(1) قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ في أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، الأَوَّلُ فِي الوَاجِبِ، وَفِيهِ بَابَانِ
البَابُ الأَوَّلُ فِي النَّفْسِ
وَدِيَةُ النَّفْسِ الكَامِلَةُ عِنْدَ الخَطأَ مَائَةٌ مِنَ الإبلِ مُخَمَّسَةَ، عِشْرُونَ بنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ ابْنُ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، ثُمَ تَعْتَرِيهِ أَرْبَعُ مُغَلَّظَاتٍ، وَهِيَ الوُقوعُ فِي حَرَم مَكَّةَ أمَّا حَرَمُ المَدِينَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، أَوِ الوُقوُعُ فِي الأَشْهُرِ الحُرُم وَهِيَ ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، وَمُصَادَفَتُهُ ذَا رِحَم مُحْرمٍ، أَوْ كَوْنُهُ عَمْداً أَو شِبْهَ عَمْدٍ، وَلَوْ رَمَى مِنَ الحَرَمِ إِلَى الحِلِّ أَوْ مِنَ الحِلِّ إلى الحَرَمِ تُغَلَّظُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدية بَدَلٌ نفس الحر أو أطرافه، والجمع: دِيَات، ويقال: وَدَيْتُ القَتِيلَ، أَدِيهِ دية [إذا أَدَّيْتَ] 2 ديته، فالدية اسْمٌ للمال، ومَصْدَرٌ.
والإجماع منعقدٌ على تعلّق الدِّيَة بالقَتْلِ؛ قال الله تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً1
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92].
وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه كتب لعمرو [بن حزم] 1 كتاباً إلى أهل اليمن فيه ذكر الفَرَائض والدِّيَات 2، والكتاب يشتمل على ذكْر دِيَةِ الشخْص المستقل 3، ودية [الجنين] 4 ويحتاج في كلِّ واحدٍ من النوعَيْن إِلى معرفة الواجب، والمُوجب، والواجب عليه؛ إِلا أَن النَّظَر فيها لا يطول في النَّوْع الثَّاني، فجَعَلَ النوع الثاني بأطرافه قِسماً عديلاً للأطراف الثَّلاثة من النوع الأول، وجَعَل نَظْم الكتاب في أربعة أقسام:
الأول: في الواجب، يَعْني من النوع الأوَّل، وفيه بابان:
الباب الأول: في بَدَلِ النَّفْسِ، ويتعلَّقُ بقتل الحُرِّ المُسْلم 5 مائة من الإِبل، فعن أبِي بَكْرِ بن محمد بن عَمْرو بن حَزْمٍ عن أبيه عن جَدّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَتَبَ إلى أهلِ "اليمن" أَنَّ في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مَائَةً مِنَ الإِبِلِ"، وهذه المائة تجب إِذا كان القتل خطأً مُخَمَسَّةً؛ عشْرُونَ منها بِنتُ مَخَاضٍ، وعشرون بنت لَبُون، وعشرونَ ابنُ لَبُونٍ، وعشرون حِقَّةٌ، وعشرون جَذَعة، وبه قال مالك، وأبدل 6 أبو حنيفة ابني اللَّبُون بابني المَخَاض، وبه قال أحمد.
وعَنِ ابن المُنْذِرِ مثله، واحتج الأصحابُ بما روي عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى في دية الخَطَأ بمائَةٍ من الإبل، وفصَّلَهَا على ما ذكرنا، ويُرْوَى ذلك موقوفاً عن ابن مسعود، وعن سليمان بن يسار: أنهم كانُوا يَقُولُونَ: دِيَةٌ الخَطَأ مَائَةٌ مِنَ
الإِبِلِ 1، وفَصَّل ذلك، وقد يطرأ ما تُغَلَّظُ به المائة الواجبة، وهي أربعة أسباب:
أحدها: أن يقع الْقَتْلُ في حرم "مكة"، فيتغلَّظ به الديةُ، وإن كان القتْلُ خطأً، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- كيفية التغليظ، ولا فَرْقَ بين أن يكون القاتلُ والمقتولُ معاً في الحَرَمِ، وبين أن يكون أحدُهما فيه، كما في جزاء الصَّيْدِ 2. وفي حرم "المدينة" وجهان:
أظهرهما: أن وُقُوع القَتلِ فيه لا يقتضي التغليظ، وهما مبنيان على الخِلاَفِ في صَيْدها.
ومنهم من لا يُطلِقُ الخِلاَفَ، وخَصَّص التردد بما إِذا قلنا: إن قاتلَ الصَّيْد فيها تُسْلَبُ ثيابه، وهل تتغلَّظ الدية بوقوع القَتْلِ في الإحرام فيه قولان:
أحدهما، وبه قال أحمد: نعم؛ لأنه سَبَبٌ يجب به جزاء الصَّيْد، فيتغلَّظُ به كالحَرَم، وحُكِيَ هذا عن ابن القَاصِّ.
وأصحُّهما: لا؛ لأن حرمة الإحْرام عارضةٌ غَيْرُ دائمةٍ، ولم يَرِدْ فيه من التغليظ ما وَرَدَ في القَتْل في الحَرَم، ورُوِيَ أنَّه -عليه السَّلاَمُ- قال: إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- ثلاثة 3 رَجُلٌ قَتَلَ في الَحَرَمِ، وَرَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، وَرَجُلْ قَتَلَ بذحل الجَاهليَّة.
والثاني: أن يقع في الأَشْهرِ الحُرُم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم، ورَجَب، ثلاثة سرداً وواحدٌ فرداً؛ وذلك لِعَظَم حُرْمتها؛ ولا يُلْحَقُ بها شَهْرُ رمَضَانَ.
والثالث: أن يصادف القَتْل قريبًا مُحْرِماً، وهل تَتَغلَّظ الدية بالقَرَابَةِ دون المحرمِيَّة؟ فيه وجهان عن القَفَّال، واختاره الشَّيخ أبُو محَمَّدٍ، والقاضي الرُّويانيُّ: أنها تتغلَّظُ؛ لما فيه من قَطِيعَةِ الرحم، وتأكيد الحُرْمة.
وقال الأكثرون: لا تتغلَّظ؛ لِمجرَّدِ القَرَابة، ويعتبر معها المحرمية، وقد رُوِيَ عن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ما يدلُّ عليه، ويُشعِرُ به، ولا تُلْحَقُ حرمة الرَّضَاع، والمُصَاهرة بُحْرمَةِ النَّسَبِ في هذا الباب.
وعند أبي حنيفة ومالك: هذه الأسباب الثلاثة لا تقتضي التَّغليظَ، ويميلُ الأصحاب للمذهب بالآثار عن عمر، وعثمان، وابن عباس -رَضِيَ الله عَنْهُم- وادَّعوا فيها الاشتهار، وحصول الاتفاق.
والرابع: إذا كان القتل عمداً أوْ شبه عمد، تغلَّظَتِ الدية، ويُسَمَّى شبهُ العَمْدِ عمداً خَطَأً أيضاً، وقد رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلاَ إِنَّ في قَتْلِ العَمْدِ الخَطَأ بِالسَّوْطِ، والعَصَا مَائَةً مِنَ الإِبِلِ مُغَلَّظَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا" 1. ويجوز أن يُعلَّم قوله في الكتاب: "أو شِبْه عَمْدٍ" بـ"الميم"؛ لأن المشهور عن مالك: أن القَتْل إما عمدٌ مَحْضٌ، أو خطأٌ مَحْضٌ، ونفي شبه العمد.
وقوله: "وعِشْرُونَ ابن لَبُونٌ معلم بـ"الحاء" والألف والواو"، وقوله: "الوقوع في حرم مكة معلم بالحاء والميم".
وقوله: "والوقوع في الأشهر الحرم".
وقوله: "أو مُصَادفته ذا رحم محرم" بالواو وقد بَيَّنا وجوهها.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِماً فِي دَارِ الحَرْبِ عَلَى زِيِّ الكُفَّارِ وَلَم يَعْلَمْ إِسْلاَمَهُ فَيَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى قَوْلٍ وَلَكِنْ دِيَةُ العَمْدِ أَوْ دِيَةُ شِبْهِ العَمْدِ أَوْ دِيَةُ الخَطأ المَحْضِ فِيهِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ، وَكَذَا إِذَا رَمَى إِلَى مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ قَبْلَ الإصَابَةِ، وَيَجْرِي هَذَا الخِلاَفُ فِي كُلِّ قَتْلٍ عَمْدٍ مَحْضٍ صَدَرَ عَنْ ظَنٍّ فِي حَالِ القَتِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سيظهر في الفصل التالي 2 لهذا الفَصْل أن شبه العَمْد في التغليظ = حديث أبي شريح، ورواه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة بمعناه، وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس مرفوعاً: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ فى الإِسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه.
قاله الحافظ في التلخيص.
والتخفيف على مرتبة 1 متوسِّطة بين العَمْد والخطأ.
وفي الفصل صورتان، [و] قد سبق أصلهما، والغَرَضُ الآن الكلام في أنَّ الدية إن وجبت فيهما 2، فمن أي قبيل هي؟
إحداها: إذا قَتَل في دار الحرب مسلماً وجدُوه على زَيِّ الكُفَّار، وظنَّه كافراً، فقد سبق أن في وجوب الدِّيَةِ فيه قولين:
أصحُّهما: المنع، وإذا قيل: بوجوبها، فمحصول المَنْقُول في كيفيتها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الدية الواجبة دِيَةُ العَمْد؛ لأنه قتله متعمداً
والثاني: دية شبه العَمْدِ؛ لأنه، وإن تعمد القَتْل، لم يقصد قتل المسلم، فأشبه ما إذا ضربه بما لا يَقْتُلُ غالباً.
والثالث: دية الخَطَأ المَحْضِ؛ لأنه معذور في القَتْل، جاهلٌ بالحال.
والثانية: إذا رمى إلى مرتد أو حربي، فأسلم، ثم أصابه السَّهم ومات، ففي وجوب الدية خلاف قَدَّمناه، والأصح وجوبها، وفي كيفيتها الوجوه الثلاثة، وهذه الصُّورة أولى بأن تلحق بالخطأ؛ لأنه لم يكن معصوماً عند الرمي، ويشبه أن يكون هو الأظهر لما ذكرنا أن الإِمام رأى القطع به فيما إذا جرح مرتداً أو حربياً فأسلم ثم مات، لكن في كتاب القاضي ابن كج أنَّه إذا أصاب سهمه من أسلم وكان مرتداً عند الرمي، لم يكن قصد إلى رميه تكون الدية في ماله لا على عاقلته؛ لأنهم يقولون: إنك لما أرسلت السَّهْم كان المرميُّ مُهْدراً، لا يلزمنا في قَتْلِهِ شيْء، ومن نُوجَب الدِّية في ماله، إذا لم يقْصِد الرمي إليه، فأولى أن نوجبها في ماله إذا قصد، ولو رمى إلى شخص 3 ظنه شَجَراً أو ظَبْية، وكان إنساناً، فالظاهر، وبه قطع الشيخ أبو محمد: أنَّه خطأ مَحْض، كما لو رمى إلى سعيد، فعرض في الطريق إنسان، أو مرق 4 منه فأصاب إنساناً، وقربه الإِمام من مسألة الرُّمْي إلى من ظنه كافراً في دار الحرب [فكان] 5 مسلماً، تنزيلاً لظنْ كونه شجراً منزلة ظن كَون الرجل حَرْبياً، ويوافق هذا لفظ الكتاب حيث قال: "ويجري هذا الخلاف في كل قَتلٍ عمد مَحْض صدر عن ظن في حال القَتْل".
قال الغَزَالِيُّ: وَالدِّيَةُ يَتَغَلَّظُ فِي العَمْدِ مِن ثَلاثَةِ أَوْجُهِ: التَّخْصِيصُ بِالجَانِي وَالتَّعْجِيلُ والتَّثْلِيثُ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ ثَلاثُونَ حِقَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا
أَوْلادُها، وَفِي الخَطَأِ يَتَخَفَفَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ إِذْ تَجِبُ عَلَى العَاقِلَةِ مُؤَجَّلةَ إِلَى ثَلاَثِ سِنِينَ مُخَمَّسَةٍ، وَفِي شِبْهِ العَمْدِ تَجِبُ علَى العَاقِلَةَ مُؤَجَّلَةً مُثَلَّثَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدية في القَتْلِ العمد تتغلّظ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تجب على الجاني، ولا تتحمَّلُها العاقلة.
