العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 23-62

كِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍ

صفحات 23-62

غير عذر، ولا التصرف في مالهم بالتجارة، وإنما يجوز الاسْتِقْرَاضُ لَهُمْ بشرط سلامة العَاقبة بخلاف اليتيم، وإن دفع المستقرض إليهم فالضمان عليهم، والإمام طريق فيه، فإذا أخذ الزكاة والمدفوع إليه بصفة الاستحقاق فله أن يقضيه من الزكاة وله أن يحسبه عن صدقة المقرض 1، وإن لم يكن المدفوع إليه بصفة الاستحقاق عند تمام حول الزكاة المأخوِذة لم يجز قضاؤه منها، بل يقضي من مال نفسه ثم يرجع على المدفوع إليه إن وجد له 2 مالاً.
الحالة الثانية: أن يأخذَ الإمام المال ليحسبه عن زكاة المأخوذ منه عند تمام حوله، وفيها أربع مسائل كما في القرض: الأولى: أن يَسْتلف بسؤال المساكين فإن دفع إليهم قبل الحول وتم الحول وهم بصفة الاستحقاق والمالك بصفة الوجوب وقع الموقع، وإن خرجوا على الاستحقاق فعليهم الضَّمَان وعلى ربِّ المال إخراج الزَّكَاة ثانياً.
وإن تلف في يده قبل تمام الحَوْل من غير تفريط فينظر: إن خرج المَالِك عَنْ أن تجب عليه الزَّكَاة، فله الضَّمَان على المَسَاكِين، وهل يكون الإمام طريقاً؟ فيه وجهان على ما ذكرناه في الاستقراض، وإن لم يخرج عن أن تجب عليه الزكاة، فهل يقع المخرج عن زكاته؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، وهو المذكور في "الشَّامِلِ" و"التتمة"؛ لأن الإمام نائب المساكين فصار كما لو أخذوه وتلف في أيدهم.
والثاني: لا؛ لأنه لم يصل إلى المستحقِّين فعلى هذا له أخذ الضَّمان من المساكين، وفي أخذه من الإمام الوجهان، فإن لم يكن للمساكين مال صرف الإمام إذا اجتمعت الزكاة عنده ذلك القدر إلى قوم آخرين عن جهة الذي تسلف منه.
= وحكاه البغوي عن الأصحاب قال: ويصير في هذه كولي اليتيم يستدين له وذكره الإمام تفقهاً من عنده، وحينئذ تستثنى هذه الصورة من كلامهم، وقد ذكرها الرافعي فيما سيأتي وخصها بما إذا كان الذي يلي أمرهم الإمام، فأما إذا كان من يلي أمرهم من هو مقدم على الإمام فحاجتهم كحاجة البالغين إلى آخر ما ذكره.

والثانية: أن يتسلف بسؤال المالك فإن دفع إلى المساكين فتم الحول وهو بصفة الاستحقاق وقع الموقع وإلا رجع المالك على المساكين دون الإمام، وإن تلف في يد الإمام لم يجزئ المالك سواء كان التلف بتفريط من الإمام أو بغير تفريط، كما لو دفعه إلى وكيله فتلف عنده ثم إنْ تلف بتفريط منه فعليه الضمان للمالك، وإن تلف بغير تفريط فلا ضمان عليه، ولا على المساكين.
الثالثة: أن يتسلف بسؤال المالك والمساكين جميعاً فمن ضمان من يكون؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه من ضمان المالك كما لو تسلَّف بمحض سُؤَاله؛ لأن جانبه أقوى إذ الخيار في الدَّفْع والمنع إليه.
والثاني: أنَّه من ضمان المَسَاكِين؛ لأن المنفعة تعود إليهم فيكون المال من ضمانهم ألا ترى أن ضمان العارية على المستعير لعود المنفعة عليه؟ وهذا الوجه أصحّ عند صاحب "الشامل" إليه يميل كلام الأكثرين، وفي "التتمة" و"العدة" أن الأول أصح.
الرابعة: أن يَتَسَلَّف لا بسؤال المالك ولا بسؤال المساكين، لما رأى بهم من الخّلة والحاجة فهل تنزل حاجتهم منزلة سؤالهم؟ فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره.
أحدهما: نعم؛ لأن الزكاة مصروفة إلى جهة الحاجة لا إلى قوم معينين، والإمام ناظر لها فإذا رأى المصلحة في الأخذ كان له ذلك كما لو أخذ بسؤالهم وصار كولي الطفل.
وأظهرهما: أنها لا تنزل منزلة سؤالهم؛ لأنهم أهل رشد ونظر، ولو عرفوا صلاحهم في التَّسَلّف لالتمسوه من الإمام فعلى هذا إن دفعه إليهم وخَرَجُوا عن الاسْتِحْقَاق عند تمام الحَوْل استردَّه منهم ودفعه إلى غيرهم، وإن خرج الدافع عن أهليه الوجوب استرده ورده إليه فإن لَمْ يَجِدْ المدفوع إليه مالاً ضمنه من مال نفسه فرّط أو لم يفرط، وعلى المالك إخراج الزكاة ثانياً.
وفيه وجه آخر: أنه لا ضمان على الإمام، ويُحكى مثله عن أبي حنيفة وأحمد ثم الوجهان في أن الحاجة هل تنزل منزلة السؤال في حق البالغين؟ فأما إذا كانوا أطفالاً، فهذا يبنى أوّلاً على أن الصغير هل يدفع إليهم من سهم الفقراء والمساكين أم لا؟ أما إذا كان مكتفياً بنفقة أبيه وغيره من الأقارب ففيه وجهان مذكوران في قسم الصدقات في الكتاب وسنشرحها ثم -إن شاء الله تعالى جده-

وأما إذا لم يكن من منفق عليه من أب وجد وغيرهما فقد حكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي إسحاق أنه لا يجوز صرف الزكاة إليه لاسْتِغْنائه عن الزكاة بالسّهم المصروف إلى اليتامى من الغنيمة.
وعن ابن أبي هريرة: أنه يجوز صرف الزكاة إلى قيمة قال: وهذا هو المذهب.
إذا عرفت ذلك فإن قلنا بجواز الصرف فحاجة أطفال المساكين كسؤال البالغين إذ ليس لهم أهلية النظر والتماس التسلف، فتسلف الإمام الزكاة واستقراضه لهم كاستقراض قيم اليتيم له.
هذا إذا كان الذي يلي أمرهم الإمام، فأما إذا كان يلي أمرهم من هو مقدّم على الإمام فحاجتهم كحاجة البالغين؛ لأن لهم من يسأل التسلف لو كان صلاحهم فيه.
أما إذا قلنا: لا يجوز الصرف إلى الصَّغير فلا تجيء هذه المَسْألة في سهم الفُقَراء والمساكين، ويجوز أَنْ تجيء في سَهْمِ الغارمين ونحوه؛ لأن الخلاف في المكفي بنفقة أبيه لا يتَّجه في سهم الغارمين إذ ليس على القريب قضاء دَيْن القريب.
وفي المسائل كلها لو تلف المعجّل في يد الساعي أو الإمام بعد تمام الحول، سقطت الزَّكَاة عن المالك، لأن الحصول في يدهما بعد الحول كالوصول إلى المَسَاكين كما لو أخذ بَعْدَ الحَوْل ثم إن فرط في الدَّفع إليهم ضمن من مال نفسه لهم، وإلاَّ فلا ضمان على أحد، وليس من التفريط أن ينتظر انضمام غيره إليه لقلته، فإنه لا يجب تفريق كل قليل يحصل عنده 1. وعد بعد هذا إلى لَفْظِ الكتاب، واعلم أن قوله: "وهو فوات شرط الوجوب" يفتقر إلى التأويل إذ ليست الطوارئ المانعة من الإجزاء منحصرة في ذوات شرط الوجوب بل ذوات شرط الاستحقاق في القابض مانع من الإجزاء أيضاً، وأيضاً فإنه قال: "وذلك في القابض بأن يرتد... " إلى آخره وصفات القابض ليست من شرط الوجوب في شيء وإنما هي من شرائط جواز الصرف إليه.
وقوله: "بأن يرتد أو يموت أو يستغني" معلَّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة تغير حال القابض لا يؤثر إذا كان عند الأَخْذ بصفة الاسْتِحْقاق.
وقوله: أو في المالك بأن يرتدّ يجوز أن يرقم قوله: "يرتد" بالواو، ولأنا إن أبقينا ملك المرتد، وجوزنا إخراج الزكاة في حالة الرِّدة أجزأ المعجل.
وقوله: "أما المال لو تلف.. " إلى آخر الفصل

يمكن حمله على الاسْتِقْرَاض وعلى التَّسَلُّف للزكاة، ومراده الثَّاني على ما صرح به في "الوسيط".
وقوله: لو تلف في يد المساكين مطلقاً سواء قبض الإمام بسؤال المالك أو بسؤال المساكين وسلّمه إليهم والتَّفصيل فيما إذا كان التَّلف في يد الإمام.
وقوله: فلا ضمان أي إذا اجتمع شرائط الوجوب، والاستقاق جميعاً أجزأ المعجّل عن الزكاة ولا ضمان على أحد، وقد نجد في بعض النسخ: "فلا بأس" بدل قوله: "فلا ضمان"، ولا بأس به معناه: لا يضر ذلك، وتقع الزَّكَاة موقعها، وأيهما كان فهو عند اجْتِمَاع الشَّرائط كما سبق.
وقوله: وحاجة أَطْفَال المَسَاكين كسؤالهم، أي: كسؤال البالغين لا كسؤال الأَطْفَال، إذ ليس من ضرورة أَطْفَال المساكين أن يكونوا مساكين فاللفظ النَّاصُّ على الفرض أَنْ يقال: وحاجة أطفال المَسَاكين، ولا يخفي أَنّ لفظ المساكين في هذه المَسَائِل كناية عن أهل السّهمان جميعاً، وأنه ليس المراد جميع آحاد الصنف، بل سؤال طائفة منهم وحاجتهم.
قال الغزالي: الثَّالِثُ فِي الرُّجُوعِ عِنْدَ طَرَيَانِ هَذهِ الأَحْوَالِ، فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ زَكَاتِي المعَجَّلَةُ فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَقِيلَ: شَرْطُهُ أَنْ يُصَرِّحَ بِالرُّجُوعِ وَعَلَى هَذَا لَوْ نَازَعَهُ المَسَاكِينَ فِي الشَّرْطِ فَالمَالِكُ هُوَ المُصَدَّقُ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأنَّهُ المُؤَدِّي، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْتَّعجِيلِ وَلاَ عَلِمَهُ المَسَاكِينُ فَفِي الرُّجُوعِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ فَيَصْدُقُ مَعَ يَمِينِهِ إِذَا قَالَ: قَصدَتُّ التَّعْجِيلَ.
قال الرافعي: إذا دفع الزَّكاة المعجَّلة إلى الفقراء، وقال: إنها معجلة فإن عرض مانع استردت فله الاسْتِرْدَاد إن عرض مانع، وعن أبي حنيفة: أنه لا استرداد إلا إذا كان المال بعد في يد الإمام أو الساعي.
لنا: إنه مال دفعه لما يستحقّه القابض في المستقبل، فإذا عرض ما يمنع الاسْتِحْقَاق استردُّه، كما إذا عَجَّل الأُجْرة ثم انْهَدَمت الدَّار قبل انْقِضَاء المدَّة، وإن اقتصر على قوله: هذه زكاة معجلة، وعلم القابض ذلك ولم يذكر الرّجوع، فهل له الاسترداد عند عروض مانع؟ فيه وجهان حكاها الشّيخ أبو محمد وغيره: أحدهما: لا؛ لأن العادة جارية بأن المدفوع إلى الفقير لا يسترد، فكأنه ملكه بالجهة المعينة إن وجد شرطها وإلاَّ فهو صدقة، وصار كما لو صرح، وقال: هذه زكاتي المعجّلة فإن وقعت الموقع فذاك، وإلاّ فهي نافلة.
وأصحهما: ولم يذكر المعظم غيره أنه له الرجوع؛ لأنه عين الجهة فإن بطلت رجع كما قلنا في تعجيل الأجرة.

قال صاحب الوجه الأول: هذا يشكل بما إذا قال: هذه الدراهم عن مالي الغائب وكان تالفًا فإنه يقع صدقة، ولا يتمكّن من الرجوع إلاَّ إذا شرط الرجوع بتقدير تَلَفِ الغائب، أجاب الصَّيْدَلانيّ بأنه قد تعرض لكونها معجّلة، وإذا تعرض لذلك فقد شرط الرجوع إن عرض مانع، وهذا غير واضح كما ينبغي، وقرب إمام الحرمين الوجهين في المسألة من القولين فيما إذا نوى الظُّهر قبل الزَّوَال هَل تَنْعَقِد صلاته نَفْلاً؟ وهذان الوَجْهَان فيما إذا دفع المَالِك بنفسه، وفيه تكلم صاحب الكتاب، ألا تراه يقول: فلو قال هذه زَكَاتي المعجَّلة، والإمام لا يقول ذلك.
أما إذا دفع الإمام فلا يمكن جعله نافلة فلا حاجة إلى شرط الرُّجوع، لكن لو لم يعلم القابض أنه زكاة غيره فيجوز أن يقال على الوجه الأول: لا يسترد وعلى الإمام الضمان للمالك لتقصيره بترك شرط الرجوع، ولو جرى الدفع من غير تعرض للتعجيل، ولا علم القابض به فهل يثبت الاسترداد؟ ظاهر نصه في "المختصر" أنه إذا كان المعطي الإمام يثبت، وإن أعطئ المالك بنفسه فلا يثبت، وللأصحاب فيه طريقان: أحدهمأن: تقرير النَّصين.
والفرق: أن المالك يعطي من ماله الفرض والتطوع، فإذا لم يقع عن الفرض وقع تطوعاً، والإمام يقسم مال الغير فلا يعطي إلاَّ الفرض فكان مطلق دفعه كالمقيد بالفرض، وهذا هو الذي ذكره القاضي ابن كَجٍّ وعامة أصحابنا العراقيين.
والثاني: أنه لا فرق بين الإمام والمالك؛ لأن الإمام قد يتصدق بمال نفسه كما يفرق مال الغير، وبتقدير أن لا يقسم إلاَّ الفرض، لكنه قد يكون معجلاً وقد يكون في وقته، واختلف هؤلاء على طريقين: أحدهما: تنزيل النصين على حالين، حيث قال: يثبت الرجوع، فذلك عند وقوع التعرض للتعجيل، وحيث قال: لا يثبت فذلك عند إهماله، والإمام والمالك يستويان في الحالتين، وذكر في "الشامل" أن الشيخ أبا حامد حكى هذا الطريق أيضاً، وهو الذي أورده الجَامِعُون لطريقة القفَّال واختياراته.
والثاني: أن فيهما قولين نقلاً وتخريجاً.
أحدهما: أنه يثبت الرجوع كما لو دفع مالاً إلى غيره، على ظن أن له عليه ديناً فلم يكن له الاسْتِرداد: والثاني: لا يثبت؛ الصَّدقة تنقسم إلى فرض وتطوع، وإذا لم تقع فرضاً تقع تطوعاً، كما لو أخرج زكاة ماله الغائب، وهو يظن سلامته فَبَانَ تالفاً يقع تطوعاً، وهذا الطريق أوفق لما ذكره في الكتاب إلا إنه حكى بدل القولين وجهين، وكذا فعل إمام

