العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 212-226

أحدهُما: أنه ليس بخَسْق؛ لأنه لم يثبتْ، والثبوتُ يحتاج إلى ضَبْط وحَذَقٍ، فإذا مرق، دلَّ على قصور منه.
وأظهرهُما: أنه خَسْق؛ لأنَ الخَرْقَ قد حَصَلَ، وبالمروق بعده يدل على زيادة القوة، وليس الغرض من ذكر الثبوت في تفسيره هيئته، وإنما الغرض أن تقوى الرمية؛ بحيث يتأتى معها الثبوت.
والثاني: القطعُ بأنه خَسْق؛ لأن الشافعيَّ -رضي الله عنه- قد صَرَّح بأنه خاسقٌ عنْده؛ والمذهب الآخر حكاه في غيره، وهذا ما اختاره جماعةٌ منْهم القاضيان ابنُ كج والرويانيُّ، ويجوز أن يُعْلم قوله في الكتاب "وقيلَ يشترط الثبوتُ" بالواو.
ولو أصاب السهم طرف الغرض فخرقه، وثبت هناك، فهل يحسب خاسقاً؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن الخسق إنما هو الثقب في الوسط، وهذا لا يُسَمَّى، ثقباً ولا خرقاً للغرض، وإنما هو شق لطرفه، ويُقَالُ لهذا السهمِ: خارم لا خاسق.
وأظهرُهما: على ما ذكر الشيخ أبو حامد والإِمام: نعم؛ لأنه خرق بالنَّصْل، وثبت، وفي موضع القولين طُرُقٌ.
أولاَها: وهو المذكورُ في الكتاب: أن الخلافَ فيما إذا كان بعضُ خرم النصل خارجاً، فاما إذا أخذ الغرض خرْمَ النَّصْلِ كُلِّه، فقد حصل الخَسْق بلا خلاف.
والثاني: أنه، إذا كان بعضُه خارجاً، لم يكن خاسقاً، بلا خلاف ومحل القولين ما إذا بقيت طفية وجليدة محيطةً بالنصل، ذكره في "التَّهذيب" والطفية الواحدة من الخوص.
والثالث: أنه، إن أبان من الطرف قطعةً، لو لم يُبِنْها, لكان الغرض محيطاً بالنصْل، فهو خاسقٌ قولاً واحداً، والقولان فيما إذا خرم الطرف لا على هذا الوجه.
والرابع: أنه، إذا خرم الطرف، لم يكن خاسقاً بلا خلاف وإنما الخلافُ فيما إذا خرم شيئاً من الوسط، وثبت مكانه، وهذا أبعدها، وعن القفَّال: أنه، لو كان بين النصل وبين الطرف شيءٌ، لكنه تشقق، وانخرم ليبوسة كانَتْ في الشنِّ أو غيرِها، فهو خاسق، ولو فرض ما ذكرنا من إصابة الطرف، والمشروط القَرْعُ أو الإِصابةُ دون الخَسْق، ففيه طريقان: أحدُهما: طرد القولين، وبه قال أبو الحسن بن القطّان، ووجْه المنعِ، بناءً على الطريقة الأُولَى من طرق موضع الخلاف: أن جميعَ النصَّل لم يُصِبِ الغرض، إنما أصابه بعْضُه.

والثاني: بالخاسق، والإِصابةُ بخلافه.
ولا يخفى الحاجة إلى إعلام قولِهِ في الكتاب "استحق" بالواو؛ لبعض الطرق المذكورة.
ولو وقع السهم في ثقبة قديمة، وثبت ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يُحْسب خاسقاً؛ لان النَّصل صادف الثقب، ولم يخرق شيئاً والمشروط الخرّقُ وأصحُّهُما، وبه قطع الشيخُ أبو محمد: الاحتساب؛ لأن السهْمَ في قوته؛ بحيث يخرق لو أصاب موضعاً صحيحاً، وقضيةُ هذا: ألا يجعلَ خاسقاً، لو لم يعرف قوة السهم، ويوضِّحُهُ أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- نصَّ على أنه، لو أصاب موضعَ خرق في الغرض، وثبت كان خاسقاً، وذكر الأصحابُ؛ أنه أراد ما إذا كان الهدفُ في قوة الغرض، أو فتلت 1؛ منه بأن كان من الخشب أو الآجُرِّ أو الطين اليابس، فان لم يكنْ؛ بأن كان تراباً أو طيناً، فلا يحسب له ولا عليه؛ لأنه لا يَدْرِي، هل كان يثبت لو أصاب موضعاً صحيحاً أم لا؛ وعن "الحاوي" وجهٌ: أنه لا يُحْسب خاسقاً، وإن كان الهدفُ في قوة الغرض، ولو خدش النَّصلُ موضع الإِصابة وخرقه؛ بحيث يثبت فيه مثل هذا السهم، لكنه رجع؛ لغلظ لقيه من حصاة أو نواة، فقد أجرى فيه القولان المذكوران، فيما إذا خرق ولم يثبت، لكن الأظهرُ أنه يحسب خاسقاً هاهنا؛ لظهور سبب الرُّجوع، وهو الذي أورده صاحبُ "التهذيبِ" وإن قلْنا: لا يُحْسَبُ، فلا يحسب عليه أيضاً.
ويُجْعَلُ كالعوارض المانعة من الاحتساب له وعليه، ولو اختلفا، فقال الرامي: خسق سهمي، لكنه لم يثبت, لغلظ لقيه، وأنكر الآخر، فإن كان فيه خروقٌ، ولم يعرف موضعُ الإصابة، فالقولُ قولُ الآخر؛ لأن الأصل عدمُ الخَسْق والخدش، وكذا الحكم لو عيَّن الرامي موضِعاً، وقال: هذا الخرق حَصَل بسهمي، وأنكر صاحِبُه، ثم إن فتش الغرض، فلم يُوْجَد فيه حصاة ولا ما في معناها، فلا يَحَلَّف، وإن وُجَدَ فيه مانع، فَيُحَلَّف، وإذا حَلَف، لم يُحْسَبْ له، وهل يُحْسَبُ عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: المنعُ، وإن علم موضع الإِصابة، ولم يكن هناك مانعٌ؛ أو كان، ولم يؤثر السهم فيه بخدش، وبخرق، فيصدَّق بلا يمين، وتُحْسب الرمية عليه، وإن قلنا: الخرْقُ بلا ثبوت خَسْقٌ، فيحسب خاسقاً، ولا حاجة إلى اليمين، وإلا، لم يُعتدَّ به ولا يُحْسب عليه أيضاً؛ على الأظهر.
ولو مرق السهم، وثبت في الهدف، وعلى النَّصل قطعةٌ من الغرض، فقال

