العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 143-171

كِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍ

صفحات 143-171

هُنَاكَ، وَقَد اقْتَصَرَ، هاهنا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، فأعْلِمْ قَوْلَهُ: (ولا خمس) بالواو.
واعْلَم: أنه لو قدم هذه المسألة على الفَصْل السَّابق على هذا أو أَخَّرَها عَنِ الْفَصْل التالي له لكان أَلْيَقَ لتنظم المَسَائِلُ المتعلِّقَةُ بِمَكَانِ الرَّكَازِ فِي سِلْكٍ وَاحِدِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَ البَائِعُ وَالْمُشْتَرِيَ وَالمُعِيرُ وَالمُسْتعِيرُ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا دَفَنْتُ الرّكَازَ فَالّقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ اليَدِ، فَلَوْ قَالَ المُكْرِي بَعْدَ رُجُوعِ الدَّارِ إلَيْهِ: كُنْتُ دَفَنْتُهُ قَبْلَ الإِجَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُسْتَأجِر عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُمَا تَوَافَقَا عَلَى أنَّهُ كَانَ فِي يده.
قال الرافعي: إذا تَنَازَعَ بَائِعُ الدَّارِ وَمُشْتَرِيهَا فِي الرَّكَازِ الَّذِي وُجِدَ فِيهَا، فقال المُشْتَرِي: هُوَ لِي وَأَنَا دَفَنْتُهُ، وَقَالَ البَائِعُ مَثَلَ ذَلِكَ، أو قال مَلكْتُهُ بالإحْيَاءِ أو تنازع المُعِيرُ وَالمُسْتَعِيرُ أو المُكْتَرِي وَالْمُكْرِي، هَكَذَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِي، وَالمُسْتَعِيرِ وَالْمُكْتَرِي مَعَ أَيْمَانِهِم، لأن اليَدَ لَهُمْ فَصَارَ كَمَا لَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي مَتَاعِ الدَّارِ، وهَذَا إِذَا احتمل أنْ يَكوَن صَاحِبُ اليَدِ صَادِقاً فِيمَا يَقُول، ولو عَلَى بُعْدٍ.
فأما إِذَا انتفى الاحْتِمَالُ لَأَنَّ مِثْلَهُ لاَ يُمْكَن دَفْنُهُ فِي مُدَّة يَدِهِ فَلاَ يُصَدَّق صَاحِبُ اليَدِ، ولو فُرِضَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْمُكْرِي وَالمُكْتَرِي أَوِ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ بَعْدَ رُجُوعِ الدَّارِ إِلَى يَدِ الْمَالِكِ فَإِنْ قَالَ المُكْرِي أَوِ الْمُعِيرُ: أَنَا دَفَنْتُهُ بَعْدَ مَا رَجَعَتِ الدَّارُ إلى يَدي، فَالْقَوْلُ قوله بِشَرْطِ الإِمْكَانِ، ولو قال: دَفَنْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّارِ عَنْ يَدِي ففيه وجهان لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أحدهما: أن القولَ قَوْلُه أيضاً؛ لأنه صَاحِبُ الدَّارِ الآن.
وأظهرهما: عند الإمَام أنَّ القَوْلَ قَوْلُ المُكْتَرِي وَالْمُسْتَعِيرِ؛ لأن المالك قد سلم له اليد، وحصول الكَنْزِ فِي يَدِهِ، وَبيَدُهُ تَنْسَخُ اليَدَ السَّابِقَةَ؛ ولهذا لو تَنَازَعَ قبل الرُّجوع، كَانَ القَوْلُ قَولَه: وقوله في الكتاب: (فالقول قَولُ صَاحِب اليَدِ) مُعَلَّم بِالزَّايِ؛ لأن الشَّيْخَ أَبَا عَلِيّ وآخرين نَقَلُوا عَنِ المُزَنِي أن القولَ قولُ المَالِكِ اتباعاً لِمَا فِي الأَرْضِ.
وقوله: (فالقولُ قولُ المُسْتأْجِرِ) معلم به أيضاً.
قال الغزالي: فَرْعٌ إِذَا وَجَدَ مَائَةَ دِرْهَمٍ وَفِي مِلْكِهِ نِصَابٌ مِنَ النَّقْدِ تَمَّ عَلَيْهِ الحَوْلُ وَجَبَ خُمْس الرَّكَازِ إذَا كمُلَ بِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَا فِي مِلْكِهِ دُونَ النّصَابِ أَوْ قَبْلَ تَمَامِ الحَوْلِ فَفِي التَّكْمِيلِ خِلاَفٌ.
= الحال، وإن كان ماله غائباً، أو مدفوناً، أو غنيمة، والركاز ناقص، لم يخمس حتى يعلم سلامة ماله، فحينئذ بخمس الركاز الناقص عن النصاب، سواء بقي المال، أو تلف إذا علم وجوده يوم حصل الركاز ينظر الروضة (2/ 152).

قال الرافعي: هذا مفرع على اعْتِبَار النِّصَاب فِي الرَّكَازِ والفَرْضُ أَنَّا وإن اعتَبَرنَاهُ، فَلاَ نَشْتَرِط أن يكونَ الموجودُ نِصَاباً، بل يكمل ذَلِكَ بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ المَوْجُودِ، وفيه من التَّفْصِيلِ والخِلاَفِ مَا سَبَقَ فِي المَعْدِنِ، فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الإِعَادَةِ، وقد نَصَّ حَجَّة الإِسْلاَم -رحمه الله- على حِكَايَة الْخِلاَف هاهنا، وجَمَعَ بين مَا إِذَا لَمْ تَجِب الزَّكَاةُ فيما عِنْدَه لِعَدَم تَمَام الحَوْلِ وَمَا إِذَا لَمْ تَجِب لِعَدَم بُلُوغِهِ نَصاباً، وهناك اقْتَصَرَ عَلَى ظَاهِرِ المَذْهَبِ وَاَلصُّورَةِ الأُولَى.

القَوْلُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ:

قال الغزالي: النَّوْعُ السَّادِسُ زَكَاةُ الفِطْرِ، وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيلَة العِيدِ فِي قَوْلٍ، وَبِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ العِيدِ فِي قَوْلٍ، وَبِمَجْمُوعِ الوَقْتَيْنِ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ، وَعَلَى الثَّالِثِ لَوْ زَالَ المِلْكُ فِي وَسَطِ اللَّيلِ وَعَادَ فِي اللَّيلِ فَفِي الفِطْرَةِ وَجْهَانِ، وَعَلَى الأَوَّلِ إِذَا مَلَكَ عَبْداً أَوْ وُلِدَ لَهُ بَعدَ الغُرُوبِ بِلَحْظَةٍ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الغُرُوبِ بِلَحْظَةٍ فَلاَ زَكَاةَ.
قال الرافعي: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، عَلَى النَّاسِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ" 1. وعن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، طهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطَعْمَةً لِلْمَسَاكِينَ" 2. اعلم أن زكاة الفِطْر وَاجِبَةٌ، وقال بعضُ النَّاسِ: إِنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وبه قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بنُ اللَّبَّانِ الفرضي من أصحابنا 3 فيما رواه صاحِبُ "الشَّامِلِ"، ولا فرق عندنا بين الواجب والفريضة.
وقال أبو حَنِيفة -رحمه الله- هي وَاجِبَةٌ، وليست بِفَرِيضَةٍ.
وفي وقت وجوبها ثلاثة أقوال: أصحها -وهو الجديد، وبه قَالَ أَحْمَد-: أن وقتها غروب الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ.
واحتَجُّوا له بأَنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى الفِطْرِ، وقد قال ابن عمر -رضي الله عنهما- زَكَاةُ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وحينئذٍ يكُون الفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ.

والثاني -وهو القديم، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أن وقتَها طلوعُ الفَجْرِ يومَ العِيدِ؛ لأنَّهَا قُرْبة مُتَعَلَّقَةٌ بِالْعِيدِ فلا يتقدم وَقْتُهَا عَلَى الْعِيدِ كَالأُضْحِيَةِ 1. وعن مالك روايتان كالقولين: والثَّالِثُ: أنها تجب بمجموع الوقتين لِتَعَلُّقِهَا بِالْفِطْرِ والعِيْدِ جَمِيعاً 2. قال الصَّيْدَلاِنِي: وهذا القولُ خَرَّجَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، واسْتَنْكَرَهُ الأَصْحَابُ.
التفريع: لو نَكَحَ امْرَأَة أو مَلَكَ عَبْدًا أو أَسْلَمَ عَبْدُهُ الْكَافِرُ، أو وُلِدَ لَهُ وَلدٌ فِي لَيْلَةِ الْعِيدِ لَمْ تَجِبْ فطرتُهُمْ عَلَى الْجَدِيدِ ولا على الْقَولْ الثَّالِثِ.
وتجب على القديم، ولو مات عَبده أو وَلَدُه أو زَوْجَتُهُ لَيْلَةَ العِيدِ، أو بَتَّ طَلاَقَهَا أو ارتد عَبْدُهُ لَمْ تَجِب فطرتهم على القديم، وَلاَ عَلَى القَوْلِ الثَّالِثِ، وتجب على الجديد، وكذا الحكم لو أسلم كَافِرُ قَبْلَ الغُرُوبِ وَمَاتَ بَعْدَه [وجبت فطرتهم 3 على الجديد ولا تجب على القديم ولا على القول الثاَلث] وَلَو طَرَأَتِ الأحْوَالُ المَذْكُورَة بَعْدَ الْغُرُوبِ وزَالَتْ قبل طُلُوعِ الفَجْرِ فَلاَ فطرة على الأَقْوَالِ كُلِّها.
وَلَو زال المِلْكُ عَنِ الْعَبْدِ بَعْدَ الغُرُوبِ ثُمَّ عاد قبل طُلُوعِ الفَجْرِ وَجَبَتْ الفَطْرَةُ عَلَى الجَديد والقَدِيم.
وأما عَلى القَوْلِ الثَّالِثِ ففيه وجهان حَكَاهما في "النِّهَايَةِ" وقال: هما ملتفتان على أن الوَاهِب هَلْ يَرْجَعُ فِيمَا زَالَ مِلْكُ الْمُتَّهِب عنه ثم عاد، وَلَهُ نَظَائِرُ نَذْكُرهَا فِي مَوَاضِعِهَا، ونَشْرَح فِيهَا الوجهين، ولو بَاعَ بَعْدَ اَلغُرُوب عَبْدَة واسْتَمَر مِلْكُ المُشْتَرِي فِيهِ فَالْفِطْرَةُ عَلَى الجَدِيدِ عَلَى البَائِعِ، وعلى القديم عَلَىَ المُشْتَرِي، وعلى الثَّالِثِ لا تَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ منهما.
وَلَوْ مَاتَ مَالك العَبْدِ لَيْلَة العِيدِ، فَالْفِطْرَةُ وَاجِبَةٌ فِي تَرِكَتِهِ عَلَى الجديد، وهي على الوارث على الْقَدِيم، وعلى الثَّالِثِ لاَ تَجِبْ أَصْلاً، وذكر في "النِّهَايَةِ" أن الشَّيْخَ أَبَا عَلِيِّ حَكَى وَجْهاً فِي وُجُوبِهَا عَلَى الوَارِثِ، تَفْريعاً عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ، بِنَاءً عَلَى القَدِيمِ فِي أَنَّ حَوْلَ الوَارِثِ يُبْنَى عَلَى حَوْلِ المُورَثِ.