الحرمين وهو قريب في موضع النقل والتخريج، ولم يحك الخلاف في الإمام والمالك جميعاً، فإن المسألة مَسُوقَة على ما سبق في أول الفصل، وهو كلام في المالك على ما بينته.
والأظهر: أنه لا يثبت الركوع سواء أثبتنا الخلاف أم لا، وهو فيما إذا دفع المالك بنفسه أولى وأظهر، في ظاهر النصين المنقولين عن "المختصر" وكشف المراد منهما كلام كثير لا يحتمله هذا الموضع.
فإن قلنا: يثبت الاسْتِرْدَاد وإن لم يتعرض للتّعجيل ولا علمه القابض، فمهما قال المالك: قصدت التعجيل ونازعه القابض فالقول قول المالك مع اليمين فإنه أعرف بنيته ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهته، ولو ادَّعى المالك علم القابض بأنها كانت معجلة فالقول قول القابض، لأن الأصل عدم العلم، والغالب هو الأداء في الوقت.
وإن قلنا: لا يثبت الاسترداد عند عدم التعرض للتعجيل وعلم القابض فلو تنازعا في أنه هل يُشترط التعجيل على الوجه الأصح أو في أنه هل يشرط مع ذلك الرجوع على الوجه الثاني فالقول قول من؟ فيه وجهان: أحدهما: أن القول قول المالك مع يمينه؛ المؤدي وهو أعرف بقصده، ولهذا لو دفع ثوباً إلى غيره واختلفا، فقال الدافع هو عارية، وقال الآخر هبة، كان القول قول الدافع.
وأظهرهما: ولم يذكر في "العدّة" غيره أن القول قول المسكين مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الاشتراط والغالب كون الأداء في الوقت؛ ولأنهما اتفقا على انْتِقَال اليد والملك والأصل استمرارها.
وقوله في الكتاب: "وعلى هذا لو نازعه المساكين في الشرط" قَدْ يوهم تخصيص المَسْأَلَة والوجهين فيها بالوجه المذكور قبله وهو قوله: "وقيل: شرطه أن يصرح بالرجوع" وليس كذلك بل سواء اكتفينا بشرط التعجيل أو شرطنا التَّصْريح بالرُّجُوع وفرض النزاع، جرى الوجهان ولو أنه أخَّر المسألة إلى أن يفرغ من السلام فيما إذَا لَمْ يتعرض للتَّعجيل ولا علمه المساكين لكان أولى؛ لأن هذا النزاع إنما يجري إذا قلنا: لا يثبت الاسْتِرْداد، ثم إذا أثبتناه فلا فائدة للنزاع في جريان الاشتراط فإن المالك وإن سلمه وادَّعى أنه قصد التعجيل والرجوع نصدقه كما سبق، والوجهان في تنازع المالك والقابض يجريان في تنازع إلإمام والقابض إذا قلنا: إنه يحتاج إلى الاشتراط، ولفظ "التهذيب" يشمل الصورتين جميعاً.
وقوله: "ففي الرجوع وجهان" يجوز أن يعلَّم بالواو لما قدمنا من الطريقة القاطعة

بامتناع الرجوع، ولك أن تبحث في قوله: "أما إذا لم يتعرض للتعجيل، ولا علمه المسكين" فنقول: هذا يشمل ما إذا سكت فلم يذكر شيئاً أصلاً، وأَمَّا إذا قال: هذه زكاتي أو صدقتي المفروضة، ولم يتعرض للتعجيل ولا علمه المسكين، فهل يخرج لمخرج الزكاة أن لا يتلفظ بشيء أصلاً؟ وبتقدير أن يجوز فهل الحكم واحد في الحالتين أم بينهما فرق؟ والجواب: أما الأول فقد ذكر صاحب "النهاية" 1 وغيره أن مخرج الزكاة لا يحتاج إلى لفظ؛ لأنه في حكم توفية حق على مستحق.
قال: وفي صدقة التطوع تردد، والظاهر الذي به عمل الكافة أنه بحاجة إلى لفظ أصلاً.
وأما الثاني: ففيه طريقان: أحدهما: أنه إذا قال: "هذه زكاتي" "أو صدقتي المفروضة" كان بمثابة ما لو ذكر التعجيل ولم يصرح بالرجوع.
وأظهرهما: أنه كما لو لم يذكر شيئاً أصلاً، فإن ذكر التعجيل يعرف أنها في الحال غير واجبة.
وقوله: "هذه زكاتي" لا يفيد ذلك، والغالب إنما هو الأداء في الوقت.
والذي أجاب به العراقيون أنه لا يسترد المالك بخلاف الإمام فإن الإمام قد يستعجل الزكاة في العادة، والملاَّك لا يؤدون قبل دخول وقت الوجوب غالباً، وهذا جرى منهم على طريقتهم التي سبقت.
وحكوا في التفريع عليها وجهين في أنه لو كان الطَّارئ موت المسكين، هل للمالك أن يستحلف ورثته على نفي العلم بأنها معجلة؟ عن أبي يحيى البَلْخِيّ أنهم يحلفون لإمكان صدقه، وعن غيره: أنهم لا يحلفون؛ لأن الظاهر من قوله: هذه زكاتي، أنها واجبة في الحال فليس له دعوى خلافه، وشبهوا هذا بالوجهين، فيما إذا رهن وأقر بأنه أقبض ثم ادَّعى بأنه لم يقبض وأراد التحليف عليه.
وقوله في أول الفصل الثالث: في الرجوع عند طَرَيَان هذه الأحوال" إشارة إلى أنه لا بد للرُّجُوع من عروض شيء من هذا الخلاف، وليس له أن يسترد المعجل من غير سبب؛ لأنه تبرع بالتعجيل فأشبه ما لو عجل دَيْنَا مؤجلاً لا استرداد له.
قال الغزالي: وَلَوْ تَلَفَ النِّصَابُ بِنَفْسِهِ لَمْ يَمْتَنِعِ الرُّجُوعُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: والمسألة من الطوارئ المانعة من وقوع المعجل زكاة تلف النّصاب

فحيث يثبت الاسترداد بهذا السبب، هل يثبت لو أتلفه المالك بنفسه فيه وجهان: أحدهما: لا، لقصيره بالإتْلاَف.
وأصحهما: نعم، لحصول التَّلف وخروج المعجل، عن أن يكون زكاة وقضية التَّعْجيل الأول أن لا يجري الخلاف فيما إذا أتلفه بالإنفاق وغيره من وجوه الحاجات، ولو أتلف بعض ماله حتى انتقص النصاب كان كالاتف جميع المال مثل أن يعجل خمسة دراهم عن مائتي درهم ثم يتلف منها درهماً، وتنقل هذه الصورة والوجهان فيها عن الاصْطخري.
قال الغزالي: وَإِنْ كانَ الْمَالُ تَالِفاً فِي يَدِ المِسْكِينِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَإِنْ صَارَ نَاقِصاً فَفِي الأَرْشِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بَاقِياً رُدَّ بِزَوَائِدِهِ المُنْفَصِلَةِ وَالمُتَّصِلَةِ وَنَقِضَ تَصَرُّفُة وَكَأنَّهُ بانَ أنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ وَقِيلَ: إِنَّا نُقَدِّرَهُ مُقْرِضاً إِذَا لَمْ يقَعْ عَنْ جِهَةِ الزَّكَاةِ فَتَلْتَفِتُ هَذِهِ الأَحْكامُ عَلَى أَنَّ القَرْضَ يَمْلُكَ بِالقَبْضِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ.
قال الرافعي: متى أثبتنا حق الاسترداد فلا يخلو المعجل، إمَّا أن يكون تالفاً أو باقياً في يد القابض، فإن كان تالفاً فعليه ضمانه بالمثل إن كان مثلياً والقيمة إن كان متقوماً، وفي القيمة المعتبرة وجهان: أحدهما: أنه يعتبر قيمته يوم التلف، أن الحق انتقل إلى القيمة يوم التَّلف، فاعتبرت قيمته ذلك اليوم كما في العارية.
والثاني: ويحكي عن أحمد: أنه يعتبر قيمة يوم القبض؛ لأن ما زاد عليها زاد في ملك القابض فلم يضمنه، كما لو تلف الصَّدَاق في يد المرأة ثم ارتدت قبل الدُّخول أو طلقها، فإن الزوج يرجع بقيمة يوم القبض.
قال المحاملي: وهذا أشبه.
وينقدح عند إمام الحرمين رجه ثالث وهو إيجاب أقصى القيم بناء على أنه المِلْك غير حاصل للقابض واليد يد ضمان.
وقد ذكر مثل هذا في المُسْتَعِير والمّسْتَام فإن كان القابض قد مات فَالضَّمَان في تّكته 1 وإن كان المال باقياً نظر إنْ لم يحصل فيه زيادة ولا نقصان استرده ودفعه أو مثله إلى المستحق، إن بقي بصفة الوجوب وإن كان الدافع هو الإمام

أخذه، وهل يصرفه إلى المستحقين بدون أذن جديد من المالك؟ حكى في "التتمة" فيه وجهين: أظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب": له ذلك وإذا أخذ القيمة، فهل يجوز صرفها إلى المستحقين؟ فيه وجهان؛ لأن دفع القيم لا يجزئ فإن جوزناه وهو الأظهر فهل يحتاج إلى إذن جديد؟ فيه وجهان: وإن حدثت 1 فيه زيادة فإن كانت متّصلة كالسمن [والكبر] 2 أخذه مع الزيادة كما لو زاد الموهوب في يد الابن زيادة متصلة ورجع الأب فيه، وكما إذا أفلس المشتري بالثمن، وقد زاد المبيع زيادة متصلة، وإن كانت منفصلة كالولد واللبن، فهل يأخذها مع الأصل؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم بأنا بينا بما طرأ أخيراً أنه لم يملك المقبوض.
وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: لا، كما أن الأب لا يرجع في الزِّيَادة المنفصلة من الموهوب وكما أنه يسلم للمشتري إذا رد الأصل بالعيب، أو رد عليه العوض.
ويحكي هذا الثاني عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه- وإن حدث فيه نقصان، فهل يجب فيه أَرْشَه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما يجب الضمان عند التلف فيعتبر الجزء بالجملة.
وأصحهما: عند العراقيين وغيرهم: لا، وحكوه عن ظاهر.
نصه في "الأم"، ووجهوه بأنه نقصان حدث في ملكه فلا يضمنه كالأب إذا رجع في، الموهوب، وقد نقص فلا يأخذ معه الأرْش، وكالبائع إذا استرد المبيع، وقد نقص عند إفلاس المشتري، ليس له الأَرْشُ وهذا الوجه هو اختيار القَفَّال فيما حكى الصَّيْدَلاَنِي، قال: واستشهد عليه بما إذا رد المبيع بعيب والثمن باق، لكنه حدث فيه عيب ليس له إلا المعيب.
وإن كان يأخذ مثله أو قيمته لو كان تالفاً.
قال إمام الحرمين: وهذا مشكل وإلزامه الرضا بالثمن المعيب بعيد، وإنما الذي قاله الأصحاب: أنه لو وجد بالمبيع عيباً، وتمكن من الرد فرضاً لا أَرْش له، والكلام فيه يتضح في موضعه -إن شاء الله تعالى جَدَّهُ-.

ثم أشار حجة الإسلام -رحمه الله- في هذه المسائل إلى أصل ذكره الإمام وهو أن المعجل هل يصير ملكاً للقابض أم لا؟ وإن صار ملكاً له فيأتي فيه وبه يكون ملكاً له، قال: حيث لا يثبت الركوع: فالمعجل متردد بين أن يكون فرضاً أو تطوعاً، والملك حاصل للقابض على التقديرين، وحيث يثبت فله تقديران لم يصرح بهما الأصحاب، وجزم عليهما صاحب "التقريب".
أحدهما: أن الملك موقوف إلى أن يكشف الأمر في المال، فإن حدث مانع تبين اسْتمرار ملك المالك، وإلاَّ تبين أنه صار مِلْكًا للقابض من يومئذ.
والثاني: أنَّ الملك ثابت للقابض، لكن إن استمرت السلامة تبين أنه ملك عن جهة زكاة مستحقة، إلا تبين وقوعه فرضاً، ثم الفرض يملك بالقبض أو بالتصرف وإن ملك بالتصرف فبأي تصرف يملك؟ فيه خلاف مذكور في بابه، وعلى هذا الأصل يجري الوجهان في الزوائد المنفصلة فإن قلنا: بالتوقف وجب رَدُّها لتبين حدوثها على ملك المالك وينقلنا بتقدير الفرض، فإن قلنا: إنه يملك بالقبض سلمت الزوائد للقابض، وإن قلنا: يملك بالتصرف وحدثت الزوائد قبل التصرف فهذا كما لو استقرض أغناماً ونتجت في يده ثم باعها واستبقى النِّتَاج، قال الإمام: ينقدح فيه أمران: أحدهما: أن يقدر انتقال الملك في الأغنام إلى المستقرض قبيل البيع، ويجعل النتاج للمقرض.
والثاني: أن يستند الملك في حالة القبض، ويجعل النتاج للمستقرض، وممَّا يخرج على هذا الأصل تصرفه في المال المعجل، بأن باع ما قبضه ثم طرأ بعض الأحوال المانعة، فإن توقفنا في الملك تبين انتفاض بيعه.
وإن قلنا: بالفرض فلا ومما يخرج عليه أنه هل يجوز للقابض عند بقاء العين الإبدال أم يلزمه رد عين المال المأخوذ؟ فإن قلنا: بالتوقف لزم رد عينه، وإن قلنا: بالفرض فإنْ قلنا: إنه يملك بالقبض فله الإبدال.
وإن قلنا: يملك بالتصرف ولم يوجد فللمالك استرداده بعينه.
واعلم أن إيراد الكتاب يقتضي ترجيح التقدير الأول، لكن كلام المعظم يقتضي ترجيح الجزم بثبوت الملك، ولذلك قالوا: لا يجب رد الزوائد المنفصلة ولا أَرْش النقصان على ما قدمناه.
قال الغزالي: وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ إلاَّ أَرْبَعِيْنَ فَعَجَّلَ وَاحِدَةً فَاسْتَغنَى القَابِضُ، فَإنْ القَابِضُ، فَإنْ جَعَلْنَا المُخْرَجَ لِلزَّكَاةِ قَرْضاً لَمْ يَلْزَمْهُ تَجْدِيدُ الزَّكَاةِ؛ لِأَنْ الحَوْلَ انْقَضَى عَلَى تَسْعٍ وَثَلاَثِينَ بِخِلاَف مَاذَا وَقَعَ المُخْرَج عَنِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ المُخْرَجَ عَنِ الزَّكَاةِ كَالبَاقِي، وَإِنْ قُلْنَا: تَبَيَّنَ أَنَّ المِلْكَ لَمْ يَزَلِ الْتَفَتَ عَلَى المَجْحُودِ وَالمَغْصُوبِ لِوُقُوعِ الْحَيْلُولَةِ.