الرامي؛ هذه القطعة أبانها سهِمْي بقوته وذهب بها، وقال الآخر: بل كانت القطعةُ مبانةً من قبل، فتعلقت بالسهم، فالقولُ قول الآخر؛ لأن الأصل أَنْ لا خَسْقَ، نص عليه في "الأم" قال الشيخُ أبو حامد؛ هذا ما إذا لم يجعل الثبوت في الهدف كالثبوت في الغرض، فإن أقمناه مقامه، فلا معنى لهذا الاختلاف، وقوله في أول الفصْل "شرط الخاسق" وهي التي تخرق، المقصود منه أن الخرق يُعْتبر هاهنا، بخلاف ما إذا كان المشروط القَرْعَ، فاما أنه، هل يكتفي بالخرق أم يعتبر فيه الثبوت؟ ففيه الخلافُ الذي مَرَّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ: إِذَا شُرَطَ لِمَنْ يَسْبِقُ إِلَى عَشَرَةٍ مِنْ مِائَةٍ فَسَبَقَ إِلَيْهِ مِنْ خَمْسِينَ اسْتَحَقَّ، وَفِي لُزُومِ إِتْمَامِ العَمَلِ للِتَّعْلِيم وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مُحَاطَّةٌ وَخَلَصَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنْ خَمْسِينَ فَفِي لُزُومِ الإِتْمَامِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِاللُّزُومِ إِذِ الحَطُّ فِي البَاقِي مُنْتَظَرٌ، وَالخِلاَفُ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ الحَطَّ بَعْدَ الكَمَالِ هَلْ يُؤَثِّرُ؟ وَإنْ تَمَّتْ عَشَرَتُهُ فِي آخِرِ الخَمْسِينَ وَلِلآخَرِ تِسْعَةٌ مِنْ تِسْعِ وَأَرْبَعِينَ، فَإِنْ أَصَابَ فِي آخِرِ الخَمْسِينَ فَقَدْ تَسَاوَيَا وَلاَ سَبْقَ، وَإِنْ أَخْطَأَ اسْتَحَقَّ الآخَرُ مَالَهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا تناضلا مبادرة وشَرَطا المال لمن سبق إلى إصابة عشرة من مائة مثلاً، فسبق أحدهما إلى الإِصابة المشروطة قبل كمال عدد الأرشاق، فإن رَمَى كل واحد منهما خمسين، وأصاب أحدُهما في عشرة، وأصاب الآخر فيما دون العشرة أو لم يُصب في شيء، فلا شك في أن الأول ناضلٌ مستحِقٌ للمال، وهل يلزم إتمام العمل؟ فيه وجهان، نقلهما الإِمام وصاحبُ الكتاب: أظهرهما: وهو الذي أورده الجمهور: أنه لا يلزم؛ لأنه تم العمل الذي يتعلق به الاستحقاق، فلا معنى لالتزام عمل بعد ذلك.
والثاني: يَلْزُمُ، لينتفع صاحبُه بمشاهدة رميه، ويتعَلَّمَ منْه، وقرب هذا الخلاف من الخلاف في الرجوع إلى أجرة المثل عند فساد هذه المعاملة، إن قلنا: لا رجوع إلى الأجرة، فكلٌّ يعمل لنفسه، واستحقاقُ المال بالشرط على حكم المخاطرة، ولا يكلَّف إتمام العمل بعد استحقاق المال بالشرط على حكم المخاطرة، وإن أثبتنا الرجوع إلى الأُجْرة، فقد قدَّرنا العمل كالمنافع المستحقة، فلا يبعد أن يكلَّف استتمام العمل بعْد الفوز بالمال.
ولو شَرَطَا المال لمن سبق إلى خمسة من عشرين، فرمى أحدهما عشرة، وأصاب خمسةً، والآخر عشرةً، وأصاب ثلاثةً، فالأول ناضلٌ، وفي لزوم إتمام العمل وجهان؛ ولو تناضلا محاطَّة وشرَطَا المال لمن خلص له عشرة من مائة، فرمى كل واحد خمسين، فأصاب في خمسة عشر، والآخر في خمسة، فقد خَلَصَ للأول عشرةٌ، وهل

