على فرسَخَيْن، وإن انتقص من إِحدى العينين، فتعُصَّب العليلة، وتُطلق الصحيحةُ، ويوقف شخص في موضِعٍ يراه ويؤْمر بأن يتباعَدَ عَنْه إلى أن يقول لا أراه، فيُعْلَم [على] المسافة، ثم يُعَصَّب الصحيحةُ، وتُطلقَ العليلة، ويؤمر الشخص بأن يقترب راجعاً إلى أن يراه، فيضبط ما بين المسافَتَيْن، ويجب قسطه من الدية، وهذا الضبط مبنيٌّ على نهاية إبصاره في الصحيحة والعليلة، وهو متهم في الصحيحة بالزيادة، وفي العليلة بالنقصان؛ فلا يؤمن أنْ يكذب متدرجاً به إلى زيادة الواجب، فيمتحن في قوله:"أبصر 1 بالصحيحة" بأن تغيَّر ثياب الشخص الذي يبعدُ منه 2، ويقرب، ويسأل عنها، فينظر أيصيب أم لا؟ وفي قوله: "لا أبصرُ بالعليلة" قال بعضُهم: يحلف على أنَّه لا يبصر فوق تلك الغاية، وقال أكثرهم: يمتحن بانْ يضبط تلك الغاية، ويؤمر الشخص بأن ينتقل إلى سائر الجهَاتِ، والمجنيّ عليه بأن يدور، فإن توافَقَتِ الغاية من الجهات، فقد بأن صدْقُه، وإلا بانَ كذبه؛ لأن اختلافَ الجهاتِ لا يؤثِّر فيه، ويجري مثْلُ هذا الامتحان في نقصانِ السمْعِ من إحدى الأذُنين، فيمتحنُ في قوله: "أَسْمَعُ بالصحيحة"؛ بأن يغيِّر المنادي نداءه وكلامه، وينظر؛ هل يقف عليه المجنيُّ عليه، وفي قوله:" لا أَسْمَعُ بالعليلة" بأن ينتقل المنادي إلى سائر الجهات، وإذا انضبط 3 تفاوتُ مسافتَي الإبصار، فالواجب القِسْطُ، فإن أبصر بالصحيحة من مائتَيْ ذراعٍ، وبالعليلة من مائةِ ذراعٍ، فموجبه التنصيف 4، ولكن لو قال أهلُ البصر: إن المائة الثانيةَ تحتاجُ إلَى مثلى ما يحتاج إليه المائة الأولى؛ لقرب الأولَى وبُعْد الثانية، فيجب ثلثا ديةِ العليلة؛ قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وما أرى أنَّ ذلك يضبط.
وقوله في الكتاب: "البَصَر يستوي 5 فيه من الأعمش والأخفش... " إلى آخره، هذا ساكت 6 من جهةِ اللفظِ عن بيان وجوب الديةِ في بَصَر السليم، وكان الأحسن أن يقول: "البصر، وفيه كمالُ الديةِ، وإنْ كانَ من الأعمشِ والأخفشِ... " إلى آخره؛ ليتناول اللفظُ السليمَ وغيره، وهو الذي قصده، فيعتبر، وقد ذكرنا في النوع الثاني معنى الأعمش والأخفش، وسألت بعضَهم، ففسَّر الأخفش بالذي يبصر بالليل دون النهار، والقول بكمال الدية إلى إبْطَال بصره يقتضي وجوب كمالِهَا في بَصَر الأعشَى أيضًا، وهو الذي يبصر بالنَّهار دون الليل، لكن في "التهذيب": أنه لو جنى عليه، فصار أعشى، فعليه نصفُ الدية وأنَّه لو عَشِيَتْ بالجناية إحدى عينيه، فعليه ربع الدية، وقضيةُ إيجابِ النصفِ، إذا جعله بالجناية أعشَى -إِيجابُ النصف، إِذا جنى على الأعشَى، فأَذْهَبَ
بَصَره؛ وكذلك الأخْفش.
وقوله: "ومَنْ في حدَقَتِهِ بياضٌ لا يَمْنَعُ أَصْلَ البَصَرِ" ظاهره وجوبُ الدية، ما دام يبصر شيئًا، وإن ضعف بصره، ونقص ضوْءه، لكن ذكرنا في فَقْء العين التي فيها بياضٌ؛ أنه إن لم ينقص الضوء، يجب فيه الدية، وإن نقص، فلا تكمل الدية، فليكن في إذهاب ضوء العين، وفيها بيضٌ، مثلُ هذا التفصيل.
" فَرْعٌ"
لو شَخَصَتْ عينه بالجناية أو صار أعمش أو أحول، فالواجب على الجانِي الحكومةُ.
آخرُ: إذا أذهب ضوء عينه، وجاء آخر، وقلع الحَدَقة، ثم قال الأول: قُلِعَت بعد عود الضوء وقال الثاني: بل قبله، فالقول قول الثاني 1 ولو صَدَّق المجنيُّ علَيْه الأوَّلَ، ترتَّب في ذمَّة الأوَّل عن الدية، ولا يُقْبَل قوله على الثاني، بل يحلف، وعليه الحكومة.
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: الشَّمُّ وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَيُمْتَحَنُ بالرَّوائِحَ الكَرِيهَةِ الحَادَّةِ، وَعنْدَ النُّقْصَانِ يُحَلَّفُ لِعُسْرِ الامْتِحَانِ، وَقِيلَ فِي الشَّمِّ حُكُومَةٌ لأنَّهُ ضَعِيفُ النَّفْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إزالة الشمِّ بالجناية على الرأس وغيره وجهان، عن رواية صاحبُ "التقريب"، وقولان فيما رواه منصور التَّمِيمِيُّ:
أحدهما: أنَّ الواجبَ فيه الحكومةُ، دون الدية؛ لأن الشمَّ ضعيفُ النفعِ؛ فإن منفعته إدراك الروائح، والأنتان أكثر من الطيبات، فيكون التأذِّي أكْثَرَ من التلذُّذ.
وأصحُّهما: وجوب الدية؛ لما روي في كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وَفِي الشَّمِّ الدِّيَةُ" ولأنَّ الشم حاسَّة من الحواسِّ التي هي طلائعُ البدنِ فأشبهَتْ سائرها، ولو أذهب الشمّ من أحد المَنْخِرَيْنِ، فعليه نصف الدية، ويشبه أنْ يجيء فيه الوجه المذكُور في إِبطال السمع من إِحدى الأذنين.
ولو ارتتق المنفذُ، فلم يدرك الروائح، وقال أهل البَصَر: القوة باقيةٌ؛ فليكن كما مر في السمع ولو قَطَع أنفه، فأذْهَب شمَّه، وجبَتْ ديتانِ؛ كما في السَّمع؛ لأنَّ الشمَّ لا يحلُّ الأنف، وإذا أنكر الجاني زوالَ الشمِّ، امتحن المجنيُّ عليه بتقريب مالَهُ رائحةٌ حادَّةٌ منْه طيبةٌ وخبيثةٌ، فإن هَشَّ للطيب، وتعَبَّس للنتن، صُدِّق الجاني بيمينه، وإن لم يظهر عليه أثر، صُدِّق المجني عليه بيمينه 2، وان انتقص الشمّ، نُظِرَ؛ إن عُلِمَ قدْرُ الذاهب،
وجب قسطه من الدية وروي أن 1 الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "وَلا أَحْسِبُهُ يُعْلَمُ"، وإن لم يُعْلم، فيجب حكومة يقدِّرها الحاكم بالاجتهاد، ولم يذكُروا ههنا الامتحانَ بمن هو في مثل شمِّه، ولا بُعْدَ في طرده ههنا، فإن انتقص الشم من أحد المَنْخِرَيْنِ، فيمكن أن يعتبر بالجانب الآخر، ولم يذكروه ولعلهم 2 اكتفَوْا بالمذكور في السمع والبصر، وإذا ادعى النقصان، وأنكر الجاني، فيحلَّف المجني عليه، إذ لا يعرف ذلك إلا من جهته، وشبه ذلك بما إذا ادعَتِ المرأة انقضاءَ الأقراء، وقالت: حِضْتُ، وقد عُلَّق الطلاقُ بحيضها، قَالَ الإِمام: وينبغي أنْ يعيِّن المجنيُّ عليه قَدْرًا يطالب به وإلاَّ فهو كمن يَدَّعِي شيئًا مجهولاً، وسبيله في نفْسه 3 أن يأخذ الأقل المستيقَنَ، ولو عاد الشمُّ بعد ما ظُنَّ زواله، وأخذت الدية، وجب ردُّها، ولو وضع المجنيُّ عليه يده على أنفه عنْد رائحة منْكَرة، فقال الجاني: فعلت ذلك لعود شَمِّك، وأنكر المجنيُّ عليه، فهو المصدَّق باليمين؛ لأنه قد يقع ذلك اتِّفاقًا، ولرعاف وامتِخاطٍ، وعند تفكُّر ونحوه.
قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: النُّطْقُ وَفِي إِبْطَالِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَإِنْ بَقِيَ فِي اللِّسانِ فَائِدَةُ الذَّوْقِ والحُرُوفِ الشَّفَوِيَّةِ والحَلْقيَّةِ، وَفِي بَعْضِ الكَلاَمِ بَعْضُ الدِّيَةِ، وَيُوَزَّع عَلَى ثَمَانِيَةِ وَعِشْرِينَ حَرْفاً، وَتَدْخُلُ الشَّفَوِيَّةَ والحَلْقِيَّةُ فِي التَّوْزِيعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا جنى على لسانه، فأبطل كلامه، فعليه كمالُ الدية؛ لما روي عن زيد بْنِ أَسْلَمَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه قال: "مَضَتِ السُّنَّةِ بإيجَابِ الدِّيَةِ" 4 ولأن اللسان عضْوٌ مضمونٌ بالدية، فتضمن منفعته العظمى بها؛ كاليد والرِّجْل، وإنما تؤخذ الدية، إذا حكم أهل البَصَر بأنَّ نطقه لا يعود، فإن أخذت، فعادَ، استردَّت، وإذا ادعى زوال النطْقِ، وأنكر الجاني، ففي "التتمة" أنَّه يفزَّع في أوقات الخَلْوة، وينظر هَلْ يبدر منه ما يُعْرَفُ به كذبه، فإن لم يظهر شيءٌ، حلف كما يحلف الأخرس، وأخذت الدية، ولو بطل بالجناية بعض الحروف، وزّعت 5 الدية عليها، فإن الكلام يتركَّب منها، ولا فرق بين ما يخف على اللسان منها، وما يَثْقُل، قال في "التهذيب": والحروف مختلفةٌ في اللغات، وكلُّ من تكلم 6 بلغة، فالنظر عند التوزيعِ إلى حروف تلك اللغة 7، وذكر
القاضي ابن كُجٍّ مثله، وحكى 1 عن رواية أبي الحُسَيْن بنِ القطَّان وجهين فيمن يتكلَّم بلغتين، وبَطَل بالجناية حُروفٌ من هذه، وأخرى من هذه، أنَّ الدية توزَّع على حروف أكثرهما حروفاً أو على أقلهما.
ثم في الحروف الموزَّع عليها وجْهانِ 2، قال أكثرهم، وهو ظاهر النَّصَّ: إن التوزيع يكونُ على جميعها، وهي 3 ثمانيةٌ وعشرون في اللغة العربيَّة، فإن ذهب نصفها، وجب نصف الدية، وإن ذهب واحدٌ منها، وجب جزءٌ من ثمانية وعشْرين جزءًا من الدية، وعلى هذا القياسُ؛ وذلك لأنَّ الكلام يتركَّب من جميعها، وقال الإصطخريُّ: لا يدخل في التوزيع الحروفُ 4 الشفويةُ، وهي الباء والميم والفاء والواو، ولا الحلقيةُ، وهي الهاء والعين والغين والحاء والخاء والهمزة، وإنما التوزيعُ على الحروف الخارجَة من اللسان، وهي ما عداها، وحكى أبو الفَرَج السرخسيُّ هذا المذْهَبَ.
عن مالِكِ، وقد توجَّه ذلك؛ بأن منفعة اللسان هي النطْقُ بها، فيكون التوزيعُ عليها، وتكمل الديةُ فيها، ومن نصر الظاهر، قال: الحروفُ، وإن كانت مختلفةَ المخارج، إلا أنَّ الاعتمادَ في جميعِها على اللِّسَان، وبه يستقيمُ النطْقُ ويكمل، هذا إذا ذهب بعضُ الحروف، وله فيما بقي كلامٌ مفهومٌ.
أما إذا ذهب بعضُ الحروفِ، ولم يكن لَهُ فيما بَقِيَ كلامٌ مفهومٌ، ففي "التهذيب" أنه يجبُ كمالُ الديةُ؛ لأن منفعةَ الكلام [قد] فاتَتْ، ويحكَى هذا عن أبي إِسحاق، وعن القَفَّال، وفيما رواه الرويانيُّ أنَّه المذهب، ومنهم من قال: لا يلزمه إلاَّ قسْطُ الحروف الفائتة؛ لأنه لم يفت ما سواها من الحروف، وإنما تعطَّلت منافعُها، فصار كما إذا كَسَر صلبه، فتعطَّل مشيه، والرِّجل سليمةٌ؛ فإنه لا يلزمه بتعطيل المشْي ديةٌ أخرى، وفي "التتمة" أن هذا هو المشهورُ في المذهب، والمنصوص في "الأم"، ويمكن أن يكون السببُ فيما ذكره أنَّ الأئمَّة نقلوا في طرقهم عن "الأم"؛ أنه لو ذهب حرفٌ، وتعطَّل عليه بسببه الكلمةُ المشتملةُ عَلَى ذلك الحرف؛ كما إِذا ذهب حرفُ الميمِ، فلم يمكنه أن يأتي باسْمِ محمَّد، لم يلزمه إلا قسْطُ الحرف الفائت من الدية، ويجوز أنْ يقالَ: صورةُ النصِّ ما إذا لم يمكنه أنْ يأتي بالكلمة التي فيها الحرْفُ الذَّاهب، ولكن بقي له كلامٌ مفهومٌ، والذي صحَّحه القفَّال، صورتُهُ ما إذا لم يبْقَ له كلامٌ مفهومٌ، [والله أعلم].
وذكر المتولِّي تفريعاً على الخلافِ في أنَّ الحروف الشفويَّة، هل تدخلُ في التوزيع؛ أنَّه لو ضرب شفَتَيْهِ، فأذهب الحروفَ الشفويةَ، أو رقبته، فأذهب الحروفَ الحلقية، فإن وزَّعنا على جميع الحروف، وجب قسْطُ الذاهب، وعلى ما ذكره الاصطخريُّ لا يجب إلاَّ الحكومة، وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ، أنه لو قطع شفتيه، فأذهب الباء والميم، فعن أبي سعيد الإصطخريِّ؛ أنه يجب مع دية الشفتينِ أرشُ الحرفين، وأن ابنَ الوكيلِ، سُئِلَ عنه، فقال: لا يجبُ إلاَّ الديةُ؛ كما أنه لو قطع لسانه، وذهب كلامه، لا يجب إلاَّ الدية.
ولو جنَى على لسانِهِ، فصار يبدلُ حرفاً بحرف، وجب قسط الحرف الذي أبطله، ولا يصير الآخر بدلاً، فإنه أيضًا أحد الحروف المقصودة، ولو ثقل لسانه بالجناية، أو حدثت في كلامه عَجَلة أو تمتمة أوْ فأفأة، وجبت الحكومةُ دون الديةِ؛ لبقاء المنفعة، وكذا لو كان ألثغَ، وزادت لثغتُهُ.
وقوله في الكتاب: "وإن بقي في اللِّسان فائدةُ الذوقِ والحروفِ الشفويةِ والحلقيةِ" فيه تصريحٌ بأن الذوْقَ في اللسان، وهو المشهور، وفي "التتمة" أنَّ الذوقَ في طَرَف الحَلْق، ثم وجوبُ الدية بإبطال النطْقِ، وإن بقي الذوق لا شبهة فيه، فأما وجوبها بكمالها، وإن بقيت الحروفُ الشفويةُ والحلقيةُ، فقد ذكره ههنا، وفي "الوسيط"، وعلَّل هناك بأنَّ الذي بَطَل جزءٌ مقصودٌ برأسه، وهذا لم أجدْ له تعرُّضاً لسائر الأصحاب، وهو مناقض لما ذكره مِنْ بعد، وهو أنه يجبُ في بعض الكلام بعضُ الدية، ويوزَّع على جميع الحروفِ من الشفويَّة وغيرها، وإنما يستمرُّ ذلك على طريقة الإصطخريِّ على ما تبِّين.