قال الرافعي: الَّذِي يحتاج إلى معرفته أولاً، وقد أشار إليه في أثناء الفصل أن المعجل للزكاة مضموم إلى ما عنده ونازل منزلة ما لو كان في يده.
بيانه: لو أخرج شاة من أربعين ثم حال الحول ولم يطرأ مانع أجزأه ما عجل، وكانت تلك الشَّاة بمثابة الباقيات عنده.
ولو عجل شاة عن مائة وعشرين، ثم نتجت واحدة أو عن مائة وحدثت عشرون وبلغت غنمه مع الواحدة المعجلة مائة وإحدى وعشرين لزمه شاة أخرى، وإن أنفق القابض تلك المعجلة، ولو عجل شاتين عن مائتين ثم حدثت سَخْلَة قبل الحَوْل فقد بلغت غنمه مع المعجلتين مائتين وواحدة، فيلزمه عند تمام الحول شاة ثالثة، فلو كانت المعجلة في هاتين الصورتين مَعْلُوفة أو اشتراها وأخرجها لم يجب شيء زائد؛ لأن المعلوفة والمشتراة لا يتم بهما النصاب، وإن جاز إخراجهما عن الزكاة، وخالف أبو حنيفة هذا الأصل فلم يُجَوِّز التعجيل إلا بشرط أن يكون الباقي عنده نصاباً ولم يجعل المعجل مضموماً إلى ما عنده فيخرج من ذلك امْتِنَاع التَّعجيل في الصورة الأولى، وأن لا تجب شاة ثانية في الثانية ولا ثالثة في الثالثة، وساعدنا أحمد على ما ذكرنا، واحتج الأصحاب على جواز التعجيل عن الأربعين فحسب بأمن قالوا: هذا نصاب يجب الزَّكَاة فيه بحولان الحول فجاز تعجيلها منه كما لو كان أكثر من أربعين، واحتج الشافعي -رضي الله عنه- علي تكميل النِّصَاب الثاني والثالث بالمعجل بأن التعجيل إنما جوز إرفاقاً بالفقراء، فلا يجوز أن يصير سبباً لإسقاط حقوقهم، ومعلوم أنه لولا التعجيل لوجبت زيادة على ما أخرجه.
إذا عرفت ذلك فلا يخلو الحال بعد تعجيل الزكاة إما أن يتم الحول على السَّلامة أو يعرض مانع فإن تَمَّ الحَوْل على السَّلاَمة أجزأه ما أخرج، ثم كيف التَّقْدِير إذا كان الباقي عنده ناقصاً عن النِّصاب كما لو لم يملك إلا أربعين فعجل منها واحدة: أيزول الملك عن المعجل ومع ذلك يحتسب عن الزكاة أم لا يزول؟ عن صاحب "التقريب": أنه يقدر كأنَّ صاحب الملك لم يزل لينقضي الحول وفي ملكه نصاب واستبعد إمام الحرمين ذلك.
وقال: تصرف القابض فيه نافذ بالبيع والهبة وغيرهما، فكيف نقول ببقاء ملك المعطي.
وهذا الاستبعاد حتى إن أراد صاحب "التقريب" بقاء ملكه حقيقة إلى آخر الحَوْل، وإن أراد أنه نازل منزلة الباقي حتى يكون مجزئاً عن زكاته ويكمل به النصاب الآخر فلا استبعاد، والأصحاب مطبقون عليه وكأنه اكتفى عن التعجيل بمضي ما سبق من الحول على كمال النصاب رفقاً بالفقراء، فهذا إذا تم الحول على السَّلامة، وإن عرض مانع من وقوع المعجل زكاة فينظر إن كان المخرج أهلاً للوجوب وبقي في يده نصاب لزمه الإخراج ثانياً، وإن كان الباقي دون النصاب فحيث لا يثبت الاسترداد فلا

زكاة عليه، وكأنه تَطَوَّع بشاة قبل تمام الحول، وحيث يثبت الاسْتِرْدَاد فاسترد، وقد ذكر شيوخنا العراقيون فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يستأنف الحَوْل، ولا زكاة لما مضى لِنُقصان ملكه عن النِّصَاب قبل تمام الحول.
والثاني: أنه تجب الزكاة للحول الماضي؛ لأن المخرج للزكاة كالباقي على ملكه واحتجوا عليه بما إذا وقع عن الزكاة.
والثالث: أنه يفرق بين النَّقد فيزكيه لما مضى وبين الماشية فلا يزكيها لما مضى؛ لأن السَّوْم شرط في زكاة الماشية، وذلك ممتنع في الحيوان في الذّمة.
قالوا: وأظهر الوجوه هو الثاني، وهو الذي ذكره في "التهذيب" بل لفظه يقتضي وجوب الإِخْرَاج ثانياً، وإن لم يسترد بعد إذا كان المخرج بعينه باقياً في يد القابض.
وعن صاحب "التقريب" بناء المسألة على الأصل السابق وهو أنه إذا ثبت الاسترداد فتبين أن الملك لم يزل عن المعجّل، أو يقال بالزوال ويجعل قرضاً إن قلنا بالزوال فإذا استرجع استفتح الحول من يومئذ ولا زكاة لما مضى.
وإن قلنا: يتبين أن الملك لم يزل لزمه الزكاة لما مضى لتبين اطِّراد الحول على نصاب كامل، وزاد الإمام شيئاً آخر على هذا التقدير الثاني، فقال: الشاة التي تسلط القابض على التصرف فيها قد حصلت الحيلولة بينها وبين المالك، فيجيء فيها خلاف المغصوب والمجحود.
وهذا الطريق هو الذي أورده في الكتاب، وكلام العراقيين يشعر بتخريج الوجوه كلها بعد تسليم زوال المِلْك عن المعجل، وكيف ما كان فالظاهر عند المعظم أنه يجب تجديد الزكاة ولو كان المخرج تالفاً في يد القابض فقد صار الضمان ديناً عليه فإن أوجبنا تجديد الزكاة إذا كان باقياً فيجيء هاهنا قولاً وجوب الزكاة في الدَّيْن هذا في الدين، وفي المواشي لا تجب الزَّكَاة بحال؛ لأن الواجب على القابض القيملا فلا يكمل بها نصاب الماشية وروى القاضي ابن كج عن ابن إسحاق إقامة القيمة مقام العين هاهنا مراعاة لجانب المساكين، وقوله في أول الفصل: ولو لم يملك إلا أربعين فعجل واحدة فاستغنى القابض أي بغير الزَّكَاة، وذكر الاستغناء مثالاً، والحكم لا يختص به بل الموت وسائر الطَّوَارئ في معناه.
وقوله: بخلاف ما إذا وقع المخرج عن الزكاة؛ لأن المخرج كالباقي لِلزَّكَاة أي: المخرج للزكاة إذا وقع عن الزَّكَاة كالباقي.
فأما إذا طرأ مانع فلا يجعل كالباقي، وهكذا ذكر صاحب "التهذيب" في فرع سنذكره على الأثر، لكن ما حكينا عن العراقيين في توجيه الوجه الثَّاني ينازع فيه ويصرح بكونه كالباقي وإن لم يقع عن الزكاة.
فرع: لو عجل بنت مَخَاض عن خمس وعشرين من الإبل فبلغت بالتَّوالد ستّاً وثلاثين قبل الحول فلا يجزئه بنت المَخَاض المعجلة، وإن صارت بنت لَبُون في يد

القابض بل يستردُّهما، ويخرجها ثانياً أو بنت لَبُون أخرى.
قال صاحب "التَّهْذيب" من عنده: فإن كان المخرج هالكاً، والنِّتَاج لم يزد على أحد عشر ولم تكن إبله ستًّا وثلاثين إلاَّ مع المخرج وجب أن لا تجب بنت لَبُون؛ لأَنَّا إنما نجعل المخرج كالقائم إذا وقع محسوباً عن الزَّكَاة أما إذا لم يقع محسوباً فلا بل هو كهلاك بعض المال قبل الحول.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّالِثُ، فِي تَأْخِيرِ الزَّكَاةِ، وَهُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ (ح) وَالعِصْيَانِ (ح) عِنْدَ التَّمَكُّنِ، وَإِنْ تَلَفَ النِّصَابُ بَعْدَ الحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ فَلاَ زَكَاة.

[القول في تأخير الزكاة]

: قال الرافعي: إذا تَمَّ الحَوْلُ على المال الَّذِي يشترط في زكاته الحول وتمكن من الأداء فأخر عصى 1 لما تقدم أَنَّ الزَّكَاة على الفور ويدخل في ضمانه حتى لو تلف المَالَ بعد ذلك لزمه الضَّمَان، سواء تلف بعد مطالبة السَّاعي أو الفقراء أو قبل ذلك.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- تسقط الزكاة ولا ضمان إن كان التلف قبل المطالبة.
وإن كان بعدها فلا صحابة فيه اختلاف.
لنا: أنه قصر بحبس الحق عن المستحق فلزمه ضمانه.
ولو تلف ماله بعد الحول وقبل التمكن فلا شيء عليه كما لو دخل وقت الصَّلاة فعرض له جنون أو نحوه قبل التَّمكن من فعلها، أو ملك الزَّاد والرَّاحلة ولم يتمكن من فعل الحج، ولو أتلفه بنفسه بعد الحول، وقبل التمكن لم تسقط عنه الزَّكاة لتقصيره بإتلافه.
وعن مالك: أنه إن لم يقصد بالإتْلاَف الفرار عن الزَّكَاة تسقط، وإن أتلفه غيره فينبني على أصل سيأتي وهو أن الإمكان من شرائط الوجوب -أو من شرائط الضمان، إن قلنا بالأول فلا زكاة- كما لو أتلف قبل الحول، وإن قلنا بالثاني وقلنا: مع ذلك الزكاة تتعلق بالذمة فلا زكاة أيضاً؛ لأنه تلف قبل حصول شرط الاسْتِقْرَار، وإن قلنا: تتعلَّق بالعَيْن انتقل حق المستحقّ إلى القيمة كما إذا قتل العبد الجاني أو المرهون ينتقل الحقّ إلى القيمة 2.

وقوله في الكتاب: "هو سبب الضَّمَان والعصيان" معلَّم بالحاء لما ذكرنا، ويجوز أن يعلّم قوله: "فلا زكاة" بالألف؛ لأن صاحب "الشَّامل" حكى عن أحمد أنه لا تسقط الزَّكَاة كما لو أتلفه.
قال الغزالي: وَإِنْ مَلَكَ خَمْسًا مِنَ الإبِلِ فَتَلَفَ وَاحِدٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَأَحَدُ القَوْلَيْنِ أَنَّهُ يُسْقِطُ كُلّ الزَّكَاةِ كَمَا لَوْ تَلَفَ النِّصَابُ قَبْلَ الحَوْلِ؛ لِأَنَّ الإمْكَان شَرْطُ الوُجُوبِ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ لاَ يُسْقِطُ إِلاَّ خُمْسَ شَاةٍ، لِأَنَّ الإمْكَانَ شَرْطُ الضَّمَانِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ مَلَكَ تِسْعاً فَتَلَفَ أرْبَعٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَالجَدِيدُ أَنَّ الزَّكَاةَ لاَ تُبْسَطُ عَلَى الوَقْصِ فلاَ يَسْقُطُ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ مِنَ الزَّكَاةِ، وَعَلَى القَدِيمِ يَسْقُطُ أَرْبَعَةُ أَتْسَاعٍ شَاةٍ.
قال الرافعي: مسألتا الفصل مبنيَّتان على أصلين: أحدهما: أن إمكان الأداء من شرائط الضَّمَان، وهل هو مع ذلك من شرائط الوجوب؟ فيه قولان: أحدهما: ويحكي عن القديم و"الأم"، وبه قال مالك: أنه من شرائط الوجوب كما في الصَّوْم والصَّلاَة والحَجّ؛ لأنه لو تلف ماله قبل الإمكان سقطت الزكاة ولو وجبت لما سقطت، وبهذا القول أجاب في "المختصر" في مواضع.
وأصحهما: عند ابن سريج وجمهور الأصحاب وهو قوله في "الإملاء" ومذهب أبي حنيفة -رحمه الله-: أنه ليس إلا من شرائط الضمان؛ لأنه لو أتلف المال بعد الحول لا تسقط عنه الزكاة، ولولا الوجوب لسقطت كما لو أتلف قبل الحول، واحتج كثيرون لهذا القول بأنه لو تأخر الإمكان مدة فابتداء الحول الثَّاني يحسب من تمام الحول الأول لا من حصول الإمكان وبأنه لو حدث نِتَاج بعد الحول وقبل الإمكان يضم إلى الأَصْل في الحول الثَّاني دون الأول، وهذا جرى منهم في المسألة الثانية على أظهر الطَّرِيقين وقد قَدَّمنا في فصل النِّتَاج أن من الأصحاب من بني المسألة على القولين في الإمكان.
وعند مالك: ابتداء الحول الثاني من وقت حصول الإمكان، ونتاج الحادث من وقت حصول الإمكان مضموم إلى الأصل في الحَوْل الأول، وعبر صاحب "التتمة" عن تحقيق هذا الخلاف بأنا إذا قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فهو على سبيل التَّبيين، = الثاني: قيل: كذا أطلقه الرافعي وهو مصور في الحاشية.
أما النقل إذا أتلفه متلف ضمن مثله، وتجب فيه الزكاة إذا قلنا: تجب الزكاة في الدين، وبنى حوله على حول العين، وحينئذ لا فرق بين أن يفرع على قول الوجوب أو الضمان أو العين أو الذمة.