يستحق بها المال أم يَتوقَّف الاستحقاق على استكمال الأرشاق؟ فيه وجهان: أحدهما: يستحق؛ لأنهما استويا في الأرشاق والخُلُوص في المحاطَّة؛ كحصُول الإِصابات المشروطة في المبادرة، وكما يثبت الاستحقاق هناك قبل تمام العمل، يثبت هاهنا.
وأصحُّهما: المنعُ؛ لأن الاستحقاق منوطٌ بخلوص عشرة من مائة، وقد يصيب الآخر فيما بقي بقدر ما يمنع خلوص العشرة من المائة للأول، بخلاف المبادرة؛ فإن الإِصابة من بَعْدُ لا ترفع ابتدار الأول إلى ذلك العدد، فإن قلنا: لا يستحق المال، ما لم تكمل الأرشاق، فلا بد من إتمامها، فإن قلنا: بالاستحقاق، وقلنْا: لاحظَّ بعد خلوص العدد المشروط، فهل للآخر أن يكلِّفه إتمام العمل؟ فيه الوجهان المذكوران في المبادرة، ويجري الخلافُ في كل صورة يتوقع الآخر أن يُسَاوِيَ فيه الأوَّلَ أو يَنْضُلَهُ، وكذلك الحال في المثال المذكور، وفي معناه ما إذا كان المشروطُ خلُوصَ خمسة من عشرين، فرمى كلُّ واحد منهما خمسةَ عَشَرَ، وأصاب أحدُهما في عشرة، والآخرُ في ثلاثة، فإنهما، إذا استكملا الأرشاق، فقد يصيب الثاني في الخمسة الباقية جميعاً، ولا يصيب الأول في شيء منها، فلا يخلص له عشرة، ولو كانت الصورةُ بحالها، أصاب أحدهما في عشرة من خمسة عشر، ولم يصب الثاني في شيء منها، فلا يرجو الثاني مساواة الأول، وإن استكملا الأرشاق، وأخطأ الأولُ في جميع الباقي، وأصاب الثاني في جميعه، فلا يلزُمه إتمام الأرشاق، هكذا ذكره صاحبُ "التهذيبِ" وغيرهُ، ويجيء فيه الخلافُ المذكورُ في المبادرة لا محالةَ، ولو رمى أحدهما -والشرط المبادرة- خمسين في المثال المذكور، وأصاب في عشرة ورمى الآخر تسعةً وأربعين، وأصاب في تسعة؛ فالأول ليس بناضلٍ، بل يرمي الثاني سهماً آخر، فإن أصاب، فقد تساويا، وإلا ثبت الاستحقاق للأوَّل، ولو أصاب الأول من خمسين في عشرة، والثاني من تسعة وأربعين في ثمانية، فالأول ناضل؛ لأن الثاني، وإن أصاب في الرمية الباقية لا يساوي الأوَل، ويظهرُ بالصورتين أن الاستحقاق لا يَحْصُلُ بمجرَّد المبادرة إلى العدد المذكور، بل يُعْتبر مع المبادرةِ مساواتُهما في عدد الأرشاق أو عَجْزُ الثاني عن المساواة في الإِصابة، وإن صار مساوياً له في عدد الأرشاق ولو خلص لأحدهما في المحاطَّة عَشَرةٌ من خمسين، والآخر رمى تسعة وأربعين، ولم يُصِبْ في شيء منها، فله أن يرمي سهماً آخرَ، فلعله يصيب فيه، فَيَبْطُل خلوص عشر إصابات للأول.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لرَامٍ: ارْمِ خَمْسَةً عَنِّي وَخَمْسَةً عَنْ نَفْسِكَ فَإِنْ أَصَبْتَ فِي خَمْسَتِكَ فَلَكَ دِينَارٌ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ قَالَ: أرْم فَإنْ كَانَ إِصَابَتُكَ أَكْثَرَ مِنَ العَشَرَةِ فَلَكَ دِينَارٌ جَازَ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لرامٍ: ارْمٍ خمسةً عني، وخمسةً عن نفسك، فإن أصبت في خمستك أو كان الصوابُ في خمستكَ أكثرَ، فلك كذا، أو قال: ارْمِ عشرة، واحدةً عني وواحدةً عنك، فإن كانت إصابتك فيما رميتَ عن نفسك، أكثر، فلك كذا، لم يَجُزْ، نص عليه في "الأم" وعُلِّل بأنَّه يناضل نفسه، فيجتهد الصوابَ في حقِّه، ويقصِّر في حق صاحبه، وأيضاً، فالمناضلة عقد من العقود، فلا يجري إلا بين اثنين؛ كالبيع والهبة، ولو قال لرام: ارْمِ عشرةً، فإن كان صوابُك منها أكثرَ، ذلك كذا؛ فظاهر ما نقل المُزنيُّ: أنَّه لا يجوز، وأشار إلى تعليله بأنه يناضل نفسه، واختْلف الأصحابُ، فساعده مساعدون على أنه لا يجوز، وعلَّلوه بوجهين: أحدهما: أنه بذل العوض في مقابلة الصواب والخطأ، ولا يُستحقُّ بالخطأ شيء.
والثاني: قال أبو جعفر الأسْتَرَابَاذِيُّ: إنه بذل العوض في مقابلة مجهول؛ لأن الأكثر لا ينضبط، وقال المُعْظَمْ: إنَّه جائزٌ، وحكَوْه عن نصِّه -رضي الله عنه- في "الأم" وعللوه بأنه بذل المال على عوض معلوم، وله فيه غرض ظاهر، وهو تحريضه على الرميْ ومشاهدة رميه، وقالوا: إنه ليس بناضل، إنَّما هو جَعَالَةٌ، ومنعوا قول من قال: إنَّه بذل المال في مقابلة الخطأ والصواب، وجعلوه في مقابلة الصواب، والأكثر النصف بزيادة واحدة، وهو مضبوط، ثم من هؤلاء من غَلَّطَ المُزَنِيَّ في الحكم والتعليل، وقالوا: إنما ذكر الشافعيُّ -رضي الله عنه- ذلك في الصورة السابقة، ومنهم مَنْ حمل ما ذكره على ما إذا جرى لفظ المناضلة، فإن قال: ارْمِ كذا أو ناضل الخطأ بالصوابِ، فإن كان الصوابُ أكثرَ، فكذلك، أو قال: ارْمِ كذا، فإن كان صوابُكَ أكثرَ، فقد نَضَلْتَنِي، فهذا لا يجوز؛ لأن النِّضَالَ يجري بين اثنين، وإذا حكمنا بالجواز، فلو رمى ستةً وأصاب فيها جميعاً، فقد ظهر استحقاقه، وهل للشارط أَنْ يُكَلِّفَهُ استكمال العشرة؟ أُجْري فيه الخلافُ السابقُ، والظاهر: أن له ذلك؛ فإنه علق الاستحقاق بعشرةٍ إصابَتُها أكثرُ، ولو قال لمتراميَيْن: أرْمِيَا عشرةً، فمن أصاب منكما خمسةً، فله كذا، يجوز.
ولو قال أحدُهُما للآخر: ترمي عشرةً، فإن أصبت في خمستك، فلك عليَّ كذا، وإن أصبت، فلا شيء لي عليك، فكذلك يجوزُ.
ولو قال: إن أصبت، فلي عليك كذا، لم يجز إلا بمحلِّل، ولو قال: ارْمِ سهماً، فإن أصبت، فلك كذا، وإن أخطأت، فعليك كذا، فهو قِمَارٌ.
وقولُه في الكتاب "ولو قال: أرم، فإن كانتْ إصابتك أكثرَ من العشرة" أي: ارْمِ عشرةً، ثم وقع في اللفظ تقديمُ وتأخيرُ المعنَى، فإن كانت إصابتُك من العشرة أكثرَ، فَيُعلِمَ قوله "جاز" بالواو.
فَرْعٌ: لو كانوا يتناضلون، فمرَّ بهم مارٌّ، فقال لمن انتهت النوبة إليه، وهو على

أن يرمي: إن أصبتَ بهذا السهْم، ذلك دينار فعن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه إذا أصاب استحق الدينارَ، وتكونُ تلك الإِصابة محسوبةً من معاملته التي هو فيها، فقال الأصحاب قياساً عليه: لو كان يناضل رجُلاً، والمشروطُ عشر قرعاتٍ، وشرط أن يناضل بها آخر ثم ثالثاً إلى غير ضبْطٍ، حتى إذا فاز بها، كان ناضلاً لهم جميعاً، فهو جائز، قال الإِمامُ؛ وهذا دليل على انقطاعِ هذه المعاملة عن مضاهاة الإِجارة لأنها لو كانت بمثابتها، لما استحق بعمل واحدٍ مالَيْن عن جهتَيْن، وسبَبُ استحقاق المال فيها الشرط لا رجوع العمل إلى الشارط وقضيَّة هذه القاعدة ألاَّ تَجِبَ أجرة المثْل عند الفساد؛ لأن العامل لا يعمل لغيره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: إذَا شُرِطَ احْتِسَابُ القَرِيبَ وذُكِرَ حَدُّ القُرْبِ جَازَ، وَإنْ لَمْ يُذْكَرْ وَلَمْ تَكُنْ عَادَةٌ فَسَدَ، وَقِيلَ: يُنَزَّلُ عَلَى أَنَّ الأَقْرَبَ يُسْقِطُ الأَبْعَدَ كَيْفَ كَانَ، أَمَّا إذَا تَشَارَطُوا صَرِيحاً إِسْقَاطَ الأَقْرَبِ لِلقَرِيبِ فَهُو مُتَّبَعٌ، وَإنْ شَرَطُوا إِسْقَاطَ مَرْكَزِ القِرْطَاسِ وَمَا حَوَالَيْهِ فَوَجْهَانِ، لأَنَّ إِسْقَاطَ المَرْكَزِ كَالْمُتَعَذِّر.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقدمة الفصل أنهما اختلفوا في تفسير الحابي من السهام، فقيل: هو الذي يقع بين يدَي الغرض، ثم يزحف إليه، فيصيبه من قولهم حَبَا الصبيُّ، إذا أخذ في التحرك على أسْتِهِ أو بطنه، وهو كالمزدلف إلا أنَّ الحابي أضعفُ حركةً منه.
وقِيل: هو الذي يصيب الهدف حوالَى الغرض.
وقِيلَ: هو القريب من الهدف، كأن صاحبه يحابي ولا يريد منه إصابة الهدف، ويروَى هذا التفسيرِ عن الربيع، ولم يجعل كثير من الأصحاب الحَوَابِي صفة السهام، لكن قالوا: الرمي ثلاثةُ أنواع المبادرة، والمحاطَّة، والحَوَابي، وهو أن يرميا على أن يسقط الأقربُ والأسد الأبعد إذا تقرَّر ذلك، فلو شرطوا احتساب القريب من الغرض، نُظِرَ؛ إن ذكروا حدَّ القرب من ذراع أو أقلّ أو أكثر، جاز، وصار الحدُّ المضبوطُ كالغرض، والشَّنُّ في وسطه كالدَّارَة، وإن لم يذكر واحد القرب، فإن كان هناك للرماة عادة مطردة، حمل اللفظ المطلق على: القدر المعتاد عنْدهم، كما يحمل الدرهم عند الإِطلاق على المعتاد، وإن لم تكن عادةٌ مطردةٌ، فوجهان: أصحُّهُما: على ما ذكر الإِمامُ وصاحبُ الكتاب: أن العقْدَ فاسدٌ للجهالة، وإن قلنا: بالثاني، فوجهان: أحدهما: أنَّه ينزل على أن الأقْرَب يُسْقِطُ الأبعد كيف كان.
والثاني: أنه يُنَزَّل على قدر البعيد أو الأقرب للأبعد، كما إذا قال: يرمي عشرين رَشَقاً على أن يسقط الأقربُ الأبعد، فمن فضل له خمسة، فهو ناضل، وهذا ما قدمناه

