كِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ: زَكَاةُ النَّعَمِ، والنَّظَرُ فِي وُجُوبِهَا وَأَدَائِهَا، أَمَّا الوُجُوبُ فَلَهُ ثَلاثَةُ أَرْكَان: (الأَوَّلُ) قَدْرُ الوَاجِبِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ (الثَّانِي) مَا يَجِبُ فِيهِ وَهُوَ المَالُ وَلَهُ سِتَّةُ شَرَائِطَ: أَنْ يَكُونَ نَعَماً نِصَاباً مَمْلُوكاً مُتَهَيِّئاً لِكَمَالِ التَّصَرفِ سَائِمَةً بَاقِيَةً خَوَلاً، الشَّرْطُ الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ نَعَمَاً، فَلاَ زَكَاةَ إلاَّ فِي الاِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَم، وَلاَ تَجِبُ فِي غَيْرِهَا وَلاَ فِي الخَيْلِ (ح) وَلاَ فِي المُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظِّبَاءِ وَالغَنَمِ وَإنْ كَانَتِ الأُمَّهَاتُ (ح) مِنَ الغَنَمِ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ 1 وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ 2.
وقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَانِعُ الزَّكَاةِ فِي النَّارِ" 3.
الزكاة أحد أركان الإسلام، فمن منعها جاحداً كفر إلاَّ أن يكون حديث عهد بِالإِسْلاَم، لا يعرف وجوبها، فيعرف ومن منعها وهو معتقد لوجوبها أخذت منه قهراً، فإن لم يكن في قَبْضَة الإمام وامتنع القوم قاتلهم الإمام على منعها، كما فعل الصِّدِّيق -رضي الله عنه-.
قال الأصحاب: الزَّكاة نوعان: زكاة الأبدان وهي الفطرة ولا تعلّق لها بمال، إنما يراعى فيها إمكان الأداء.
وزكاة الأموال: وهي ضربان: زكاة تتعلق بالقيمة والمالية، وهي زكاة التِّجارة وزكاة تتعلّق بالعين.
والأعيان التي تتعلّق بها الزَّكاة ثلاث حيوان وجوهر ونبات.
وتختص من الحيوان بالنَّعَم 4 ومن الجواهر بالنَّقْدَين ومن النَّبات بما يُقْتَات على ما سنفصل فيه، وصاحب الكتاب ترك التَّرْتِيب والتَّقسيم، واقتصر على
المَقَاصد، فقال: (الزكاة ستة أنواع، وهي زكاة النَّعَم والمُعشرات والنَّقْدَين والتِّجَارة والمَعَادن وزكاة الفطر) ثم تَكَلَّمَ في زكاة النَّعَمِ في طرفين: الوجوب، والأداء ولك أن تقول: كان الأَحْسن في التَّرتيب أن يقول أولَاً النظر في الزَّكاة في طرفين الوجوب، والأداء ونتكلم في الأنواع السِّتة في طرف الوجوب، ثم نعود إلى طَرَفِ الأَدَاء؛ لأن الكَلاَم في الأداء لا اخْتِصَاص له بزكاة النَّعَمِ، بل يعمّ سائر الأَنْوَاع، ثم جعل للوجوب ثَلاثةَ أرْكَانٍ: قدر الواجب، وما تجب فيه ومن تجب عليه ولك أن تقول: من تجب عليه زَكَاة النّعم، هو الذي تجب عليه زكاة المُعشرات وغيرها، فلا تفصيل فيه بين الأنواع، وإنما التَّفْصيل في الرُّكْنين الباقيين، فكان الأولى أن يقول: النظر في الزكاة في الوجوب، والأداء، وللوجوب أركان:
أحدها: من تجب عليه ونفرغ منه ثم نذكر الرُّكْنين الآخرين، ويدرج فيهما تفصيل الأنواع وما يختلف فيه، ثم قدر الواجب من الأركان الثَّلاثة يتبين في خلال بيان النّصب فلذلك أحاله على ما بعده، وأما ما تجب فيه وهو المال فقد قال له ستة شروط:
أحدها: كونه نعماً 1. والثاني: كونه نِصَاباً.
والثالث: الحَوْل.
والرابع: دوام المِلْك فيه مدة الحَوْل.
والخامس: السَّوْم.
والسادس: كمال المِلْك، وهاهنا كلامان:
أحدهما: أن من هذه الشروط ما لا يختص بزكاة النَّعَم كالحَوْل وكمال الملك، وما يعتبر في هذا النوع وغيره لا يحسن تخصيص هذا النوع بذكره بل الأحسن إيراد يستوي نسبتها إليه.
والثاني: أن قوله: ما تجب فيه، وهو المال لا شك أن المراد منه ما تجب فيه زكاة النَّعَم، فإن الكلام فيها ولا معنى لزكاة النَّعَمِ سوى الزكاة الواجبة في النَّعَم، فكأنه قال: شرط الزكاة الواجبة في النَّعم أن يكون الواجب فيه نعماً، وهذا رَكِيكٌ من الكلام، وإن لم يكن رَكيكاً فهو أوضع من أن يحتاج إلى ذكره.
وفقه الفصل أنه لا تجب الزكاة في غير الإبل والبقر والغنم من الحيوانات كالخيل والرقيق إلاَّ أن يكون للتجارة.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- إذا كانت الخَيْل ذكوراً وإناثاً أو إناثاً فصاحبها بالخِيَار
إن شاء أعطى من كل فرس ديناراً وإن شاء قَوَّمَهَا وأعطى من كل مائتي درهم خَمْسة دَرَاهم، وإن كانت ذكورًا منفردة فلا شيء فيها.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" 1. ولا تجب الزكاة فيما يتولد من الظِّباء 2 والغَنَمِ سواء كَانت الغَنَم فُحولاً أو أمهات خلافاً لأحمد -رحمه الله- حيث قال: تجب في الحالتين، ولأبي حنيفة ومالك حيث قالا: تجب إن كانت الأمهات من الغنم.
لنا أنه لم يتولّد من أصلين تجب الزَّكاة في جنسهما فلا تجب فيه الزَّكاة كما إذا كانت الفُحُول والأمهات ظِبَاء، وأيَّد الشّافعي -رضي الله عنه- المسألة بأن البغل لا يسهَّم له بِسَهْم الفَرَس، وإن كان أحد أصليه فرساً وموضع العلامة في الصورتين من لفظ الكتاب واضح، وإنما ذكرهما ليشير إلى الخلاف فيهما، وإلا ففي قوله: فلا زكاة إلا في الإبِل والبَقَرِ والغنم ما يفيد نفي الوجوب في الصُّورتين بل في قولنا: يشترط كونه نعماً ما يفيد نفي الوجوب في غير الإبل والبقر والغنم؛ لأن اسم النَّعَم لهذه الحيوانات الثلاثة عند العرب.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ 3. ففصل الخيل عن الأنعام، وإنما صرح بقوله: فلا زكاة إلا في الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، وفيه إشارة إلى اخْتِصَاص اسم النَّعَم بالأنواع الثَّلاثة، وأما قوله بعد ذلك: ولا تجب في غيرها فلا فائدة فيه.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النَّعَمُ نِصَاباً (أَمَّا الإِبِلُ) فَفِي أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مِنَ الإبِلِ فَمَا دُونَهَا الغَنَمُ، فِي كُلِّ خَمْس شَاةٌ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْساً وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْس وَثَلاَثينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونِ ذَكَرٌ، فَإذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونِ، فَإِذَا بَلَغَت سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حَقّةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُون، فَإذَا بَلَغَت إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ، فَإذَا صَارَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتٍ لَبُونٍ، فَإذَا صَارَتْ مِائَةً وَثَلاَثينَ فَقَدِ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ (ح)، كُلُّ
ذَلِكَ لَفظُ أَبِي بَكْرِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ، وَبِنْتُ المَخَاضِ لَهَا سَنَةٌ، وَلبِنْتِ اللَّبُون سنَتَانِ، وَللْحِقَّةِ ثَلاَثٌ، وَللْجَذَعَةِ أَرْبعٌ،
قال الرافعي: الأصل المرجوع إليه في نِصَاب الإبل ما روى الشَّافِعِي -رضي الله عنه- بإسناده عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم هَذِهِ فَرِيْضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى المُسْلِمِيْنَ الَّتِيَ أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ فَمَنْ سَأَلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سَأَلَهَا فَوْقَ حَقِّهِ فَلاَ يُعْطِهِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَا أَوْرَدَهُ فِي الكِتَاب لَفْظًا بِلَفْظٍ إلى قوله: فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ إلا أنه قال: في سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ فَفِيها حَقَّةٌ طَرُوقَةٌ الجَمَل، وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ 1.
قوله: هذه الصَّدقة ترجمة الكتاب وعنوانه، كما يقال: هذا مختصر كذا وكتاب كذا ثم افتتح الكتاب.
وقوله: هذه فريضة الصَّدَقة أي: بيان الصَّدَقة التي أمر اللهُ بِهَا، وأجمل ذكرها بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ 2. وقوله: التي فرضها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال الصيدلاني: يعني قدرها، وقال المَسْعُودي: يعني أوجبها وصاحب "الشَّامل" أوردهما معاً على سبيل الاحتِمَال.
وقوله: "من سألها فوق حقه فلا يعطه" فيها وجهان لأصحابنا: منهم من قال: لا يعطه شيئاً.
ومنهم من قال: لا يعطه الزِّيَادة، وهو الأصحّ باتِّفاق الشَّارحين.
إذا تقرَّر ذلك فنقول: لا زكاة في الإبل 3 حتى تبلغ خَمْساً، فإذا بلغت خَمْساً ففيها شاةً، ولا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ عشراً، فحينئذ ففيها شَاتَان، ولا يزياد بزيادتها شيء حتى تبلغ خمس عشرة، فحينئذ فيها ثَلاَثُ شياه ولا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ عشرين فحينئذ فيها أربع شياه ثم لا يزيد شيء حتى تبلغ خَمْساً وعشرين فحينئذ فيها "بِنْت مَخَاض"، ثم لا شَيْءَ حَتى تَبْلُغ سِتًّا وثلاثين ففيها "بِنْتُ لَبُون" ثم لا شيء حتى تبلغ ستًّا وأربعين ففيها "حِقَّة"، ثم لا شيء حتى تَبْلُغ إحدى وستين، ففيها جَزَعَة، ثم لاشيء حتى تبلغ ستاً وسبعين ففيها "بِنْتًا لبون"، ثم لاشيء حتى تَبْلُغ إحدى وتسعين ففيها "حِقَّتَان"، ثم لا يزيد شيء بزيادتها حتى تجاوز مائة وعشرين، فإن
زادت واحدة وجبت ثلاث "بَنَات لَبُون"، وإن زاد شقْصٌ من واحدة فهل هو كزيادة الوَاحِدَة حتى تجب ثلاث بنات لَبُون أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما وبه قال الإصطخري: نعم، لظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإِنْ زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ" 1، وزيادتها على هذا المبلغ كما تحصل بواحدة تحصل بما دونها.
وأصحهما: لا، ولا يجب إلا حِقَّتَان؛ لأن الزيادة مفسّرة بالواحدة، في رواية ابن عمر -رضي الله عنهما-؛ ولأن الزكاة مبنيّة على تغيير واجبها بالأَشْخَاص دون الأَشْقاص، وإذا زادت واحدة وأوجبنا ثلاث بنات لَبُون، فهل للواحدة قسط من الواجب أم لا؟ فيه وجهان: قال الاصطخري: لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ" 2 ولو قدرنا أنَّ لها قسط من الوَاجب، لكانت كلُّ بنت لَبُون في أربعين وثلث.
وقال الأكثرون: نعم، لأن تغيُّر الواجب بالواحدة، فيتعلّق الواجب بها كالعَاشِرَة والخَامِسَة والعشرين وغيرهما، وما ذكر من الظَّاهِرِ يعارضه ما روى في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَائَةِ وَالْعِشْرِينَ فَفِيهَا ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ" 3.
فعلى هذا لَوْ بَلَغَتْ الواحدة بعد الحَوْل وقبل التَمَكُّن، سقط من الواجب جزء من مائة واحدى وعشرين جزءاً، وعلى قول الإِصْطخري لا يسقط شيء؛ ثم الأمر يستقرُّ بعد بلوغ الإبل مائة وإحدى وعشرين، فيجب في كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حقة، وإنما يتغير الواجب بزيادة عشر عشر، وإذا وجب عدد من بنات اللَّبون، ثم زادت عشر فصيرت ثلاثين أربعين، أبدلت بنت لبون بحقة، فإن زادت عشرة أخرى أبدلت بأخرى وهكذا، حتى يصير الكل حقَاقاً، فإذا زادت عشر عشر بعد ذلك أبدلت الحَقاق كلها ببنات اللَّبون، وزيدت واحدة.
مثاله: في مائة واحدى وعشرين ثلاث بَنَات لَبُون، كما عرفت فإذا صارت مائة وثلاثين ففيها بِنْتا لَبُون وحِقَّة، فإذا صارت مائة وأربعين ففيها بنت لَبُون وحقَّتَان، فإذا صارت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقَاق، فإذا صارت مائة وستّين ففيها أربع بنات لَبُون، ثم في مائة وسَبْعِين ثلاث بنات لَبُون وحقة، وفي مائة وثمانين بنتا لَبُون وحقَّتان، وعلى هذا القِيَاس هذا مذهبنا، والحُجَّة عليه الخبر الذي تقدَّم، وساعدنا أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله- على ما ذكرنا إلى مائة وعشرين، ففيها حَقَّتان بالاتفاق، ثم عند أبي حنيفة يستأنف الحساب، ففي كل خمس تزيد شاة مع الحِقَّتَيْن فإذا بلغت مائة
وخمساً وأربعين، ففيها بنت مَخَاض مع الحِقَّتين، فإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حِقَاق، ثم يستأنف الحساب فيجب في كل خمس تزيد شاة مع الحقاق الثّلاث، إلى أن تبلغ مائة وخمساً وسبعين، فحينئذ فيها بنت مَخَاض وثلاث حقَاق، وفي مائة وست وثمانين بنت لَبون وثلاث حقاق، وفي مائة وست وتسعين أربع حِقَاق، وربما قيل وفي مائتين أربع حِقاق؛ لأن الأربع عفو لا يختلف الوَاجِبُ بوجودها وعدمها، ثم بعد المائتين يستأنف الحِساب، وعلى رأس كل خمسين يجعل أربع عفواً على ما ذكرنا، وعند مالك إِذَا زَاد على عشرين ومائة أقل من عشر لم يتغير الواجب، فإذا بلغت مائة وثلاثين فحينئذ فيها بنتا لَبُون وحِقَّة، وقد استقر الحساب في كل أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقَّة وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا، ورواية ثالثة أنه إذا زادت واحدة على المائة والعشرين تغيَّر الفرض، وتخيَّر السَّاعي بين الحِقَّتَيْن وبين ثلاث بنات لَبون.
وعن أحمد روايتان كالروايتين الأوليين عن مالك، والأصح عنه مثل مذهبنا.