وقوله: "وتدخُلُ الشفويةُ والحلقيةُ في التَّوْزيع" مُعْلَم بالواو، ويجوز إعلامه بالميم؛ لما سبق.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ كانَ لا يُحْسِنُ بَعْضَ الحُرُوفِ فَهَلْ يَنْقُصُ الدِّيَةِ أَوْ هُوَ كَضَعْفِ القُوَي فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بِجَنَايةِ فَوجْهَانِ مُرَتَّبانِ وَأَوْلَى بِالتَّنْقِيصِ، وَضَعْفُ سائِرِ المَنَافِعِ الَّتى لا تَتَقَدَّرُ مِثْلُ الحُرُوفِ، وَإِنْ كَانَ بِآفِةٍ لَمْ تنقُصْ، وَإِنْ كَانَ بِجِنايَةٍ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا لم يُحْسِنِ الرجلُ بعض الحروف؛ كالأرثِّ والألْثَغ الذي لا يتكلَّم إلاَّ بعشرين حرفاً مثلاً، هَل يجبُ في إبطال كلامه كلُّ 1 الدية؟ فيه وجهان 2:
أصحُّهما: نعم، وهذا ما أورده صاحبُ "التهذيب"، ووجهه أنَّ هذا الشخْصَ ناطقٌ، وله كلام مفهومٌ إلاَّ أنَّ في منطقه ضعفاً، وضعف منفعة العضو لا يقدح في
كمال 1 الديةِ، كضعف البطْش، والبَصَر، وسائر القُوَى، وعلى هذا، فلو أبطل بعضَ حروفه، فالتوزيع على ما يحسنه، لا عَلَى جميع الحروف.
والثاني: أنه لا يجبُ إلاَّ قسطُها من جميع الحروف؛ لأنَّ النطق مقدَّر بالحروف بخلاف البطش، وما لا يقدَّر بمثل ذلك، وعلى هذا، فالتوزيعُ عَلَى جميع الحروف، لا على ما يحسنها خاصَّة، وهذا ما أورده صاحب "التتمة"، وإذا قلنا بهذا الوجه الثاني، فلو كان الشخْصُ ممَّن يَقْدِرَ على التعبير عن جميع مقاصِدِهِ، لفطنته واستمداده من اللُّغة وتهدِّيه إلى مناظِمِ الكلامِ، فهل تكملُ الدية؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا؛ لأن اقتداره للحَذَق ومعرفة اللغةِ، لا لمعنى في الكلام، هذا إذا كان ما به مِنَ النقصانِ خلقيّاً أوحادثاً بآفة سماوية، فأما إذا حدث بجناية جانٍ، ففيه خلافٌ مرتَّب، والظاهر أنه لا تكمل 2 الديةُ، كيلا تتضاعف الغرامةُ في القَدْر الذي أبطله الجانِي الأوَّل، وهذا ما أورده الإِمام، وتكلَّم ههنا في نقصان سائر المنافع وفي نقصان الأجْرَامِ أيضًا، أما سائرُ المنافعِ 3، التي لا تتقدَّر تقدَّر النطق بالحروف؛ كالبطش والبَصَر، فإن كان النقصانُ فيها بآفةٍ، فلا اعتبار به، ويجب عَلَى من أبطلها الديةُ الكاملةُ، وكذلك مَنْ قَطَع العضْوَ الذي هو محلُّ تلك المنفعة؛ وذلك لأنه لا ينضبطُ لضعفها وقوَّتها، ويختلفان بالأعراض والأمراض، وتَتَبُّعُ مقاديرها يَعْسُر أو يتعذَّر، وإن كان النقصان بجنايةٍ، فإنَّ فيه احتمالاتٍ متلقاةٌ من كلام المشايخِ، ولا بأس، لو نقلنا وجوهًا 4:
أحدُها: أنَّ الجوابَ كذلك، والثَّاني، وهو الذي رجَّح أنَّه لا تكملُ الدية، بل يحط 5 قدْرُ الحكومة الَّتي غرمها الأول عن مبطلِ المنفعةِ، وقاطع العضو جميعًا تحرُّزاً عن تضْعِيفِ الغرامةِ.
وثالُثها: أنه لا يحطُّ عن قاطع الجرم، ويحطُّ عن مبطلِ المنفعة الناقصة؛ لتناسب جنايته مع جناية الأول، وأما الأجرامُ، فإما أنْ يكون لِما نَقَص أرشٌ مقدَّرٍ أو لا يكون، إنْ كان له أرشٌ مقدَّر، فالواجب على الثاني الديةُ مخطُوطاً عنها أرشُ ما نقص، سواءٌ حصل النقصان بآفة أو جنايةٍ 6؛ حتى لو سقطتْ أنملةٌ من أنامله بآفة، ثم قطع اليد
قاطعٌ يحطُّ عن دية اليدِ أرش الأصبع أو الأنملة، ولو جرح رأسه متلاحمةً، وجاء آخر، وجعَلَها موضِّحة، فعلى مَنْ أَوْضَح أرْشٌ موضِّحةٍ محْطُوطاً عنه واجبُ المتلاحمةِ، سواءٌ قدَّرنا واجبها، أو أوجبنا الحكومةَ، ولو التأمتِ المتلاحمةُ، واكتسى موضعها بالجِلْد، لكن بقي غائراً، وجاء آخر، وأوْضَح فيه، فالصحيحُ أنَّ حكم ذلك الجُرْح قد سقط، وعلى من أوضح أرشٌ كاملٌ، وإن لم يكن لما نقص أرشٌ مقدَّر؛ كفلقة ينفصلُ من لحمة الأنملة، فإن لم يؤثِّر في المنفعة، لم تنتقص به الديَة، وإن قدر وجوب حكومة فيه للشَّيْن، ولا فرق بيْنَ أن يحصل ذلك بآفةٍ أو جنايةٍ وإن أثَّر في المنفعة، فكذلك لا تنتقصُ به الديةُ، إن حصل بآفةٍ، وإنْ حَصَل بجناية، قال الإِمام: يجوز أن يجعلَ كالنقصان بآفةٍ، ويجوز أن يحط 1 عن الثاني مقدارُ الحكومة الواجبةِ على الأولِ، وهو الأقرب.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ فأَبْطَلَ بَعْضَ كَلاَمِهِ وَتَساوَت نِسْبَةُ الجُرْمِ والحُرُوفِ فَذَاكَ، وَإِنْ تَفَاوَتا أَخَذْنَا بأكْثَرِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلوْ قَطَعَ رُبُعَ اللِّسَانِ فَزالَ نِصْفُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَلوْ قَطَعَ نِصْفَ اللِّسَانِ فَزالَ رُبُعُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوِ اسْتأصَلَ البَاقِي وَقَدْ بَقِيَ ثَلاَثَةُ أَرْباَعِ الكَلاَمِ أَوْ ثَلاَثةُ أَرْبَاعِ اللِّسَانِ فَيَجِبُ ثَلاَثَةُ أَرْباعِ الدِّيَةِ أخْذاً بالأَكْثَرِ، وَقِيلَ: النَّظَرُ إِلَى الْجُرْمِ فِي حَقِّ البَاقِي وَلَكِنْ لَوْ بَقِيَ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ اللِّسَانِ وَفِيهِ نِصْفُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ وَحُكُومَةٌ وَكأَنَّ رُبُعَ اللِّسَانِ أَشَلُّ.
قَالَ الرافِعِيُّ: نزَّل العلماء النطْقَ في اللسان منزلةَ البَطْش في اليدِ، والمشْي في الرِّجْل، وقالُوا: إذا استأصل لسان إنسانٍ قَطْعًا، وأبطل كلامه، لم يلزمه إلاَّ ديةٌ واحدةٌ، ولو قطع عَذَبة اللسانِ، وبطل الكلامُ، فكذلك الحكمُ، وهو كما لو قطع أصبعاً، من اليد، فشّلَّت اليد، وقد يشكل ما ذكروه، بأنَّا نرى المقْطُوع اللسان يتكلَّم، ويأتي بالحروف كلِّها مفهومةً أو معظمها، وذلك يشعر بأنَّ النطق في اللسان، ليس كالبطش في اليد، ثم قالوا: إذا قطع بعض اللسان، وذهب يعض الكلام، فينظر؛ إن تساوت نسبة جرم اللسان والكلام؛ كما إذا قطع نصْفَ لسانه؛ فذهب نصف كلامه، فالواجب نصْفُ الدية، وإن تفاوتت 2 النسبةُ، كما إذا قطع رُبُعَ لسانه، فزالَ نصف كلامِهِ، أو نصف لسانه، فزال ربع كلامه، فعليه نصْفُ الدية، واختلفوا في تعليلِهِ، فقال أكثر الأصْحَاب: اللسانُ مضمونٌ بالدية، وإبطالُ منفعته أيضًا مضمونٌ بها، فيعتبَرُ الأغلظُ من موجبيها 3، ويجب الأكثر، وهذا كما أنه 4 إذا بَطَل البطْش بقَطْع بعض الأصابع، يجب الدية، ولو
قطع الخنصر والبنصر، مثلاً، يلزمه خُمْساً الديةِ، وإن كان الفائتُ من المنفعة دون الخُمْسَيْنِ، وقال أبو إسحاق: الاعتبارُ بالجرم لأنه الأصل الَّذي ينال بالجنايةِ، فيجب في قطع نصفِ اللسانِ، وذهابِ ربعِ الكلام نصفُ الدية، اعتباراً بالجُرْم، وإذا قطع ربعه، وزال نصْف الكلام، فعليه أيضاً نصْف الدية (1)، فإنَّما يجب النصف لأنَّه قطع ربعاً صحيحاً، وأشَلَّ ربعاً آخر، وتظهر فائدة الاختلاف في صورتين:
إحداهما: إذا قطع نصْفَ لسانِهِ، وذهب ربع الكلام، ثم جاء آخر، واستأصل الباقي، فعلى ما قاله الأكثرون: يجبُ عليه ثلاثةُ أرباع الدية لأنه أبطل ثلاثة أرباع الكلامِ، وعلى ما قاله أبو إسحاق: نصف الدية كما على الأول اعتباراً بالجرم.
والثانية: لو قطع ربع لسانه، فذهب نصف الكلام، ثم جاء آخر، واستأصَلَ الباقِيَ، فعلَى عبارة الأكثرين؛ عليه ثلاثة أرباع الديةِ؛ لأنه قطع ثلاثةَ أرباع اللسانِ، وفيها نصف (2) الكلام، وعلَى ما ذكره أبو إسحاق، عليه نصفُ ديةِ وحكومةٌ؛ لأنه قطع نصفاٌ صحيحًا، وربعاً أشَلَّ.
ولو أذْهَبَ نصفَ الكلام بجنايةٍ على اللسان من غير قطْعٍ، ثم جاء آخر، وقطعه، فعلَى طريقةِ الأكثرينَ؛ عليه ديةٌ كاملةٌ؛ لقطعه جميع اللسان، مع بقاء المنفعة فيه، وعلى ما ذكره أبو إسْحَاق؛ يلزمه نصْفُ ديةٍ وحكومةٌ؛ لأن الجرم لذهاب نصف الكلامِ، نصفُةُ صحيحٌ، ونصفه أشَلُّ، فيجب للنصفِ الصحيحِ نصفُ الدية، وللأَشَلِّ الحكومة.
وقوله في الكتاب: "وإنْ تَفَاوَتَا أَخَذْنَا بِأَكْثَرِ الشَّهادَتَيْن"، أراد به ما ذكر في "الوسيط"؛ أنَّ نقصانَ كلِّ واحد من الجرم، والحروف مبينٌ مقدار الزائل من القوَّة النطقية الَّتي لا يتقدَّر تحقيقًا، وشاهد عليه؛ فتأخذ بأكثر الشهادتين، وقوله: "وقيل: النظَرُ إلَى الجُرْم في حقِّ الثَّاني"، المرادُ منه الوجهُ المنسوبُ إلَى أبي إسحاق، وإنما قال: "في حَقِّ الَثَّاني" (3)؛ لأن الخلافَ يظهرُ في حقِّه، لا في حق القاطع الأول، وإلاَّ فالنظر إلى الجرم لا يختصُّ بالثاني على ما تبين.
" فُرُوعٌ"
رجلانِ قطع من أحدهما نصفُ لسانه، فذهب ربع كلامه، ومن الآخر نصْفُ لسانه، وذهب نصف كلامه، فقطع الأوَّل النصف الباقي من لسانِ الثانِي، لم يقتص منْه، وإن أجرينا القصاصَ في بعض اللسان؛ لنقصان المجنيَّ عليه.123
قطع نصف لسانه، وذهب نصف الكلامِ، فاقتص من القاطع، ولم يذهب منه إلاَّ ربع الكلام، يأخذ المجنيُّ عليه ربع الدية؛ ليتم حقُّه، وإن ذهب من المقتصِّ منه ثلاثةُ أرباع الكلامِ، فلا شيء على المجنيِّ عليه؛ لأن سراية القَوَدِ مُهْدَرة.
عود الكلامِ بعد ما ظُنَّ زواله، وأخذت الديةُ كعَودِ السمْع 1 والبَصَر.
من لا يتكلَّم بحرفِ من الحروف، إذا ضرب لسانه، فانطلق ذلكَ الحرفُ، وفات حرفٌ آخر، وجب قسطُ الحرفِ الفائتِ من الديةِ، ولم ينجبر الفائتُ بما انْطلق، وذلك مثل أنْ كان لا ينطقُ 2 لسانه بالتاء، وكان ينطقُ بالسينِ، فانطلق لسانه بعد الجناية بالتاءِ، وذهب مُكْنَة النطق بالسين، قال الإمامُ: والتوزيعُ يقع على الحروف، وفيها التاء 3 المستفادةُ، أم على الحروف التي كانتْ في اللسان قبل الجناية، هذا موضع النظر.
ولك أن تقولَ: ليبن هذا عَلَى أنَّ مَنْ يحسن بعض الحروفِ، وله كلامٌ مفهومٌ، إذا أبطل بالجناية بَعْضَ ما يحسنه يكونُ التوزيع عَلَى ما يحسنه، أو على جميع الحروفِ، فإن قلنا بالأول، فالتاء المستفادةُ لا تدخلُ في التوزيع، وإن قلنا بالثاني، فهما داخلان جميعًا فيه.
ومن في كلامه عجلة واضطرابٌ 4 إذا ضرب ضاربٌ لسانه، فانطلق واستقامَ لسانُه، لم يلزم الضاربَ شيءٌ؛ لأنه لم ينتقص 5 جرم ولا منفعة.
قطع فلقة من لسانه، ولم يبطل به شيءٌ من الكلامِ، قال الإِمام: من 6 راعى الكلامَ، لم يوجبْ على القاطع إلاَّ الحكومةَ، ومن راعى الجرم، أوجب قسْطاً بالنسبة إلى اللسان، لكن في هذا إيجاب المقدَّر من غير تفويتِ الكلامِ، ولو صحَّ ذلك، لزم إيجاب الدية الكاملةِ في لسانِ الأخْرَس، وبوجوب الحكومة، أجاب في "الوسيط"
قال الغَزَالِيُّ: السَّادِسَةُ: الصَّوْتُ وَفِي إبْطَالِهِ كُلُّ الدِّيَةِ فَإِنْ بَطَلَ مَعَهُ حَرَكَهةُ اللِّسَانِ فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ واحِدَةٌ لأنَّ الصَّوْتَ يُقْصَدُ لِلنُّطْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو جَنَى عَلَى إنسان، فأبطل صوته، واللسانُ على اعتداله، ويمكنه
من التقطيع والترديدِ، فعليه لإبطال الصوت الديةُ؛ لأنَّه من المنافع المقصودةِ في غرض الإعلام والزجْرِ، وغيرهما، وإنْ أبطل مع ذلك حركَةَ اللسانِ؛ حتى عجز عن الترديد والتقطيع، فوجهان:
أرجحهما، على ما يقتضيه نَظْم الكتاب: أنَّه يلزمه ديتانِ 1؛ لأنهما منفعتانِ مختلفتانِ، وفي كل واحدةٍ منهما إذا أفردتْ بالتفويت كمالُ الديةِ، فإذا فوتتا، وجب ديتان.
والثاني: لا يلزم إلاَّ ديةٌ واحدةٌ؛ لأن المقصودَ الكلامُ، لكنه يفوَّت بطريقين: انقطاع الصوت، وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقانِ، وقد يوجَدُ أحدهما خاصَّة، وإذا قلنا: يجب ديتان، وكانت 2 حركة اللسانِ باقيةً، فقد تعطَّل النطق بسَبَب فواتِ الصوْتِ، فيجيء الخلافُ المذكورُ في أن تعطُّل المنفعةِ، هل هو كزوالها، فإن جعلناه كزوالها، وجبت ديتانِ أيضًا، وإلا لم يلزم إلا ديةٌ 3، ومثل هذا الخلافِ الخلافُ في أنَّ من أزال سمع الصبي قبل أنْ يبلغ مظِنَّة النطق، وتعطَّل لذلك نطقه لم 4 يلزمه لذلك 5 ديةٌ أو ديتان؟ وهو مبنيٌّ على الخلافِ الذي مَرَّ في أنَّه، هلْ يجب عَلَى قاطع لسانِهِ الديةُ أم لا؟ إنْ قلنا: يجبُ، فليس على مزيلِ السمعِ إلاَّ ديةٌ واحدةٌ، وإنْ قلْنا: لا يجبُ، فعليه ديتان، وكذلكَ في كاسِرِ الفَقارِ، مع قاطع الرِّجْلِ المعطَّلة بكَسْر الفَقارِ، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: السَّابِعَةُ: الذَّوْقُ: وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَيُجَرَّبُ بِالأَشْيَاءِ المُرَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إبطالِ الذوقِ الديةُ؛ كما في إبطال السمْعِ والبصرِ وسائِرِ الحواسِّ، وقد يفرض ذلك بالجنايةِ على اللِّسان، وعلى الرقبة وغيرهما، واختلف كلام الأئمة؛ أن إيجاب الدية في الذوقِ منصوصٌ عليه للشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أوْ مقيسٌ بما نصَّ عليه.