في تفسير الحوابي، فهو صحيح، والشرط متَبَعٌ، وعن "الحاوي": ما يشير إلى خلاف فيه، والمذهب الأول، ووجْه ذلك أنه نوع من الرميْ معتاد بين الرماة، وهو ضرب من المحاطَّة، وحينئذٍ، فإن تساوت السهام في القرب والبعد، فلا ناضِلَ ولا منضولَ، وكذلك، لو تساوى سهمان في القرب؛ أحدهُما لهذا، والآخر لهذا، وكان سائرُ السهام أبعدَ، فيَسقط قريبُ كل واحد منهما بعْد الآخر ويتساويان، ومهما كان بين سهم أحدهما وبين الغرض قدْر شِبْر وبين سهم الآخر، والغرض دون شبرٍ 1، فيُسْقط الثاني الأولَ، فإن رمى الأول بعد ذلك، فوقع أقربَ، أَسْقَطَ ما رماه الثاني، ولو وقع سهم أحدهما قَريباً من الغرض، ورمى الآخر خمسةَ أسهمٍ، فوقعت أبعدَ من ذلك السهم، ثم عاد الأول فرمى سهماً، فوقع أبعد من الخمسة، سقط ذلك السهم بالخمسة، وسقط الخمسة بالأول، ولو رمى أحدهما خمسةً، فوقعت قريبةً من الغرض، وبعضها أقربَ من بعض، ورمى الثاني، فوقعت أبعد من خمسة الأول، سقَطَت خمسة الثاني بخمسة الأول، ولا يسقط من خمسة الأول شيء، وإن تفاوتت في القرب؛ لأن قريب كل واحد يُسْقِط بعيدَ الآخر، ولا يسقط بعيدُ نفسه، هذا ما أورده أكثرهم، وحكَوهُ عن النص، وفيه وجْه أنه يُسْقِط بعيدَ نفسه، كما يُسْقط بعيد غيره، وذكر أن ذلك عادةُ الرماة، وإذا وقع سهم أحدهِما بقُربْ الغرض، وأصاب سهمُ الآخرِ الغَرَض؛ فالمنقول أن الثاني يُسْقِط الأول، كما يسقط الأقربُ الأبْعَدَ، ولك أن تقول: ينبغي أن يُنْظَر إلى لفظ الشرط في العقد، إن كان الشرطُ إسقَاطَ الأسدِّ أو الأصوب غَيْرَه، فهذا ظاهر، وكذا إن كان الشرطُ إسقاطَ الأقرب الأبعدَ، على معنى الأقرب إلى الصواب، فأما إذا كان الشرط إسقاطَ الأقرب إلى الغرض الأبْعَدَ عنه، فينبغي أن يتساويا؛ لأن الموصوف بأنه أقربُ إلى الغرض أو أبعد عنه ينبغي أن يكون خارجاً عنه، وهما جميعاً في الغرض، وإذا أصاب أحدهما الرقْعة في وسَطِ الغرض، والآخر الغرضَ خارجَ الرقعة، أو أصاب خارج الرقعة 2، وأحدهما أقرب إليها، فقد حَكَى الشافعيُّ -رضي الله عنه- عن بعض الرماة أن الذي أصاب الرقعة أو هو أقرب إليها يُسْقِط الآخر، قال: والقياس عندي أنَّهُما سواء، وإنما يُسْقِط القريبُ البعيدَ، إذا كانا خارجَيْن من الشَّنِّ، وفي هذا تأكيدٌ لما قدمناه، وعن "الحاوي": أنه عد المذهبين وجهَيْن، قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: ومن الرماة من يقول: القريب الذي يُسْقِط البعيدَ؛ هو الساقط، وهو السهم الذي يقع بين يدَي الغرض، والعاضد، وهو الذي يقع في جانب اليمين أو اليسار دون الخارج، وهو الذي يجاوزه، ويقع فوقه، والقياس عندي أنه لا فرق؛ لوقوع اسم القريب على الجميع، وذكر الإِمام: أنهم إذا شرطوا احتساب القريب من الغرض، فالاعتبار بموضع ثبوت