وقوله في الكتاب: (وعلى الأولِ إذَا ملك...) إلى آخره، ينبغي أن يعلم فيه أن نفي الزكاة في صورة الموت ليس تفريعاً على هذا القول خَاصَّة، بل هو لازم على الأقوال كُلِّها، ومواضع العلامات عِنْدَ ذِكْرَ الأَقوَالِ لاَ تَخْفَى -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِي ثَلاثةِ أَطْرَافٍ: الطَّرَفُ الأَوَّل فِي المُؤَدَّى عَنْهُ، وَكُلُّ مَن وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ تَجِبُ عَلَى المُنْفِقِ فِطْرَتُهُ مِنَ الزَّوْجَةِ (ح) وَالْمَمْلُوكِ وَالقَرِيب.
قال الرافعي: الكلام في زَكَاةِ الفطر في أنها مَتَى تُؤَدَّى وَعَمَّنْ تُؤَدَّى، وَمَنِ الَّذِي يُؤَدِّي وَمَا المُؤَدَّى، وَإِلَى مَن تُؤَدَّى.
أما الأخير من هذه الأمور فموضعه كتاب: "قَسْم الصَّدَقَاتِ".
وأما الأوَّلُ: فيحتاج فيه إلى مَعْرِفَةِ وَقْتِ الْوُجُوب، وقد فَرَغْنَا منه الآن، ويجوز التقديم عليه على الضَّبْطِ المذكُورِ في مَسَائِل التَّعْجِيلِ.
وأما إذا لم يعجل، فالمستحب ألاَّ يؤخر أداءَهَا عن صَلاَةِ العِيدِ؛ لِما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم-: "فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ" 1 فلا يجوز تَأخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ العِيدِ؛ لِما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ" 2 فلو أَخَّرَ عَصَى وقَضَى، بقي هاهنا النظر في الأطراف الثلاثة الباقية: الأول: في المُؤَدَّى عَنْهُ.
اعلم: أن الفطرة قد يُؤَدِّيهَا الإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَد يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ غَيْرُهُ.
والأصل فيه قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ" 3 والجهات التي يَصِيرُ بِهَا الشَّخْصُ فِي نَفَقَةِ الْغَيْرِ وَمَؤْنَتِهِ ثَلاَثٌ: النِّكَاح، والمِلْكُ، وَالْقَرَابَةُ، وكُلَّها تقتضي لزوم الفِطْرَةِ أَيْضًا فِي الجُمْلَةِ.
ثم القول في شرائط الوجوب ومواضع الاستثناء عَنْ هَذَا الأَصْلِ سَيَظْهَرُ مِنْ بَعْد؟ وليكن قوله: (تجب على المُنْفِق فِطْرَتُه) وكذا قوله: (من الزوجة) مُعَلَّمَيْنِ بِالحَاء.
أما الثاني: فلأن عِنْدَه لاَ تَجب فِطْرَة الزَّوْجَة عَلَى الزَّوْجِ، وإنما هي عَلَيْهَا وحكى ذلك عن اختيار ابْنِ المُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا

وَأَمَّا الأَوَّلُ: فَلأُمُور: منها: مسألة الزَّوْجة.
ومنها: أن عِنْده لاَ يَجِبُ عَلَى الوَلَدِ فِطْرَةُ الأَبِ وَإِنْ وَجَبْت نفقته.
ومنها: أن عنده لا تَجِب عَلَى الجَدِّ فِطْرَةُ وَلَدِ الوَلَدِ.
لنا ما رُوِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ" 1. قال الغزالي: وَلاَ تُفَارِقُ الفِطْرَةُ النَّفَقَة إِلاَّ فِي مَسَائِلَ: إِحْدَاهَا الابْنُ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَفِي فِطْرَتِهَا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الوُجُوبُ (ح).
قال الرافعي: يستثنى عن قولنا: من وجبت نَفَقَتُهُ وجب عَلى المُنْفِقِ فِطْرَتُهُ مسائل: منها: ما هي مستثنا بلا خلاف.
ومنها: ما في استثنائها اختلاف قَوْل أَوْ وجه.
فمنها: أن الابن تلزمه نفقة زوجة أبيه تفريعاً على الصحيح في وجوب 2

الإِعْفَاف، وَسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ الْخِلاَفِ وموضع الإعْفَافِ فِي بَابِه -إِنْ شَاءَ الله تَعَالَى،- وَهَلْ يَلزَمُهُ فِطْرَتُهَا؟ فيه وجهان: أصَّحُهُمَا: عِنْدَ المصنف في طَائِفَةَ أنها تلزمه؛ لأنها مِمَّن يمونه الابْنُ وصار كالأَب لَمَّا لَزِمتُهُ نَفَقَتُهُ لَزَمتهُ فِطْرَتُهُ، وعلى هذا فَهَذِه الصورة غَيْرُ مُسْتَثنَاةٍ عَنِ الأَصْلِ المُمَهَّدِ.
والثاني -وهو الأصح عند صاحبي "التهذيب" و"العدة" وغيرهما-: أنها لا تلزم؛ لأن الأَصْلَ فِي القيام بأمْرِهَا هُو الأبُ، والابْنُ مُتَحَمِّلٌ عَنْهُ الفِطْرَةُ غَيْرُ لاَزِمَةٍ عَلَى الأب بِسَبَب الإعْسَارَ، فلا يَتَحَمَّلُهَا الابْنُ، بِخِلاَفِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا لاَزِمَةٌ مَعَ الإعْسَارِ فيتحملها، وأيضاً فَلِأَنَّ فَقْدَ النَّفَقةِ يمكنها من الفُسْخِ، وإذا فسخت احْتَاجَ الابْنُ إِلَى تَزْويجه وَفقْدُ الفطرة بِخَلافه، وَيجْرِي الوَجْهَانِ فِي فطرة مُسْتَولَدَتِهِ.
ولك أن تُعَلِّم قوله: (تلزمه نفقة زوجة أبيه) بالواو إذ قد عرفت أنه مبنى على وُجُوبِ الإِعْفَافِ، وفيه خلاف وبالحاء والزَّاي؛ لأن عندهما لا يجب الإِعْفَاف.
ويجوز إعلام لفظ: (الوجوب) من قوله: (الأصح الوجوب) بالحاء؛ لأن عنده لاَ تجب على الابْنِ فِطرَة الوَالِدِ، فما ظَنُّكَ بِفِطرَةِ زَوجَتِهِ -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ الابْنُ الكَبِيرُ الَّذِي هُوَ فِي نَفَقَةِ أَبِيهِ إِذَا وَجَدَ قَدْرَ قُوتهِ لَيْلَةَ العِيدِ فَلاَ فِطْرَةَ عَلَى أَبِيهِ لِسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَلاَ عَلَيْهِ لِعِجْزِهِ، وَلَوْ كَانَ صَغِيراً وَالمَسْألة بِحَالِهَا فَفَيهِ خِلاَفٌ (و) فَإِنَّ حَقَّ الصَّغِيرِ آكَدُ.
قال الرافعي: غير الأصول والفروع من الأقارب، كالإخوة والأعمام لا تجب فِطْرتُهم، كما لا تَجِب نفقتهم.
وأما الأصول والفروع، فإن كَانُوا مُوسِرينَ فَلاَ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ، وإن كَانُوا مُعْسرينَ وإلاَّ فَكُلَّ من جمع منهم إلى الإِعْسار الصِّغَر والجنُون أو الزّمانَة، وَجَبَتْ نفقته، ومن تجرد في حَقِّه الإعْسَار ففي نفقته قولان، ومنهم من قَطَع بِالْوُجُوبِ في حق الأُصُولِ.
وحكم الفِطْرة حكم النفقة وفاقاً خلافاً.
= الخفاف في الخصال، وما لو أجر عبده وشرط نفقته على المستأجر فإن الفطرة على سيده.
نص عليه في الأم.
وما لو حج بالنفقة كما سيأتي وما لو أسلم على عشرة نسوة فإن النفقة تلزمه للجميع لأنهن محبوسات بسببه ولا يلزمه الفطرة فيما يظهر لأن الفطرة إنما تتبع النفقة بسبب الزوجية أي وصورة المسألة: أن يسلمن قبل غروب الشمس ليلة العبد فإن أسلمن بعد الغروب فلا فطرة وهذا ظاهر جلي.

إذا عرفت ذلك، فلو أنَّ الولَد الكَبِيرَ كَانَ فِي نَفَقَةِ أبيه إِمَّا بِمُجَرَّدِ الإعْسَار إن اكتفينا بِهِ أو مَعَ الزّمَانَة إِنْ لَمْ نَكْتَفِ بهِ فوجد قَدْرَ قُوتِه ليلةَ العِيدِ وَيوْمه سَقطت فِطْرَتُه عَنِ الأَبِ لِسُقوطِ نَفَقَتِهِ، وكونها تَابِعَة لَهُ، ولا تَجِب عَلَيْهِ لِعَجْزِه وإعْسَار.
وإن كَانَ الوَلَدُ صَغِيراً، وَالْمَسْألة بِحَالِهَا فَفِي سقُوطِ الْفِطْرَة وَجْهَان: قال الصَّيْدَلاَنِيّ: لا تسقط.
والفَرق أن نَفَقة الكَبِير لاَ تثبت في الذِّمة بِحَال، وإنَّما هي لكفاية الوقت، ونفقة الصغير قد ثَبتت، ألا ترى أن للأم أن تستقرض عَلى الأب الغَائِب لَنفقة الصَّغِير فكانت نفقته آكد فأشبهت نفقة الأب نفسه وفطرته.
وقال الشَّيخ أبو محمد تسقط كما تسقط النَّفَقة، وتردد فيما ذَكَره من جواز الاستقراض، وقال: الأظهر منعه إلا إذا أَذِن السُّلْطان، ومثله يقرض في حق الكبير أيضاً، وما ذكره الشَّيْخُ أَظْهَرُ عِنْدَ الإِمَام وغيره.
واعلم: أن مسألة الكبير جارية على الأَصْلِ المُمَهَّدِ، وكذلك مسألة الصَّغِير على قول الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدٍ، وإنما الاستثناء على قول الصَّيْدَلاَنِيّ.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ الزَّوْجُ إِنْ كَانَ مُعْسِراً لَمْ تَسْتَقِرَّ فِطْرَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ اسْتَقَرَّتِ النَّفَقَةُ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَة نَصَّ عَلَيْهِ وَنَصَّ فِي الأَمَةِ المُزَوَّجَةِ مِنَ المُعْسِرِ أَنَّ الفِطْرَةَ تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهَا، فَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ وَقِيلَ: الفَرْقُ أَنَّ سَلْطَنَةُ السَّيِّدِ آكَدُ مِنْ سَلْطَنَةِ الحُرَّةِ، وَلَوْ أَخْرَجَتِ الزَّوْجَةُ فِطْرَةَ نَفْسِهَا مَعَ يَسَارِ الزَّوْجِ دُونَ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى أَحَد الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الزَّوْجِ أَصْلٌ لاَ مُتَحَمَّلٌ.
قال الرافعي: من أصول البَاب الذي يُحتاج إلى مَعْرِفته فِي هذه المَسْأَلة وغيرها أن الفِطْرة الواجبة على الغير تلاقي الَمؤدي عنه، ثم يتحمل عنه المؤدِّي أمْ تَجِبْ على المُؤَدِّي ابتداء؟ وفيه خلاف يعبر عنه تَارةً بقولين مخرجين من معاني كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- وتارةً بوجهين: أحدهما: أن الوجوب يُلاقي المؤدي عنه، ثم يتحمل عنه المؤدي، لقوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي سبق: "عَلَى كُلِّ حِرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنَ المُسْلِمِينَ".
والثاني: أنها تَجِب على المُؤَدي ابتداء، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم فِي عَبْدِهِ، وَلاَ فَرَسِهِ، صَدَقَةٌ إِلاَّ صَدَقَةُ الْفِطْر عَنْهُ" 1 قال القاضي الرُّوَيانِي وغيره: ظاهر المَذْهب هو الأوَّل، ثم الأكثرون منهم الشَّيْخُ أَبُو عَلِي طردوا الخلاف في كل من يؤدي صَدَقة

الفِطْر 1 عن غيره من الزَّوْجِ وَالسَّيِّد والقريب.
قَالَ الإِمَام: وذكر طوائف من المحققين أن هذا الخلاف في فطرة الزَّوجة فقط فأما فطرة المملوك والقريب فتجب على المؤدِّي ابتداء بلا خلاف؛ لأَنَّ المملوك لا يقدر على شيء، والقريب المُعْسِر لو لم يجد من يقوم بالإنفاق عليه لا يلزمه شيء فكيف يقال: بأن الوُجُوب يلاقيه ثم حَيْث فُرِضَ الخِلاَفُ وقلنا: بالتحمل، فَهُو كَالضَّمَان أو كَالحوالة حكى أبو العبَّاس الرَّوَيانِي فِي "المَسَائِلِ الجرجانيات" فيه قولين 2: إذا تقرر ذلك ففي المسألة صورتان: أحدهما: الزَّوْجُ المُعْسِر لا تستقر الفِطْرة فِي ذمته وإن استقرت النَّفقة؛ لأن النفقة عوض، والفِطْرة عِبَادة مَشْرُوطة باليَسَارِ، ثُمَّ إن كانت مُوسِرة، فَهَلْ عَلَيْهَا فِطْرَةُ نَفْسِهَا؟ قال في "المختصر": لا أُرَخِّصْ لَهُ فِي تَرْكَها، ولا يتبَيَّن لي إن أْوجب عليها، ونَصَّ فيه أيضاً على أنه لَوْ زَوَّجَ، أَمَتَة مِنْ مُعْسِر تجب الفِطْرَةَ عَلَى سَيِّدِهَا، واختلف الأَصْحَاب على طريقين: أصَحّهمَا: عند الشيخ أبي عَلِيّ وغيره: أن المسألتين على قولين مبنيين على الأَصْلِ المَذْكُورِ.
إن قلنا: الوجوب يلاقي المؤدي عنه أولاً وجبت الفِطْرة على المرأة الحرّة في الصُّورة الأُولى، وعلى سَيِّد الأمة في الثَّانية.
وإن قلنا الوجوب على المؤدي ابتداء فلا يجب.
والثاني: تقرير النَّصَّيْنِ، وبه قال أبو إسْحَاق.
والفرق: أن الحُرَّة بعقد النكاح تفسير مُسَلَّمَة إلى الزَّوْجِ حتى لا يجوز لها المسافرة والامتناع من الزَّوْجِ بعد أخذ المَهْرِ والنفقة بحال، والأمة بالتزويج غير مُسَلَّمة بالكلية، بل هي في قبضة السّيد، ألا ترى أن له أن يستخدمها وأن يُسَافِر بِهَا، وهذا معنى قوله في الكتاب: (سلطنة السَّيد آكد، مِنْ سلطنة الحرة) أي: على نفسها، ثم التقريب من وجهين: أحدهما: أن الحرة لما كانت مُسَلَّمة بالكلية كانت كالأمة المُسَلَّمة إلى المُشْتري بِعَقْدِ الشراء، فتنتقل الفِطرة إليه، والأمة لما كانت في قبضة السّيد، لم تكن الفطرة