إذا عرفت هذه المذاهب رقّمت قوله في الكتاب: "فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، بالحاء والميم والألف وقد أعلم بالواو أيضاً؛ لأن إمام الحرمين قال: حكى العراقيون أن ابْن خَيْرَان من شيوخنا كان يخيّر وراء المائة والعشرين بين مذهب الشّافعي -رضي الله عنه- ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، فجعل ذلك وجهاً، لكن لم أَجِدْ في الكتب المَشْهُورَة للعراقيين، وتعليقاتهم، نسبة هذا المذهب إلى ابْنِ خيران، وإنما حكوه عن ابْنِ جرير الطَّبَرِي، وربما وقع تغيير في بعض النّسخ، لتقارب الاسمين، وتفرد ابْنُ جَرِير لا يعد وجهاً في المذهب، وإن كان معدوداً من طبقة أصحاب الشافعي -رضي الله عنه-، ثم في الفَصْلِ أمور لا بد من معرفتها:
أحدها: أن قوله: في الكتاب فإن لم يكن في ماله بنت مَخَاض فابن لَبُون ذكر إنما ذكره جرياً على لفظ الخبر ونظامه، وأما فقهه وتعريفه فهو مذكور من بعد، ولماذا قيد ابن اللَّبون بالذَّكر وبنت المَخَاض قبل ذلك بالأنثى؟ ذكروا فيه قولين:
أصحهما: أنه وقع تأكيداً في الكلام كما يقال: رأيت بعيني وسمعت بأذني، وكما قال -صلى الله عليه وسلم-: "ما أبقت الفرائض فَلأَوْلى رجل ذكر".
والثَّاني: أن الغَرَض منه أن لا يؤخذ الخُنْثَى فإن في خلقته تشويهاً وعيباً، والصَّحيح أجزاء الخُنْثَى على ما سيأتي، ثم في لفظ الابْنِ والبنت ما يغني عنه.
الثَّاني: أنك ربما تجد في بعض النُّسَخِ عند قوله: فإذا زادت على عِشْرين ومائة، ففي كُلِّ أربعين بنت لَبُون، وفي كل خمسين حِقَّة زيادة، وهي فإذا زادت على عشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث بنات لَبُون، ثم في كل أربعين بنت لَبُون، وهذه الزيادة صحيحة ولكن الكلام مستقيم دونها، والظاهر أنها مُلْحقة غير مذكورة من جهة المصنف لأمرين.
أحدهما: أنه لم يذكرها في "الوسيط".
والثاني: أنه قال: آخراً كل ذلك لفظ أبي بَكْرٍ -رَضِيَ الله عنه- في كتاب "الصَّدَقَة" وليس فيما نقل من لفظ أبي بكر -رضي الله عنه- الزَّيَادة، وإنَّمَا نسبه إلى أبي بكر؛ لأنه -رضي الله عنه- هو الَّذي كتب لأنس بن مالك -رضي الله عنه- كتاب "الصَّدقة" لمَّا وجهه إلى البحرين 1.
والثالث: بيان الأَسْنان التي جرى ذكرها في الفصل.
اعلم أن النَّاقة أوَّل ما ولدت، يسمى وَلَدُهَا الذَّكر رَبْعاً، والأنثى رَبْعَة، ثم يقال له: هيعاو هيعة 2 ثم فَصِيلٌ إلى تَمام سنة، فإذا تمت له السَّنة، وطعن في الثانية سعى ابْن مَخَاض إن كان ذكراً، وبنت مَخَاض إن كانت أنثى وذلك لأن الناقة بعد تمام سنة من ولادتها تحيل مرة أخرى، فتصير من المَخَاض وهي الحَوَامل، فيكون الولد ولد ناقة هي المَخَاض، وتسمى بذلك وإن لم تحبل بعد نظر إلى الوقت ثم إذا تمَّت للولد سنتان، وطعن في الثالثة سمى الذكر ابن لبون، والأنثى بنت لَبُون، لأن الأم قد ولدت وصارت لَبوناً، ثم إذا استوفى الولد ثلاث سنين وطعن في الرَّابعة سمى الولد حقّاً، والأنثى حقَّة، ولمَ سمى بذلك؟ اختلفوا فيه منهم من قال: لاستحقاقه الحَمْل عليه وركوبه، ومنهم من قال: لأن الذَّكر استحق أن يَنْزُوَ والأنثى استحقت أن يُنْزَى عليها، وَبِحَسب هذين القولين اختلفوا في قوله: طَرُوقَةُ الجَمَل، على ما سبق في الخبر، فمن قال بالأول قرأ: طَرُوقَةُ الجمل -بالحاء- أي استحقت الحمل عليه، ومن قال بالثَّاني قرأ طَرُوقَة الجمل بالجيم، لأنها استحقَّت أن يطرقها الجَمل، ذكر ذلك كله المَسْعُودي والمشهور الصَّحيح هو الجمل، ويدل عليه ما روي في بعض الروايات طروقة الفَحْل، ثم إذا استوفى الولد أربع سنين، وطعن في الخَامسة سمى الذَّكر جَزَعًا والأنثى جَذَعَة، لأنه يجذع مَقْدم أَسْنانه أي يسقطه وهذه غاية أَسْنَان الزكاة.
قال الغزالي: (وَأَمَّا البَقَرُ) فَفِي ثَلاِثينَ مِنْهُ تَبِيعُ وَهُوَ الَّذِي لَهُ سَنَةٌ، وَفِي أَرْبَعِينَ
مُسِنَّةٌ وَهِيَ الَّتِي لَهَا سَنَتَانِ، ثُمَّ فِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ ثَلاَثينَ تَبِيع، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ.
قال الرافعي: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أمر معاذاً حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تَبِيعاً ومن أربعين مُسِنَّةٌ" 1.
لا شيء في البقر 2 حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تَبِيعٌ، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ أْربعين، ففيها مُسِنَّة ثم لا شيء حتى تبلغ ستِّين ففيها تَبِيعَان، وقد استقرَّ الحساب في كل ثلاثين تَبِيعٌ، وفي كل أربعين مُسِنَّة، ويتغير الواجب بزيادة عَشْر عشر، ففي سبعين تَبِيعٌ ومُسنَّة، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاث أَتْبعه، وفي مائة مسنة وَتَبِيعان، وعلى هذا القياس، وبقولنا قال أحمد ومالك، وعن أبي حنيفة ثلاث روايات:
إحداها: مثل قولنا:
وأظهرها: أن فيما زاد على الأربعين يجب بحساب ذلك في كل بقرة ربع عشرة مُسِنَّة، إلى أن يبلغ ستين.
والثالثة: أنه لا شيء في الزيادة على الأربعين حتى تبلغ خمسين فيجب فيها مسنة وربع مسنَّة، وإذا بلغت ستِّين وجب تَبيعَان على الرِّوايات كلّها، واستقر الحساب كما ذكرنا، والتّبيع هو الذي له سنة وطعنَ في الثَّانية، سمى بذلك لأنه يتبع الأم، وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه ويكاد يساويها، والأنثى تبيعة، والمِسنَّة هي التي تَمَّت لها سنتان ودخلت في الثَّالثة، والذكر مسن هذا هو المشهور في تفسيرهما، ويجوز أن يعلّم قوله: "وهو الذي له سنة" وقوله: "وهي التي لها سنتان" بالواو، لأن صاحب "العدة" وغيره حكوا وجهاً أن السنة ما تم لها سنة، والتَّبيع ما له ستة أشهر، وقد أشار في "النِّهاية" إلى هذا الوجه، قال: ورد في بعض أخبار الجَذع مكان التَّبِيع والجَذع من البَقَرِ كالجَذع من الضَّأن، وفي سن الجَذَعة من الضَّأْن تردد سيأتي، وهو يجري في التَّبِيع، قال: والمُسِنَّةُ في البَقَرِ بمثابة الثّنية في الغَنَمِ.
قال الغزالي: (وَأَمَا الغَنَمُ) فَفِي أَرْبَعِينَ شَاةٌ شَاةٌ، وَفِي مَائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ
شَاتَانِ، وَفِي مَائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ثَلاَثُ شِيَاهٍ، وَفِي أَرْبَعْمَائَة أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَمَا بَيْنَهُمَا أَوْقَاصٌ لاَ يُعْتَدُّ بِهَا، ثُمَّ اسْتَقَرَّ الحِسَابُ فَفِي كُلِّ مَائَةٍ شَاةٌ، وَالشَّاةُ الوَاجِبَةُ فِي الغَنَمِ إمَّا الجَذَعَةُ مِنَ الضَّأنِ وَهِيَ الَّتي لَهَا سَنَة أَوْ الثَّنِيَةُ مِنَ المَعْز وَهِيَ الَّتي لَهَا سَنَتَانِ.
قال الرافعي: عن أنس ابن مالك أن أبا بكر -رضي الله عنهما- كتب له: "فريضة الصَّدَقة التي أمر الله -تعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وفي صدقة الغَنَم في سَائمتها، إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، فإذا زادت على عِشْرِين ومائة واحدة إلى مائتين، ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين واحدة إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه فإن زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة: "ليس في الغَنَمِ زكاة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة، ثم لا يزيد بزيادتها شيء حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، ففيها شاتان ثم لا يزاد شيء حتى تبلغ مائتين وواحدة ففيها ثلاث شياه، ثم لا يزاد شيء حتى تبلغ أربعمائة ففيها أربع شياه، وقد استقرَّ الحساب في كل مائة شاة، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، والشّاة الواجبة فيها الجَذعة من الضَّأن أو الثنية من المعز وبه، قال أحمد خلافاً لمالك: حين قنع فيهما بالجذعة، ولأبي حنيقة حيث أوجب فيهما الثّنية؟ وروي عنه مثل مذهبنا أيضاً لنا ما روي سعيد بن غفلة قال سمعت مصدق النَّبي -صلى الله عليه وسلم-يقول: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَالْجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ، أو الثَّنِيَّةِ مِنَ الْمَعِزِ" 1. ولأنهما ساعدانا في الأضحية على ذلك.
واحتج الأصحاب على مالك في الجذعة من المَعِزِ، بأن هذا سن لا يجوز في الأضحية فلا يجوز في صدقة الغَنَمِ قياساً على ما دونها وعلى أبي حنيفة في الجذعة من الضَّأن بأنها سنٌّ يجوز أضحية فيجوز في صدقة الغنم كالثَّنية، واختلفوا في تفسيرهما على أوجه:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أن الجذعة ما استوفت سَنَةٌ ودخلت في الثَّانية، والثَّنية ما استوفت سنتين سميت الجذعة جذعة، لأنها تجدع السِّنّ كما [ذكر] 2 في الإبل.
والثاني: أن الجذعة ما لها ستة أشهر، والثَّنية ما لها سنة وهو الذي ذكره في الثَّنية.
والثالث: أن الجذعة هي التي لها ثمانية أشهر، والثّنية هي التي لها سنة، وهو اختيار القاضي الروياني في "الحلية"، ويقال: إذا بلغ الضَّأن سبعة أشهر، وكان من بين
شَاتَيْن، فهو جذع؛ لأن له نزواً وضرَاباً، وإن كان من بين هَرَمين، فلا تسمى جَذَعَةً حتى تستكمل ثمانية أشهر.
وقوله: في أثناء الكلام وما بينها أَوْقَاصٌ هي جمع وقْص وهو ما بين الفَرِيضَتَيْن، ثم منهم من يقول: القاف من الوَقْص متحركة، وهو الذي ذكره في "الصِّحاح"، قالوا: ولو كانت ساكنة لجاء الجمع على أفعل، كفلس وأفلس، وكلب وأكلب، ومنهم من يسكن القاف ويقول: هو مثل هَوْل وأَهْوَال، وحول وأحوال، والشّنْق بمعنى الوَقْصِ، ومنهم من قال: الوَقْصَ في البقر والغنم خاصّة، والشّنق في الإبل خاصة 1.
وقوله: لا يعتدّ بها يجوز أن يريد به أنها لا تؤثر في زِيادَةِ الوَاجِب، ويجوز أن يريد به أن الوَاجب لا ينبسط عليها بل هو عفو، وهو الصَّحيح وفيه خلاف مذكور في الكتاب من بعد.
وقوله: أما الجَذَعة من الضَّأن، وهي التي لها سنة ليس المفسّر الجَذَعَة من الضَّأن بخصوصها بل الجَذَعة من الغَنم هي التي لها سنة على الوجه الأظهر سواء كانت من الضّأن أو المَعِز، وكذلك الثّنية من الغَنَمِ هي التي لها سنتان سواء كانت من الضَّأْن أو من المَعِزِ، ثم الواجبة من هذه الجذعة ومن تلك الثَّنية -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يَتَصَدَّى النَّظَرُ فِي زَكَاةِ الإِبِلِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: الأَوَّلُ: فِي إِخْرَاجِ شَاةٍ عَنِ الإِبِلِ وَهِيَ جَذَعَةٌ مِنَ الضَّأْنِ أَوْ ثَنِيةٌ مِنَ المَعْزِ، وَالعِبْرَةُ فِي تَعْيِينِ الضَّأنِ
أَوُ المَعْزِ بِغَالِبِ غَنَمِ البَلَدِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ لِأَنّ الاسْمَ مُنْطَلِقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَخْرَجَ ذَكَرًا فَهُوَ عَلَى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ خَمْسٍ أَوْ عَنْ عَشْرٍ أَخَذَ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْ قِيمَةِ شَاةٍ.
قال الرافعي: لك أن تقول: النَّظَرُ الثَّالث والخامس لا اختصاص لهما بزكاة الإبل على ما سنبينه من بعد، وإنما كان يحسن قوله في زكاة الإبل في خمسة مواضع، إذا كانت المواضع كلها مختصة بالإبل، إذا تقرر ذلك فالنظر الأول في كيفية إخراج الشَّاة من الإبل، وقد ذكرنا أن الواجب في الإبل قبل بلوغها خمساً وعشرين الشِّياه، وإنما تجب الجَذَعَة من الضَّأن، والثَّنيةُ من المعز كما ذكرنا في الشَّاة الواجبة في الغنم، لما روي أن مصدق النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّمَا حَقُّنَا فِي الجَذَعَةِ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَنِيَّةِ مِنَ الْمَعْزِ" 1. وروي أنه قال: "أُمِرْنَا بَأَخْذِهِمَا" 2 وخلاف أبي حنيفة في أن الواجب منها الثنية ومالك في أن الجذعة منهما تجزئ عائد هاهنا أيضاً، ثم في الفصل مسائل؟
إحداها: هل يتعين أحد النوعين من الضَّأن والمَعِزِ؟ حكى في الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: أنه يتعين غالب غنم البلد، إن كان الغالب الضَّأن وجب الضأن، وإن كان الغالب المَعِزُ وجب المعز؛ لأنه مال وجب في الذِّمة بالشرع، فاعتبر فيه عرف البلد كالكَفَّار، هذا ما ذكره صاحب "المهذّب"، وقال: إن استويا يخير بينهما.