السهم واستقراره، لا بحالة المرور، حتى لو قَرُب مروره من الغرض، ووقع بعيداً منْه، لم يحتسب به إلا إذا شرطوا اعتبار حالَةِ المُرُور، وِإنْ وقولُه في الكتاب "وِإنْ شرطوا إسقاط مركز القرطاس وما حواليه" أي: شرطوا أن يسقط إصابة المركز إصابة ما حوالَيْه، وحَكَى في "النهاية" بدل الوجهين قولَيْن، ووُجه المنْعُ بأنَّ وسط القرطاس قد يتعذّر قصده، وقد يصيبه الأخرق اتفاقاً، ونَسَب القولين إلى رواية العراقيين، ولا يكاد يوجد في كتبهم في إصابه أحدهما وسط القرطاس وإصابة الآخر ما حواليه، إلا ما حكيناه عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وذلك في مطْلَق شرط إسقاطه للأبعد لا في إسقاط المركز ما حوله، والمفهوم مما ساقه الأصحابُ اتِّبَاعُ المَشْروط.
قَالَ الغَزَالِيُّ: في جَمِيعِ هَذِهِ الشُّرُوطِ إِذَا عَرَضَتْ نَكْبَةٌ مِنْ بَهِيمَةٍ تَعْتَرِضُ أَوْ سَهْمٍ أَوْ قَوْسٍ يَنْكسِرُ فَيُعْذَرُ صَاحِبُهُ حَتَّى لاَ تُحْتَسَبَ (و) عَلَيْهِ تِلْكَ المَرَّةُ إِلاَّ أنْ يَكُونَ الانْكِسَارُ لِسُوءِ صَنِيعِهِ فَيُحْسَبُ عَلَيْهِ لِيَتَعَلَّمَ، وَلَوْ أَصَابَ بَهيمَةً فَمَرَقَ وَأَصَابَ الهَدَفَ فَيُحْسَبُ لَهُ عَلَى أَحَد الوَجْهَيْنِ، وَإِن انْصَدَمَ بِشَجَرٍ ثُمَّ وَقَعَ عَلَى قُرْبٍ حُسِبَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ، وَإِنْ أَصَابَ فَهَلْ يُحْسَبُ لَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ إِذْ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى وِفَاقٍ، وَالرِّيحُ اللَّيِّنَةُ لاَ تُؤَثِّرُ، وَالعَاصِفُ المَقْرُونُ بابْتِدَاءِ الرَّمْيِ لاَ يُؤَثِّرُ وَفِي أَثْنَائِهِ هَلْ يُعْذَرُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإنْ انْكَسَرَ السَّهْمُ بِنِصْفَيْنِ فَأَصَابَ بِالْمُنْقَطِعِ الَّذِي فِيْهَ الفَوْقُ حْسِبَ، وَإنْ أَصَابَ بِالنَّصْلِ مِنَ النِّصْفِ الأَخِيرِ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: غرض الفصل القول في النكبات التي تطرأ عند الرمي، وتشوشه، وذلك يعم شرط القَرْع والخَسْق وغيرهما؛ ألا تراه يقول في جميع هذه الشروط: "إذا عَرَضَتْ نكبةٌ" وإذا كان كذلك، فللمضايق يضايق في عدّ الفصل مضموماً إلى الشروط السابقة بقوله: "الخامسة كذا"؛ لأنه قال في أول النظر الثاني "والشرط صورٌ" وليس هذا من صور الشروط، والأصل الذي يبنى عليه أن السْهَم مهما وقع متباعداً عن الغرض تباعداً مفرطاً، إما مقصراً عن الغرض أو مجاوزاً، نُظِرَ؛ إنْ كان ذلك لسوء الرمي، فهو محسوب على الرامي، ولا يُرَدُّ السهمُ إليه؛ ليرميه مرة أخرَى، وإن كان لنكبة عرضَتْ، أو خلل في آلةِ الرمْي من غير تقصير من الرامي؛ فذلك السهْمُ غيرُ محسوبٍ عليه، وهذا الأصل يوضِّحه صُورٌ: إحداها: إذا عرض في مرور السهم إنسانٌ أو بهيمةٌ، فلم يبلغ السهم، أو حدثت في يده علة، أو ريحٌ أخلَّت بالرمي، فلا يحسب تلْك الرمية عليه، بل يعيدها؛ لأن عدَم الإِصابة للنكبة العارضة لا لسوء رميه، فيعذر، وانقطاع الوتر وانكسار السهم والقوس، إن اتفق شيء منها بتقصيره وسوء رميه، فتُحْسَب الرمية عليه، ليتعلَّم وذلك مثل أن

يخلِّي الفوق 1 في النزع عن الوتر، فيتولَّد منه انكسار السهم، وإن كان بسبب ضعف الآلة أو غيره لا من جهة تقصيره وإساءته، فهو كما لو عرضت بهيمة ونحوها، فلا يحسب الرمية عليه، وكذلك لو حدثت في يده علة أو ريح أخلَّت بالرمي، وحَكَى الإِمامُ وجهاً أن السهم عند هذه العوارض، إن وقع قريباً من الغرض، حسبت الرمية عليه؛ لأنه وقع في حدِّ غيره بعيداً عن الإِصابة، وكأنّ النكبة لم تؤثِّر، ونُسِبَ هذا إلى أبي إسحاق وخَصَّص الأكثرون هذا الوجْه بما إذا وقع السهم مجاوزاً للغرض، وجعلوا المجاوزة مُشْعِرة بأن النْكبَة لم تؤثِّر، وسبب المجاوزة إساءة الرمي، وأجابوا عنه بأن الإِخلال يُؤثِّر في التقصير تارةً، وفي الإسراف أخرَى، فإن قلنا: بالاحتساب عليه، فلا شَكَّ أنه، لو أصاب، يحسب له السهم، وإن قلْنا: لا يُحْسب عليه، وهو الظاهر المنصوص والمذكور في الكتاب، فلو أصاب، هل يُحسب له؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما لا يُحسب عليه، ولأن الإِصابة مع انكسار الآلة قد تعد اتفاقية.
وأصحُّهُما: نعم؛ لأن الإصابة مع النكبة تدل على جودة الرمْيِ وقوته، ثم في كتاب القاضي ابنِ كج: أن الانقطعَ والانكسار إنما يؤثر حدوثهما قبل خروج السهم من القوس، إما بعده، فلا أثر له، وصوَّر في التهذيب انكسار السهْم 2 فيما إذا كان بعد خروجه من القوس، وجعل عُذراً، وإذا انكسر السهْمُ نصفين ولا تقصير منه، وأصاب أحد نصفيه الغرض إصابةً شديدةً، فعلى الوجهين في أن الإِصابةَ مع النكبة، هل تُحسَب له؟ إن قلْنا نعم، وهو الظاهر، فبأي النصفين الاعتداد؟ فيه وجهان: أحدهما: أن الاعتدادَ بالنصف الذي فيه النصْل، فإن أصاب بالنصْل، حُسب له؛ لأن اشتداده مع الانكسار يدُلُّ على جودة الرمْي وغاية الحَذَق فيه، والنصف الذي فيه الفوق لا اعتداد به، كما إذا لم يكن انكسار.
والثاني: أن الاعتداد بالنصف الذي فيه الفوق، فإذا أصاب بمنقطعه حُسِبَ له ولا عبرة بالنصف الآخر: لأنه لم يبْقَ فيه تكامل الوتر واعتماده، والمقروع بالوتر هو النصف الذي فيه الفوق، والأول المنصوص، وبه أجاب العراقيون وأكثرُ الأصحابِ.
والثاني: الجواب في "التهذيب" ويوافقه إيراد صاحِب الكتاب في الذي فيه الفوق، لكن من جعل الاعتبار بما فيه الفوق، لا يعتد بالإِصابة بالنصف الذي فيه النَّصْل، وكان من حقه، إذا جعل الإِصابة بما فيه الفوق محسوبةً، أن يقول: وإن أصاب بالنصل من النصف الآخر، لم يُحْسَب؛ أما ذكر الوجهين في أحدهما دون الآخر،