والثاني: أنها تجب حالة مُعَجَّلة، والوَجْهَان قياس إبدال المتلفات 1.
والثالث: أنها تجب مثلّثة ثلاثون منها حِقّة، وثلاثون جَذَعَة، وأربعون خلفة، والخَلِفَةُ: الحامل 2، ويسمى هذا الوجه الثالث تغليظاً بالسن.
واحتج بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوجب في الخبر الذي مر 3 من الخلفات في شبه العمد، فإذا وجبت في شبه العَمْدِ تغليظاً، فلأن تجب في العمد كان أولى.
وأيضاً ففي بعض الشروح أنَّه روي عن عبد الله بن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّداً سُلِّمَ إِلَى أوْليَاءِ القَتِيلَ فَإنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أَحَبُّوا أخَذُوا العَقْلَ، [وَالعَقْلُ]: ثلاثون حِقَّة وثلاثون جَذَعة وأربعون خَلِفَةِ فِي بُطُونِهَا أوْلاَدُهَا" 4.
ولا فرق في ذلك بين أن يكون العَمْد موجباً للقصاص، فيعفى عنه، ويعدل إلى الدية، وبين ألاّ يكون موجباً للقصاص كقتل الوالد ولده، وفي الخطأ تتحقق الدية من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها تكون عن العاقلة.
والثاني: أنها تكون مؤجّلة في ثلاث سنين، وسيأتي الكلام فيها إن شاء الله -تعالى- في القِسْمِ الثالث من الكتاب.
والثالث: أنها تجب مخمّسة على التفصيل الذي سبق، وفي شبه العمد بتخفيف من وجهين الوجوب على العاقلة، وكونها مؤجلة، ولكن تتغلّظ من حيث إِنها تجب
مُثَلَّثة لما قدمنا من الخبر.
هذا ظاهر المذهب.
وحكى القاضي ابن كَجّ، وأبو الفرج السَّرَخسي وجهاً أن بدل شبه العَمْدِ لا تحمله العاقلة؛ لأنها دية مغلّظة بإِيجاب الخلفات، فأشبهت دية العَمْدِ المَحْض.
وروى بعضهم هذا قولاً مخرجاً عن ابن القَاصّ، ووجه المذهب بما روي أن امْرَأَتَيْنِ 1 اقتتلتا، فضربت إحداهما الأُخرى بعَمُودٍ فُسْطَاط، فماتت، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِالدِّيَةِ على عَاقِلَتِها 2. وعند أبي حنيفة: أنها إِذا أوجبت الدية في العمد كقتل الوالد ولده تكون مؤجّلة على القَاتِلِ في ثلاث سنين.
وعند مالك: الدِّية في العمد، وشبه العمد تجب أرباعاً بخمسة وعُشرون بنت مخاض، وخمسة وعشرون بنت لبون، وخمسة وعشرون حقّة، وخمسة وعشرون جذعة، ولا يجب الخلفات بحال.
لنا: حديث العمد والخطأ على ما تقدم، وأيضاً فعن عُبَادة بن الصَّامت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلاَ إِنَّ فِي الدِّيَةِ العُظْمَى مَائَةً مِنَ الإبِلِ أَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا".
وعن أحمد رواية كقوله 3، ورواية كقولنا.
والقتل الخطأ في الحرم، وفي الأشْهر الحرم والمصادف للمحرمِ دِيَتُهُ كَدِيَةِ شبه العَمْدِ تكون على العَاقِلَةِ مؤجلة 4، لكن مثلّثة، وإنما تجتمع التخفيفات 5 من الوجوه الثلاثة في الخطأ إذا وقع في غير 6 هذه الأحوال.
واعلم أن الدية المخمّسة يرجع تفاوت أقسامها إلى السن إلا في بَنَات اللَّبُون فإن تفاوتها يرجع إلى الذكورة والأنوثة، والتخميس في هذه الدية حاصل بأقسام مُتَعَادلة، والتثليث في الدية المثلثة غير حاصل على التعديل.
وأما النسبة المخفّفة فيها بالاعتبار بثلاثة أعشارها حِقَاق، وثلاثة أعشارها جِذَاع، وأربعة أعشارها خَلَفات، وهذا ظاهر عند التأمل، وقد قال الإِمام: ويراعي القسمة المذكورة في الدية المغلّظة والمخفّفة في دية المرأة [ودية الأطراف والجراحات فتجب في دية المرأة] 7 إذا كان القتل خطأ عشر بنات مخاض، وعشر بنات لبون، وهكذا إلى آخر الأقسام وإذا كان عمداً، أو شبه عمد وجبت خَمْسَةَ عَشَرَ حقةً، وخمسة عشر جَذَعَة، وعشرون خلفة، وكذا حكم دية اليد.
وفي المُوَضّحة إذا كانت خطأ بنت مخاض، وبنت لبون، وابن لبون، وحقّة، وجذعة.
وإذا كانت عمداً، أو شبه عَمْد حقّة ونصف، وجذعة ونصف، وخَلَفتان.
وفي قطع الأُصبع إذا كان خطأ ابنتا مَخَاض، وابنتا لبون، وابنا لَبُون، وحِقّتان، وجذعتان.
وإذا كان عمداً، أو شبه عَمْد ثلاث حِقَاق، وثلاث جِذَاع، وأربع خَلَفات، وعلى هذا القياس.
بدل العبد 1 الدراهم والدنانير فلا مَدْخل فيها للتغليظ، كما في سائر الأموال.
وليعلم لما بينا قوله في الكتاب في دية العَمْد والتعجيل بـ"الحاء" والتثليث بـ"الحاء" و"الميم" و"الألف".
وقوله في شبه العمد "على العاقلة" بـ"الواو".
وقوله: "لكن مثلثة" 2 بـ"الحاء" و"الميم" و"الألف".
وقوله: "أربعون خلفة في بطونها أولادها" مجرى على مُوَافقة الخبر المشهور في الباب، واختلفوا في قوله: "في بطونها أولادها".
فقيل: هو تأكيد مَحْض، وليست الخَلِفَة إلا التي في بطونها أولادها.
وقيل: اسم الخَلِفَة يقع على الحامل، وعلى التي ولدت، وولدها يتبعها، وأراد تبيين أن الواجب 3 الحامل، ويجوز أن يقال: هو تفسير الخلفة.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُؤْخَذُ مَعِيبُ، وَالخِلْفَةُ تُعْرَفُ بِقَوْلِ أَهْلِ البَصِيرَةِ، فَإِنْ أَخْطَؤُوا اسْتَدْرَكُوا، وَأَمَّا الصِّنْفُ فَيُرَاعِي إِبِلُ البَلَدِ أَوْ أَقْرَبِ البُلْدَانِ إلَيهِ، فَإِنْ كَانَ إبْلُ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ يُخَالِفُ إبِلَ أَهْلِ البَلَدِ فَفِي تَعْيِينِهَا وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ فَإنْ كَانَتْ مَعِيبَةَ فَهِيَ كالمَعْدُومَةِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ في القُطْرِ رَجَعَ إِلَى قِيمَةِ الإِبِلِ، وَفِي القَدِيمُ يُرْجَعُ إِلَى أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإذَا تكرَّرَ أَسْبَابُ التَّغلِيظُ لَمْ يتَكَرَّرِ التَّغْلِيظُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحداها: لا يؤخذ في الدية معيب، ولا مريض إِلاّ أن يرضى المستحقّ، ولا فرق بين أن يكون إبل من عليه معيبة أو مريضة، أو لا تكون كذلك، بخلاف الزَّكاة حيث يؤخذ من المِرَاض المريضة؛ لأن الزكاة تتعلّق بعين المال، والدية في الذِّمة، فيعتبر المؤدّي السلامة كالمسلم فيه، والرّقبة في الكَفَّارة، لكن الدية عِوَض، فيعتبر فيها السلامة عن العيوب التي تؤثر في المالية، ويثبت الرد في المبيع 4، والمقصود في
الكَفَّارة التخليص عن الرق ليستقل 1 المعتق، فيعتبر السلامة عن العيوب التي تؤثّر في العمل، والاستقلال.
الثانية: في الغالب أن النَّاقة لا تحمل حتى يكون لها خمس سنين، وهي الثنية ولو حملت قبل ذلك، فهل تؤخذ، فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن الأربعين أحد أقسام الدية، فيختص بالسِّنّ كالقسمين الآخرين، ولأن الحمل قبل 2 ذلك مما يندر، ولا يوثق 3 به.
وأصحُّهما: القبول؛ لأنه ليس في الخبر إِلا اعتبار 4 الخلفة، وإذا جاء من عليه الدية بناقة ليسلمها، أو قال: هي خَلِفة، وأنكر المستحق، فيرجع فيه إلى عَدْلَين من أهل الخبرة، ويعمل بقولهما، وإذا أخذت بقول [أهل] 5 الخبرة، أو بتصديق الجاني، فماتت عند الولي، وتَنَازعا في العمل شق بطنها ليعرف 6 الحال، فإن تبين أنها لم تكن حاملاً غرمها الولي، وأخذ مكانها خَلِفة.
وعن القاضي ابن كَجّ وجه آخر أنَّه يأخذ أرش النقصان، ويكتفي به.
والظاهر: الأول كما لو خرج المسلم فيه على غير الصفة المشروطة، ولو صادفتا النَّاقة المأخوذة حائلاً، وقال الولي: لم يكن بها حمل، وقال المؤدي: أسقطت عندك 7، فإن لم يحتمل الزمان الإسقاط ردّت وَطُولب بخلفة بَدَلها، وإن احتمل فينظر إن أخذ 8 بقول الجاني، ولم يراجع أهل الخبرة، فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأنّ الأصل عدم الحمل، وإن أخذ بقول أهل الخِبْرَة بعد مراجعتهم ففيه وجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك.
وأصحُّهما: وبه قال الربيع أن القول قول المؤدّي لتأيد قوله بقول أهل الخبرة، واجتهادهم، فكأنهم 9 شهدوا، وحكمنا بشهادتهم.
وعن أبي الحسين بن القَطَّان القَطْع بهذا الوَجْه الثاني.
الثالثة: من لزمه الدِّيَة من الجاني والعاقلة فإما ألا يملك إبلاً أو يملك.
الحالة الأولى: إذا لم يكن له إبل، فعليه تحصيل الواجب من غالب إبل البلدة،
أو القبيلة إن كان من أهل البادية الدين ينتقلون بإبلهم ولا يقيمون في بَلْدة، ولا ناحية، ودفعه إلى المستحق، فإن تفرقت العاقلة في البُلْدَان، أو القبائل أخذت حصة 1 كل واحد منهم من غالب إِبِلِ بلدته، أو قبيلته.
قال أبو الفرج الزاز: وهذا لا يتحقق تصويره في تفرق الآحاد، فإن الواجب على واحد منهم لا يبلغ ما يؤخذ به الإبل، وإنما يظهر التصوير إِذا كان بطنٌ 2 في بلدة أو قبيلة، وبطنٌ في أخرى وإن لم يكن في البلدة أو القبيلة إبل، أو كانت بعيدةً اعتبر إبل 3 أقرب البلاد، وعليه النقل إن قربت المسافة، وإن بعدت وعظمت المُؤْنة والمَشَقّة لم يلزم، وسقطت المُطَالبة بالإبل، وبم يضبط القرب والبعد؟
أشار بعضهم إلى رعاية مَسَافة القَصْر، فجعلها وما فوقها في حَدّ البعد.
وقال الإِمام: لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع الغرّة لم يلزمه [تحصيلها] 4 وإلا لزمه.
الحالة الثانية: إذا كانت له إبل ينظر إن كانت إبله من غالب البَلْدة أو القبيلة فذاك، وإن كانت من صنف آخر فوجهان:
الذي أورده الأكثرون من العراقيين وغيرهم أن الدية تؤخذ من لغة الصنف الذي يملكه 5 مَهْرِيّة كانت أو أرْحبيّة عِرَاباً أوْ بَخَاتَى، ووجه ذلك في العَاقِلَةِ بأنهم [كانوا] يؤدّون ذلك على سبيل المُوَاسَاة، فيعطون ما عندهم كما في الزَّكَاة، وهذا ظاهر نصّه في "المختصر"، فإنه قال: ولا أكلف أحداً من العاقلة غير إبله.