والثاني: أنه يخرج ما شَاءَ من النَّوعين، ولا يتعيّن الغالب في البلد، لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "في خَمْسِ مِنَ الإِبِلِ شَاةً"، واسم الشاة يقع عليهما جميعاً، فصار كما في الأَضْحِيَة لا يتعين فيها غنم البلد؛ وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجه آخر، وهو أنه يتعين نوع غنمه إن كان يملك غنماً، كما إذا كان يزكي عن الغنم، وكما في إبل العَاقِلَةِ على رأي، ويجوز أن يعلّم قوله في الكتاب: "فغالب غنم البلد" وكذا قوله: "يخرج ما شاء" بالواو لمكان هذا الوجه الثالث، والثاني معلّم بالميم أيضاً؛ لأن الحكاية عن مالك أنه يجب من غالب غنم البلد.
وقوله: "يخرج ما شاء ويؤخذ منه"، لا ضرورة إلى الجمع بين هذين اللفظين، والمقصود حاصل بأحدهما.
ثم اعلم أن إيراد الكتاب يقتضي ترجيح الوجه الأول، وحكاه إمام الحرمين عن العِرَاقيين، وذكر أن صاحب "التَّقْرِيب" نقله عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، ونقل نصوصاً أخر تقتضي التَّخيير ورجحها، وساعده الإمام عليه، وإليه صار الأكثرون وربما
لم يذكروا سواه، فإذاً الوجه الثاني أصحُّ في المذهب.
والشُّبْهة داخله في حكاية الإمام عن العِرَاقيين من وجهين:
أحدهما: أن الشيخ أبا حامد وَشِيْعته نصوا على أنه لا يعتبر غالب غنم البلد، وإنما يعتبر غنم البلد فحسب.
والثَّاني: أنه يشبه أنهم أرادوا بما ذكروا تَعْيِينَ ضَأْن البلد ومعزه، وذلك لا ينافي التَّخْيير بين الضَّأن والمَعِزِ يدل عليه أن صاحب "الشَّامل" خير بين الضَّأن والمَعِز، ومع ذلك قال: يخرج من غنم البلد وكذلك خير في "التَّتمة" بين النوعين، ثم حكى وجهين في أن الضَّأن المخرج أيضاً مثلاً هل يجب أن تكون مع نوع ضان البلد، أم لا؟ ومن قال: يتعيين غنم البلد قال: لو أخرج غيرها وهي خير من غنم البلد بالقيمة أجزأته، وكذلك لو كانت مثلها إنما الممتنع أن يخرجها وهي دونها.
الثانية: لو أخرج جذعاً من الضَّأن أو ثَنياً من المَعِزِ هل يجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كالشَّاة المخرجة من الأربعين من الغنم، وكَأَسْنَان الإبل المؤدّاة في زكاتها وهذا لأن في الإِنَاثِ رفق الدّر والنَّسل فيبنى أمر الزَّكَاة على اشْتراط الأنوثة في المؤدي فيها:
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق ونعم، لشمول الاسم كما في الأضحية.
ثم ذكر في "التتمة" طريقين:
أشهرهما: أن الوجهين مطردان فيما إذا كانت الإبل ذكوراً كلها وفيما إذا كانت إناثاً أو مختلطة، وهذا هو الموافق لإطلاق الكتاب والمذكور في "التهذيب".
والثاني: أنها إذا كانت إناثاً أو كان بعضها إناثاً لم يَجُزْ إخراج الذكر والوجهان مخصوصان بما إذا كانت ذكوراً كلها والوجهان مبنيان على أصل سنذكره، وهو أن الشَّاة المخرجة عن الإبل أصل بنفسها أم عن الإبل.
إن قلنا: بدل جاز إخراج الذَّكر كما لو أخرج عنها بعيراً ذكراً يجزئه، وإن قلنا: أصل لم يجز جرياً على الأصل المعتبر في الزكوات وهو كون المخرج أنثى، وقوله في الكتاب: "فعلى هذين الوجهين" أشار به إلى تقارب مأخذ الخلاف في هذه المسألة والتي قبلها.
الثَّالثة: لو ملك خمساً من الإبل ولزمته شاة فأخرج بعيراً، فظاهر المذهب أنه يجزئه، وإن كانت قيمته أقلَّ من قيمة الشَّاة، خلافاً لمالك وأحمد حيث قالا: لا يجزئ إلا الشَّاة.
لنا أن البعير يجزئ عن خمس وعشرين، والخمس داخلة فيها، فأولى أن يجزئ عنها منفردة، وفي المسألة وجهان آخران:
أحدهما: أن البعير إنَّما يجزئ إذا بلغت قيمته قيمة شَاة، أما إذا انقصت فلا لما
فيه من الإِجْحاف بالفقراء، حُكِيَ هذا عن القفال والشيخ أبي محمد.
والثاني: أنه إن كانت الإبل مراضاً أو قليلة القيمة لعيب بها فأخرج بعيراً منها جاز، وإن كانت قيمته أقل من قيمة الشاة أما إذا كانت صحاحاً سليمة لم يجز أن يخرج عنها بعيراً قليل القيمة.
والفرق أنه في المراض لا يعتقد بأداء البعير تطوعاً وفي الصحاح يعتقد التَّطوع.
وأقل ما في التطوع أن لا ينقص عن الواجب، وهذا الوجه هو الذي أورده الصَّيْدَلاَني وحكى المنع فيما إذا كانت الإبل صحاحاً هو وغيره عن نص الشافعي -رضي الله عنه- وفي كلام الشيخ أبي محمد حمل ذلك النَّص على الاسْتحباب، وإذا قلنا بظاهر المذهب فأخرج بعيراً عن خمس من الإبل فهل يكون كله فرضاً أو يكون خمسة فرضاً والباقي تطوعاً؟ فيه وجهان شبههما الأئمة بالوجهين في المُتمتع إذا ذبح بُدْنة بدل الشَّاة هل تكون كلها فرضاً أو الفرض سبعها؟ وفيمن مسح جميع الرأس هل يقع الكل فرضاً أم لا؟ وجعلوا المصير إلى أن الكلَّ ليس بفرض، في مسألتي الاسْتِشْهاد أوجه؛ لأن الاقتصار على سبع بدنة في الهَدَايا، وعلى بعض الرأس في المسح جائز، ولا يجزئ هاهنا أخراج خمس بعير بالاتفاق وكذلك قال الإمام من يقول: الفرض مقدار الخمس يعني به، على شرط التَّبرع بالباقي ليزول عيب التَّشْقِيص، وذكر قوم منهم صاحب "التهذيب" أن الوجهين مبنيّان على أصل، وهو أن الشياة الواجبة في الإبل أصل بنفسها أم هي بدل عن الإبل؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنها أصل جرياً على ظاهر النص.
والثاني: بدل لأن الأصل وجوب جنس المال؟ إلاَّ أن إيجاب بعير قبل كثرة الإبل يجحف بربِّ المال وإيجابُ شِقْص بعير ممَّا يشقُّ لما فيه من نقصان القيمة وعسر الانْتِفَاع، فعدل الشَّارع إلى الشَّاة ترفيهاً وإرفاقاً، فإن قلنا: الأصل هو الشاة، فإذا أخرج البعير كان كله فرضاً كالشاة، وإن قلنا: الأصل هو الإبل، فإذا أخرج بعير كان الواجب خمساً؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين وحصّة كل خمس حينئذ خمسة.
ولو أخرج بعيراً عن عشر من الإبل أو عن خمس عشرة أو عشرين، هل يجزئه؟ فيه وجهان بنوهما على الخلاف الذي تقدم، إن قلنا: إذا أخرجه عن الخمس وقع الكلام فرضاً، وقام مقام شاة فلا يكفي في العشر بعير واحد، بل لا بد من بعيرين أو بعير وشاة، وفي الخمس عشرة من ثلاثة أَبْعرة أو بعيرين وشاة، أو شاتين وبعير، أو ثلاث شياة، وفي العشرين من أربعة، وإن قلنا: الفرض قدر خمسة فيجزئ ويكون متبرعاً في العشر بثلاثة أخماسه، وفي الخمس عشرة بخمسة وفي العشرين بخمسة، ولم يرتض الإمام هذا البناء، ومن وجوه الإشكال فيه أنه يقال: لم يلزم من كون كله فرضاً
إذا أخرجه عن خمس ألا يكتفي به عن العشر بل يجوز أن يكون كله فرضاً إذا أخرج عن هذا وفرضاً إذا أخرج عن ذاك، أَلاَ تَرَى أنه يقع فرضاً فيكتفي به عن الخمس والعشرين مع الحكم بأن كله فرض إذا أخرج عن الخمس وكذا البُدنة ضحية واحدة إذا ضحَّى بها وهي بعينها ضحية سبع إذا اشتركوا فيها، وسواء كان البناء المذكور مرضياً أم لا، فظاهر المذهب إجزاؤها عما دون الخمس والعشرين كإجزائها عن الخمس والعشرين، وهو المذكور في الكتاب، والوجهان المذكوران هاهنا مبنيان على الصّحيح في إجزاء البعير عن الخمس مطلقاً، والوجهان الآخران ثم يعودان هاهنا أيضاً ونعتبر تفريعاً عليهما أن لا تنقص قيمته في العشر عن قيمة شاتين، وفي الخمس عشرة عن قيمة ثلاث شياه، وفي العشرين عن قيمة أربع.
وإذا عرفت جميع ما ذكرنا رقمت قوله في الكتاب: "أخذ" بالميم والألف والواو وقوله: "وإن نقصت قيمته" بالواو أيضاً للوجه المنسوب إلى القَفَّال وأبي محمد -رحمهما الله-.
واعلم: أن الشَّاة الواجبة في الإبل يجب أن تكون صحيحة، وإن كانت الإبل مراضاً لأنها في الذّمة (1) ثم فيها وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده كثيرون أنه يؤخذ من المراض صحيحة تليق بها.
مثاله: خمس من الإبل مراض قيمتها خمسون، ولو كانت صحاحاً لكانت قيمتها مائة وقيمة الشاة المجزئة عنها ستة دراهم فيؤمر بإخراج شاة صحيحة تساوي ثلاثة دراهم، فإن لم توجد بهذه القيمة شاة صحيحة قال في "الشَّامل": فرق الدراهم.
والثاني: أنه يجب فيه ما يجب في الإبل الصحاح بلا فرق قال في "المهذب": وهذا ظاهر المذهب، ونسب الأول إلى أبي عَلِيِّ بنِ خَيْرَانَ
-[والله أعلم]-
. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي العُدُولِ إِلَى ابْنِ لَبُونٍ، فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ وَلَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ أَخَذَ ابْنَ لَبُونٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَالِهِ جَازَ لَهُ شَرَاءُ ابْنِ لَبُونٍ، وَلَوْ كَانَ1
فِي مَالِهِ بِنْتُ مَخَاض مَعِيبَةٌ فَهِيِ كَالْمَعْدُومَةِ، وَلَوْ كَانَتْ كَرِيمَةً لَزِمَهُ عَلَى الأَقْيَسِ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي مَالِهِ وَإِنَّمَا تُتْرَكُ نَظَراً لَهُ، وَتُؤخَذُ الخُنْثَى مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ مَخَاض عِنْدَ فَقْدِهَا، وَيُؤْخَذُ الحِقُّ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ عِنْدَ فَقْدِهَا كمَا يُؤْخَذُ ابْنُ لَبُونٍ بَدَلاً عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ.
قال الرافعي: إذا ملك خمساً وعشرين من الإبل وجبت عليه بنت مخاض فإن وجدها لم يعدل إلى ابن اللَّبون، وإن لم يجدها وكان عنده ابن لَبُون جاز أخذه منه سواء قدر على تحصيل بنت المَخَاض أم لا، وسواء كانت قيمته أقل من قيمة بنت المخاضَ، أو لم يكن لما رويناه في الخبر ولا جبْرَان، بل فضل السن يجبر فضل الأنوثة ثم فيه مسائل:
إحداها: لو لم يكن في ماله بنت المَخَاض، ولا ابن اللَّبون ففيه وجهان 1:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يشتري ما شاء منها ويخرجه أما بنت المَخَاض فلأنها الأصل، وأما ابن اللَّبون فلأن شرط إجزائه موجود وإذا اشتراه كان في ماله ابن لبون وهو فاقد لبنت المخاض.
والثاني: وبه قال مالك وأحمد وصاحب "التقريب" يتعيّن عليه شراء بنت المخاض؛ لأنهما لو استويا في الوجود لم يخرج ابن اللَّبون، فكذلك إذا استويا في الفقد، وقدر على تحصيلهما.
الثانية: لو كانت عنده بنت مَخَاض معيبة فهي كالمعدومة؛ لأنها غير مجزئة، ولو كانت كريمة وإبله مهازيل فلا يكلّف إخراجها.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِيَاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" 2 فإن تطوّع بها فقد أحسن وإن أراد إخراج ابن لبون ففيه وجهان:
أظهرهما: عند صاحب الكتاب وشيخه: أنه لا يجوز؛ لأن شرط العدُول إلى ابن اللَّبون أن لا يكون في ماله بنت مَخَاض، وهي موجودة هاهنا بصفة الإجزاء، إلاَّ أنها تَركت نظراً له ورعاية لجانبه، وهذا ما أجاب به الشيخ أبو حامد 3، وأكثر شيعته ورجحه الأكثرون.
والثاني: يجوز، لأنها لما لم تكن موجودة في ماله كانت كالمَعْدُومة، ويحكى هذا عن نصه إلى ترجيحه يميل كلام صاحبي "المهذب" و"التهذيب".
قوله في الكتاب: "لزمه على الأَقْيس شراء بنت مخاض" لا يخفى أنه ليس الغرض منه عين الشراء، بل المقصود تحصيله بأي طريق كان وإخراجه عن الزكاة وكذا حيث قال في هذه المسائل: يجوز الشِّراء أو لا يجوز، وقوله في أول الفصل: "أخذ منه ابن لبون" ليس على معنى أنه يلزم بذلك، إذ لو حصل بنت مخاض وأخرجها جاز، ولكن المعنى أنه يقنع به.
الثالثة: لو لم يكن في ماله مَخَاض فأخرج خنثى من أولاد اللَّبون، هل يجزئه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لتشوّه الخلْقة بنقصان الخنوثة فأشبه سائر العيوب.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: نعم، فإنه إما ذكر وابن اللبون مأخوذ بدلاً عن بنت المَخَاض، أو أنثى وهي أولى بالجواز لزيادة السِّن مع بقاء الأنوثة، ثم لا جبران للمالك لجواز أن يكون المخرج ذكراً بخلاف ما إذا لم يكن في ماله بنت مخاض، وكانت عنده بنت لبون فأخرجها له الجبران، ولو وجد ابن اللّبون وبنت اللّبون فأراد إخراج بنت اللّبون وأخذ الجبران لم يكن له ذلك في أصح الوجهين قاله في العدّة، ولو لزمته بنت مَخَاض وهي موجودة في ماله فأراد أن يخرج خنثى من أولاد اللبون بدلاً لم يجز لجواز أن يكون ذكراَ وابن لبون مأخوذ بدلاً عن بنت مخاض مع وجودها بخلاف ما لو أخرج بنت لبون.