والمُدْرَك بالذوْقِ خمسةُ أشياءَ: الحلاوةُ، والحموضةُ، والمرارةُ، والملوحةُ، والعُذُوبة.
والديةُ تتوزَّع عليها 1، فإن أبطل إِدراكَ واحدٍ منْها، فعليه خُمْسُ الدية.
ولو انتقص الإحساسَ، فَلَمْ يدركِ الطعومَ على كمالِها، فالواجبُ الحكومة، ولو اختلفا في ذهاب الذوقِ، جرب بالأشياء المرَّة المقزَّة 2، أو الحامضة الحادَّة، فإن ظهر منه تعبُّس وكراهةٌ, صدقنا الجاني بيمينه، وإلا فنصدقه باليمين، قال في "التتمة": ولو ضربه ضربةً، أزال بها نطْقَه وذوْقَه، فعَلَيْه ديتَانِ؛ لأنهما منفعتان مقصودتان، فلا تتبع إحداهُما الأخرى؛ لأن محلهما مختلفٌ, فالنطق في اللسان، والذوقُ في طرف الحَلْقِ، والذي ذكر في "التهذيب": أنه لو قطَع لسانَهُ، وذهب ذوقه، فعليه ديتان، والمرادُ منْه هذه الصورة، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الثَّامِنَةُ: المَضْغُ فَإذَا صَلُبَ مَغْرَسُ لَحْيَيه فَعَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ فَتَعَذَّرَ المَضْغُ فَكَمَالُ الأَرْشِ، فَإنِ اسْوَدَّ وَأَمْكَنَ المَضْغُ فَحُكُومَةٌ لإِزَالَةِ الجِمَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إبطال المضغ الديةُ، وقد يحتجُّ له بأنَّ المنفعة العظْمَى للأسنان المَضْغ، والأسنان مضمونةٌ بالديةِ، فكذلك منافعُها، كالبَصَر مع العين، والبَطْش مع اليد، وذكر في الكتاب لتفويتِ المَضْغ طريقين:
أحدهما: أن تصلب مغرس اللَّحْيَيْن؛ حتى تمتنع حركتهما مجيئًا وذهاباً.
والثاني: أن يجني على الأسنان، فيصيبها خَدَرٌ، وتبطل صلاحيتهما للمضْغ 3، وحكم بوجوب الديةِ بالطريقين، والوجوب بالجناية على السَّنِّ شائعٌ في كلام الأصحابِ، وبتصليب مغرس اللَّحْيَينِ، ذكره الفُوَرَانِيُّ، وعلى ذلك جرى الإِمام وصاحبَ الكتاب وغيرهما -رحمهم الله- وأعلم أنَّ تعذُّر المضغِ بالخَلَل الَّذي يصيب الأسنان؛ كتعذُّر البطْشِ لشَلَلِ اليدِ، والتعذُّر لتصليب المغرسِ شبه بتعذر المشي بكَسْر 4 الصلب، ويشبه أن يجيء في تكميلِ الديةِ في السِّنِّ المعطَّلة بتصليب المغرسِ الخلافُ المذكورُ في تكميل الديةِ في الرِّجْل المعطَّلة بكسر الصَّلْبِ، ولو جنى على أسنانِهِ، فاسودَّتْ، ولم تبطل منفعةُ المضغ، فلا يجب إلا الحكومة، وقد مرَّ ذلك، ويجوز أن يُعْلَم؛ لما مر قوله في الكتاب: "فحَكُومة" بالحاء والميم، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: التَّاسِعَةُ قُوَّةُ الإِمْنَاءِ والإِحْبَالِ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي قُوَّةِ الإِرْضَاعِ
حُكُومَةٌ لأنَّهَا عَارِضَةٌ، وَإِبْطَالُ الالْتِذَاذِ بِالجِمَاعِ أَوْ بِالطَّعَامِ إِنْ أَمْكَنَ فِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَكَذَا لَوِ ارْتَتَقَ مَنْفَذُ الطَّعَامِ بِجِنَايَةٍ عَلَى عُنُقِهِ وَبَقِيَ مَعَهُ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَحَزّ غَيْرِهِ رَقَبَتَهُ فَكَمَالُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا جنى عَلَى إنسان، فكَسِرَ صُلْبَهُ، وأبطل قوَّة إمنائِهِ، وجب عليه الديةُ؛ لأن الماء مقصودٌ للنَّسْل، ولو قطع أنثييه، فذهب ماؤُه، لزمه دية الأُنْثَيَيْنِ، وديةٌ لذهاب الماء، وكذا لو أبطلِ مِنَ المرأة فوقَ الإحْبَالِ، وجب عليه ديتُها، ولو جنى على ثَدْيها، فانقطع لبنُها، فعليه الحكومةُ، فإن انتقص، أخذت حكومة ما يليق به، وإن لم يكن لها لبنٌ عنْد الجنايةِ، ثم ولدت، ولم يدرَّ لها لبنٌ، وامتنع لذلك الإِرضاع، وجبت الحكومة، إذا قال أهل البَصَر: إن الانقطاع بسببِ الجنايةِ، أو جوَّزوا أن يكون بسببها، وفُرِّق بين إبطال الإرضاع وإبطالِ الامناءِ؛ حيث أوجب الدية؛ بأن استعدادَ الطبيعةِ للمَنِيِّ صفةٌ لازمةٌ للفُحُولِ، والإرضاع شيء يطرأ ويزول، هذا هو المشهور، وعن الإِمام احتمالُ أنه يجبُ الدية بإبطال منفعةِ الإرضاع، ولو جنى على صُلْبه، فذهب جِماعُهُ، لزمه الدية؛ لأن المجامعة من أصول المَنَافع، وورد الأثر فيه عن أبي بَكْرٍ وعمر وعليٍّ 1 -رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ أجمعين 2 -.
ولو ادعَى المجنُّى عليه ذَهَابَهُ، وأنكر الجاني، صُدَّق المجنيُّ عليه بيمينه؛ لأنه لا يُعْرَفُ إلاَّ منه، كما إذا قالت المرأة: حِضْتُ، إلا أن يقول أهلُ البَصَر: إنه لا يمكن أن يذْهَب الجماعُ من هذه الجناية.
واعلَمْ أنهم صوَّروا صورة ذهابِ الجماعِ بهذه فيما إذا لم ينقطع ماؤه، وبقى ذكره 3 سليماً، وذكروا أنه لو كسر صُلْبه، وأشلَّ ذكره، فعليه ديةُ الذَّكَر، وحكومةٌ لكسر الصلب، وإن كان الذكرُ سليماً، كان الشخص قادراً على الجماع حسّاً؛ فأشعر ذلك بأنهم أرادوا بذهاب الجماعِ بطلانَ الالتذاذِ به والرغبةِ فيه، وكذلك صوَّر الإِمام وصاحبُ الكتاب في إبطال شَهْوة الجماعِ على أنَّ الإِمام استبعد ذهابَ الشَّهْوة مع بقاء المنَّي، ثم قال: "إنْ أمكنَ ذلكَ، فيجب أن يُقَالَ: إذا ذهب بالجنايةِ شَهْوته للطَّعام، تجب الدية بطريق الأَوْلَى، إنْ صح تصورُّه 4 وأُدْرِكَ تأثير الجناية فيه.
ولو جنَى على عنقه، فلم يمكنه ابتلاعُ الطعام إلاَّ بمشقَّة لالتواء العُنُق، أو غيره، فعليه الحكومة، ولو لم ينفذ الطعامُ والشرابُ أصلاً، لارتتاق المنفذ، فلا يعيش المجنيُّ عليه، والحالة هذه، ولم تزد طائفةٌ من النَّقَلَةَ على أنه ساغ الطعامَ والشرابَ، فذاك،
وعليه حكومةٌ، وإنْ مات فعلَيْهِ الديةُ، ونقل الإمامُ وتابعه صاحبُ الكتابِ؛ أن نفْسَ الجناية المفضيَةِ إلى الارتتاق توجب الديةَ، حتى لو حزَّ غيرُه رقبتَهُ، وفيه حياةٌ مستقرةٌ، تجب الدية على الأول، ولو مات بامتناع نفوذِ الطعامِ والشراب، قال الإِمام: إن قلْنا: إنَّ من قطع يدَيْ إنسان أو رجلَيْه، ثم حَزَّ رقبته، لا يجب عليه إلا ديةٌ واحدةٌ، فكذلك ههنا، وإن قلنا هناك: يجب ديتانِ، ولا تداخل، فيجوز أن يقال ههنا: الموتُ بسبب الجوعِ والعطشِ، كسرايةِ الجراحاتِ؛ حتى لا يجبَ إلا ديةٌ واحدةٌ، ويجوز ألا يعدَّ من قبيل السرايات، بل يجعل كالحزَّ، فيجب بإبطال هذه المنفعة أو كسر الرقبة دية، وبإزهاق الرُّوح أخرَى 1، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَفِي الإِفْضَاءِ كَمَالُ الدِّيَةِ عَلَى الزَّوْجِ والزَّانِي جَمِيعاً وَهُوَ أَنْ يتَّحِدَ مَسْلَكُ الجِمَاعِ وَالغَائِطِ، وَلا يَنْدَرجُ تَحْتَهُ المُهُرُ، وَلا يَنْدَرجُ أَرْشُ البَكَارَةِ تَحْتَ المَهْرِ، وَلَوْ أَزالَ الزَّوْجُ بَكارَةَ زَوْجَتِهِ بِأُصْبُعِ فَفِي أَرْشِ البَكَارَةَ خِلاَفٌ, وَمَهْمَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ لاَ تَحْتَمِلُ الوَطْءَ إلاَّ بِالإِفْضَاءِ فالْوَطْءُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، فَإنْ كَانَ سَبَبُهُ ضِيقَ المَنْفَذِ فَهُوَ كَالرَّتْقِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرَ الآلَةِ فَهُوَ كالْجَبِّ فِي إِثْبَاتِ الخِيارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل:
احداها: نصَّ الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى أن في إفضاء المرأة ديتَهَا، وذلك لما فيه من فواتِ منْفعةِ الاستمتاعِ أو اختلالِه: وقد رُوِيَ عن زيدِ بنِ ثابتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ في الأفضاءِ الديةَ.
واختلفوا في حقيقته، فقال قائلونَ: الإفضاء أن يرفع الحاجزُ بين مدخل الذَّكَر، وهو في أسفلِ الفرج، ومنه يخرُجُ الولد، وبين مخْرَج البول، وهو ثقبةٌ في أعلاه، وقال آخرون: هو رفع الحاجزِ بين مَسْلَك الجماعِ ومخْرَج 2 الدبر.
واحتجَّ للأول؛ بأنهم صوَّروا الإفضاءِ بالوطء، ومدخلُ الذكرِ ومخرجُ البولِ متقاربانِ، فقد يفضي الوطء إلى رفع الحاجِز بينهما، والقبل والدبرُ متباعدان، وبينهما حاجزٌ قويٌّ من الأعضاء 3 الغليظة فلا يكاد يزولُ بالوطء، وبأنهم تكلَّموا في استمساك البَوْل واسترساله، إذا حصل الإفضاء عَلَى ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، وذلك يشعرُ بانخراق ثقبة البولِ، إذا وجد الإفضاء، وبهذا قال الشيخ أبو حامد، وتابعوه، وهو الذي رجَّحه صاحبُ "التهذيب" وغيره.
وللوجه الثاني؛ بأن الدية لا تجبُ إلاَّ بتفويت المنفعة، وذلك برفعِ الحاجِزِ بين السبيلَيْن، فأما رفع الحاجزِ بين ثُقْبة البول ومدخلِ الذَّكَر، فإنه لا يفوِّت المنفعة، وإنما يَنْقُصُهَا، ويحكَى هذا الثاني عن ابْن أبي هريرة، والقاضي أبي الطيِّب، والشيخ أبي محمَّد، والشريف ناصر، وهو الذي أورده الرويانيُّ في "الحِلْيَة".
وصاحب "التهذيب" في الكتاب 1.
قال الشيخُ المتولِّي: والصحيحُ أن كلَّ واحد منهما إفضاءٌ موجبٌ؛ للدية؛ لأن الاستمتاعَ يختلُّ بكلِّ واحدٍ منهما؛ ولأن كل واحد منهما يفوِّت إمساك الخارج من أحد 2 السبيلين وعلى هذا، فلو أزال الحاجزَيْن، فعلَيْه ديتان، والديةُ الواجبةُ بالإفضاء تختلفُ غلظًا وخفة باختلاف حالِ الإفْضاء، فقد يكون عمدًا محضًا؛ بأن تكون المرأة ضعيفة 3 أو نحيفةً، والغالبُ إفضاء وطْئها إلى الإفضاء، وقد يكون عمدًا خطأ؛ بألاَّ يتضمن وطؤُهَا الإفضاءَ غالبًا وقد 4 يكونُ خطأً محضًا؛ بأن يجد امرأة على فراشه، فيظنها امرأته التي عَهِدَها، فيطأها فيفضيها، وهذا إذا حصل الإفضاء بالوطء، ولا فرق في الدية بينه وبين أن يحصُلَ بأصبع أو خشبة، أو شيء محدَّد، وإذا أفضاها، وكان يسترسلُ بَوْلُها، ولا يستمسكُ، فعليه مع الديةِ حكومةٌ للشَّيْن الحاصلِ باسترسال البولِ، وفيه وجه أنه لا يجب إلاَّ الدية لأن زوال الحاجزِ يتضمَّن الاسترسال غالبًا، فلا يفرد بحكومة، ولا فرق في وجوب الديةِ في الإفضاء الحاصلِ بالوطء بين أن يوجد من الزوجِ أو الواطئِ بالشبهةِ أو الزاني، ويستقرُّ المهر على الزوج بالوطء المتضمِّن للإفضاء، ويجب به مهرُ المثلِ على الواطئ بالشبهة، وكذلك على الزانِي، إن كانت مكرهةً، وعليه الحدُّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ على الزوج ضمانُ الإفضاء، ويجب على الواطئ بالشبهةِ المهْرُ، وثلثُ الدية، إنْ كان البولُ مستمسكًا، وإن كان مسترسلًا، وجبت الديةُ دون المهر، قال: ولا مهر على الزانِي المكْرَهِ؛ بناءً عَلَى أن الحدَّ والمهر لا يجتمعانِ، وتجب الدية إنْ كان البول لا يستمسكُ، وإن كان يستمسكُ، فعليه ثلثُ الدية، وإن كانتْ مطاوعةً؛ قال: لا يجبُ على الزانِي ضمانُ الإفضاء لتولُّده من الوطء المأذون فيه، ووافق أحمدُ أبا حنيفة في جميع ذلك، واحتجَّ الأصحابُ بأن المهر وديةَ الإفضاءِ بَدَلاً منفعتين مختلفتَيْن، فلا يدخل أحدُهُما في الآخر، وقالوا: إنَّها وإن طاوعَتْ، فإنما رضيت بالوطء، لا بالإفضاء، وقوله في الكتاب: "على الزوج" معْلَم بالحاء والألف؛ لما تبيَّن، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الزَّانِي" بالعلامتين أيضًا؛ لأنهما لا يوجبانِ الضمانَ عليه، إن كانت المرأة مطاوعةً، وأيضًا فلو كانت مكرهةً، والبول
مستمسكٌ، فإنهما لا يوجبانِ عليه كمالَ الدية، وإنَّما يوجبان الثلث.
وقوله: "وهو أن يتحد مسلَكُ الجماعِ والغائطِ" معلَمٌ بالواو.
وقوله: "ولا يندرجُ تحته المهر"، أي تحت كمال الدية.
المسألة الثانية: أن إزالة بكارةِ المرأةِ توجَدُ تارةً ممَّن لا يستحقُّ الافتضاض 1، وأخرى من يستحقُّه، وهو الزوج.