والثاني حكاه الإِمام عن محققي المَرَاوزة، ورجحه 6 أن الاعتبار بغالب إبل البلد 7؛ لأن الدية عوضٌ متلف، واعتباره بملك المتلف بعيد، ومن قال أراد بقوله: "غير إبله إبل بلدته أو قبيلته" وقد يضاف ما يتعلّق بالبلد، أو القبيلة [إلى] 8 الواحد من أهلها، ولذلك قال عَقِيْبَ هذه اللِّفظة: وإن لم يكن ببلده إبل كُلِّف إبل أقرب البلدان إليه، ولو أراد بإبله ما يملكه لأشبه أن يقول: ولو لم يكن له، أو في ملكه إبل، ومهما تعين نوع، فلا عدول إلى ما دونه، أو فوقه إلاَّ بالتَّرَاضِي.
وإذا كان الاعتبار بإبل الدية، أو القبيلة، فلو كانت إبل الموضع من نوعين أو أكثر ولا غالب فيها، فالخِيَرَةُ إلى المُعْطِي.
كذلك حكاه الإِمام وإن اعتبرنا 1 إبل مَنْ عليه، فلو تنوّعت إبله فوجهان:
أحدهما: يؤخذ من الأكثر، فإن استويا 2 أعطي ما شاء.
والثاني: يؤخذ من كل 3 يقسطه إلا أن يتبرع فيعطي الكُلّ من الأشرف 4، وإن أراد أن يعطي من شيء آخر سوى ما في بلدته أجبر 5 المستحقّ على القبول إذا كان من غالب إبل البلدة، أو القبيلة.
قاله في "التهذيب"، والوجهان مَبْنِيَّان على القولين في الزَّكَاة، إذا تنوع النِّصَاب نوعين فصاعداً، وإذا كانت الإبل تُبَاع بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ لم يجب تحصيلها، وكانت كالمعدومة 6.
الرَّابعة: إذا كانت الإبل موجودةً، وعدل من عليه ومستحقّها إلى القيمة أو غيرها بالتراضي جاز كما لو أتلف مثليّاً، وتراضياً على أَخْذِ القيمة مع وجود المثل 7، وقال 8 صاحب البيان: هكذا أطلقوه، وليكن ذلك مبنياً على أنَّه يجوز الصُّلح عن إبل الدية، وإن أراد أحدهما العدول عن الإبل لم يُجْبَر الآخر عليه.
وعن أبي حنيفة إذا عدل الجَانِي إلى الدراهم أو الدنانير المقدرة على ما سيأتي إن شاء الله -تعالى- وجب على المستحقّ القبول.
والدية أحد ثلاثة أشياء: الإبل والدراهم والدنانير.
وعن أبي الطَّيب بن سلمة وغيره أن على القول القديم، وهو الرجوع إلى المقدّر عند إعواز الإبل على ما سنذكر على الأثر إن شاء الله تعالى يتخير الجَانِي بين الثلاثة، كما قال أبو حنيفة.
وفي "الشامل" حكاية مثله عن أحمد، وزاد فقال: الدية ستة أصول الإبل والدراهم والدَّنانير، وسيأتي إن شاء الله -تعالى- تقديرهما ومائتا بقرة ومائتا حلة وألفا شاة، والمراد من الحلّة غالب لباس العرب إزار ورداء 1، وبه قال أبو يوسف ومحمد ويروى عن أحمد طَرْح الحلل، واحتجّ الأصحاب لتعيين الإبل بظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "في النفس 2 مَائَةٌ مِنَ الإِبِلِ"، وقوله -عليه السلام- في قتيل السّوط والعصا: "مائَة مِن الإِبِلِ".
أما إذا لم توجد الإبل في الموضع الذي يجب تحصيل الإبل منه، أو كانت توجد بأكثر من ثمن المِثْلِ، فالرجوع إلى ماذا؟ فيه قولان:
القديم: وبه قال مالك أنا نرجع إلى بَدَلٍ مقدر، وهو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم 3 لما روي عن مكحول وعطاء قالا: أدركنا النَّاس على أن دية الحرّ المسلم على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مائة من الإبِلِ، فقوّمها عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بألف دينار أو اثني عشر ألف درهم 4. وروي أنَّه -عليه السلام- قضى في الدِّيَةِ بألف مِثْقَالٍ، أو اثني عشر ألف درهم 5. وعند أبي حنيفة: الدَّراهم مقدّرة عشرة آلاف.
وذكر القاضي ابن كَجّ أن أبا الحسن حكاه وَجْهاً لبعض الأصحاب، ويدل على
التقدير الأول ما روي عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رَجُلاً قتل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلَ ديته اثني عشر ألف درهم.
والجديد: أنّ الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت لما روي عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُقَوِّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رَفَعَ في قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها (1)، وهذا ما اختاره المُزَنِيّ، وادعى أن القديم مرجوع عنه.
"
التفريع
"
إن قلنا بالقديم، فالاعتبار بالدراهم والدنانير المضروبة 2 الخالصة دون التبر والمغشوش.
وذكر الإِمام أن المعطِي يتخيّر بين الدراهم والدنانير، والذي أورده الجمهور أن على أهل الذَّهب الذهب، وعلى أهل الوَرِقِ الوَرِق، د إذا كان الواجب دية مغلّظة، بأن قتل في الحرم، أو قتل عمداً أو شبه عمد، فهل يزاد للتغليظ شيء؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن التغليظ في الإبل إنما ورد بالسِّنّ والصفة، لا بزيادة العَدَدِ، وذلك لا يوجد في الدراهم والدنانير، وهذا أحدها احتجّ به على فَسَاد القول القديم.
وقيل: المصير إليه يسقط أثر التغليظ.
والثّاني: أنَّه يزاد ثلث المقدر تغليظاً، فيجب ستة عشر ألف درهم، أو ألف دينار، أو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وبه قال أحمد لما روي عن عمر -رَضيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه قضى فيمن قتل في الحرم، أو في الأشهر الحرم أو محرماً بدية وثلث 3.
وعن عثمان 4 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه قضى في امرأة وطئت بالأقدام بـ"مكة" بدية1
وثلث، وهي ثمانية آلاف درهم، وعلى هذا فلو تعدد سبب التغليظ بأن قتل محرماً في الحرم فوجهان:
أصحهما: أنَّه لا يزاد على الثلث شيء، ولا يتكرر التغليظ، كما لو قتل المحرم صيداً في الحرم لا يلزمه إلا جزاء واحد.
والثاني: أنَّه يزاد لكل سبب ثلث الدية، فيجب في قَتْلِ المحرم في الحرم عشرون ألفاً، ويروى ذلك عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا 1 - وإن انضم إليه الوقوع في الأشهر الحرم، وجب أربعة وعشرون ألفاً، فإن كان القَتْل شبه عمد وجب ثمانية وعشرون ألفاً ويحكى هذا عن أحمد.
وإن قلنا بالجديد، فتقوّم الإبل بغالب نَقْدِ البلد، ويراعى صِفَتُهَا في التغليظ، إن كانت مغلظة.
قال الإِمام: فإن غلب النَّقْدَان في البلد تخير للجاني، وتقوّم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها، وإنْ كانت له إبل معيبة وجبت قيمة الصِّحَاح من ذلك الصنف، وإن لم يكن هناك إبل، فيقوم من صنف أقرب البلاد إليهم.
وحكى صاحب "التهذيب" وجهين في أنَّه يعتبر قيمة مواضع الموجود، أو قيمة بلدة الإعواز لو كانت الإبل موجودة فيها، والأشبه الثاني، ووقع في لفظ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه يعتبر قيمة يوم الوُجُوب، والمراد على ما يفهمه كلام الأصحاب يوم وجوب التسليم ألا تراهم قالوا: إن الدية المؤجّلة على العَاقِلَةِ يقوم كلّ نجم منها عند محلّه.
وقال القاضي الروياني: إن وجبت الدية، والإبل مفقودة فيعتبر قيمتها يوم الوجوب.
أما إذا وجبت وهي موجودة، فلم يتمكن 2 من الأداء وحتى أعوزت يجب قيمته يوم الإِعْوَاز؛ لأن الحق يومئذ يحول إلى القيمة، وإن وجد بعض الإبل الواجبة أخذ الموجود، وقيمة الباقي.
وقوله في الكفار: "فيراعي غالب إبل البلد، وأقرب البلدان إليه" لا يخفى أنَّه ليس على التَّخيير، بل المعنى إلى 3 أقرب البلدان إليه، إن لم يكن في البلد إبل، وفي السياق ما يبيّن أن المرعى الغالب إن لم يكن لمن عليه الدية إبل، وإن كانت وهي مُخَالفة للغالب، فهل يتعيّن؟ فيه وجهان وعلى الوجه الذي لا يتعين بتعين الغالب.
وقوله: "وإن لم يوجد في القُطْر... " إلى آخره فيه إشارة إلى أنَّه إذا وجدت الإبل، فلا معدل (1) عَنْهَا، وإنما الرجوع إلى غيرها عند ضرورة الإِعواز، وفي لفظ "القُطْر" إشارة إلى ضبط القُرْب والبُعْد بما ذكره الإِمام دون مسافة القصر.
وقوله: "يرجع إلى قيمة الإبل" ليعلم بـ"الحاء" و"الميم"، فإنّ الرجوع عندهما إلى المقدر كما بَيَّناه.
وقوله: "ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم" للتخيير على ما ذكره الإِمام، وللتنويع على ما ذكره الجمهور ولفظ "اثني عشر" معلم بـ"الحاء" و"الواو".
وقوله: "لم يتكرر" بـ"الألف" و"الواو".
" فَرْعٌ"
قال الإِمام: لو قال المستحق عند إعواز الإبل: لا أطالب الآن بشيء، وأصبر إلى أن توجد، فالأظهر أن الأمر إليه؛ لأن الأصل هو الإبل، ويحتمل أن يقال لمن عليه الدية أن يكلفه قبض ما عليه [تبرأ ذمته] 2، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنَّه لو أخذ الدراهم، ثم وجدت الإبل تردُّ الدراهم، ويرجع إلى الإبل، بخلاف ما إذا غرم قيمة المثل 3 لإعواز 4 المِثْل، ثم وجد ففي الرجوع إلى المِثْل خلاف، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُنَقِّصَاتُ لِلدِّيَةِ عَمَّا ذَكرْنَاهُ فَأَرْبَعَةٌ، الأوَّلُ الأُنُوثَةُ فَإنَّهَا تُرَدُّ إلَى الشَّطْرِ، وَالاجْتِنَانُ فَإنَّهُ يُرَدُّ إلَى غُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَالرِّقُّ فإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى القِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَة الحَرِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما مهد أصل الدية، وعقبه بما يعتبر بها من الأسباب المغلّظة التي تزيد صفة، أو قدراً أراد أن يبين ما يعتبر بها من الأسباب المنقصة التي تنقص صفة، أو قدراً، فهي وهي كما عدها أربعة:
أحدها: الأنوثة فَدِيَةُ المرأة على النصف من دية الرجل، لما روي عن عمرو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "دِيَة المَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ" 5.1
ويروى ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، والعَبَادِلَةِ: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
قال الأصحاب: قد اشتهر ذلك، ولم يُخَالفوا، فصار إجماعاً، ويجب في الخُنْثَى المُشْكل دِيَةَ المرأةِ؛ لأن الزيادة مشكوك فيها.
ذكره صاحب "البيان" وغيره.
وكما أن دية المرأة على النصف، فدية أطْرَافها وجِرَاحَاتها على النصف من دية أطراف الرجل وجِرَاحاته على الجديد، وبه قال أبو حنيفة اعتباراً بالأجزاء بالجملة.
وفي القديم قول أن المرأة تُعَاقِلُ الرَّجل إلى ثلث الدية أي: تساويه في العقل 1، فإذا زاد الواجب على الثّلث صارت على النصف لما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَقْلُ المَرْأةُ كَعَقْلِ الرَّجُلِ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ" 2.