معناه أنا نتبين بالإمكان حصول الوجوب عند تمام الحول ونسميه شرط الوجوب توسعاً.
ومالك يجعله شرط الوجوب حقيقة ولا يقول بالتبيين.
وبعض أصحابنا يعبر عن القول الأول بالقديم وعن الثاني بالجديد، وهو اقتصار من الجديد على ما يقابل القديم، وإلاَّ فقضية ما ذكرنا حصول قولين في الجديد.
أحدهما: كالقديم.
والثاني: خلافه.
الأصل الثاني: أن الأوقَاص وهي ما بين النّصابين كما بين الخمس والعشر من الإبل هل يتعلق الواجب بها مع النصب أم هي عفو والزكاة تتعلق بالنصب؟ فيه قولان: أصحُّهما وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- والمزني: أنها عفو.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي خَمْسٍ مِنَ الإبِلِ شَاة، ثُمَّ لاَ شَيْءَ فِي زِيَادَتِهَا حَتَّى تَبْلُغَ عَشْراً" 1. ولأنا لو بسطنا الواجب على الوَقْص والنِّصاب لسقط قسط من الواجب بتلف الوَقْص بعد الحول كما سيأتي، ومالاً تزيد الزَّكَاة بزيادته لا ينبغي أن تنقص بنقصانه.
والثاني وهو اختيار ابْن سُرَيج: أن الواجب ينبسط على الكل.
لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أنس 2: "فِي أَرْبَع وَعِشْرينَ من الإبل فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ ومن كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثينَ فَفيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ".
علق الفرض بالنّصاب والوَقْص ولأنه حقّ الله تعالى يتعلّق بنصاب من المال فيتعلق به وبما زاد، كما لو سرق أكثر من نصاب يتعلق القطع بالكل، فإذا ملك تسعاً من الإبل فعلى القول الأول عليه في خمس منها لا بعينها شاة والباقى عفو.
وعلى الثاني: الشاة واجبة في الكل.
وقال إمام الحرمين: الوجه عندي أن تكون الشاة متعلقة بجميع التّسع لا محال، والمراد من القولين أن الوقص هل يجعل وقاية للنصاب كما يجعل الرِّيح في القراض وقاية لرأس المال عند الخسران، ففي قول: يجعل وقاية له وهو الصحيح، لأن الزكاة لا تزيد به ولا تنقص بتلفه، وفي قول: لا يجعل وقاية حتى لو تلف البعض سقطت حِصَّته، وهذا أحسن، والمشهور الأول.
إذا عرفت ذلك فإحدى مسألتي الفصل أن تملك خمساً من الإبل ويحول عليها الحول ثم تتلف منها واحدة قبل التمكن فلا زكاة

عليه للتالف، وهل يجب للباقي؟ يبنى على الأصل الأول.
إن قلنا: الإمكان شرط للوجوب فلا شيء عليه، كما لو تلف قبل تمام الحول.
وإن قلنا: إنه شرط الضمان دون الوجوب فعليه أربعة أخماس شاة؛ لأن هذا القدر هو المستقر بالإمكان، ولو تلف أربع فعلى الأول لا شيء عليه وعلى الثَّاني عليه خمس شاة، ولو ملك ثلاثين من البقر وتلف خمس منها قبل الإمكان وبعد الحول، فإن قلنا: بالأول فلا شيء عليه، وإن قلنا بالثاني فعليه خمسة أسداس تَبِيع.
والمسألة الثانية: ملك تسعاً من الإبل وحال عليها الحول، ثم تلف قبل التمكُّن أربع، فحكمها يقتبس من الأصلين.
إن قلنا: الإمكان شرط الوجوب فعليه شاة كما لو تلف قبل الحول، وإن قلنا: إنه شرط للضمان فإن قلنا: الوَقْص عفو فعليه شاة أيضاً، لبقاء متعلّق الواجب، وإن قلنا: الواجب ينبسط على الجميع ففيه وجهان: أصحهما: ولم يذكر الجمهور سواه أن عليه خمسة أَتْسَاع شاة؛ لأنها متعلّقة بجميع التّسع فحصَّة كل بعير منها تسع يسقط بتلف الأربع أربعة أتساع، ويبقى الباقي، والثاني عن القاضي أبي الطّيب: أن أبا إسحاق قال: عليه شاة أيضاً، ووجهه ابن الصباغ بأن الزيادة ليست شرطاً في الوجوب فلا يؤثر تلفها، وإن تعلق بها الواجب كما لو شهد خمسة على محصن بالزنا فرجمناه ثم رجع واحد منهم وزعم أنه غلط فلا ضمان على واحد منهم وإن رجع اثنان حينئذ يجب الضَّمان، ولو كانت المسألة بحالها، وتلف خمس فإن قلنا: الإمكان من شرائط الوجوب فلا شيء عليه؛ لانتقاص النصاب قبل الوجوب كما لو تلف قبل الحول، وإن قلنا: من شرائط الضمان فإن قلنا: الوقص عفو فعليه أربعة أخماس شاة؛ لأن [الواجب لم يتعلق] 1 إلا بخمس منها، ولم يتلف من الخمس إلا واحدة، وإن بسطنا الواجب على الكل فعليه أربعة أتساع شاة؛ لأن الشاة تعلقت بالتسع، وقد بقي منها أربع فلا يجيء هاهنا، وجه أبي إسحاق ولو ملك ثمانين من الغنم فتلف منها أربعون بعد الحول وقبل التمكن، فإن قلنا: الإمكان شرط الوجوب أو قلنا: إنه شرط الضمان والوقص عفو فعليه شاة، وإن قلنا: أنه شرط الضمان وبسطنا الواجب على الكل فعليه نصف شاة، وعلى الوجه المررى عن أبي إسحاق تجب شاة أيضاً، وعلى هذه الصورة يقاس نظائرها.
وأما لفظ الكتاب.
فقوله: "فتلف واحد قبل التمكن" أي وبعد الحول.
وقوله: "لأن الإمكان شرط الوجوب" معلّم بالحاء.
وقوله: "شرط الضمان" بالميم لما قدمناه، وقد استدرك من جهة اللفظ على

قوله: "يسقط كل الزكاة"؛ لأن السقوط يفتقر إلى سبق الثبوت، ونحن على هذا القول نقول بعدم الوجوب أصلاً إلا أن لفظ السقوط قد يستعمل حيث يكون الشيء بعرضية الثبوت فتبطل عرضيته.
وقوله في أول الصورة الثانية: "وعلى هذا" أي على قولنا: إن الإمكان شرط الضمان، فإنا حينئذ نبني المسألة على الخلاف في الوَقْص.
وقوله: "يسقط أربعة أتْسَاع شاة" أي: لأن الزكاة تنبسط على الوقص، ويجوز أن يُعَلم بالحاء والزاي والواو أيضاً لوجه أبي إسحاق.
وقوله: "فالجديد أن الزكاة لا تنبسط على الوقص" وتسمية ما يقابله قديماً إتباع لما ذكره الصَّيدلاني والإمام، وليس ذلك على سبيل جزم الجديد بعدم الانبساط؛ لأن الشيخ أبا حامد وغيره من الشُّيوخ نقلوا عدم الانْبِسَاط عن القديم، وأكثر الكتب الجديدة والانْبِسَاط عن البويطي "والإملاء" فاقتضى ذلك قولين في الجديد، وكلامهم يشعر بجزم القديم بعدم الانبساط، فإن كان كذلك لم يَجُز نسبة الانْبسَاط إلى القديم، وإلا فهو غير جازم بالانْبِسَاط كما أن الجديد غير جازم بعدم الانبساط.
قال الغزالي: وَإِمْكَانُ الأَدَاءِ يَفُوتُ بِغَيْبَةِ المَالِ أَوْ بِغَيْبَةِ المُسْتَحِقّ وَهُوَ المِسْكِينُ أَوِ السُّلْطَانُ فَإِنْ حَضَرَ مُسْتَحِقٌّ فَأَخَّرَ لاِنْتِظَارِ القَرِيبِ أَوِ الجَارِ لَمْ يَعْصِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَكِنَّ جَوَاز التَّأخِيرِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل بيان المراد من إمكان الأداء، فاعلم أنه ليس المراد من الإمكان مجرد كونه بسبيل من إخراج الزكاة، ولكن يعتبر معه شيء آخر وهو وجوب الإخراج، وذلك بأن تجتمع شرائطه.
فمنها: أن يكون المال حاضراً عنده فأما إذا كان غائباً فلا يوجب إخراج زكاته من موضع آخر، وإن جوزنا نقل الصَّدقات.
ومنها: أن يجد المصروف إليه والأموال على ما قدمنا ظاهرة وباطنة، والباطنة يجوز صرف زكاتها إلى السُّلْطَان ونائبه، ويجوز أن يفرِّقها بنفسه فيكون واجداً للمصروف إليه سواء وجد أهل السُّهمان أو الإمام أو نائبه 1.

وأما في الأموال الظاهرة فكذلك إنْ جوزنا له أن يفرق زكاتها بنفسه، وإلاَّ فلا إمكان حتى يجد الإمام أو نائبه ثم إذا وجد من يجوز الصرف إليه لكن أخر لطلب الأفضل.
ففي جوازه وجهان، وذلك كما إذا وجد الإمام أو نائبه وأخر ليفرق بنفسه حيث قلنا: إنه أولى أو وجد أهل السُّهْمَان فأخر ليدفع إلى الإمام أو نائبه حيث قلنا: إنه أولى أو أخر لانتظار قريب أو جار أو من هو أحوج إليه.
أحد الوجهين: أنه لا يجوز التَّأْخير لذلك؛ لأن المستحق حاضر والزكاة واجبة على الفور فلا يؤخر.
وأظهرهما: الجواز؛ لأنه تأخير لغرض ظاهر، وهو اقْتِنَاص الفضيلة به فيسامح فعلى هذا لو أخر وتلف هل يضمن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا كالتأخير لسائر الأسباب الجائزة.
وأصحهما: نعم، لأن الإمكان حاصل، وإنما يؤخر لغرض نفسه فيتقيَّد جوازه بشرط سلامة العاقبة.
وذكر إمام الحرمين للوجهين شرطين: أحدهما: أن يظهر اتِّصَاف الحاضرين بصفة الاستحقاق، فإن تردد في استحقاقهم 1، وأخرَّ ليترَوَّى وينظر فلا خلاف.
والثاني: أن لا يشتد حاجة الحاضرين وفاقتهم، أما لو كانوا يتضررون جوعاً فأخَّر لانتظار قريب أو جَارٍ لم يجز بلا خلاف، ولك أن تقول: إشباع الجائعين، وإن وجب لكنه غير متعين على هذا الشخص ولا من هذا المال ولا من مطلق مال الزكاة 2، وإذا كان كذلك فلم يلزم من وجوب الإشباع في الجملة أن لا يجوز تأخير الزَّكَاة لاقتناص فضيلة في الأداء.
وقوله في الكتاب: "أو بغيبة المستحق" أراد به مستحق الأخذ لا مستحق المال المأخوذ.
وقوله: "وهو المسكين أو السلطان" إشارة إلى الخلاف في وجوب صرف زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام، معناها: وهو المسكين في المال الباطن والسلطان في المال الظاهر على أحد القولين، وهذا لفظه في "الوسيط"، لكن قوله: "وهو المسكين" غير مجرى على ظاهره، فإن المسكين غير متعيّن الاستحقاق في المال الباطن بل يجوز الصَّرْف إلى السلطان أيضاً، ثم قضية قوله: وإمكان الأداء يفوت بغيبة المال، أو بغيبة المستحق انحصار فوات الإمكان في الأمرين، وبتقدير أن يكون كذلك يكون الإمكان لازم الحصول عند اجتماع الأمرين لكن قال صاحب "التهذيب" وغيره: يشترط في إمكان الأداء أن لا يكون مشتغلاً بشيء يهمه من أمر دينه ودنياه، فإذاً اللفظ محتاج إلى ضرب من التأويل.

قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ تَعَلُّق الزَّكَاةِ بِالعَيْنِ؟ قُلْنَا: فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالِ: لاَ تتَعَلَّقُ بِهِ، وَقِيلَ: الْمِسْكِينُ شَرِيكٌ فِيهِ، وَقِيَل: لَهُ اسْتيثَاقُ المُرْتَهِن، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ تَعَلُّقاً كتَعَلُّقِ أَرْشِ الجِنَايَةِ، وَهُوَ الأَصَحُّ.
قال الرافعي: سقوط الزَّكَاة بتلف النِّصَاب بعد الحول وقبل التَّمكن يشعر بأن الزكاة متعلَّقة بالنصاب غير مسترسلة في الذمة فلما جرى ذكر هذه المسألة حسن البحث عن وجه ذلك التعلق، والوجه أن نشرح ما أورده في الكتاب ثم نذكر ما ينبغي أن يعرف.
فأما ترتيب ما في الكتاب فهو: أن للشافعي -رضي الله عنه- قولين في كيفية تعلق الزكاة.
أحدهما: أنها في الذمة ولا تعلق لها بالعَيْن، لأنها عبادة وجبت ابتداء من جهة الشَّرْع فتتعلق بالذمة كالحج وصدقة الفطر وكذلك الكفارات.
والثاني: أنها تتعلّق بالعَيْن.
لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "في أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ" 1. وعلى هذا ففي كيفية التعلّق قولان: أحدهما: أن أهل السُّهْمَان يصيرون شركاء لربِّ المال في قدر الزَّكَاة؛ لأن الواجب يتبع المال في الصِّفة حتى يؤخذ من المراض مريضة ومن الصحاح صحيحة؛ ولأنه لو امتنع من إخراج الزَّكَاة أخذها الإمام من عين النّصاب قهراً كما يقسم المال المشترك قهراً، إذا امتنع بعض الشركاء من القسمة.
والثاني: أنه يتعلق بالمال تعلق اسْتِيثَاق؛ لأنه لو صار مشتركاً لما جاز لربِّ المال الإخراج من موضع آخر كما لا يجوز للشَّريك أداء حق الشَّرِيك من غير مال الشّركة، وعلى هذا ففي كيفية الاسْتِيثَاق قولان: أحدهما: أنه يتعلَّق به تعلّق الدَّين بالرهن، بدليل أنه لو امتنع من أداء الزكاة ولم يوجد السن الواجبة في ماله كان للإمام بيع بعض النصاب وشراء السن الواجبة كما يباع المرهون لقضاء الدِّين.
والثاني: أنه يتعلق به تعلق الأَرْش برقبة العبد الجاني؛ لأنه يسقط الواجب بهلاك النّصاب، ولو كان تعلُّقُها كتعلق الدين بالمرهون لما سقطت، ويخرج من ذلك عند الاختصار أربعة أقوال كما ذكر في الكتاب، ويجوز أن يُعَلَّم قوله: "فيه أربعة أقوال" بالواو؛ لأن إمام الحرمين ثم صاحب "البيان" حكياً عن ابْنِ سُرَيجٍ أنه لا خلاف في تعلقها بالعَيْن، وإنما التردد في كيفية التعلّق فتعود الأقوال على هذه الطريقة إلى ثلاثة.