متحولة عنه، وإنما الزَّوج كالضَّامن لها، فإذا لم يقدر على الأداء بقي الوجوب على السَّيد، كما كان.
والثَّاني: أن الأمة إذا لَمْ تكن واجبة التَّسليم، كان السيد مُتَبَرِّعاً بتسليمها، فلا يسقط عنه بتبرعه ما كان يلزمه لَوْلاَ التَبرّع.
ولو نَشَرَت المرأة وسقطت فطرتها عن الزَّوْجِ لسقوط النفقة، فقد قال الإمام: الوجه عندي القطع بإيجاب الفِطْرَة عَلَيها، وإن حكمنا بأنَّ الوُجُوبَ لا يلاقيها؛ لأنها بالنشوز أخرجت نَفْسَها عَنْ إِمْكَانِ التَّحَمُّلِ.
فرعان: أحدهما: زوج الأمَةِ إن كانَ موسراً فحكم فطرتها حُكْم نَفَقَتِهَا، وسيظهر ذلك في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
والثاني: أن خادمة الزَّوْجة إن كانت مُسْتَأْجِرَةً، لم يجب على الزَّوْج فِطْرَتُهَا، وإن كانت من إمائه وجبت؛ لأنها مملوكته، وإن كانت من إماء الزَّوْجة، والزوَج ينفق عليها ففطرتها وَاجِبَةٌ عليه نظراً إلى أنه يَمُونَها، نَصَّ عليه في "المختصر".
وقال الإمام: الأصح عندي أنها لا تَجِب؛ لأن نفقة الخَادِمة غير مُسْتَقِلة، إذ يمكلنه تَحْصِيل الغَرَضِ بِمُتَبَرِّعَةٍ أَوْ مُسْتَأجَرَةٍ.
الصُّورة الثانية: لو أخرجت الزَّوجَة زَكَاةَ نَفْسِهَا مَعَ يَسَارِ الزَّوْجِ دُون إِذْنِهِ ففي إجزائه وَجْهَان: إن قلنا: الزَّوْجُ مُتَحَمِّلٌ أَجْزَأ وإلاَّ فَلاَ، ويجري الوجهان فيما لو تَكَلَّف مِنْ فِطْرته على قَرِيبه باستقراضٍ وغيره، وأَخْرَجَ مِنْ غَيْرِ إذنه، والوَجْهُ الأَوَّلُ هو المنصوص عليه في "المختصر".
ولو أخرجت الزَّوجَة أو القريب بإذْنِ مَن عَلَيْهِ جَازَ، بِلاَ خِلاَف، بل لو قال الرجل لغيره: أدِّعني فِطْرتي ففعل جَاز، كما لَوَ قال: أَقْضِ دَيْنِي، ذكره في "التهذيب".
وقوله في الكتاب: (لأن الزوج أصل لا متحمل) ليس تعليلاً لِوَجْهِ المنع بشيء يساعد عليه، بل الغرض منه التَّنْبِيه عَلَى مَبْنَى الوَجْهَيْنِ.
واعلم: أن الصُّورة الثَّانية، ليس لها كَثِير تَعَلُّقِ بالأصْلِ المستثنى منه، وإنَّمَا المتعلق به الأولى، فإن الفِطْرَة فارقت النَّفقة حَيْثُ لم تَلْزُم الزَّوْجَ المُعْسِر، والنَّفقة لازمة مستقرة.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ البَائِنُ الحَامِلُ تَسْتَحِقُّ الفِطْرَةَ، وَقِيلَ: إِذَا قُلْنَا: إِنَّ النَّفَقَةَ لَلْحَمْلِ فَلاَ تُسْتَحَقُّ.
قال الرافعي: يجب فطرة الرجعية كنفقتها، وأما البَائِنة: فإن كانت حَائِلاً، فلا نَفَقَةَ ولا فِطْرَة، وإن كَانَتْ حَامِلاً، ففي فطرتها طريقان:

أحدهما: أنها تجَب اتباعاً لِلْفِطْرَة النفقة.
والثاني: أن وُجوبَهَا مَبْنِيٌّ على الخِلاَف في أنَّ النفقَةِ لِلْحَملِ أو لِلْحَامِلِ إن قلنا: بالثَّانِي فَيَجِب، وإن قُلْنَا بالأَوَّلِ فَلاَ؛ لأَنَّ فِطْرَة الجنين لا تَجِب، وهذا الطريق الثاني هو الذي أورده الأَكْثَرُون.
وكلامُ صَاحِبِ الْكِتَاب يُشْعِرُ بِتَرْجِيح الأَوَّلِ وبه قال الإمام والشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ.
قال الشيخ: لأنها المستحقة، سواء قلنا: النفقة لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ، ولها أن تأخذها وتنفقها على نَفْسِها بِلاَ خِلاَف، وقولنا: إنها للحمل على قول -، نعني به-: أنه سبب الوجوب، وذلك لا يُنَافي كَوْنها المُسْتَحِقة هذا إذا كانت الزوجة حُرَّة، فإن كانت أمة ففطرتها بالاتفاق ناظرة إلى ذَلِك الخِلاَف، فإن قلنا النفقة للحمل فلا نفقة ولا فِطرة؛ لأن الحَمْل لو كان ظَاهِراً لم يكن عليه أن يمون ملك الغير، وإن قلنا: للْحَامِل وَجَبَتَا، وسواء رَجَّحْنَا الطريقة الأولى أو الثانية فالأصح اسْتِحقاق الفطرة؛ لأن الأَصَح أن النفقة لِلْحَامل، وعلى هذا فالمسألة غَيْر مستثناه عن الأَصْل السَّابق أما إذا قلنا: النفقة وَاجِبَةٌ لِلْحَمْل فَلاَ فِطْرَة، فالحمل شخص تجب نفقته، ولا تجب فِطرته فينتظم استثناؤه -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ لاَ فِطْرَةَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ الكَافِرِ وَتَجِبُ عَلَيْهِ فِي نِصْفِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ أَوْ فِي العَبْدِ الَّذِي نِصْفُهُ حَرٌّ، وَلَوْ جَرَتْ مُهَايَأَةٌ فَوَقَعَ الهِلاَلُ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا فَفِي اخْتِصَاصِهِ بِالفِطْرَةِ وَجْهَانِ لِأنَّهُ خَرَجَ نَادِراً.
قال الرافعي: في المسألة صورتان: أحدهما: لا يجب على المُسْلِم فِطْرَةَ عَبْدِهِ الكَافِرِ وبه قال مَالِك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة.
لنا: لتقييد في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- حيث قال: "مِنَ المُسْلِمِينَ" وأيضاً فإن الفطرة شرعت تطهيراً والكافر ليس أهلاً للتطهير، وحكم الزَّوْجَةُ الذِّمية، والقريب الكافر حكم العبد الْكَافِرِ، فلا تجب فطرتهم وإن وجبت نفقتهم.
الثانية: تجب فطرة العبد المُشْتَرك على الشَّريكين، وفطرة العبد الذي بَعْضُه حُرٌّ عليه وعلى السَّيد، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: "لا تجب" ولمالك حيث قال في الصورة الثانية في إحدى الروايتين: "تجب على السيد حِصَّته ولا شيء على العبد" والرواية الثانية مثل مَذْهبنا.
لنا: ما سبق أن الفِطْرَة تَتْبع النَّفقة، وَهِيَ مُشْتَركة فَكَذَلِكَ الفطرة ثم الوُجُوب عليهما إذا لم تكن مهايأة بَيْنَ الشَّرِيكَينِ، أَوْ بين المَالِكِ وَالْعَبْدِ، فَهَلْ تَخْتَصُّ الفطرة بمن وقع زمان الوُجوب في نوبته أم هي على الشَّركة؟ يبنى ذلك على أن الفطرة من المؤن النَّادرة أو من المؤن الدَّائرة، وبتقدير أن تكون من النَّادرة

فَهَل تَدْخُل في المهايأة أم لا؟.
أما المقام الأول، فقد حكى الإمام فيه وجهين: أحدهما: أنها من المؤن الدَّائِرَة؛ لأنها معلومة القدر والوقت، معدودة من وظائف السنة.
وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: أنَّها مِنَ المؤن النَّادِرَة؛ لأن يوم العيد لا يتعين في السَّنة لاختلاف الأهلة، وبتقدير التعين فالشيء الذي لا يتفق في السَّنَةِ إِلاَّ مرة نَادِر، وأما الثَّاني فَفِيه وَجْهان مَشْهُوران: أظهرهما: أنها تَدْخُل فِي المهايأة؛ لأن مَقْصُود المُهَاياة التَّفَاضَل والتمايز فليختص كل واحد منهما بما يتفق في نَوْبته مِنَ الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ.
والثَّاني: لا تدخل؛ لأن النَّوادر مجهولة ربما لا تَخْطُر بالْبَالِ عِندِ التهايؤ فَلاَ ضرورة إلى إدخالها فيه، والوجهان جَارِيَانِ فِي الأكساب النَّادِرَةَ كصيد يصطاده العبد الذي ليس بُصَيَّاد، وكقبول هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ ونحوها فإن قلنا: بالأول فَجَمِيعُ الفِطْرَة عَلَى مَنْ وَقَع الهِلاَلُ فِي نَوْبَتِهِ.
وإن قلنا: بالثاني فهي مُشْتَركة بِحَسَبِ المِلْكِ أَبَداً ثم الْمُعْتَبَرُ فِي يَسَارِهِ أن يفضل الواجب، سواء كَانَ تَمَامَ الصَّاع أو بعضه عن قوت يومه وليلته إن لم يكن بَيْنَهُمَا مهايأة، وإن كَانَ بينهما مهايأة فَعَنِ القَدْرَ الذي يلزمه من قوت نفسه لا من الكُلِّ.
وليكن قوله في الكتاب: (وتجب عليه في نِصفِ العيد المشترك) معلَّماً باَلْحَاء وَالْمِيم لما ذكرناه ولو قال: وتجب فطرة العبد المشترك بدل ما ذكره لكان أحْسَنَ، ولا يستغنى عن التعرض للنّصف.
وقوله: (فوقع الهلال) جواب على أَصَحِّ الأَقْوَالِ وهو أن وقت الوجوب الاستهلال.
وقوله: (لأف خرج نادراً) جوابٌ على الأصح في عدها من النَّوادر، وليكن مُعَلَّماً بِالوَاوِ لِلْوَجْهِ السَّابِق، ولا يخفى حاجة الصورة الأولى إلى الاستثناء.
وأما الثانية: فإنما يَصِح استثناؤها عَلَى قولنا: إن الفطرة لا تدخل في المهايأة، لأنهما حينئذٍ يَشْتَرِكَانِ في الفِطْرَة دون النَّفَقَةِ فتفارق الفطرة النفقة.
قال الغزالي: السَّادِسةُ العَبْدُ المَرْهُونُ تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، وَفِي المَغْصُوبِ وَالضَّال والآبِقِ طَرِيقَانِ قِيلَ: تَجِبُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَسَائِرِ الزَّكَواتِ، وَلَوِ انْقَطَعَ خَبَرُ العَبْدِ الغَائِبِ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ فِطْرَتِهِ وعَلَى أَنَّ عَتْقَهُ لاَ يُجْزِئُ عَنِ الكَفَّارَةِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ فِي المَسْئلَتَينِ لِتَقَابُلِ الأَصْلَيْنِ، وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّينِ مَيْلاً إلَى الاحْتِيَاطِ فِيهِمَا.
قال الرافعي: المُدَبَّرُ والمُعَلَّق عِتْقُه بِصِفَةٍ، وأم الولد كالقِنِّ في وجوب الفطرة، وتجب فِطْرة العَبْدِ المَرْهُون، والجَانِي والمُسْتَأْجِر لِوُجُودِ المِلْكِ، وَوُجُوبِ النَّفقة.