وعلى هذا فيجب في أُصْبع من أَصَابعها عشر من الإبل، وفي أُصْبُعَيْنِ عشرون من الإبل، وفي ثلاث ثلاثون، وفي أربع عشرون [على النصف] 3 مما يجب في الرجل؛ لأن الواجب في الأربع يزيد على الثلث، ويروى هذا عن مالك وأحمد، ويروى عنهما أنها تعاقله فيما دون الثُّلث، وفي الثلث فما فوقه تكون على النصف، وذكر أن القول القديم مرجوع عنه.
= فأخرجه البيهقي من طريق الحكم عن الشعبي عن زيد بن ثابت أنَّه قال: في جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف، وقال ابن مسعود: إلا السن والموضحة فإنهما سواء، وما زاد فعلى النصف، وقال عليّ: على النصف في الكل، قال: وأعجبها إلى الشعبي قول عليّ، وأما ابن عمر وابن عباس فلم أره عنهما.
مراده بقوله العبادلة، جميع الثلاثة؛ لأن الذين اشتهروا بهذا اللقب هم هؤلاء الثلاثة، ولا معنى لاعتراض من اعترض عليه بذلك، ووقع في المبهمات للنووي أن الجوهري قال في مادة عبد في ذكر العبادلة، أنَّه عد فيهم ابن مسعود، وحذف ابن عمر، وليس كما قال: فالذي في الصحاح حذف ابن الزبير، والاقتصار على ثلاثة، ولم يذكر ابن مسعود انتهى.
والذي في الصحاح في مادة عبد بإثبات ابن مسعود، وحذف ابن الزبير، فهم عنده أربعة، لكن في آخر الكتاب في مادة هاء، قال: وهم ابن عباس وابن عمر وابن الزبير، فاقتصر على ثلاثة فيه، ووقع في شرح الكافية لابن مالك العبادلة خمسة، فذكر الأربعة وابن مسعود فيهم، وعد الزمخشري في الكشاف ابن مسحود فيهم أيضاً، وحذف ابن عمرو، وتعقب، قاله الحافظ في التلخيص.
وأن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: قال كان مالك يذكر أنَّه السُّنة، وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي شيء منه حَتَّى علمت أنَّه يريد سُنَّة أهل "المدينة"، فرجعت عنه.
والثاني: الاختيار، فإنه يرد الواجب إلى الغرّة، والقول فيه مؤخر إلى القسم الرابع من الكتاب.
الثالث: الرّق، فيجب في قَتْل العبد قيمته، سواء كان القتل عمداً أو خطأً، وسواء نقصت القيمةُ عن قدر الدية، أو زادت مسلوكاً به مَسْلك الأموال، ولذلك لو تَلِفَ في يد الغاصب ضمنه بتمام قيمته، وبهذا قال مالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: لا يزاد الواجب على دِيَةِ الحُرّ، بل ينقص منه عشرة دراهم.
وفي رواية ينقص في حقِّ الأَمَةِ خمسة.
وأما أطراف العَبْدِ وَجِرَاحاته، فالذي يجب فيها مذكور في آخر القسم الأول من الكتاب، وقد يعترض في لفظ الكتاب من وجهين أحدهما 1 أنَّه الآن يتكلّم في مُنْقِصَات الدية، فكيف يليق به أن يقول: وإن زادت على دية الحر، فإن الرِّقَّ حينئذ يكون موجباً للزيادة دون النُّقْصَان.
والثاني: أنَّه قال: يرد إلى قدر القيمة، والرد إلى الشيء في هذا المعرض يقتضي كون المردود إليه أنقص، فكيف ينتظم أن يقول معه: وإن زادت على دية الحر.
والجواب على الأول أن قَدْر القيمة في الغالب دون قَدْر الدية، والرق يقتضي القيمة، فيكون منقصاً في الغالب، فلذلك عَدَّهُ من المنقصات، ويمكن أن يقال: القيمة ناقصة، وما يرد إليها فهو منقص، وإن زاد قدرها على قدر الدية لما فيه من العرض على المقومين والإلحاق بالبهائم، وسائر الأموال، ويخرج به الجواب عن الثاني.
قال الغَزَالِيُّ: وَالْكُفْرُ فَإِنَّ دِيَةَ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ثُلْثُ دِيَةِ المُسْلِمِ، وَدِيَةِ المَجُوسِيِّ ثَمَانْمَائَةُ دِرْهَمٍ، وَالْمَعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ، وَأَمَّا عَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَالزَّنَادِقَةُ وَالمُرْتَدُّونَ فَلاَ عِصْمَةَ لَهُمْ، فَلَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِأَمَانٍ كَفَفْنَا عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنْ قُتِلَ وَجَبَ أَخَسُّ الدِّيَاتِ في الوَثَنيِّ، وَلَمْ يَجِبْ شَيءٌ في الْمُرْتَدِّ، وَفِي الزِّنْدِيقِ تَرَدُّدٌ، وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَبلُغهُمْ دَعْوَتُنَا فَقَدْ قِيلَ: يُقْتَلُ المُسْلِمِ وَبِقَتْلِهِ، وَقِيلَ: لاَ قِصَاصَ وَيجِبُ دِيَةُ المُسْلِمِ، وَقِيلَ: يَجِبُ دِيَةُ ذَلِكَ الدِّينِ، وَأَمَّا المُسْلِمُ فِي دَارِ الحَرْبِ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ فَهُوَ كَالمُسْلِمِ المُهَاجِرِ فِي العِصْمَةِ، وَالصَّابِئونَ مِنَ النَّصَارَى، وَالسَّامِرَةُ مِنَ اليَهُودِ، فَإِنْ كَانُوا مُعَطَّلَةَ في دِينِهِمْ فَلاَ دِيَةً لَهُم.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرابع: الكفر: وَالكُفَّارُ أَصْنَافٌ:
أحدها: اليَهُودِي والنصراني، فديتهما ثُلُث دية المسلم، وهو من الإبل ثلاثة وثلاثون وثلث، وإن أثبتنا الإبل بدلاً مقدراً، فهو من الذَّهَب ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، ومن الوَرِقِ أربعة آلاف درهم.
وقال أبو حنيفة: ديتهما مِثْلُ دية المسلم.
وقال مالك: نصف دية المسلم.
وقال أحمد: إن كان القَتلُ عمداً، فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم.
واحتجّ الأصحاب بما روي عن عُبَادة بن الصَّامت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "دِيَةُ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ" 1.
وبأنهما 2 مكلفان لا سَهْمَ لهما من الغَنِيمَةِ، فلا تكمل ديتهما كالمرأة، والسَّامرة من اليهود، والصَّابِئُون من النصارى إن كانوا معطلة لدينهم 3 كفرة عندهم لم يجب بِقَتْلِهِمْ دية اليهودي والنصراني، بل يكون حكمهم حكم مَنْ لا كتاب له من الكُفَّارِ، وإن كانوا [لا يكفرونهم و] 4 لا يخرجونهم من جُمْلتهم، فهم كسائر فرقهم، وقد سبق في النِّكَاح أن بعضهم أطلق قولين في جواز مُنَاكحة السَّامرة والصَّابئين، وسيأتي مثله في جواز تقريرهم 5 بالجِزْيَةِ، ولا بد من مجيء هذه الطريقة هَاهُنَا.
والثاني: المَجُوسِيّ، وديته ثلثا عشر دية المسلم، وإن شئت قلت: خمسها 6 وخمس ثلثه، وبهذا الاعتبار يقال: إن ديته خمس دية اليهودي، وذلك من الإبل ستة
وثلثان، وإذا أثبتنا البدل، فهو من الذهب ستة وستون ديناراً [وثلثا دينار] 1، ومن الوَرِقِ ثمانمائة درهم.
وقال أبو حنيفة: ديته كدية المسلم.
واحتج الأصحاب بأن ما ذكرناه قد روي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قالوا: ولا مخالفة لهم من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فصار ذلك إجماعاً، واستأنس الشَّارح لـ"مختصر الجويني" الاعتبار خمس دية اليهودي والنصراني بأن قال: لليهود والنصارى كتاب ودِيْن كان حقّاً بالإجماع 2 وتحلّ مناكحتهم، وذبائحهم، ويقرون بالجزية، وليس للمجوس من هذه الأمور الخمسة إلاَّ التقرير بالجزية، فكانت ديتهم خمس ديتهم، ولا يخفى أن الدية في الصنفين إنما تجب إذا كان القتيل 3 معصوماً إما بِعَقْدِ الذّمة، أو بعهد جرى معهم مؤقتاً، أو بأمان مثل أن دخل رسولاً، أو تاجراً 4، ودية نسائهم على النصف من ديّة الرجال، وفي شرح "مختصر الجويني" وجه أن دية نساء المَجُوس كَدِيَةِ رجالهم؛ لأن ديتهم أقل الديات، والأقل يحطّ منه شيء، كما أن [أقل] 5 النفقات تستوي فيه الخَادِمة والمَخْدومة.
وفي "أمالي أبي الفرج" ذكر هذا الوجه في المَجُوس، وسائر الكفار الذين يجب فيهم مِثْل دية المجوسي، وشبه أقل الدية بغُرَّةِ الجنين لا يختلف بالذكورة والأنوثة، والظاهر المشهور الأول، فتكون دية اليهودية والنصرانية بالدراهم [أربعة آلاف] درهم، ودية المجوسية أربعمائة درهم.
وعلى هذا قياس الأطراف ففي أصبع اليهودي والنصراني أربعمائة درهم وفي موضحته مائتا درهم، وفي أصبع المجوسي ثمانون درهماً، وفي موضّحته أربعون، ويراعى في ديات هؤلاء التغليظ والتخفيف، وإذا قتل اليهودي عمداً أو شبه عمد وجبت عَشْر حِقَاق، وعشر جِذَاع، وثلاث عشر خَلِفَة وثلث، وإذا لم يوجد ما يقتضي التغليظ وجب من بِنْت المَخَاض ستة وثلثان، وكذلك من بَنَات اللَّبُون، وسائر الأخماس، وفي المجوسي عند التغليظ يجب حِقَّتان وجَذَعتان وخَلَفتان وثلثا خَلَفة، وعند التخفيف بنت مَخَاض وثلث، وبنت لبون وثلث، وكذلك من سائر الأخماس.
الصنف الثالث: الكافر الذي ليس له كتاب، ولا شبهة كتاب كعَبَدَةِ الأوثان والشمس والقمر، والزَّنَادقة، وفي معناهم المرتدون، فهؤلاء لا يفرض لهم عَقْد ذمْة، ولكن لو فرض أمان بأن دخل بعضهم رسولاً كفينا وبذلك عن قتله، فلو قتله قاتل
وجبت أخَسُّ الديات، وهي دية المَجُوسي والوثني، وعابد الشمس والقمر، ولا يجب في المرتد شيء، فإنه مقتول بكل حال، وليس من أهل الأمان.
قال الإِمام: ولو تحزبت طائفة من المرتدين، ومست الحاجة إلى سماع رسالتهم، فإذا جاءنا رسول منهم فقيل: لا يتعرض له، لكن لو قتل لم يتعلق بقتله ضمان، وفي الزنديق للشيخ أبي محمَّد تردد أنه يلحق بالمرتد، أو الوثني.
والأصح إلحاقه بالوثني؛ لأنه لم يسبق منه التزام الإِسلام، وكان إلحاقه بالمرتدين من جِهَةِ أنه يظهر الإِسلام، وإن كان يستسر بالكُفْر، فإظهاره لإسلام يجعل كإسلام المرتد من قبل، ومن لا عَهْدَ له ولا 1 ذمة ولا أمان من الكفار لا ضمان في قتله على أي دين كان المرتد 2 وجميع ما ذكرناه في الكَافِرِ الذي بلغته دعوتنا، وخبر نبينا -صلى الله عليه وسلم-.
أما من لا يبلغه دعوتنا، فلا يجوز قتله قَبْل الإعلام، والدعاء إلى الإِسلام، ولو قتل، كان مضموناً خلافاً لأبي حنيفة، وبني الخلاف على أنه مَحْجُوج عليه بالعَقْدِ عنده، وعندنا من لا تثبت لم تبلغه الدعوة الحُجّة، ولا تتوجه المُؤَاخذَة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] وبم يضمن؟ أما الكفَّارة 3 فتجب بلا تفصيل، ثم له أحوال ثلاث:
إحداها: إذا لم تبلغه دعوة نبي أصلاً، فعن القَفَّال أنه يجب القِصَاصُ بقتله، فإنه لم يوجد منه عناد وإنكار، وهو على الفِطْرَةِ الأصلية بأسرها لم يجب إلاَّ أرْشُ والظاهر أنه لا قصاص لعدم التكافؤ ونقل نصان في أنه تجب الدية الكاملة أخس الديات فأقامهما بعض الأصحاب قولين يوجه أحدهما بأنه معذور والآخر بأنه لا دين له وقطع آخرون بوجوب الأخس وحمل النص الآخر على الحالة الثانية.