القسم الأول: إذا كان مزيلُ البكارةِ ممن لا يستحقُّ الافتضاضَ، فينظرُ؛ إنْ أزالها بغير آلة الجماع: كالأصبع والخشبة، فعليه أرشُ البكارة، والمرادُ منه الحكومةُ المأخوذةُ من تقدير الرقِّ على ما بيَّنا في فصل الحكومات، وذكر في "التهذيب" وجهين في أن جنس الواجبِ يكون من الإبل، أو من نقد البَلَد، والأصحُّ الأول؛ عَلَى ما هو قاعدةُ الجناية على الأحْرار، ولو أزالت بكْرٌ بكارة أخْرَى، اقتص منها، وإن أزالها بآلة الجماعِ، فإن طاوعته المرأة، فلا أرش؛ كما لا مهر، وإن كانت مكرهةً، أو هناك شبهة نكاحٍ فاسدٍ أو غيره، فوجهان:
أظهرهما، وهو الذي أورده في الكتاب، وينسب إلى النصِّ: أنه يجب مهر مثلها ثيِّبًا، وأرش البكارة 2، ولا يندرج أرشُ البكارة في المَهْر؛ لأن المهْر يجب للاستمتاعِ، واستيفاء منفعة البَضْع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، والجهتان 3 مختلفتان، فيفرد موجبُ كلِّ واحدة عن موجب الأخرى.
والثاني: يجبُ مهر مثلها بكرًا؛ لأن القصد من هذا الفعْلِ الاستمتاع، وإزالة تلك الجلدة يحصل في ضمْن الاستمتاع، وإذا أوجبنا مهْر مثلها بكرًا، فقد وفَّينا حقَّ البكارة؛ لأن مهر مثل المرأة بكرًا يزيد عَلَى مهر مثلها ثيِّبًا، وإذا قلنا يفرد بالأرش، فيعود الوجهان في أن جنسه الإبل أو النقد؟
القسم الثاني: إذا كان المزيلُ مستحقَّ الافتضاضِ 4، وهو الزوج، فإن أزالها بآلةِ الجماعِ، فقد استوفَى حقه، وإن أزالها بغيرها، فوجهان:
أصحهما: لا شيءَ عليه؛ لأن المستوفَى حقُّه، وإن أخطأ في طريق الاستيفاءِ.
والثاني: أنه يلزمه الأرشُ؛ لعدوله عن الطريقِ المستحَقِّ له.
ومن افتضَّ، وألزمناه أرشَ البكارة، فلو أفضى المرأة مع الافتضاض، ففي دخول أرش البكارةِ في دية الإفضاء (1) وجْهان:
أحدهما: لا يدخل، كما لا يدخلُ المهر في الدية.
وأصحهما: الدخولُ (2)؛ لأن الدية والأرشَ يجبانِ للإتلافِ، فيدخل أقلهما في أكثرهما، والمهر (3) إنما يجبُ بسبب الاستمتاعِ، فلا يدخل في بدل الإِتلافِ، كما لو تحامل على الموطوءة، حتى كسر رجلها لا يدخلَ المَهْر في دية الرِّجْل.
الثالثة: إذا كانت الزوجةُ لا تحتملُ الوطء، إلا بالإفضاء، لم يجز للزوج وطؤُها، ولم يكن عليها (4) [التمكين، ثم الذي أورده صاحبُ الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" أنه إن كان سببه ضيقَ المنفذ؛ بحيث يخالف العادة، فللزوج خيارُ الفسخ، كالرَّتْق، وإن كان سببه كبر الآلةَ؛ بحيث يخالف العادة، فلها الخيار؛ كما في الجَبِّ، والمشهور من كلام الأصحاب، وقد تقدَّم ذكره في "كتاب الصداق"؛ أنه فسْخَ بمثل ذلك، بخلاف الرتْقِ والجَبِّ؛ فإنهما يمنعان الوطء على الإطلاق، والضيق والكبر لا يمنعانه على الإطلاق، وليسا من جملة العيوب ويشبه، أن يفصَّل، فيقال: إن كانت المرأة نحيفةً، لو وطئها الزوج، لأفضاها لكنها تحتمل وطء نحيفٍ مثلها، فلا فسخ، وإن كان ضِيقَ المَنفَذِ، بحيث يفضي وطؤها من أي شخص فرض إلى الإفضاء، فهذا كالرَّتْق، وينزل ما قاله الأصحاب على الحالة الأولَى، وما في الكتاب على الثانية، والله أعلم.
" فَرْعٌ"
إذا التأم الجُرْح بعد الإفضاء، سقطَتِ الديةُ، وعليه حكومةٌ، إن بقي أثر، كما لو عاد ضوء البصر بعد ما ظُنَّ زواله، وعن رواية الماسرجسيِّ وغيره وجه أنَّها تسقُطُ، كما إذا التحمت الجائفة.
آخر: لو أفضى الخنثَى المُشْكِل، ففي "البيان"؛ أنَّا إن قلنا: إن الإفضاء رفَعَ الحاجز بين منفذ البول ومدخل الذكَر، لم تجبِ الديةُ؛ لأنه لا يعلمُ، هل هو فرج1234
أصليٌّ أم لا، وإن قلنا: إنه رفع الحاجز بين القُبُل والدبر، ففيه اختلافٌ، ولو أزيلت البكارةُ من فرج المشكِلِ، فيجب حكومة الجِراحةِ، من حيث هو جراحة، ولا تعتبر البكارةُ؛ لأنه لا يتحقَّق كونه فَرْجاً.
قال الغَزَالِيُّ: العَاشِرَةُ فِي مَنْفَعَةِ المَشْيِ والبَطْشِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَلَ مَشْيُهُ وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي تَكْمِيلِ الدِّيَةِ فِي الرِّجْلِ المُعَطَّلَةِ بِخَلَلٍ فِي غَيْرِ الرِّجْلِ خِلافٌ سَبَقَ، وَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَلَ مَشْيُهُ وَمِنَيُّهُ فَفِي الانْدِراجِ خِلاَفٌ إِذِ الصُّلبُ كَأَنَّهُ مَحَلٌّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في البطْشِ الديةُ بكمالها، وكذلك في المشْي؛ لأنهما من المنافع الخطيرة، فإذا ضَرُبَ يديه، فشَلَّتا، فعليه الديةُ، وإذا ضرب على أصْبع، فشَلَّت، فعليه ديةُ الأصبعِ، ولو كسر صلبه، ففات مشيه، والرِّجْل سليمة، وجبت الديةُ، ويحتجُّ له بما رويَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ" ولا تؤخذُ الديةُ؛ حتى تندمل، فإن انجبر، وعاد مشيه، كما كان، فلا دية، وعليه الحكومة، إن بقي له أثرٌ، وكذا لو انتقصَ مشيه، بأن كان يحتاجُ إلَى عصًا، أو يمشي مُحْدَوْدِبًا 1، ولو كسر صُلْبُه، وشَلَّت رِجْله، قال في "التتمة": يلزمه الدية؛ لفوات منفعة المشي، وحكومةٌ؛ لكسرِ الظهر، ويخالف ما إذا كانت الرجلُ سليمةً؛ حيث لا يجبُ مع الدية حكومةٌ؛ لأن المشيَ منفعةٌ في الرجل، وإذا شَلَّت الرجل، ففواتها لشلَلِ الرجلِ، فأفرد كسر الصلب بالحكومة، وإذا كانت سليمةً، ففوات المشي لخللِ الصُّلب، ولا يفرد بحكومة، ويوافق هذا ما ذكره ابن الصَّبَّاغ؛ 2 أنه لو كسر صلبه، فشَلَّ ذكره، يجبُ حكومة للكَسْر، وديةٌ لشللِ الذكر، وفي هذا تصريحٌ بأن مجرَّد الكسر لا يوجب الديةَ، وإنما يجب الدية، إذا فات به المشْيُ، أو الماءُ، أو الجماعُ على ما سبقَ، وإذا ادَّعَى المجني عليه ذَهَابَ المشي، وكذبه الجاني، امتحن؛ بأن يقصد بالسيف في غفلة منه، فإن تحرَّك، ومشى، ظهر كذبه، وإلا حَلَف وأخذ الدية، ولو ذهب بكسر الصُّلْب مشيه ومَنِيُّهُ 3، أو مشيه وجِمَاعُه، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يلزمه ديتَانِ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما مضمونٌ بالدية عند الانفراد، فكذلك عند الاجتماع.
والثاني: لا يجبُ إلا ديةٌ واحدةٌ؛ لأن الصُّلْب محلُّ المني، ومنه يبتدئ المنيُّ، واتحاد المحل يقتضي اتحادَ الدية، ومن قال بالأول، قال: المشيُ في الرِّجْل لا في الصُّلْب، ومنع كون الماء مستقرًا في الصُّلْب، وقال: ليس له محلٌّ مخصوصٌ، إذا أخذ منها البَدَن، وإنما يتولَّد من الأغذية الصحيحة، إذا أخذ منها البدن.
وقوله في الكتاب: "في منفعةِ البطشِ والمَشْيِ كمالُ الدية" أي: في كلِّ واحد منهما.
وقوله: "وفي تكميلِ الديةِ في الرِّجْل المعطَّلة بخَلَلٍ في غير الرَّجْل خِلافٌ سبق"، وقد بيَّناه من قبلُ، ولا حاجة إلَى إعادته في هذا الموضع.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا حُكْمُ الأَطْرَافِ فَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَجِبَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ قَرِيبٍ مِنْ عِشْرِينَ دِيَةٌ جَمْعًا، فَلَوْ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ تَدَاخَلَ، فَلَوْ حَزَّ الجَاني رَقَبَتَهُ تَدَاخَلَ أَيْضًا، وَعَلَى القَوْلِ المُخَرَّجِ لاَ يَتَداخَلُ، وَلَوْ كانَ القَطْعُ خَطَأً والحَزُّ عَمْدًا أَوْ بِالعَكْسِ فَفِي التَّدَاخُلِ قَوْلاَنِ لِأَنَّ تَغَايُر الحُكْمِ يُضَاهِي تَغَايُر الجَانِي، وَعَلَى التَّدَاخُلِ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً وَقَتَلَ عَمْدًا فالواجِبُ دِيَةٌ نِصْفُهَا مُغَلَّظَةٌ عَلَى الجَانِي وَنصْفُهَا مُخَفَّفَةٌ عَلَى العَاقِلَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الكُلُّ مُغَلَّظَةٌ إِذِ الحَزُّ أَبْطَلَ مَا سَبَقَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمَّا فرغ من الكلام فيما يقابَلُ بالدية فيما دُونَ النفْسِ من الأجْرَام واللطائف، بَيَّنَ أنه يجوز أن يجتمعَ على الشخص الواحد كثيرٌ من أسباب الدية؛ بأن بيان منه أجرامٌ، وتزال منافعُ، ولا تسري إلى النفس، بل تندملُ، ثم بين الحكم، إذا سَرَتْ إلى النفس، أو قتله الجاني قبل الاندمال، أما الدياتُ المجتمعةُ، فقد ذكر أنه يتصوَّر في شخص واحد قريبٌ من عشرين ديةً جميعًا، وإذا تأمَّلت ما سبق، وجدْتَها أكثرَ من ذلك، وهي هذه الأذنانِ، أو إبطالُ حسِّهما، وَالعينان، أو البَصَر، والأجفان، والمَارِن، والشَّفَتَان، واللِّسان، أو النّطْق، والأَسْنَان، واللَّحْيَان، واليدان، والرجلان 1، والذَّكَر، أوالأُنْثَيَيان، والحَلَمَتان، والشُّفْران، والألْيَان، والعَقْل، والسَّمْع، والشَّمّ، والصَّوْت، والذَّوْق، والمَضْغ، والإمناء، والإحْبَال، وإبطالُ لذَّة الطَّعام، أو لذَّةِ الجمَاعِ، والإفضاءُ في المرأة، والبَطْش، والمَشْيُ، وقد يضافُ إليها موجباتُ الحكوماتِ، والمواضحِ، وسائرِ الشَّجَّات، والجوائفِ، ويجتمع مالٌ كثيرٌ لا ينحصِرُ.
وأما إذا سَرَت الجراحاتُ، وقَطْع الأطراف، ومات فيها، فقد صارَتْ نَفْسًا، فالواجبُ ديةُ النَّفْس، ويسقطُ بدلُ الأطراف، ولو عاد، فحزَّ رقبته، أو قدَّه نصفَيْن، نُظِر؛ إن كان ذلك بعد الاندمالِ، فله ديةُ الأطراف، وديةُ النفسِ؛ لاستقرارِ دياتِ الأطرافِ بالاندمال، وإنْ كانَ قبل الاندمال، فقدولان: [أحدهما، وهو] 1 ظاهرُ المذهبِ، وهو المنسوبُ إلى النصِّ: أنه لا يجبُ إلاَّ دية النفس؛ لأنها وجبتْ قبل استقرار بدلِ الأطرافِ، فيدخل فيها بدلُ الأطراف، كما لو سَرَتْ، وأيضًا فإن السراية، إذا لم تنقطعْ بالاندمال، كانت الجناياتُ كلُّها قتلًا واحدًا.
والثاني، خرجه ابنُ سُرَيْج، وبه قال الإِصطخريُّ، واختاره الإِمام: أنه يجب دياتُ الأَطرافِ مع دية النَّفْس، ولا تداخل؛ كما لو حَزَّ بعْد الاندمالِ، وكما لو كان الجالي 2 غيره، وهذا إذا اتفقتِ الجنايةُ على الأطراف، والجناية على النفْسِ في العمدية، أو الخَطَئِيَّةِ 3.
أما إذا كانت إحداهما عمْدًا، والأخرى خَطَأً، وقلنا؛ بالتداخل عند اتفاقِ الصفَةِ، فوجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أن الحكْمَ كما لو كانا عمدَيْن، أو خطأَيْنِ.
وأشبههما: المنع؛ لأن التداخل يليقُ بحالة الاتفاقِ دون الاختلافِ، ولأن المستحقَّ عليه يختلفُ عند اختلاف الصفةِ، فلو قطع يد رجلٍ خطأً، ثم حز رقبته قبل الاندمال عمدًا، فللولي قتله قصاصًا، وليس له قطع يده، فإن قتله قصاصًا، فإن قلنا: بالتداخُلِ، وجعلْنا الحكم للنفْسِ، فلا شيء له من الدية، وإنْ قلنا، بعدمِ التداخلِ، فيأخذ نصف الدية من العاقلة لليد، وإن عفا عن القصاص، فإن قلنا بالتداخل، فوجهان:
أحدهما: أنه يجبُ ديةٌ نصفُها مخَفَّفةٌ على العاقلة، وصفُها مغلَّظة على الجانى، ويراعى الصفتان، وينسبُ هذا إلى النصِّ.
وأظهرهما، وهو الذي أورده في "التهذيب": أنه يجب دية مغلَّظة على الجاني؛ لأنا إذا قلنا بالتداخل، فمعناه إسقاطُ بدل الطرف، والاقتصارُ على بدل النفس لصيرورةِ الجنايةِ نفسًا، ولو لم يسبق قطعُ اليد، لكان يلزمه دية مغلَّظة، فكذلك هاهنا، وإن قلنا لا تداخل، فيجب نصف دية مخفَّفة على العاقلة لليد، وديةٌ مغلَّظة عليه للنفس.
وإن قطع يديه عمدًا، ثم حز رقبته قبل الاندمال خطأً، فللوليِّ قطع يده، وإذا 4
قطعها، فإن قلنا بالتداخل، فله نصفُ الدية المخفَّفة؛ لأنه أخذ بالقطع نصف بدلِ النفْسِ، وإن قلنا: لا تداخل، فيأخذ كمال الدية المخفَّفة، وإنْ عفا عن قطع اليدِ، وإن قلنا بالتداخلِ، فعلى الوجهين على المنسوب إلى النصِّ؛ يجب نصف دية مخفَّفة، ونصف دية مغلَّظة لليد، وعلى الآخر ديةٌ مخفَّفة للنفْسِ، قال الإِمام: ولو قطع يديه، أو يديه ورجلَيْه، أو أصبعًا من أصابعه عمْدًا، ثم قبل الاندمال حزَّ رقبته خطأً أو بالعَكْس، وقلنا: يراعى صفة الجنايَتَيْن على القول بالتداخل فينَصَّف تغليظًا وتخفيفًا، ولا ينظر إلَى أقدار أُرُوش الأطرافِ؛ لتوزَّع الدية عليها تغليظًا وتخفيفًا؛ لأن الحكم بالتداخل مبنيُّ على أن الحزَّ بعد قطع الأطراف كسراية تلْك الأطراف؛ فكان الحَزُّ مع الجنايات السابقة، كجراحاتٍ مؤثرة في الزهُوق، انقَسَمَت عمدًا وخطأ، فحينئذٍ فتُنَصَّفُ الديةُ تغليظًا وتخفيفًا، ولا نَظَر إلى أقدار الأُرُوش، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَجَرَاحُ العَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ كَجَرَاحِ الحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ عَلَى النَّصِّ، وَفِيهِ قَولٌ مُخَرَّجٌ أَنَّ الواجِبَ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ، فَلَوْ قَطَعَ ذَكَرَ العَبْدِ وَجَبَ كَمالُ قِيمَتِهِ عَلَى النَّصِّ، وَعَلَى التَّخْرِيجِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَنْقِصَ القِيمَةُ كَالبَهِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل الكلامُ في الجناية على الرقيق، وقد مرَّ أن الواجب بقتل الرقيقِ قيمتُهُ بالغةً ما بلغَتْ يستوي في ذلك القِنُّ، والمدَبَّر، والمكاتَبُ، وأمُّ الولد، وأما الجناية عليه فيما دون النفْسِ، فينظر؛ إن كانت الجنايةُ مما توجِبُ مقدارًا في الحُرِّ؛ كالشَّجَّات، وقطع الأطراف، ففيه قولان:
أصحهما: أن الواجبَ فيها جزءٌ من القيمة، نسبته إليها نسبةُ الواجب في الحُرِّ إلى الدية؛ لما رُويَ عن عمر وعليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-؛ أنَّ جراحَ العبدِ من ثَمَنِهِ كجراحِ الحُرِّ من ديته 1، والمرادُ من الثمن القيمةُ، وعن سعيد بْنِ المُسَيَّب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أن جراحَ العبدِ من قيمته، كجراح الحرِّ من ديته، ولأن العبد شخصٌ مضمونٌ بالقصاصِ، فيتقدَّر بدل أطرافه؛ كالحرِّ، وبهذا قال أبو حنيفةَ في رواية، ويروى عنه أن ما فيه منفعةٌ مقصودةٌ 2 يضمَّن بالمقدَّر من قيمته، وما ليْسَ فيه منفعة
مقصودةٌ 1؛ كالأذنَيْن، والحاجبَيْن، واللِّحْية، ففيه من العبد ما نقَصَ من قيمته، وهذا على أصْله في تقدير بعْض الشعورُ من الحرِّ.