قال الإمام والمصنِّف في "الوسيط": هكذا أطلقوا القول في المَرْهُون، ويحتمل أن يجري فيهَ الخلاف المذكور فِي زكاة المال المرهون.
واعلم: أن الخِلاف في زَكَاةِ المَالِ المرهون لم نَلْقَه إِلاَّ فِي حِكَايَةِ هَذَيْنِ الإِمَامَيْنِ، والجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الوُجُوبَ ثُمَّ أَيْضًا.
وأما المَغْصُوبُ والضَّالُّ فَفِي فِطْرَتِهِ طريقان: أحدهما: أَنَّه على القَوْلَيْنِ فِي زَكَاةِ المَالِ المَغْصُوبِ.
وَطَرَدَ ابنُ عَبْدَانَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الخِلاَفَ فِيمَا إِذَا حِيلَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ عِنْدَ الاسْتِهْلاَلِ.
وَأَصَحُّهُمَا: القَطْعُ بِالْوُجُوب اتباعاً لِلفِطْرَة النفقة، ويخالف زَكَاة المال، فإنَّ المَالِيَّة مُعْتَبرةٌ فِيهَا، وهي غير معتبرة هاهنا، ألا تَرَى أنه تَجِب فِطْرَة الزَّوجَةِ، والقَرِيب مع انتفاء المالية، فلأن تَجِب عِنْدَ ضَعْفِهَا كان أَوْلَى، ولهذا وَجَبَتْ فِي المستولدة.
وأما العبد الغَائِب، فَإنْ علم حياته، وكان في طَاعَتِهِ، وجبت فِطْرَتُه، وإن كَانَ آبقاً فَفِيه الطريقان في المَغْصُوب، وللخلاف فيه مأخذٌ آخر حَكَاه الإِمَامُ، وهو أن إباق العَبْدِ هَلْ يَسْقُطُ نفقته كَنُشُوزِ الزَّوْجَةِ أَمْ لاَ؟ وفيه خِلاَف، فَإِن أسقطها أسقط الفِطْرة أيضاً، وإن لم يعلم حياته، وانقطع خَبَرُهُ مَعَ تَوَاصُلِ الرِّفاق ففي فطرته طريقان: أحدهما: أَنَّهَا تَجِب بلا خلاف، وبه قال أبو إسحاق.
والثاني: أنه على القَوْلَين، وفي كَيْفِيَّتِهَا طَرِيقان: أحدهما: أنهما قَوْلاَن مَنْصْوصَانِ، وذكل أن المُزَنِي روى في "المختصر" أنه قال: ويزكي عن عبيده الحضور، والغُيَّب، وإن لم تُرْجَ رَجْعَتُهم؛ إذَا عَلِم حَيَاتَهُم، قال: وقال في موضع آخر، وإن لم يعلم حياتهم، فَشَرَطَ العِلْمَ بالَحَيَاة فِي قول، وأطلق الوُجُوبَ فِي قَول، عَلِمَ أَوَ لَمْ يَعْلَم.
والثاني -وهو المذكور في الكتاب-: أن سَبَبَ خُرُوجِ القَوْلَين أَنَّه نص هاهنا على لزوم الفِطْرة، وفي الكفارة على أن إعتاق مِثْل هذا العبد لا يجزئ فنقل الجواب من كل مسألة إلى الأُخْرَى، وَجَعَلْنَا على قولين بالنَّقْلِ والتخريج وجه وجوب الفِطْرَة والإجزاء عَنِ الكَفَّارة، أن الأصلَ بَقَاؤُه.
وَوَجه عدمِ وُجُوبِهَا وعدم الإجزاء أن الأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عن واجب الفِطْرَة واستمرار شغلها بواجب الكفارة إلى يقين الإِعْتَاق قال القاطعون بالوجوب؛ أما منقول المُزَنِي فلا اخْتِلاَف فيه، إلا أنه أجاب في النَّصِّ الأول في إِحْدَى المسأَلَتَيْن دون الأُخْرَى، والاحتجاج بالمفهوم ضَعِيف؛ وَأَمَّا فصل الكفارة فالنصان مقرران.

والفرق: الأخذ بالاحتياط في الطَّرفين بتقديره حياً بالإضافة إلى الفِطْرَة وميتاً بالإضافة إلى الكَفَّارة، ليأتي بيقين الإعْتَاق، وكيفما قدر فالأظهر وجوب الفِطْرة، وعدم الإجزاء في الكَفَّارة، وإذا أوجبنا الفِطْرة في هذه الصورة، فهل نوجب إخراجَها في الحَالِ، أم يجوز التَّأْخير إلى عود العَبْد كَمَا في زَكَاةِ المَالِ؟ في نظائرها المذهب الأول؛ لأن المُهْلَة شُرِعَت ثَمَّ لِمَعْنَى النَّمَاء وهو غير معتبر هاهنا.
وروى ابنُ الصَّبَاغ عن الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أن الشَّافعي -رضي الله عنه- نَصَّ في "الإملاء" على قولين في ذَلك، قال: وهَذَا بَعِيدٌ؛ لأن إمكان الأَدَاء شَرْطُ الضَّمَانِ فِي زَكَاةِ المَالِ، والمَالُ الغَائِبُ يَتَعَذَّرُ الأَدَاء مِنْهُ، وليس كَذَلِكَ الفِطْرَة، هكذا ذَكَره، لكن قال صاحب "التهذيب": لو دخل الوقت، ومات المُؤَدّى عنه قبل إمكان الأَدَاء فَفِي سقوط الفِطْرَة وُجْهَان: فألحقهما في أحد الوَجْهَيْنِ بِزَكَاةِ المَالِ في اعتبار الإمْكَان، وحكى الإمام هَذَا الخِلاَفَ أَيضاً -والله أعلم-.
قال الغزالي: (السَّابِعَةُ) نَفَقَةُ زَوْجَةِ العَبْدِ فِي كَسْبِه وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِطْرَتُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلاً لِزَكَاةِ نَفْسِهِ فَلاَ يَتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ.
قال الرافعي: العبد ينفق على زوجته من كَسْبهِ، ولا يخرج الفطرة عنها حُرَّةٌ كانت، أو أَمَةً؛ لأنه ليس أهلاً لزكاة نَفْسِهِ، فكيف يُتَحَمَّلُ عَنْ غَيْرِهِ.
أما النفقة فَلاَ بُدَّ مِنْهَا، وأقرب موضع يؤدي منه كسبه، ثم إذا كَانَت الزَّوْجَة حُرَّةٌ مُوسِرَةٌ، فَهَلْ عَلَيها فِطْرَةُ نَفْسِهَا؟ منهم من قال: هو على القَوْلَين المَذْكُورين فيما: إذا كانت تَحْتَ زَوْجٍ مُعْسِرٍ.
ومنهم: من قال: عليها فِطْرَتُهَا بلاَ خِلاَفٍ؛ لأن العَبْدَ لَيْس أهلاً لِلْخِطَابِ بالفِطْرَةَ، وإن كانت أَمَةً فهل على سَيِّدِهَا فِطْرتها؟ فيه هذان الطَّريقان: والثاني: أظهر في الصُّورتين، ولو مُلَّك السَّيدُ عَبْدَه شيئاً، وقلنا: إنه يملكه، لم يكن له إخراج فطرة زوجته عنه استقلالاً؛ لأنه مِلْك ضعف، ولو صَرَّح بِالإذْنِ فِي الصَّرف إِلَى هَذِهِ الجهة، ففيه وجهان للشَّيْخ أَبِي مُحَمَّدٍ إن قلنا: له ذلك، فليس للسَّيد الرجوع عن الإِذْن بعد استهلال الْهِلاَل؛ لأن الاستحقاق إِذَا ثَبَتَ؛ فَلاَ مَدْفَعَ لَهُ.
خاتمه: قوله في أول المسائل السبع: (ولا تفارق الفطرة النفقة إلا في كذا) لا شك أنه لم يعن به مطلق المُفَارقةِ؛ لأن مفارقتهما لا تنحصر فيما استثناه؛ بل هما مفترقان في القدر والوَقْت؛ وأمور أخر لا تُحْصَى كثرة، وإنما عني المفارقة في ثبوت النفقة وانتقاء الفطرة، لكن هذه المفارقة غير منحصرة أيضاً فيما استثناه لمسائل: منها: إذا كان لِلْكَافر عَبْدٌ مُسْلِمٌ، ففي فطرته وجهان سنذكرهما، والنفقة واجبة.
ومنها: إذا أوْصَى بِرَقَبَةِ عَبْدِ لرجل، وبمنفعته لآخر قال ابْن عَبْدَان: فطرته على

المُوصَى لَهُ بالرقبة بلا خِلاَفٍ، وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، أو على الموصى له بالمنفعة، أو في بيت المال، فيه ثلاثة أوجه: فعلى غير الوَجْهِ الأَوَّلِ المسألة من مَسَائِلِ المفارقة.
ومنها: عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ، والعبد المَوْقُوف على المَسْجِد في فطرتهما وجهان حُكِيا عن "البحر".
الأظهر: وبه أجاب في "التهذيب": أنها لا تجب.
والعبد المَوْقُوف على رجل معين، ذكر في "العدة": أن فطرته تبنى على أن الملك فيه.
إن قلنا: إن الملك للموقوف عليه؛ فَعَلَيْهِ فِطْرته.
وإن قلنا: لله تعالى فوجهان ونفى صاحب "التهذيب" في "باب الوقف" وجوب فِطْرَتِهِ على الأقوال كُلَّها؛ لأنه ليس فيه ملك محقق، والأول أشهر، ونفقة هؤلاء وَاجِبَةٌ لاَ مَحَالَةَ.
قال الغزالي: (الطَّرَفُ الثَّاني) فِي صِفَاتِ المُؤَدِّي، وَهِيَ الإِسْلاَمُ وَالحُرِيَّةُ وَاليَسَارُ، فَلاَ زَكَاةَ علَى كَافِرٍ إلاَّ فِي عَبْدِهِ (ح) المُسْلِمِ علَى قَوْلنَا: إِنَّ المُؤَدَّى عَنْهُ أَصْلٌ وَالمُؤَدِّي مُتَحَمِّلٌ عَنْهُ، وَلاَ زَكَاةَ عَلَى رَقِيق وَلاَ مُكَاتَبٍ (و) فِي نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَلاَ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاةُ المُكاتَبِ لِسُقُوطِ نَفَقَتِهِ، وَقِيلَ: تَجِبُ عَلَيْهِ، تَجِبُ فِي مَالِ المُكَاتَبِ، وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ نِصْفُ صَاعٍ.
قال الرافعي: اعتبر في مؤدى الفطرة ثلاثة أمور: الأول: الإسْلاَم.
فلا فطرة على كافر عن نفسه؛ لأنه ليس له أهلية التَّطْهِير، ولا أهْلِيَّة إقامة العِبَادَات ولا عن غيره إلا إذا ملك الكافر عبداً مُسْلِماً، أو كان لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِم، ففيه وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أن من يؤدي عنه الفطرة أصيل، يتحمل عنه، أو الوجوب المؤدي ابتداء.
إحداهما -وبه قَالَ أَبُو حَنيفَةَ -رحمه الله-: أنها لا تَجِب.
والثاني -وبه قال أحْمَدُ-: تجب، ويتصور ملك الكافر العبد المسلم، بأن يسلم العبد في يَدِهِ، أو يرثه أو يَشْتَريه عَلَى قَوْلِ صِحَّةِ الشِّرَاءِ ويهل شوال هلاله قَبْلَ أَنْ نُزِيلَ المِلْكَ عَنْه.
ومستولدته التي أسْلَمَت فِيهَا الوَجْهَان فإن قلنا: بالوجوب فقد قَالَ الإمَام: صَائِرٌ إلى أن المَتَحَمل عنه يَنْوي، والكافر لا تصح منه النية، وذلك يدل على استقلال الزَّكاة بِمَعْنَى المُوَاسَاة، ولو أسلمت ذِمِّيَّةٌ تحت ذِمِّي، واستهل الهِلاَل فِي تَخَلُّف الزَّوْجِ، أَسْلَمَ قَبْلَ انقضاءِ العِدَّة ففي وجوب نَفَقَتِهَا مُدَّة التَّخَلُّف؛ خلافٌ يأتي في مَوْضِعِهِ، فإن لم نُوجِبْهَا لَمْ نُوجب الفِطْرة وإن أوجبناها فَالْفِطْرَة عَلَى الخِلاَفِ المَذْكُورِ فِي وُجُوبِ فِطْرَةِ عَبْدِهِ المُسْلِمِ.
وقوله في الكتاب: (إلا في عبده المسلم)، ليكُنْ مُعَلَّماً بالحاء؛ لما نقلناه عن مذهب أبي حنيفة، ثم ظاهره يقتضي الجزم ينفي الوجوب في القريب المسلم، وفي مسألة إسْلاَم الذِّمِّيَّةِ؛ لأنه حصر الاستثناء في العبد، وكل ذلك على الخلاف، نَصَّ عليه الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ وَغَيْرُهُ.