الثانية: إذا كان متمسك بدين لم يبدل ولم يبلغ ما يخالف ففيه الوجه الذاهب إلى وجوب القصاص وهو أقرب هاهنا لأن الدين الذي لم يُبَدَّلْ حقٌ وهو في التمسك به محسنٌ والحالة هذه، وإذا قلنا لا يجب القصاص وهو الظاهر ففي الدية الواجبة وجهان أحدهما: الدية الكاملة والثاني: دية أهل ذلك الدين فإن منصب ذلك الدين لا يقتضي الزيادة عليها.
الثالثة: إذا كان متمسك بدين لحقه التبديل لكنه لم يبلغه ما يخالفه فلا يجب
القصاص بقتله لتعلقه بالدين المغير وكذلك الدية الكاملة وفيما يجب ثلاثة أوجه أحدها دية أهل ذلك الدين والثاني أخس الديات والثالث ذكره الإِمام أنه لا يجب شيء لأنه ليس على دين حق ولا عهد له ولا ذمة وامتناعنا عن قتله كالامتناع عن قتل النساء والذراري والأشبه بالترجيح في الحالة الأولى والثالثة وجوب أخس الديات، وفي الثانية دية أهل ذلك الدين ومن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر مع التمكن من المهاجرة أو دونه فقتله مسلم تعلق بقتله القصاص أو الدية، والعصمة بالإِسلام على ما قاله -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" وعند أبي حنيفة لا يتعلق العصمة بالدار وقوله في الكتاب: ثلث دية المسلم مُعلم بالحاء والميم والألف وقوله ثمانمائة درهم بالحاء ويجوز أن يعلم بالواو لأن وجوب هذا المِقْدَار تت
فرع
على أن للإبل بدلاً مقدراً من التقدير، وقوله: "كالمسلم المهاجر في العصمة" معلم بـ"الحاء" وقوله: "فلا دية لهم" بـ"الواو".
الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ
قال الْغَزَالِيُّ: وَهَذِهِ الجِنَايَةُ إمَّا جُرْحٌ أَوْ إبَانَةٌ أَوْ إبْطَالُ مَنْفَعَةٍ (النَّوْعُ الأَوَّلَ الجُرْحُ) وَفِي جَمِيعِهِ الحُكُومَةُ إلاَّ فِي المُوْضِحَةِ فَفِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبْلِ، فَإِنْ صَارَتْ هَاشِمَةً فَعَشْرٌ (م و)، وَإِنْ صَارَتْ مُنَقَّلَةً فَخَمْسَ عَشَرَ، وَإِنْ صَارَتْ مَأمُومَةً فَثُلُثُ الدِّيَةِ، وَكَذَا الثُّلُثُ في كُلِّ جَائِفَةٍ، وَالجَوْفُ مَا فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ كَالبَطْنِ وَالدِّمَاغِ وَالمَثَانَةِ وَدَاخِلِ الشَّرْجِ، وَأَمَّا بَاطِنُ الإحلِيلِ وَالفَمِ وَدَاخِلُ الأجْفَانِ فَفِيهَا وَجْهَانِ، وَهَذِهِ المُقَدَّرَاتُ تَخْتَصُّ بِعَظْمِ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ سِوَى الجَائِفَةِ فَإنَّهَا تَتَقَدَّرُ عَلَى سَائِرِ البَدَنِ، وَأَمَّا المُنَقِّلَةُ وَالهَاشِمَةُ في سَائِرِ الْبَدَنِ فَفِيهَا الحُكُومَةُ، وَنَعْنِي بِخَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ فِي المُوضِحَةِ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ فَيَجبُ بِمِثْلِ نِسْبَتِهِ فِي الذِّمِّي وَالمَرْأَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بان في البَاب الأول قدر الدية الواجبة بقتل النفس وحقيقتها، والمقصود من هذا الباب بيان ما يجب من الدِّيَةِ فيما دون النّفس، والجناية على ما دون النفس كما سبق في باب الجراح ثلاثة أنواع: جرح، وإبانة طرف، وإزالة منفعة وإبطالها:
النوع الأول: الجراحات وهي قسمان:
الأول: غير الجَائِفة ولنتكلم في جراحات الرَّأس والوجه من هذا القسم، ثم في الجراحات الواقعة في سائر البدن، أما الواقعة في الرأس والوجه ففي الموضّحة خمس من الإبل لما روي عن عمرو بن حزم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الكتاب
الذي كتبه إلى أهل اليمن:"وفي المُوَضّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ" 1.
وعن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثله 2، ولا فرق بين أن تكون الموضّحة على الهَامَةِ، أو النَّاصِيَةِ، أو القذال 3 أو الخُشَّاء وهي العَظْمة الثي تنطبق عليها صَدَفة الأذن، أو منحدر 4 القَمَحُدوَّة إلى الرَّقبة.
وذكر في العَظْمة الواصلة بين عَمُودِ الرقبة، وكرة الرأس وجه أنها ليست في محلّ الموضحة كالرقبة، ويشبه أن تكون هي المُنْحدر المذكور، أو تكون هي منه، والجبهة من الوجه والجبينان والخَدّ وقَصَبة الأنف واللّحْيَان كلها محلّ الإيضاح، ولا فرق في ذلك بين المقبل بين اللّحيين الذي تقع به المواجهة، وبين ما تحت المقبل وإن كان ما تحت خارجاً عن حَدّ المغسول 5 في الوضوء، وذلك لأن اسم الموضحة شامل لجميعها.
وقال مالك: الموضحة على الأنف واللّحى الأسفل لا توجب إلا الحكومة لبعدها عن الدِّمَاغ، والذي ورد أن في الموضحة خمساً من الإبل في حقّ من تجب الدية الكاملة بقتله، وهو الحر المسلم الذكر، وهذا المبلغ نصف عشر ديته فتراعى هذه النسبة في حق غيره حتى يجب في موضحة اليهودي نصف عشر ديته، وهو بعير وثلثان، وفي موضحة المرأة نصف عشر ديتها، وهو بعيران ونصف، وفي موضّحة المجوسي ثلثا بعير، وقد ذكرنا تقدير إبدالها بالدراهم من قبل إن جعلنا للإبل بدلاً مقدراً، هذا الذي ذكرناه ظاهر المذهب المشهور في الموضّحة.
وفي شرح "مختصر الجويني" أن الإصْطَخْرِي قال: يجب في موضحة الوجه كثر الأمرين من خمس من الإبل، وقدر الشِّين يعني الحُكُومة، وأن ابن القطان حَكَى مثله عن أبي محمَّد الفارسي، ولا تفريع في هذا.
وإذا هشم العَظْم مع الإِيضاح وجب عشر من الإبل، وإن نفذ مع ذلك وجب خمسة عشر.
وأما أرش المُنقّلة، فهو مروي في خبر عمرو بن حزم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- منصوص عليه.
وأما وجوب العشر في الهَاشِمة، فقد حكى الإِمام عن الأصحاب خلافاً في مأخذه، وذكر أن بعضهم روى عن زيد بن ثابت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوجب
في الهَاشِمة عشرًا من الإبل 1، وأن منهم من قال: لم يرد فيه خبر، وإنما قدر الواجب فيه بالاجتهاد، وذلك لأنها متوسّطة بين شجتين لكل واحد منهما أرْش مقدّر، فيكون لهما أرش مقدر كالمُنَقّلة، وهذا ما يوجد لعامة الأصحاب، ورواية عن زيد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- موقوف عليه وقال مالك: يجب في الهَاشِمة أرش موضّحة، وحكومة.
وفي أمالي أبي الفَرْج السَّرخسي نقل قول عن القديم كمذهب مالك، وإذا وصلت الجِرَاحَةُ إلى الخَرِيْطَةِ المُحيطة بالدِّمَاغ، وهي المأمومة، ففيها ثلث الدية، روي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- برواية عمر 2 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وفي كتاب عمرو بن حزم 3 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأن المأمومة جراحة وصلت إلى الجَوْف، وفي الجَائِفَة ثلث الدية على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما الدَّامِغَة الخَارِقة للخريطة 4، ففيها طريقان ذكر الشيخ أبو حامد، ومن تابعه أن فيها ثلث الدية كالمأمومة، وأنه لا فرق بين أن تَخْرق الخريطة، أو لا تخرقها، وحكى ذلك عن نص الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما رواه القاضي الرُّوياني عن القاضي الطَّبري، وأشار إلى القطع به، وفي "المهذب" أن أقضى [القضاة] 5 الماوردي أوجب فيها مع ثلث الدية حكومة لخرق الخريطة.
والطريقة الثانية: حكى الفوراني وجماعة أن في الدَّامِغَة تمام الدية؛ لأنها [تذففت] 6 وعلى هذا جرى الإِمام، وقال: ليست الدامغة من الجِرَاح، وإنما توحى وتذفف تَذْفِيف حز الذقنة، والأولون كأنهم يمنعون كونها مذففة، ولو هشم العَظْم ولم يوضح، فوجهان:
أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة أن الواجب فيه الحكومة؛ لأنه كسر عَظْم بلا إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام.
وأصحهما: وبه قال أبو إسحاق، ويقال: إن القفال قطع به أنه يجب، فيه خمس من الإبل؛ لأنه لو أوضح، وهشم وجب عشر من الإبل 7، ولو تجرّد الإيضاح لم
يجب إلا خمس، فيكون الخمس في مقابلة الهَشْم، فيجب عند تجرُّد الهَشْم.
وفي "منهاج الجويني" أن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نصّ على الوجه الثاني، ولو نقل العَظْم من غير إيضاح، فالواجب الحكومة، أو عشر من الإبل، فيه مثل هذين الوجهين.
وفي "الرَّقم" وغيره أن موضع الوجهين ما إذا لم يحوج الهَشْم إلى البَطّ والشَّقّ لإخراج العظم وتقويمه فإن أحوج إليه، فالذي أتى به هاشمة يجب فيه ما يجب في الهاشمة.
وإذا أوضح واحد، وهشم آخر، ونَقّل ثالث، وأمّ رابع، فعلى الأول القصاص، أو خمس من الإبل، وعلى الثاني خمس [من الإبل]، وعلى الثالث خمس [من الإبل]، وعلى الرابع فَصْل أرش المأمومة وعلى أرش المُنَقّلة، وهي ثمانية عشر وثلث، بعير هذا هو الصحيح وفي كتاب القاضي ابن كَجّ وغيره وجه آخر أنهم يجعلون شركاء [في] 1 المأمومة، فيكون ثلث الدية 2 عليهم أرباعاً، ولو جاء خامس وخَرَق خَرِيطَة الدِّمَاغ، ففي "التهذيب" أن عليه دِيَةَ النفس كمن حَزَّ رقبة إنسان بعد ما قطعت أطرافه، وهذا على طريقة من قال: إن الدامغة مذففة، وأما ما قبل الموضّحة من الشّجَاج كالدَّامِيَة 3 والخَارِصة والبَاضِعَة والمتلاحمة فليس فيها أرش مقدر؛ لأن التقدير يعتمد التوقيف، ولم يرد فيه توقيف، وقد روي عن مكحول -رحمه الله- مرسلاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل في الموضّحة خمساً من الإبل 4، ولم يوقف فيما دون ذلك شيئاً، ثم منهم من أطلق بأن الواجب فيها الحكومة.
وقال الأكثرون 5: إن لم يمكن معرفة قدرها من الموضحة، فكلذلك، ولا تبلغ حكومتها أرش موضحة، وإن أمكن أن يعرف قدرها بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها البَاضِعة أو المتلاحمة عرف أن المقطوع نصف، أو ثلث في عمق اللحم، فيجب قسطه من أرش الموضحة، كان شككنا في قدرها من الموضّحة أوجبنا التَّعيين.