وعند مالك -رحمه الله- تتعلّق الزكاة بالعَيْن تعلق استحقاق وشركه ذلك أن تعلّم ما عدا هذا القول بالميم.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- فيما رواه الصَّيدلانيّ وصاحب "الشامل" تتعلق تعلق الأَرْش برقبة الجاني، وهو إحدى الروايتين عن أحمد -رحمه الله تعالى- فيجوز أن يعلّم ما عدا هذا القول بالحاء والألف، واعرف بعد هذا أموراً: أحدها: أن عامة مشايخنا -رحمهم الله- لم يُوردوا إلاَّ قول الذِّمة وقول الشركة، وقالوا: الأول: قديم، والثاني: وهو الجديد الصحيح، واعتذروا عن جواز الإبدال استقلالاً بأن أمر الزَّكَاة مبني على المُسَاهلة والإرفاق، فيحتمل فيه ما لا يحتمل في سائر الأموال المشتركة، وصاحب الكتاب رجح القول الرابع، وهو أن تعلق الزكاة كتعلق الأَرْش فيجوز أن يقال: الكلامان مختلفان فيما هو الأصح في المسألة، ويجوز أن يقال: إنهم حكموا بكون الشَّركة أصح من قول الذمة، ولا يلزم منه أن يكون أصح على وجه الإطلاق، والأول أظهر.
والثاني: أن إيراد الكتاب يقتضي كون الوجوب في الذمة قولاً برأسه، وتعلّق الرهن قولاً برأسه، وكذا نقل الإمام لكن العراقيين والصيدلاني والقاضي الرُّوياني والجمهور جعلوا الأمرين قولاً واحداً، فقالوا: إنها تتعلق بالذمة والمال مرتهن بها.
وجمع صاحب "التَّتمة" بين الطريقين، فحكى وجهين في أنَّا إذا قلنا: بتعلّقها بالذمة، هل يجعل المال خلو أو نقول: هو رهن بها؟ والثالث: أنَّا إذا قلنا بثبوت استيثاق المرتهن أو قولاً برأسه أو جزءاً من قول الذِّمة، فهل يجعل جميع المال مرهوناً بها أو يخص قدر الزكاة بالرهن بها؟ فيه وجهان سنفرع عليهما، وكذا الخلاف إذا قلنا بثبوت تعلق كتعلق الأَرْش في أنه يتعلق بجميع النصاب أم بقدر الزكاة.
وجميع ما ذكرناه فيما إذا كان الواجب من جنس المال.
وأما إذا كان من غير جنسه كالشاة الواجبة في الإبل ففيه طريقان مذكوران في "التتمة" وغيرها: أحدهما: القطع بتعلقها بالذمة لتغاير الجنس.
وأظهرهما: أنه على الخلاف السابق 1، أما الاستيثاق فلا يختلف، وأما الشركة

فسبيلها تقدير الاستحقاق بمقدار قيمة الشاة، وهذا الطريق هو الموافق لإطلاق الكتاب.
قال الغزالي: وَعَلَيْهِ نُفَرِّعُ فَنَقُولُ: يَصِحُّ بَيْعُهُ قَبْلَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَلَكِنَّ السَّاعِي يَتْبَعُ المَالَ إِنْ لَمْ يُؤَدِّ المَالِكُ، فَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي مِنَ المُشْتَرِي انْتَقَضَ البَيْعُ فِيهِ، وَفِي البَاقِي قَوْلاً تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ قَبْلَ أَخْذِ السَّاعِي إِذَا عَرَفَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَزَّلْزُلِ مِلْكِهِ، فَإِنْ أَدَّى المَالِكُ سَقَطَ خِيَارُهُ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يلْتَفَتُ إِلَى رُجُوعِ السَّاعِي بِخُرُوجِ مَا أَخَذهُ مُسْتَحِقاً.

[القول في بيع مال الزكاة]

: قال الرافعي: القول في بيع مال الزَّكَاة يتفرَّع على أصلين: أحدهما: ما ذكرنا أن الزكاة تتعلق بالعين أو بالذِّمة.
والثاني: تفريق الصَّفقة وسيأتي في بابه إن شاء الله -تعالى جده- وتفصيله أنه إذا باع مال الزكاة بعد الحول وقبل إخراج الزكاة لم يَخْلُ إما أنْ يبيع جميع النصاب أو بعضه فَإِن باع جميعه فهل يصح في قدر الزكاة؟ يتفرع على الأقوال.
إن قلنا: إن الزكاة في الذمة والمال خلو عنها فيصح، وإن قلنا: المال مرهون بها فقولان: أحدهما: وهو الذي ذكره إمام الحرمين أنه لا يصح؛ لأن بيع المرهون بدون إذن المرتهن باطل.
وأصحهما: عند العراقيين وغيرهم أنه صحيح، لأن هذه علقة تثبت من غير اختيار المالك وليس ثبوتها لشخص معين فيتسامح فيها بما لا يتسامح في سائر الرهون وهذا كما إذا قلنا على قول الشركة بنينا الأمر على المُسَامحة وإن قلنا بالشركة فقد حكى القاضي ابن كَجّ طريقين عن ابن القطان: القطع بالبطلان.
وعن أبي إسحاق وغيره: أن المسألة على قولين وهذا ما أورده أكثر العراقيين.
أحدهما: الصحة؛ لأن ملك المساكين غير مستقر فيه فإن له إسقاطه بالإخراج من موضع آخر فإذا باعه فقد اختار الإخراج من موضع آخر.
والثاني: البطلان؛ لأنه باع ما لا يملكه وهذا ما أجاب به صاحب "التهذيب" وعامة المتأخرين فيمكن أن يكون ذلك اختياراً منهم للقول الثاني على هذه الطريقة ويمكن أن يكون ذهاباً منهم إلى الطريقة الأولى.
وإن قلنا: إن تعلّق الزكاة كتعلق الأرش ففي صحة البيع قولان كما في بيع العبد الجاني، فإن صححنا فيكون بالبيع ملزماً بالفداء -كما سيأتي بيانه في عوضعه-، ثم إذا حكمنا بالصحة في قدر الزكاة ففيما عداه

أولى، وإذا حكمنا بالبطلان فهل يبطل فيما عداه 1؟ أما على قول الشركة ففيما عداه قولاً بتفريق الصفقة، وأما على قول الاسْتِيْثَاق فإن قلنا: حق الاستيثاق متعلق بجميع المال فالبيع باطل في الباقي أيضاً، ولا فرق إن قصرنا الاستيثاق على قدر الزكاة ففي الباقي قولا التفريق.
قال في "النهاية": والقصر هو الحق الذي قاله الجمهور وما عداه هفوة، وهل تفترق الفَتْوَى فيما عدا قدر الزَّكَاة بين أن يكون قدر الزَّكَاة جزئية معلومة كالعشر في المعشرات وربع العشر في النَّقْدين وبين أن لا يكون كذلك كالشَّاة من الأربعين؟ هذا قد ذكره صاحب الكتاب في "باب تفريق الصفقة": وسنشرحه -إن شاء الله تعالى جدُّه- وحيث منعنا البيع في الثمار فذلك قبل الخَرْص، فأمَّا بعده فلا منع إذا قلنا: إن الخَرْص تضمين على ما سنبينه.
التفريع: اعلم أن مجموع ما يحصل من الاختلافات التي ذكرنا ثلاثة أقوال: بطلان البيع في الكل وصحته في الكل، وبطلانه في قدر الزكاة وصحته في الباقي.
أما الأول فلا يخفي حكمه، وأما الثاني فقد تعرض في الكتاب لتفريعه، وإن قصر السلام على القول الرابع، وأما الثالث فلم يتعرض له ونحن نذكرها جميعاً.
أما إذا صححنا البيع في الجميع فإن أدَّى البائعُ الزكاةَ من موضع آخر فذاك وإلاَّ فللسَّاعي أن يبيع المال.
الحاصل في يد المشتري فيأخذ الزكاة من عينه وفاقاً وهذا يضعف قول التَّعلُّق بمحض الذِّمَّة إذ لو كان كذلك لما كان له أن يتبعه كمن باع مالاً وفي ذمَّته دين مرسل ليس لصاحب الدين أن يبيعه، فإن أخذ السَّاعي الواجب من عين المال انفسخ البيع في قدر الزَّكَاة، وهل ينفسخ في الباقي؟ فيه الخلاف في تفريق الصَّفقَة في الدَّوام إن قلنا: ينفسخ استردَّ الثمن وإلاَّ له الخيار إن كان جَاهِلاً لتبعضُّ ما اشتراه إن فسخ فذاك، وإن أجاز في الباقي فيجيز بقسطه من الثمن أم بالجميع؟ فيه قولان: أصحهما: أولهما، ولو لم يأخذ الساعي الواجب منه، ولم يؤد البائع الزّكاة من غيره، فهل للمشتري الخيار إن اطَّلع على حقيقة الحال؟ فيه وجهان:

أصحهما: نعم، لتزلزل ملكه وتعرضه لأخذ الساعي.
والثاني: لا؛ لأن ملكه في الحال حاصل، والظَّاهر استمراره وأداء البائع للواجب من موضع آخر فإن قُلْنَا بالأول فإذا أخرج البائع الواجب من موضع آخر هل يسقط خياره؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، وهو المذكور في "التهذيب" لحصول استقرار الملك، كما إذا اشْتَرَى معيباً ولم يرده حتى زال العيب لا يبقى له الرَّد.
والثاني: لا يسقط؛ لأنه يحتمل أن يخرج ما دفعه إلى السَّاعي مستحقّاً فيرجع السَّاعي إلى عين المال والوجهان جاريان فيما إذا باع العبد الجاني ثم فداه السيد، هل يبقى للمشتري الخيار؟ أما إذا أفسدنا البيع في قدر الزكاة وصححناه في الباقي، فللمشتري الخِيَار بين فَسْخِ البيع في الباقي وإجازته، ولا يسقط الخيار بأداء البائع الزَّكَاة من موضع آخر؛ لأنه إن فعل ذلك فالقصد لا ينقلب صحيحاً في قدر الزَّكَاة، وإذا جاز فيجيز بقسط الباقي من الثمن، أو بالجميع فيه قولان كما ذكرنا وفي "النهاية" أن بعض الأصحاب قطع بأنه يخيَّرُ بجميع الثَّمن في المَوَاشي؛ لأن الشَّاة ليست معينة، ولا جزءاً معلوماً فاستحقاقها كَعَيْب شائع في الجميع، والمشتري إذا اطَّلع على عيب قديم، وأراد الإجازة فإنما يجيز بجميع الثمن، والصحيح الأول.
هذا كله فيما إذا باع جميع النصاب.
أما إذا باع بعضه نظر إن لم يستبق قدر الزَّكَاة فالحكم كما لو باع الكل.
وإن اسْتَبقَى قدر الزَّكَاة، إما على قصد صرفه إلى الزَّكَاة أوَّلاً على هذا القصد، فإن فرعنا على قول الشركة ففي صحة البيع وجهان: أحدهما: أنه يصح؛ لأن ما باعه حقه.
وأقيسهما: عند ابن الصباغ: المنع؛ لأن حق أهل السُّهْمَان شائع في الكل، فأي قدر باعه كان حقه وحقهم، وهذا الخلاف مبني على كيفية ثبوت الشركة 1، وفيه وجهان حكاهما صاحب "التتمة" وغيره:

أحدهما: أَنَّ الزَّكَاة شائعة في الكُلِّ متعلّقة بكلِّ واحدة من الشياه بالقسط.
والثاني: أنَّ محل الاسْتِحْقَاق قدر الواجب ثم يتعين بالإخراج.
وأما على قول الرهن فيبنى على ما قَدَّمنا أنَّ جميع المال مرهون أو المرهون قدر الزكاة، فعلى الأول لا يصح البيع، وعلى الثاني يصح.
وأما على قولنا: أنَّ تعلق الزكاة كتعلّق الأرش فإن صححنا بيع العبد الجاني صَحَّ البَيْع، إلا فالتَّفْرِيع كالتَّفْرِيع على قول الرهن -والله أعلم-.
أما لفظ الكتاب فيجوز إعلام قوله: "يصح بيعه قبل أداء الزكاة" بالواو؛ لأنه وإن تكلم على القول الرابع ففي صحة البيع على ذلك القول قولان كما في بيع العبد الجَانِي.
وقوله: ولكن للساعي أن يتبع المال لا يختصّ بهذا القول، بل الحكم كذلك متى صححنا البيع على جميع الأقوال.
وقوله: "إذا عرف ذلك على أحد الوجهين" تنبيه على أنه لو عرف الحال من الابتداء لم يكن له خِيَار.
وقوله: "ولا يلتفت إلَى رجوع السَّاعي... " إلى آخره إشارة إلى توجيه القول المقابل، وبيان أنه لا مبالاة به على الأصح، وهو كما لو أدى الزَّكاة ثم باع النِّصَاب، واعلم أن كلام الفصل أصلاً وشرحاً في بيع النّصب التي يجب فيها زكاة الأعيان، فأما بيع مال التجارة بعد وجوب الزكاة فيه فستأتي في بابها -والله أعلم-.
قال الغزالي: وإذَا مَلَكَ أَرْبَعِيْنَ مِنَ الغَنَمِ فَتَكَرَّرَ الحَوْلُ قَبلَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ فَزَكَاةُ الحَوْلِ الثَّاني وَاجِبَةٌ الثَّاني وَاجِبَةٌ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ الدَّيْنَ لاَ يَمْنَعُ وُجوبَ الزَّكَاةِ.
قال الرافعي: هذه المسألة تنبني على أصلين سبقاً: أحدهما: أَنَّ الزكاة تتعلَّق بالعَيْن أو الذمة.
والآخر: أن الدَّيْن هل يمنع الزَّكَاة أم لا؟ وصورتها أن رجلاً ملك أربعين من الغنم، فحال الحول عليها، ولم يخرج زكاتها حتى حال عليها حول آخر، ولا يخلو إما أن يحدث منها في كل حول سَخْلة فصاعداً أو لا يحدث منها شيء، فإن حدثت سَخْلة = أحدهما: نعم لأنها حينئذ تشبه الحبوب وأظهرهما: لا؛ لأن الحبوب متماثلة الأجزاء، وهذه تختلف في السن، وهذا الوجهان يجريان من اختلاف قول الشافعي في جعل إبل الدية صداقاً، ولم يرجح الرافعي شيئاً من الوجهين في ثبوت الشركة، وقد سبق في صدر المسألة ترجيح الثاني، وهذا الخلاف في الواحد.
فأما النصابان لعشر من الإبل، فيلزمه شاتان، وينحصر كل نصاب فيه، ولا يبسط كل شاة على جميع العشر بالاتفاق.
(نقله الإمام قاله في الخادم).

فصاعداً فعليه لكل حول شاة بلا خلاف؛ لأنه مضى على نصاب كامل وإن لم يحدث شيء، وهذه الحالة هي المقصودة في الكتاب، فلا خلاف في لزوم الشاة للحول الأول، وهل تجب شاة للحول الثاني؟ فإن قلنا: الزَّكَاة تجب في الذمة وكان يملك غير النصاب ما يفي بشاة فنعم وإن لم يملك سوى النصاب شيئاً فينبني ذلك على أن الدَّيْن هل يمنع الزكاة أم لا؟ إن قلنا: يمنع لم يجب الحول الثَّاني شيء؛ لأن واجب الحول الأول دين في ذمته، وإن قلنا: الزَّكَاة تتعلق بالعَيْن على سبيل الشَّركة لم يجب للحول الثاني شيء؛ لأن أهل السّهمان ملكوا واحدة منها للحول الأول فانتقص النِّصاب.
قال القاضي ابن كج وإمام الحرمين: وإنما لم تجب زكاة الخلطة؛ لأن الزكاة غير واجبة على أهل السّهْمَان فيما استحقوه، فالاختلاط معهم كهو مع المكاتب والذمي.
وإن فرعنا على أن تعلّق الزكاة كتعلّق الرَّهْن أو كتعلّق الأَرْش فقد قال الإمام هو كالتفريع على قول الذِّمَّة وكلام الكتاب ينزل على التَّفْريع على القول الآخر، فإنه وعد في الفصل السابق بأنه عليه يفرع التفريع، ورأيت كلام الصيدلاني في التفريع على القول الآخر بخلاف ما ذكراه فإنه قال: إذا قلنا: إنها متعلقة بالعَيْن فيجب في العام الأول شاة وبعد ذلك لا يجب؛ لأن النصاب ناقص سواء جعلنا تعلقه بالعَيْن للاستيفاء كالجناية أو على معنى الشركة، وقياس المذهب ما ذكراه نعم يجوز أن يفرض خلاف في وجوب الزَّكَاة من جهة تسلّط الغير عليه، وإن قلنا: الدين لا يمنع الزَّكَاة على ما قَدَّمْنا نظائره، وبتقدير أن يكون كذلك فلا يختَصُّ بالقول الأخير بل يجري على قول الرَّهْن والذمة أيضاً ولو ملك خمساً وعشرين من الإبل ومضى عليها حولان، ولا نتاج فإن قلنا: الزكاة تتعلّق بالذمة، وقلنا: الدين لا يمنع الزَّكَاة أو كان له ما بقى بالواجب فعليه بنتاً مَخَاض، وإن قلنا بالشركية فعليه للحول الأول بنت مخاض وللثاني أربع شياة، وتفريع القولين الآخرين على قياس ما سبق، ولو ملك خمساً من الإبل، ومضى عبيه حولان بلا نتاج، فالحكم كما في الصُّوَرَتَيْن السَّابقتين، نعم قد ذكرنا أنَّ من الأصحاب مَنْ لا يثبت قول الشَّركة فيما إذا كان الواجب من غير جنس الأصل، فعلى هذا يكون الحكم في هذه الصورة مطلقاً كما في الأوليين تفريعاً على قول الذمة.
والظاهر وهو اختيار المزني: أنه لا فرق بين أن يكون الواجب من جنس المال أو لا من جنسه، ولهذا يجوز للسَّاعي أَنْ يبيع جزءاً من الإبل في الشَّاة، فدل ذلك على تعلّق الحق بعينها، وإذا تعلّق بعينها فكما يجوز أن يملك أهل السّهمان قدر الزَّكَاة إذا كان من جنس المال يجوز أن يملكوه إذا كان من غير الجنس.
قال الغزالي: وَلَوْ رُهِنَ مالُ الزَّكَاةِ صَحَّ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الحَوْلِ وَقُلْنَا: الدَّيْنُ مَعَ الرَّهْنِ لاَ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ أُخْرِجَتِ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِ المَرْهُونِ عَلَى الأَصَحِّ تَقْدِيماً لِحَقِّ الزَّكَاةِ

عَلَى الرَّهْنِ كمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الجَانِي، ثُمَّ لَوْ أَيْسَرَ المَالِكُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْبُرَ لِلْمُرْتَهِنِ قَدْرَ الزَّكَاةِ بِبَذْلِ قِيمَتِهِ لِيَكُونَ رَهْنًا عِنْدَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.