والثاني، ويحكَى عن المُزَنِيِّ، وابْنِ سُرَيْجٍ: أن الواجب قدْرُ ما نقص من القيمة؛ لأنه مملوك؛ كالبهيمة، وقال مالك: الواجبُ قدرُ النقصان إلاَّ في الموضِّحة، والمنقِّلة، والمأمُومَة، والجائفة، ففيها المقدَّر، ومن الأصحاب من قطع بالقول الأول 2؛ ولم يثبت الثاني، والمشهور إثباتُهُما، ثم منهم من يقول: الأوَّلُ هو المنصوصُ، والثاني خرَّجه ابنُ سُرَيْج من أحد القولَيْن في أن بدَلَ العبد يتحملَّه 3 العاقلة، فإنه ألحقه بالبهيمة عَلَى هذا القول، وقال قائلون: الأول الجديد، والثاني القديم، وهما جميعًا منصوصان.
لوان كانت الجنايةُ لا توجِبُ؛ مقدارًا في حق الحر، فالواجبُ فيها في العبد ما ينقصُ من القيمة بلا خلاف.
إذا تقرَّر ذلك، فعلى الأصحِّ في إحدى يدَي العبد نصْفُ قيمَتِهِ، وفي يدَيْه قيمته 4، وفي الأصبعِ الواحدةِ عُشْرُها وفي الأنمُلَةِ الواحدَةِ ثلُثُ عُشْرِها، وفي الموضِّحة نصفُ عُشْرِها، وعلى هذا القياس.
ولو قطع قاطعٌ ذكَرَهُ، وأنثييه، فعليه قيمتان؛ كما يجب فيها من الحرِّ ديتان، وعلى القول الآخر، الواجبُ فيهما جميعًا قدْرُ النقصان، وإذا لم تنقصِ القيمةُ بقَطْع الذَّكَر والأُنْثَيَيْن، أو زادت، فوجهان:
أظهرهما، وبه قال أبو حنيفة، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجبُ شيء.
والثاني: تجبُ حكومةٌ يقدِّرها الحاكم بالاجتهاد، أو يعتبر بما قبل الاندمال، وجعل هذا الخلاف كالخلافِ فيما إذا اندملَتِ الجراحة، ولم يبق شَيْن، ولا أثر 5، ومنهم من قطع بالوجه الأول، وإذا قطع يد عبد، قيمته ألفٌ، فعادت قيمته إلى مائتَيْن، فعلى الأصحِّ لا يجب إلا خمسُمائةٍ، وعلى الآخر ثَمَانمائة، ولو عادت إلى 6 ثمانمائة،
فعلى الأصحِّ يجب خَمْسُمَائَة، وعلى الآخر لا يجب إلا مائتان.
ولو جنَى على العبد اثنانِ؛ بأن قطع أحدهما إحدَى يديه، والآخر اليدَ الأخْرَى، نُظِرَ، إن وقعت الجنايتان معًا، فعليهما قيمته، وإن تعاقبتا، وكانت القيمةُ عند القطع الثاني ناقصةً؛ بسبب القطع الأول، فإن مات منهما، ففي الواجب عليهما اختلافُ أوجه مذكورة في كتاب الصيد والذبائح، وإن وقف القطعان، نُظِرَ؛ إن وقع القطع الثاني بعد اندمال الأول، فعلَى كلِّ واحد منهما نُصفُ (1) قيمته قبل جنايته، فإن كانت (2) قيمته ألفًا، فعادت بالقطع الأول إلى ثمانمائة، وبالثاني إلى ستمائة، فعلى الأول خمسمائة، وعلى الثاني أربعمائة، وإن قطع (3) الثاني قبل اندمال الأول، فقد نقل صاحب "التهذيب" وغيره؛ أن على الثاني نصْفَ ما أوجبنا على الأول، وهو مائتان وخمْسُون؛ لأن الجناية الأولَى ما استقرت بعدُ حتى يضبط النقصان، وقد أوجبنا فيها نصْفَ القيمة، فكأنه انتقص نصْف القيمة، والحكم فيما إذا قطعَ الواحِدُ يديَ العبدِ، ولم يَسْرِ، كالحكم (4) فيما لو قطع اثنان، وهذا كلُّه على القول الأصحِّ، وعلى القول الآخر يجبُ على كل قاطعٍ ما ينقص بجنايته، وإذا قطعت أطرافُ العبد، ثم حَزَّ حازٌّ رقبته، فالواجب عليه قيمة العَبد، فقيد الأطراف ويفارق الحرَّ حيث لا يؤثر فقْدَانُ الأطراف في بدله، لأن الرجوعَ في بدل العبد إلى الأسواقٍ، وقولِ المقوِّمين، وبدل الحرِّ مقدَّر بالشرع لا يختلف، وفقد بعض أطراف العبد يؤثِّر في بدل سائرِ أطرافِهِ، لتأثيره في نقصان بدل النفْس، والحرُّ بخلافه.
وقوله في الكتاب: "كجراحِ الحُرِّ من ديته" معْلَم بالميم.
وقوله: "الواجبُ بِقَدْرِ النقصان" بالحاء.
وقوله: "وفيه قولٌ مخرَّج" بالواو.
وكذا قوله: "لم يجبْ شيء"، ويجوز أن يُعْلَم الحكمُ في القولَيْن جميعًا بالألف، لأن عن أحمد روايتين كالقولين، والله أعلم.
قال الغَزَالِي
ُّ: القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ في المُوجِبِ،
والنَّظَرُ فِي أَرْبَعَةَ أَطْرافٍ، الطَّرَفُ الأَوَّلُ: السَّبَبُ وَهُوَ كُلُّ ما يَحْصُلُ الهَلاكُ عِنْدَهُ بِعِلَّةِ سَوَاهُ وَلَكِنْ لَوْلاهُ لَمَا أَثَّرَتِ العِلَّةُ كالحَفْرِ مَعَ التَّرْدِيَةِ، فأَمَّا مَا يَحْصُلُ الهَلاَكُ لَوْلاَهُ كَمَا لَوْ مَاتَ عِنْدَ صَعْقَةٍ خَفِيفَة فَهَذَا لا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ، وَلَوْ صاحَ عَلَى صغيرٍ فَارْتَعَدَ وَسَقَطَ مِنْ سَطْحٍ ضَمِنَ، وَفِي1234
القِصَاصِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ كانَ بالِغًا فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يُغَافِصَهُ مِنْ وَرائِهِ أَوْ مِنْ وَجْهِهِ، وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ عَلَى الأَرْضِ فَمَاتَ أَوْ عَلَى بَالِغٍ فَزَالَ عَقْلُهُ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ خَوَّفَ حَامِلًا فأَجْهَضَتْ جَنِينًا وَجَبَتِ الغُرَّةِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ سَبَبًا وَلَكِنِ احْتَمَلَ حُصُولُ الهَلاَكِ بِغَيْرِهِ فَهُوَ كَشِبْهِ العَمْدِ إِذا قَصَدَ، وَما يُشَكُّ فِي كَوْنهِ سَبَبًا احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ: الأَصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ أَوِ الأَصْلُ الحِوالَةُ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ،: غرض القسم بيانُ أن الواجب في إهلاكِ النفسِ وما دون النفس، كما يجب بمباشرةِ الإهْلاَك يجبُ بالتسبُّب إليه، وقد مرَّ أن مراتب الشيء؛ الَّذي له أثَرٌ في الهلاك ثلاثٌ، وهي: العلَّة، والسبَب، والشرط، وذكرنا في الغضْب وغيره؛ أن صاحب الكتاب لم يجر في الحَفْر على طريقة واحدةٍ، بل سمَّاه تارةً سببًا، وأخرى شرطًا، والتقسيم الذي ينطبقُ عليه المسائلُ هاهنا أن يقالَ: ما يحصل الهلاكُ عنده أو عَقِيبه؛ إما أن يكونَ هو المؤثِّر في الهلاك، أو لا يكون، إنْ كان، فهو علَّة الهلاك، ويتعلَّق به الديةُ لا محالة، وإن لم يكن، هو المؤثر، فإما أن يتوقَّف تأثير المؤثِّر في الهلاك عليه أو لا يتوقَّف، إن توقَّف؛ كالحفْر مع التردِّي، فيتعلق به الدية أيضًا على ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، وإن لم يتوقَّف، لم يتعلَّق به الدية، والموت عنده اتفاقيٌّ، ثم في الفصل صورٌ:
إحداها: لو صَفَعَهُ صَفْعةً خفيفة، فمات، فلا ضمان؛ للعلمْ بأنه لا أثر لَهَا في الهلاك، وبأنه وافق قَدَرًا، كما لو كلَّمه أو صافَحَه، فمات، وفي بعض النسخ "صعقة" وهو صحيحٌ أيضًا.
الثانيةُ: إذا صاح على صبيٍّ غير مميِّز على طرف سطْحِ أو بئر، أو نَهْر، فارتعد، وسقط منه، ومات، وجب ضمانه؛ لأنَّ الصبيَّ الضعيفَ كثيرًا ما يتأثر، ويضْطرب بالصيحة الشديدة، وهلْ عليه القصاصُ؟ فيه وجهان، ويقال قولان:
أصحُّهما: المنعُ، ومن يوجبه كأنه يدعي أن التأثُّر بها غالبٌ، ورتَّب الخلاف على الخلافِ فيما إذا حفر بئرًا في الدِّهليز، ودعا غيره عليه، وجعلت هذه الصور أولَى بوجوب القصاص 1؛ لأن تأثير الصيحة في الارتعادِ والاضطراب أشدُّ من تأثير الدعوة في التخطِّي والتردِّي، ولو كان الصبيُّ على وجه الأرض، وماَت من الصيحة، ففيه وجهان، حكى الإِمام عن بعْضِهم؛ أنه أجراه مجرى الارتعادِ، والسقُوطِ من حَرْف الجدار، والأظهرُ خلافه؛ لأن الموتَ على استواء الأرض بمجرَّد الصيحة في غاية البعد، وتأثيرها في الارتعادِ والسقوطِ قريبٌ، ولو صاحَ على بالغٍ على طرف سطحٍ
ونحوه، فسقط، ومات، فلا قصاص، وفي الضمان أوجه:
أحدها: أن الحكْمَ كما في الصِّغَر.
وأصحُّها: المنع؛ لأن الغالب من حال البالغ العاقلِ التماسُكُ وعدمُ التَّأَثُّر 1 بالصياحِ، والسقوطُ والموتُ يحملان 2 على موافقة القَدَر.
وثالثُها: عن ابن أبي هُرَيْرة؛ أنه إن غافصه من ورائه، وجب الضمان؛ لأنه يتأثر به لغفلَتِه، وإن صاح به مِنْ وجهه، فلا، ولو صاح على الصَّغير، فزال عقله، وجب الضمان، وإن كان بالغًا، فعلى الوجوهِ الثلاثة، والمجنونُ والمعتوهُ والذي يعتريه الوساوسُ والنَّائم، والمرأة الضعيفة، كالصبيِّ الذي لا يميز 3، والمراهقُ المتيقِّظُ كالبالغ، وشهْرُ السلاحِ والتهديدُ الشديدُ كالصياح، ولو صاح على صيدٍ، فاضطرب به الصبيُّ على طرف السطح، وسقط، وجب الضمان أيضًا، لكن الدية، والحالة هذه، تكونُ مخفَّفة على العاقلة، وفيما إذا قصد الصبيَّ نفسه تكون مغلَّظة على العاقلة، وقياس من يقول بوجوبِ القصاصِ؛ أن تجب مغلَّظة على الجاني، وعن صاحب "التلخيص" أن الصائح على الصيد، إن كان محرمًا أو في الحرم تعلَّق بصيحته الضمانُ لتعديه، وإلا فلا ضمان، وقد ذكر عَلَى قياسه؛ أنه لو صاح بصبيٍّ في ملكه، لم يجب الضمان تشبيهًا بما لو حفر بئرًا في ملكه، فتردَّى فيها غيره، والظاهر أنه لا فرق كما لو رمَى من ملكه إلى إنسان، فأهْلَكَهُ.
الثالثة: إذا بعث الإمامُ إلى امرأة ذكرت عنده بسوء، وأمر بإحضارها، فأجهضَتْ جنينَها فَزَعًا، وجب ضمان الجنين؛ خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: ما رُوِيَ أن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أرسل إلى امرأةٍ، ذُكِرَت عنده، فأجهضَتْ ما في بطْنِها، فقال عمر للصَّحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ما تَرَوْنَ، فقال عبْدُ الرحمنِ بْنُ عوفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "إنَّما أَنْتَ مُؤَدِّبٌ لا شَيْءَ عَلَيْكَ، فَقالَ لِعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: مَاذَا تَقولُ"، فقالَ: إنْ لَمْ يجتهدْ، فَقَدْ غَشَّكَ، وإنِ اجْتَهَدَ، فَقَدْ أَخْطَأَ، أرَى عليْكَ الدِّيَةَ، فقال عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أقسمْتُ عليْكَ لتفرقَنَّها في قومِك 4. قيل: أراد به قومَهُ، لكن
أضافهم 1 إلى عليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إكرامًا وإظهارًا للاتحاد.
ولو أتاها رجلٌ، وأمرها على لسانِ الإِمام بأنْ تحضُرَ، فأجهضت جنينها، وجب الضمان على عاقلة الرجل، ولو هدَّد غير الإمام حاملاً، وأجهضت فَزَعًا، فليكنِ الحكمُ كما في الإِمام، وهذا كما أن إكراه غير الإِمام كإكراهه.
ولو ماتت الحاملُ المبعوثُ إليها، أو بعث الإِمام إلى رجل ذُكِرَ بسوء 2، وهدده، فمات، فلا ضمان لأن هذا السببُ لا يُفْضِي إلى الموت بخلافِ الإجهاض، هذا هو المشهورُ، وفي "النهاية"؛ أنه يجب الضمان وأن ذلك من الأسباب المؤدية إلى الهلاك، [والله أعلم].
ولو فزَّع إنسانًا، فأحدث في ثوبه، فلا ضمان 3؛ لأنه لم ينتقص 4 جمالٌ، ولا منفعةٌ، وليُعْلَم من لفظ الكتاب قوله: "وَجَبَتِ الغُرَّة" بالحاء؛ لما ذكرنا.
وكذا قوله: "من سَطْحٍ، ضمن"؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة؛ أنه لا ضمان فيما إذا مات بالصياح.
وقوله: "والضابط... " إلى آخره، قصد به ضبط 5 مواضع الوفاق والخلاف في الصُّورة المذكورةِ وغيرها، والمقصودُ أنه إن كان السبب مما يفضي إلى الهلاك غالبًا، فهو موجب للقصاص، وإن كان قد يفضي إليه، والغالب خلافه، لكن غلب على = الصحابة، فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدب، فقال عمر: ما تقول يا عليّ؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها، فألقت ولدها من سببك، فأمر علياً أن يقيم عقله على قريش، وهذا منقطع بين الحسن وعمر، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن مطر الوراق عن الحسن به، وقال: إنه طلبها في أمر، فذكر نحوه، وذكره الشَّافعي بلاغًا عن عمر مختصرًا.