قال الأصحاب: وتعتبر مع ذلك الحكومة، ويجب أكثر الأمرين من الحُكُومة، وما
يقتضيه التّقسيط؛ لأنه وجد بسبب كلّ واحد منهما فيعتبر الأكثر كما سَيَأتي في قَطْع بعض اللسان، وذهاب بعض الكلام.
وعن الشيخ أبي محمد أن الخلاف في أن الواجب في المُتَلاَحِمَةِ الحكومة، أو يقدر أَرْشُهَا بالنسبة إلى العُمْق مبني على الخلاف الذي تقدّم في أنه هل يجب في المُتَلاَحمة القصاص؟ هذا الكلام في الجراحات على الوجه والرأس.
وأما الجراحات على سائر البَدَنِ فليس في إيضاح عِظَامه، ولا هَشْمها ولا في النَّقْل أرش مقدر، ووجهوه أن الأخبار الواردة كالموضّحة والهَاشِمة والمُنَقّلة لا يتناولها من جِهَةِ اللَّفْظ لاختصاص هذه الأشياء بجراحات الرأس والوجه، كاختصاص اسم الشِّجَاج، وليست هي في معانيها 1؛ لأن الخوف والخَطَر في جراحات الرأس والوجه أعظم والشَّيْن فيها أشدّ تاثيراً لوقوع النظر عليهما، وتعلّق الجَمَال بهما، وأيضاً فأرش نفس العضو لا ينبغي أن ينقص عن أرش الجناية على العضو، وليس في الأُنْمُلَة الواحدة إلا ثلاثة أبْعِرَة وثلث، فكيف نوجب في إيضاح عظمها خمساً من الإبل؟
القسم الثاني: من الجراحات الجَائِفة، ففيها ثلث الدية لما روي في كتاب عمرو بن حزم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أنَّ فِي الجَائِفَةِ ثُلَثَ الدِّيَةِ".
وعن رواية عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مثله، والجائفة الجِرَاحة الوَاصِلَة إلى الجَوْف كالمأمومة الواصلة إلى أم الدِّمَاغ، وكذا الجراحة الواصلة إلى الجوف من البَطْن، أو الصدر، أو ثغرة النحر، أو الجنينِ، أو الخَاصِرة أو الورك أو من العجان إلى داخل الشرج والعجان هو ما بين الخصية والفَتْحة، وكذا الجراحة النَافِذَة إلى الحَلق من القَفَا أو الجانب المقبل 2 من الرَّقَبة، والنَّافذة إلى 3 المَثَانة 4 من العانة، وفي النّافذة إلى مَمَّر البَوْل من الذَّكَر وجهان:
أحدهما: أنها جائفة لحصولها من الظَّاهر والباطن.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لا يعدّ من الأجواف، وليس فيه قوة تحيل الغذاء والدواء، وإنما يقدر الأرش في الجِرَاحَةِ الوَاصلة إلى الجوف الذي فيه هذه القوة لزيادة الخَطَر فيها, ولو نفذت الجراحة إلى داخل الفَمِ بهشم الخَدّ أو اللّحى، أو بخرق الشَّفة، أو الشّدق، أو إلى داخل الأنف بهشم القّصَبة، أو بخرق المَارِن، فهل هي جائفة؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنها جراحة وصلت إلى الباطن من الظَّاهر، فأشبهت الجراحة الواصلة إلى جوف الرأس والبطن.
وأظهرهما: المنع؛ لأنهما ليسا من الأجواف الباطنة، ألا ترى أنه لا يحصل الفِطْر بما يصل إليهما, ولا يعظم فيهما الخَطَر، بخلاف ما يصل إلى جوف الرأس والبطن.
ومنهم من خصصِ الخلاف بما إذا نفذت الجِرَاحة إلى الفم والأنف بِهَشْمِ العظم، وقطع فيما إذا نفذت بِخرْقِ الشَّفَةِ وَالمَارن أنها لا تكون جائفة، فإن جعلنا الجراحة النافذة إلى الفم والأنف جائفة، فكذلك وإلا ففي 1 صورة هشم 2 العظم يجب أرش هاشمة 3، أو منقلة وزيادة حكومة للنفوذ إلى الفم والأنف، ولا تدخل حكومة الخرق في أرش الهاشمة أو المنَقِّلة؛ لأنها جناية أخرى، ويجري مثل الخلاف المذكور في الجِرَاحة الواصلة إلى الفم والأنف في الجراحة الخارقة للجفن إلى بيضة العين، ففي وجه هي جائفة.
وفي وجه ليس فيها إلا الحكومة وهو الأظهر، ولو وضع السِّكِّين على الكَتِفِ وحَزَّه حتى بلغ البَطْن، أو على الفَخِذِ وَحَزّه 4 حتى بلغ البطن، وأجَاف فعليه مع أرش الجائفة حكومة بجراحة الكتف والفَخِذ فإنها في غير محل الجائفة، وبخلاف ما لو وضعه على صدره وحَزَّه حتى أجَاف في البطن، أو في ثغرة النحر حيث لا تجب الحكومة مع أرش الجائفة؛ لأن جميعه على الجائفة، ولو أجاف في جميعه لم يلزم إلاَّ أرش الجائفة، فلأن لا يلزم الجائفة في البعض كان أولى.
ولا فرّق بين أن يجيف بحديدة، أو بخشبة محددة 5 الرأس 6 ولا [فرق] بين أن تكون الجائفة واسعةً أو ضيقة حتى لو غَرَزَ فيه إبْرَة، فوصلت إلى الجَوْف، فقد أجافه.
وعن ابن القَطَّان أن من الأصحاب من قال: إنما يعطى له حكم الجائفة إذا قال أهل الخبرة: إنه يخاف منه الهلاك.
وقوله في الكتاب: " ففيها خمس من الإبل" معلم بـ"الواو".
وقوله: "في الهاشمة" معلم بالميم والواو.
وقوله: "والجوف ما فيه قُوَّة مُحِيلةً ليس المقصود منه حَصْر الجوف، والجائفة فيما فيه قوة محيلة للخلاف المذكور على الأثر في باطن الإِحْلِيل، وباقي المَسَائل فإن من يقول: إن الجراحة الواصلة إليها جائفة لا يقول بالحصرَ، ولكن الغرض أن نبيّن أن الواصل إلى ما فيه تلك القوة جائفة بالاتِّفَاق، وفي الواصلة إلى سائر الأجواف خلاف.
وقوله: "فأما المُنَقِّلة والهاشمة في سَائِرِ البَدَن، ففيها الحكومة" مستغنًى عنه؛ لأنه قد ذكر من قبل أن في الجُرُوحِ جميعها الحكومة إلا في الموضّحة والهاشمة والمُنَقّلة والمأمومة والجائفة، وبين أن التقدير فيما سوى الجَائِفَةِ تخصيص بالرأس والوجهه، والمقدّمتان معرفان أن الهاشمة والمنقلة في سائر البدن لا ينفذ الواجب فيها.
وقوله: "ونعني بخمس من الإبل في الموضحة... " إلى آخره المراد به: أن الخمس بعينها لا تجب أرشاً في كل موضِّحة، وإنما تجب في موضحة الرجل الكامل، وهو نصف عشر ديته، فتقاس به موضحة غيره كما بَيَّنَّا.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اتَّحَدَتِ المُوضِحَةُ فَأَرْشٌ وَاحِدٌ وَلَوِ اسْتَوْعَبَ الرَّأْسَ، وَتَعَدُّدُهَا إمَّا بِاخْتِلاَفِ الصُّورَةِ أو المَحَلِّ أو الحُكْمِ أَوِ الْفَاعِلِ (أَمَّا الصُّورَةُ) فَمُوَضِّحَتَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِيهِمَا أَرْشَانِ، فَإنْ رَفَعَ الجَانِي الحَاجِزَ تَدَاخَلَ الكُلُّ إِلَى وَاحِدٍ، وَإِنْ رَفَعَ غَيْرَهُ لَمْ يَتَدَاخَلْ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ المُوَّضِّحَتَيْنِ حَاجِزٌ سِوَي الجِلْدِ أَوِ اللَّحْمِ اتَّحَدَ عَلَى وَجْهٍ، وَتَعَدَّدَ عَلَى وَجْهٍ، وَيَتَّحِدُ بِبَقَاءِ اللَّحْمِ دُونَ الجِلْدِ عَلَى وَجْهٍ (وَتَعَدُّدُ المَحَلِّ) بِأنْ يُخْرِجَ المُوَضِّحَةُ الوَاحِدَةِ مِنَ الرَّأْسِ إلَى الجَبهَةِ، وَفِي تَعَدُّدِ الأَرْشِ وَجْهَانِ (وَتَعَدُّدُ الفَاعِلِ) بِأَنْ يُوَسِّعَ إنْسَانٌ مُوَضِّحَةَ غَيْرِهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْشٌ, وإِنْ كَانَ هُوَ المُوَسِّعَ لمْ يَزدْ إِلَى الأَرْشِ (وَتَعَدُّدُ الحُكْمِ) بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ المُوَضِّحَةَ عَمْداً وَبَعْضُهَا خَطَأً أَوْ بَعْضُهَا قصَاصاً وَبَعْضُهَا عُدْوَاناً، وَفِي نُزُولِهِ مَنْزِلَةَ تَعَدُّدِ الصُّورَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لاَ فَرْقَ بين أن تكون الموضّحة صغيرة أو كبيرة واسعةً، ولا يجب فيها إلا خمس من الإبل، ويتبع اسم المُوَضِّحة، ولا فرق بين البارزة والمَسْتُورة بالشَّعَرِ، ولا بين التي يتولد منها شَيْن قبيح، وبين التي لا يتولّد، وإذا تعددت الموضّحة تعدد الأرش، وتعددها يفرض بأسباب:
أحدها: اختلاف الصورة بأن أوضح رأسه في موضعين، وبقي الجلد واللحم بينهما كما كانا فيجب أرْشَان، ولا فرق بين أن يرفع الحديدة عن موضحة ثم يضعها على موضع آخَر، فيوضحه، وبين أنْ يَجُرَّها على الرأس موضع الإيضاح إلى أن يتحامل عليها في موضع آخر، فيوضحه والجلد واللحم بينهما سليمان.
وحكى الإِمام في الحالة الثانية وجهاً ضعيفاً أن الحاصل موضِّحة واحدة لاتحاد الفِعْلِ، وتواصل الحركات، ولو كثرت المَواضِح، تعدد الأرش بحسبها، فلا ضبط.
وفيه وجه أنها إذا كثرت، وصارت بحيث لو أوجبنا لكل واحد خمساً من الإبل لزاد المبلغ على دية النفس، فلا نوجب أكثر من دية النفس، كما أنا على قول لا نوجب
[في] 1 قَلْع الأسنان كلها إلا دية النفس، والصحيح الأول، وقطع به القاضي ابن كَجٍّ، وفرق بين الموضِّحات، والأسنان بأن الأسنان معلومة مَضْبُوطة كالأصابع، فجاز ألا يزاد بَدَلها على دية النفس كالأصابع والموضحات ليست مضبوطة قدرًا ولا عدداً، فيجب 2 أرشها بحسب وجودها, ولو لم يَبْقَ الحاجز من موضعي الاِيضاح بكماله، ولكن بقي الجلد دون اللحم، أو بالعكس ففيه وجوه جمعها الإِمام وصاحب الكتاب.
وأصحها: أن الحاصل موضّحة واحدة، وإنما يثبت التعدد إذا اتفقا جميعاً؛ لأنه إذا زال أحدهما، فقد أثبت الجناية على الموضع كله، وهي فيما بين موضعي الإيضاح متلاحمة، أو نحوها, ولو استوعب الإيضاح الموضع كله لما وجب إلا أرش واحد، فهاهنا أولى.
والثاني: أن الحاصل موضِّحتان، ويكتفي بما بقي منهما حاجزاً اتباعاً لصورة الوضوح 3.
والثالث: أن اللحم وحده يصلح حاجزاً دون الجَلْدِ، فإن بقي الجلد وحده 4 فهي موضحة واحدة كان بقي اللحم وحده، فهما موضحتان؛ لأن اللحم هو الساتر للعظم المنطبق عليه، فيكون الاعتبار به.
والرابع: أن الجلد يصلح حاجزاً دون اللحم، فهذا بقي الجلد، فهما موضِّحتان؛ لأن الجلد هو الذي يظهر للناظرين، فهذا بقي على اتصاله لم يكن العظم واضحاً، ومنهم من قطع بأن اللحم وحده لا يصلح حاجزاً، ونفى الوجه الثالث.