الثاني: الحُرِّية، وفيه صُوَر: منها: لا يجب على الرَّقيق فِطْرة نفسه، ولا فطرة زَوْجَتِهِ؛ لأنه لا يَمْلِك شَيْئاً، فَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيْد مالاً فقد ذَكَرْنَاه، وإن ملَّكه عَبْداً، وقلنا إِنَّهُ يَمْلك سَقَطَتْ فِطْرَتُهُ عَنِ السَّيِّدِ، لَزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، ولم تَجِب عَلَى المتملك لضَعْفِ ملكه.
ومنها: هَلْ تَجِبَ عَلَى المُكَاتَبِ فِطْرَة نفسه؟ المشهور: أنها لاَ تَجِب، كما لا تجب عَلَيْهِ زَكاة مَالِهِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ.
وقيل: إِنَّهَا تَجِب عَلَيْهِ فِي كَسْبِهِ، كنفقته؛ وبه قال أحمد، وهذا الاختلاف على ما ذكره الإمام.
قولان: الأول: منهما منصوص.
والثاني: مُخَرَّجٌ، ذَكَرَه ابْنُ سُرَيْجٍ، وعلى ما رواه في "التهذيب" وَجْهَان وأَطْلَقَهُمَا الصَّيْدَلاَنِيُّ قولين من غير التَعَرُّض لِلنَّصَ والتخريج، والأَمْرُ فيهِ سَهْلٌ.
وإذا قلنا: بالمشهور، وهو أنه لا فِطْرَة عليه، فَهَلْ هِيَ عَلَى سَيِّدِهِ.
والظَّاهِرِ: أَنَّهَا لَيْسَت عَلَيْه؛ لسقوط نفقته عنه، ونزوله مع السَّيِّد منزلة الأَجْنَبِي، ألا ترى أنه يبيع منه وَيشْتَرِي.
وروى أبو ثور عن القديم أنها تَجب على السَّيد؛ لأنه عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وأنكر الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ أن يكون هذا قولاً للشَّافعي -رضي الله عنه- وقال: إنه مذهب أَبِي ثَوْرٍ نفسه.
والخلاف في أن المكاتب هل عليه فطرة نفسه؟ يجري في أَنَّه هل عليه فِطْرة زوجته وعبيده بلا فرق.
واعلم: أن قوله فيِ الكتاب: (ولا زَكَاة على رَقِيقِ، ولا مُكَاتَب في نفسه، وزوجته) الكلام في الرَّقيق قَدْ صَارَ مذكوراً مَرَّة في المسألة السَّابِقَة، وإنما كَرَّره؛ لأَنَّهُ احتاج إلَى إدراجه في صُوَرِ الاستثناء أولاً، وإلى التَعَرُّضِ لَهُ فِي صِفَاتِ المُؤَدي ثَانِياً.
وقوله: (وقيل: نجب عليه) أي: على السيد وهو القول الذي حَكَاه أَبُو ثَوْرٍ.
ومنها: حكم الْمُسْتَولَدَةِ، والمُدَبَّرِ حُكْمُ القِنِّ على ما سبق.
والكلام فيمن نِصْفُه حر قد ذكره مرة، وإنما أعاده هاهنا ليبين أن الحرية التي اعتبرها ليست حرية للكل، وإنَّما هي الحرية يحسب القدر المؤدي من الفطرة.
قال الغزالي: وَالمُعْسِرُ لاَ زَكَاةَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْ لَمْ يَفْضُل عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدِهِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى خِدْمَتِهِ وَدِسْتِ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ صَاعٌ مِنَ الطَّعَامِ فَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ الهِلاَلِ لَمْ يَتَجَدَّدِ الوُجُوبُ بِخِلاَفِ الكَفَّارَاتِ.

قال الرافعي: الأمر الثالث: فالمعسر لا زكاة عليه، وكل من لم يفضل عن قوته، وقوت من في نفقته ليلة العيد ويومه ما يخرجه في الفطرة فَهُوَ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَضُلَ عَنْهُ ما يُخرِجُهُ فِي الفطرة من أي جنس كان من المال فهو مُوسِر، ولم يُصَرِّح الشافعي -رضي الله عنه- وأكثر الأصحاب في ضبط اليسار والإِعْسَار إِلاَّ بهذا القدر، وزاد الإمام فاعتبر في اليسار أن يكون قَدْرُ الصَّاعِ فاضلاً عن مَسْكَنِه، وعبده الذي يَحْتَاج إليه في خِدْمته، وقال: لا يحسب عليه في هذا الباب ما لا يحسب في الكَفَّارة، وتابعهُ المصنف فِيمَا ذَكرَهُ، وأنت إذا فحصت عن كُتُبِ الأَصْحَاب وجدت أَكْثَرَهُمْ سَاكِتين عَنْ ذَلِك، وقد يغلب على ظَنِّك أَنَّهُ لا خِلاَف في الْمسْألة، وَالَّذِي ذكره كالبيان والاسْتِدرَاك لِمَا أهْمَلَهُ الأَوَّلُونَ، وَرُبَّمَا استشهدت عليه بأنهم لم يتعرضوا أيضاً لدست ثوب يلبسه، ولا شَكَّ في أنه مبقى عليه، فإن الفِطْرة ليست بأَشَد من الدَّيْنِ، وأنه مبقى عليه في الدّيون، لكن الخلاف ثابت، فإن الشَّيْخ أَبَا عَلِيّ حكى وجهاً أن عبد الخِدْمَة لا يُبَاعُ فِي الفِطْرَة، كما لاَ يُبَاعُ فِي الكَفَّارَةِ، ثم أنكر عليه، وقال: لا يشترط في صَدَقَةِ الفِطْرِ أن يكون فَاضِلاً عن كفايته، بل المعتبر قوت يومه، ويفارق الكَفَّارة؛ لأن لها بدلاً ينتقل إليه، فخفف الأمر فيها، ولا بدل للفطرة فمتى قدر عليه بوجه ما، لزمه القضاء كقضاء الدَّيْنِ، وذكر في "التهذيب" أيضاً ما يوجب إثبات وجهين في المَسْألة، والأصَحُّ عِنْدَهُ الأَوَّلُ كما في الكتاب، وقد احتج له بقول الشافعي -رضي الله عنه- أن الابن الصغير إذا كان له عبد يحتاج إلى خدمته فعلى الأب أن يُخْرِجَ فِطْرَتَهُ، كما يخرج فِطْرَة الابن، ولولا أن العبد غير مَحْسُوب لسقط بِسَبَبِه نَفَقَةُ الابْنِ أيضاً، ثم ذكر الإمام -رحمه الله- شيئين: أحدهما: أن كَوْنَ المُخْرَجِ فاضلاً عن العَبْدِ والمَسْكَنِ، وإن شرطناه في ابتداء الثبوت، فلا نشترطه في الدَّوَام، بل إذا ثَبَتَتْ الفِطْرَة في ذِمَّةِ إِنْسَانٍ بِعْنَا عَبْدَهُ وَمَسْكَنَهُ فيها؛ لأنها بَعْدَ الثُّبُوتِ التَحَقَتْ بِالدُّيُونِ.
والثاني: أن ديون الآدميين تَمْنَع وجوبَ الفِطْرَة وِفَاقاً؛ كما أن الحاجَة إلى صَرْفِهِ إِلَى نفقةِ الأقَارِب تَمْنَعُهُ، قال: ولو ظَنَّ ظان أن دين الآدمي لاَ يَمْنَعه على قَوْلٍ، كما لا يمنع وُجوب الزَّكاة كان مُبْعَداً، هذا لَفْظُهُ وفيه شيءٌ آخر نذكره في أواخر صَدَقه الفِطْرِ -إن شاء الله تَعَالى جَدُّه-.
فعلى هذا يُشْتَرَطُ مع كون المُخْرَج فَاضِلاً عما سبق كَوْنُه فاضلاً عن قدر ما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، ولم يتعرض له في الكِتَاَب، بل ليتعرض لِمَا اتفقت الكلمة على اعتباره وهو كَوْنُه فَاضِلاً عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَمُونُه إِلاَّ أن يقال: إنه تعرض له على سبيل الإشَارة، فإنه إذا اعتبر كَوْنه فَاضِلاً عن العبد والمَسْكَن، فأولى أن يَكُونَ فَاضِلاً عنه.
وقولَه: (صاع من الطَّعَام) لا يخفى أنه غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وإنما المراد قدر صاع من أي جنس كان من المال.

قال أبو حنيفة -رحمه الله-: اليسار المعتبر في الباب أن يكون مالكاً لِنِصَابٍ زَكَوِي، ومالك وأحمد وافقنا على عَدَم اعتباره؛ لأن الحَقَّ المَاليَّ الذي لا يزيد بزيادة المال لا يعتبر فيه وجود النِّصاب، كالكَفَّارَاتِ، ثُمَّ الْيَسار إِنَّمَا يُعْتَبَرُ وقت الوجوب، فلو كان معشراً عِنْدَه، ثم أيسر فلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأن وُجُودَ الشَّرْطِ بَعْدَ فَوَاتِ الوَقْتِ لا يغني، ولو وَجَدَ بَعْضَ أَسْبَاب الكَفَّارات من الشَّخْصِ، وَهُوَ عَاجِزٌ عن جميع خِصَالِهَا، ثم قدر فعليه أن يُكَفِّر؛ لأن الَوُجُوبَ قد ثبت ثُمَّ والَأداء موقوف على القدرة، وفيه خلاف يذكر في موضعه.
وقوله: (فلو أَيْسَرَ بَعْدَ الْهِلاَلِ) هذا التَّصْوِير مُفَرَّعٌ على قولنا أن وقت الوجوب الاستهلال، وقد سبق لَهُ نَظِير.
وقوله: (لم يتجدد الوجوب) فيه ضرب من التَّوَسُّعِ، إذ لم يكن في الابتداء وجوب، حتى يفرض تَجَدّده، أو عَدَم تجدده والمراد منه لم يثبت الوجوب، وليكن مُعَلَّماً بالميم؛ لأن القاضي الرَوَيانِي، وصاحب "البيان" رويا عن مَالِك أنه إن أيْسر يوم الفطر، وجب عليه الفِطْرة.
وقوله: (بخلاف الكفارات) أي: على ظاهر المَذْهَب، وهو أن الوجوب ثَابِت إذا قدر بعد الْعَجْزِ عَنْ جَمِيعِ الخِصَالِ، وإلاَّ فَهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْحُكْمِ.
قال الغزالي: وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ نِصْفَ صَاع وَجَبَ إِخْرَاحُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ صاعاً وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ وَأَقَارِبُهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: عَنْ زَوْجَتِهِ لِأنَّ فِطْرَتَهَا دَيْنٌ وَالدَّيْنُ يَمْنَعُ وُجُوبَ هَذِهِ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ إِنْ شَاءَ أَخْرَجَ عَنْ وَاحِدٍ وَإِنْ شَاءَ وَزَّعَ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ التَّوْزِيعُ وَلَكِنْ يُخْرِجُ عَمَّنْ شَاءَ، وَلَوْ كَانَ الفَاضِلُ صَاعاً وَلَهُ عَبْدٌ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَلْ يَلزَمه بَيْعُ جُزْءٍ مِنَ العَبْدِ فِي زَكَاةِ نَفْسِ العَبْدِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَلَو فَضُلَ صَاعٌ عَنْ زَكاتِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلَهُ أَقَارِبُ قَدَّمَ مَنْ يُقَدِّمُ نَفَقَتَهُ، فَإِنْ اسْتَوَوا فَيَتَخَيَّرُ أَوْ يُقَسِّطُ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: في الفصل فروع: أحدها: لو فضل معه عما لا يجب عليه بعض صَاعٍ من نصف وثلث وغيرهما فهل يلزمه إخراجه؟ فيه وجهان مَرْوِيَّانِ عن أبي إِسْحَاق: أحدهما: لا، كما إذا لم يجد إِلاَّ نِصْفَ رَقَبَةٍ، لا يجب إعتاقه في الكُفَّارة، وكذا لو لم يقدر إلاَّ على إطعام خَمْسَة مَسَاكِين، أو كسوتهم.
وأصحهما: نعم؛ محافظةً على الواجب بقدر الإمكان، ويخالف الكفارة من وجهين: أحدهما: أن الكَفَّارة لا تتبعض؛ والفِطْرَة تتبعض في الجملة، ألا ترى أنه لو مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ يَلْزَمِه نِصْفُ صَاعٍ.