والحال ما وصفنا، فغير مستحسن، ولو أصاب بهما، لم يُحْسَب إصابتين، وكذلك الحكمُ وكذا فيما لو رمى سهمين دفعةً واحدةً، ذكره القاضي ابنُ كج، ولو انصدَمَ السهْم بشجر، ثم أصاب، فقد سبق ذكُر الخلافِ فيه، وهو مكرَّر هاهنا، وزاد هاهنا ذكرْ الخلاف في أنه، هل يُحْسَب عليه، إذا لم يصب وقد قدمناه أيضًا.
وقوله: "ثم وقع على قرب" يشير إلى أن الخلافَ فيما إذا وقع قريباً يتوقع في مثله الإصابة، فأما إذا أفرط التباعُدُ، فهو محسوب عليه لا محالة وكذلك نقول: لو حاد السهم عن سنن الهدَفِ، وخرج من السماطين، يُحْسَب عليه بسوء رمْيهِ ولو رمى إلى غير الجهة التي فيها الهَدَف، فهذا اشْتِغال منه بغير النضال الذي يتعاقدا عليه، فلا تُحْسَب عليه 1. الثانية: لو كان في الغرض سَهْمٌ، فأصاب سهمه فوق ذلك السهمْ، نُظِر؛ إن كان ذلك السهم قد تعلَّق به، وبعضه أو أكثره خارجٌ، لم يحسب ذلك إصابة للغرض، ووُجِّه بأنه لا يدري، هل كان يبلغ الغرض لولا هذا السهْمُ، ولا يُحْسَب عليه أيضًا؛ لأنه عارِضٌ دون السهم، فإن شقه، وأصاب الغرضَ، حُسِبَ له، وقد يجيء فيه الخِلافُ المذكور في البهيمة وإن كان ذلك السهْمُ قد غرق فيه، اعتد إصابةً، فإن كان الشرْطُ الخَسْقَ، لم يحسَب له ولا عليه؛ لأنه لا يَدْرِي، هل كان يخسق أم لا، وينبغي أن ينظر إلى ثبوته فيه، وأن يُقاس صلابةُ ذلك السهم بصلابة الغرض، كما سبق نظيره.
ولو أخرق الرامي، وبالغ في النزع حتى دخل النَّصْل مقبض القوس، ووقع السهم عنده، فالنص إلحاقُه بانكسار القوْس وانقطاع الوتر وسائِرِ العوارض، ووُجِّه بأن سوء الرمي أن يقصد شيئًا، فلا يصيبه، ولم يُوجَدْ هاهنا، وإنما ترك التحفُّظ في النزع، وعن صاحِب "الحاوي": أنه يُحْسَب عليه؛ لأن النزعَ ينبغي أن يكون بقدر الحاجة، فالزيادة إساءة ويقرب من هذا كلامُ الإِمام وعن أبي الحسين بن القطان: أنه، إن لم يبلغ مدى الغرض، لم يُحْسَب عليه، وإن بلَغ المدَى، ولم يصب، حُسِبَ عليه.
الثالثة: الريحُ الليِّنة لا تؤثر حتى لو رمى زائلاً عن المسامتة، فردتْهُ الريحُ أو رَمَى ضعيفاً، فَقَوَّتْهُ، وأصاب، حُسِب له، وإن صرفته عن السمت بعْضَ الصرف، فأخطأ؛ حُسِب عليه؛ لأن الجو لا يخلو عن الريح الخفيفة غالباً، ويضعف تأثيرها في السهم مع سرعة مروره، فلا اعتداد بها، وفيها وجْهٌ: أنها تمنع الاحتساب عليه، إن أخطأ، ووجْهٌ، آخر: أنها كالعاصفة تمنع الاحتساب له وعليه.
وإن كانت الريحُ عاصفةً واقترنت بابتداء الرمي، فيخرج مما ذُكِر فيه وجهان:

أحدهما: وهو ظاهر النص، وبه أجاب الإِمام وصاحبُ الكتاب: أنها لا تؤثر؛ لأن ابتداء الرمي والريح، تهبّ عاصفة، تقصير وأيضاً فللرماة حَذَقٌ ونَظَرٌ في الرمْي وقت هبوب الريح؛ ليصيبوا، فإذا أخطأ، فقد ترك ذلك النظر، وظهر سوءُ رميه.
وأظهرهما: وهو قول أبي الطيب بن سلمة، وبه أجاب أصحابُنَا العراقيون وغيرهُمْ، أنها تمنع الاحتساب له، إن أصاب، وعليه إن أخطأ، لقوة تأثيرها, ولذلك يجوز لكلِّ واحد منهما تأخيرُ الرميْ إلى أن ترقد بخلاف اللينة، ولو هجم هبوبها بعد خروج السهم من القوس، فقضية الترتيب أن يُقَالَ: إن جعلنا اقترانها مؤثراً، فهو أولَى بالتأثير، وإلا، فوجهان: أحدهما: أنها كالنكبات العارضة.
والثاني: المنْعُ؛ لأن الهواءَ لا يخلُو من الريح، ولو فتح هذا الباب لطال النزاعُ، وتعلَّل المخطِئُون به، والظاهِرُ أنه، إن أخطأ عند هجوم الهبوب، لم يحسب عليه، وإن أصاب، فهل يُحْسَبُ له؟ فيه الخلاف المذكورُ في "السُهم المزْدَلِف" 1 إذا أصاب.
وقال الشيخُ أبو إسحاق الشيرازيُّ: عندي لا يُحْسَب له بلا خلاف، وأن المزدلف أصاب الغرض بحدة رميه، ومع الريح العاصف لا يُعْلَمَ أنه أصاب برميه.
ولو هبت ريحٌ، ونقلت الغرض إلى موضع آخر، فأصاب السهمُ الموضعَ المنتقل عن، حُسِب له، إن كان الشرطُ الإِصابةَ، وعن القاضي بخلافه؛ لأنه زال المرميُّ إِليه، وإن كان الشرط الخَسْقَ، فليستَ صلابَةُ 2 الموضع كصلابة الغرض، وإن أصاب الغرض في الموضع المنتتَقَل إلَيْه، لم يُحْسَب له، بل يُحْسَب عليه، ولو أزالت الريح الغرض حتى استقبل لسهْمَ فأَصابه السهم، قال القاضي ابنُ كج: لا يُحْسَبُ له.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا حُكْمُ هَذَا العَقْدِ إِنْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ فَيَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الرَّامِي وَبِمَوْتِ الفَرَسِ، وَلَوْ مَاتَ الفَارِسُ فَلِلوَارِثِ الإِتْمَامُ، وَيُحْتَمَلُ خِلافُهُ، وَاِنْ قُلْنَا بِالجَوَازِ جَازَ إِلْحَاقُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانِ بِعَدَدِ الأَرْشَاقِ وَالإِصَابَاتِ بِالتَّرَاضِي، وَهَلْ يَجُوزُ الاسْتِبْدَادُ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، يَجُوزُ فِي الثَّالِثِ لِلَّذِي قَرُب مِنْ أَنْ يَسْتَولِيْ دَوُنَ المَغْلُوبِ وَكَأَنَّ المَغْلوبِ