وإذا قلنا: لا يثبت التعدُّد إلا إذا بقيا جميعاً، فلو أوضح في موضعين.
ثم أوغل الحديدة ونفذها من الموضّحة إلى الموضحة في الداخل، ثم سَلَّهَا، فهل يقال بأنهما اتَّحَدَا؟ حكى الإِمام فيه وجهين، ولو عاد الجاني [ورفع الحاجز] 5 بين الموضّحتين قبل الانْدِمَالِ عاد الأرْشَان إلى واحد، وكان كما لو أوضح في الابتداء موضِّحة واسعة.
قال الإِمام: وهذا مستمرّ على النَّص في تداخل الدِّيَات إذا قطع يديه ورجليه، ثم حَزّ رقبته.
وخرج ابْنُ سريج أنها لا تتداخل على ما سيأتي إن شاء الله -تعالى- فعلى قضية تخريجه يلزم هاهنا برفع الحاجز أرش ثالث، ونقل القاضي ابن كَجّ وجهاً أنه لا يجب عليه لدفع الحاجز شيء، لكن لا يسقط 6 به شيء من الأرش؛ لأن زيادة الجِنَاية تبعد
أن تكون مسقطة لما وجب ظَاهر المذهب الأول، ولو تآكل 1 الحاجز بينهما كان كما لو رفعه الجَاني؛ لأن الحاصل بِسَرَايَةِ فعله منسوب إليه 2 كالحاصل بفعله، ولو رفع الجلد أو 3 اللحم أو تآكل أحدهما دون الآخر، ففيه الخلاف المذكور، ولو رفع الحاجز غير 4 الجاني، فعليه أرش موضحة، وعلى الأول أرشان، ولا يبنى فعل الثاني على فعل الأول، بخلاف ما إذا كان الجاني واحداً، ولو رفعه المجني عليه، ففعله هدر، ولا يسقط به شيء مما وجب على الجاني، ولو أوضح رأسه اثنان كلّ واحد منهما موضحة، فتآكل الحاجز بينهما عادتا إلى واحدة، وعلى كل واحد منهما نصف الأرش، ولو اشتركا في موضّحتين، ثم رفع أحدهما الحاجز بينهما، فعلى الذي رفع نصف أرش موضّحة، وعلى الآخر أرش موضحة؛ لأنهما عادتا إلى موضحة واحدة في حق رافع الحاجز، دون الآخر ذكره في "البيان" ولو شَجَّه شَجَّةً منها مُتَلاَحمة أو سِمْحَاق، ومنها موضحة، فالواجب فيهما أرْش موضِّحة وتدخل فيه حكومة المُتَلاَحمة والسِّمْحَاق؛ لأنها لو كانت موضحة بأسرها لم يجب إلا أرش موضّحة، فههنا أولى، وإذا اقتصّ فيها من الموضحة، فهل له أخذ الحكومة لما حولها من المُتَلاَحمة والسِّمْحَاق؟ قال صاحب "التهذيب" يحتمل أن يكون على وجهين كما لو قطع يده من نصف الكَفّ فاقتصّ المجني عليه من الأصابع، هل له حكومة نصف الكف؟ فيه وجهان: والسبب الثاني: اختلاف المحل، فلو نزل في الإيضاح من الرأس إلى الجبهة، إما لشمول [اسم] 5 الإيضاح، أو بأن أوضح شيئاً من الرأس، وشيئاً من الوجه وجرح 6 بينهما جراحة، دون الموضحة، ففيه وجهان:
أحدهما: أن الحاصل موضحة واحدة، والواجب أرش واحد؛ لأن الجبهة 1 والرأس كليهما محلّ الإيضاح، فأشبه ما إذا أوضح رأسه في موضعين، وجرح ما بينهما.
وأصحهما: أن الحاصل موضحتان؛ لأن الرأس والوجه عُضْوَان مختلفان، ولهذا قلنا: لو أوضح رأس غيره، ورأس الشَّاجّ أصغر من رأسه لا يجوز النزول في القصاص إلى الجَبْهَةِ، وذلك لاختلاف المحلين 2، ولو شملت الموضّحة الجبهة، والوَجْنة.
قال الإِمام: في الاتحاد تردد، والأظهر الاتحاد تنزيلاً لأجزاء الوجه منزلة أجزاء الرأس، وقد سبق في القِصَاصِ حكاية وجه أنه إذا كانت ناصية الجَانِي أصغر لا يعدل إلى غير الناصية، فقضية ذلك الوجه إذا وقعت المُوَضّحة على متصل الناصية وغيرها من أجزاء الرأس، ولو حَزّ السكين من موضحة الرأس إلى القَفَا وجرح 3 مع الإيضاح، أو دونه فعليه مع أرش الموضحة حكومة لجراحة القَفَا؛ لأن القفا ليس محلّ الموضحة، ولو حَزّ السكين من موضع الرأس إلى الجبهة، وجرحها جراحة متلاحمة.
فإن قلنا: لو أوضح في الجبهة أيضاً كان الحاصل موضّحة واحدة دخلت حكلومة جراحة الجبهة في أرْش موضحة الرأس.
وإن قلنا: الحاصل جراحة وجب حكومة جراحة الجَبْهة مع أرش الموضحة، كما ذكرنا في جراحة القَفَا.
والثالث: تعدّد الفاعل، وذلك بأن أوضح رأس إنسان، فجاء آخر ووسَّع تلك الموضَّحة، وزاد في الإيضاح أو أوضح قطعة متّصلة بطرف موضحة الأول، فيجب على الثاني أرش كامل أيضاً، وإن كانت الموضحة واحدة في الصورة، وإن وسع الأول الموضّحة والصحيح وهو المذكور في الكتاب أنه لا يلزمه إلا أرش واحد، كما لو أوضح أولاً 4 كذلك.
وفيه وجه آخر 5 أنه كما لو وسع غيره، وهذا الخلاف كالخلاف المذكور فيما إذا رفع الحاجز بين موضحتيه.
والرابع: اختلاف الحكم بأن أوضح موضحة واحدة هو في بعضها مخطئ، وفي بعضها متعمد، أو أوضح موضحة هو في بعضها مقتص، وفي بعضها متعدٍ ففيه وجهان:
أحدهما: أن الحاصل موضّحة واحدة لاتحاد الصورة، والجاني، والمحلّ.
وأظهرهما: موضّحتان؛ لأن اختلاف البعضين في الحكم كاختلاف الجاني والمحلّ، أو أعظم منه.
وإن قلنا بالأول وزّع الأرش على البعضين 1.
وإن قلنا بالثاني، فيجب أرش كامل لما تعدّى به، والصورة الثانية وهي أن يكون تبعيضها قِصَاصاً، أو بعضها عُدْواناً مذكور في الكتاب في باب "الجراح" مرة.
ولو أوضح موضحتين عمداً، أو رفع الحاجز بينهما خطأ، وقلنا: بالصحيح أنه لو رفع عمداً تداخل الأَرْشَان، ففيه وجهان لاختلاف الحكم، فإن جعلناه مؤثراً، فعليه أرش ثالث، وإلا لم يلزم إلا واحد 2.
وقوله في الكتاب:"فأرش واحد وإن استوعب الرأس" قد حكينا تردداً في أن اختلاف أطراف الوجه، هل توجب تعدّد الموضحة الواقعة عليها؟ وبَيَّنا في أطراف الرأس وأجزائه ما يقتضي طرد هذا التردُّد فيها 3.
وقضية ذلك أن يعلم قوله: "وإن استوعب الرأس" بـ"الواو".
وقوله: "تداخل الكل إلى واحدة" معلم بـ"الواو"، ويجوز أن يعلم بهذا الوجه الثالث في مسألة الجلد واللحم 4 لما ذكرنا أن منهم من نَفَاه، وقوله: "لم يزد الأرش" كذلك.
قال الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُتَلاَحِمَةُ فَوَاجِبُهَا حُكُومَةٌ، وَقِيلَ: يَتَقَدَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى المُوَضِّحَةِ، وَتَعَدُّدُ الجَائِفَةِ وَاتِّحَادُهَا بِارْتفَاعِ الحَاجِزِ كَتَعَدُّدِ المُوَضِّحَةِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِمِشْقَصٍ فِي بَطْنِهِ فَجَائِفَتَانِ فيَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشَانِ، وَإِنْ نَفَذَ سَنَّانِ وَاحِدٌ مِنَ البَطْنِ إلَى الظَّهْرِ فَهُوَ أَيْضاً جَائِفَتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْتِحَامُ المُوَضِّحَةِ وَالجَائِفَةِ لاَ يُوجِبُ سُقُوطَ الأَرْشِ بِخِلاَفِ عَوْدِ السِّنِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحداها: ذكرنا في الفصل الأول من الباب أن المتلاحمة ليس لها أرش مقدر، وأن منهم من أطلق القول بأن فيها الحكومة.
ومنهم من قال: ينسب إلى الموضحة إن أمكن معرفة النسبة، وفرض الإمكان فيها إذا كان على رأسه موضحة قريبة من المُتَلاَحمة، فيقاس بها المَقْطُوع من المتلاحمة،
وقد ذكرنا في القِصَاص أن بعضهم اعتمد غمر الرأس والضبط بالنجمين، وإذا جاز اعتماد ذلك في القصاص فأولى أن يجوز في الدية.
الثانية: يتعدد أرش الجَائِفَةِ بِتعدّدها، فلو أجاف جائفتين، ثم رفع الحاجز بينهما، أو تآكل ما بينهما، ورفعه غير الجاني، فعلى ما ذكرنا في المُوَضّحة، وتتعدد الجائفة بتعدد الصورة بأن يجرحه جِرَاحتين نَافذتين إلى الجَوْف، فإن بقي بينهما الجلدة الظاهرة، وانْخَرَقَ ما تَحْتَهَا أو بالعكس، فيشبه أن يكون الحكم كما ذكرنا في المُوَضِّحة، ويتعدد المحلّ بأن ينفذ جراحتين إلى جوفين، ويتعدد الفاعل بأن يوسع جائفة غيره، وفصله الأصحاب فقالوا: إن أدخل السِّكين في جائفة غيره، ولم يقطع شيئاً، فلا ضمان عليه ويعزر، وإن قطع شيئاً من الظاهر دون الباطن، أو بالعكس، فعليه حكومة، وإن قطع من جانب بعض الظَّاهر، ومن جانب بعض الباطن.
قال في "التتمة": ينظر في ثَخَانَةِ الجلد واللَّحم، ويقسط أرش الجائفة على المَقْطُوع من الجانبين، وقد يقتضي التَّقسيط تمام الأرش بأن قطع نصف الظاهر من جانب، ونصف الباطن من جانب، ولو لم يقطع من أطراف الجائفة شيئاً، ولكن زاد في غورها 1، أو كان قد ظهر عُضو باطن كالكَبدِ والطَّحال، فغرز السِّكين فيه، فعليه الحكومة، ولو عاد الجاني، ووسع الجَائفة، أَو زاد في غورها لم يزد الواجب، وكان كما لو أجاف ابتداء كذلك، ويمكن أن يعود فيه الوجه في تَوْسِعَةِ الموضّحة، ويجيء في اختلاف حكم الجَائِفَةِ، وانقسامها إلى عمد 2 وخطأ ما سبق في الموضحة، ولو ضربه بسنان أو مِشْقَصٍ له رأسان، فنفذ إلى جوفه 3 والحاجز بينهما سليم، فهما جائفتان كما لو نفذهما بآلتين وبضربتين ولو طعنه ونفذ السِّنَان من البَطْنِ حتى خرج من الظَّهْر، أو من أحد الجَنْبين إلى الآخر، ففيه وجهان ويقال: قولان:
أصحهما: ويحكى عن مالك أن الحاصل جائفتان لما روي عن أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قضى فيه بثلثي الدية، ولم يُخَالَفْ، وأيضاً فإنه جرحه جراحتين نافذتين إلى الجوف.
والثاني: أن الحاصل جائفة واحدة، ولأن الثانية نفذت 4 إلى الظاهر من الباطن، والجائفة: هي التي تنفذ إلى الجوف من الظَّاهر.
وفي "الشامل" نسبة هذا إلى أبي حنيفة.
وفي "التهذيب" وغيره أن مذهبه كالأول.