وقوله في الكتاب: "وتؤخذ الخنثى من بنات اللبون" لو قال: "من أولاد اللبون" لكان أحسن، فإن الخُنُوثة تمنع من معرفة كونه ابناً أو بنتاً، وكذلك هو في بعض النّسخ.
الرابعة: لو أخرج حقّاً بدلاً عن بنت مَخَاض عند فقدها فلا شك في جوازه؛ لأن إخراج ابن اللّبون جائز فالحِق أجوز وأولى، ولو أخرجه بدلاً عن بنت لبون لزمته فوجهان:
أحدهما: يجوز، لاختيار فضيلة الأنوثة بزيادة السّن كما يجوز إخراج ابن اللّبون بدلاً عن بنت المخاض.
والثاني: لا يجوز؛ لأن النص ورد ثَمَّ وهذا ليس في معناه؛ لأن تفاوت السِّن في بنت المَخَاض وابْن اللَّبون تفاوت يوجب اخْتصاصه بقوّة ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع، والتفاوت بين بنت اللبون والحِقْ لا يوجب اختصاص الحقّ بهذه القوة بل هي موجود فيهما جميعاً، فلا يلزم من كون تلك الزيادة حائزة لفضيلة الأنوثة
كون هذه الزيادة جابرة لها، والمذكور في الكتاب من هذين الوجهين هو الأول، لكن المذهب الثاني بل الجمهور لم يذكروا سواه ولم يتعرض للخلاف إلا الأقلون منهم الحناطِيُّ.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ إِذَا مَلَكَ مَائَتَيْنِ مِنَ الإبِلِ، فإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ أَحَدُ السِّنَّيْنِ أَخَذَ مِنْهُ المَوْجُودَ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي مَالِهِ اشْتَرى (و) مَا شَاءَ مِنَ الحِقَاقِ أَوْ بَنَاتِ اللَّبُونِ، وَإِنْ وُجِدَا جَمِيعاً وَجَبَ إِخْرَاجُ الأغْبَطِ لِلْمَسَاكِينَ، وَقِيلَ: الخِيَرَةُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الحِقَاقُ فَلَوْ أَخَذَ السَّاعِي غَيْرَ الأَغبَطِ قَصْدًا عَلَى قَوْلِنَا: يَجِبُ الأَغْبَطُ لَمْ يَقَعِ المَوْقِعَ وَإِنْ أَخَذَ بِاجتِهَادِهِ فَقِيلَ: لاَ يَقَعُ المَوْقِعَ، وَقِيلَ: يَقَعُ المَوْقِعَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَبْرُ التَّفَاوتِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ جَبرُ التَّفَاوتِ بِبَذْلِ الدَّرَاهِمِ، وَقِيلَ: يَجِبُ جَبْرُةُ بِأنْ يَشْتَرِي بَقِدْرِ التَّفَاوُتِ شِقْصًا إِنْ وَجَدَهُ إِمَّا مِنْ جِنْسِ الأَغْبَطِ عَلَى رَأيٍ أَوْ مِنْ جِنْس المُخْرجِ عَلَى رَأْيٍ.
قال الرافعي: مقصود هذا النظر الكلام فيما إذا بلغت ماشيته حدّاً يخرج فرضه بحسابين كما إذا ملك مائتين من الإبل فهي أربع خمسينات وخمس أربعينات.
وقد روينا في الخبر أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينِ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ" 1. فما الواجب فيها؟ نص في الجديد على أن الواجب أربع حقاق أو خمس بنات لبون.
وفي القديم على أنه يجب أربع حقاق واختلفوا على طريقين:
أحدهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أنَّ الواجب أحد الصّنفين لما ذكرنا أن المائتين أربع خمسينات وخمس أربعينات فيتعلق بها أحد الفرضين.
والثَّاني: أن الواجب الحِقَاق؛ لأن الاعتبار في زكاة الإبل بزيادة السّن ما وجد إليها سبيل، ألا ترى أن الشّرع رقي في نصيبها إلى منتهى الكمال في الأسنان ثم عدل بعد ذلك إلى زيادة العدد، فأشعر ذلك بزيادة الرغبة في السن.
والطريق الثاني: القطع بما ذكره في الجديد، وحمل القديم على ما إذا لم يوجد إلا الحقاق، فإن أثبتا القديم وفرعنا عليه نظر إن وجدت الحِقَاق بصفة الإجزاء لم يجز غيرها، وإلاَّ نزل منها إلى بنات اللَّبون أو صعد إلى الجِذَاع مع الجبْرَان، وإن فرعنا على الجَدِيد الصّحيح فللمسالة أحوال، ذكرنا ثلاثاً منها في الكتاب فنشرحها، ثم نذكر غيرها على الاخْتِصار.
إحدى الأحوال الثلاث: أن يوجد في المال القدر الواجب من أحد
الصِّنفين بكماله دون الآخر فيؤخذ ولا يكلف تحصيل الصنف الثاني وإن كان أنفع للمساكين، ولا يجوز النّزول والصّعود عنه مع الجبران ولا فرق بين أن لا يوجد الصنف الآخر أصلاً وبين أن يوجد بعضه والناقص كالمعدوم، ولا يجوز أن يؤخذ الموجود من الناقص، ويعدل بالباقي إلى الصعود والنزول مع الجبران، إذ لا ضرورة إليه، ولو وجد الصنفان لكن أحدهما معيب فهو كالمعدوم.
والحالة الثانية: أن لا يوجد في ماله شيء من الصّنفين، وفي معناه أن يوجد أو هما معيبان، فإن أراد تحصيل أحدهما بشراء وغيره فوجهان:
أحدهما: يجب تحصيل الأغبط كما يجب على الظَّاهر إخراج الأَغْبَط إذا وجد على ما سيأتي:
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب يحصل ما شاء من الحقاق أو بنات اللبون، فإنه إذا اشترى أحد الصّنفين صار واجداً له دون الآخر فيجزئه، والوجهان كالوجهين فيما إذا ملك خمساً وعشرين، وليس فيها بنت مَخَاض، ولا ابن لبون، هل يجب تحصيل بنت المَخَاض أم لا؟ يجوز في هذه المسألة أن لا يحصل الحقاق ولا بنات اللبون، ولكن ينزل أو يصعد مع الجبران، وحينئذ إن شاء جعل بنات اللبون أصلاً ونزل منها إلى خمس بنات مَخَاض فأخرجها مع خمس جبراناتا، وإن شاء جعل الحِقَاق أصلاً وصعد منها إلى أربع جِذَاع فأخرجها وأخذ أربعة جبرانات، ولا يجوز أن يجعل الحقاق أصلاً وينزل منها إلى أربع بنات مخاض، مع ثمان جبرانات ولا أن يجعل بنات اللبون أصلاً ويصعد منها إلى خمس جذاع ويأخذ عشر جبرانات لإمكان تقليل الجبْرَان بجعل الجِذَاع بدل الحِقَاق وبنات المخاض بدل بنات اللبون.
وحكى الشيخ أبو محمد في "الفروق" وجهاً آخر وهو أنه يجوز النّزول والصّعود فيهما كما لو لزمته حقة فلم يجدها ولا بنت لَبُون في ماله فنزل إلى بنت مخاض فأخرجها مع جبرانين أو لزمته بنت لبون فلم يجدها، ولا حقّة في ماله فيصعد إلى الجذعة فيخرجها ويأخذ جبرانين يجوز والظاهر الأول.
والفرق أن في صورتي الاستشهاد لا يتخطّى واجب ماله، وفيما نحن فيه يتخطّى في الصعود، والنزول أحد واجبي ماله.
والحالة الثالثة: أن يوجد الصِّنْفان معاً بصفة الإجْزَاء فقد قال الشّافعي -رضي الله عنه- نصاً: يأخذ السَّاعي ما هو الأَغْبَط منهما لأهل السَّهْمَيْن؛ لأن كل واحد من الصَّنفين فرض نصابه لو انفرد، فإذا اجتمعا روعي الأصلح للمحتاجين، واحتج له بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ 1.
وعن ابن سريج: أن المالك بالخيار يعطي ما شاء منهما، كما أنه بالخيار في الصعود والنُّزول عند فقد الفرض، وأجاب الأصحاب أن المالك ثَمَّ يسبيل من ترك الصُّعود والنزول معاً، بأن يحصل الفرض، وإنما شرع ذلك تخفيفاً للأمر عليه ففوض إليه وهاهنا خلافه.
التفريع إن خيرنا المعطي على رأي ابن سريج فيستحب له مع ذلك أن يعطي الأَغْبط إلا أن يكون وَلِيَّ يتيم فيراعى حظه، وإن فرعنا على النّص وهو ظاهر المذهب فلو أخذ السَّاعي غير الأغبط نظر إن وجد تقصير منه بأن أخذه مع العلم بحالة واحدة من غير اجتهاد، ونظر في أن الأغبط ماذا، أو وجد تقصير من المالك بأن دلَّس وأخفى الأغبط لم يقع المأخوذ عن جهة الزَّكاة، وإن لم يوجد تقصير من واحد منهما وقع عن جهة الزَّكاة، هذا ما اعتمده الأكثرون منهم صاحب "المهذّب" وهو الظاهر، وزاد في التَّهذيب شيئاً آخر، وهو أن لا يكون باقياً بعينه في يَدِ السَّاعي، فإن كان باقياً لم يقع عن الزكاة وإن لم يقصر واحد منهما، وهذا قد حكاه الشيخ أبو الفضل بْن عَبْدَان عن ابن خَيْرَان ووراء ما نقلنا من الظَّاهر وجوه أخر:
أحدها: أنه يقع عن الزَّكَاة بكل حال، وإن أخذ من غير اجتهاد حكاه ابن كج وغيره؛ لأنه يجزئ عند الانفراد، فكذا عند الاجتماع وهذا رجوع إلى رأي ابن سريج.
والثاني: لا يقع عن الزَّكاة بحال؛ لأنه ظهر أنَّ المأخوذ غير المأمور به.
والثالث: إن فرقة على المستحقّين ثم ظهر الحال حسب عن الزَّكاة بكل حال وإلاَّ لم يحسب، والفرق عسر الاسْتِرْجاع.
والرابع: عن أبي الحسين بن القطَّان عن بعض الأصحاب: أنه إن دفع المالك مع العلم بأنه الأدنى لم يجزه، وإن كان السَّاعىِ هو الذي أخذ جازِ، ويقرب عن هذا عد صاحب "التَّهْذيب" مجرَّد علم المالك بحالة تقصيراً مانعاً من الإجزاء، وإن لم يوجد إخفاء وتدليس.
وفي كلام الصيدلاني وغيره ما ينازع فيه إذا أخذه السَّاعي بالاجتهاد، فهذا بيان الاختلافات في هذا الموضع.
التَّفْريع حيث قلنا: لا يقع المأخوذ عن الزَّكَاة فعليه إخراج الزكاة، وعلى السَّاعي ردُّ ما أخذه إن كان باقياً وقيمته إن كان تالفاً، وحيث قلنا: يقع فهل يجب إخراج قدر التَّفاوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يستحب ولا يجب؛ لأن المخرج محسوب عن الزكاة فيغني عن غيره كما إذا أدى اجتهاد الإمام إلى أخذ القيمة وأخذها لا يجب شيء آخر.
وأصحهما: أنه يجب لنقصان حتى أهل السَّهْمين، قال الأئمة: وإنما يعرف قدر التفاوت بالنَّظَرِ إلى القِيمَة، فإذا كانت قيمة الحقاق أربعمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسون وقد أخذ الحقاق فقدر التفاوت خمسون.
التّفريع: إن كان قدر التَّفاوت يسيراً لا يؤخذ به شِقْص من ناقة دفع الدَّراهم للضّرورة.
وحكى إمام الحرمين -رحمه الله-
عن صاحب "التقريب" إشارة إلى أنه يتوقف إلى أن يجد شِقْصاً واستبعدها، وإن كان قدراً يؤخذ به شقص، فهل يجب شراؤه أم يجوز دفع الدراهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجب؛ لأن الواجب الإبل والعدول إلى غير جنس الواجب في الزكاة ممتنع على أصلنا.
وأصحهما: أنه يجوز دفع الدَّراهم لما في إخراج الشِّقْص من ضرر المُشَاركة، وقد يعدل إلى غير جنس الوَاجب لضرورة تعرض أَلاَ ترى أنه لو وجب شاة عليه في خمس من الإبل، ولم يوجد جنس الشاة يخرج قيمتها، ولو لزمته بنت مخاض فلم يجدها ولا ابن لبون لا في ماله ولا بالثّمن يعدل إلى القيمة على أن الغرض هاهنا جبْرَان الواجب فأشبه دراهم الجبران.
التفريع إن قلنا: يجوز دفع الدراهم فلو أخرج بها شِقْصاً، فالظَّاهر جوازه.
قال في "النهاية" وفيه أدنى نظر، لما فيه من العسر على المَسَاكين، وإن قلنا: يجب إخراج شِقْص ينبغي أن يكون ذلك الشّقص من الأَغْبَط، أو من المخرج، فيه وجهان:
أحدهما: من المخرج كيلا تتفرق الصدقة.
وأظهرهما: عند الصّيدلاني وغيره: من الأغبط فإنه الواجب في الأصل، ففي المال الذي سبق ذكره يخرج على الوجه الأول نصف حقة، لأن قيمة كل حقة مائة وقدر التّفاوت خمسون.
وعلى الوجه الثاني: يخرج خمسة أتساع بنت اللبون؛ لأن قيمة كل بنت لَبَون تسعون، فإذا أخرج الشّقص لزمه صرفه إلى السّاعي على قولنا: يجب الصَّرف إلى الإمام في الأموال الظاهرة، وإذا أخرج الدَّراهم فوجهان:
أحدهما: لا يجب الصَّرف إليه؛ لأنها من الأموال البَاطنة.
والثاني: يجب؛ لأنها جبران المال الظَّاهر 1 هذا تمام السلام في الأحوال المذكورة في الكتاب.
ومن أحوال المسألة: أن يوجد بعض كل واحد من الصّنفين، كما إذا وجد ثلاث حقاق وأربع بنات لبون فهو بالخيار بَيْنَ أن يجعل الحِقَاق أصلاً فيعطيها مع بنت لبون وجبران وبين أن يجعل بنات اللبون أصلاً فيعطيها مع حقة ويأخذ جبراناً، وهل يجوز أن يعطي حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانَات؟ فيه وجهان لبقاء بعض الفرض عنده،
وكثرة الجبران مع الاستغناء عنه.
ويجري الوجهان فيما إذا لم يجد إلا أربع بنات لبون وحقة، فأعطى الحقَّة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات ونظائره.
قال صاحب "التهذيب" ويجوز في الصورة الأولى أن يعطي الحقاق مع الجذعة ويأخذ جبراناً، وأن يعطي بنات اللبون وبنت مخاض مع جبران.
