ بصدْمَةٍ، أوِ افْتراسِ سَبُعِ أو أعان ذلك الجرحُ غيرَه على ما بيَّنَّا في نظائِرِه -لَم يَحِلَّ.
ولو غابَ عنه الكلْبُ والصيدُ، ثم وجدَه مَيْتًا -لم يحلَّ أيضاً؛ لاِحْتِمالِ أنَّه ماتَ بسبَبٍ آخرَ، ولا أثَر لكونِ الصيدِ مُتَضمَّخًا بدمهِ، فَرُبَّما جرحَه الكلْبُ، وأصابَه جِرَاحَةٌ أُخْرَىَ.
وفي كتاب القَاضِي ابْنِ كجٍّ وجهٌ: أنَّه يَحِلُّ، وإن جرَحَهُ ثم غابَ ثم أَدْرَكهُ مَيِّتًا، فإن انتهَى بالجراحَةِ إلى حال حركةِ المذْبُوح -فهو حلالٌ، ولا أَثَرَ لغيبته، وإنْ لم يَنْتَهِ، فإن وُجِدَ في مَاءٍ، أو وُجِدَ عليه أَثَرُ صَدْمَةٍ، أو جِرَاحَةٍ أُخْرَى -لم يحلِّ، وإنْ لم يَكُنْ عليه أَثَرٌ آخَرُ، فظاهِرُ ما نَصَّ عليه فِي "المختَصَرِ" و"الأمِّ" أنَّهُ حَرَامٌ.
وقَالَ في موضعٍ آخرَ: لا يَحلُّ، إلاَّ أن يكونَ جاء عن النبِي -صلى الله عليه وسلم- شيءٌ فيه فإني أتوهَّمُه، فيسقطُ ما خالف أَمْرَهُ، وللأصحابِ ثلاثَةُ طرقٍ:
وأَشهرُهمَا: أن في حِلِّه قولَيْنِ.
وجهُ الحلّ ما رُوِيَ عن أبي ثَعْلَبةَ الخُشَنيّ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قَالَ: "إِذَا رميْتَ سَهْمَكَ، فغابَ عنك، فأدركته، فكُلْ ما لم يُنْتِن" 3.
وعن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: بمعناه، وقال: كُلْهُ إِلاَّ
أنْ تَجِدْهُ وقَعَ في ماءٍ 1.
وأيضاً فإنَّهُ لم يتحقق سببٌ سِوَى الجرح الَّذِي أصابَه، فالوجْهُ إِضافَةُ الموتِ إليه، ولذلك يوجبُ القِصَاصُ بجرْحٍ وُجِدَ، ودَامَ أثرُه إلى الموتِ، وإنْ احتملَ أنْ يكونَ الموتُ بسببٍ آخرَ، وَيحلُّ الجنِينُ بذبْح الأُمِّ حِوَالَةٍ لموته 2 علَى انْقِطاع الزوج عنه بِذَبْحِ الأُمِّ، وإن أَمْكَنَ أن يكونَ موتُهُ بسببٍ آخَر.
ووجْهُ التحرِيم مَا رُوِيَ عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ يا رسُولَ الله، إنَّا أَهْلُ صَيْدٍ، وإنَّ أَحدَنَا يرمي الصيْدَ فيغِيبُ اللَّيْلَتَيْنِ والثلاثَ فنجدهُ مَيِّتًا.
فقالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا وجدْتَ فيه أَثَرَ سَهْمِكَ، ولم يكُنْ فيه أَثَرُ سَبُعٍ، وعلمْتَ أن سَهْمَكَ قَتَلَهُ؛ فكُلْ" 3 فشرطُ العِلْم بأنَّ سَهْمَهُ قَتلَه.
وعن ابن عباس -رحمه الله- أنَّه قَالَ: كُلْ ما أَصْمَيْتَ ودَعْ ما أَنْمَيْتَ 4 وفَسَّرهُ الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- فقال: "ما أَصميتَ": أي قَتلَهُ سهمُكَ، أو كلبُكَ، وأنتَ ترَاهُ، "وما أَنميْتَ" ما غابَ عنكَ مقتلَهُ، ولأنَّه يحْتَمِلُ أن يكونَ الموتُ بسببٍ آخر، والتحرِيمُ ما يُحتاطُ له، وذكر "صاحبُ التهذيب" أنَّ أَصَحَّ القولَيْن الحلُّ، لكِنْ أصحَابُنَا العراقِيُّون وغيرُهم إلى تَرْجِيحِ التحريم أميلُ.
والثَّانِي: القطعُ بالحلِّ؛ لأنَّ الشافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: إِلاَّ أن يكونَ في الحل خبرٌ وقد ثبَت الخبرُ فيه.
والثالِثُ: القطْعُ بالتحرِيم، وحَمْل الخبَرِ على ما إذَا أَنْهَاهُ الجرحُ إلى حالةِ حَركةِ المذْبُوحِ.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: إنْ أتْبَعهُ عَقِيب الرمي فوجدَه مَيْتًا -حلَّ، وإنْ أَخَّر اتباعه لمْ يَحِلّ.
وعن مالكٍ: أنَّه إن وجدَه في يَوْمِه حلَّ، وإن وجدَه بعد ذَلك فلاَ يحلّ.
واعلمْ أنَّ مَسْأَلَةَ القولَيْنِ: تسمَّى مسألةَ الإِنْماء، ولم يذكُرْ هذه اللفظَةَ هاهنا وذكرَهَا من بعد.
قال الغَزَالِيُّ: وَالتَّسْمِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ وَعِنْدَ إرْسَالِ الْكَلْبِ وَالسَّهْمِ وَلاَ تَشْتَرِطُ وَهَلْ يَكْفِي للِاسْتِحْبَابْ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ عَضِّ الْكَلْبِ وَجْهَان.
قال الرَّافِعِيُّ: التسمِيَةُ عند الذَّبْح، وعند الرَّمْي إلى الصيدِ، وإرسالِ الكلْبِ مُسْتَحَبَّةٌ، فلو تركَهَا عامِدًا، أو ناسِيًا -لمَ تُحَرَّمُ الذَّبيحةُ، لكن تركُهَا عامِدًا مكروهٌ.
وفي "تعليق الشيخ أَبِي حَامِدٍ".
أنَّه يأثَمُ به وساعدنا مالكٌ على أَنَّ متروكَ التسميةِ حلالٌ.
وقال أبُو حنيفةَ: إنْ تركَهَا عَمْداً لم تحلَّ، وإن نَسِيَ حلّ.
وعن أَحْمَد روايتانِ في الصيدِ.
إحْدَاهُما: كمذهَبِنا، والأُخْرَى كمذهب أَبِي حَنِيفةَ.
والثالثُ: أنَّه لا يحلُّ سواء تركهَا عمْدًا أو سَهْوًا.
الرَّابِعَةُ: أنها لا تلزمُ في الرمْي، وتلزم في إرسالِ الجوارحِ وأمَّا في الذَّكاةِ فعنده إنْ تركَ ناسِيًا حلَّ، وإنْ كانَ عامدًا ففَيه رِوَايتَانِ.
لنا ما رُوِيَ عن عائِشَة -رضي الله عنه- وأنَّ قوماً قالوا: يا رسولَ الله، إنَّ هنا أقوامًا حديثُ عهد بالشركِ يأتونَنَا بِلُحْمَان لا ندرِي أيذكرُون اسمَ الله عليْهَا أم لاَ؟ فقالَ -صلى الله عليه وسلم- "اذكُرُوا اسْم اللهِ وَكُلُوا" 1 ولو كانَت التسميةُ شرطاً للحِلّ لما ثبت الحلُّ عند الشكِّ فيهَا.
وعن البَرَاءِ بْنِ عَازب -رضي الله عنه- أنَّ النَبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "المسلمُ يذبَحُ على
اسْمِ الله سَمَّى أو لمَ يُسَمِّ 2 ": وحُمِل لذلك قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] على ما ذُكِرَ عليه اسمُ غَيْرِ الله.
واعلم لما ذكره: قوله في الكتاب: "وَلاَ يُشْتَرَطُ" بالحَاءِ والأَلِفِ، وهل يتأدى للاستحباب التسمِيةُ عند عضِّ الكلْبِ، وإصَابةِ السَّهْمِ؟ فيه وَجْهَانِ نُسِبَا إلى الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ.
أَحدُهمَا: لاَ؛ لأنَّها لم تَتَّصِلْ بابتداءِ الاسْتعمالِ.
وأَشْبهُهُمَا: نَعَمْ.
لاِتِّصالِهَا بالحالةِ التي نالت الآلةُ الصيدَ كَالاتِّصالِ بحالةِ إِمْرارِ السكينِ على الحلْقِ، وهذا في تأدي الاستحباب بِكَماله، فأمَّا أصلُ الاستحبابِ عند الإِصَابةِ.
إذا تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ عند الإرسالِ فما ينبغي أن يكونَ فيه خِلافٌ، كما أَن مَنْ تركَ التسمِيَة في ابتداءِ الوُضوءِ والأكْلِ، يُسْتَحَبُّ أن يُسمّى في أثنائِهَا (1). قال الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانيِ) فِي أَسْبَابِ المِلْكِ وَهُوَ فَصْلاَنِ: (الأَوَّلُ فِي الانْفِرَادِ) وَإِنَّمَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِإبْطَالِ مَنَعَتِهِ أَوْ بِإثْبَاتِ الْيَدِ أَوِ الإثْخَانِ أَوِ الْوُقُوعِ فِيمَا نُصِبَ لِلصَّيْدِ.
القول في بيان ما يُمْلَكُ به الصيدُ
قال الرَّافِعِيُّ: مقصودُ النظرِ على ما تبين من قبل بيان ما يملك 2 به الصيدُ، والاِصْطِيادُ إمَّا أَنْ يُؤْخَذَ من واحدٍ أو منِ اثْنَينِ فصاعِدًا وفيه فصْلاَن.
أحدُهما: في حالةِ الانْفِرادِ، ويُمْلكُ الصَّيْدُ بِطُرقٍ.
مِنْهَا: أنْ يضْبطهُ الصائِدُ بيده، ولا يُعْتبر قصْدُ التملكِ في أَخذهِ باليدِ حتَّى لو أَخَذَ صَيْدًا لِينظُرَ إليه يملكَه، ولو سَعَى خلفَ صيدٍ فوقَفَ لِلإعْيَاءِ -لَمْ يَمْلِكُهُ حتَّى يأخذَه بيده.
ومنها: إذَا جرحَهُ جراحةً مذففة، أو رمى إليه فَأَثْخنَه وأَزْمنه -ملكه، وكذا إنْ كان طائِرًا فكَسَرَ جَنَاحَهُ حتَّى عَجَزَ عنِ الطَّيَرانِ والعَدْوِ جَمِيعًا، ويكفي للتملُّكِ إِبْطَالُ شدَّةِ العَدْوِ، وصيرورتهِ بحيثُ يحصل اللحوقُ به، ولو جَرَحهُ فعطش [بعد الجراحَةِ] 3 وثبَتَ لمْ يملِكهُ، وإنْ كانَ العطشُ لعدمِ المَاء وإنْ كان لعجْزُه عن الوصُولِ إلى الماء يملِكُه؛ لأنَّ سَبَب العجز الجراحةُ.