القول في رهن المال الزكوي

: قال الرافعي: رهن مال الزَّكَاة إما أن يكون بعد تمام الحَوْل أو قبله، وقد ذكر الحالتين في الكتاب.
فالأولى: قوله: "ولو رهن مال الزكاة صح".
واعلم أن القول في صحة الرهن في قدر الزكاة كالقول في صحة بيعه، فيعود فيه جميع ما قدمناه، ويحتاج إلى إعلام قوله: "صح" بالواو لمثل ما ذكرناه في البيع، ثم إذا صَحَّحناه في قدر الزَّكَاة ففيما عداه أَوْلَى، وإنْ أبطلناه في قدر الزَّكَاةَ فَالحُكْمُ فيما عداه يترتب على البيع أن صححنا البيع فالرهن أولى وإن أبطلناه ففي الرهن قولان مبنيان على العلَّتين المشهورتين لقول فساد التفريق.
إن منعنا التفريق لاتحاد الصِّيغة وفسادها في بعض مواردها بطل الرَّهن أيضاً، وإن عللنا باتِّحاد العوض لم يبطل، ويخرج مما ذكرناه طريقة جازمة بصحَّة الرَّهن فيما عدا قدر الزَّكاة وبها قال ابْنُ خَيْرَانَ: ثم إن صححنا الرهن في الجميع، ولم يؤدِّ الزكاة من موضع آخر كان للسَّاعي أخذها منه، فإذا أخذ انفسخ ارَّهْن فيه، وفي الباقي الخلاف فيما تقدم في البيع، وإن أبطلناه في الجميع أو في قدر الزكاة خاصّة، وكان الرهن مشروطاً في بيع ففي فساد البيع قولان، وإن لم يفسد فللمشتري الخيار ولا يسقط خياره بأداء الزكاة من موضع آخر.
الحالة الثانية: أن يرهن قبل تمام الحَوْل، ثم يتم الحول، فقد ذكر في وجوب الزكاة فيه خلافاً في الكتاب قبل هذا وشرحناه، والرهن لا بد أن يكون بدين، وفي كون الدين مانعاً من الزكاة الخلاف المشهور.
فإن قلنا: الرهن لا يمنع الزكاة قلنا: الدين أيضاً لا يمنع، أو قلنا: إنه يمنع لكن كان له مال آخر يفي بالدين وجبت الزكاة وإلاَّ لم تجب.
إذا عرف ذلك فلا يخلو إما أن لا يملك هذا الراهن مالاً آخراً، أو يملكه، فإن لم يملك فهل تؤخذ الزكاة من عين المرهون؟ ينبني ذلك على كيفية تعلّق الزكاة.
إن قلنا: تتعلق بالذمة فعن أبي علي الطَّبَرِي وغيره أنه قد اجتمع هاهنا حق الله تعالى وحق الآدمي، فيخرج على الأقوال الثلاثة في اجتماعها، فإن سوينا بينهما وزعنا، وعن أكثر الأصحاب أنه يقدم الرهن؛ لأنه أسبق ثبوتاً، والمرهون لا يرهن، وهذا الوجه

الثاني حكاه الإمَام -رضي الله عنه- عن شيخه تفريعاً على قول الرهن ثم إنه خالفه، واختار تقديم الزَّكَاة.
واعلم: أن الذين حكوا الوجهين تفريعاً على قول الذِّمة العراقيون القائلون بأن المال مرتهن بالزَّكَاة على قول الذِّمة فأما من محض تعلّقها بالذِّمة فينبغي أن ينقطع بامتناع الأخذ من المرهون كسائر الديون المرسلة، وإن قلنا بالشركة فتؤخذ الزكاة من عين المرهون وكذا إن قلنا: إن تعلق الزكاة كتعلق الأَرْشِ كما تَقَدَّم حقُّ المَجْنِي عليه على حقّ المرتهن، ويحصل عند الاختصار مما حكيناه وجهان كما ذكر في الكتاب.
أصحهما: الأخذ من عَيْنِ المرهون، وعلى هذا لو كانت الزكاة من غير جنس المال كالشَّاة في الإبل يباع جزء من المال في الزكاة، وهذا هو الطريق المشهور، وهو المحكي عن أبي إسحاق وعن ابْن أبي هريرة، وأبي حامد القاضي أنه إذا لم يكن له مَالٌ آخر تؤخذ الزَّكَاة من عين المرهون بلا خلاف إن كان الواجب من جنس المال، وإنما يكون الخلاف فيما إذا كان من غير جنسه، والفرق أنه إذا كان الواجب من غير جنس الأصل لم يكن متعلقاً بعينه، حكى ذلك عنهما القاضي ابن كجٍّ في أثناء طريقتين بينهما بعض الاختلاف، ثم إذا أخذت الزكاة من غير المرهون، وأيسر المالك الراهن بعد ذلك، فهل يغرم قدر الزكاة ليكون رهناً عند المرتهن.
إن قلنا: الزكاة تتعلق بالذمة فنعم، وإن قلنا: تتعلق بالعين فوجهان: أحدهما: نعم، لانصرافه إلى مصلحة براءة ذمته.
وأظهرهما: لا، لتعلقه بالمال بغير اختياره، وهذان الوجهان بناهما الشيخان أبو محمد والصيدلاني على أن الزكاة المخرجة من مال القرَاض على قولنا: العامل لا يملك الربح إلا بالقسمة معدودة من المؤن، أو هي كطائفة من المال يستردها المَالك، إن قلنا: بالأول لم يجب على الراهن الجبر، وإن قلنا بالثاني فيجب، وليس هذا البناء على التقدير الأول بواضح، فإن مؤنات المرهون على الرَّاهِنِ لا من نفس المَرْهُون بخلاف مؤنه مال القرض، فإنها من الربح، هذا كله فيما إذا لم يملك مالاً آخر، فأما إذا ملك مالاً آخر فالَّذِي قاله الجمهور، أن الزكاة تؤخذ من سائر أمواله، ولا تؤخذ من عين المرهون؛ لأنها من مؤنة المال فأشبهت النفقة، وعن أبي علي الطبري وآخرين: أنا إذا أوجبنا الزكاة في عين المال أخذناها من المرهون وإن ملك مالاً آخر، وهذا هو القياس كما لا يجب على السَّيِّد فداء العَبْد المرهون إذا جنى، وأبدى الإمام من عند نفسه تردداً في المسألة مبنيًا على وجوب الجَبْران في سورة الإِعْسَار إن قلنا: إن المعسر إذا أيسر لزمه الجَبْر وجب على الموسر ابتداء أداء الزكاة من مال آخر وإن قلنا: لا يلزمه الجبر لم يجب.
وقوله في الكتاب: "أخرجت الزكاة من عين المرهون على الأصح" أراد به ما

إذا لم يملك الراهن مالاً آخر دون ما إذا ملك، وإن كان اللفظ مطلقاً، والخلاف في الحالتين ثابت بدليل قوله من بعد: "ثم لو أيسر المالك" ويجوز أن يعلم قوله: "على الأصح" بالواو؛ لأن فيه إثبات الخلاف على الإطلاق، وعلى ما قدمنا روايته عن ابن أبي هريرة وأبي حامد تخرج الزكاة من عين المرهون بلا خلاف في بعض الأحوال، واعلم أن هذه المسألة ليست تفريعاً من حجّة الإسلام على القول الرابع فحسب بخلاف المسائل التي قبل هذه؛ لأنه ذكر الخلاف فيها، ولا يجيء الخلاف فيها إذا أفرد القول الرَّابع بالنظر وهو أن تعلّق الزَّكَاة كتعلّق الأَرْش، وإنما يجئ إذا نظرنا إلى غير هذا القول أيضاً على ما سبق.
وقوله: "يبذل قيمته" أراد في المَواشي فإنها غير مثلية، فأما إذا كان النصاب من جنس المثليَّات كان الجبر بذل المثل على ما هو قاعدة الغَرَامَات، وقد صرح بذلك صاحب "التهذيب" وغيره

-[والله أعلم]-

. قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّانِي زَكَاةُ المُعَشَّرَاتِ وَالنَّظَرُ فِي المَوْجِبَ وَالوَاجِبِ وَوَقْتِ الوُجُوب الطَّرَفُ الأوَّلُ المُوجِبُ وَهُوَ مَقْدَارُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ كُلِّ مُقْتَاتِ (ح م) فِي حَالَةِ الاخْتِيَارَ (م) أنْبَتَتْهُ أَرْضٌ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُسْتَأْجِرَةٌ (ح)، خَرَاجِيَّةٌ (ح) أَوْ غَيْرُ خَرَاجِيَّةٍ إِذَا كَانَ مَالِكُهُ مُعَيِّناً (ح) حُرًّا (ح) مُسْلِماً (ح)، وَلاَ زَكاةَ عَلَى الجَدِيدِ فِي الزَّيْتُونِ وَالوَرْسِ وَالعَسَلِ (ح) وَالزَّعْفَرَانِ وَالعُصْفُرِ، كَمَا لاَ زَكَاةَ فِي الفَوَاكِهِ (ح) وَالخَضْرَوَاتِ، وَلَكِنْ يَجِبُ فِي الأُرْزِ وَالمَاشِ وَالبَاقِلاَّ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَقْوَاتِ، وَالنِّصَابُ مُعْتَبِرٌ وَهُوَ ثَمَانِ مَائَةِ مَنٍّ فَإِنَّ الوَسْقَ سِتُّونَ صَاعاً، وَكُلُّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَكُلُّ مُدٍّ رَطْلٌ وَثُلْثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَالرَّطْلُ مَائَةٌ وَثَلاَثونَ دِرْهَماً، وَالمَنُّ مَائَتَانِ وَسَتُّونَ دِرْهَماً، وَالرَّطْلُ نِصْفُ مَنٍّ وَهُوَ اثْنَتَا عَشْرَةَ أَوْقِيَةً، وَالأُوقِيَّةُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَأَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، وَالدِّرْهَمُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قِيرَاطاً، كُلُّ ذَلِكَ بِالوَزْنِ البَغْدَادِيِّ، فَإِنْ جَعَلْنَا ذَلِكَ تَقْرِيباً لاَ تَحْدِيداً فَلاَ تَسْقُطُ الزَّكَاةُ إِلاَّ بِمِقدَارٍ لَوْ وُزِّعَ عَلَى الأوْسُقِ الخَمْسَةِ لَظَهَرَ النُّقْصَانُ.

القول في زكاة المعشرات

: قال الرافعي: حصر كلام هذا النوع في ثلاثة أطراف في أنه بِمَ يجب؟ وكم يجب؟ ومتى يجب؟ فأما على مَنْ يجب، فعلى ما سبق في النوع الأول، وقد أدرجه في ضبط الموجب هاهنا أيضاً.
أما الطرف الأول فيحتاج فيه إلى معرفة جنس الموجب وقدره وأمور أخر نذكر جميعها في مسائل:

المسألة الأولى: تجب الزكاة في الأَقْوَات وهي من الثِّمَار ثمر النَّخل والكَرْم، ومن الحُبوب الحِنْطَة والشَّعِير والأُرْز 1 والعَدَس 2 والحِمَّص 3 والبَاقِلاَّء 4 والدُّخْن 5 والذُّرَة 6 واللُّوبيَا 7، وتسمى الدُّخْن أيضاً والمَاش 8 والهُرْطُمَان 9. قال أبو القاسم الكرخي: وهو الجُلْبَان والجُلْبَان والخُلَّر واحد فيما ذكر صاحب "الشافي" 10، وروى الأزهري عن أبي الأعرابيّ: أن الخُلَّر هو المَاش، فإن ثبتت المقدمتان فالهُرْطُمَان، والمَاش والخُلَّر والجُلْبَان عبارات عن معبر واحد، ووجه وجوب الزكاة في هذه الأجناس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ الزكاة في كثير منها 11، والحِقَ الباقي به لشمول معنى الاقتيات لجميعها وصلاحها للاقتناء والادخار وعظم المنافع فيها.
وأما ما سوى الأقوات فلم يختلف قول الشَّافعي -رضي الله عنه- في معظمها أنه لا زكاة فيه سواء كان من الثِّمَار أو الحُبُوب أو الخضروات وذلك كالتِّين والسَّفَرْجَل والخُوخ والتُّفَّاح والرُّمَّان وغيرهما وكالقُطْن والكِتَّان والسِّمْسِم والإسبيوش 12 وهو