ومن أحوال المسألة: أن يوجد بعض أحد الصنفين، ولا يوجد من الآخر شَيْء، كَمَا إذا لم يجد إلا حِقَّتَيْن فله أن يجعلها أصلاً، ويخرجها مع جذعتين ويأخذ جبرانَيْن، وله أن يجعل بنات اللَّبون أصلاً فيخرج بدلها خمس بنات مَخَاض مع خمس جبرانات، ولو لم يجد إلا ثلاث بنات لبون فله أن يخرجها مع بنتي مخاض وجبرانين وله أن يجعل الحقاق أصلاً فيخرج أربع جذاع بدلها ويأخذ أربع جبرانات.
هكذا ذكر الصورتين في "التهذيب" ولم يحك خلافاً أصلاً، وقياس الوجهين المذكورين في الحالة السّابقة على هذه يقتضي طرد الخلاف في جعل بنات اللَّبون أصلاً في الصورة الأولى، وجعل الحقاق أصلاً في الصورة الثانية لبقاء بعض الفروض عنده وكثرة الجبران، فإن كان هذا جواباً على الظاهر، فالظاهر ثم أيضاً الجواز.
واعلم: أنه إذا بلغت البقر مائة وعشرين كان حكمها حكم بلوغ الإبل مائتين، فإنها ثلاث أربعينات وأربع ثلاثينات، والواجب فيها ثلاث مسنّات، أو أربع أَتْبِعة، ويعود فيها الخلاف والتَّفاريع التي ذكرناها، ولهذا قلنا: إن السلام في النظر الثالث لا يختص بزكاة الإبل، وأعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب ونظمه.
أما قوله: "إذا ملك مائتين من الإبل، فإن كان في ماله أحد السّنين" ففيه شيء مدرج تقديره إذا ملك مائتين من الإبل فعليه أربع حقاق أو خمس بنات لبون، فإن كان في ماله هذا، أو ما أشبهه.
وقوله: "وجب إخراج الأغبط للمساكين"، لفظ المساكين في هذا الموضع وأمثاله لا يعني به الَّذين هم أحد الأَصناف الثَّانية خاصة، بل أهل السَّهمان كلعهم لكن المساكين والفقراء أشهر الأصناف فيسبق اللِّسان إلى ذكرهم.
وقوله: "وقيل: الخيرة إليه" هو الوجه المنسوب إلى ابن سريج.
وقوله: "وقيل: تتعين الحقاق" هو القول المنقول عن القديم، لكن إيراده في الموضع المذكور في الكتاب يقتضي اختصاصه بما إذا وجد الصّنفان جميعاً في ماله، وهكذا زعم القَاضِي ابن كج، لكن الشيخ أبو حامد وعامة من نقل ذلك القول أثبته عند بلوغ الإبل مائتين على الإطلاق وتفريعه ما قدمناه.
وقوله: فيما إذا أخذ غير الأغبط قصداً "لم يقع الموقع" معلم بالواو؛ لأنه لم يَحْكِ الخلاف إلا فيما أخذه بالاجتهاد، وقد حكينا وجهاً أنه يقع الموقع وإن أخذه من
غير الاجتهاد.
وقوله: "قيل: لا يقع الموقع" "وقيل: يقع الموقع" ليس المراد منه السلام في كونه مجزئاً، إذ لو كان كذلك لما انتظم التفريع على وجه وقوع الموقع بأنه هل يلزم جبر التفاوت أم لا؟ وإنما المراد من وقوعه الموقع كونه محسوباً عن الزّكاة.
وقوله: "وقيل: عليه جبر التفاوت ببذل الدراهم" يشبه أن تكون الدراهم في كلام الأصحاب ليست معينة في هذا الفصل بعينها بل المعتبر نقد البلد، وهذه العبارة هي التي أوردها الشيخ إبراهيم المروزيّ فيما علق عنه 1.
وقوله: "إمَّا من جنس الأَغْبط على رأي أو من جنس المخرج على رأي" يجوز أن يعلّم بالواو؛ لأن إمام الحرمين حكى عن إشارة بعض المصنفين وجهاً ثالثاً، ومال إليه وهو أنه يتخير بين الصنفين بعد حصول الجبران، ولا يتعين هذا ولا ذاك.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ أَخْرَجَ حَقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفاَ لَمْ يَجُزْ للتَّشْقِيصِ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعمائَةٌ فَأَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرافعي: مالك المائتين من الإبل لو أخرج حقَّتَيْن وبنتي لَبُون ونصفاً لم يجز؛ لأن التَّشْقيص نقصان وعيب، ولو ملك أربعمائة من الإبل فعليه ثمان حِقَاق أو عشر بنات لبون؛ لأنها ثمان خمسينات وعشر أربعينات، ويعود فيها جميع ما في المائتين من الخلاف والتفريع.
ولو أخرج عنها أربع حقاق وخمس بنات لبون، ففي جوازه وجهان:
قال الإصطخري: لا يجوز؛ لأنه تفريق الفريضة كما في المائتين وتمسك بنصه في "المختصر"، ولا يفرق الفريضة.
والأصح وبه قال الجمهور: يجوز؛ فإن كل مائتين أصل علي الانفراد، فيجوز إخراج فرض من إحداهما وفرض من الأخرى، كما يجوز في إحدى الكَفَّارتين الإطعام وفي الأخرى الكسوة، وكما يجوز في أحد الجبرانين الشِّياه وفي الآخر الدراهم، بخلاف ما إذا لم يملك إلا مائتين، فإن التَّفْريق فيها كالتفريق في الجبران الواحد، والكفَّارة الواحدة على أنه ليس المانع في المائتين مجرد التَّفريق، أَلاَ تَرَى أَنَّه لو أخرج حِقَّتَيْن وثلاث بنات لَبُون يجوز، قاله صاحب "التهذيب" وكذا لو أخرج أربع بنات لبون وحقة بدل بنت لبون يجوز، وإنما المانع من المائتين التَّشقيص، ولا تشقيص هاهنا.
وقوله: "ولا يفرق الفريضة" منهم من لم يثبته لما بيناه من جواز التفريق، وقال: الثابت رواية الربيع، وهي لا تفارق الفريضة أي: إذا وجد السَّاعي في المال أحد الصّنفين دون الآخر لم يجز أن يفارق الموجود ويكلفه تحصيل المفقود، ومَنْ أَثْبته حمله على تفريق التَّشْقيص في صورة المائتين، أو التَّفريق مع الجَبْران من غير ضرورة مثل أن يأخذ أربع بنات لَبُون وحقَّة، ويعطي الجبران وهو واجد لخمس بنات لبون، ويجري الوجهان متى بلغ المال أربعينات وخمسينات بحيث يخرج منها بنات اللَّبون والحقاق بلا تشقيص، ولعلَّك تقول: ذكرتم أن السَّاعي يأخذ الأَغْبَط ويلزم من ذلك أن يكون أَغْبَط الصنفين هو المخرج، فكيف يخرج البعض من هذا والبعض من ذاك.
فاعلم أن ابن الصَّبَّاغ أجاب عن هذا فقال: أما ابن سريج فلا يلزمه هذا إذ الخِيَار هذا عنده لرب المال، أما على قول الشافعي -رضي الله عنه- فيجوز أن يكون لهم حظّ ومَصْلَحة في اجتماع النَّوعين، وهذا يفيد معرفة شيء آخر وهو أن جهة الغبْطَة غير منحصرة في زيادة القيمة إذا كان التَّفَاوت لا من جهة القيمة يتعذر وإخراج الفضل وقدر التفاوت.
قال الغزالي: النَّظَرُ الرَّابعُ فِي الجَبْرَانِ وَجُبْرَانُ كُلِّ مَرتَبَةٍ فِي السِّنِّ عِنْدَ فَقْدِ السِّنِّ الوَاجِبِ بِشاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً، فَإنْ رَقَى إِلَى الأكْبَرِ أَخَذَ الجُبْرَان، وَإِنْ نَزَلَ أُعْطِيَ، وَالخِيرَةُ فِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ وَالشَّاةِ (و) إِلَى المُعْطِي، وَالخِيرَةُ فِي الانْخِفَاضِ وَالارْتِفَاع إِلَى المَالِكِ إلاَّ إِذَا كَانَ إِبلُهُ مِرَاضاً فَارتَقَى وَطَلَبَ الْجُبرَانَ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَكُون خَيْرًا مِمَّا أَخْرَجَهُ.
قال الرافعي: في حديث أنس -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ جَذَعَةً وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيه المصَدَّقُ شَاتَيْنِ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً ومن بلغت صدقته حقه وليست عنده وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً" 1 وروي مثل ذلك في بنت المَخَاضِ وبنت اللَّبُونِ.
من وجبت عليه بنت مخاض، وليست عنده جاز أن يخرج بنت لبون، ويأخذ من السَّاعي شاتين، أو عشرين درهماً؟ وإن وجبت عليه بنت لبون وليست عنده جاز أن يخرج حقَّة، ويأخذ ما ذكرنا؟ وإن وجبت عليه حِقَّة وليست عنده جاز أن يخرج جَذَعَة، ويأخذ ما ذكرنا، وهذه صور الارتقاء عن الواجب.
ولو وجبت عليه جَذَعَة وليست عنده جاز أن يخرج حِقَّة مع شَاتَيْن، أو عشرين درهماً.
ولو وجبت عليه حِقَّة وليست عنده جاز أنْ يخرج بنت لَبُون مع ما ذكرنا، ولو وجبت عليه بنت لَبُون وليست عنده جاز أنْ يخرج بنت مخاض مع ما ذكرنا، وهذه صور النُّزول وجملة ذلك تفصيل قوله في الكتاب: "وجبرَان كلّ مرتبة في السِّن" إلى قوله: "أعطى"، وصفة شاة الجبران ما ذكرنا في الشَّاة المخرجة عما دون خمس وعشرين من الإبل، وفي اشتراط الأُنوثة إذا كان المعطي هو المالك الوجهان المذكوران في تلك الشَّاة، والدَّراهم التي يخرجها هي البقرة.
قال في "النَّهَاية": وكذلك دراهم الشَّرْعية حيث وردت، فإذا احتاج الإِمَام إلى إعطاء الجبْرَان، ولم يكن في بيت المال دَراهم باع شيئاً من مال المساكين، وصرفه إلى الجبران، وإلى من تكون الخيرة في تعيين الشَّاتِيَن أو الدَّرَاهم نص في "المختصر" على أن الخيرة إلى المعطى، سواء كان هو السّاعي أو المالك، وعن "الإملاء" قول آخر: أن الخيرة للسّاعي يأخذ الأَغْبَط منها للمساكين، وللأصحاب فيه طريقان مذكوران في "النهاية".
إحداهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أن الخيرة للمعطي لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَأْخْرَجَ مَعَهَا شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهمًا" 1. وهذا تخيير للمخرج فإذا كان السَّاعي هو المعطي راعى مصلحة المساكين.
والثاني: أن الخيار إلى السَّاعي كالخيار في المائتين بين الحِقَاق وبنات اللَّبون على الظاهر.
والطريقة الثانية وبه قال الأكثرون: أن الخيرة إلى المعطي بلا خلاف، وما ذكره في الكتاب يجوز أن يكون جواباً على هذه الطَّريقة، ويجوز أن يكون جواباً على الصَّحيح مع تسليم الخِلاف وهو الذي ذكره في "الوسيط"، وإذا فقد السِّن الواجبة وأمكلن الصعود والنزول فإلى من الخيار فيهما؟ فيه وجهان:
أحدهما: إلى السَّاعي كما في تخييره بين الحِقَاق وبين بنات اللبون في المائتين من الإبل.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب إلى المالك، لأن الصّعود والنّزول شرعاً تخفيفاً عليه، فيفوض الأمر إلى خيرته، وموضع الوجهين ما إذا طلب المالك خلاف الأغْبَط للمساكين، فإذا كان الأغْبَط ما يطلبه فلا خلاف، وعلى السّاعي مساعدته وهذا عند الصّحة والسلامة.
فأما إذا كان الواجب مريضاً أو معيباً لكون أبله مراضاً أو معيبة
فأراد الصعود وطلب الجبران، مثل أن يجب بنت مَخَاض معيبة فارتقى إلى بنت لَبُون معيبة وطلب الجبْرَان فيبنى ذلك على الوجهين، إن قلنا: الخيار إلى الساعي، فلو رأى الساعي الغبطة فيه جاز، وإن فَرَّعنا على الصَّحيح وهو تفويض الخِيَار إلى المالك فيستنثى هذه الحَالَة ولا يفوض الخيار إليه 1، وعلَّله جماعة منهم صاحب الكتاب بأن الجبران المأخوذ قد يزيد على المعيب المدفوع، ومقصود الزكاة إفادة المساكين لا الاستفادة منهم، وأحسن منه ما أشار إليه العراقيون فقالوا: لو صرف إليه الجبران إما أن يصرف إليه الجبران المشروع بين الصَّحيحين أو غيره.
والأول: ممتنع؛ لأن قدر التَّفَاوت بين الصَّحِيحَيْن فوق قدر التَّفَاوت بين المريضين كما يدفع إليه، لا على التَّفَاوت كيف يدفع لأدناهما؟
والثاني: يمتنع؛ لأنه لا نظر إلى القيمة في الزَّكوات عندنا، ولم يرد نص فنتبعه، ولو أراد أن ينزل من السِّن المريضة أو المعيبة إلى سن ناقصة دونها، ويبذل الجبران فهذا لا منع منه؛ لأنه تبرع بزيادة؛ لأن ما يعطيه من الجبران هو الجبران المشروع بين الصيحيحين.
قال الغزالي: وَلَوْ أَخْرَجَ بَدَلَ الجَذَعَةِ ثَنِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ جُبْرَانٌ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ جَاوَزَ أَسْنَانَ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَلَمْ يَجِدُوا فِي مَالِهِ إِلاَّ حِقَّةٌ وَجَذَعَةٌ فَرَقَي إِلَى الجَذَعَةِ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ لِأنَّهُ كَثَّرَ الجُبْرَانَ مَعَ الاسْتِغْنَاء عَنْهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ جُبْرَانٍ وَاحِدٍ شَاةً وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أَخْرَجَ عَنْ جُبْرَانَيْنِ شَاتَيْنِ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا جَازَ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل:
إحداها: لو وجب عليه جَذَعَة فأخرج مكانها ثَنية، ولم يطلب جبراناً جاز، وقد زاد خيراً ولو طلب الجبران فوجهان:
إحداهما: يجوز 2 لزيادتها في السّن كما في سائر المراتب، وإلى هذا يميل كلام العراقيين وهو ظاهر النص.
وأظهرهما عند المصنّف وصاحب "التهذيب": المنع؛ لأن المؤدي ليس من أَسْنَان الزكاة فأشبه ما لو أخرج فَصِيلاً لم يبلغ أَسْنان الزكاة مع الجبْرَان لا يجوز.