ومنها وقوعُه في الشبكة [المَنْصُوبَةِ لَهُ، ولو طَرَدَهُ طَارِدٌ حَتَّى وقع في الشبكَةِ] 4 فَهُوَ لصاحب الشَّبَكَةِ لا للطَّارِدِ، وعن "الحَاوي" أنه لو وقع الصيدُ في الشبكةِ ثم تقطَعت الشبكةُ وأفلَت الصيدُ، فإن كان ذلكَ يقطع الصيدَ الذي وقعَ فيه -عادَ إلى الإباحةِ حتى يملكه مَنْ يَصِيدُه، وإلاَّ فهو بَاقٍ على مِلْكِ صاحبِ الشبكةِ، ولا يملكهُ غيرهُ، وذكر في "الوَسِيطِ" في "باب النثر" أنه لو وقعَ في الشبكةِ ثم أفلتَ، فالظاهِرُ أنَّ مِلْكَه لا يزُول.
وفيه وجْهٌ: أنَّهُ لا يعد مستقرًا في العُرْف.
ومنها إذا أَرْسلَ كلبًا فأثبتَ الصيدَ -مَلَكهُ، ولو أرسلَ سَبُعًا أخرَ، فعقرَهُ وأثبته، قال في "الحَاوِي": إنْ كانَ له يَدٌ على السَّبُع -فيملِكُه كما لَو أرسلَ كلبَه، وإلاَّ فَلاَ، ولو أَرْسَل الصيْدَ بعدما أخَذَهُ الكلْبُ ففي "البحْرِ" أن بَعْضَ الأَصْحابِ قال: إنْ كانَ ذلك قبل ما أَدْرَكَه صاحبُهُ لم يَمْلِكْهُ وإنْ كانَ بعده -فوجهان؛ لأنَّهُ لم يقبِضهُ ولا زال به امتناع 5.1
ومنها: إذا أَلْجَأهُ إلى مَضِيقٍ لا يقدِرُ على الإِفْلاتِ منه -ملكه، وذلكَ بأنْ يدخلَهُ في بيت ونحوه، وقد يردُّ جميعَ ذلك إلى شيءٍ واحدٍ، ويجعلُ سببَ مِلْكِ الصيْدِ هو إبطالُ امتنَاعِهِ، وحصولُ الاستيِلاءِ عليه، وذلك يحصلُ بالطرِيقِ المذكُورِ، ثم في الفَصْلِ صورٌ.
إِحْدَاهَا: لو توحَّلَ الصيْدُ بمزرعتِه، وصارَ مقدورًا عليه -ففيهِ وجهَان:
أحَدَهُمَا: أنَّهُ يملِكُه كما لو وقعَ في الشَّبَكَةِ، وأظهرهُما المنعُ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ بسقي الأَرْضِ الاصْطِيادَ، والقصد مرعي في التملك 1 قال الإمامُ: وهذا الخِلاَفُ فيمَا إذا لم يكنْ سَقْيُ الأَرْضِ مما يُقْصدُ به توحُّلُ الصيدِ وتعلقها، وإن كان يَقْصدُ فهو كنصبِ الشَّبكَةِ ولم يتعرّضِ الرُّويانِيُّ لمزرعَةِ الشخْصِ.
قال الغَزَالِيُّ: أمَّا لَوْ تَوَحَّلَ بِمَزْرَعَتِهِ أَوْ وَقَعَ فِي دَارِهِ أوْ عَشَّشَ الطَّائِرُ فِي دَارِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى الأَظْهَرِ لَكِنْ هُوَ أَوْلى مِنْ غَيْرِهِ كَالمُتَحَجِّرِ فَإِنْ أَخَذَ غَيْرُهُ مِنْ مِلْكِهِ فَهوَ كَمَنْ أَحْيَا مَا تَحَجَّرهُ غَيْرُهُ وَإِنْ قَصَدَ مِنْ بِنَاءِ الدَّارِ تَعْشِيشَ الطَّائِرِ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لاَ يَعْتَادُ وَلَوْ وَقَعَتْ مِنْهُ الشَّبَكَةُ فَتَعَقَّلَ بِهَا الصَّيْدُ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ وَإِنَّمَا الملْكُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ القَصْدِ وَالْعَادةِ وَلَوِ اضطرَّهُ إِلَى مَضِيقٍ لاَ مُخَلِّصَ لَهُ عَنْهُ مَلَكَهُ وَإِن اضْطَرَّ السَّمَكَةَ إلى بِرْكةٍ وَاسِعَةٍ فَهُوَ كَالمَتْجَرِ وإنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً ملَكَ.
قال الرَّافِعِيُّ: ولو توحَّلَ الصيدُ عند طلبهِ في طِين لم يملِكْهُ؛ لأنَّ حُصُولَ الطين ليس مِنْ فِعْلِه، ولو كانَ هو الذي أَرْسَل الماءَ في الأرْضِ -ملكه؛ لأنَّ الوحَلَ حصلَ بفعْلِه فهو كنصْبِ الشبكةِ ويشبُه أن يرجعَ هذا إلى ما ذكرَهُ الإمامُ مِنْ قَصْدِ الاصطيادِ بالسَّقْيِ.
الثانيةُ: لو وقَعَ الصَّيْدُ في مِلْكِه وصارَ مَقدُورًا عليه أو عَشَّشَ الطائِرُ في دارهِ 2 وباضَ وفرخَ وحصلتْ القُدْرَة على البيْضِ والفَرْخِ: فهل يملكها صاحبُ الدَّارِ؟ فيه وجهان: حالهُما ما ذكَرْنَا في الصورةِ الأُولَى، والخِلافُ راجعٌ إلى أنَّه هل يُعْتبر القصْدُ؟ والظاهِرُ: اعتبارُهُ، وبه أجابَ في "التَّهْذِيب" وقال: لو حَفَرَ حُفْرةً لا للصيدِ، فوقعَ فيها صَيْدٌ لَمْ يملِكَهُ، وإنْ حَفَر للصيدِ مَلَكَ ما وقعَ فيه، ولو أَغْلَقَ بابَ الدَّارِ لِئَلاَّ يخرجَ مَلَكَهُ.
وحكَى الإمامُ عن الأَصْحَاب: أنَّا إذَا قُلْنَا: إِنَّ صاحبَ الدار لا يملِكُه، فهو أَوْلَى بتملُّكِهِ وليسَ لغيرهِ أنْ يَتَخطَّى ملكَه ويأخذه، وإن فعل، فهل يملِكُه؟ فيه وَجْهَان مُرَتَّبَانِ على الوجْهَيْنِ فيما إذا حَجز مَوَاتًا وأحياه غيرُه، هل يملِكُه؟ وهذه الصورةُ أَوْلى بثبوت
المِلْكِ؛ لأن التحجرِ للأحْياءِ، والتملك وبناء الدار 1 لاَ يُقْصَدُ به تملك الصيد 2 الوَاقِع فيها ولو قصدَ ببناءِ الدَّارِ تَعْشِيشَ الطائِرِ فعشَّشَ فيها طائِرٌ -ففي مِلْكِ البيضِ والفرْخِ وجهانِ: في وجْهٍ: يملِكُ؛ لوجودِ القَصْدِ.
والثَّانِي: لاَ لضعف القصْدِ فإنه خِلافُ العادَةِ الغاليةِ، ولو قَعَت الشبكةُ من يَده من غَيْرِ قَصْدٍ تَعَقَّلَ بها صَيْدٌ فوجهان أيضاً:
نَنْظُرُ في أَحدِهِمَا: إلى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ، وفي الثاني: [إلى أنه يعقِّلُ] 3 تَملّكُهُ وحصلَ الاستيلاءُ عليه، والأَوْفَقُ لما أَطْلقُوه اعتبارُ القصدِ حتى لا يملِكَ في وقُوعِ الشبكةِ مِنْ يدهِ، ويملِكُ في بِنَاءِ الدارِ على قَصْدِ التَّعْشِيشِ.
الثَّالِثَةُ: ذكر أَنَّهُ لو أَلْجأَ الصيْدَ إلى مَضِيقٍ لا مخلصَ لهُ منه -ملكه، وكذَا لو اضْطَرَّ السمكةَ إلى بِرْكَةٍ صغيرةٍ [أو حوض صغير] 4 على شَطِّ النهْرِ والصغير هو الذي يسهل أخذُها منه، ولو دخلَت بنفسِها -عاد الخلاف المذكورُ فيمَا إذَا دخل الصَّيْدُ في مِلْكِه.
فإنْ قُلْنَا: لا يملِكُه بالدخُولِ وهو الأَصَحُّ، فلو سَدَّ منافِذَ البِرْكَةِ فقد تسبَّبَ إلى ضَبْطِ السَّمَكَةِ فيملِكها ولو اضْطَرَّهَا إلى بِرْكة وَاسِعَةٍ يَعْسُرُ أخذُ السَّمَكةِ مِنْهَا، أو دخلَتها السمكةُ فسدَّ مَنَافِذَهَا -فلا يُحْكَمُ له بالملكِ لكنَّه حصلَ نوعُ انحصارٍ بفعْلِهِ فَيُثْبَتُ له اختصَاصٌ كاختصاصِ المتحجر.
ولو دخَلَ رجلٌ بُسْتَان غيرِه، واصْطَاد منه طائِرًا -ملكه بلا خِلاَفٍ، ولا يثبت لصاحبِ البُسْتانِ حُكْمُ المتحجرِ؛ لأنَّ البُسْتَانَ لا يتضمَّنُ ضبطَ الطائِر.
وأَمَّا لفْظُ الكِتَابِ، فَاعْلَمْ أنَّ أَسْبابَ المِلْكِ لا تختلفُ بحالةِ الاجتماعِ والانفرادِ بل تشتركُ فِيهَا الحالتَانِ، والتفاوُتُ يرجِعُ إلى المالكِ وقد تَكَلَّمِ صاحبُ الكتابِ في أَسْبابِ الملك في الفَصْل المُتَرْجَم بحالةِ الانْفِرَادِ، وكانَ الأَحْسَنُ أَنْ يُبَيِّنَ [أسبابَ] 5 المِلْكِ، ثم يتكلَّمُ فيما يتعلَّق بالانفِراد والاشتراكِ.
وقَوْلُهُ: "بإبطال مِنْعَتِه" المنعةُ هو القُوَّةُ المانِعَةُ، يُقالُ: هم في عِزٍّ ومِنْعة.
وقولُهُ: "لأنه لم يقصِدْهُ"، وإنَّمَا المِلْكَ 6 عند اجتماع القَصْدِ والعادَةِ" يَعْنِي أَنَّ المِلْكَ إِنَّما يحصلُ بلا خلافٍ، إذَا قصد الصَيدَ وسلكَ طرِيقًا يُعْتاد 7 تحصيلُه.