الظن؛ أن الهلاكَ الحاصلَ في الواقعة، حصل به، فهو شبه عمد، إذا كان بقصد الشخص، وهو كالصياحِ بالصغيرِ، وتهديدِ الحامل، وإن كان يتردد في حصول الهلاك به في الواقعة، مع كونه محتملاً، ففيه وجهانِ، منهم مَنْ ينفي الضمان فيه، ويتمسَّك بأن الأصل براءة الذمة، ومنهم من يوجِبُ الضمان، ويقول: هذا محتملٌ وغيره غير معلومِ الوجودِ، ولا بد من سبب، فيحال على هذا المحتمل.
وقوله: "ما يظهر كونه سببًا" أي: يظن أن الهلاك حصل به.
وقوله: "وما يشكّ في كونه سببًا"، أي: يتردَّد في أن الهلاك في الواقعة، هل حَصَل به.
وقوله: "على السبب الظاهرِ" ليس المرادُ الذي ظهر؛ أنه سبب الهلاك في الواقعة؛ فإن ذلك يناقض التَردد فيه، وإنما المراد السببُ المعلومُ وجودُه، هذا ما يدلُّ عليه لفظه هاهنا، وفي "الوسيط" هذا تمامُ الكلامِ في الطَّرَف الأول.
واعلم أنه رتَّب القول في القسم الثاني عَلَى أربعة أطراف:
أحدها: في السبب وتمييزه عما ليس بسببٍ، وقد يتخيل أنه سبب، وقد فرَغْنا منه.
والثاني: فيما إذا اجتمع العلَّة والذي نسميه سببًا أو شرطًا، ثم يناط الضمان.
والثالث: فيما إذا اجتمع سبَبَانِ، وأحدُهُما راجحٌ، يحَالُ الضمان عليه.
والرابع: فيما إذا اجتمعا معًا، وهما متقاربان 1 فيحكم بالشركة، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي اجْتِمَاعِ العِلَّةِ والشَّرْطِ فَإنْ كَانَ العِلَّةُ عُدْواناً كالتَّرْدِيَةِ والحَفْرِ سَقَطَ أَثَرُ الحَفْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كالتَّرَدِّي مَعَ الحَفْرِ نُظِرَ إِلَى الحَفْرِ فَإِنْ كَانَ عُدْوانًا ضَمِنَ وإلاَّ فَلاَ، وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فافْتَرَسهُ سَبُعٌ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ اتَّبَعَ إِنْسانًا بِسَيفِهِ فَوَلَّى هَارِبًا وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي نَارٍ أَوْ مَاء أَوْ بِئْرٍ أَو افْتَرَسَهُ سَبعٌ فِي مَسْبَعٍ أَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسِهِ إِلاَّ إذَا كَانَتِ البِئْرُ مُغَطَّاة فالضَّمانُ عَلَى المُتَّبعِ، وَلَوْ سَلْمَ صَبِيًّا إلى سَبَّاحِ فَغَرِقَ بِتَقْصِيرِهِ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ بالِغًا لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حفْرُ البئرِ الذي هو شرْطٌ أو سببٌ، مع التردِّي الذي هو علَّة الهلاك، إذا اجتمعا، نُظِر؛ إن كانت العلَّة عدوانًا؛ بأن حفر بئرًا، فَرَدِيَ فيها غيره
إنسانًا، فالقصاص والضمان يتعلَّقان بالتردية، ولا اعتبار للحفر معها؛ كما ذكرنا في الإمساك مع القتل، وإن لم تكن العلة عدوانًا؛ بأن كان يتخطَّى شخص 1 الموضع جاهلًا، فتردَّى فيها وهَلَك، فإن كان الحفر عدوانًا، تعلَّق الضمان به، لتولُّد الهلاك منه، وتقصيره به، وإلاَّ فلا ضمان فيه.
ثم في الفصل صُوَرٌ:
إحداها: إذا وضع صبيًّا في مسبعة، فافترسه السَّبُع، نُظِر؛ إن كان يَقْدِرُ على الحركة والانتقال عن موضع الهلاك، فلم يفعل، فلا ضمان على الواضع، كما لو فتح عرقه، ولم يعصب حتى مات، وأيضًا؛ فإن الموجود تضييعٌ، وليس بإهلاك، والحرّ لا يدخلُ تحت اليد حتَّى يضمن اليد، فانتفت أسبابُ الضمان، وإن كان لا يَقْدِر على الانتقال، ففي الضمان وجْهان، حكاهما الإِمام:
أصحهما، عند صاحب الكتاب، وبه قال أبو حَنيفَة: أنه يجبُ الضمانُ؛ لأن ذلك يعد إهلاكًا في العرف، ولا يبعدُ أن يقال: إنه أشدُّ وأبلغُ تأثيًرا من حفر البئر.
والثاني، وبه أجاب أكثرهم: أنه لا يجبُ؛ لأن الوضعَ ليس بإهلاك، ولم يوجدْ منه ما يلجئ السبع إليه، بل الغالب أن السبع يفر من إنسانٍ على ما تقرَّر في القصاص، وقد ذكر صاحب الكتاب الخلافَ في المسألة مرَّةً في باب الغصْب، وهي مكررة 2 هاهنا، وفي التقييد بالصبيِّ هاهنا وفي الغصب ما يَفْهِم أنه لو كان الموضوعُ بالعالم يجب الضمانُ لا محالة، والخلافُ مخصوصٌ بالصبيِّ، وذكرنا في القصاص نحوًا من هذا، ويشبه أن يقال: الحكم منوطٌ بالقوة والضعفِ، لا بالكبر والصِّغَر.
الثانية: إذا اتبع إنسانًا بسيفه، فولَّى المطلوب هاربًا، وألقَى نفسه في نارٍ، أو ماء، أو من شاهقِ جبلٍ عالٍ، أو في بئر، فهلك، فلا ضمانَ؛ لأنَّه باشر إهْلاَك نفسه [قَصْداً]، والمباشرة تتقدَّم على السبب، فصار كما لو حفر بئرًا، فجاء آخر ورَدِيَ نفسه فيها، ولأنه أوقع نفسه فيما كان يحاذرُه من المتَّبع، فأشبه ما إذا 3 أكره إنسانًا على أن يقتل نفسه، فقتل نفسه لا يجب الضمانُ على المُكْرِهِ، ولو لم يشعرْ بالمهلك، ووقع من غير قصده في النار، أو الماء، أو من السطح؛ بأن كان أعمى، أو في ظلمة الليل 4، أو في موضع مظلهم، أو في بئر مغطَّاة، فيجب على المتَّبع الضمانُ؛ لأنه لم يقصد إهلاكَ نفسه، وقد ألجأه المتَّبع إلى الهرب المفضِي إلى المعنى المهلك، وقد ذكرنا أنه لو حفر بئْر عُدْوانٍ، فتردَّى فيها إنسان، يتعلَّق الضمان بالحفر، ومعلوم أن هذا الإلجاء أقوَى وأشدُّ تأثيرًا من الحفر المجرَّد، وأبدى الإِمام احتمالاً في وجوب الضمان، وإن
كانت 1 البئرُ مكشوفةً، إذا كان المطلوبُ لا يتفرَّغ إلى تأمل التخطِّي، ويجعل الحالة التي أرهقته ممهِّدة لعُذْره؛ ويؤيده أنا 2 نعلِّق الضمان بالحَفْر، ولا فَرْق بين أن يكون التردِّي فيها بالليل أو بالنهار 3، ولا بين أن يكون متحفظًا أَوْ لا يكون فهاهنا أولى.
ولو استقبله سَبُعٌ في طريقه، فافترسه، أو لصٌّ فقتله، فلا ضمان على المتبع، بصيرًا كان المطلوب أو أعمَى؛ لأنه لم يوجَدْ من المتَّبع فعلٌ مهلِكٌ، ومباشرة السبع التي عرضت كعروض القتل على إمْساك الممسِكِ، نعم، لو ألجأه، إليه في مضيقٍ، وجب الضمان [على المتَّبع] 4، ولو انخسفَ به سقْفٌ في هربه، ففي وجوب الضمانِ على المتَّبع وجهانِ، حكاهما الشيخ أبو إسحاق في "المهذَّب":
أحدهما: المنع؛ لأن المعنَى المُهْلِك لم يشعرْ به الطالِبُ، ولا المطلوب؛ فأشبه ما إذا عرض سبعٌ، فافترسه، وهذا ما أجاب به صاحب "التهذيب"، والقاضي الرُّويانيُّ.
والثاني: يجب؛ لأنَّه حَمَلَهُ على الهرب، وألجأه إليه، وأنه أفضى إلى المعنى المُهْلِك من غير شعور المطلوب منه، فأشبه ما إذا وقع في بئر مغطَّاة، وهذا ما أورده العراقيُّون وحكَوْه، عن نصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم"، ورجَّحه المتولِّي، وإليه مال الإِمام، وما ذكرناه من سقوط الضمان على المتَّبع، إذا ألقى المطلوب نفسه في ماءٍ، أو نار، أو من سطحٍ قصْدًا أَرَدْنَا به العاقل البالغ، فأما إذا كان المطلوبُ صبيًّا أو مجنونًا، فينبني على أن عمْدَهما عمْدٌ أو خطأٌ، إن قلنا: عمدٌ، لم يضمن المتبع، وإلاَّ ضمن؛ كما لو تردَّى متردِّي في البئر جاهلاً.
وقوله في الكتاب: "إذا افترسه سَبُعٌ في مَسْبَع" في بعض النسخ في "مُتَّسَعٍ"، وقد يشير ذلك إلى أنه لو كان ملجئًا 5 إليه في مضيقٍ، لم يسقط الضمان عن المتَّبع.
وقوله في الكتاب 6: "أو أنخسَفَ بهِ سَقْفٌ، ألقى نفسه عليه" هذا اللفظُ يشْعِر بالتصوير فيما إذا ألْقَى نفسه عليه من عُلْوٍ، فانخسف لثقله، وإذا كان كذلك، كان الحكم كما لو ألقَى نفسه من ماءٍ أو بئرٍ، وإن كان سببُ الانخسافِ، ضعْفَه، ولم يشعر به المطلوبُ، ففيه الوجهان المذكورانِ من قبل.
وقوله: "إلاَّ إذَا كنت البئرُ مغطَّاة" قد عرفتَ أن الاستثناءَ لا ينْحَصِر في هذه الصورة، بل يستثنى الأعمى، ومن يُلْقِي نفسه في البئر 7 في ظُلْمة الليل أيضًا، والضبط ألا يشعر بأنه يأتي المُهلِك.
الثالثة: لو سلَّم صبيًّا إلى سباحٍ؛ ليعلِّمه السباحة، فغَرِق، وجبتْ ديته؛ لأنه لا يغرق إلا بإهمال السباح، وقلَّة تحفظه، وتكون الديةُ الواجبةُ ديةَ شبهِ العَمْد، كما لو ضرب المُعَلِّم الصبيَّ للتأديب، فهلك، وفي "التتمة" وجه؛ أنه لا يجب الضمانُ، كما لو نقله إلى مَسْبَعَة، وبل أَوْلَى؛ لأن الخطر هناك أكثر، ولأن ذلك تضييعٌ، وهذا قد تدعو الحاجة إليه، وأبدى الإمامُ هذا الوجْه احتمالاً، وقال: الحرُّ لا يدخل تحت اليد، ولم يوجد من السَّبَّاح فعْلٌ، إذا خاض الصبي في الماء بنفسه نعم، لو ألقَاه السَّبَّاح في الماء؛ ليعلِّمه، فقد يجعل الإلْقاء موجبًا للضَّمان على تفصيل مذكور في باب القِصَاصِ، ويجري الخلافُ فيما إِذا كان الوليُّ يعلَمه السِّبَاحة بنَفْسِه، فغرق ولو أدخله الماءَ ليَعْبُر به، فالحكمُ كما لو خَتَنَه، أو قطع يده من أَكِلَةٍ، فمات منه، قاله في "التتمة".
وتبيَّن من التصوير الذي ذكَرْنا؛ أن قوله في الكتاب: "فغَرِقَ بتَقْصيرْ" ليس للتقييدِ، بل من أوجب الضمان قال: إذا غَرِق، وقد حصَلَ في الماء للسباحةِ، فقد قصر السباح، ولذلك غرق، وكان المعنى؛ فغرق ضمن 1 بتقْصيره، فأما إذا سلَّم البالغُ نفْسَه، ليعلِّمه، ففي "الوسيط" أنه إن خاض معه؛ اعتمادًا على يده، فأهمله، فيحتمل أن يجب الضمانُ، والمنقولُ عن العراقيين، والمذكورُ في "التهذيب"؛ أنه لا ضمان؛ لأنه مستقلٌّ، وعليه أن يحتاطَ لنفسه، ولا يغترّ بقول السَّبَّاح.
قال الغَزَالِيُّ: وَحَفْرُ البِئْر لاَ يَكُون عُدْواناً فِي مِلْكِهِ وَفِي المَواتِ إلاَّ إِذَا حَفَرَ بِئْرًا في دِهْلِيزِ نَفْسِهِ وَدَعا إِلَيْهِ غَيْرَهُ فَفِي الضَّمَانِ قَوْلاَنِ لِتَعارُضِ المُبَاشَرَةِ والغُرُورِ، أمَّا فِي الشَّارعِ بِحَيْثُ يَضُرُّ بِالْمُجْتَازِينَ فَعُدْوَانٌ، وإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الطَّرِيقِ وَبإذْنِ الوَالِي فَلا ضَمَانَ، وَإِنِ اسْتَقَلَّ فَهُوَ جائِزٌ وَلَكِنْ بِشَرْطِ سَلامَةِ العَاقِبَةِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَإِنْ حَفَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَهُوَ جَائِزٌ بِشَرْطِ سَلامَةِ العَاقِبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: والحفْرُ يُفْرَضُ في مواضِعَ:
أحدها: إذا حفر في مِلْك نفسه، فلا عدوانَ؛ حتى لو دخل فيه [داخلٌ] بإذْنه، وتردَّى فيه، لم يجبْ ضمانه، إِذا عرَّفه المالك أنَّ هناك بئرًا، أو كانتْ مكشوفةً، والداخلُ يتمكَّن من التحرُّز، فأما إذا لم يعرِّفه، والداخلُ أعمَى، أو الموضعُ مظْلِم، ففي "التتمة" أنه كما لو دعاه غَيْره إلى طعامٍ مسمومٍ، فأكله 2، ولو حفر بئرًا في دهليز
دارِهِ، ودعا إليها غيره، فتردَّى فيها، ففي الضمان قولان؛ لأنه غرر، ولكن المدعو غير ملجأ، فهو المباشر لإهلاك نفسه باختياره، وهذه الصورةُ مذْكُورة مرة في أول الجراح، لكنه لم يذكر الخلافَ هناك، واقتصر على إيجاب الضمان، وهو الأشبه على ما تقرَّر هناك، ومنهم من يرتِّب، ويقول: إن كان الطريق واسعًا، وعن البئرِ 1 معدلٌ، فقولان، وإن كان ضيِّقًا، فقولان مرتَّبان، وأولَى بالوجوب، وعلَى هذا قياسٌ تقديمِ الطعامِ المسمومِ، وأطعمةٍ فيها طعامٌ مسمومٌ.
والثاني: إذا حفر في مَواتٍ، إما للتملُّك أو للارتفاقِ بالاستقَاء منه 2، فلا ضمان أيضًا؛ لأنه جائزٌ؛ كالحفر في المِلْك، وعلَى هذا يحملُ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "البِئْرُ جُبَارٌ" 3.
والثالث: إذا حفر في مِلْك غيره، نُظِر؛ إن حفر بإذْن المالكِ، فهو كما لو حَفَر في ملك نفسه، وإن حفر بغير إذن المالك يتعلَّق به الضمان؛ لكونه عدوانًا 4، وذلك إذا علم أن هناك بئرًا، ولم يمكنه التحرُّزَ، وتكون الديةُ على العاقلة، ولو هلكت بها دابَّة أو مالٌ آخر، وجب الضمان في ماله، وهلْ يجعل رضي المالك باستبقاء البئْر بعد الحفر، كرضاه عند الحفر؟ فيه وجهان مذْكُوران في الغَصْب:
الأظهر: نَعَم، ولو كان الحافر عبدًا، فالضمانُ يتعلَّق برقبته، فلو أعتقه السيِّد، فضمانُ من يتردَّى في البئر بعد الاعتاق يتعلَّق بالعتق، وعند أبي حنيفةَ؛ أنه يتعلَّق بالمعتق، ولو حفر في ملْكٍ مشْتَرَكٍ بينه وبين غيره بغير إذْنِ الشَّريكِ، تعلَّق الضمان به أيضًا؛ لأنه لا يجوز الحفر في الملك المشْتَرَك، وعند أبي حنيفة؛ أنه إن كانَتِ الشَّرِكة مع واحدٍ تعلَّق به نصف الضمان، وإن كان مع اثنين، تعلَّق به ثلث الضمان لتعدِّيه في حق اثنين، وإذا حفر في ملْك الغير متعديًا، ودخل داخلٌ ملكه بغير إذنه، فتردَّى فيها، فيتعلَّق الضمان بالحافر 5؛ للتعدِّي به، أَوْ لا [يلحقُ؛ لتعدِّي] 6 المتردِّي بالدخول؟ حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين 7، وحكى في "البيان"؛ أن المالك لو قال: حَفَرَ بإذْنِي، لم يصدَّقْ؛ خلافًا لأبي حنيفة.