والثاني: أن الكفارة لها بدل والفِطْرة لاَ بَدَلَ لَهَا، فصار كما لَوْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بِهِ بَعْضَ العَوْرَة يلزمه التَسَتَّر بِهِ حتى لو انتهى في الكَفَّارة إلى المرتبة الأخيرة، وهي الإطعام، ولم يجد إطعام ثَلاَثين.
قال الإمام: يتعين عندي إطعامهم قَطْعاً.
والثاني: لو فضل صاع وهو يحتاج إلى إخراج فِطْرة نَفْسِهِ، وله زوجة وأقارب ففيه وجوه: أصحها: أنه يلزمه تقديم نفسه، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ابْدَأ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" 1. والثاني: أنه يلزمه تَقْديم زوجتهِ، لتأكد حَقِّها، وثبوتِهِ بالعِوَض، ولهذا تستقر نفقتها في الذِّمَّة بخلاف نَفَقة غيرها.
واحتج في الكتاب لهذا الوجه بأن فِطْرَتَها دَيْنٌ، والدَّيْنُ يمنع وجوب هذه الزَّكَاة، أما كَوْنُه الدَّين مَانِعاً لهذه الزَّكاة.
فوجهه: ما سبق في الفَصْلِ الَّذِي قبل هذا.
وأما المُقَدِّمة الأولى، فَلِصَاحِب الوَجْهِ الأَوَّلِ أن يقول إن ادعيت أن فطرتها دين، والحالة هذه فهو مَمْنُوع بل عِنْدِي لا يُلْزَم فِطْرَتَها، إِلاَّ إِذَا فضل عن فطرة نَفْسِهِ شيء، وإن لم يَتعرض فهذه الحالة، فكما أن فطرتها دين في الجملة، ففطرة نفسه وأقاربه دين في الجُمْلة، فلم تمنع فِطْرتها وجوبَ فِطْرَةِ غَيْرِهَا، ولا ينعكس.
والثالث: أنه يَتَخَيَّر إِنْ شاء أخرج عَنْ نَفْسِهِ، وإن شاء أخرج عَنْ غَيْرِهِ لاستواء الكُلِّ في الوجوب، ويحتج لهذا الوجه بقوله في "المختصر": "فإن لم يكن عنه بعض القوت ليوم إلاَّ ما يؤدي عن بعضهم أدى عن بعضهم"، أطلق الأداء عن البعض إِطْلاَقاً، وهذا الوجه أرجح عند القَاضِي الرّويَانِي، وإذا قلنا: به فلو أراد أن يوزع الصَّاع، هل له ذلك؟ نقل في "النهاية" فيه وجهين: وجه الجواز؛ صيانةً للبعض عن الحرمان، ووجه المنع، وهو الأصح نقصان المخرج عن قدر الوَاجِب في حَقِّ الكُلِّ، مع أنه لا ضرورة إليه، والوَجْهَان عَلَى قَوْلِنَا أن من لم يجد إلاَّ بعضَ صَاعٍ يلزمه إِخْرَاجُهُ، فَإِنْ لم يلزمه لم يجز التوزيع جَزْماً، وأورد المَسْعُودي وَجْهَ التَّوْزِيع إيراداً يُشْعِر بأنه يتعين ذلك، محافظةً على الجوانب -والله أعلم-.
الثالث: لو فضل صَاعٌ، وله عبد صَرَفَه إلَى نَفْسِهِ، وينظر في العبد، إن كان محتاجاً إلى خِدْمَتِهِ، فَهَل عليه أن يَبِيع جزءاً منه في فِطْرَتِهِ؟ فيه وجهان موجهان بطريقين: أحدهما: توجيه إلزام البيع بأنه مَبِيعٌ فِي الدَّيْنِ، فكذلك هاهنا بخلاف الكَفَّارة،

فَإِنَّ لَهَا بَدَلاَ.
وتوجيه الآخر بأن تكليفه إزالة الملك عنه مع أنه محتاج إليه إضرار به، وهذا ما أورده في "التهذيب".
والثَّانِي: توجيه الإلْزَام بالقياس على سائر الأموال المَبيعة في الفِطْرة، وتوجيه الآخر بأن الفَاضِلَ ينبغي أَن يكون غير ما عنه يخرج، وهذا ما أَشار إِلَيْه الإمام، ويحسن أن يرتب فيقال: إن قلنا: الفطرة يجب أن تفضل عن عبد الخِدْمة فلا يباع شيء منه، وإن قلنا: لا يجب ذلك، فوجهان للمأخذ الثاني، وإن كان العبد مستغنى عنه جَرَى الخِلاَف بالنَّظر إلى المأخذ الثاني.
وإذا وقع السُّؤالُ عن مطلق العبد حَصَل في الجواب ثلاثة أوجه، وهكذا أورد الإمام -رحمه الله-.
ثالثها: الفرق بين عبد الخِدْمة، والعبد المستغنى عنه وهو الأظهر.
وصوّر صاحب الكتاب المسألة في "الوسيط" فيما إذا كان العَبْد مُسْتغنى عنه، وربما أَوْهَم ذلك تقييد الخلاف به، ولا شَكَّ في أنه لا يتَقَيَّد، إِنَّمَا الكَلاَم في أنه هَلْ يُجْزِئ فيه؟ الرابع: لو فضل صَاعَان عَنْ قَدْرِ الحَاجَةِ، وفي نفقته جَمَاعة فَهَلْ يُقَدِّم نفسه بواحد أم يتخير؟ فيه وجهان لا يخفى خروجهما مما سبق، الأصح أنه يُقَدَّم نفسه، ثُمَّ فِي الصاَّعِ الثَّانِي، ينظر إن كان من في نفقته أقارب، فيقدم منهم من يُقدم في النفقة، والقول في مراتبهم خلافاً ووفاقاً موضعه "كِتَابُ النَّفَقَاتِ" فإن استووا فيتخير أم يُقَسِّط؟ فيه وجهان وتوجيههما مَا سَبَقَ، ويتأيد وجه التَّقْسِيط بِالنَّفَقَة، فَإِنَّهَا تُوَزَّع فِي مثل هَذِه الحَالَةِ، ولم يَتَعَرَضُوا لِلإقْرَاعِ هاهنا، وله مجال في نظائره 1. وقوله في الكتاب: (ولو فضل صَاعٍ عن زكاته ونفقته) أي: ونفقة من في نَفَقته، وأراد ما إذا فَصل صَاعَانِ على مَا أَوْضَحْنَاه لكن فرع في التَّصْوِيرِ عَلَى الأَصَحِّ، وهو أنه يقدم نَفْسِهِ بِصَاعٍ، فإن اجتمعت الزوجة مع الأقارب ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: تقديم القَرِيب؛ لأن عُلْقَتَهُ لاَ تَنْقَطِعُ، وَعُلْقَه الزوجية يعرض لها الانقطاع، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة -رحمه الله-.
وأصَحُّهُمَا: تقديم الزَّوْجَةِ: لأن نفقتها آكد ألا ترى أنها لا تَسْقُطُ بِمضِيِّ الزَّمَانِ.
وثالثها: التخير، وعلى الأَصَحِّ فلو فضل صَاعُ ثَالِثٌ، فإخراجه عن أقاربه على مَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا تَمَحَّضُوا، وظاهر المذهب من الخِلاَف الذي ذَكَرْنَاه، وبما أَخَّرْنَاه إلى النفقات أنه يقدم نفسه، ثم زوجته، ثم ولده الصَّغير، ثم الأب، ثم الأم، ثم ولده الكبير، -والله أعلم-.

قال الغزالي: (الطَّرَف الثَّالِثُ) فِي الوَاجِبِ وَهُوَ صَاعٌ مِمَّا يُقْتَاتُ، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ (ح) وَالْمُدُّ رَطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ.
قال الرافعي: الواجب في الفطرة من كُلِّ جنْسٍ يخرجُه صَاعٌ، وبه قالَ مَالِك وأحمدُ خلافاً لأبي حنيفة -رحمهم الله- إذ قال: "يكفي من الحنطة نصف صاع"، وعنه: في الزبيب روايتان.
لنا: ما روي عن أبي سَعِيدٍ الخدريّ -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ، إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، صَاعاً مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعاً مِنْ تَمرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ، أوْ صَاعاً مِنْ زَبيبٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ أقِطٍ، فَلاَ أزَالُ أُخْرِجُهُ، كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ مَا عِشْتُ" 1. والصَّاع أربعة أَمْدَاد، والمُدَّ رَطلٌ وَثُلُثٌ فيكون الصَّاع بالأرطال خمسةً وثلثاً.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: الصاع ثمانية أرطال، أربعة أمداد.
لنا: نقل أهل المدينة خلفاً عن سَلَفٍ، ولمالك مع أبي يوسف -رحمهما الله- فيه قصَّة مشهورة 2، وجملة الصَّاعِ بالوزن ستمائة دِرْهم، وثلاثة وتسعونُ درهماً وثلث درهم 3، قال ابن الصَّبَّاغِ وغيره: والأصل فيه الكَيْل، وإنما قدره العلماء بالوزن استظهاراً 4. وقوله في الكتاب: (مما يقتات) غير مجرى على ظَاهِرة، لا في شمول الحكم لكل مقتات، ولا في قصره عليه، أما الأول فلان الأقوات النَّادِرَة كالغث وحَبِّ الحَنْظَل وغيرهما لا يجري نص عليه، وقد بين في الكتاب ذَلِكَ بقوله من بعد: "والقوت كل ما يجب فيه العُشْر" أي: معنى بالقوت هاهنا ذلك، وأما الثَّاني فلما سَيَأْتي في الأقط، ويجوز إعلام قوله: (مما يقتات) بالواو لما سيأتي.

قال الغزالي: وَالقُوتُ كُلُّ مَا يَجِبُ فِيهِ العُشْرُ، وَفي الأَقِطِ قَوْلاَنِ لِلتَّردُّدِ فِي صِحَّة حَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ، فَإِنْ صَحَّ فاللبن وَالجُبْنُ فِي مَعْنَاهُ دُونَ المَخِيض وَالسَّمْنُ، ثُمَّ لاَ يُجْزِئُ المُسَوِّسُ وَالمَعِيبُ وَلاَ الدَّقيقُ، فَإنَّهُ بَدَلٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ أَصْلٌ.
قال الرافعي: غرض الفصل الكلام في جنس المخرج، والذي سبق كان في قدره، وكل ما يجب فيه العشر فهو صَالِحٌ لإخراج الفِطْرَة منه، فمن أنواعه ما هو مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ في الخبر، ومنها ما هو مقيس عليه، وذكر الموفق ابْنُ طَاهِر أن صاحب "الإفصاح"، حكى عن القَدِيم قولاً أنه لا يجزئ إخراج العَدَسِ والحُمّصِ فِي الفِطْرَةِ؛ لأنهما أدمان، والمذهب الأول، وفي الأقط طريقان: أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز إخراجه؛ لأنه إما غير مُقْتَاتٍ، أو مُقْتَاتٍ لاَ عُشْرَ فِيهِ، فأشبه الفث، وما إذا اقتاتوا ثمرة لا عُشْرَ فِيهَا، وبهذا قَالَ أبو حَنِيفة إلا أن يخرجه بدلاً بالقيمة.
والثاني -وبه قال مَالِكٌ وأحمد -رحمهما الله-: يجوز؛ لحديث أبي سعيد 1 وكلام الإمام يقْتَضِي تَرْجِيح القول الأَوَّلِ، وصغو الأكثرين إلى ترجيح الثَّانِي، ويحكى ذلك عنَ القاضي أَبِي حَامِدٍ، وبه أجاب مَنْصُورُ التَّمِيمِيّ في المُسْتَعْمَل.
والطريق الثَّاني -وبه قال أبو إسحاق-: القطع بالجواز، وإنما علق القول فيه حين لم يصح الخبر عنده، فلما صَحَّ جزم 2 به، فإن جوزنا فقد ذَكَر في الْكِتَاب أن الجبن واللبن في معناه، وهذا أظهر الوَجْهَيْن، وفيه وجه أن الإخراج منهما لا يجزئ؛ لأن الخبر لم يرد بهما، ويشبه أن يكون هذا الخلاف جارياً في إخراج من قوته الأقط واللبن والجبن لما بينهما من التَّقَارب، كأنهما جنس واحد، وفي إخراج من قوته اللبن اللبن.
أما الأول: فلأن أصحابنا العراقيين حكوا عن القاضي أَبِي الطَّيِّبِ جواز إخراج اللبن مع وجود الأقط؛ لأنه يَصْلُح للأقط وغيره.