فأمَّا إذَا
قصدَه بريقٍ لا يُعْتَادُ كبناءِ الدَّارِ للتَّعْشِيش، أو لمْ يقصِدْهُ وحصل بطريقٍ مَعْهُودٍ، فهُو موضِعُ الخلافِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِذَا مَلَكَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ بالإِفْلاتِ وَهَلْ يَخْرُجُ بِالتَّحْرِيرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ فَهَلْ يَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ؟ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأنْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ غَيْرُهُ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: لما تَكلَّمَ فيما يثبتُ به المِلْكُ في الصيْدِ، أرادَ أنْ يتكلَّمَ فيما يزولُ به المِلْكُ عنه، أمَّا مَا يشمل الصيْدَ وغيرَه كالبَيْعِ، والهِبَةِ، فلا يخْفَى.
وأَمَّا ما يَخْتَصُّ بالصيدِ فلو أنَّه أَفْلَتَ مِنْ يَدِهِ، لم يزل مِلْكهُ عنه ولوَ أَخَذَهُ آخِذٌ فَعَلَيْهِ ردُّهُ إلى الأَوَّلِ، ولا فَرْقَ بين أن يلتحق بالوحُوشِ في الصَّحْرَاءِ أَوْ يبعد عن البُنْيَانِ، وبينَ أن يدور في البلدِ وحولِهِ.
قال مَالِكٌ: ما دامَ في البلدِ وحوله، يبقى مِلْكُ الصائِدِ فيه، فإذا بَعُدَ والتحقَ بالوحُوشِ زال مِلْكُه، ومَنْ أَخذه مَلَكَهُ.
ويُرْوَى عَنْهُ: إنْ تباعَدَ العهدُ بهِ -زَالَ مِلْكُه عنه، وإن قَرُبَ الوقْتُ- لم يزلْ.
ويُرْوَى عنه زوالُ المِلْكِ بِالإِفْلاتِ مُطْلقًا.
لنا القياسُ على ما سلمه، وعلى إباقِ العَبْدِ، وشِرَاء البهِيمةِ، ولو أنه أرْسَلَ الصيْدَ وخلاّه بنفسِهِ: فهل يزولُ مِلْكُهُ عنه؟ فيه وَجْهَانِ:
أَحدُهُما: ويُحْكَى عن ابنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَعَمْ؛ لأنَّه أزال مَلكه عنه باختيارهِ عن حَيَوانٍ [الأصل] 1 فيه الانفكاكُ عن المِلْكِ كما لَو أَعْتَقَ عَبْدَهُ.
وأظهرهُمَا: وبه قال أَبو إسحاقَ واختارَه القاضي أَبُو الطَّيِّب، والقَفَّالُ: لاَ، كما لو سَبَّبَ دابَّته، ولا يجوزُ أنْ يفعل ذلكَ؛ لأنه يشبه ما كان يَفعلُه أَهلُ الجاهلِيَّة من تسييب السَّوائِب، وعن القفَّالِ: أنَّ العوَامَّ قد يحتسبون به ويُسَمُّونه إعتاقًا ومِنْ حقّهِ أنْ يتحرز عنه؛ لأَنَّ الطائِرَ المُخَلَّى يختلِطَ بالطيورِ المُبَاحَةِ؛ فيأخذه الآخذُ ويظنُّ أنَّهُ قد مَلَكَه، وهو لا يملِكُه.
وعن "صَاحِبِ الإِفْصَاحِ" وجهٌ ثالثٌ: وهو أنَّه إن قَصَدَ بتخلِيَتهِ التقرُّبِ إلى الله تعالَى -زالَ المِلْكُ عنه، وإلاَ فَلاَ، وإنْ قُلْنَا يزولُ مِلْكُهُ فيعودُ إلى ما كانَ من الإباحةِ، ولمن أرادَ أن يَصِيدَهُ أنْ 2 يَصِيدَه.
وذكرَ الرُّويَانِيُّ في "التجربة" أنَّ الشافِعِيَّ -رضي الله عنه- نَصَّ في المبسُوطِ على زَوَالِ المِلْكِ، وغلّطَ مَنْ قَالَ غيرَهُ إلاَّ أنَّه شرط في التصوِيرِ أن يخليه على قَصْدِ إخراجِهِ من مِلْكِهِ وإلحاقِهِ بالوحْشِيّ، وإنْ قُلْنَا بالوجْهِ الثَّانِي، فلا يجوزُ لغيرِه أنْ يَصِيده إذا عرفه، فإنْ قال عند الإرسالِ أبحتُه لمن يأخذُه -حصلتَ الإِبَاحةُ، ولا ضمانَ على مَنْ أكلَهُ لكنَّه لا ينفذ تصرفه فيه.
وإن قُلْنَا بالوجهِ الثالثِ المفصَّلِ: أَرْسَلَهُ تقرُّبًا إلى الله تعَالى: فهل يَحِلُّ له اصْطِيادُه؟ فيه وَجْهَانِ:
أَحدُهُما: ويُحْكَى عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ -نَعَمْ؛ لأنَّه لا يعُود إذا زالَ المِلْكُ عنه إلى حُكْمِ الإباحةِ.
= الثانية: إذا كان للطائر فرخ يموت بحبسه فينبغي وجوب الإرسال صيانة أو وجه ويشهد له حديث الغزالة التي أطلقها النبي -صلى الله عليه وسلم- من أجل أولادها لما استجارت به -صلى الله عليه وسلم- وهو حديث حسن وقد صرح الأصحاب بأنه يجب إنظار الحامل الواجب عليها القصاص أو الرجم حتى تضع.
وقال الشيخ أبو محمد: يحرم ذبح الحيوان المأكول إذا كان حاملاً بغير مأكول وعلله بأن في ذبحه قبل ما لا يحل ذبحه وهو الحمل.
الثالثة: إذا كان معه طائر أو حيوان لم يجد ما يذبحه به ولا يطعمه فإرساله واجب لأنه يسعى في طلب رزقه ويدل عليه حديث المرأة التي حبست الهرة فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
الرابعة: إذا أراد الإحرام فإنه يجب عليه الإرسال ثم قال ولا يخفى أن صورة الإرسال فيما إذا كان المالك مطلق التصرف، فأما الصبي ونحوه أو المحجور عليه بسفه أو فلس أو مكاتب لم يأذن سيده لم يزل ملكه قطعاً.
قال: هذا حكمه في المأكول.
أما غير المأكول فأنواع:
أحدها: ما نهى عن قتله كالهدهد والخطاف وهذا النوع يحتمل أن يقال بوجوب إرساله على من أمسكه لأنه طائر يحرم التعرض له بالاصطياد فيحرم حبسه كصيد الحرم والإحرام، وقد عمت البلوى من العوام بصيد الهدهد والخطاف وبيعها وهو حرام من ثلاثة أوجه إلى آخر ما ذكره في هذا الاعتراض نظر لاختلاف العلماء في الإباحة وسيأتي في باب الأطعمة أن الأرجح التحريم في الهدهد.
وقال في الخادم: في هذا الترجيح نظر وقد سبق عن الخطابي أن النهي عنه تكريم لا لأنه حرام وقد صرح بأكله الروياني في البحر به ونقله عن النص ثم قال: وأشار في شرح المهذب إلى ترجيحه وإذا كان الأمر كذلك فكيف ينكر اصطياده واختلف أيضاً في إباحة الخطاف والإذكار إنما يكون في المتفق على المنع فيه.
فليتأمل والله أعلم.
قال: ومنها نوع يستحب قتله كالغراب الأبقع والحدأة فهذا يستحب قتله ويكره إرساله.
وأما حبسه على وجه الاقتناء فحرام كالكلب العقور وقد صرح الأصحاب بمنع اقتناء الفواسق الخمس.
ومنها: نوع ينتفع بصورته ولونه كالطاووس والببغاء فهذا النوع يجوز حبسه للانتفاع به وقد صرح الرافعي بجواز بيعه لهذا الغرض وأما الطير المأكول فيجوز حبسه مطلقاً.
والثَّانِي: لاَ؛ كما أَنَّ العَبْدَ إِذَا أُعْتِقَ لا يعودُ المِلْكُ فيه 1.
ولو ألقَى كِسْرَة خُبْزٍ مُعرِضًا عنها: فهل يملِكُهَا مَنْ أَخَذَها؟ فيه وجْهَان ذُكِرَ بالترتِيب على الخلافِ في إِرْسَالِ الصَّيْدِ، وهذه الصورةُ أَوْلى ألاَّ يملِكَها الآخِذُ وتبقَى على مِلْكِ المَالِكِ؛ لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ في الصيد اليدُ وقد أزالَها قَصْدًا.
قال الإمامُ: وهذا الخِلاَفُ في زَوَالِ المِلْكِ وما فعلَه إباحةً للطاعِم 2 في ظاهِرِ المذْهَب؛ لأنَّ القرائِنَ الظاهِرَة كافيةٌ في الإباحةِ هذا لفظه ويوضحُه ما يُؤْثَرُ عن الصالِحينَ من التقاطِ السَّنَابِلِ 3.
ولو أَعْرض عن جِلْدِ مَيْتَةٍ فأخذه غيرُه ودَبَغَهُ، ففي حُصُولِ الملْكِ له وجهان: بالترتيبِ، وهذه أَوْلى بثبُوتِ الملْكِ للآخِذِ إنْ لمْ يكن مملوكاً للأوَّلِ، وإنَّما كانَ له نوعُ اختصاصٍ، والاختصَاصُ المجرّدُ يضعُفُ بالإعْراضِ، ولكَ أنْ تَزِيدَ فتقولَ: إن قُلْنَا إنَّ مَنْ غصب جِلْدَ مَيْتَةٍ ودبَغَه، يكونُ الجلْدُ للمغصُوبِ منْهُ فيجِيءُ هاهُنا هذا الخِلاَفُ، أمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يكونُ للغاصب [فيكون هاهنا] 4 للآخذِ بلا خِلاَفٍ.
قولُهُ في الكتابِ: "فهل يخرجُ بالتَحرِيرِ" كأنَّه أشارَ بهذِه اللَّفْظَةِ إلى ما ذُكِر في "الوَسِيطِ" أنَّه لا يخرجُ عَنْ مِلْكِه بإفلاتِه والخِلاَفُ فِيما إذا قصَدَ التحرِيرَ ويقرب منه ما ذَكرَه الإمَامُ: أنَّه لَوْ حَرَّرَهُ 5 وحَاوَلَ به رفْعَ اختصَاصِه وردَّه إلى ما كانَ عليه من الإِباحَةِ ففيه الخِلاَفُ.
وقولُه: في مَسْأَلةِ الجِلْدِ "وأولى بأَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ" الوجهُ حملُ المِلْكِ -هناهُنا- على الاِخْتِصاصِ الذي كان في الجِلْدِ ولو قَال وأَوْلَى بأنْ يَصِيرَ مِلْكُهُ كان أَوْلى.