والرابعُ: إذا حفر في شارع، فينظر؛ إن كان ضيقًا يتضرَّر الناس بالبئر، وجب ضمان ما هلَك بها، سواء أذن الإمامُ أو لم يأْذَن، وليس للإمام أنْ يأذن فيما يضر، وإن كان لا يتضرَّر بها الناسُ لسَعَةِ الشارعِ، أو انعطافِ موضعِ البئر، فيُنْظر، إن كان الحفْر
للمصْلَحَة العامَّة؛ كالحفر للاستقاء 1، والحفر لماء المَطَر، فإن أذن فيه الوالي، فلا ضمان، وإن استقل به، فمنهم من قال: فيه قولانِ:
الجديدُ: أنه لا ضمان، وأشار في القديم إلَى وجوبه، وقال آخرون.
وجهان:
أصحهما: أنه لا ضمان؛ لما فيه من المصْلَحة العامَّة، وقد يعْسُر مراجعةُ الإِمام في مثْلِهِ.
والثاني: يجبُ، والجواز مشروطٌ بسلامة العاقبة؛ بخلاف ما إذا أذن الإِمام فيه؛ فإنه النائب عن عامَّة المسلمين، والناظرُ لهم وإن حفر لغرضِ نَفْسه، فقد ذكر جماعةٌ منهم صاحب "التهذيب"؛ أنه يجب الضمان 2، أذن الإِمام فيه أم لم يأذن لأنه وإن كان جائزًا، فهو مشروطٌ بسلامة العاقبة؛ لأنه لا يختصُّ الآحادُ بشيء من طريق المسلمين، وعلى هذا جرى الإِمام وصاحبُ الكتاب، والذي أورده أصحابنا العراقيُّون، وتابعهم القاضي الرويانيُّ، وصاحب "التتمة"؛ أنه إن حفر بإذنِ الإِمامِ، لم يلزم الضمان، وجوَّزوا أن يخصِّص الإِمام قطعةً من الشارع ببعض الناس، والترتيبُ عند هؤلاء أن الحفر في الشارع، إذا لم يكن مضرًّا، فإن كان بإذن الإِمام، فلا ضمان بسببه، سواءٌ حفر لنفسه، أو لمصلحةٍ عامَّة، وإن كان بغَيْر إذْنه، فإن حفر لنفسه وجب الضمان، وإن حفر لمصلحة عامَّة، ففيه الوجهان، أو القولانِ، والخلاف راجع إلى ما تقدَّم في إحياء الموات؛ أن إقطاع الإمامِ، هل له مدْخَلٌ في الشوارع، وبَيَّنا أن الأكثرين قالوا: نعم، وجوَّزوا للمُقْطَع أن يبنى فيه، ويتملَّكه، والحفر في المسجد كالحَفْر في الشارع، ولو بني مسجدًا في شارع لا يتضرَّر به المارَّة، فيجوز 3 ثم لم تعثَّر به إنسانٌ أو بهيمةٌ، أو سقَط جداره على إنسان، أو مَالَ، فأهلكه، فلا ضمان، إن كان البناءُ بإذن الإِمام، وإن كان بغير إِذنه، ففيه الخلاف.
ولو بني سقفًا في مسجدٍ، أو نصب عمودًا، أو طيَّن جدارًا، أو علق قنديلًا، فسقط على إنسان، أو مال، فأهلكه، أو فرش حصيرًا، أو حشيشًا، فتزلق به إنْسَانٌ، أو قذفت عينه بشَوْكة، أذهب ضوء البصر، فكذلك ينظر أجرى ذلك بإذن الإِمَامِ، أو من يتولى أمر المسجد، أو بدون الإذن، فيكون الحكم على ما بَيَّنا، وعن أبي حنيفة؛ أنه إن صدر ذلك من غير إِذْنِ أهلِ المحلَّة، وجب الضمان، قال في "التهذيب": وهو قول
أبي إسْحَاق 1 وليعلم قوله في الكتاب: "بشَرْط سلاَمة العاقبة"؛ لما بيَّنا من الخلاف فيه.
قال الغَزَالِيُّ: وَكَذَا إِشْرَاعُ الأَجْنِحَةِ جائِزٌ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ بِخَلاَفِ مَا لَوْ حَفَرَ فِي مِلْكهِ فَسَقَطَ جِدَارُ دَارِهِ فَلا ضَمَانِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَرَجًا عَلَى المُلَّاكِ إِلاَّ أَنْ يُقَصِّرَ بِمُخَالَفَةِ العَادَةِ فِي سَعَةِ البِئْرِ فَيَضْمَنُ، وَلَوْ أَوْقَدَ نَارًا عَلَى السَّطْحِ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ ضَمِنَ عَهْدَةَ الشَّرارِ، وَلَوْ عَصَفَة الرِّيحُ بَغْتَةَ فَلاَ، وَلَوْ سَقَطَ مِيزَابُهُ عَلَى رَأسِ إِنْسَانٍ فَإن كانَ السَّاقِطُ القَدْرَ البَارِزَ ضِمَنَ (و) كَالجَنَاحِ، وإنْ سَقَطَ الكُلُّ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى وَجْهٍ لِأَنَّهُ مِنْ حَاجَةِ المُلْكِ بِخَلاَفِ الجَنَاحِ، وَضَمِنَ النِّصْفَ بِإزَاءِ البَارِزِ عَلَى وَجْهٍ، وَضَمِنَ ما يَقْتَضِيهِ وَزْنُ البَارِزِ عَلَى وَجْهٍ إِذَا قِيسَ بِوَزْنِ الدَّاخِلِ، وَإِذَا مَالَ الجِدَارُ إِلَى الشَّارعِ بِأَنْ بَنَاهُ مَائِلًا فَهوَ كَالقَابُولِ، وَإِنْ مَالَ فِي الدَّوَام فَلَمْ يَتَدارَكُ مَعَ الإِمْكَانِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا قِمَامَاتُ البُيُوتِ وَقُشُورُ البَطِيخِ إِذَا تَعَثَّرَ بِهَا إِنْسانٌ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى المُلْقي وَجْهَانِ كَمَا فِي الْمِيزَابِ لِأَنَّ طَرْحَ الْقِمَاماتِ لِمَرَافِقِ الأمْلاَكِ، وَرَشَّ المَاءِ إِذا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَةٍ فَهُوَ سَبَبُ ضَمَانٍ فِي حَقِّ مَنْ تَزَلَّقَ وَلَمْ يَرَ مَوْضِعَ الرَّشِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل تتعلَّق بالتصرُّف بالشوارع وتصرّف الإنسان في ملك نفسه، وبيان أحكامها وآثارها، والقولُ في التصرُّف في الشارع منه ما مَرَّ في الصُّلْح، وفي باب 2 إحياء الموات، ومنه ما جَرَت العادةُ بذكره هاهنا:
المسألة الأُولَى: لا يجوز اشراع الأجنحةِ التي تضرُّ بالمارَّة إلى الشارع، ولو فعل، منع، وما يتولَّد منه من هلاك، فهو مضمون، وإن كان الجناحُ عاليًا غير مضرٍّ، فلا منع من إشراعه، وكذا بناءُ السَّابَاطِ العالي، لكن لو تولَّد منه هلاكُ إنسان، فهو مضمونٌ بالدية على العاقلة، وإن هَلَكَ به مالٌ، وجب الضمان في ماله، ووجَّهوا ذلك بأنَّ الارتفاق بالشارع إنما يجوز بشرط سلامة العاقبة، ولم يفرقوا هاهنا بين أن يأذن الإِمام، أو لا يأذن؛ كما فعلوا فيما إذا حفر البئر؛ لغرضِ نفسه، واتفقوا على وجوب الضمان، إن لم يأْذَنِ الإِمام، واختلفوا فيه إذا أَذِنَ، فيجوز أن يكونَ الحكْمُ في إشراع
الجناح كذلك، ويجوزُ أن يقال: يجب الضمانُ هاهنا على الإِطلاق، ويفرَّق بأن الحاجة إلى الجناح أغلبُ وأكثرُ، والحفْر في الطريق مما تقلُّ الحاجة إليه، وإذا أكثر الجَنَاح، أكثر تولُّد الهلاك منه، فلا يحتمل إِهداره، ولو أشرع جناحًا إلى سكَّة منْسدَّة بغير إذن أهلها، ضمن ما يتولَّد منه، وبإذن أهلها لا يقتضي الضمان؛ كالحفر في دار الغير بإذنه.
الثانية: يتصرَّف كلُّ واحد في ملكه بالمعروف، ولا ضمانَ فيما يتولَّد منه؛ بخلافِ إشراع الجناحِ؛ حيث كان ما 1 يتولَّد منه مضمونًا؛ لأن إشراع الجناح 2 لا ضرورة إليه، ولا يَرْغبُ فيه كلُّ أحد، والتصرف في نفس الملك، لو قُيِّد بشرط السلامةِ، لأورث حرجًا عظيمًا، ولا يجرُّ ذلك إلى إبطال فائدةِ المِلْكِ، فلم يقيِّده به، ولكن بشرْطِ جريانه على الاعتيادِ، والتحرُّز عما يعد إسرافًا وإهلاكًا، فلو وضع حجرًا في ملكه، أو نصب شبكة، أو سِكِّينًا، وتعثَّر به إِنسان، فهلَكَ، أو وقف 3 على طرف سطْحه، فوقع على إِنْسَان، أو مال أو وضع عليه جرَّة ماء، فألقتها الريحُ أو ابتلَّ موضعها، فسقطتْ، فلا ضمان 4، وكذا لو أوقف دابَّة في ملكه، فرمحتْ إنسانًا، أو بالت 5 وأفسدتْ بالرَّشَاش ثوبًا أو غيره خارجَ الملكِ، أو كان يكسر الحطَب في ملكه، فأصاب شيء منْه عيْنَ إنسانٍ، فأبطل ضوءَها، وكذا لو حفر بئرًا في ملكه، فتندَّى جدارُ الجارِ وانْهَدَمَ، أو غار ماءُ بئره، أو حفر بالوعةً، فتغيَّر ماءُ بئرِ الجار -لا شيء عليه 6؛ لأن المُلَّاك لا يستغنون عن مثل ذلك، نَعَمْ، لو قصَّر، فخالف العادةَ في سعة البئر، ضَمِن، فإنه إهلاك، وليكنْ كذلك إذا قرب الحفر من الجدار عَلَى خلاف العَادَةِ، ويمنع من طرح السِّرْقِينِ في أصْلِ الحائِطِ، ولو أوقد نارًا في مِلْكه، أو على سَطْحه، فطار الشَّرَر إلى ملْك الغير، فلا ضمان إلا أن يخالِفَ العادَةَ في قدْر النارِ الموقَدَة، أو يوقد في يوم ريحٍ عاصفةٍ، فيكون ذلك كطَرْح النَّار في دار الغير، فإن عصفت [الريحُ] بغتةً، بعْد ما أوقد، فهو معذُورٌ، ولو سقَى أرضه، فخرج الماءُ من جُحْر فأرةٍ، أو شق إلى أرض غيره، وأفسد زرعه، فلا ضمان إلاَّ أن يجاوز العادَةَ 7 في قَدْر الماء، أو كان
عالمًا بالجُحْر أو الشَّقِّ ولم يحتطْ، وإذا حفر البئْرَ في أرض خوَّارة، ولم يَطْوِها، ومثلها ينْهَار إذا لم يُطْوَ، كان مقصِّرًا، كما ذكرنا في سَعَة البئر، ولا بدَّ من هذا الاحتياطِ؛ حيث جوَّزنا حفْرَ البئر في الشارع.
وقوله في الكتاب: "في يومِ ريحٍ" يجوزُ أن يقرأ على إضافة اليَوْم إلى الريح، ويجوز أن يقرأ "في يَوْمِ ريحٍ"، ويجعل الريح نعتًا لليوم.
الثالثة: يجوز إخراج الميازِيب إلى الشوارع؛ لما فيه من الحاجة الظَّاهرة، ويروَى أن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَرَّ تحْتَ مِيزَابِ العبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَقَطَرَتْ عَلَيْهِ قَطَرَاتٌ، فأَمَرِ بِقَلْعِهِ، فَخَرَجَ العَبَّاسُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقالَ: أتَقْلَعُ مِيزَابًا نَصَبَهُ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بيَدِهِ؟ فَقالَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: واللهِ، لا يَنْصِبُهُ إِلاَّ مَنْ يَرْقَى عَلَى ظَهْرِي، وَانْحَنَى للْعَبَّاسِ، حَتَّى رَقِيَ عَلَيْهِ، فَأَعَادَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ 1.
وليكن الميزابُ عاليًا كالجَنَاحِ، فإذا سقط منه شيءٌ، فهلك به إنسان، أو مَالَ، ففي وجوب الضمانِ قولانِ:
القديمُ، وبه قال مالكٌ: أنه لا ضمان؛ لأنه من ضرورة البناء، فأشبه ما لو تولَّد الهلاك من بنائه، بخلاف الجناح.
والجديدُ: أنه يجب، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه ارتفاقٌ بالشارع، فيكون جوازه بشَرْط السلامة؛ كما في إشراع الجناح؛ وكما إذا طرح ترابًا في الطريق ليطيِّن به سطحه، فزلق به إنسانٌ وهلك، يلزمه الضمان، ودعوى الضرورة ممنوعةٌ؛ فإنه يمكنه أن يتخذ لماء السطح بئرًا في داره أو يحدِّر الماء في أخدودٍ في الجدار من غير إخراج شَيْءٍ، وعلى هذا؛ فلو كان الميزابُ خارجًا كلُّه بأن سُمِّر على خشبة من السقف، فانقطع، وجب جميعُ الضمان 2 وإن كان بعضُه في الجدارِ وبعْضُه 3 خارجًا منه 4، فإن انكسر وسقط الخارج أو بعضه، وحصل الهلاك به، فكذلك، وإن انقلع من أصْلِه، = وقال الجاجرمي في الإيضاح: الأصل براءة الذمة، وإن غلب على الظن مجاوزة الحل بالغيرة بالسبب الظاهر لا بالبراءة الأصلية على الأصح.
لم يجب إلا بعض الضمان؛ لأن التلَف حصَلَ من مباحٍ مطْلَقٍ، ومباحٍ بشرطِ سلامةِ العاقبة، وفي القَدْر الواجب قوْلاَن، أو وجهان:
أشهرهما: أنَّ الواجب نصْفُه توزيعًا على النوعَيْن.
والثاني: أنه يوزَّع عَلَى ما في الداخل والخارج، فيجب قسْطُ الخارج، ثم الذي ذكره صاحب الكتاب، وجماعةٌ؛ أن التوزيع يكون باعتبار الوزْنِ، وفي "التتمة" وغيرها أن التوزيع يكون باعتبار مساحةِ الداخِل والخارج، ويمتحن فيقال: رجلٌ قتل إنسانًا بخشبة يجبُ بقتله بعضُ ديته، ولو قتله ببعضِها يجب تمامُ ديته، ولا فَرْق بين أن يصيبه الطرفُ الداخل أو الخارج؛ لأنَّ الهلاك يحصُلُ بثقل الجميع، وعن أبي حنيفة أنه إن أصابه، الخارُج، وجب جميع الضمان، وإن أصابه الداخلُ، لم يجب شيء، والحكم في كيفية التضمينِ، إذا حصل الهلاكُ بالجناح المشرع، إمَّا بالخارج منه أو بالخارج والداخل معًا، على ما ذكرنا في المِيزَابِ؛ بلا فرق وقد يختصر الخلافُ في الميزاب، فيقال: في ضمانِ ما يهلك به ثلاثةُ أقوالٍ، أو أوجه:
أحدها: لا ضمان.
والثاني: يجبُ نصفه.
والثالث: يوزَّع على الداخل والخارج، وهكذا أورد صاحبُ الكتابِ، إلا أنه خصَّص الوجوه بما إذا سقط الداخلُ والخارج جميعًا، وأشعر سياقه بالقطع بالوجوب، إذا سقط الخارج البارِزُ وحده، كما في الجناح، والذي يوجَدُ لعامَّة الأصحاب طَرْدُ الخلاف في الحالَيْن، وهو الذي يستَنِدُ على التوجيه، ويجوزُ أنْ يعلم لما بيَّنا قوله: "ضمن كالجَنَاح" بالواو.
" فَرْعٌ"
في "التهذيب": أنه لو رَشَّ الماء من الميزاب على ثَوْبِ إنسان، ضمنه، يعني: ما ينقص منه.