وعن الشَّيْخ أَبِي حَامِدٍ: أنه لا يجزئ اللَّبن مع وجود الأقط؛ لأنه يصلح للادخار واللبن لا يصلح لَه، ففرض الخلاف في حالة وجود الأقط يَدُلُّ على ما ذَكَرْنَاه.
أما الثاني: فلأن صاحب "التهذيب" حكى في الدين قوتهم اللبن أنَّ في إخراجهم اللّبن وجهين على قولنا يَجُوزُ إخراج الأَقَط، واتفقوا عى أن أخراج المخيض والمصل والسمن لا يجزئ؛ لأن الاقتيات إنما يحصل عند اجتماع جزئي اللّبن، وهذه الأشياء لا تصلح للاقتيات، حتى لو كان الجبن منزوع الزبد لم يكن مجزئاً أيضاً.
ثُمَّ في الفَصْلِ مَسْألتان: إحداهما: لا يجزئ المسوس والمَعِيب 1 من هذه الأجناس كما لا يجزئ المعيب في سَائِر الزَّكَوَاتِ وإذا جَوَّزْنَا الأقط لم يجز أخراج المملح الذي أفسد كثرةُ الملح جَوْهَرَهِ؛ لأنه معيب وإن لم يفسد جوهره لكن كان الملحُ ظَاهِراً عليه فالملح غير محسوب، والشرط أن يخرج قدر ما يكون محض الأقط منه صاعاً.
ويجزئ الحب القديم وإن قَلَّت قيمته بسبب القدم إذا لم يتغير طَعْمُه وَلَوْنُه.
الثَّانية: لا يجزئ الدَّقيق ولا السويق 2 ولا الخبز؛ لأن النص ورد بالحب وأنه يصلح لما لا تصلح له هذه الأشياء، فوجب اتباع مورد النص، ولهذا منعنا إخراج القيمة.
وقال الأَنْمَاطِيُّ 3: يجزئ الدقيق.
قال ابْنُ عَبْدَانَ: ويقتضي قوله إجزاء السَّويق، وقياسه تجويز الخبز أيضاً، قال: وهذا هو الصَّحِيح؛ لأن المقصود إشباع المساكين في هذا اليوم.
لنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب خَاصَّة.
قوله: (والقوت كل ما يجب فيه العشر) ليس المراد منه أن القوت هذا على الإطلاق؛ فإن لفظ القوت يقع على غيره، ألا ترى أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- سمى

القَثَّ قوتاً وإن لم يجب فيه العشر، وإنما المراد منه أن لفظ القوت إذا استعملناه في هذا الباب عنينا به ما يجب فيه العشر، ثم نظم الكتاب يقتضي حَصْرَ الإجزاء فيما يجب في العشر؛ لأنه قال: "الواجب صاع مما يقتات"، ثم قال: "والقوت ما يجب فيه العُشْر"، وإنما يثبت الحضر إذا لم يحكمن بأجزاء الأقط، وهو الأظهر عند الإمام، فلعَلَّ حجة الإسلام -رحمه الله- نجا نحوه، لكن صغو الأكثرين إلى إجزائه كما بَيَّنَاه.
وقوله: (في الأقط قولان) مُعَلَّم بالواو للطريقة المعزية إلى أبي إسحاق.
وقوله: (للتردد في صحة حديث ورد فيه) أراد فيه ما ذكره الإمام أنه روى في بعض الرويات "أَوْ صَاعاً مِنْ أقط" وليست هذه الرواية على الحد المرتضى عند الشافعي -رضي الله عنه- وليست على حَدّ التزييف عنده فتردد لذلك قوله.
وقوله: (فإن صح فاللبن والجبن في معناه) أي: في ثبوت حكم الإجزاء وإلا فمطلق كونه في معناه غير مشروط بالصِّحَّة؛ بل إن صح فيشتركان في الإجزاء وإن لم يصح ففي عدم الإجزاء ثم هو مُعَلَّمٌ بالواو لما سبق.
وقوله: (ولا الدقيق) بالحاء والألف، وكذا قوله: (أنه بدل) فإن عندهما هو مجزئ، وهو أصل وأشار بقوله: (فإنه بدل) إلى أن الأبدال غير مجزئه في الزكاة على أصلنا، وهذا من جملتها؛ لأنه غير المنصوص عليه.
وقوله: (وقيل: إنه أصل) هو الذي حكيناه عن الأَنْمَاطِيّ، ونقل الإمام الخلاف في الدَّقيق، قولين عن رواية العراقيين، وذكر أنه مأخوذ من الأقط المضاف إلى اللبن.
قال الغزالي: ثُمَّ يَتَعَيَّنُ مِنَ الأَقْوَاتِ القُوتُ الغَالِبُ يَومَ الفِطْرِ فِي قَوْلٍ، وَجِنْسُ قُوتِهِ عَلَى الخُصُوصِ فِي قَوُلٍ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ فِي الأَقْوَاتِ، وَإذَا تَعَيَّنَ فَلَوْ أَبْدَلَ بالأَشْرَفِ، جَازَ كَإبْدَالِ الشَّعِيرِ بِالبُرِّ، وَلَوْ كَانَ اللاَّئِقُ بِحَالِهِ الشَّعِيرُ فَأَكَلَ البُرَّ أَوْ بِالْعَكْسِ جَازَ أَخْذُ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَ قُوتُ مَالِكِي عَبْدٍ وَاحِدٍ لَمْ يَكُنْ بِاخْتِلاَفِ النَّوْعَيْنِ بَأْسٌ، وَقِبيلِ: يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الأرْدِ مُوَافَقَةُ صَاحِبِ الأَشْرَفِ حَذَراً مِنَ التَّنْوِيعِ.
قال الرافعي: هل يتخير مخرج الفطرة بين الأجناس المجزئة؟ قال العراقيون والشيخ أبُو عَلِيّ: فيه وجهان: وقال المَسْعُودِي وطائفة: قولان: أحدهما: أنه يتخير؛ لظاهر قوله في الخَبَر: "صَاعاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ" 1

وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله-، وهو الأَصَحُّ عند القاضي الطَّبري فيما حكى القاضي الرَّوَياني.
وأصحهما: عند الجمهور: أنه لا يتخير، وكلمة (أو) محمولة على بيان الأنواع، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ﴾ 1 فإنه ليس للتخير، وإنما هو لبيان أنواع العقوبة المختلفة بحسب اختلاف الجريمة، وعلى هذا فوجهان: أصحهما -وبه.
قال ابن سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاق-: أن المعتبر غالب قوت البلد، فإن كان بالحجاز أَخْرَج التمر، وإن كان ببلاد العراق، أو خراسان فالحنطة، وإن كان بطبرستان أو جيلان فالأرز، ووجهه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "اغْنُوهُم عَنِ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ" 2 ولو صرف إليه غير القوت الغالب لما كان مغني عن الطَّلَبِ، فإنَ الظاهر أنه يطَلب القوت الغالب في البلد، وبهذا قال مالك.
والوجه الثاني: وبه قال أَبُو عُبَيْد بنُ حَرْبَوَيْهِ: أن المعتبر قوته على الخُصُوصِ، كما أن في الزكاة يعتبر نوع ماله لا الغالب.
قال ابْنُ عَبْدَان: وهذا هو الصَّحِيح عِنْدِي.
ويتعلق بهذا الاختلاف فروع: أحدها: إذا تَعَيَّن جنس إما لكونه غَالِبَ قُوتِ البلد، أو لكونه غَالِبَ قُوتِه، فليس المراد منه أنه لا يجوز العُدول عنه بحال، بل المراد أنه لا يجوز العُدُول عنه إلى ما هو أدنى منه، أما لو عدل إلى الأَعْلَى فَهُوَ جَائِز بالاتفاق.
فإن قيل: إذا عيّنا جنساً فَهَلاً امتنع العدول إلى غيره، وإن كان أعلا: كما أن الفِضَّة إِذَا تعينت في الزكاة امتنع العدولُ إلى الذَّهَب، وكذلك يمتنع العدولُ من الغَنَمِ إلى الإبِلِ، فيجوز أن يقال في الجواب: الزَّكَوَات الَمالِيَّةُ مُتَعَلِّقَة بالمال فأمر بأنه واسى الفقير مما واساه الله تعالى، والفطرة زكاة البدن فوقع النظر فيها إلى ما هو غذاء البَدَنِ، وبه قوامه والأقوات متشاركة في هذا الغَرَضِ، وتعيين شيء منها رفق وترفيه، فإذا عدل إلى الأعلى كاْن في غَرَضِ هَذِهِ الزَّكاة كما لو أخرج كرَائِمَ ماشيته.
وفيما يعتبر به الأدنى ولأعلى؟ وجهان: أحدهما: أن النظر إلى القيمة [لأن] 3 ما كان أكثر قيمة، كان أرفق بالمَسَاكين وأشق على المالك، وبهذا قَالَ أحمد فيما حكاه القَاضِي الرّويَاني.
وأظهرهما: أن النظر إلى زيادة صَلاَحية الاقتيات فعلى الأول يختلف الحالُ باخْتِلاَف البِلاَدِ وَالأَوْقَاتِ إلا أن يعتبر زِيادة القيمة في الأكثر، وعلى الثَّاني البرُّ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ والأرز، ورجح في "التهذيب" الشَّعِير أيضاً على التَّمْرِ، وعن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ -

رحمه الله-: أن التمر خير منه، وله في الزبيب والشَّعير، وفي التمر، والزَّبيب تردد.
قال الإمام والأشبه تقديم التَّمْرِ على الزبيب.
الثاني: إذا قلنا إن المعتبر قوت كل شخص بنفسه وكان يليق بحاله البر وهو يقتات الشِّعِير بُخْلاً لَزِمَهُ البُرُّ.
ولو كان يليق بحاله الشعير لكنه كان يتنعم باقتيات البُر، فهل يجزئه الشَّعِير؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ نظراً إلى عادته.
وأصحهما: نعم؛ نظراً إلى اللائق بأمثاله، ويشبه أن يرجع هذا الخلاف إلى اختلاف عبارتين للأصحاب في حكاية وجه ابن حَرْبَوَيهِ، فحكي بعضهم أن المعتبر قوت الشخص في نفسه.
وحكى آخرون أن المعتبر القوت اللائق بأمثاله، فعلى الثانية يجزئ الشعير، وعلى الأولى لا يجزئ.
والثانية: هي التي أوردها الصيدلاني وجمع صاحب "التهذيب" بينهما ورجح الثانية.
الثالث: قد يخرج الواحد الفطرة عن شخصين من جنسين فيجزئه كما إذا أخرج عن أحد عبدَيْه أو قريبية من غلب قوت البلد، إن اعتبرناه أو من غالب قوته إن اعتبرناه، وعن الآخر من جنس أعلى منه، وكذا لو ملك نِصْفَيْنِ مِنْ عَبْدَيْنِ فأخرج نصف صَاعٍ عن أحد النِّصْفَين من الواجب، ونصفاً عن الثَّاني من جنس أعلى منه، وإذا خَبَّرنا بين الأجناس فله إخراجهما من جنسين بِكُلِّ حَالٍ.
ولا يجوز أن يخرج الواحد عن الواحد الفِطْرَة مِنْ جِنْسَيْنِ وإن كان أحدهما أعلى من الواجب كما إذا وَجب الشَّعير فأخرج نِصْفَ صَاعٍ منه ونصفاً من الحنطة، ورأيت لبعض المتأخرين تجويزه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد.
لنا: ظاهر الحديث: "فَرَضَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ" 1 وإذا بعض لم يخرج صاعاً من تمر، ولا صاعاً من شعير، وأيضاً فإنها واجب واحد فلا يجوز تَبْعيضه، كما لا يجوز في كَفَّارة اليمين أن يُطْعِمَ خَمْسَةَ، ويكسو خَمْسة.
ولو ملك رجلانِ عَبْدًا فإن خيرنا بين الأجناس أخرجَا ما شاء بشرط اتحاد الجنس، وإن أوجبنا غالب قوت البلد وكانا في بلد واحدٍ أخرجا من ذلك بحسب الملك صاعاً منه، هكذا أطلقوه، وهو محمول على ما إذا كان العَبْدُ عندهما أيضاً؛ لأنه إذا كان غائباً وجب النظر في أن الفطرة تجب على السَّيد ابتداء أم هو متحمل لما سنرويه عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيّ، ولأن صاحب "المهذب" حكى أنه لو كان له عبد غائب، وقوت