[فرعٌ]: مَنِ اصْطَادَ صَيْدًا عليه أثرٌ ملك بأن كَانَ مَوْسُومًا أو مقرَّطًا، أو مخضُوبًا، أو مَقْصُوصَ الجناح لمْ يملكُهُ؛ لأنَّ هذه آثارٌ تدل 6 على أنَّه كان مَمْلُوكًا، ورُبَّما أَفْلَتَ، ولا يُنْظَرُ إلى احْتِماَلِ أنَّه اصطادَه محرمٌ وفعلَ به ذلك ثم أرسلَه، فإنه تَقْرِيرٌ بَعِيدٌ.
ولو اصْطادَ سمكةً في بَطْنِها دُرَّةٌ مَثْقُوبَةٌ، فكذلكَ، ويكونُ المأْخُوذُ -والصورةُ هذِهِ- لُقَطَةً، وإن كانت غيرَ مَثْقُوبةٍ فهي له مع السَّمَكَةِ، ولو اشترَى سمكةً -فوجد في بَطْنِهَا
دُرَّةً غيرَ مثْقُوبَةٍ فهي لِلْمُشْترِي، وإنْ كانَت مَثْقُوبةً فهي للبائِع إنِ ادَّعاهَا- هكذَا أطلقَه في "التَّهذِيب".
ويُشْبِهُ أن يِقَالَ إنَّ الدُّرَّةَ تكون لمن اصْطَادَ السمَكَةَ، كما أنَّ الكَنْزَ الذي يُوجَدُ في الأَرْضِ يكونُ لمُحْيِي الأَرْضِ 1 واللهُ أَعلمُ.
قال الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ): إِذَا اخْتَلَطَ حَمَامُ بُرْجٍ بِحِمَامِ بُرْجٍ آخَرَ وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ ثَالِثٍ وَإِنْ بَاعَ مِنْ صَاحِبِهِ جَازَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِلحَاجَةِ وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى بَيْعِ الجَمِيعِ مِنْ ثَالِثٍ وَعَلِمَا مِقْدَارَ قِيمَةِ المِلْكَيْنِ أَوْ تَقَارَّا عَلَى تَقْدِير حَتَّى يُمْكِنَ التَّوْزِيعُ جَازَ وَإلاَّ لَمْ يَجُزْ وَإِنِ اخْتَلَطَ حَمَامُ مَمْلُوكٍ بِحمَامِ بَلْدَةٍ لاَ يَحْرُمُ الصَّيْدُ إِذَا كَانَ المَمْلُوكُ مَحْصُورًا فَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ كَحَمَامِ بَلْدَةٍ أُخْرَى فَوَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذَا تحوَّلَ بعضُ الحمَامِ منْ بُرْجِ إنْسَانٍ إلى بُرْجِ أخرَ، فإن كان المُتَحوَّلُ مِلْكًا للأوَّلِ -لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ووجِبَ على الثاني رَدُّهُ.
ولو حصل بَيْضٌ أو فَرْخٌ -فهو تبع للأُنْثَى دُونَ الذَكر، فيكون لمالِكِ الأُنْثَى.
وإذا ادَّعَى إنسانٌ تحوَّل الحمام من بُرْجِهِ إلى بُرْجِ غَيْرِهِ لم يُصَدَّقْ إلاَّ ببيّنةٍ، والورَعُ أن نُصدِّقَه إلاَّ أَن نَعْلَم كذِبَه.
وإن كان المُتحوَّلُ مُبَاحًا -دخلَ البرجَ الأَوَّلَ فعلى الخِلاَفِ السابق فيما إذَا دخلَ الصَّيْدُ مِلْكَ الثَّانِي، فإن قُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ، وهو الظاهِرُ فللثَّانِي أَنْ يتملّكَهُ.
ومَنْ دَخَلَ بُرْجَهُ حمامٌ وشَكَّ في أنَّ الداخِلَ من المباحاتُ أو هو مِلْكُ الغَيرِ -فهُوَ أَوْلَى بهِ، ولهُ أنْ يَتَنَاوَلَه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّهُ من المُبَاحَاتِ، وإن تحقَّقَ أنَّهُ اخْتَلَطَ بمِلْكه ملكُ الغَيْرِ وعَسُرَ التميِيزُ ففي "التَّهْذِيب": أنَّهُ إذَا اختلطت حمامَةُ واحدة بحماماته فله أنْ يَأْكُلَ بالاجتهادِ وَاحِدَةً وَاحِدةً حتى يُبْقى واحدةً؛ كمَا لو اختلَطتْ ثَمَرةُ الغيرِ بثمرِهِ، والَّذِي حكاه الرُّوَيانِيُّ أنَّه ليسَ له أنْ يَأْكُلَ واحدةً منها حتى يُصالِحَ ذلك الغَير، أو يُقَاسِمه؛ ولهذا قَالَ بعضُ مَشايِخِنَا: ينبغي للمُتَّقِي أن يتَجنَّبَ طيرَ البرج وبناءها 2 ونقل الإمامُ وغيرُهُ أنَّه ليس لواحد منهما التصرف في شَيْءٍ منها بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ من ثَالِثٍ؛ لأنَّه لا يتحقَّقُ المِلْكُ ولو باعَ أو وَهَبَ أحَدُهمَا من الآخَر -ففيهِ وَجْهَانِ:
وجهُ الصحةِ؛ وهو أقربُ للحاجةِ الداعيةِ إليه، وقد ترتفعُ التعبدات بالضرورات والحاجَاتِ، ولذلك صَحَّحْنَا القراضَ والجُعَالةَ على ما فِيهِمَا من الجَهَالة.
وأَنَّهما لو باعَا الحمامَ المُخْتَلِطةَ ولا يدري واحدٌ منهُمَا عين مالِه، فإنْ كانَتِ الأَعْدَادُ مَعْلُومةً كمائتينْ ومائة والقِيمُ مُتَساوية، ووزعنا الثَّمَنَ عَلَى [أَعْدَادِهَا صحَّ بإطباق الأئمة] 1 وإنْ كانَا يجهلانِ الأَعْدادَ لم يصحَّ البيعُ؛ لأنَّه لا يعرِفُ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا ما يستحِقُّه من الثَّمَنِ، والطَّرِيقُ أنْ يَقول كُلُّ واحدٍ منهُما: بعْتُكَ الحمامَ الذي في هذا البُرجِ بكذا، فيكونُ الثمنُ مَعْلُومًا، ويحتمل الجهلُ في المَبِيع للضَّرُورةِ، وفي "الوَسِيط" أنَّهِما لو تصالحا على شَيْءٍ صَحَّ البيعُ، وَاحْتُمِلَ الجهلُ بقدر المبيعُ ويقرب من هذا ما أطلقَ من مقاسمتِهما.
وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّرُورَةَ قد تدعُو إلى المُسَامَحةِ في بَعْضِ الشُّرُوطِ المُعْتبرة في العُقُودِ؛ ألا تَرَى أنَّ الكَافِرَ إِذَا أَسْلمَ على أكْثر من أربع نِسْوة وماتَ قبل الاختيار 2 يَصِحُّ اصطلاحهن على القِسْمَةِ إمَّا بصفةِ التَّسَاوِي أو التَّفَاوُتِ مع الجَهْلِ بالاستحقاقِ فيجوزُ أنْ تصحَّ القسمةُ هاهُنا -أيضاً- بحسب تَراضِيهِمَا، ويجوزُ أن يُقالَ: إذَا قال كلُّ واحدٍ منهُما: بعتُ مَالِيَ من حَمام هذا البُرْجِ.
بكذا وصحَّحْناه مع الجهْلِ بالمبيعِ.
فإذَا قالاَ: بِعْنَا حمامَ هذا البُرْجِ بكذا، والأعددُ مَجْهُولةٌ -يصحُّ أيضاً مع الجهلِ بما يستحقُّ كلُّ واحدٍ منهُما، والمقصودُ أن ينفصِلَ الأَمْرُ بحسبِ ما يتراضَيَانِ عليه.
ولو باعَ أَحدُهُمَا جَمِيعَ حمام البرجِ بإذْنِ الآخَرِ فيكونُ أصْلًا في البَعْضِ 3، ووَكِيلًا في البعض ثم يَقْتَسِمَانِ الثَمن.
ولو اختلطَتْ حمامةٌ مَمْلُوكَةٌ أو حماماتٌ بحماماتٍ مبَاحة مَحْصُورة -لم يَجُزْ الاصْطيادُ منها.
ولو اختلَطَتْ بحماماتِ ناحِيَةٍ جازَ الاصْطِيادُ في الناحِيَةِ، ولا يتغيَّرُ حكْمُ مَا لاَ يَنْحَصِرُ في العادَةِ باختِلاَطٍ ما يُحْصَرُ به، وهذا كما أنه إذَا اختلَطتْ أُخْتُه مِنَ الرَّضَاعِ بِنِسْوةٍ لا ينحصِرْن، يجوز له أنْ يتزوَّجَ مِنْهُنَّ، وإنِ اخْتلَطتْ حمامُ أبراجٍ مَمْلُوكةٍ لا يكادَ يُحْصَرُ بحمامِ بلدة أُخْرَى مُبَاحةٍ -فوجهان:
أَحدُهُما: لا يجوزُ الاصطيادُ منها [فإن ما لا ينحصر] 4 بالاضافة إلى مِثْلِهِ، كما ينحصِرُ بالإضافة إلى مثله.
والثاني: يجوزُ استِصْحَابًا لما كانَ.
قال الإِمام: وهذا إليه صَغْوُ مُعْظَمِ الأصْحابِ والأَوَّلُ (1) أقْيسُ.
فَرْعٌ إذَا انثالَتْ حِنْطَةُ إنسانٍ على حنْطَةِ غيره أو انصبَّ مائِعٌ من مَائِعٍ وجَهِلاَ المِقْدَارَيْنِ -فلْيَكُنِ الحُكْمُ على ما ذكرْنَا في اختلاطِ الحَمامِ.
آخر:
لو ملك الماءَ بالاسْتِقاءِ، ثم انصب في نَهْرٍ، لم يزُلْ مِلْكُه عنه، فلا يمنع الناسَ مِنْ الاسْتِقَاءِ، وهو في حُكْمِ اخْتلاطِ المحصُورِ بغير المحصُورِ (2).
وقولُه: "ولَوْ تَوافَقَا على بَيْعِ الجميعِ مِنْ ثَالِثٍ.... " إلى آخره، الحكمُ، لا يختصُّ بالجميعِ بل لو توافَقَا على بَيْعِ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ -كان الحكْمُ كذلك.
وقولُه: "لَوْ تَقَارَّا على تَقْدِير" يجوزُ أن يُحْملَ على قسْمة في الثَّمنِ، وأن يُحْملَ على قِسْمة في نَفْس الحمامِ.