المعروف ببزر قطوناً والثّفاء 1 وهو حب الرّشَاد والكَمُّون والكُزْبُرَة والبَطِّيخ والقِثَّاء والسَّلْق والجَزَرِ والقُنَّبيط وحبوبها وبذورها، واختلف قوله قديماً وجديداً في أشياء منها الزَّيْتُون فالجديد الصحَيح: أنه لا زكاة فيه كالجُوزِ واللُّوز وسائر الثمار، وأيضاً قد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الصَّدَقَةُ فِي أَرْبَعَةٍ فِي التَّمْرِ والزَّبِيبِ والشَّعِيرِ وَالْحِنْطَةِ، وَلَيْسَ فِيمَا سِوَاهَا صَدَقَةُ" 2. هذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الصَّدَقَة من الذُّرة وغيرها بأمر رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأقوات 3 وتمسكنا به فيما عداها.
قال في القديم: تجب الزَّكَاة في الزيتون، لما روي عن عمر -رضي الله عنه- وغيره؛ أن "فِي الزَّيْتُون الْعُشْر" 4. وبه قال مالك -رحمه الله -تعالى فعلى هذا وقت الوجوب بدو الصَّلاح فيه وهو نضجه واسوداده، ويعتبر النصاب كما في الرُّطَب والعِنَب، هكذا قاله الجمهور، وحكى القاضي ابن كجٍّ أن ابن القَطَّان خرج اعتبار النِّصَاب فيه، وفي جميع ما يختص القديم بإيجاب الزكاة فيه على قولين، ثم إنْ كان الزَّيْتُون مِمَّا لا يجيء منه الزَّيت كالبَغْدَادي أخرج عشرة زيتوناً، وإن كان مما يجيء منه الزيت كالشَّامي فعن ابن المَرُزَبَان حكاية وجهين في جوز إخراج الزيتون.
وجه المنع: أن نهاية أمره الزَّيْت فيتعيَّن الإخراج، كالتمر مع الرّطب.
والصحيح عند المعظم وهو نصه في القديم: جواز إخراج الزيتون، لإمكان ادخاره ولو أخرج الزيت فهو أولى، وروى إمام الحرمين وجهاً آخر: أنه يتعين إخراج الزَّيْتون، وعلل بأن النصاب يعتبر فيه دون الزَّيْت بالاتفاق.
ومنها الوَرْسُ 5 والزَّعْفَران والورس شجر يخرج شيئاً كالزَّعْفَران فلا زكاة فيهما على الجديد لما سبق.
ونقل عن القديم: أنه يجب فيه الزكاة إن صح حديث أبي بكر -رضي الله عنه-

وهو ما روي أنه كتب إلى بني خفاش: "أَنْ أَدُّوا زَكاةَ الذُّرَةِ وَالْوَرْسِ" 1. ثم قال في القديم: من قال في الوَرْس العشر يحتمل أن يقول بمثله في الزَّعْفَرَان لاشتراكهما في المنفعة والفائدة، ويحتمل أن لا يوجب فيه شيئاً؛ لأن الوَرْسَ ثمرة شجرة لها ساق والزعفران نبات كالخضروات.
فقال الصَّيدلاني وغيره: له في الوَرْس قولان في القديم: لأنه مِثْل، وعلق بثبوت حديث أبي بكر -رضي الله عنه- والزعفران باتفاق الأصحاب مرتب على الوَرْس إن لم تجب فيه ففي الزعفران أولى، وإن وجب ففي الزعفران قولان، وإن أوجبنا فيهما الزكاة ففي اعتبار النصاب ما سبق من الخلاف، والأكثرون على عدم الاعتبار هاهنا؛ لأن الأثر الوارد مطلق، والغالب أنه لا يحصل الواحد منهما قدر النصاب، فدل أنه كان يؤخذ من القليل والكثير.
ومنها العَسَل، فالجديد أنه كما سبق، وبه قال مالك لما روى أن معاذاً لم يأخذ زكاة العَسَل 2، وقال: "لَم يَأمُرْنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِيهِ بِشَيْءِ".
وعن علي 3، وابن عمر 4 -رضي الله عنهم-: "أنَّهُ لاَ زَكَاةَ فِيهِ".
وعن أبي إسحاق أن الشافعي -رضي الله عنه- علق القول فيه في القديم لما روي أن أبا بكر -رضي الله عنه-: "كَانَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْهُ".
وروى فيه الخبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 5 أيضاً.
فإن قلنا بالوجوب فاعتبار النِّصَاب فيه كما سبق 6، ومذهب أحمد وجوب الزكاة فيه.
وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا أخذه من غير أرض الخراج، وذهب الشيخ أبو حامد وغيره إلى أنه قطع القول بنفي الزكاة فيه قديماً وجديداً، فيحصل فيه طريقان 7:

ومنها: حَبّ العُصْفُر وهو القُرْطُم 1، فالجديد كما سبق، والقديم وجوب الزكاة فيه، لما روي أن أبا بكر -رضي الله عنه-: "كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ" 2. فعلى هذا الظَّاهر اعتبار النِّصَاب فيه، كما في سائر الحُبُوب، والعُصْفُر نفسه هل يجري فيه الخلاف؟ قال أبو القاسم الكرخِيُّ: لا، والخلاف في الحَبِّ، وأجرى القاضي ابن كج الخلاف فيه، وفي الحب ويمكن تشبيهه بالوَرْسِ والزَّعْفَرَانِ.
ومنها: التِّرْمس 3 وهو فيما ذكره الصَّيْدَلاَني وصاحب "التهذيب" شبيه بِالبَاقِلاً، لكنه أصغر منه.
وقيل: هو شبيه باللُّوبيَا ولا زكاة فيه على الجديد؛ لأنه لا يقتات إنما يؤكل تَداوياً يقال: إنه يهيج البَاءَة، وحكى العراقيون عن القديم: أنه يجب فيه الزكاة لشبهة بالبَاقِلاَّ واللُّوبِيَا.
حب 4 الفُول، حكى القاضي ابن كج وجوب الزكاة فيه على القديم، ولم أر هذا النقل لغيره وليس في الفرق بينه وبين حبوب سائر البقول معنى معقول.
المسألة الثانية: لا يكفي في وجوب الكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر أن يفتات في حالة الاختيار وقد يقتات الشيء للضرورة، فلا زكاة فيه، ومثله الشَّافعي -رضي الله عنه- بالغثِّ وحب الحَنْظَل وسائر البذور البريّة وشبهها بالظِّبَاء وبقر الوَحْش لا زكاة فيهما؛ لأن الآدميين لا يَسْتَبِيحُونَها ولا يتعهدونها، كذلك هذه الحبوب.
واختلفوا في تفسير الغثّ 5، فعن المزنِيِّ وطائفة: أنه حب الغَاسُول وهو

الأَشْنَان؛ ولأنه إذا أدرك وتناهى نُضْجُه حصلت فيه مَرَارَة وحُمُوضَة، وربما اقْتَاتها المضطرون.
وقال آخرون: إنه حَبٌّ أسود يابس يدفن حتى تلين قشرفه ثم يزال قشره ويطحن ويخبز ويقتاته أعراب "طيء" واعلم أن الأئمة ضبطوا ما يجب العشر فيه بوصفين.
أحدهما: أن يكون قوتاً.
والثَّاني: أن يستنبته الآدميون أي يكون من ذلك الجنس.
وقالوا: إن فقد الأول كما في الإسبيوش 1. والثاني كما في الفثّ أو كلاهما كما في الثّفَاء فلا زكاة، وإنما يحتاج إلى الوصف الثاني من لم يتعرض لكونه مقتاتاً في حال الاختيار بل أطلق الاقتيات، فأما من تعرض لذلك فهو غني عن ذكر الوصف الثَّاني إذ ليس فيهما لا يستنبت، أي شيء يقتات اختياراً، واعتبر العراقيون مع هذين الوصفين وصفين آخرين: أحدهما: أن يدَّخر.
والثاني: أن ييبس ولا حاجة إليهما، فإنهما لازمان لكل مقتات مستنبت.
المسألة الثالثة: النصاب معتبر في المعشرات، وهو قدر خمسة أَوْسُق.
وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجب العشر في القليل والكثير، لكن له أن يفرق بنفسه فيما دون خمسة أوسق، فإذا بلغها دفع إلى الإمام.
لنا ما روي أبو سعيد الخدرى -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" 2. الْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعاً 3 [وقد نقل ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من رواية جابر وغيره، والصَّاع أربعة أمداد والمدّ: رطل وثلث فيكون المد ثلثي مَنّ] 4 والصَّاع: خمسة أرطال وثلث رطل، وهي مَنَوَان وثلثا مَنٍّ، ويكون الوَسْق الواحد مائة وستين مَنًّا، وجملة = بالبادية يشبه الشعير له رأسان يقتات في الحدث.
وهذا أشبه بكلام الشافعي، إليه يشير كلام الأزهري].

الأَوْسُق الخمسة ثلاثمائة منّ، وهذا بالمنِّ الصغير وبالكبير -أعني- الذي وزنه ستمائة درهم يكون ثلثمائة مَنٍّ وستة وأربعين منًّا، وثلثي مَنٍّ، وهل يعتبر القدر المذكور تقريباً أم تحديداً؟ فيه وجهان: أحدهما: وهو الذي ذكره الصيدلاني تقريباً؛ لأن الوَسْق عبارة عن حمل بعير، وذلك قد يزيد وينقص، وإنما قدر بستين صاعاً تقريباً، وأخذاً بالوسط.
وأصحهما عند المحاملي والأكثرين: أنه تحديد، لما روي عن عائشة -رضي الله عنه- أنها قالت: "جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" 1. ولأن نصاب المواشي وغيرها معتبر على التحديد، فكذلك هاهنا، فإن قلنا الأول احتمل نقصان القدر القليل كالرطل والرطلين، وحاول إمام الحرمين 2 ضبطه، فقال: الأوساق هي الأَوْقَار، والوَقر المقتصد مائة وستون مَنًّا، فكل نقصان لو زرع على الأَوْسُق الخمسة لم تعدّ منحطة عن حد الاعتدال، فلا يضر، وإن عدت منحطّة عن حد الاعتدال لم يحتمل، وإنْ أشكل الأمر فيجوز أن يقال: لا زكاة إلى أن تتحقق الكثرة، ويجوز أن يقال: يجب لبقاء الأوسق، وتعليق الزكاة بها في الخبر الذي رويناه قال: وهذا أظهر، ثم جرى في أثناء كلامه أن الاعتبار فيما علَّقه الشَّارع بالصَّاع والمدّ بمقدار موزون يضاف إلى الصَّاع، والمدّ لا بما يحوي البُرّ ونحوه وذكر القاضي الرويانيُّ وغيره: أن الاعتبار بالكيل لا بالوزن.
قال أبو العباس الجرجاني: إلا العَسَلَ إذا أوجبنا الزكاة فيه فالاعتبار فيه بالأَرْطَال؛ لأنه لا يكال وهذا هو الصحيح، وسيأتي شواهده ومنها قوله في المختصر: "مكيلة زكاة الفطر" هذه الترجمة تشعر بأن المعتبر الكيل، وعلى هذا توسط في "العدة" بين وجهي التقريب والتحديد، فقال: هو على التحديد في الكيل، وعلى التقريب في الوزن، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهاراً 3.

المسألة الرابعة: لا فرق بين ما تنبته الأرض المملوكة، وما تملكه الأرض المكتراة في وجوب العشر، ويجتمع على المكتري العشر والأجرة كما لو اكترى حانوتاً للتجارة يجب عليه الأجرة وزكاة التجارة جميعاً، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- العشر على المكري؛ لأن العشر عنده حق الأرض، وعلى هذا الأصل يبنى الخلاف في اجتماع العشر والخراج، فعندنا هما يجتمعان، وعنده لا عشر فيما تنبته الأَرْضُ الخراجية.
لنا: أْنهما حقان وجبا بسببين مختلفين فلا يمنع أحدهما الآخر كالقيمة والجزاء في الصَّيد المملوك، ثم قال الأصحاب: وإنما تكون الأرض خراجية في صورتين: أحدهما: أن يفتح الإمام بلدة قهراً ويقسمها بين الغانمين ثم يبدلهم عنها، ويقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجاً، كما فعل عمر -رضي الله عنه- بسواد العِرَاق على الصَّحيح 1 وفيه لابن سريج: خلاف مذكور في موضعه.
والأخرى: أن يفتح بلدة صلحاً على أن تكون الأراضي للمسلمين ويسكنها الكفار بخراج معلوم، فالأراضي فيّ للمسلمين والخراج عليها أجرة لا يسقط بإسلامهم، وكذا لو انجلى الكفار عن بلدة، وقلنا: إن الأراضي تفسير وقفًا على مصالح المسلمين = وسيأتي في إيضاحه زيادة في زكاة الفطر -إن شاء الله تعالى-، وهناك نذكر الخلاف في قدر رطل "بغداد"، والأصح: أنه مائة وثمانية وعشرون درهماً، وأربعة أسباع درهم.
فعلى هذا الأسق الخمسة بالرطل الدمشقي: ثلاثمائة واثنان وأربعون رطلاً ونصف رطل وثلث رطل وسبعاً أوقية وعبر عنه في "المنهاج" بأخصر من هذا فقال: ثلاثمائة واثنان وأربعون وستة أسباع رطل، فإن ستة أسباع رطل هي نصفه وثلثه وسبعا أوقية منه، لأن نصفه ستة أواق وثلثه أربعة أواق، ثم يأخذ من ثلثه وهو الأوقيتان الناقصتان سبعة وهو سبعا أوقية، فيبقى منه أوقية وخمسة أسباع أوقية وذلك سبع رطل، وهو الباقي بعد الستة أسباع المذكور في الروضة؛ لأن كل منع رطل أوقية وخمسة أسباع أوقية، وهذا قاله بناء على اختياره رطل بغداد من أنه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم، فيكون على هذا مجموع الألف والستمائة رطل مائتي ألف درهم وخمسة آلاف درهم وسبعمائة درهم وأربعة عشرة درهماً وسبعا درهم وذلك ثلاثمائة رطل واثنان وأربعون رطلاً وستة أسباع رطل بالدمشقي، لأن رطل دمشق ستمائة درهم فكل مائة رطل ستون ألف درهم، فثلاثمائة رطل مائة وثمانون ألف درهم كل عشرة أرطال ستة آلاف درهم وأربعون رطلاً، أربعة وعشرون ألف درهم والرطلان ألف ومائتا درهم، وستة أسباع رطل خمسمائة درهم، وأربعة وعشرون درهماً وسبعان، فإن الأوقية خمسون درهماً وسبعاها أربعة عشر درهماً وسبعان.
وأما الرافعي فلم يتعرض في شيء من كتبه لمقدارها بالدمشقي.
(قاله الزركشي في الخادم).
قال في المهمات: ما صححه هنا من كونه تحديداً.
قد صح عكسه في شرحه صحيح مسلم وفي كتاب الطهارة من شرح المهذب في الكلام على القلتين.