لَزِمَ فِي حَقِّهِ أَعْنِي بِهِ مَن قَرُبَ مِنْ أَنْ يُغْلِبَ، ثُمَّ إِذَا انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالزِّيَادَةِ فَإنْ لَمْ يَرْضَ الآخَرُ فَلَهُ فَسْخُ العَقْدِ، وَيجُوزُ تَأْخِيْرُ الرَّمْي عَلَى هَذَا القَوْلِ إِذْ يَجُوزُ الإِعْرَاضُ أَصْلاً، وَلَوْ قَالَ المَفْضُولُ لِلفَاضِلِ: حُطَّ فَضْلَكَ وَلَكَ كَذَا لَمْ يَجُزْ عَلَى القَوْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني: في حكم المناضلة جوازاً ولزومًا وفي كونها جائزةً أو لازمةً قولان كما سبق في "المسابقة" وقوله: "وأمَّا حكم هذا العقد" يعني فيما يرجع إلى الجواز واللزوم، وإلا، فالكلام في ذوات النظر.
الثاني: في حكم هذا العقد، وإن قلنا: إنه يلزم، فينفسخ بموت كل واحد من المتراميين، وينزل موت الرامي منزلة الأجير المعيَّن، ولو مَرِضَ أحدهما أو أصابه رمدٌ، لم ينفسخ العقد، ولكن يُؤَخَّر الرمي، وفي المسابقة يَحْصُل الانفساخ بموت الفرس؛ لأن التعويل فيها على الفرس، ولا يَحْصُل بموت الفارس، بل يقوم الوارث مقامه، وأبدى فيه احتمال آخر؛ لأن للفارس في العقد أثراً ظاهرًا، وإلزام الوارث عمل المسابقة كالمستبعد، ولا يجوزُ لهما إلحاق الزيادة بعدد الأرشاق ولا عدد الإصابات، وطريقُها: إن أراد، ذلك أن يَفْسَخَا العقدَ ويستأنفا آخر، وليس للمناضل أن يترك النضال، ويجلس، بل يُؤْمَر به، ويلزم كمن استُؤْجِرَ لبناءٍ أو خياطةٍ، وامتنع، ويُشْرَع فيه الحبس والتعزير هذا إذا كان مفضولاً أو كان 1 له الفضل، وتوقع صاحبه أن يدركه، فيساويه أو يفضله، أما إذا لم يتوقع الإِدراك، كما إذا شرطا إصابة خمسة من عشرين، فأصاب أحدُهُما خمسة، والآخر واحَداً، ولم يبق لكل واحد إلا رميتان، فلصاحب الخمسة أن يجلس ويترك الباقي، وإن قلْنا: بالجواز يفرَّع عليه مسألتان: إحداهما: يجوزُ إلحاقُ الزيادة بعدد الأرشاق والإِصابات، وفي المال بالتراضي، وفيه وجهٌ بعيدٌ تخريجًا من الخلاف في جواز إلحاق الزيادة بالثمن والمثمن في زمان الخيار ومكانه، وهل يَسْتبد أحدهما بالزيادة؟ وحَكَى الإِمام فيه ثلاثةَ أوجهٍ، وتابعه المصنِّفُ: أحدها: لا، تخريجاً على أنه لا بدّ في العقْد من القول، وإن جُعِلَ كالجعالة، وإذا شرطنا القبول في ابتداء العقْد، وجب اشتراطه في الزيادة.
وأظهرها: نعم، لجواز العقد، فإذا لم يرض صاحبه بالزيادة، فليفسخ.
وثالثُها: أنه ليس للمفضول إلحاقُ الزيادة، كيلا يتخذ ذلك ذريعةً إلى الدفْع، فلا يتم النضال، وان كان فاضلاً أو مساوياً، فله ذلك، وبم يصير مفضولاً؟ قيل: متى زاد صاحبهُ لإصابة واحدةٍ، فهو مفضول، والأشبه أنه لا تكفي الإِصابة الواحدة والإِصابات،

لكونه مفضولاً، ومتَّهَماً في الزيادة، وإنما يَصِيرُ مفضولاً، إذا قرب صاحبه من الفوز والاستيلاء، والوجْهُ المذكورُ في أنه لا يجوز إلحاق الزيادة والنقصان بالتراضي، والوجهُ الآخرُ في أنه ليس لأحدهما الاستبداد: يطردان في المسابقة، وإن لم يذكرُهْما هناك، وفي "الجعالة" إذا زاد الجاعل في الجُعْل، كان متَّهماً كالمفضول ففي زيادته الخلافُ، فإن لم تلحق الزيادة بها، فذاك، وإن ألحقناها، وقد عمل العامل بعض العمل، ولم يرض بالزيادة فُسِخ العقْد، قال الإِمام: والوجه أن تثبت له أجرة المثل؛ لأن التركَ بسبب الزيادة بخلاف ما إذا عمل بعض الَعمل، وترك الباقي بلا عذرٍ؛ حيث لا يستحق شيئاً.
وقوله في الكتاب: "وهل يجوزُ له الاستبدادُ" بعدما ذكر جواز الزيادة والنقصان بالتراضي، ينصرف ظاهراً إلى الزيادة والنقصان جميعًا، لكِنَّ المقصودَ هاهنا الزيادة، ألا تراه قال الثالث: "يجوز للذي قَرُب مِنْ أَنْ يَسْتولِيَ دون المغلوب وقياس هذا الوجه في جانب النقصان أن يجوز النقصان للذي قَرُبَ من أن يغْلِب دون الذي قَرُب من الاستيلاء؛ فإنه المتَّهم في النقصان بالحرص على الاستيلاء، وذكر الإمامُ: أنه لا ينبغي أن يشبه الحطُّ والنقصان هاهنا بإبراء البائع عن بعض الثمن؛ لأن الإِبراء كالاستيفاء، وليس شيئاً يلتحق بالعقد؛ ألا ترى أنه ينفذ بعد لزوم العقد، وأنه يَجْرِي في قيم المتلفات أو في العروض، وحيث لا يتوقع إلحاق الزيادة، وحطُّ الأرشاقِ والقرعاتِ ليس في هذا المعنى، فهو على التردُّد المذكور في الزيادة، نعَمْ، مَنْ شَرَط السبق له، لو حطَّ قبل الفوز، فهل هو كالإِبراء عن الشيء قبل وجوبه، وقد ظهر سببُ وجوبه؟.
الثانية: يجوز لكل واحد منهما على هذا القول تأخيرُ الرمْي والإِعراض عنه من غير فَسْخ، وكذلك الفسْخ، إذا لم يكن المُعرِضُ مفضولاً، وإن كان مفضولًا متهماً، فهل له أن يجْلِسَ ويترَك النضال؛ فيه وجهان أو قولان؛ على ما ذكرنا في المسابقة، قال الإمامُ: وفي جواز فسخه الخلافُ الذي ذكرناه في جواز الزيادة؛ ويفضي الأمرُ، إذا فرَّقْنا بين المفضول وغيره إلى أنَّ الحكمَ بالجواز مطْلقاً مقْصورٌ على ما إذا لم يَصِرْ أحدهما مفضولاً، فإن صار مفضولاً، لزم في حقه، وبقي على الجواز في حق الآخر، والخلافُ في أن المفضولَ هل ينفذ فسخُه، أجرى في فسخ الجاعل الجَعَالة، بعدما أتى العامل ببعض العمل، وكانت حِصَّةُ عمله من المسمَّى تزيد على أجرة المثل، ولو شرطا في العقد أنَّ لكل واحدٍ منهما أن يجلسَ، ويتركَ النضال إن شاء، فسد العقد، إن قلنا: إنَه لازمٌ، وكذلك إن جعلناه جائزاً، وقلنا: ليس للمفْضُول التركُ والإِعراض، وإن قلْنا: له ذلك، لم يضرَّ شرطُه، فإنه مُقْتضَى العقد، وإن شرطا أن المُسْبَق، إن جلس، كان عليه السَّبَق، فهو فاسد على القولَيْن؛ لأن السبَقَ، إنما يُشْرَع في العمل، ولو كانا يتناضلان، فَفَضَل أحدُهما الآخر بإصابات، فقال له المفضول: حُطَّ فضلك، ولك عليَّ كذا، لم يجز، سواءٌ جعلنا هذه المعاملة لازمةً أو جائزةً،