وقولُه: "ولو كان غيرَ مَحْصُورِ كحمام بلْدة أُخْرى" يحتاجُ إلى إضمار حمامَاتِ بَلْدةٍ مَمْلُوكَةٍ بحمامات بلدة أخرى.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في الاشْتِرَاكِ)
ولَهُ أَحْوَالٌ: (الأَولَى) أَنْ يَتعَاقَبَ الجُرْجانِ فَإنْ كَانَ الثَّانِي مذَفَّفاً فَهُوَ لَهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَى الأوَّلَ وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ مُذَفَّفاً فَهُوَ لَهُ وَعَلَى الثَّاني أَرْشُ الجِرَاحَةِ لأَنَّهُ جُرْحُ مِلْكِ الغَيْرِ وَإِنْ أَزْمَنَ الأَوَّلُ وَذُفِّفَ الثَّاني وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ إلاَّ أَنْ يُصِيبَ المَذْبَحَ وَإِنْ لَمْ يُصِبِ المَذْبَحَ فَهِيَ مَيْتَةٌ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الأَوَّلِ فَإِنْ لَمْ يذَفَّفْ وَمَاتَ بِالجُرْحَيْنِ فَفِي مِقْدَارِ الضَّمَانِ خِلاَفٌ يَنْبَني عَلَى مَا لَوْ جَرَحَ عَبْدًا قيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَرَجَعَ إِلَى تِسْعَةٍ فَجَرَحَهُ آخَرُ فَمَاتَ مِنْهُمَا فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى الثَّانِي نِصْفَ التِّسْعَةِ وَعَلَى الأَوَّلِ نِصْفَ العَشَرَةِ نَقَصَ المَبْلَغَانِ عَنْ قِيمَةِ العَبْدِ فِي الأَصْلِ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ فَعَلَى وَجْهٍ لاَ يُبَالِي بِهَذَا النُّقْصَانِ وَعَلَى وَجْهٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ وَعَلَى وَجْهٍ يَجِبُ عَلَى الأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَعَلَى الثَّانِي خَمْسَةٌ وَعَلَى وَجْهٍ12
يَجِبُ عَلَى الأَوَّلِ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ أَحدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ وَعَلَى الثَّانِي عَشَرةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ حَتَّى لاَ يَزِيدَ عَلَى القِيمَةِ وَيَتَفَاوَتَ الشَّرِيَكانِ وَعَلَى الوَجْهِ الخَامِسِ لاَ يُمْكِنُ إيجَابُ زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ وَنِصْفٍ عَلَى الثَّانِي وَالبَاقِي إِلَى تَمَامِ العَشَرَةِ عَلَى الأَوَّلِ وَهُوَ الأَقْرَبُ وَلاَ يَنْفَكُّ وَجْهٌ عَنْ بُعْدٍ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الجِرَاحَتَيْنِ مِنَ السَّيِّدِ سَقَطَ مَا يُقَابِلُ جِرَاحَتَهُ وَلَزِمَ البَاقِيَ عَلَى الأَجْنَبِيِّ وَيُخَرِّجُهُ عَلَى الأَوجُهِ الخَمْسَةِ وَقِيلَ: مَسْألة الصَّيْدِ كمَسألَةَ السَّيِّدِ مَعَ الأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَالِكٌ وَقِيلَ: بَلْ يَجِبُ جَمِيعُ القِيمَةِ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ السَّيِّدَ مَالِكٌ وَالمَالِكُ ذَابِحٌ وَإنَّمَا فَسَدَ بِجنَايَةِ الثَّانِي وَهَذَا إنَّمَا يتجه إِذَا كَانَ جَرَحَهُ بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ بِهِ يَحِلُّ وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الظَّفَرُ بِهِ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُستَقِرَّةٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: تبيَّنَ مِنْ قبلُ أنَّ الصيدَ يُمْلَكُ بالجراحَةِ المذَفَّفَةِ وبالإزْمَانِ والإثْبَاتِ أيضاً.
واحتجَّ لكون الإِزْمانِ مملكًا بما رُوِيَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحَابَه مَرَّوْا بَظَبْيٍ حَاقِفٍ، فهمَّ أصحابِه بأخْذِه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "دَعُوهُ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبِه" 1.
والحاقِفُ: هو المثْخَنُ العاجِزُ عن الامتناعِ، سَمَّى صَاحِبًا له، ومنعهم مِنْ أَخْذِه.
إذا عُرِفَ ذلك.
[فالاشتراكُ] 2 والاِزْدِحَامُ على الصيْدِ له أَحْوَالٌ.
إحْدَاهَا: أن يتعاقَبَ جُرْحَانِ مِنِ اثْنيْنِ.
فالأولُ: إما أن يكونَ مُذَفِّفًا أو مُزْمِنًا، أَوْ لا مُزْمِنًا، أولا مذففًا، ولا مزمنًا، فإن لم يكن مذفِّفاً ولا مُزمناً، بل بقي على امتناعِه، وكان الثاني مُذَفِّفاً أو مزمناً، فالصيدُ للثَّانِي، ولا شَيْءَ على الأول بجراحَتهِ؛ لأنه كان مُبَاحاً حينئذٍ، وإن كان جُرْحُ الأولِ مُذفِّفاً، فالصيد حَلالٌ، ومِلْكٌ الأول، وعلى الثَّانِي أَرْشُ جِرَاحَتهِ، وإنْ حدث فِيها نقصانٌ في اللحم، أو الجِلْدِ؛ لأنه جنى على مِلْكِ الغَيْر.
وإنْ كان جُرْحُ الأَوَّلِ مُزْمِنًا، صار الجرْحُ مملُوكًا بالإزْمَانِ، وينْظَرُ في الثانِي: إن ذُفِّفَ بقطْعِ الحُلْقُومِ، والمريء فهو حلالٌ، وعليه للأول ما بين قيمته مَذْبُوحًا ومُزْمِناً.
قال الإمامُ: وإنما يظهر التفاوُتُ إذا كان فيه حياةٌ مُسْتقِرَّةٌ فأما إذا كان الحيوانُ
مُتَألِّماً [لو لم يُذْبح لهلك] 1 فما عندي: أنه ينقص منه بالذبح شيء ويجيء في الحلِّ تردُّدٌ حكَيْناه عن الإمامِ: فِيمَا إذا رَقَى إلى شَاةٍ رَبِيطَةٍ، وقطعَ الحُلْقُومَ والمَرِيءَ وفاقاً.
والظاهِرُ: الحلُّ، فإن ذُفِّفَ لا بقطع الحُلْقُوم والمرِيءِ أو لم يُذَفَّف ومات الصيد بالجرحَيْن، فهو مَيْتَةٌ [لا تحلّ] لأن المقدورَ عليه لا يحلُّ إلا بقَطْعِها.
وكذا الحكمُ لو رَمَى إلى صَيْدٍ فأزْمَنه، ثم رمى إليه ثَانِيًا، وذُفِّف، لا بقطع المذبح.
وأما إذا جُرِحَ بلا تَذْفِيفٍ، ومات من الجُرْحَيْنِ، فلأنه اجتمع المبيحُ والحاظِرُ، فيغلب الحاظر، كما لو اشترك في الذَّبْح مسلمٌ ومجوسِيٌّ، ثم يجب على الثاني إن ذفف كمال [قيمة] 2 الصيد مَجْرُوحًا؛ لأنه أمسك مِلْكَ الأول، عليه فلزمه ضَمانُه.
وإن جُرِحَ الثاني بلا تَذْفِيفٍ، ومات من الجراحيْنِ فما الذي يجب على الثاني؟
القولُ فيه مفتتح بمسألةٍ خَطِيرة نذكرها بما فيها، ثم نعود إلى حيْثُ يقطع من مسألة الصَّيْدِ، أما تلك المسألةُ فصُورتها: إذا جَنَى رجلٌ على عَبْدِ إنسانٍ، أَوْ بَهيمةِ، أو صَيْد مملُوكٍ له قِيمَتُهُ عشرةُ دَنَانِير، فجرحَهُ جِرَاحةً أَرْشُها دِينارٌ، ثم جرحَهُ آخرُ جراحةً أَرْشُها دِينَارٌ أيضاً، وسرت الجراحتانِ إلى الهلاكِ، فَفِيما يجب على الجَانِبَيْنِ وجوهٌ:
أَحدُها: أنه يجبُ على الأَوَّلِ خمسةُ دَنَانِيرَ، وعلى الثاني أربعةٌ ونِصْفٌ؛ لأن الجِرَاحَتَيْنِ سَرَيَا وصارَا قَتْلاً، فعلى كل واحدٍ نِصْفُ القيمةِ، والقِيمةُ يومَ الجنايةِ الأُولَى عشرةٌ، ويومَ الجنايةِ الثانية تِسعةٌ، فيغرم كل واحدٍ منهما نِصْفَ قِيمتِه يومَ جِنَايَتِهِ، ونَسَبَ المُوفّقُ بنُ طَاهِرٍ هذا الوجْهَ إلى ابْنِ سُريج، وضعَّفه الأَئِمةُ -رحمهم الله- مِنْ جهة أَنَّ فيه إحباطَ نِصْفِ دينارٍ على المالِكِ.
والثَّانِي: وبه قال المُزَنِيُّ وأَبُو إِسْحَاقَ، يُغَرَّمُ كلّ واحدٍ منهما خمسةً.
وذكر القاضي الرُّويانِي: أنه اختيارُ الفقهاءِ، ويوجه هذا بطريقين:
أَحدُهما: عن المُزَنِيُّ أنه يجب على كُلِّ واحدٍ منهما أَرْشُ جِرَاحتِه، وهو دينارٌ، لأنه نقصان تولد من جنايته 3 وما بقي وهو ثمانيةٌ تلف بسِرايةِ الجراحتيْنِ فيشترِكَانِ فيه.
وأظهرُهما: عن أَبي إِسْحَاقَ: أَنَّ على كُلِّ واحدٍ منهما نِصْفَ قِيمته يومَ جنايته، إذا صارت نَفْسًا، دخل أَرْشُها في بدل النفسِ، وكلُّ واحدِ منهما لم يضمن إلا نِصْفَ النفس، فلا يدخلُ فيه إلا نصف الأَرْشِ، ولا يدخل النصفُ الآخر فيما ضمنه الآخِذُ.
وكذلك لو قطع يَدَ رَجُلٍ؛ فسرى، دخل أَرْشُ اليَدِ في بَدَلِ النفْسِ، ولو قطعها ثم
قَتَلَهُ غيرُه، لم يدخل أَرْشُ اليدِ في بدلِ نَفْسٍ ضمنها الآخرُ، ثم يرجع الأول على الثاني بنصف أَرْشِ جنايته؛ لأنه جَنَى على النصفِ الذي ضمنه الأولُ، [وقومناه] 1 عليه قبل جِنَايَتِهِ، ومن غُرّم شَيْئًا بكمال قيمته، له أنْ يرجِعَ على مَنْ جَنَى عليه بما يُنْقِصُه؛ أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ ثَوْبًا، وجنى عليه آخرُ فخرقَهُ، ثم تَلِفَ الثوبُ، وضمن المالك الغاصب تمام القيمة، فإنه يرجِعُ على الجاني بأرْشِ التخرِيق، وإذا رجع عليه استقَرَّ على كُلِّ واحدٍ منهما خمسةٌ، وعلى هذا فالمالِكُ مُخَيّر في نِصْفِ دينارٍ بين أَن يأخذه من الأول أو الثاني.