الرابعة: الجدارُ الملاصقُ للشارع، إن بناه صاحبه مستويًا، فسقط من غير ميل، ولا استهدامٍ، وتولَّد منه هلاكٌ، فلا ضمان؛ لأنه تصرَّف في ملكه، ولم يوجَدْ منه تقصيرٌ، ولو بناه مائلًا 1 إلى ملكه، أو مَالَ إليه بعْد البناء، وسقط، فلا ضمان أيضًا؛ لأن له أنْ يبني في ملكه كَيْفَ يشاء، وإن بناه مائلاً إلى الشارع، وجب ضمان ما يتولَّد من سقوطه؛ كالسَّابَاط والجَنَاح، وهو المرادُ من لَفْظ "القابول" الذي ذكره في الكتاب،
وإن بناه مستويًا، ثم مال إلى الشارع، وسقط، فإن لم يتمكَّن من الهدم والإصلاحِ، فلا ضمانَ، وإن تمكن فلم يفعلْ، فوجهان:
أظهرهما، عند الشيخ أبي حامد، وصاحب "التهذيب" وأكثرهم: أن الجواب كذلك، وبه قال المزنيُّ والإصطخريُّ؛ لأنه بني في ملكه، والمَيْلُ لم يحصُلْ بفعله، فأشبه ما إذا سَقَط بلا مَيْل.
والثاني، وبه قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، ورجَّحه القاضي الرُّويَانيُّ: أنه يضمن؛ لتقصيره بِتَرْكِ النقْضِ 1 والإصلاح، ويحكَى هذا عن أصحاب مالك، ويجري الوجهانِ فيما لو سَقَط إلى الطريقِ، فلم يرفعه، حتى تعثَّر به إنسان أو هَلَك مال، ولا فَرْق بين أن ينازعه الوليُّ أو غيره، ويطالب بالنقْض، وبين ألا يُوجَدَ ذلك، وقال أبو حنيفةَ: إن نُوزعَ وأُشْهِدَ عليه، فلم يَنْقُضْ ضمن، وإنْ لم يُشْهَدْ عليه، لم يضمن، وإذا وجب الضمانُ في البناء المائل إلى الشارع ابتداءً أو دوامًا، فلو مال بعضه دون بعض، نُظِرَ، أحَصَلَ التلف برأسه المائل، أو بما بَقِيَ على الاستواء، أو بالكلِّ، ويكون الحكمُ على ما ذكرنا في الميزاب، والجناح 2 وإذا باع ناصبُ الميزاب أو بانِي الجدارِ المائِل الدارَ 3، لم يبرأ من الضمان؛ حتى إذا سقط على إنسان، فهلكَ -يكون الضمان على عاقلة البائعِ؛ قاله في "التهذيب" 4.
ولو أراد الجار أن يبني جدارَهُ الخالصَ، أو المشتركَ مائلًا إلى مِلْكِ الجار، فله المنع منه، وإن مال، فله المطالبة بالنقْض، كما أنه إذا انتشرت أغصانُ شجرته إلى هواءِ مِلْكِ الغير -فَلَهُ أن يطالب بإزالَتِها، ولو تولَّد منه هلاكٌ، فالضمان على ما ذكرنا فيما إذا مالَ إلى الشَّارع 5 وعن أبي حنيفةَ؛ أنه إن نازعه الجارُ، وأشهد، تعلَّق به الضمان، وإلاَّ فلا.
ولو استهدم الجدارُ، ولم يَمِلْ فعن الإصطخريِّ؛ أنه قال في "أدب القضاء": لا يطالَبُ بنقضه؛ لأنه لم يجاوزْ ملكه، وفي "التتمة" وجه آخر؛ أن للجار وللمارَّة في الشارع المطالبةَ به؛ لما يُخَاف منه من الضرر؛ كما أنه لا يفعل في ملكه ما يتضرَّر به الجارُ على ما مرَّ، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ احتمالاً، فعلى الأول لا ضمانَ فيما يتولَّد
منه، وعلى الثاني، وهو كما لو مال، فلم ينقضه.
الخامسة: قِمَامَاتُ البيتِ وقُشُور البِطِّيخ، والرُّمَّان والباقِلاَّء، إذا طرحها في مِلْكه، أو في مَوَات، فَزَلِقَ بها إنسانٌ، وهلكَ، أو تلف بها مالٌ -لم يجب الضمان، وإن طرحها في الطريق، وأفضى إلى التلف، فقد حكى الإِمام وصاحب الكتاب والمتولِّي -رحمهم الله- فيه وجهين:
أحدهما: لا يجب الضمان؛ لأنه لا يعدُّ مقصِّرًا بذلك، وقد جرتِ العادةُ على مرَّ الأعصار به من غير إنكار.
وأصحُّهما، وهو الذي أورده أكثرُهُمْ: أنه يجب الضمان، ووجوبُ الضمانِ لا ينحصُر في التقصير 1 والتعدِّي، بل الارتفاق بالطريقِ مشروطٌ بسلامة العاقبة، كما قدَّمناه، وربَّما وجه بأن طرح القمامات إلى الشارعِ معدُودٌ من مرافق الأملاك، وفي المنع منه مشقَّة؛ فأشبه نصب الميزاب.
وذكر وجه ثالث؛ أنه يفترق بين أن يلقيها عَلَى متن الطريق، فيتعلَّق به الضمان، وبين أن يلقي في طرف ومنعطَفٍ لا ينتهي إليه المارَّة غالبًا، قال الإِمام: والوجه عندنا القطْعُ بوجوب الضمان، إذا ألقاها على متْنِ الطريق، وتخصيصُ الخلافِ بالإلقاءِ على الطرف.
ولك أن تقولَ: قد يوجد بين العماراتِ مواضعُ معدَّة لإلقاء القمامات فيها، تسمَّى تلك المواضعُ السُّبَاطاتِ والمَزَابِلَ، وتعدُّ من المرافق المشتركةِ بين سُكَّان البقعة، فيشبه أن يقطع بنفي الضمان، إذا كان الإلقاءُ فيها، فإنه استيفاءُ 2 منفعةٍ مستحَقَّة، وتخصيص الخلافِ بالإلقاءِ في غيرها، وإذا أوجبنا الضمان، فذلك إذا كان المتعثِّر بها جاهلاً، أما إذا مشَى عليها قصدًا، فلا ضمان؛ كما لو نزل البئرَ، فسقط، ولو رش الماء في الطريق، فزَلَقَ به إنسان أو بهيمةٌ، نُظِر؛ إن كان الرشُّ لمصلحة عامَّة؛ كدفع الغبار عن المارَّة، فليكن كحفر البئر للمصلَحَة العامَّة، وإن كان لمصلحةِ نفسِهِ، وجب الضمان، ويمكن أن يجيء فيه الوجهُ الآخَرُ المذكورُ في طرح القشُورِ، ولو جاوز القدْرَ المعتادَ في الرشِّ، ففي "التتمة" القطعُ بوجوب الضمان 3، وهو كما ذكرنا فيما إذا بَلَّ الطِّينَ في الطريق.
ولو بنَى على باب داره دَكَّةً، فتَلِفَ بها إنسانٌ أو دابَّةٌ، وجب الضمان (1)، وكذا الطَّوَّاف، إذا وضع متاعَهُ في الطريق، فحصل به تَلَفٌ، بخلاف ما لو وضع على طرف حانوته.
ولو بالَتْ دابته، أو راثَتْ، فَزَلِقَ به رِجلُ إنسانٍ، أو دابَّة، أو تطاير شيْءٌ منه إلى طعام إنسان، فنجَّسه، نُظِر؛ إن كانت في ملْكه، فلا ضمان، وإن كانَتْ في الطريق، فالحُكْم على ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، في آخر كتاب موجِبَاتِ الضمان، ولو ربَطَها في الطريق، فقد ذَكَره هناك، ولو مشَى قصدًا على موضع الرشِّ أو البَوْل، لم يجب الضمان.
" فَرْعَانِ"
الأول: أسندَ خشبةً إلَى جدارٍ، فسقط الجدارُ عَلَى شيء، فأتلفه؛ إن كان الجدارُ لغير المُسْنِدِ، ولم يأذنِ المالكُ، فعليه ضمان الجدار، وما يسقط عليه الجدارُ، ولا فرق بين أن يسقطَ الجدارُ عَقِيب الإسناد، أو يتأخَّر عنه؛ بخلاف ما لو فتح قَفَصًا عن طائر، وطار؛ حيث يفرَّق بين أن يطير في الحال، أو بعد مدَّة؛ لأنَّ الطائر مختارٌ، والجماد لا اختيار له، وإن كان الجدارُ للمُسْنِدِ أو لغيره وقد أذِنَ فيه، لم يجبْ ضمانُ الجدارِ، ففي ضمان ما يسقُطُ عليه وجْهَانِ عن صاحب "التَّلْخيص"، وبه قال أبو زَيْدٍ: إنه إن سقط في الحال، وجب الضمان؛ كما لو أسقط جداره على مالِ الغَيْر، وإن سقط بعد زمان، لم يجبْ كما لو حفر بئرًا في ملكه، لا يضمن ما يسقُطُ فيها، وعن القَفَّال؛ أنه لا يضمن في الحالتَيْنِ؛ كما أنَّ في حفر البئر إذا كان في ملكه، لا يجب ضمانُ ما يسقُطُ، فيها سواءٌ كان عَقِيبَ الحفْرِ أو بعد مُدَّة، فإن قلْنا: يضمن، إذا سقط في الحال، فلو لم يسقط، لكن مَالَ في الحال إلَى الشَّارع، ثم سقط بعد مدة، يجب الضمانُ، كما لو بني الجدارَ مائلاً؛ لأنه مَالَ بفعله؛ بخلاف ما لو مال في الدوامِ بنفسه.
الثاني: إذا نَخَس دابَّةً، أو ضربها مغَافَصَةٌ، فقفزت، ورمت راكبَها، فمات، أو أتلفتْ مالًا -وجب الضمان، قال في "التهذيب": فان كان النخْسُ بإذن المالك،1 = حصل به التلف أما إذا رآه وتعمد وضع رجله عليه حتى هلك فلا ضمان جزمًا في جميع الصور.
وكذا ذكره المصنف نحوه إذا قصد المشي على الرش أو البول، وفي تعليق البغوي وإنما يضمن في الرش وقشور البطيخ وأمثالها إذا لم يتعمد الماشي المشي عليه حتى لو تعمده فلا ضمان لأنه أتلف نفسه.
فالضمان 1 عليه، ولو غلبته دابَّته، فاستقبلها إنسانٌ، وردها، فأتلفت في انصرافها، فالضمانُ على الرادِّ، ولو كان رجلٌ يحمل رجلاً، فجاء آخر وقرص الحامل، أو ضربه، فتحرَّك، فسقط المحمولُ من ظهره، قال في "التتمة": هو كما لو أكره الحامل 2 على إلقاء المحمول عن ظَهْره [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي تَرْجِيحِ سَبَبٍ عَلَى سَبَبٍ وَمَهْمَا اجْتَمَعَ سَبَبانِ مُخْتَلِفانِ قُدِّمَ الأَوَّلُ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَنَصَبَ آخَرُ حَجَرًا فَتَعَثَّرَ بِالحَجَرِ وَوَقَعَ فِي البِئْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الحَجَرِ، وَكَذَا لَوْ سَقَطَ الحَجَرُ بِسَبَبِ السَّيْلِ عَلَى طَرَفِ البِئْرِ سَقَطَ الضَّمَانُ عَنِ الحَافِرِ، وَلَوْ سَقَطَ فِي بِئْرِ عَلَى سِكِّينٍ مَنْصُوبٍ فالضَّمَانُ عَلَى الحَافِرِ لاَ عَلَى ناصِبِ السِّكِّين، وَلَوْ حَفَرَ بِئْر قَرِيبُ العُمْقِ فَعَمَّقَها غَيْرُهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الأَوَّلِ فِي وَجْهٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُما يَشْتَرِكانِ لِتَناسُبِ الْجِنايَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع سَبَبَا هَلاَكٍ، يقدَّم الأول منهما؛ لأنه المُهْلِك؛ إما بنفسه، أو بواسطة الثاني، فيشبه التردَيَة مع الحفر، فلو حَفَر بئرًا في محلِّ عدوان أو نصبِ سكِّينًا، ووضع آخر حجرًا، فتعثَّر بالحجر، ثم وقع في البئر، أو على السِّكِّين، فمات، فالضمان يتعلَّق بواضع الحَجَر، وفي "البيان"؛ أنَّ أبا الفيَّاض البَصْرِيَّ قال: يتعلَّق الضمانُ بناصب السِّكِّين، إذا كان قاطعًا موحيًا، فإنه أقوى، والمشهورُ الأول؛ لأن التعثُّر بالحجر هو الذي ألجأه إلى الوقوع في البئر أو على السكين، فكأنه أخذه 3 فردَّاه في البئْر، أو ألقاه على السِّكِّين، وهذا كما أنه لو كان في يدهِ سكِّينٌ، فألقى عليه رجلٌ إنسانًا، يجب الضمان والقصاصُ على المَلْقِي، ولو أهوى إليه مَنْ في يده السِّكِّينُ، ووجْهُه نحوه، لما ألقاه الملْقِي، كان القصاصُ على صاحبِ السِّكِّين، هذا إذا كانا متعدِّيَيْن، ولو حفر بئرًا، أو نصب سكيناً في ملكه، ووضع متعدِّيه حجرًا، فتعثر بالحَجَر، ووقع في البئر، أو على السِّكِّين، فكذلك يكون الضمان عَلَى واضع الحَجَر، ولو وضع حَجَرًا في مِلْكه، وحَفَر متعدٍّ هناك بِئْرًا، أو نصب سِكِّينًا، فتعثَّر بالحجر، أو وقع في البِئرِ، أو على السِّكِّينِ فالمنقول أنه يجب الضمانُ على الحافر، وناصب السِّكِّين، فإنه المتعدِّي، وإنما يجعل الضمان على واضع الحَجَر، إذا كان متعدِّيًا، وينبغي أن يقال: لا يجب الضمانُ على الحافرِ، وناصبِ السِّكِّين؛ كما يذكر في مسألة السبيل على الأثر، ويدلُّ عليه أن أبا سَعْدٍ المتولِّيَ قَالَ في "التَّتِمَّة": لو حفر بئرًا في
ملكه، وجاء آخر، فنصب فيها حديدةً، فوقع إنسانٌ في البئر، وجرحته الحديدةُ، فمات، فلا ضمانَ عَلَى واحدٍ منهما؛ أما الحافرُ، فظاهر، وأما الآخَرُ؛ فِلأَنَّ الوقوع في البئر هو الذي أفضَى إلى الوقوع على الحديدة، فكان حافر البئْر كالمباشر، والآخرُ كالمتسبِّب.
ولو حفر بئرًا في محلِّ عدوانٍ، وسقط الحجر على طرف البئرِ بمجيء السيل به، أو وضعه هناك حربيٌّ، أو سبع، فتعثَّر بالحجر، ووقع في البئر، أو على السِّكِّين، فلا ضمان على أحدٍ، كما لو ألقاه السبع، أو الحربي في البئْرِ، وفي "التتمة" وجه آخر؛ أنه يجب الضمان على عاقلة الحافر؛ لأنه لا وجه للإِهدار، والحافرُ هو المتعدِّي.
ولو حفر بئر عدوانٍ، ونصب آخر في أسْفَلِها سِكِّينًا، فالضمان على عاقلة الحافِرِ، دون ناصب السِّكِّين؛ لأن الحفر هو الذي ألجأه إلى الوقوع على السِّكِّين، هذا هو المشهُور، ويحكَى عن أبي حنيفة، وفي "البيان" وجه أن الضمانَ على ناصب السكينِ؛ لأن التلف حصلَ بوقوعه على السِّكِّين قبل الانصدام بقَعْر البئر، ولو حفر بئرًا قريبةً العمقِ، فعمقها غيره، فضمانُ من تردَّى فيها عَلَى مَنْ يَكونُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: يختص بالأول لما مرَّ.
وأظهرهما: أنه يتعلَّق بهما جميعًا؛ لتناسب الجنايتين وتأثره بالانصدام، فعليهما جميعًا، فصار كما لو تعاونا على الحَفْر، وعلى هذا، ففي كيفية شركتهما في الضمان وجهان، حكاهما الشيخ أبو عَلِيٍّ:
أحدهما: التنصيف؛ كما لو مات بجراحاتٍ صدَرَتْ من شخصين.
والثاني: يوزَّع على القَدْرِ الذي حفره كلُّ واحدٍ منهما، حتَّى لو حفر أحدهما عشرين ذراعًا، والآخر ثلاثين ذراعًا، يكون الضمانُ بينهما أخماسًا.
ولو حَفَر بئرًا متعديًا، ثم طَمَّها، وجاء آخر، وأخرج ما طُمَّت به، وتردَّى فيها إنسانٌ، فالضمان يتعلَّق 1 بالأول؛ لأنه المبتدئُ بالتعدي، أو بالثاني؛ لانقطاع أثر الحفر الأولِ بالطَّمِّ؟ فيه وجهان، نقلهما في "البيان" 2.
ولو وضع رجلٌ حجرًا في الطريق، وآخران حجرًا بجنبه، وتعثَّر بهما إنسانٌ،