وسواءٌ جوَّزنا إلحاق الزيادة أو لم نجوز، فإن حَطَّ الفضْلِ لا يُقابل المال.
ويختم الكتاب بمسائل منثورة من الباب، إذا كان أحد الرامِيَيْن يطول الكلام إذا أصاب السهم -والافتخار فيضجر صاحبه أو يعنف صاحبه، إذا أخطأ، مُنِعَ منه، وإذا كلَّم أحدهما إنسان، قِيلَ له: أجاب جواباً وسَطاً، ولاَ تُطَول، ولا تحبس القومُ، ولو كان يتعلَّل بعدما رمى صاحبُه بمسح القوس والوتَر، وأخْذ النبل بعْد النبل والنظر فيه، قيل له: آرْمِ لا مستعجلاً ولا متباطئًا؛ لأنه قد يتعلَّل لخطئه، وقد يصيب صاحبُه، فيؤخر لتردُّيده أو ينسى نهج الصواب، لو شرط أن يُحْسَب لأحدهما أصابة واحدةٌ إصابتَيْن، أو يحط من إصاباته شيْء أو على أنه، إن أخطأ، رُدَّ عليه سهم أو سهمان؛ ليعيد رميهما، لم يجز؛ لأن هذه المعاملة مبنيةٌ على التساوي، وكذا لو شرطا أن يكون في يد أحدهما من النبل أكثرُ مما في يدِ الآخر، وهذا شيء يعتاده الرماة، ويأخذون النبل بين أصابعهم، ومن أخذها أكثر، كان راميه أضعف، ولا يجوز أن يُحْسَب خاسقُ أحدِهما خاسقَيْن، لو كان المشروطُ الحوابِيَ، فشرط أن يُحْسَب خاسقٌ حابِيَيْن، جاز، نص عليه في "الأم"؛ لأن الخاسق يختص بالإِصابة والثبوت، فجاز أن تجعل تلْك الزيادة قائمةً مقام حاربٍ، وقيل: فيهما جميعًا: قولان.
ولو كانا يتناضلان، فرمَيَا بعض الأرشاق، ثم ملاَّ، فقال أحدهما للآخر: ارْمِ، فإن أصبتَ، فقد نضلتني، أو قال: ارْمِ، فإن أصبت هذه الوحدة، فقد نضلتك، لم يجز؛ لأن الناضِلَ من يساوي صاحبه في عدد الأرشاق، ويفضله في الإِصابة، ولا يتحقق ذلك في الإِصابة الواحدة.
لو تناضل أو تسابق اثنان، وأخرج السَّبَق أحدهما، فجاء أجنبيُّ، وقال: شاركني فيه، إن غنمت أخذتُ معك ما أخرجته، وإن غرمت، شاركتك في الغرم، لم يجزْ، وكذا لو أخرجاه وبينهما محلِّل، فقال أجنبي، لأحدهما: لأن الغُرم والغُنم في المسابقة مبنيان على الرمْي، وهذا الأجنبي لا يَرْمِي، إذا وقع عقد المناضلة والمسابقة في الصحَّة ودفع المال في مَرَض الموت، فهو من رأس المال، إن جعلناه إجارة وإن جعلْناه جعالَةً، فوجهان، ولو ابتدأ العقد في المرض، فيُحتمل أن يُحسب من الثلث، ويُحتمل أن يُبْنَى على اختلاف القولين، ذكره في "البحر" 1 وفيه: أنَّ الوليِّ ليس له أن يَصْرِف مال الصبيِّ إلى غرض المسابقة والمناضلة، ليتعلَّم، وأن السبَقَ الذي يلتزمانه يجوز أن

يكونَ عندهما، ويجوزُ وضْعُه عند عدْلِ يثقان به، وهو أحوطُ وأبعدُ عن النزاع، وأنَّه، لو قال أحدهما: ينزل السبَقُ عندنا، وقال الآخر: نضعه عند عدل، نُظِر؛ إن كان المُلتَزَمُ دَيْناً، أُجيبَ الأول، وإن كان عَيْنًا، أُجِيب الثاني، وأنهما لو اتفقا على إخراجه من اليد، وقال أحدهُما: نضعه عند زيد، وقال الآخر: عند عمر، واختار الحاكم أميناً، وهل يتعيَّن أحد الأمينَيْنِ المتنازَع فيهما أوله أن يختار غيرهما؟ فيه وجهان، وأنه لا أجرة للأمين إلا إذا اطَّرَدَ العَرْفُ بأجرة له؟ ففيه وجهان.
وفيه: أنَّ المحلِّل ينبغي أن يجري فرسه بين فرسَي المتسابقين، وإن لم يتوسطهما، وأَجْرَى من أحد الجانبين، جاز، إن تراضيا به، وأنه لو رضي أحدهُما بأن يعدل عن الوسط، ولم يرض الثاني، لزمه التوسُّط، وأنهما لو تراضيا بأن لا يتوسَّط، ولكن قال أحدهما: يكون على اليمين، وقال الآخر: على اليسار، ألزم التوسُّط، وأنه، لو تنازع المتسابقان في اليمين واليسار، أُقْرع بينهما، قال في "المختصر": الصلاة جائزة في المَضْرَبَة والأَصَابع، إذا كان جلْدُهما ذكيًا ومدبوغًا من جلْد ما لاَ يُؤْكَل لحمُه سوى الكَلْب والخِنْزِير، والمضربةُ هي التي يُلْبِسُها الرامي كفَّه اليسرَى حتى لا يصيبها الوتَر، قال الشيخ أبو حامد: الأصحاب يقولَون: "المضَّربة"، ولفظ الشَّافعيِّ "المَضْرَبَة" بالتخفيف، يعني بها الآلات، والأصابع: جلْد الرامي في إبهامه ومسبحته من اليد اليمنَى؛ ليمد الوتر، والغرض أنه لا بأس باستصحابهما في الصلاة بشرط الطهارة، ويتعلق النظر أيضاً بأنَّ كشْف اليد في السجود، هل يجب؟ قال: ولا بأس أن يُصلِّي متنكّبًا القوس والقرن إلا أن يتحرَّكَا علَيْه حركةً تشغلُه، فأكْرَههُ ويجزئه، والتَّنكُّب التقلُّد، والقَرَن بتحريك الراء الجَعْبَة المشقُوقة، ولا بدّ من رعاية الطهارة.
لا يُجْلَب على الفرس في السباق، وهو أن يصيح به القوم ليزيد في عَدْوه، ولكن يركضان بتَحْريك اللجام والاستحثاث بالسَّوْط، رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ أَجْلَبَ عَلَى الخَيْلِ يَوْمَ الرِّهَانِ، فَلَيْسَ مِنَّا" ويُرْوَى 1 "لاَ جَلَبَ وَلاَ جَنَبَ" وذكر في معنى الجنب: أنهَم كانوا يُجنِّبون الفَرَس حتى إذا قاربوا الأمد، تحوَّلُوا عن المركوب الذي قد كدّه الركوب إلى الجنبة، فنُهُوا عنه.
إذا وقف المتناضلان في الموْقِف، فهل يحتاج مَنْ يرمي إلى أن يستأذن صاحِبَه، قال القاضي ابنُ كج: جرت عادة الرماة بالاستئذان، حتى أنَّ مَنْ رمَى من غير استئذان، لم يُحْسَب ما رماه، أصاب أم أخطأ، ويجب اتِّباع عُرْفِهِم بالاستئذان، وقال أبو الحسين: يُحْسَب، ولا حاجة إلى الاستئذان، واللهُ أَعْلَمُ بالصواب.

جارٍ التحميل