ولو نقصت الجنايةُ الأُولَى ديناراً، والثانية دِينارَيْن، فعلى الأولِ أَرْبعةٌ ونصْفٌ، وعلى الثَّانِي خمسةٌ ونِصْفٌ.
أما على طريقة المُزَنِيُّ: فلأن على الأول أَرْشَ جِنايتهِ، وهو دِرْهَمٌ، ونصْفُ القيمة بعد الجنايَتَيْن وهو ثلاثة ونِصْف، وعلى الثاني أَرْش الجناية ديناران، ونِصْف القِيمة ثلاثة ونصف.
وأَمَّا على طريقَةِ أَبي إسحاقَ: فعلى الأَوَّلِ: نصْفُ قِيمة [يومَ] 2 جنايته، وهو خمسةٌ، ونصفُ أَرْشِ جِنايتِه، وهو نصفُ دِينارٍ، وعلى الثاني: نصفُ قِيمة يوم جنايته، وهو ثلاثةٌ ونصفٌ، ونصفُ أَرْش جنايتهِ وهو دِينارٌ، ثم يرجع الأول على الثاني بنصف أَرْشِ جنايته وهو دينارٌ 3، فيستقر على الأَوَّلِ أربعةٌ ونِصْفٌ، وعلى الثاني خمسةٌ ونِصْفٌ، ولو نقصت الجنايةُ الأُولَى دِينارَيْنِ، والثانية دِينارًا -انْعَكَس الحُكْمُ، فعلى الأولِ خَمْسةٌ ونِصْفٌ، وعلى الثاني أَرْبَعةٌ ونِصْفٌ، وعليكَ بتخْرِيجه على الطَّرِيقَيْنِ، وضعَّفوا هذا الوجهَ من وجهيْن:
أَحدُهما: أن فيه إفرادَ الأَرْشِ عن بدل النفْسِ، وهذا خلافُ الأصُولِ المُمهدَةَ.
والثَّانِي: أَنَّ فيه تسويةً بين الأَوَّلِ والثَّانِي، ومعلومٌ أن الأولَ جَنَى، وموردُ الجنايةِ يساوي عَشَرَةً، والثاني جنى وهو يساوي تِسْعَةً.
والثَّالِثُ: ونسبه الإمامُ إلى اختيار القفَّالِ، أنه يجبُ على الأول خمسةٌ ونِصْفٌ، وعلى الثَّانِي خمسةٌ؛ لأن جنايَةَ كُلِّ واحدٍ منهما [نقصت] 4 ديناراً، ثم سَرَتِ الجنايتانِ إلى الهَلاَكِ، والأَرْشُ يسقط إذا صارت الجناية نَفْساً، فيسقطُ نِصْفُ الأَرْشِ عن كُلِّ واحدٍ منهما؛ لأن الموجودَ منه نصفُ القتل، ويبقى النصفُ، واعترض عليه بأنَّ فيه زيادةَ الواجبِ عن المتلَفِ.
وعن القَفَّالِ: أنه اعْتذر بأن الجنايَاتِ قد تنجر إلى إيجاب الزيادَةِ، كما إذا قطع يَدَيْ عَبْدٍ، وجاء آخرُ وقتله وأُجِيبَ عنهُ بأنَّ قاطعَ اليديْن 1 لَا شِرْكةَ له في القَتْلِ، والقتلُ يقطعَ أَثَرَ القتلِ ويقع موْقِع الاِنْدمَالِ وهاهنا بخلافِه.
والرّابعُ: عن أَبِي الطَّيِّب بْنِ سَلَمَةَ، أنه يجب على كُلِّ واحدٍ منهما نصفُ قيمتِهِ يومَ جِنَايَتِه، ولا يُعْتبر إلا نِصْفُ الأَرْشِ؛ كما ذكره أَبُو إِسْحَاقَ، ومَنْ قال بالوجهِ الثَّالِثِ، لكن لا يرجِعُ الأَوَّلُ على الثَّانِي، ولا يَزِيدُ الواجب على القيمةِ، بل يجمعُ ما يلزمهما تَقْدِيرًا وهو عشرةٌ ونِصْف، وتقسمُ القيمةُ وهي عَشَرَةٌ على العشرةِ والنِّصْفِ، ليبقى التفاوتُ مَرْعِيّاً بينهما، وذلك بأن يَبْسُطَها أنصافاً؛ فتكون إِحْدَى وعِشْرين، فيُوجب على الأولِ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءاً من وَاحدٍ وعِشْرينَ جُزْءاً مِنْ عَشَرَةٍ، وعلى الثاني؛ عشرةُ أَجْزاءٍ من أَحَدٍ وعِشْرين جُزْءاً من عَشَرةٍ، وفيه أيضاً إفرادُ أَرْشِ الجناية عن بدلِ النَّفْسِ.
والخَامِسُ: عن "صَاحِبِ التَّقْرِيبِ" وغيرِه، أنه يجِبُ على الأول خمسةٌ ونصْفٌ، وعلى الثاني أربعةٌ ونصْف؛ لأن الأولَ لو انفردَ بالجُرْحِ وسَرَى، لَأُلْزِمَ العشرةَ، ولا ينقطع عنه إلاَّ ما لزم الثانِي، والثاني إنَّما جَنَى على قِيمتِه تِسْعة، ولا يُغَرَّمُ إلا نِصْفَ التسعةِ، فما سِوَاه يبقى على الأَوَّلِ، هكذَا، روَجَّهَ الإمامُ ولم يجعلِ الزيادةَ أَرْشاً، ولكن قال: هو مُتَسَبِّبٌ إلى التفوِيتِ إِلاَّ فيما يعرض لالتزامه الثاني.
ومِنَ الأَصْحَابِ مَنْ جعل الزيادَةَ أَرْشاً.
وقال: يَصِيرُ الأَرْشُ في حَقِّ الأول دُونَ الثاني، فيجب عليه ما نقص بجِنَايتهِ، وهو دِينَارٌ ونصْفُ القيمةِ بعد ذلك، وهو أَرْبَعةٌ ونِصْفٌ، ولا يعتبر الأرشُ في حق الثاني، وفَرّقَ بينهما بأن جنايةَ الأولِ وَحْدَها نقصت الدينارَ، ثم جنايةُ الثاني، وسرايةُ جنايةِ الأول تعاونَتَا على تَفْويت الباقي، وَلَكَ أنْ تقولَ [قضيةٌ] 2 مَا تكرر في الوُجُوهِ ألاَّ يعتبرَ الأرشُ بتمامِهِ في حقِّه، بل يُعْتبر نصفُه؛ فيجب نصفُ دينارٍ؛ وهذا الوجهُ أَرْجَحُ عند الإِمام، ووافقه صاحبُ الكِتَاب، فقال: "وهُوَ الأَقْرَبُ" وإن كان لا يَنْفكُّ وجهٌ عن بُعد.
ووجهُ البُعْدِ في الأَرْبعة [الأولى] 3 قدِ انْدرج في خِلاَلِهَا.
وأَمَّا الخَامِسُ: فَمَنْ جعل للزيادَةِ أَرْشاً -فقد أَفْرد الأَرْشَ بالاعتبارِ.
وأَمَّا القولُ بأنه متَسَبَّبَ إلى التفويتِ -فهذا مُسَلَّم لوِ انْفرد، فأما إذا شاركه غيرُه، فقد خرج فِعْلُه عن أن يكون مُفَوِّتاً للكُلِّ، والنظر في القدْرِ الذي يُنْسب إليه من الفَائِت.
ووراءَ هذه الوجُوهِ وجهٌ سادِسٌ عن ابن خيرَانَ، واختاره "صاحبُ الإِفْصَاح",
وأطبق العِرَاقِيُّونَ على ترجيحه، وهو أنْ يجمع بين القِيمتَيْن، فيكون تِسْعَةَ عَشَر، ويقسم على هذا العدَدِ ما فوَّتَا عليه وهو عَشرَةٌ، فيكون على الأول عشرةُ أجْزاء مِنْ تِسْعةَ عَشَر جُزْءًا مِنْ عَشَرةٍ، وعلى الثاني تِسْعةٌ من تِسْعةَ عَشَر جزءًا من عشرة.
ويُقالُ بعبارةٍ أُخْرى: نصفُ القيمةِ يومَ الجنايةِ الأولَى خمسةٌ، ويومَ الجنايةِ الثانية أَرْبعةٌ ونصفٌ فيجمع بينهما، وتقسمُ العشرةُ على تسعةٍ ونصْفٍ: خَمْسةٌ منها على الأَوَّلِ، وأربعةٌ ونصفٌ على الثاني.
ولو كانَتِ الجناةُ ثَلاثَةٌ، فأَرْشُ كلِّ جنايةٍ دينارٌ، والقيمةُ عَشَرةٌ، كما مرَّ على طريقَةِ المُزَنِيُّ على كل واحد منهم أرشُ جنايته دِينارٌ، وثلثُ القيمةِ بعد الجناياتِ وهو [دِينَارَانِ] 1 وثلِثٌ، وعلى ما ذكره أَبُو إسحاقَ: يَسْقُطُ ثلثُ الأَرْشِ عن كلِّ واحدٍ منهم؛ فيكون على الأول [ثلثُ القيِمةِ] 2 يومَ جنايتهِ، وهو ثلاثةٌ وثُلثٌ، وثُلُثَا الأَرْشِ ثُلُثَا دينارٍ، فيجتمع عليه أَرْبعةٌ، وعلى الثاني: ثلثُ القِيمة يومَ جنايتهِ، وهو ثلاثةُ، وثُلُثَا الأرشِ ثُلُثَا دينار، فيجتَمِعُ عليه ثلاثة وثُلُثَانِ، وعلى الثَّالثِ ثلثُ القِيمَةِ يومَ جِنايتهِ وهو دينارانِ وثلثٌ وثُلثَا الأرشِ.
ثُلُثَا دينارٍ؛ فيجتمِحُ عليه ثلاثةٌ، ثم إن أخذ المالِكُ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهم ثَلاثَةً وثلثاً -فقد وصل إلى حَقِّه، ولا تَرَاجَعٌ وإنْ أخذ مِنَ الأولِ أربعةً- رجع الأول على الثانِي بثُلثِ دينارٍ، وعلى الثالثِ بثُلثٍ، فيستقر على كُلِّ واحدٍ منهم ثَلاثةٌ وثُلُثٌ، وإنْ أخذ من الثَّانِي ثلاثَةً وثلثَيْنِ رجعَ الثَّانِي على الثَّالِثِ بثُلُثٍ، [فيستَوُونَ] 3 فيما غُرِّمُوا.
وعلى الوجهِ [الثالثِ] 4 يَجِبُ على الأول أربعةٌ: منها ثلاثةٌ وثلثٌ، هي ثلثُ القِيمة يومَ جِنايَتهِ، وثُلُثَا دينارٍ ثُلُثُ الأَرْشِ، وعلى الثاني ثلاثةٌ وثُلُثَان: ثلاثةٌ، منه ثُلُثُ القيمةِ يومَ جنايته، وثُلُثَ دينارٍ ثُلثُ الأَرْشِ، وعلى الثالث ثلاثةٌ: منها دِينارَانِ وثلثٌ هي ثلثُ القيمةِ، وثُلُثَا دينارٍ ثُلُثَا الأَرْشِ والمبلغُ عشرةٌ وثلثانِ.