الثانية: كما يجوز الصُّعود والنُّزول بدرجة واحدة يجوز بدرجتين مثل أن يعظي مكان اللَّبون جذعة عند فقدها وفقد الحِقَّة ويأخذ جبرانين أو يعطي بدل الحِقَّة بنت مَخَاض عند فقدها 1 مع جبرانين، وكذلك بثلاث درجات مثل أن يعطي مكان الجَذَعَة عند فقدها، وفقد الحقة وبنت اللَّبون بنت مخاض مع ثلاث جبرانات أو يعطي مكان بنت المخاض عند فقدها وفقد بنت اللبون والحقة جذعة ويأخذ ثلاث جبرانات، وهل يجوز الصعود والنزول بدرجتين مع القدرة على الدرجة القربى كما إذا لزمته بنت لبون فلم يجدها في ماله ووجد حقة وجذعة فَرَقَى إلى الجذعة؛ فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما لو لم يجد الحِقّة، فإنها ليست واجب ماله فوجودها وعدمها بمثابة واحدة، وهذا ما ذكره القاضي ابْنُ كَجٍّ، ونسبه الإمام إلى القَفَّال -رحمه الله-.
وأصحهما: عند الأكثرين المَنْعُ للاستغناء عن أخذ الجبرانين ببذل الحِقَّة، وموضع الوجهين ما إذا رَقَى إلى الجذعة وطلب جبرانين أما لو رضي بجبران واحد فلا خلاف في الجواز، ويجري الخلاف في النُّزول من الحِقَّة إلى بنت المخاض، مع وجود بنت اللَّبون، ولو لزمته بنت اللَّبون فلم يجدها في ماله ولا حقه وفي ماله جذعة وبنت مخاض، فهل يجوز أن يترك النزول إلى بنت المخاض وَيرْقَى إلى الجذعة؟ فيه وجهان مرتبان وأولى بالجواز وبه أجاب الصَّيدلاني؛ لأن بنت المخاض وإن كانت أَقْرَب إِلاَّ أنها ليست في الجهة المعدول إليها.
الثالثة: لو أخرج المالك عن جبرانين شاتين وعشرين درهماً جاز كما يجوز إطعام عشرة مَسَاكين في كَفَّارة يمين وكسوة عشرة في أخرى ولو أخرج عن جبران واحد شَاةً وعشرة دراهم لم يجز؛ لأن الجَبْرَ يقتضي التَّخْيير بين شَاتَيْن وعشرين درهماً فلا تثبت خيرة ثالثة، كما أن في الكفَّارة الواحدة لا يجوز أن يطعم خمسة ويكسو خمسة، ولو كان المالك هو الآخذ ورضي بالتَّفريق جاز فإنه حقه وله إسقاطه أصلاً ورأساً.
= زياداته عن الجمهور.
وكذلك في "زيادات المنهاج" كما يشعر به كلام الرافعي حيث نقله عن العراقيين.
فرع: لو لزمته بنت لَبُون فلن يجدها في ماله، ووجد ابن لبون وحقة فأراد أن يعطي ابن اللَّبون مع الجبران، هل يجوز؟ فيه وجهان نقلهما القَاضِي ابن كج وغيره: وجه الجواز أنَّ الشَّرْع نزله منزلة بنت المَخَاض حيث أقامه مقامها في خمس وعشرين.
قال في "العدّة": والأصح المنع.
واعلم: أن الجبران لا مدخل له في زكاة البقر والغنم؛ لأن السنة لم ترد به إلا في الإبل، وليس هو بموضع القياس والله أعلم.
"
القول في صفة المخرج في الكمال والنقصان
"
قال الغزالي: النَّظَرُ الخَامِسُ: فِي صِفَةِ المُخْرَجِ فِي الكمَالِ وَالنُّقْصَانِ، وَالنُّقْصَانُ خَمْسَةٌ: (الأَوَّلُ) المَرَضُ فِإنْ كَانَ كُلُّ المَالِ مِرَاضًا أَخَذَ (م) مِنْهُ مَرِيضَةً، فَإنْ كَانَ فِيهَا صَحِيحٌ لَمْ يَأخُذْ إِلاَّ صَحِيحَةً تقَرُبُ قِيمَتُهَا مِنْ رُبْعِ عُشْرِ مَالِهِ إِذَا كَانَ مَالُهُ أَرْبَعِينَ شاةً.
قال الرافعي: هذا النظر لا يختص بزكاة الإبل، ومقصوده السلام في صفة المخرج في الكمال والنُّقصان، ومن الصفات ما يعد في هذا الباب نقصاناً وهو كمال في غيره كالذّكورة: لأن الإناث في مظنَّة الدّر والنّسل فهي أرفق بالفقراء، ثم جعل أسباب النصقان خمسة:
أحدها: المرض، فإن كانت ماشيته كلها مراضاً لم يكلفه السّاعي إخراج صحيحة.
وعن مالك: أنه يكلف ذلك.
لنا أن ماله رديء فلا يلزمه إخراج الجَيِّد كما في الحُبُوب ثم المأخوذ من المراض الوسط جمعاً بين الحقّين، ولو انقسمت الماشية إلى صحاح ومراض.
فإما أن يكون الصَّحيح منها قدر الواجب فصاعداً، أو كان دونه فإن كان قدر الواجب فصاعداً لم يَجُزْ إخراج المريضة.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ" 1. فإن كانت المريضة ذات عَوَار فالنَّصُّ مانع منها وإلاَّ فهي مَقِيسَةٌ عليها، وقضية ذلك أنْ لا تؤخذ المريضة أصلاً.
خالفنا [فيما] 2 إذا كانت ماشيته كلها مراضاً، قيبقى الباقي على قضية الدَّليل، هذا إذا وجب حيوان واحد، فإن وجب اثنان ونصف ماشيته مراض كبنتي لَبُون في ستِّ وسبعين وشاتين في مائتين من الشِّياه، فهل يجوز أن يخرج صحيحه ومريضه؟ فيه وجهان حكاهما في "التهذيب":
أظهرهما: عنده: نعم.
وأقربهما: إلى كلام الأكثرين: لا، وإن كان الصَّحيح منها دون قدر الواجب، = يؤخذ من ذلك ترجيح في المسألة كما صرح به الرافعي في مواضع.
أعني أن الاولوية لا يؤخذ منها ترجيح، والأصح في المسألة الجواز كذا ذكره في "شرح المهذب".
كما إذا وجب شاتان في مائتي شاة، وليس فيها إِلاَّ صحيحة فوجهان:
أحدهما: ويحكى عن الشيخ أبي محمد: أنه يجب عليه صحيحتان ولا يجزئه صحيحة ومريضة؛ لأن المخرجتين كما يزكيان ماله يزكّي كل واحد منهما الأخرى، فيلزم أن تزكّى المريضة الصحيحة وهو ممتنع.
وأصحهما ولم يذكر العراقيون والصَّيْدلاَنيّ غيره: أنه يجزئه صحيحه ومريضه؛ لأن امتناع إخراج المراض يقدر بقدر وجود الصّحاح، أَلاَ ترى أن ماشيته لو كانت مراضاً بأسرها جاز له إخراج محض المراد؟ فالمطلوب أن لا يخرج مريضه ويستبقي صحيحه كي لا يكون مُتيّمماً بخبيث ماله لينفق منه، وإذا أخرج صحيحه من المال المنقسم إلى الصِّحاح والمراض فلا يجب أن تكون من صحاح ماله ولا مما يساويها في القيمة، ولكن يؤخذ صحيحة لائقة بماله.
مثاله: أربعون شاة نصفها صحاح وقيمة كل صحيحة ديناران، وقيمة كل مريضة دينار يخرج صحيحة بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وذلك دينار ونصف، ولو كان الصِّحاح منها ثلاثين والقيمة ما ذكرناه أخرج صحيحة بقيمة ثلاثة أرباع صحيحة وربع مريضة وهو دينار ونصف وربع، ولو لم يكن فيها إلاَّ صحيحة أخرج صحيحة بقيمة تسعة وثلاثين جزءاً من أربعين من مريضة وجزء من أربعين من صحيحه وذلك دينار وربع عشر دينار، وجميع ذلك ربع عشر المال على ما قال في الكتاب: تقرب قيمتها من ربع عشر ماله إذا كان ماله أربعين شاة، واعرف في هذا اللَّفظ شيئين:
أحدهما: أن قوله: "تقرب قيمتها" يشعر بأن الأمر في ذلك على التقريب، وهذا لم أره في كلام غيره ولا ينبغي أن يسامح بالنُّقصان والبخس.
والثاني: الذي ذكرناه من طريق التَّقسيط هو ما أورده أكثر الأصحاب وهو يتضمن النظر إلى آحاد الماشية، ولا يستمر إلا فيما إذا استوت قيم الصحاح وقيم المراض وقد تكون مختلفة القيمة، ولفظ الكتاب يغني عن النّظر إلى الآحاد، ورأيت القاضي ابن كَجّ رواه عن أبي إسحاق فمتى قُوّم جملة النصاب وكانت الصحيحة المخرجة ربع عشر القيمة كفى ثم لا يخفى أن هذا في الشَّاة مع الأربعين، فإن ملك مائة وإحدى وعشرين شاة فينبغي أن يكون قيمة الشاتين قدر جزء من مائة وإحدى وعشرين من قيمة الجملة، وإن ملك خمساً وعشرين من الإبل فينبغي أن تكون النَّاقة المأخوذة بالقيمة جزءاً من خمسة وعشرين جزءاً من قيمة الكل، وقِسْ على هذا سائر النّصب وواجباتها.
ومن الأمثلة في الباب: لو ملك ثلاثين من الإبل نصفها صحاح ونصفها مراض، وقيمة كل صحيحة أربعة دنانير وقيمة كل مريضة ديناران يجب عليه صحيحه بقيمة نصف صحيحة ونصف مريضة وهو ثلاثة دنانير، أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ولك
أن تقول: هلاّ كان هذا ملتفتاً إلى أن الزكاة هل تنبسط على الوقص أم لا؟
فإن انبسطت فذاك وإلاَّ قسط المأخوذ على الخمس والعشرين 1.
قال الغزالي: (الثَّاني) العَيْبُ فَإِنْ كَانَ الكُلُّ مَعِيباً أخَذَ مَعِيبَةً، وَإِنْ كَانَ فِيهَا سَلِيمَةٌ طَلَبْنَا سَلِيمَةً تَقْرُبُ قِيمَتُهَا مِنْ رُبْعِ عُشْرِ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ الكُلُّ مَعِيبًا وَبَعْضُهُ أَرْدَأَ أَخَذَ الوَسَطَ مِمَّا عِنْدَهُ.
"النقص الثاني":
قال الرافعي: السلام في العَيْب كالكلام في المرض، سواء تمحضت الماشية معيبة أو انقسمت إلى سَلِيمَة ومعيبة.
وأعلم قوله: "أخرج الوسط مما عنده" بالواو، وليس هذا الاعلام للخلاف الذي يوهمه نظم "الوسيط" ولكنه يصح لغيره.
وأما أنه ليس لما يوهمه نظم "الوسيط" فلأنه لا خلاف في ذلك الوجه ولا عبرة بإيهامه.
بيانه: أنه قال في "الوسيط": قال الشافعي -رضي الله عنه- يخرج أجود ما عنده.
وقال الأصحاب: يأخذ الوسط بين الدرجتين وهو الأصح فأوهم أنَّ في المسألة خلافاً، وأراد بما نقله عن الشَّافعي -رضي الله عنه- ما رواه المزني في "المختصر" حيث قال: "ويأخذ خير المعيب" لكن الأصحاب متفقون على أنه مأول، منهم من قال: أراد: بـ "الخير" الوسط، ومنهم من قال غير ذلك، ولم يثبتوا خلافاً بحال.
وأما أنه يصح لغير ذلك فلأن إمام الحرمين حكى وجهين فيما إذا ملك خمساً وعشرين من الإبل معيبة وفيها بنتا مخاض إحداهما من أجود المال مع العيب، والأخرى دونها.
أحدهما: أنه يأخذ التي هي أجود.
وأصحهما: أنه يأخذ الوسط، وذكر أن من قال بالأول شبه المسألة بأخذ الأغبط من الحِقَاق وبنات اللبون إذا اجتمع الصِّنفان في المالين ثم العيب المرعى في الباب ماذا؟ فيه وجهان:
أصحهما: ما ثبت الرَّد به في البيع.
والثاني: هذا مع ما يمنع الإِجْزَاء في الضَّحَايَا.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) الذُّكُورَةُ فَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ أُنْثَى أَوْ كَانَ الكُلُّ إِنَاثًا لَمْ تُؤْخَذْ
إِلاَّ الأُنْثَى لِورُودِ النَّصِّ بِالإِنَاثِ، فَإِنْ كَانَ الكُلُّ ذُكُوراً لَمُ يُؤْخَذِ الذَّكَرُ أَيْضاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ.
"النقص الثالث":
قال الرافعي: غرض الفصل يتَّضح بتفصيل أَجْنَاس النّعم، أما الإبل فإن تمحضت إناثاَ أو انقسمت إلى إناث وذكرر فلا يجوز فيها إخراج الذكر إلاَّ في خمس وعشرين، فإنه يجزئ فيها ابن لَبُون عند عدم بنت المَخَاض 1 وإن كانت كلها إناثاً، وذلك في المستثنى والمستثنى منه مأخوذ من النّص على ما تقدم وإن تمحّضت ذكوراً، فهل يجوز أخذ الذكر؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن سلمة وأبو إسحاق: لا، ويروى هذا عن نص مالك؛ لأن النّص ورد بالإناث من بنت المَخَاض وبنت اللبون وغيرهما فلا عدول عنها، وعلى هذا فلا يؤخذ منها أنثى كانت تؤخذ لو تمحضت إبله إناثًا بل تقوم ماشيته لو كانت إناثاً وتقوم الأنثى المأخوذة منها ويعرف نسبتها من الجملة ثم تقوم ماشيته الذكور، ويؤخذ منها أنثى قيمتها ما تقتضيه النسبة، وكذلك الأنثى المأخوذة من الإناث، والذكور تكون دون الأنثى المأخوذة من محض الإناث، فطريق التّقسيط ما ذكرناه في المِراض.
وأظهرهما: وبه قال ابن خَيْران، ويروى عن نصه في "الأم": أنه يجوز أخذ الذكور منها كما يجوز أخذ المريضة من المراض، والمعنى فيه أن في تكليفه الشّراء حرجاً وتشديداً وأمر الزكاة مبني على الرفق، ولهذا شرع الجِبْرَان، ومنهم من فَصَّل فقال: إن أدَّى أخذ الذكور إلى التَّسوية بين نِصَابَيْن لم يؤخذ، وإلاَّ فيؤخذ بيانه: يؤخذ ابْن مَخَاض من خمس وعشرين وحق من ست وأربعين وجذع من إحدى وستين، وكذا يؤخذ الذكر إذا زادت الإبل واختلف الفرض بزيادة العدد، ولا يؤخذ ابن لبون من ست وثلاثين؛ لأن ابن اللبون مأخوذ من خمس وعشرين عند فقد بنت الخاض، فيلزم التّسوية بينهما.
ومن قال بالوجه الثاني قال: لا تسوية، لا في كيفية الأخذ ولا في المأخوذ.
أما في كيفية الأخذ فلأن أخذ ابن اللَّبون من ست وثلاثين مشروط بعدم بنت اللَّبون لا بعدم بنت المخاض، وأخذه من خمس وعشرين مشروط بعدم بنت المَخَاض لا بعدم بنت اللبون.