فيضرب عليها خراج يؤديه مَنْ يسكنها مسلماً كان أو ذمياً، فأما إذا فتحت بلدة صلحاً، ولم يشترط كون الأراضي للمسلمين، ولكن مكثوا فيها بخراج فهذا يسقط بالإسلام فإنه جزية، وعند أبي حنيفة لا يسقط، والبلاد التي فتحت قهراً وقسمت بين الغانمين واستبقيت في أيديهم، وكذا الذي أسلم أهلها عليها، والأراضي التي أحياها المسلمون عشرية محضة، وأخذ الخراج منها ظلم.
فرع: النَّواحي التي يؤخذ الخَرَاج منها، ولا يعرف كيف كان حالها في الأصل، حكى الشيخ أبو حامد عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه يستدام الأخذ منها، فإنه يجوز أن يكون الذي افتتحها صنع بها ما صنع عمر -رضي الله عنه- بسواد العراق، والظاهر: أن ما جرى طول الدَّهْر جرى بحق.
فإن قيل: فهل يثبت فيها حكم أراضي السواد من امتناع البيع والرهن؟ قيل: يجوز أن يقال الظاهر في الأخذ كونه حقاً، وفي الاْيدي الملك فلا نترل واحداً من الظاهرين إلا بيقين ولهذا نظائر.
فرع: الخراج المأخوذ ظلماً لا يقوم مقام العشر، فإن أخذ السُّلْطان على أن يكون بدلاً عن العشر فهذا كأخذ القيمة في الزَّكَاة بالاجتهاد، وقد حكوا في سقوط الفرض به وجهين، الذي ذكره في "التتمة" أنه يسقط، فإن لم يبلغ ذلك قدر العشر أخرج الباقي.
وفي "النهاية" أن بعض المصنفين حكى قريباً من هذا عن أَبِي زيد المروزي واستبعده 1. ونعود بعد هذا إلى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "وهو مقدار خمسة أوْسق" معلم بالحاء؛ لأن عنده لا حاجة إلى التَّقييد بهذا المقدار.
وقوله: "في كل مقتات" بالحاء والميم والألف؛ لأن عندهم لا يتقيد الوجوب بالأقوات، بل عند أبي حنيفة يجب في جميع الثمار والخضروات والحبوب التي تنبتها الآدميون إلا الحَشِيش والقَصَب والحَطَب.
وعند مالك يجب في كل ما تعظم منفعته ويدخر كالسِّمْسم، وبذر الكِتَّان، والقُطْن.
وعند أحمد يجب في جميع الثمار والحبوب التي تكال وتدخر سواء النابت بنفسه والمستنبت.
وقوله: "في حال الاختيار" يحصل به الاحتراز عن "الغثّ" وغيره مما يقتات عند الضَّرورة، وذكر في "الوسيط" أنه احترز به عن الثّفَاء والتِّرْمِس، فإن العرب تَقْتاته في حالة الاضْطِرار، وأورد الإمام نحواً من ذلك، والذي قاله الجمهور في الثّفَاء والتِّرْمِس ما قدمنا ولم يجعلوهما مما يُقْتات، وعدّ الأزهري كليهما مما لا يقتات والله أعلم.

وقوله: "أو مستأجره" وكذا قوله: "خراجية" مرقومان بالحاء؛ لأن عنده لا يجب العشر على مالك الأوسق الخمسة المرفوعة منهما.
وقوله: "إذا كان مالكه معيناً" احترز به عن ثمار البستان وغَلّة الضّيعة الموقوفين على المَسَاجد، والرّبَاطَات والقَنَاطِرِ والفُقَراء والمَسَاكين، فلا زكاة فيها إذ ليس لها مالك معين، ويجوز أن يعلّم بالواو؛ لأن صاحب "البيان" حكى أن ابن المنذر روي عن الشَّافعي -رضي الله عنه- وجوب الزكاة فيها، وإليه ذهب أبو حنيفة بناء على ما سبق أن العشر حق الأرض، وأوجبه على المُكَاتب والذمي أيضاً، فليكن قوله: "معيناً حراً مسلماً" مُعَلَّماً جميعها بالحاء، فأما إذا كان الوَاقِف على جماعة معينين فقد كتبناه في "باب الخلْطَة" 1. وقوله: "فلا زكاة على الجديد في الزيتون... " إلى قوله: "والعُصْفر"، لتكن جميعها مُعَلّماً بالحاء، وكذا قوله: "كما لا زكاة في الفواكه لما قدمنا والزيتون" بالميم أيضاً، "والعَسَل" بالألف أيضاً لما مضى.
ولك أن تُعَلّم قوله: "على الجديد" بالواو؛ لأنه يقتضي إثبات القولين في الأشياء المذكورة من الزيتون إلى العُصْفُر، وقد ذكرنا في العَسَل طريقة نافية للخلاف، بل حكى القاضي ابن كَجٍّ فيما سوى الزيتون طريقة نافية للخلاف قاطعة بالوجوب، وفي جريان الخلاف في العُصْفُر أيضاً كلام قد تقدم.
وقوله: "النِّصاب معتبر"، وتعاد العلامة عليه بالحاء، وقد وقع التعرض له في أول الكلام حيث قال: "وهو مقدار خمسة أَوْسُق" لكن القصد ذكر هذا الموضع، وإن اعترض ذكره ثم؛ لأنه حاول استيعاب الأمور التي عندها يثبت الوجوب.
وقوله: "فإن جعلنا هذا تقريباً لا تحديداً" يتضمن بيان الخلاف كما يصرح بتفريع التقريب.
قال الغزالي: ثُمَّ هَذِهِ الأَوْسُقُ تُعْتَبَر تَمْراً أَوْ زَبِيباً، وَفِي الحُبُوبِ مُنَقَّى عَنِ القِشْر إلاَّ فِيمَا يَطْحَنُ مَعَ قِشْرِهِ كَالذُّرَةِ، وَمَا لاَ يُتَتَمَّرُ يُوسَقُ رُطباً (و) قال الرافعي: غرض الفصل بيان الحالة الّتي يعتبر فيها بلوغ المعشر خمسة أوسق.
فأما في ثمر النَّخيل والكرم فيعتبر بلوغه هذا المقدار تَمْراً وزبيباً لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-

قال: "لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" 1. اعتبر الأوسق من التمر.
وعن أحمد رواية أنه يعتبر الأوسق رطباً ويؤخذ عشرة يابساً، والأصح عنه مثل مذهبنا، فإن كان له رطب لا يتخذ منه تمر، ففي كيفية اعتبار النِّصَاب فيه وجهان: أظهرهما: أنه يوسق رطباَ؛ لأنه ليس له حالة جفاف وَرُطُوبته أكمل أحواله فلا ينظر إلا إليها.
والثاني: أنه يعتبر حالة الجَفَاف كما في سائر الأنواع، وعلى هذا فالاعتبار بنفسه أم بغيره؟ فيه وجهان: أحدهما: بنفسه، فيعتبر بلوغ يابسه نصاباً، وإن كان حَشَفاً قليل الخير.
والثاني: أنه يعتبر بأقرب الأرْطَاب إليه.
فيقال: لو كان بدله ذلك النَّوْع الَّذِي تجفف، هل كان يبلغ ثمره نصاباً؟ لأنه لما لم يمكن اعتباره بنفسه اعتبر بغيره كالجناية على الحُرِّ إذا لم يكن لها أَرْشُ مقدر، وهذا إذا كان يجئ منه تمر وإن كان حشفاً رديئاً، فأما إذا كان يفسد بالكُلِيّة لم يجيء فيه الوجه الثاني، ولفظ الكتاب إلى هذا أقرب؛ فإنه قال: "وما لا يتتمر" ولم يقل: وما لا يتمر، وكيف ما كان فقوله: "بوسق رطباً" معلم بالواو والعِنَب الَّذِي لا يتزيب كالرُّطَب الذي لا يتتمّر ولا خلاف في ضم ما لا يجفف منهما إلى ما يجفف في إكمال النِّصَاب.
قال في "التهذيب": ثم في أخذ الواجب من الذي لا يجفف إشكال ستعرفه، ووجه الخلاص فيه في مسألة إصابة النخيل العطش إن شاء الله تعالى جده، وأما الحبوب فيعتبر بلوغها نصاباً بعد التصفية من التَّبْن والإخراج من السَّنَابل، ثم قشورها على ثلاثة أضراب: أحدها: قِشْر لا يدْخر الحب فيه ولا يؤكل معه فهو كالتَّبْن المَحْض ولا يدخل في النصاب.
والثاني: قِشْر يدخر الحب فيه ويؤكل معه كالذرة تطحن وتؤكل مع قشرها غالباً فيؤخذ ذلك القشر في الحساب فإنه طعام، وإن كان قد يزال تنعُّماً كما تقشر الحِنطة فتجعل حَواري، وهل يدخل في الحساب القشرة السفلى من البَاقِلا، حكوا فيه وجهين: قال في "العدة": المذهب أنه لا تدخل؛ لأنها غليظة غير مقصودة.
والثالث: قشر يدخل الحب فيه ولا يؤكل معه فلا يدخل في حساب النصاب

ولكن يؤخذ الواجب فيه، وهذا كما في العَلسْ والأُرْز، أما العَلَسْ فقد قال الشافعي -رضي الله عنه- في "الأم": إنه بعد الدِّيَاسة يبقى على كل حَبَّتَيْن منه كمام لا يزول إلا بالرَّحَى الخفيفة أو بالمِهْرَاس وادخاره على ما ذكره أهله في ذلك الكِمَامِ أصلح له، وإذا أزيل كان الصَّافي نصف المبلغ فلا يكلف صاحبه إزالة ذلك الكِمَام عنه، ويعتبر بلوغه بعد الدِّيَاس عشرة أوسق، ليكون الصافي منه خمسة أوسق.
وأما الأرز فيدخر أيضاً مع قشره، فإنه أبقى له فيعتبر بلوغه مع القشر عشرة أوسق.
وعن الشيخ أبي حامد أنه قد يخرج منه الثلث فيعتبر بلوغه قدراً يكون الخارج منه نصاباً.
قال الغزالي: وَلا يُكْمَلُ نِصَابُ جِنْس بِجِنْس آخَرَ (م)، وَيُكْمَلُ العَلَسُ بِالحِنْطَةِ فإنَّهُ حِنْطَةٌ حَبتَانِ مِنْهُ فِي كِمَاِمٍ وَاحِدٍ وَالسَّلْتُ قِيلَ: إنَّهُ يُضَمُّ إلَى الشَّعِيرِ لِصُورَتهِ، وَقِيلَ يُضَمُّ إلَى الحِنْطَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى طَبْعِهَا، وَقِيل: هُوَ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ.
قال الرافعي: لا يضم التَّمر إلى الزبيب في تكميل النّصاب، ويضم أنواع التمر بعضها إلى بعض، وكذلك أنواع الزبيب، ولا تضم أيضاً الحِنْطَة إلى الشَّعير ولا سائر أجناس الحبوب بعضها إلى بعض خلافاً لمالك حيث قال: تضم الحِنْطَة إلى الشَّعير، وتضم القُطْنِيَّة بعضها إلى بعض، ولا يُضَمَّان إلى القطْنِية، ولأحمد حيث قال: يُضَم أحدهما إلى الآخر، وَيُضَمَّان إلى القُطْنية أيضاً، والقطنية هي العَدْس والحِمِّص ونحوها، سميت بذلك لقُطُونها في البيوت.
لنا أن كل واحد من أصناف الحبوب منفرد باسم خاصٍّ وطبع خاص لا يضم بعضها إلى بعض كما لا يضم الزَّبِيب إلى التمر، ويضم العَلَسْ إلى الحِنْطة فإنه نوع من الحِنْطة، وإذا نحيت الأكْمَة التي يحوي الواحد منها حبتين خرجت الحِنْطة الصافية، وقبل التَّنحية لو كان له وَسْقاً علس وأربعة أوسق من الحِنْطة فقد تم النصاب، ولو كان له ثلاثة أوسق من الحنطة فإنما يتم النصاب بأربعة أوسق من العَلَسْ وعلى هذا القياس.
وأما السُّلْت فقد اختلفوا في وصفه أولاً فذكر العراقيون أنه حب يشبه الحِنْطة في اللّون والنُّعُومة والشَّعير في برودة الطَّبع، وتابعهم في "التهذيب" على ما ذكروا، وعكس الصَّيدلاني وآخرون فقالوا: إنه في صورة الشَّعير وطبعه حَارٌّ كالحِنْطَة 1، وهذا ما ذكره

في الكتاب، وكيف ما كان فله شبه من الحِنْطة وشبه من الشعير، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يضم إلى الشَّعير لما له من شبهه، ويحكى هذا عن صاحب "الإفصاح"، وصاحب "التقريب" وبه أجاب أقضى القضاة المَاوِرْدِي في "الأَحْكَام السُّلْطَانية".
وثانيها: أنه يضم إلى الحِنْطَة لما له من شبهها.
وأظهرها: وهو اخْتيار القَفَّال فيما حكى الصَّيدَلاَنِيّ: أنه أصل بنفسه لا يضم إلى واحد منهما؛ لأنه اكتسب من تركُّب الشبهين طبعاً ينفرد به، وصار أصلاً برأسه، وهذا ما حكاه القاضي أَبو الطَّيِّب عن نصه في البُوِيطي.
ولك أن تعلِّم قوله: "يضم إلى الحنطة" لأنه على طبعها بالواو، لأن أبا سعيد المتولي قال: لا خلاف في أنه لا يضم إلى الحِنْطة، والخلاف في أنه أصل بنفسه أو يضم إلى الشعير، وقد وصف واصفون السُّلْت بأن فيه حُمُوضة يسيرة، لكنه ليس بالذي يسمى بالفَارِسِيّة "ترش جو" فإنه شعير على التَّحقيق، ذكره الإمام، قال: وما عندي أن السُّلْت المذكور في الكتب موجود في هذه الديار.
قال الغزالي: وَلاَ يُكْمِلُ مِلْكُ رَجُلٍ بمِلْكِ غيْرِهِ إِلاَّ الشَّرِيكَ وَالجَارَ إِذَا جَعَلْنَا لِلخُلْطَةِ فِيهِ أَثَرَاً.
قال الرافعي: ذكرنا في "باب الخلطة" الخلاف في أن الخَلْطَة هل تثبت في الثمار والزروع أم لا؟ وإن ثَبَتَتْ فهل تثبت الخلْطَتان أو لا تثبت إلا خلطة الشُّيُوع؟ والظاهر ثبوتهما جميعاً، فإن قلنا: لا تثبتان فلا يكمل مِلْك رجل بِمِلْك غيره في حق النّصاب، وإن قلنا: تثبتان فيكمل ملك الرجل بملك الشريك والجار، ومما يتفرع على هذا الاختلاف: لو مات إنسان وخلف ورثة ونخيلاً مثمرة أو غير مثمرة، وبَدَا الصَّلاحَ في الحالتين في ملك الورثة إن قلنا: لا تثبت الخلطة في الثمار فحكم واحد منهم منقطع من غيره، فمن بلغ نصيبه نصاباً فعليه الزَّكَاة، ومن لم يبلغ نصيبه نصاباً فلا شيء عليه، ولا فرق بين أن يَقْتَسِمُوا أَو لاَ يقتسموا، وإن قلنا: تثبت الخلطة فقد قال الشَّافعي -رضي الله عنه- إن اقتسموا قبل بدو الصلاح سقط حكم الخلطة، وزكوا زكاة الانفراد، فمن لم يبلغ نصيبه نصاباً فلا شيء عليه، وهذا إذا لم تثبت خلطة الجوار أو أثبتناها وكانت متباعدة.
= إلى الحنطة، والخلاف في أنه أصل بنفسه أو يضم في الشعير.
الثالث: عن رواية القاضي أبي الطيب عن نص البويطي تابع فيه ابن الصباغ لكن في تعليقه أبي علي الطبراني أن الشافعي قال: يضم الثلث إلى الشعير، لأنهما جنس واحد، ولهذا قال صاحب الوافي، الأولى أن يكون في المسألة قولان.

جارٍ التحميل