وعلى الوجهِ الرَّابعِ تُوَزَّعُ العشرةُ على عَشرَةٍ وثُلُثَيْنِ.
وعلى الخامِسِ يجبُ على الأول أرشُ جنايتهِ دينارٌ 5، والثانِي مِنَ الثلاثَةِ، فيكون على الأول أربعةٌ وثلثٌ، وعلى كُلِّ واحدٍ من الآخريْنِ ثلاثةٌ وثلثٌ.
وعلى السَّادِسِ: يُجْمع بين القِيَم وهي عشرةٌ، وتسعةٌ وثمانِيةٌ، فالجملةُ سبعةٌ وعِشْرُونَ تَنْقَسِمُ العشرةُ عليها.
ولو صدرت إِحْدَى الجراحَتَيْنِ على الصَّيْدِ المملوكِ، أو على العَبْد مِنْ مَالِكِه، والأُخْرَى من أجْنَبِي، فينظر في جِرَاحَةِ المالك: أَهِي الأُولَى أو الثانيةُ؟ ويُخرَّجُ على الاختلافاتِ المذكورَةِ، فتسقط حِصةُ المالِك، وتجب حصةُ الأَجْنبي.
وعن القاضي أَبِي حَامِدٍ 1 أَنَّ الجوابَ المذكورَ في الجِنَايَتَيْنِ على العَبْدِ مَوْضِعُه ما إذا لم يكن للجنايةِ أرْشٌ مُقَدَّرٌ، فأما الجِنَايَات التي لها أرشٌ مقدر، فليس العبدُ فيها كالبَهِيمةِ والصَّيْدِ المملُوكِ، حتى لو جنى على عبدِ غَيْرِه جنايةً.
ليس لها أرشٌ مُقدَّرٌ، وقيمةُ العبدِ مائةٌ فنقصت الجنايةُ عَشَرةً، ثم جنى آخرُ جنايةً لا أَرْشَ لها، فنقصت عشرةً أيضاً، ومات العبْدُ منهما، فعلى الأول خمسةٌ وخَمْسُونَ، وعلى الثاني خمسةٌ يدفع منها خمسةً إلى الأَوَّلِ، وهذا هو الذي نسباهُ إِلَى إِسْحاقَ، وهو اختيارُ القَاضِي.
قال ولو قطع كُلُّ واحدٍ منهما يَداً، والقيمةُ والنقصانُ كما صوَّرنَا، فعلى الأولِ نصفُ أرشِ اليدِ، وهو خمسةٌ وعِشْرون ونِصْفُ قيمتهِ يومَ الجنايَةِ وهو خَمْسُونَ، وعلى الثاني نِصْفُ أَرْشِ اليَدِ خمسةٌ وعِشْرون، ونصف القيمةِ يومَ جِنايتهِ وهو أربعون تبلغ الجملةُ مائةً وأرْبعِينَ، ويكون الكُلُّ لِلسَّيِّدِ، ولا يصرفُ إِلَى الأَوَّلِ شَيْءٌ؛ لأن [في الجناياتِ] 2 التي لها أَرْشٌ مقدَّرٌ يجوز أنْ يَزِيدَ الواجِبُ على قيمةِ العَبْدِ كما لو قطع إِحْدَى يديْهِ، وجاء آخرُ، وقتله.
إذا تقرر ذلك، فنعود إلى مَسْألةِ الصَّيْدِ ونقولُ: إذا جرح الثاني جراحةً غيرَ مُذَفِّفةٍ ومات الصيْدُ من الجِرَاحَتَيْنِ، فيُنظر: إن مات قبل أَنْ يدرِكَه الأولُ، أو قبل أن يتمكَّنَ مِنْ ذَبْحِه؛ فعلى الثاني تمامُ قِيمته مزمنًا؛ لأنه صار حَرَاماً ومَيْتَةً بفعْلِه، ويخالف ما إذا جرحَ شاةَ نفْسِه، وجرحها آخرُ فتلِفَتْ حيثُ لا يجب على الثاني إِلاَّ نصفُ القِيمة؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ من الجُرحَيْنِ هناك محرَّمٌ، والإفسادُ هناك حصل بهما جميعاً، وهاهنا فعل الأولِ اكتسابٌ وإصلاحٌ [وذكاةُ] 3 ثم قضية ما أَطْلقُوه أَنْ يُقالَ: إذا كان الصيدُ يساوِي غيرَ مُزمِنٍ عشرة ومُزْمن تِسْعة، يجب على الثاني تِسْعَةٌ.
واستدركَ "صاحِبُ التقريب" فقال: فعل الأَوَّلِ وإنْ لم يكن إِفْسَادًا فهو مُؤَثِّرٌ في الذَّبْحِ وحصُولِ الزهوقِ، لا محالةَ.
فينبغي أَنْ يعتبر في الإفسادِ حتى يُقالَ: إذا كان غيرَ مُزْمن يساوي عشرةً ومُزْمناً يساوي تسعةً، ومَذْبُوحًا ثمانيةً يلزمه الثمانيةُ والدِّرْهمُ الآخرُ أثَّر في فواتِه الفِعلان جميعاً، فينبغي أَنْ يوزَّع عليهما، حتى يهدر نِصْفَه، ويجب نصفُه مع الثمانية.
قال الإمامُ: وللنظر في [هذا مجالٌ و] 1 يجوز أن يُقالَ: المفسِدُ يقطعُ أثرَ فِعْلِ الأول، مِنْ كل وَجْهٍ.
والأَصَحُّ: ما ذكره "صاحبُ التقرِيبِ".
وإنْ أَدْركَه وتمكَّن من ذَبْحه، نُظِرَ، إنْ ذبحه، فعلى الثَّانِي أرشُ جِرَاحَتِه، وإن حدث منه نقْصٌ، وإنْ لم يذبحْهُ، وتركه حَتَّى ماتَ ففِيه وَجْهانِ:
أَحدُهما: لا يجبُ على الثاني شَيْءٌ سِوَى أَرْشُ جرحته؛ لأن الأولِ صارَ مُقَصِّرًا، حتى تمكن مِنَ الذَّبْحِ فلم يذبحْ.
وأَصَحُّهما: أَنَّ الضَّمَانَ على الثَّانِي لا يقتصر على أرشِ الجرَاحَةِ ولا فَرْقَ بين أَنْ يموتَ الصيدُ في يده، أو قبل أن يَقْدِرَ عليه ويتمكّنَ من ذَبْحه؛ لأَن غايةَ ما فيه أنه امتنع مِنْ تَدَارُكِ ما تعرَّضَ للفساد بجناية الجانِي مع إمْكان [التدارُكِ] 2، وأنه لا يسقطُ الضمانُ، كما لو جرحَ جارحٌ شاتَه، فلم يذبَحْها [فَماتت] 3، مع التمكُّنِ منه لا يَسْقُطُ الضمانُ، وعلى هذا فوجهان:
أَحدُهما: وبه قال الإصْطَخْرِيُّ: أنه يضمن كمالَ قِيمته مُزْمنًا أيضاً، كما لو ذفف بخلاف ما إذا جرحَ عبدَهَ أو شاتَه، وجرحه غيرُه؛ لأن كُلِّ واحدٍ من الفَعْلين هناك إفسادٌ، والتحريمُ حصل بهما، وهاهنا الأولُ إصلاحٌ واكتسابٌ، والفسادِ جاء من الثاني.
وأَظْهرُهما: وبه قال أكثرُ الأَصْحَاب: إنه لا يضمن كمالَ القِيمة، بل هو كما لو جرحَ عبدَه [وجرحه] 4 غيرُه؛ لأنَّ الموتَ حصل بفعْلِهما، وكل وَاحدٍ من الفِعْلَيْن إفسادٌ.
أما الثاني: فظاهِرٌ.
وأَمَّا الأولُ: فلأنَّ تركَ الذَّبْحِ بعد التمكن يجعل الجرْحَ وسرايته إفسادًا، ولذلك لو لم يوجد الجرحُ الثاني.
وترك الذبح -كان الصيد ميتةً.
فعلى هذا تَجِيءُ الوجوهُ المذكورةُ في كَيْفِيَّةِ التوزيع على الجرحَيْن: فما هو حصةُ الأوَّلِ تسقط وما هو حصةُ الثانِي تجب.
وأما لفظُ الكتابِ فقولُه: "وإنْ كانَ الثَّانِي مذفِّفاً فهو له" يعني ولم يكن الأول مُزْمنًا، ولا يحتاج إلى أن يقولَ ولا مذفِّفاً، فإنه لو كان الأولُ مُذَفِّفاً لم يكن الثاني مذفِّفاً.
وقولُه: "إِلاَّ أَنْ يُصِيبَ المذْبَحَ" يجوزُ أَنْ يُعْلَمَ بالواوِ [لتردُّدِ] 5 الإمامِ فيما إذا
رَمَى إلى الحيَوانِ المقدُورِ عليه، فأصاب المذْبَحَ اتفاقاً.
وفي قولِه: "فهو مَيْتَةٌ إلا أَنْ يُصِيب المذْبَحِ" ما يغني عن قوله بعده: "وإنْ لَمْ يُصِبِ المذْبَحِ فهو ميتةٌ".
ولو قال: "فهو ميتةٌ، وعليه قِيمتُه للأول إلا أن يصيب المذبح" لكان أَحْسَنَ.
وقولُه: وعليه قِيمتُه -أَيْ: مُزْمناً.
وقولُه: "ففي قَدْرِ الضمانِ خِلاَفٌ" -أَيْ: طرِيقَانِ [وهما المذكورَانِ] 1 آخِرًا بعد حكايةِ الوجْهين 2 في جِرَاحَتَي العَبْدِ، حيثُ قال: "فقِيلَ: مسألةُ الصيْدِ كمسألةِ السير مع الأَجْنبي، وقِيلَ: بل يجب جميعُ القِيمةِ على الثاني".
[وقولُهُ: "وهذا إنما يَتّجِهُ إذا كان جرحه" أي جرح الأول] 3.
وقولُه: "إذ لم يمكن الظفر به" -أَيْ: لم يمكِنْه- والمقصودُ أن إِيجابَ جَمِيع القيمة على الثاني، إنما يتوجَّهُ إذا لم يتمكَّنِ الأولُ مِنْ ذَبْحه، فإنْ تمكَّنَ من ذَبْحِه، ولم يَذْبَحْه -فهو كصُورَةِ الصيد مع الأَجْنبي.