وأما في المأخوذ: فلأن عندي يؤخذ من ست وثلاثين ابن لَبُون
فوق ابن اللَّبون المأخوذ من خمس وعشرين، ويعرف ذلك بالتَّقْويم والنِّسْبة.
وأما البقر فالتَّبيع مأخوذ منها في مواضع وجوبه وجب واحد منه أو عدد للنص الذي رويناه، ولا فرق بين أن تتمحَّض إناثاً أو ذكوراً أو تنقسم إلى النَّوْعين وحيث تجب المسنّة، فهل يؤخذ المسن عنها إن تمحضت إناثاً، أو انقسمت إلى ذكور وإناث؟ فلا، وإن تمحضت ذكوراً فوجهان كما في الإبل، وأما الغنم فإن تمحضت إناثاً أو كانت ذكوراً وإناثاً لم يَجُزْ فيها الذَّكر خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يؤخذ الذكر منها مكان الأنثى، وسلم في الإبل أنه لا يؤخذ إلا على طريق اعتبار القيمة على أصله في دفع القيم لنا قياس الغنم على الإبل، وأيضاً فقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلاَ يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلاَ ذَاتُ عَوَارٍ وَلاَ تَيْسٌ" 1 وإن تمحَّضت ذكوراً فطريقان:
أحدهما: القطع بأنه يؤخذ الذّكر منها.
والثاني: طرد الوجهين المذكورين في الإبل والأول هو ما أورده الأكثرون، وفرقوا بأن أخذ الذكر منها لا يؤدي إلى التَّسوية بين نصابين، فإن الفرض فيها يتغير بالعدد، وفي الإبل يؤدي إلى التَّسوية بين القليل والكثير؛ لأن الفرض فيها يتغير بالسِّن أولاً كما سبق.
وعد بعد هذا إلى لفظ الكتاب، وأْعلم قوله: "لم يؤخذ، إلاَّ الأنثى" بالحاء، فإن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يؤخذ الذّكر على ما بيناه، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقاً لكن لا بد من استثناء أخذ التَّبيع في مواضع وجوبه عنه، وكذلك أخذ ابن اللَّبون بدلاً عن بنت مَخَاض، وذكروا وجهين فيما إذا أخرج عن أربعين من البقر أو خمسين تبيعين.
أظهرهما عند الأكثرين: الجواز؛ لأن إخراجهما عن ستين جائز فعمَّا دونها أجوز، فعلى هذا تستثنى هذه الصُّورة أيضاً.
وقوله: "لم يأخذ الذكر أيضاً" يجوز أن يعلم بالألف؛ لأن ظاهر كلام أحمد فيما رواه أصحابه أنه يجوز أخذه.
وقوله: "على أحد الوجهين" بالواو؛ لأن اللفظ يشمل الغَنَم وغيرها، وفي الغنم طريقة أخرى قاطعة بالجواز و [الله أعلم].
قال الغزالي: (الرَّابعُ) الصِّغَرُ فَإِنْ كَانَ فِي المَالِ كَبِيرَةٌ لَمْ تُؤْخَذِ الصَّغِيرَةُ، فَإِنْ كَانَ الكُلُّ صِغَاراً كَالسِّخَالِ وَالفِصْلاَنِ أَخَذْنَا الصَّغِيرَةِ، وَقِيلَ: لاَ تُؤْخَذُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي في الإِبِلِ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ القَلِيلِ وَالكَثِيرِ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي غَيْرِ الإِبِلِ وَفِي الإِبِلِ فِيمَا جَاوَزَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَلاَ يُؤْخَذُ فِيمَا دُونَهُ كَيْلاَ يُؤَدِّي إِلَى التَّسْوِيَةِ.
"النقص الرابع":
قال الرافعي: الماشية إمَّا أن تكون كلها أو بعضها في سِنِّ الفرض أو لا يكون شيء منها في تلك السِّنِّ، وحينئذ إِمَّا أَنْ تكون في سنِّ فوقها أو دونها، فهذه ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون كلها أو بعضها في سن الفرض، فيؤخذ لواجبها ما في سِنِّ الفرض ولا يؤخذ ما دونه ولا يكلف بما فوقه.
أما الأول فللنصوص المقتضية لوجوب الأَسْنَان المقدّرة.
وأما الثاني فلما فيه من الإِجْحَاف والإضرار بالمالك.
وقد روي أن عمر -رضي الله عنه- قال لساعين سفيان بن عبد الله الثقفي -رحمه الله-: "اعتد عليهم بالسَّخلة التي يروح بها الرّاعي على يده ولا تأخذها ولا تأخذ الأَكُولَة والرُّبَّى والمَخَاض ولا فحل الغنم، وخذ الجذعة والثنية، فذلك عدل بين غذاء المال وخياره" 1. الأكولة: هي المُسمنة للأكل في قول أبي عبيدة.
وقال شمر: أكولة غنم الرجل الخصي، والهَرِمَة: العاقر، والرُّبَى: هي الشاة الحديثة العهد بالنِّتَاج، ويقال: هي في رِبَائِهَا كما يقال: المرأة في نِفَاسِهَا، والجمعُ رُباب بالضّم، والماخض: الحامل، وفحل الغنم: الذكر المعدّ للضّرَاب والغذَاء السخال الصغار، جمع غذي وهذه التي فسَّرناها لو تبرَّع بها المالك أخذت إلا فحل الغنم، ففيه ما ذكرنا في أخذ الزكاة.
الحالة الثانية: أن تكون كلّها في سن فوق سن الفرض فلا يكلَّف بإخراج شيء منها بل يحصِّل السِّن الواجب ويخرجها، وله الصعود والنزول كما في الإبل كما سبق.
والحالة الثالثة: أن يكون الكلّ في سن دونه، وقد يستبعد تصوير الحالة ببادى الرأي، فيقال لا شك أن المراد من الصّغر هو الانْحِطاط عن السِّن المجزئة، ومعلوم أن أحد شروط الزكاة الحَوْل وإذا حال الحول فقد بلغت الماشية حدَّ الإجزاء، والأصحاب صوروها فيما إذا حدثت من الماشية في أثناء الحَوْل فَصْلان أو عجُول أو سخَال ثم ماتت الأمهات كلها وتم حولها وهي صغار بعد، وهذا مبني على ظاهر المذهب في أن الحول لا ينقطع بموت الأمهات بل تجب الزكاة في النِّتَاج إذا كان نِصَاباً عند تمام حول الأصل، وبه قال مالك، وذهب أبو القاسم الأَنْمَاطِيُّ من أصحابنا إلى أن الأمهات مَهْمَا نقصت عن النِّصاب انقطع حَوْل النِّتاج فضلاَ من أن لا يبقى منها شيء، فعلى قوله: لا تتصور هذه الحالة الثالثة من هذا الطريق، وكذلك لا يتصور عند أبي حنيفة -رحمه الله-؛ لأنه شرط
بقاء شيء من الأمهات ولو واحدة، وإن لم يشترط بقاء النصاب.
وعند أحمد -رحمه الله- روايتان:
أصحهما: كمذهبنا والأخرى كمذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، وسيأتي هذا الأول بشرحه في "شرط الحول" -إن شاء الله تعالى- ويمكن أن تصور هذه الحالة في صورة أخرى، وهي أَنْ يملك نِصَاباً من صغار المَعز ويمضي عليها حول فتجب فيها الزكاة، وإن لم تبلغ سن الإجزاء فإن الثنية من المعز على أظهر الأوجه التي سبقت هي التي لها سنتان، وهذه الصورة لا تستمر على مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- أيضاً؛ لأن عنده لا ينعقد الحَوْل على الصّغار من المواشي، وإنما يبتدئ الحَوْل من وقت زوال الصغر.
إذا عرف التصوير ففيما يؤخذ وجهان.
وقال صاحب "التهذيب" وغيره: قولان:
القديم: أنه لا يؤخذ إلاَّ كبيرة؛ لأن الأخبار الواردة في الباب تقتضي إيجاب الأسْنَان المقدرة من غير فرق بين أن تكون الماشية صغاراً أو كباراً، وعلى هذا تؤخذ كبيرة هي دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة، كذا إذا انقسم ماله إلى صغار وكبار يأخذ الكبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره فإن لم توجد كبيرة بما يقتضيه التقسيط يؤخذ منه القيمة للضرورة، ذكره المَسْعُودِيّ في "الإفصاح".
والجديد: أنه لا يشترط كونها كبيرة بل يجوز أخذ الصَّغيرة من الصّغَار كما يجوز أخذ المريضة من المِرَاض، وعلى هذا فتؤخذ مطلقاً أم كيف الحال؟ قطع الجمهور بأخذ الصَّغيرة من الصّغار من الغنم، وذكروا في البقر والإبل ثلاثة أوجه:
أحدها: وبه قال أبو العباس وأبو إسحاق: أنه لا يؤخذ منها الصغار؛ لأنا لو أخذنا لسوَّيْنا بين ثلاثين من البقر وأربعين في أخذ العجل وبين خمس وعشرين من الإبل، وإحدى وستين وما بينهما من النّصابين في أخذ فَصِيل، ولا سبيل إلى التَّسوية بين القليل والكثير بخلاف ما في الغنم، فإن الاعتبار فيها بالعدد فلا يؤدي أخذ الصغار إلى التسوية، وعلى هذا فتؤخذ كبيرة بالقسط على ما سبق في نظائره، ولا يكلف كبيرة فتؤخذ من الكبار.
والوجه الثاني: أنه لا يؤخذ الفَصِيل من إحدى وستِّين فما دونها؛ لأن الواجب فيها واحد، واختلافه بالسِّن فلو أخذنا فَصِيلاً لسوَّينا بين القليل والكثير، أما إذا جاوز ذلك فالاعتبار بالعدد فأشبه الغنم وكذلك البقر.
والثالث: أنه يؤخذ الصّغار منهما مطلقاً اعتباراً بجنس المال كما يؤخذ من الغنم، ولكن يجتهد الساعي ويحترز عن التَّسوية فيأخذ من ست وثلاثين فصيلاً فوق الفصيل
المأخوذ من خمس وعشرين ومن ست وأربعين فصيلاً فوق المأخوذ من ست وثلاثين، وعلى هذا القياس -والله أعلم-.
ولنبين ما في الكتاب من هذه الاختلافات.
والأظهر منها: قوله: "أخذنا الصغيرة" وهو الوجه الأخير المجوز لأخذ الصّغار من الغنم وغير الغنم وإيراده يشعر بترجيحه، وكذلك ذكر صاحب "التَّهذيب" وآخرون أنه الأصح.
وليكن قوله: "أخذنا" معلم بالميم والحاء.
أما بالميم فلأن عنده لا تؤخذ إلاَّ الكبيرة وأما بالحاء فلأن عنده لا تؤخذ الصغيرة ولا الكبيرة، ولا زكاة في الصّغار كما سبق بيانه.
وقوله: وقيل: لا يؤخذ، هو المحكي عن القديم الصائر إلى المنع مطلقاً، وأراد بقوله: "لأنه في الإبل يؤدي إلى التسوية" أنا لو أخذنا الصغيرة لأخذناها من الإبل أيضاً، كالمريضة والمعيبة حيث تؤخذ تؤخذ من غير الإبل من جميع النعم، ولو أخذنا من الإبل لزم التَّسوية بين القليل والكثير فامتنع الأخذ أصلاً ورأساً.
وقوله: "وقيل: يؤخذ في غير الإبل... " إلى آخره هو الوجه الثاني من الوجوه التي بَيَّنَّاها على الجديد، وزيفه الأئمة من وجهين:
أحدهما: أن التسوية التي تلزم في إحدى وستين فما دونها تلزم في ست وسبعين وإحدى وتسعين أيضاً، فإن الواجب في ست وسبعين بنتًا لَبُون وفي إحدى وتسعين حقَّتَان، فإذا أخذنا فَصِيلين من هذا ومن ذاك فقد سوينا بينهما لا فرق إلا أن المأخوذ قبل مجاوزة إحدى وستين واحد وبعد مجاوزتها اثنان، فإن وجب الاحتراز عن تلك التسوية فكذلك عن هذه.
والثاني: أن هذه التسوية تلزم في البقر بين الثلاثين والأربعين، وعبر قوم من الأصحاب عن هذا الوجه بعبارة أخرى تدفع هذين الالْتِزَامين، وهي أن الصغيرة تؤخذ حيث لا يؤدي أخذها إلى التسوية بين القليل والكثير، ولا تؤخذ حيث يؤدي أخذها إلى التسوية، وهكذا ذكر المصنف في "الوسيط" والإمام في "النهاية".
وقوله: "ولا يؤخذ فيما دونه" يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن صاحب "التهذيب" خص وجه المنع بالست والثلاثين والست والأربعين فما فوقهما، وجوز إخراج فصيل من خمس وعشرين إذ ليس في تجويزه وحدة تسوية وفي كلام، الصيدلاني مثل ذلك
-[والله أعلم]-
. قال الغزالي: (الخَامسُ) رَدَاءَةُ النَّوْعِ فَإِنْ كَانَ الْكُلُّ مَعْزاً أَخَذَ المَعْزَ، وَإِنْ اخْتَلَفَ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الأغْلَبِ وَعِنْدَ التَّسَاوِيَ يُرَاعِي الأَغْبَطَ لِلْمَسَاكين، وَالثَّانِي: أنَّهُ يؤْخَذ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ بِقِسْطِهِ، هَذَا بَيَانُ النِّصَابِ وَلاَ زَكَاةَ فِيمَا دُونَهُ إلا إِذَا تَمَّ بِخَلْطَةٍ نِصَاباً.
قال الرافعي: نوع الجنس الذي يملكه من الماشية إن اتحدَّ أخذ الفرض منها، كما إذا كانت إبله أَرْحبِيَّةً 1 كلها أخذ الفرض منها، وإن كانت مُهَرِيَّةً 2 أخذ الفرض منها وإن كانت غنمه ضأناً أخذ الضأن، وإن كانت مَعِزاً أخذ المعز، وذكر في "التهذيب" في ذلك وجهين في أنه هل يجوز أن يؤخذ ثنية من المعز باعتبار القيمة عن أربعين ضأناً، أو جذعة من الضأن عن أربعين معزاً؟:
أحدهما: لا، كما لا يجوز البقر من الغنم.
وأصحهما: نعم، لاتفاق الجنس، كالمهرِيَّةِ مع الأرَحبِيَّةِ.