بلده يخالف قوت بلد العبد فالواجب قوت بلده أو قوت بلد العبد، يخرج على الأصل المذكور، وإن كان السَّيِّدانِ في بلدين مختلفي القوت، اعتبرنا قوت الشَّخص بنفسه واختلف قوتهما ففيه وجهان: أظهرهما -وبه قال أبو إسحاق وابن الحداد-: أنه يجوز أن يخرج كل واحد منهما قدر ما يلزمه من قوته أو قوت بلده؛ لأنهما إذا أخرجا هذا أخرج كُلُّ واحد منهما جميع ما لزمه من جنس واحد، وشبه ذلك بما إذا قتل ثلاثة من المُحْرِمين ظبية، فذبح أحدهم ثلث شاة وأطعم الثَّاني بقيمة ثلث شاة وصام الثَّالث عدل ذلك يجزئهم.
والثاني -وبه قال ابن سريج-: لا يجوز ذلك؛ لأن المخرج عنه واحد فلا يتبعض واجبه على هذا فوجهان: أحدهما: وهو الذي أورده الإمام والمصنف-: أن على صاحب الارداء موافقة صاحب الإشراف احترازاً من التفريق، ومحافظة على جانب المساكين.
والثاني: أن صاحب الإشراف ينزل ويوافق صاحب الإرداء دفعاً للضرر عنه، وهذا حَكَاه القَاضِي الرّويَانِي وغيره، عن ابن سُرَيْجٍ.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ: الوجهان عندي في الأَصْلِ مُخَرَّجَان على أن فِطْرَة العَبْدِ تَجِبُ عَلى السَّيِّدِ ابتداءً أو هو متحمل؟ إن قلنا بالأول جاز التبعيض، وإن قلنا بالثَّاني فلا؛ لأن العبد واحد لا يلزمه الفِطرة من جنسين، والشيء لا يتحمل ضَماناً إلا كما وجب.
ذكر الشَّيْخُ هَذَا فيما إذا اعتبرنا قوت الشَّخص في نفسه، واختلف قوتهما ولقائس أن يخرج الوجهين فيما إذا اعتبرنا قوت البلد وكانا مختلفي القوت على هذا الأصل أيضاً، ثم إن كان العبد في بلدِ أحدِهِمَا فعلى التقدير الثاني يلزمهما صاعٌ من قوتِ ذلك البلد وإن كانَا في بلدِ ثالث يلزمهما صاعٌ من قوت ذلك البلد الثالث، وهذا وجه قد رواه صاحب "الشامل" وآخرون مُرْسَلاً، قالوا: يخرجان صاعاً من قوت بَلَدِ العَبْدِ ولو كان الأب فِي نفقة ولدين فالقول في إخراجهما الفطرة عنه كالقول في السَّيدين، وكذا من نَصْفُهُ حر وَنِصْفُه رقيق إذا أوجبنا عليه نصف الفِطْرة على التَّفْصِيل الَّذِي سبق فيه، فعند ابن الحَدَّادِ يَجُوز أنْ يُخْرِجَا مِنْ جنسين، وعند ابْنِ سُرَيجٍ: لا يجوز.
الرابع: إن أوجبنا غالب قوت البلد، وكانوا يقتاتون أصنافاً مختلفة وليس بعضها أغلب من بعض فله أن يخرج ما شاء، والأفضل أن يخرج من الأشرف.
ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب: أما قوله: (ثم يتعين من الأقوات القوتُ الغالبُ) معلم بالحاء.
وقوله: (وجنس قوته) بالحاء والميم.
وقوله: (يتخير) بالميم؛ لما رويناه.

ويجوز إعلامها جميعاً بالألف، وكذا إعلام قوله قبل هذا الفصل: (مما يقتات) لأن ابن الصَّبَّاغِ روى عن أحمد أنه لا يجوز أن يخرج إلا من الأجناس الخمسة المنصوص عليها أي: في حديث أَبِي سَعِيدٍ.
وقوله: (القوت الغالب يوم الفطر) التقييد بـ (يوم الفطر) لم أظفر له في كلام غيره، وبين لفظه هاهنا، ولفظه في "الوسيط" بعض المباينة؛ لأنه قال فيه: (المعتبر: غالب قوت البلد، في وقت وجوب الفطرة لا في جميع السنة).
وقوله: (وجنس قوته على الخصوص) ظاهره يشعر بالعبارة الأولى من العبارتين الحَاكيتين لوجوه ابن حَرْبَوَيِه، وتسمية الأول والثاني قولين لا تكاد توجد لغيره، وإنما حَكَاهُمَا الجُمْهُور وَجْهَيْنِ: وأما قوله: (وقيل: يتخير) فمنهم من حكاه قولاً على ما سبق.
وقوله: (ولو كان اللائق بحالة الشعير) يفرع على اعتبار قوت الشخص دون اعتبار القوت الغالب وإن كان معطوفاً على ما يتفرع عليهما جميعاً.
وقوله: (أخذ ما يليق بحاله) يجوز إعلامه بالوَاوِ لأن أحد الوجهين في الصورة الأولى أنه يتعين إخراج البر.
وقوله: (ولو اختلف قوت مالكي عبد) تفريع للمسألة على اعتبار قوت الشَّخص، وهو صحيح، لكنها لا تختص، بل تتفرع على أن المعتبر غالب قوت البلد أيضاً على الوجه الذي تقدَّم، وإطلاق النوع في المسألة تَوَسُّعٌ والمراد الجنس.
خاتمة: في باب الفطرة مسائل ذات وقع منصوص عليها في "المختصر" أهملها المصنف، ونحن لم نُؤْثِر الإعراضَ عَنْهَا: إحداها: إذا باع عبدًا بشرط الخِيَار فوقع وقت الوُجوب في زَمَان الخِيَار، إن قلنا: الملك في زَمَانِ الخِيَار للبائع فعليه فِطْرَته وإن أمضى البيع.
وإن قلنا: إنه للمشتري فعليه فطرته وإن فسخ البيع، وإن توقفنا فإن تم البيع فعلى المشتري، وإلا فعلى البَائِع.
وإن تبايعا ووقع وقت الوجوب في مجلس الخيار، كان كما لو وقع في زمان الخيار المشروط.
الثانية: لو مات عن رقيق ثُمَّ أَهَلَّ شَوَّالُ، فإن لم يكن عليه دَيْنٌ أخرج ورثته الفِطْرَة عن الرَّقِيق، كُلٌّ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وإن كان عَلَيْهِ دَيْنٌ يستغرق الترّكَةَ، فالذي نقله المزني أن عليهم الفطرة من غير فَرْقٍ بين أن يُبَاع فِي الدَّينِ أو لاَ يُبَاع.
وعن الربيع عن الشافعي -رضي الله عنه- أن عليهم إِخْرَاج الفِطْرة إن بقي الرقيق لهم فجعلوا المسألة على قولين إذا بِيعَ فِي الدَّيْنِ.

وَجْهُ الوجوب أنه ملكهم إلا أنه غير مستقر، وذلك لا يمنع وجوب الفِطْرة فَإنَّهَا تجب مع انتفاء الملك أصلاً وَرَأساً فأولى أن تجب مع ضَعْفِ المِلْكِ.
ووجه المنع أن إيجاب الفِطْرَة مع نقصان الملك وكونه بَعرض الزَّوال إجْحَاف بهم، وبنى الأكثرون المسألة أولاً على أصل، وهو أن الدَّيْنَ هل يمنع انتفاء الملك في التركة إلى الورثة؟ فظاهر المذهب، وهو نصّه هاهنا أنه لا يمنع؛ لأنه ليس فيه أكْثَرُ مِنْ تعلق الدَّيْنِ بِهِ، وذلك لا يمنع المِلْك كَمَا في المَرْهُونِ والعَبْدِ الجَانِي، وقال الإصطخري يمنع، وربما جَعَلَ هَذَا قولاً ضَعِيفاً لِلشَّافعي -رضي الله عنه- ووجهه أن الله تعالى جَدُّه قَدَّمَ الدَّيْنَ عَلَى المِيرَاثِ حيث قال: "مَنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ" 1. فإن قلنا بالأول فعليهم فِطْرَتُه بِيعَ فِي الدَّيْنِ أو لم يُبَع، وفهمت من كلام الإمام أنه يجئ فيه الخلاف المذكور في المَرْهُون والمَغْصُوب، وإن قلنا بالثاني، فإن بيعَ في الدَّيْنِ فلا شَيْءٍ عليه، وإلا فَعَلَيْهِمْ الفِطْرَة وفي "الشامل" حكاية وجه مطلق أنه لا شيء عليهم، ويشبه أن يكون مأخذهما ما حكاه الإمام أن أكثر المفرعين على المَذْهَب المنسوب إلى الإصطخري يقولون بالتوقف، إِنْ صُرِف العَبْدُ إلى الدّين بَانَ أنهم لَمْ يَمْلِكُوهَا، وإن أبرأ أصْحَاب الديون أو قضاها الورثة من غير التركة بَانَ أنهم مَلَكوها، وأن بعضهم قال بثبوت الملك للورثة عند زوال الدّيون ابتداء من غير إسناد وتبين.
وعن القاضي أبي الطيب: أن فطرته تجب في تركة السَّيد على أحد القولين كالعبد الموصى بخدمته.
هذا إذا مات السيد قبل استهلال الهلال، وإن مات بعده ففطرة العبد واجبة عليه كفطرة نفسه، وتقدم على الوَصَايَا والمِيرَاث، وفي تقديمها على الدّيون طريقان: أظهرهما: أنه على ثلاثة أقوال على ما قَدَّمْنَاها في زَكَاة المَالِ.
والثاني: القطع بتقديم الفطرة؛ لأنها متعلقة بالعبد واجبة بسببه فصار كأرش جنايته.
وأما فطرة نفسه فهي على الأقوال، وحكى القَاضِي الرّويَانِي طريقة أخرى قاطعة بتقديم فطرة نفسه أيضاً لقلتها في الغَالِب، وسواء أثبتنا الخلاف أم لا، فالمنصوص عليه في "المختصر" تقديم الفِطْرَة على الدَّيْنِ، وذلك أنه قال ولو مات بعد ما أهل شوال، وله رقيق فزكاة الفطر عنه وعنهم في ماله مبداة على الديون ولك أن تحتج بهذا النص على خلاف ما قاله الإمام، وتابعه المصنف؛ لأن سياقه يفهم أن المراد ما إذا طرأت الفطرة على الدَّيْنِ الوَاجِب، وإذا كان كَذَلِكَ لم يكن الدَّيْنُ مَانِعاً مِنْهَا، وبتقدير ألا يكون هو المراد لكن اللفظ مطلق يَشْمَل ما إذا طَرأت الفِطْرَة عَلَى الدَّيْنِ، وبالعكس، فاقتضى ذلك ألا يكون الدَّيْن مَانِعاً.

الثالثة: أوصى لإنسان بعبد ومات المُوصِي بعد مضي وقت الوجوب فالفطرة في تَرِكَتِهِ، وإن مات قَبْلَهُ وَقَبِلَ المُوصَى لَهُ الوصية قَبْلَ الهِلاَلِ فالفطرة عليه، وإن لم يقبل حتى دَخَلَ وقت الوجوب فعلى من الفطرة؟ يبني على أن الموصي له متى يملك الوصية؟ من قلنا: يملكها بموت الموصي، فإن قَبِلَ فعليه الفِطْرَة بِلاَ شَكٍّ، وإن رد ففيه وجهان حكاهما الشَّيْخُ أبُو عَلِيٌ.
أصحهما: الوجوب؛ لأنه كان مَالِكاً لِلْعبْدِ إلى أن رَدَّ.
والثاني: لا؛ لعدم استقرار ملكه؛ وإن قلنا: إنها تُمْلَك بالقبول، فيبنى على أن المِلك قَبْلَ القبول لمن يكون؟ وفيه وجهان: أصحهما: أنه للورثة، فعلى هذا فَفِي الفِطْرَة وجهان: أصحهما: أنها عليهم.
والثاني: لا؛ لأنا تبَيَّنَّا بالقبول أن ملكهم لم يستقر عليه.
والوجه الثاني: أنه باقٍ على مِلْكِ المَيِّتِ، فعلى هذا لا تَجِبُ فِطْرَتُهُ على أحد؛ لأن إيجابَها عَلَى المَيِّتِ ابتداء بَعِيدٌ.
وعند مالك، وفي "التهذيب" حكاية وجه آخر أنها تجب في تركته، وإن قلنا: بالتوقف فإن قبل فلعيه الفِطْرة، إلا فعلى الورثة؟ هذا كله إِذَا قَبِلَ المُوصَى لَهُ ولو مات قَبل القَبُول وبعد وقت الوُجوب فقبول وَارِثه يقوم مَقَامَ قَبُولِهِ، والملك يقع له، فحيث أوجبنا عليه الفِطْرة لو قبلها بنفسه فهي في تركته إذا قبل وَارِثهُ، فإن لم يكن له سوى العبد تركة ففي بيع جزء منه للفِطْرة ما سبق، ولو مات بعد وقت الوُجوب أو معه فالصدقة على الورثة إِذَا قَبِلُوا؛ لأن وقت الوجوب كان في مِلْك الوَرَثَةِ -والله أعلم-.
واعلم أن حجة الإسْلام -رحمه الله- وإن أهمل هذه المسألة الثالثة في هذا الموضع إلا أنه أشار إليها إشارة خفيفة في آخر الباب الأولِ مِنْ "كِتَابِ الوَصَايَا" وَفِقْهُهَا على الاختصار ما أَتيتُ بِهِ 1 -والله أعلم-.

جارٍ التحميل