قال الغَزَالِيُّ: (الحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يُصِيبَا مَعًا فَهُوَ لَهُمَا إِنْ تَسَاوَى جُرْحُهُمَا وَإِنْ كَانَ أحَدُهُمَا مُزْمِنًا أَوْ مُذَفَّفاً دُونَ الآخَرَ فَهُوَ لَهُ وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الآخَرِ وَإنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الإِزْمَانُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا وَيُسْتَحَبُّ الاسْتِحْلاَلُ منَ الجَانِبَيْنِ لِلشُّبْهَةِ (الحَالَةُ الثَّالِثَةُ) لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُذَفَّفٌ وَشَكَكْنَا في الأخَرِ فَالنِّصْفُ مُسَلَّمٌ لِلمُذَفَّفِ وَالنِّصْفُ الآخَرُ مَوْقُوفٌ إلَى التَّصَالُحِ وَقِيلَ: إنَّ الكُلَّ بَيْنَهُمَا بَالسَّوِيَّةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا وقع الجُرْحَانِ معاً نُظِرَ إن تساويا في سبب الملك، فالصيد بينهما، وذلك بأن يكُونَ كُلُّ واحدٍ منهما مُذفّفًا، لو انفرد أو مُزْمِنًا لو انفرد، وكذا لو كان أحدُهما مُزْمناً، لو انفرد بأنْ كسر الجناحَ، والآخر مذفّفاً لو انفرد؛ لأن كُلَّ واحدٍ من المعنيين يثبت المِلْكَ، وإذا قتلا بجِرَاحَتَيْهِما معاً، فلا فَرْقَ بين أن يتفاوتَ الجراحتانِ صِغَرًا وكبرًا أو يَتَساوَيَا, ولا بين أَنْ يَكُونَا في المَذْبَحِ أو إحداهما في المذْبحِ دُون الأُخْرَى.
وإن كانَ أحدُ الجُرْحَيْن مُذفّفاً أو مُزْمِناً لو انفردَ، والآخر غير مُؤَثِّر، فالصيدُ لمن جرحَهُ مذفْفٌ أو مُزْمنٌ ولا ضمان على الثاني؛ لأَنَّهُ لم يجرح مِلْكَ الغَيْرِ، وإن احْتَمل أن يكون الإنصافُ بهما، واحتمل أن يكون 4 بأحدِهما.
فالصيدُ بينهما في ظَاهِرِ الحُكْمِ، ويَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِلَّ أَحدُهما من الآخر تورُّعًا عن مَظَنَّةِ الشُّبْهَةِ وإِنْ علمنا أَنَّ
أَحَدَهُمَا مُذفّفٌ، وشَكَكْنَا في أَنَّ الآخرَ هل له أثرٌ في الإِزمان والتذفِيفِ؟
فيحكي عَنِ القفَّالِ: أَنَّ الصيدَ بينهما، وأنه ألزم على هذا إذا جرح [رجلاً] 1 جِراحَةً مُذَفّفةً، وجرحه آخرُ جراحةً لا يُدْرَي: هل هي مُذَفّفة؟ وإن تَلِفَ، فقال: يجبُ القِصَاصُ قال الإمامُ: وهذا بَعِيدٌ، والوجهُ تَخْصِيصُ القِصَاصِ بصاحب الجراحةِ المذفِّفَةِ، وفي الصَّيْدِ يُسَلَّمُ نِصْفُه لمن جُرْحُهُ مُذفِّف، والثاني يوقف بينهم إلى التَّصَالُحِ أو [يَتَبيَّنُ] 2 الحالُ، فإن لم يتوقَّع [بيانٌ] 3 فيجعل النصف الآخر بينهما نِصْفَين، فيخلص للأول ثلاثةُ أَرْبَاعِه، ونَظْمُ الكتابِ يَقْتَضِي ترجِيحَ هذا الوجْهِ وَاخْتيَارَه.
وقولُه: "وقِيلَ: إِنَّ الكُلَّ بينهما بالسَّوِيَّةِ"، وهو المحْكِيُّ عن القفَّالِ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا ذُفّفَ أَحَدُهُمَا وَأَزْمَنَ الآخَرُ وَلَمْ يُدْرَ السَّابِقُ فَهُوَ حَرَامٌ، لاِحْتِمَالِ كَوْنِ التَّذْفِيفِ قَاتِلاً بَعْدَ الإِزْمَانِ وَقِيلَ: هُوَ كَمَسألة الإِنْمَاءِ.
قال الرَّافِعِيُّ: رُبَّما نجد في النسخ "الحالةَ الثالِثَةَ: إذا ذُفّفَ"، وكذا بعد هذا الفصْل "والحالةُ الرابعَةُ لو ترتب الجُرْحَانِ" اتباعاً لما في "الوَسِيط"، فإن أُثْبِتَ اللفظانِ فذاك، وهو مُوَافِقٌ؛ لقوله في أول الفصْلِ الثاني وله أحوالٌ، وإلاَّ فليبدل الأحوال بالحالَتَيْن، وإحْدَى الحالَتَيْن الترتيبُ، والأُخْرَى المعِيَّة، والصُّوَرُ لا تَخْرُجُ عنهما.
وأما الفِقْهُ، فإذا ترتب الجرحانِ، وأَحَدُهما مُزْمِنٌ، لو انفرد، والآخرُ مُذَفّفٌ وارِدٌ على المَذْبَح، ولم يُعْرَفِ السابقُ مِنْهُمَا، فالصيدُ حَلاَلٌ، فلوِ اخْتَلَفَا فقال كُلُّ واحدٍ: أنا جرحتُ أَوَّلَاً وأَزْمَنْتُ، فالصيدُ لِي، فلِكُلِّ واحدٍ منهما تحليفُ الآخرِ، وإنْ حلفَا فالصيدُ بينهما, ولا شَيْءَ لأحدِهمَا على الآخرِ.
وإن حلفَ أَحدُهما دُونَ الآخَرِ، فالصيدُ للحالفِ، وعلى النَّاكِلِ أرشُ ما نقص بالذبح.
ولو تَرَتَّبَا وأحدُهما مُزْمِنٌ لو انفرد، والآخر مذفِّفٌ في غير المذبح، ولم يُعْرَفِ السابقُ منهما ففيه طَرِيقَانِ:
أَظْهرُهما: وهو الذي أورده في "التهذيب" أن الصيدَ حرامٌ [لأنه يحتمل أن يكون الإزمانُ سَابِقًا والتَّذْفِيفُ حَاصِلٌ] 4 بعده، وإذا حصل الإزمَانُ، فلا بُدَّ من قَطْعِ الحُلْقُومِ، والمَرِيءِ.
والثَّانِي: أَنَّ فيه قَوْلَيْن كالقولَيْنِ في مَسْأَلةِ الإِنْمَاءِ: وهي أن يَغِيبَ الصيدُ عنه بعدَمَا جرحه، ثم يجِدُه مَيْتًا، وقد ذكرنا من قبل.
ووجه الشبه: احتمالُ قيامِ الحالَةِ المُحِلّة، والحالةِ المُحرّمةِ في الصورتَيْن.
ومَنْ قال بالأولِ، قال: هناك وقد وُجِد جَرحٌ يُحالُ عليه الموتُ وهو مَعْهودٌ في القِصَصِ وغيرِه، وهاهنا بخلافِه.
ولو اختلفا فقال كُلُّ واحدٍ منهما للآخر: أَنَا أَزْمَنْتُه أَوّلاً، وأَنْتَ أَفْسَدْتُه بجراحَتِك، فعليك قِيمةُ الصيْدِ، فلكل واحدٍ منهما تحلِيفُ الآخرِ، فإن حلف أَحدُهما دُونَ الآخر ثبت على النَاكِلِ قيمته مُزْمناً.
ولو قال الذي جَرَحَهُ أَوَّلاً أنا أَزْمَنْتُه بجراحتي، ثم أفسدتَهُ بقتلِك فعليك القيمةُ.
وقال الثَّانِي: لم تُزْمِنْه أنت، بل كان على امْتِنَاعِه إلى أَنْ رَمَيْتُ فأزمنْتُه، أو دَفَّفْتُ، فإنِ اتَّفَقَا على عينِ جراحةِ الأولِ، وعلمنا أنه لا يَبْقَى الامتناعُ معها، كَكَسْر جَنَاحُ الطائِرِ، وقَطْع الرجْل ممن يمتنع عدْوه، فالقولُ قولُ الأَوَّلِ بلا يمِينٍ، وإلاَّ فالقولُ قولُ الثَّانِي؛ لأن الأَصْلَ بقاءَ الامتناعِ، فإنْ حلف فالصيدُ له، ولا شيءَ على الأوَّلِ؛ لأنه كان مُبَاحًا حِينَ جَرَحَهُ، فإن نكل حلف الأول، واستحقَّ قيمته مَجْرُوحًا بالجراحة الأُولَى، ولا يحِلُّ الصيد؛ للأول لأنه مَيْتَةٌ بقوله: وهل للثاني أَكْلُه؟ فيه وجهان:
قال القاضي الطَّبَرِيُّ: لاَ؛ لأن إلزامَ القِيمة عليه حُكْمٌ بأنه مَيْتَةٌ.
وقيل: نَعَمْ.
لأن النُّكُولَ في خُصُومَةِ الآدمي لا يغيِّرُ الحكْمِ في الباطن بينه وبين الله تعالى.
ولو علمنا أَنَّ الجراحةَ المذفَّفة سابقةٌ على الأُخْرى التي لو انفردَتْ لكانت مُزْمِنةً، فالصيدُ حلاَلٌ، فإن قال كلُّ واحدٍ منهما: أنا ذَفَّفْتُه، فلكُلِّ واحدٍ منهما تحلِيفُ الآخر، فإِنْ حلفَا فهو بينهما، وإن حلف أَحدُهما فالصيدُ له، وعلى الآخِر ضمانُ ما نَقَص، إِنْ حدث نقصٌ.
واعلَمْ أنَّ الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- قال في المُخْتَصر: ولو رماه الأولُ، ورماه الثاني، ولم نَدْرِ أبلغَ به الأولُ أنْ يكون مُمْتَنِعًا أو غيرَ مُمْتنعٍ، جعلناه بينهما نِصْفَيْن، وَاعْتُرِض عليه: بأن هذا الصيدَ ينبغي أن يُحَرَّمَ؛ لأنه اجتمِع فيه ما يقتضي الإباحةَ، وما يقتضي التحريمَ فلْيغَلَّبِ التَّحْرِيمُ، وبتقدير أَنْ يكونَ حَلاَلاً، فلا يَنْبَغِي أَنْ يكونَ بينهما، لأنه إنْ أثبته [الأوَّلُ فهو للأول وإن أثبته] 1 الثانِي، فهو لِلثَّانِي، واختلف في الجَواب، فقِيل: النصُّ محمولٌ على ما إذا أصاب المَذْبحِ، فيحلّ سواءٌ أصاب الأولُ أو الثَّاني، أو على ما إذا رمياه ولم يَمْتِ الصيدُ، ثم أدركه أحدُهما وذَكَّاهُ، ثم اختلفا فِيه، وإنما يكونُ بينهما؛ لأنه في أَيْدِيهما، وقد يُجْعلُ الشيءُ بينَ اثْنيْنِ، وإن كُنَّا نعلم في الباطِن أنه إِمَّا