وحكى عن القاضي حسين: أنه يحتمل أن لا يؤخذ المعز من الضّأن ويؤخذ الضأن من المعز؛ لأن المعز دون الضَّأن كما تؤخذ المهرِيَّة عن المجِيدِيَّة 3، وكلام إمام الحرمين -رحمه الله- يقرب من هذا التفصيل، فإنه قال: الضأن أشرف من المعز، فلو ملك أربعين من الضّأن الوسط فأخرج ثَنِية من المَعِز الشريفة، وهي تساوي جذعة من الضّأن الذي يملكه فهذا محتمل والظاهر إجزاؤها، وإن اختلف نوع الجنس الذي يملكه من الماشية كالمُهَرِيَّة والأَرْحَبِيَّةِ من الإبل وَالعِرَاب والجَوَامِيس من البَقر والضَّأْن والمَعِزِ من الغَنَم فيضم البعض إلى البعض لاتِّحاد الجنسَ، وفي كيفية أخذ الزكاة منها قولان مشهوران:
أحدهما: أنها تؤخذ من الأغلب، لأن النظر إلى كل نوع مما يشق فيتبع الأقل والأكثر ولو استوى النوعان أو الأنواع في المقدار، فقد قال في "النهاية" تفريعاً على هذا القول: إنه عند الأئمة بمثابة ما لو اجتمع في المائتين من الإبل الحِقَاق وبنات اللَّبون، فظاهر المذهب أن السّاعي يأخذ الأَغْبَطَ للمساكين، وهو المشهور، والمذكور في الكتاب، ومن قال: ثم الخيرة إلى المالك، فكذلك يقول هاهنا، فيجوز أن يرقم لهذا قوله: "وعند التساوي يراعي الأغبط" بالواو.
والقول الثاني: وهو الأظهر: أنه يؤخذ من كل نوع بالقسط رعاية للجانبين، وليس معناه أن يُؤْخَذ شِقْص من هذا، وشِقْص من ذاك 4 فإنه لا يجزئ بالاتِّفاق، ولكن
المراد النَّظر إلى الأَصْناف باعتبار القيمة على ما سنبينه في الأمثلة، وإذا اعتبرت القيمة والتَّقسيط فمن أي نوع كان المأخوذ جاز، هكذا قال الجمهور.
وقال ابن الصباح: ينبغي أن يَكُونَ المأخوذ من أعلى الأنواع، كما لو انْقَسَمَت ماشيته إلى صحاح ومراض يأخذ بالحصَّة من الصِّحاح، ولك أن تقول: ورد النهي عن المريضة والمعيبة 1 فلذلك لا نأخذها ما قدرنا على صحيحة وما نحن فيه بخلافه.
في المسألة قول ثالث محكي عن "الأم": وهو أنه إذا اختلفت الأنواع يؤخذ الفرض من الوسط كما في الثِّمار، ولا يجئ هذا القول فيما إذا لم يكن إلا نَوْعين، ولا فيما إذا كانت أَنْوَاعاً متساوية في الجَوْدَةِ والرَّدَاءَةِ.
وحكى القاضي ابن كج وجهاً: وهو أنه يؤخذ من الأجود أخذاً من نَصِّه في اجتماع الحِقَاقِ وبنات اللَّبُون 2 ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "فقولان" بالواو؛ لأن القاضي أبا القاسم بن كج حكى عن أبي إسحاق أن موضع القولين ما إذا لم تحتمل الإبل أخذ واجب كل نوع لو كان وحده منه، فإن احتمل أخذ كذلك بلا خلاف، مثل أن يملك مائتين من الإبل مائة مُهَرِيَّة، ومائة أَرْحَبِيَّة، فيؤخذ حقَّتَان من هذه، وحقَّتَان من هذه، والمشهور طرد الخلاف على ما يقتضيه لفظ الكتاب، ونوضح القولين بمثالين:
أحدهما: له خمس وعشرون من الإبل عشرة مهَرِيَّة، أرحِبيَّة أَرْحَبِيَّة، وخمسة = نصفي رقبتين في الكفارة فإن كان باقيهما حراً جاز أو رقيقاً جاز على أصح الوجهين، ومنهم الروياني فقال: في الظهار في البحر ولو أخرج نصفي شاتين بدل شاة هل يجوز فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو قول عامة الأصحاب.
ومنهم الماوردي الظهار الحاوي فقال في أجزائه ثلاثة أوجه، والثالث: إن كان باقي الشاتين للفقراء أجزأه لارتفاع الضرر عنهم وإن كان لغيرهم لم يجز لدخول الضرر عليهم.
وقال السبكي في تعليق القاضي ما يقتضي إثبات خلافه، وقيل مقتضى كلام الرافعي والمصنف أن المدة في إخراج الواجب بالتقسيط من أي نوع كان إلى المالك وأن القاضي قال: إلى الساعي، وادعى في التتمة أنه المذهب المشهور يوافقه قول ابن الصباغ أنه ينبغي أن يكون المأخوذ من أعلى الأنواع كما إن انقسمت إلى صحاح ومراض، ورد عليه الرافعي بأن المراض ورد النهي عنها وحكى كثير أنه يؤخذ من الوسط كما في الثمار، ولا يأتي هذا في نوعين ولا في ثلاثة تساوية.
مجِيْدِيّة، فعلى القول الأول تؤخذ بنت مَخَاض أَرْحَبِيَّة أو مهرية بقيمة نصف أَرْحَبِيّة ومهرية؛ لأن هذين النَّوْعين أغلب، ولا نظر إلى المجِيدِيّة.
وعلى الثاني يؤخذ بنت مَخَاض من أي الأنواع أعطى بقيمة خمس مهَرِيّة، وخمس أَرْحَبِيَّة، وخمس مجِيْدِيّة 1 فإذا كانت قيمة بنت مخاض مهرية عشرة وقيمة بنت مخاض أرحبية خمسة وقيمة بنت مخاض مجيدية ديناران ونصف فيأخذ بنت مخاض من أحد أنواعها قيمتها ستة ونصف وهي خمساً عشرة وخمسًا خمسة وخمس ديناران ونصف، وصور بعضهم قيمة المجيدية أكثر، وذلك فرض في إبل الشخص على الخصوص، وإلاَّ فالمجيدية أردأ الأنواع الثلاثة، وغرض التمثيل لا يختلف.
والثاني: له ثلاثون من المعز، وعشر من الضَّأْن، فعلى القول الأول يؤخذ ثنية من المعز.
قال في "النهاية": ويكتفي بماعزة كما يأخذها، لو كانت غنمة كلها معزاً، وعلى عكسه لو كانت ثلاثون منها ضأناً أخذنا جذعة من الضَّأن كما نأخذها لو تمخَّضت غنمه ضأناً، وعلى القول الثاني يخرج ضائنة، أو ماعزة بقيمة ثلاثة أرباع ماعزة وربع ضائنة الصورة الأولى وبقيمة ثلاثة أرباع ضائنة وربع ماعزة في الصُّورة الثانية، ولا يجيء قول اعتبار الوسط هاهنا وعلى الوجه الذي رواه ابن كج يؤخذ من الأَشرف فلا يخفى قياسها في المثال الأول.
بَابُ صَدَقَةِ الخُلَطَاءِ
وَفِيهِ خَمْسَةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ، فِي حُكْمِ الخُلْطَةِ وَشَرْطِهَا وَحُكْمُ الخُلْطَةِ تَنْزِيلُ المَالَيْنِ مَنْزِلَةَ مَالٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ خَلَطَ أَرْبَعِينَ بِأَرْبَعِينَ لِغَيْرِهِ فَفِي الكُلِّ شَاةٌ وَاحِدَةٌ (ح)، وَلَوْ خَلَطَ عِشْرِينَ بِعِشْرِينَ لِغَيرِهِ فَفِي كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ (م ح) شَاةٍ.
قال الرافعي: النَّظَر في المواضع الخمسة كان معترضاً في شرط النِّصاب، فلما فرغ منها عاد إلى القول في النِّصاب، ولما كانت الزِّكاة قد تجب على مَنْ لا يملك نصاباً بسبب الخَلْطَة وجب اسْتِثْنَاؤها عن اشتراط النِّصَاب، فاستثنى ووصل به باب صَدَقَة الخُلَطَاء وهو من أصول أبواب الزكاة، وأدرج مقصوده في خَمْسَةِ فصول:
أولها: في حكم الخلْطَة وشرطها.
اعلم: أن الخلطة نوعان: خلطة اشتراك وخلطة جوار 1، وقد يعبر عن الأولى بخلطة الأعيان، والثاني بخلطة الأوصاف، والمراد من النوع الأول أن لا يتميّز نصيب أحد الرَّجلين أو الرِّجال عن نصيب غيره كماشية ورثها اثنان أو قوم أو ابتاعوها معاً، فهي شائعة بينهم.
ومن النوع الثاني: أن يكون مال كل واحد معيناً متميزاً عن مال غيره، ولكن تَجَاورا تَجَاوُرَ المال الواحد على ما سنصفه، ولكلتا الخلطتين أثر في الزّكاة، ويجعلان مال الشخصين أو الأشخاص منزلة مال الشَّخص الواحد في الزكاة، ثم قد تكثر 2 الزَّكَاة كما لو كان جملة المال أربعين من الغنم يجب فيها شاة ولو انفردا كل واحد بنصيبه لم يجب شيء وقد نقل كما لو كان بينهما ثمانون مختلطة يجب فيها شاة ولو انفرد كل واحد بأربعين لوجب على هذا شاة وعلى هذا شاة.
وحكى الحناطي وجهاً غريباً أن خَلْطَة الجوار لا أثر لها، وإنما تؤثر خلطة الشُّيُوع.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا حكم للخلْطَة أصلاً، وكل واحد يزكِّي زكاة الانْفِرَاد إذا بلغ نصيبه نصاباً، وعند مالك لا حكم للخلْطَة إِلاَّ إذا كان نصيب كل واحد منهما نِصَاباً، فلذلك أعلم قوله في الكتاب: "إلا إذا تم بخلطة نصاباً" بالحاء والميم،
وكذلك قوله: "ففي كل واحد نصف شاة"، وقوله: "ففي الكل شاة واحدة" بالحاء وحده، ومذهب أحمد -رحمه الله- كمذهبنا والدليل عليه ما روي في حديث أنس وابن عمر -رضي الله عنهم- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ" 1.
قال العلماء: هذا نهي للسَّاعي والملاك عن الجمع والتَّفريق اللَّذَين يقصد بهما السّاعي تكثير الصدقة والملاّك تقليلها، فجمع الساعي أن يكون لزيد عشرون من الغنم، ولعمرو عشرون وهي متفرقة متميزة، فأراد السّاعي الجمع بينهما ليأخذ منها شاة، وتفريقه أن يكون بينهما ثمانون مختلطة، فأراد أن يفرق ليأخذ شاتين.
(وأما) جمع الملاك مثل أن يكون لزيد أربعون من الغنم، ولعمرو أْربعون متفرقة فأراد الجمع لئلا يأخذ السَّاعي منها إلاَّ واحدة، وتفريقهم مثل أن يكون لهما أربعون مُخْتَلَطة فأراد التَّفريق لئلا يأخذ منهما شيئاً، ولولا أن الخلطة مؤثرة لما كان لهذا الجمع والتفريق معنى.
قال الغزالي: وَشَرْطُ الخُلْطَةِ اتِّحَادُ المَسْرَحِ وَالْمَرْعَى وَالمَرَاحِ وَالْمَشْرَعِ وَكَوْنِ الخَلِيطِ أَهْلاً لِلزَّكَاةِ لاَ كَالذِّمِّيِّ، وَالمُكَاتَبِ، وَفِي اشْتِرَاكِ الرَّاعِيِ وَالفَحْلِ وَالمَحْلَبِ وَوُجُودِ الاخْتِلاَطِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ وَجَرَيَانِ الاخْتِلاَطِ بِالقَصْدِ وَاتِّفَاقِ أَوَائِلِ الأحْوَالِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: نوعاً الخلْطَة يشتركان في اعتبار شروط وتختص خلْطَة المُجَاورة بشروط زائدة، فمن الشروط المشتركة: أن يكون المجموع نصاباً، وفي لفظ الكتاب ما يدل على اعتباره حيث قال: إلا إذا تم بخَلْطه نصاباً فلو ملك زيد عشرون شاة، وعمرو مثلها، فخلطا تسع عشرة بتسع عشرة وتركا شاتين منفردتين فلا أثر لخلطتهما ولا زكاة أصلاً.
ومنها: أن يكون المختلطان من أهل وجوب الزَّكاة فلو كان أحدهما ذمِّياً أو مكاتباً فلا أثر للخلطة بل إن كان نصيب الحُرِّ المسلم نصاباً زكى زكاة الانفراد، وإلاَّ فلا شيء عليه وذلك من ليس أهلاً لوجوب الزكاة عليه لا يجوز أن يصير ماله سبباً لتغير زكاة المسلم.
ومنها: دوام الخلْطَة في جميع السّنة على ما سيأتي شرحه.
وأما الشروط التي تختص خلطة الجوار باعتبارها.
فمنها: اتِّحاد المَرْعى والمَسْرح والمَرَاح والمَشْرَع 2، وهذا لفظ الكتاب والمراد
من اتِّحاد المَشْرَع: أن تسقى غنمهما من ماء واحد من نَهْر أو عَيْن أو بئر أو حوض أو مياه متعددة، ولا تخصّ غنم أحدهما بالسَّقي من موضع، وغنم الآخر بالسَّقي من غيره.
والمراد بالمَرَاح: مأواها ليلًا فلو كان يختّص غنم أحدهما بمَرَاح وغنم الآخر بمَرَاح آخر، لم تثبت الخلْطَة، وإن كانا يخلطانها نهاراً.
وأما المَرْعَى والمَسْرح فلفظ الكتاب يقتضي تَغَايُرهما، وكلام كثير من الأئمة يوافقه، ومنهم من يقتصر على ذكر المَسْرَح ويفسره بالمَرْعَى، ولفظ "المختصر" قريب منه وليس في الحقيقة اختلاف، لكن الماشية إذا سَرَحَت عن أماكنها، تجئ قطعة قطعة وتقف في موضع، فإذا اجتمعت امتدت إلى المرعى، وكان بعضهم أطلق اسم المسرح على ذلك الموضع وعلى المرتع نفسه؛ لأن الإبل مسرحة إليها ومنهم من خصَّ اسم المسرح بذلك الموضع وإنما شرط اتِّحاد المالين في هذه الأمور ليجتمع اجْتِمَاع ملك المالك الواحد على الاعْتِيَاد.
وقد روى عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أنه سمع النبي يقول: "لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ 1، وَالْخَلِيطَانِ مَا إِذَا اجْتَمَعَا فِي الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ والرَّاعِي".
فنص على اعتبار الاجتماع في الحوض والرعي من الأمور الأربعة، وقيس عليهما البَاقي، ومنها اشتراك المالين في الرَّاعي، حكى المصنف وشيخه وجهين:
أظهرهما: أنه يشترط كالاشْتِرَاك في المراح والمسرح، وأيضاً فقد روي في بعض الرِّوَايات عن سعد بدل الرَّعي الراعي 2 3.
والثّاني: أنه ليس بشرط؛ لأن الافتراق فيه لا يرجع إلى نفس المال، فلا يضر بعد الاجتماع في المَراح وسائر ما ذكرنا، ولا شك في أنه لا بأس بتعدد الرّعاة، والخلاف في أنه، هل يشترط أن لا تختص غنم أحدهما براع أم لا؟ ويجوز أن يعلّم قوله في = الجواز، فلا زكاة وهذا مأخوذ من قولهم في الشرط الثاني: أن يبلغ المجموع نصاباً، فإن النصاب إنما يعتبر في الجنس الواحد.