وإذا قلنا بالوجه الثاني فقد قيل: لا يجب إلا أرش واحد، والأظهر وهو رواية ابن القَطَّان وغيره أنه يجب حكومة أيضاً للجراحة الحاصلة في الظهر.
الثالثة: إذا أوضح رأسه فاندمل أطراف الجِرَاحَةِ وبقي شيء من العَظْم بارز لم يسقط شيء في الأرش، وإن التحم الموضع، ولم يبق شيء بارز من العَظْم، فكذلك على ظاهر المَذْهب.
وفي "التتمة" أنه إن لم يبق شيء ولا أثر، فقد خرج وجه من مسألة عود السّن أنه يسقط الأرش.
وإن بقي شَيْن بارز فيعود الواجب إلى الحكومة أخذاً من وجه مثله نذكره في الجَائِفَةِ، وفرق على المذهب بأن السّن لا يعود في العادة، والواجب فيه واجب للخلل 1 الحاصل بِفَقْدِ السن, وإذا عاد فلا 2 خَلَلٍ والموضحة تَنْدَمِلُ إذا لم يَسُرِ، فلو كان الواجب فيها يسقط بالاندمال لكانت الموضِّحة كسن الصبي الذي لم يثغر، ولما وجب فيها شيء في الحَالِ، ولما وجب علم أنه وجب في مقابلة الجزء 3 الذي ذهب، والآلام التي لحقت 4 المجني عليه، والمذهب في الجائفة أيضاً أنها إذا اندملت لم يسقط الأرش، ولا شيء فيه.
وعن صاحب "الإفصاح" وجه أنه يعود الواجب إلى الحكومة تخريجاً عن نصّ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما إذا أفضى امرأة فالتحم الموضع أن عليه الحكومة.
وفي "التهذيب" أن بعضهم خرج على القولين في سقوط الأرش عنه عَوْد الشَّين.
قال الإِمام: ولا يتصور عند 5 من قال بسقوط الأرش ثبوت أرش الجناية مستقراً 6 إلا أن يفرض إجَافة جانٍ 7 وحَزّ الرقبة من آخر، وإلا فالجائفة إذا لم تَسْرِ يكون انْدِمَالِهَا كالْتِحَامها، وفرق بين الجائفة والإفضاء بمثل ما سبق وهو أن الواجب هناك واجب لزوال الحاجز، فإذا التحم عرف أنه لم يزل وفي الجَائِفَةِ ما وجب، وإنما وجب لنفوذ الجراحة، فإذا التحمت الموضّحة، أو الجائفة فجاء جَانٍ إما الأول أو غيره وأوضح في ذلك الموضع أو أجاف، فعليه أرش آخر إن كان الالتحام قد تَمَّ، سواء نبت عليه الشّعر، أو لم ينبت، وسواء كان متغير اللّون مشيناً، أو لم يكن، وإن لم يتم الالْتِحَام، فعليه الحكلومة دون تَمَام الأرش، ولو نزع الخَيْط الذي خيطت الجَائِفة به قبل
أن يلتحم، فعليه التعزير وأجرة مثل الخِيَاطة، أو ضمان الخيط إن تَلِف، ولا أرش ولا حكومة، وإن التحمت ظاهرًا وباطناً، فانفتحت فهي جَائِفة جديدة، وكذا لو انفتح جانب منها بعد تمام الْتِحَامِهِ، فإن التحم ظاهرها دون باطنها أو بالعكس، فعليه الحكومة دون الأرش التام، ولا يجب مع الأرش أو الحكومة أجرة الخَيَّاط، لكن يجب ضمان الخَيْط إن تلف.
وقوله في الكتاب: وقيل إنه "يتقدر بالنسبة إلى الموضِّحة" صوَّر أكثرهم التقدير 1 فيما إذا كان بقربها موضّحة يقاس بها سُمْك المقطوع على مَا مَرّ، ويمكن حمل اللفظ على التقدير بالاجتهاد والتخمين، وإن لم يكن هناك مُوَضِّحة وقد بَيَّنَّا ذلك أيضاً.
وقوله: "وتعدد الجائفة واتحادها... " إلى آخره مقصوده: أن ننظر في سَبَبِ الارتفاع إن ارتفع بفعل الجَانِي اتحدت الجناية، وإن ارتفع بفعل غيره لم يتَحَّد.
وقوله: "ولو ضربه بِمِشْقَص في بطنه" يعني: فأجافه في موضعين 2 والمِشْقَصُ ما طال من النِّصَال، وعرض وقد يتشعب شُعْبَتَيْنِ، وهو المقصود هاهنا.
وقوله: "لا يوجب سقوط الأرش" معلم بـ"الواو" لما نقلنا وقد تخصص العلامة في النُّسخ بالجائفة؛ لأن صاحب الكتاب في "الوسيط" خصّص وجه السقوط بالجائفة، ولم يثبته في الموضحة.
فروع وصور تتعلّق بما نحن فيه.
غرز إبْرة في رأس إنسان حتى انتهت إلى العَظْم وسَلَّها، هل هي موضِّحة؟ خرجه الإِمام على وجهين 3.
وقال: يرجع التردُّد إلى أن الاعتبار بما يشقّ إلى العظم، أو بما يسمى موضِّحة، والظاهر المشهور أنها موضحة، والموضحة التي حصل الهشم 4 في بعضها دون البعض ليس فيها إلا أرش هاشمة كما مر أن الشجة التي حصل الإيضاح 5 في بعضها دون بعض ليس فيها إلا أرش موضحة.
أوضح وهشم في موضعين واتَّصل الهشم بينهما في الباطن فوجهان:
أحدهما: أن الحاصل هَشْمه واحدة لاتصال الكسر، وان بقي اللحم والجلد حاجزاً بين الموضحتين.
والثاني: أنهما هَاشِمتان، وهذا ما اقتصر على إيراده جماعة منهم صاحب "الشامل"، ووجّهوه بأن الهاشمة تتبع المُوَضّحة، وقد وجدت الموضِّحتان فيتعدد، الهشم بتعددهما.
أوضح في مواضع متفرقة، وهشم في كلّ واحد منهما، فهي هَاشِمَتَانِ متعددة وحكى القاضي ابن كَجّ عن ابن القَطَّان وجهاً غير موجّه أنها تجعل موضحات وهاشمة واحدة.
وفي "المهذب" أنه لو أدخل حديدة أو خشبة في دُبر إنسان، وخرق حاجزاً في الباطن 1 هل عليه أرش جائفة.
فيه وجهان 2 بناء على الوجهين في أن خَرْقَ الحاجز بين الموضِّحتين في الباطن، هل يكون كَخَرْقِ الظاهر حتى لا يلزم إلا أرش موضّحة واحدة.
شَجَّة متلاحمة وجاء آخر 3 وأوضح في ذلك الموضع بقطع ما بقي من اللحم، فعلى كل واحد منهما الحكومة، ولينظر فيه إلى ما مَرّ من تقدير السُّمك عند الإمكان.
أجافه وتكأفى بعض الأعضاء الباطنة كالأمعاء، فعليه مع أرش الجَائِفة حُكُومَة.
قال الْغَزَالِيُّ: فَإنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى الحُكُومَةِ قُلْنَا أَنْ يُقَدَّرَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْداً فَيُقَالُ: قيمَتُهُ دُونَ الجِنَايَةِ عَشَرَةٌ وَمَعَ الجِنَايَةُ تِسْعَةٌ فَالتَّفَاوُتُ عَشْرٌ فَيَجِبُ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّرَفِ المَجْرُوحِ فَلاَ يُزَادُ حُكُومَةُ جِرَاحَةِ الأُصْبُعِ عَلَى دِيَةِ الأَصْبُعِ وَلاَ حُكُومَة الكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَعَظْمِ العَضُدِ عَلَى دِيَةِ الأصَابع الخَمْس، وَلاَ بَأْسِ بِزِيَادةِ حُكُومَةِ كَفٍّ عَلَى دِيَةِ أُصْبُعٍ وَاحِدٍ، وَاليَدُ الشَّلاَّءُ يُزَادُ حُكَومَتُهَا عَلَى أَصْبُعٍ، وَيُنْقَصُ عَن اليَد الصَّحيحَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلم هاهنا في الحكومات، تدرج إليه بسؤال افتتحه 4 وليس للقول في الحكومات كثير اختصاص بهذا الموضع وكأن تأخيره إلى آخر الباب أحسن ليتم الكلام في دِيَةِ ما دون النَّفْس التي عَقْد لها 5 الباب على الانتظام، وليتأخر ذكر الحكومة المتأخرة في الدِّيَةِ عن ذكر اليَدِ المتقدمة في الدِّيَةِ، والمقصود أن الحكومة جزء من الدية نسبته إليها نسبة ما تقتضيه 6 الجِنَاية مِن قيمة المجني عليه بتقدير 7 التقويم وذلك بأن
يقوم المجني عليه بصفاته 1 التي هو عليها لو كان عبداً 2، وينظر كم ينقص الجناية من قيمته فإن قوم بعشرة دون الجناية، وبتسعة بعد الجناية، والتفاوت عشر فيجب عِشْر 3 الدية ووجه ذلك بأن الجملة مضمونة باليد، فيضمن الأجزاء 4 بجزء الدية، فإذا قدر الشرع جزءاً من الدية اتبعناه، وإذا لم يقدر اجتهد في معرفته، ونظرنا في النقصان؛ لأن الأصل أنه يجب بالجناية قَدْر النقصان، ونقدر تقومية ليعرف قدر النقصان، ثم نعود إلى الدِّيَة لتكون الجملة مضمونة بها، وهذا كما أنا ننظر في نُقْصَان القيمة إذا أردنا أن نعرف 5 أرش العيب 6، ثم نعود إلى الثمن؛ لأن المبيع مضمون بالثمن، ولوقوع الحَاجَةِ في معرفة الحكومة إلى تقدير الرِّق.
قال الأئمة: العبد أصل الحر 7 في الجنايات التي لا يتقدر أرشها كما أن الحر 8 أصل العبد في الجنايات التي يتقدر أرشها حيث يجعل 9 جراح العبد من قيمته كِجِرَاحِ الحر من ديته، فليعرف هاهنا شيئان:
أحدهما: في التوجيه المذكور ما يبين أن الدية التي توجب جزءها 10 هي دية النفس.
وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وجهاً أن قدر النقصان يعتبر من دية 11 العضو الذي وردت الجناية عليه لا من دِيَةِ النفس حتى لو نقض عشر القيمة بالجناية على اليد، فالواجب عشر دية اليد، ولو نقص بالجناية على الرأس، فالواجب عشر دية الموضّحة، وعلى هذا القياس، ثم ضعفه بأنا إنما نقوّم النفس أولاً فوجب أن يعتبر النُّقْصَان من ديتها، وبأنا لو اعتبرنا دية العضو فقد يتباعد واجب 12 الجِنَايتين مع تقاربهما 13، وذلك بأن ينقص بالسِّمْحَاق عشر القيمة، فإذا أوجبنا عشر أرش الموضّحة بَعُدَ واجب إحدى الشَّجَّتين عن الأخرى مع تقارب 14 الشَّجتين وذلك مما 15 لا يجوز.
= يجب حكومة على وجه يقدرها الحاكم باجتهاد ويعتبر بما قبل الاندمال وهكذا ذكروا في الجراحة إذا اندملت ولم يبق شين ولا أثر أنه يجب حكومة يقدرها القاضي باجتهاده على أحد الوجهين.
والثاني: قد تقدم أن 1 الأصل في الدية الإبل، وأطلقوا القول بوجوب جزء من 2 الدّية إذا عرفنا قدر نُقْصَان القيمة، فأفهم ذلك أن الحكومة الواجبة تكون من جنس الإبل، ورأيته مصرحاً به لبعضهم، ثم الجراحة إما أن ترد على عضو له أرش مقدر أو على ما ليس له أرش مقدر فإن وردت على ماله أرش مقدر نظر إن لم يبلغ الحُكُومة أرش ذلك العضو وجبت، وإن بلغت أرشه نقص الحاكم منه شيئاً بالاجتهاد، ولأن بعضه مضمون بالأرش لو فات، فلا يجوز أن تكون الجناية عليه مَضْمُونة بما يضمن به العُضْو نفسه 3 مع بقائه، فالجراحةُ على الأنملة العليا، وقلع الظفر، تنقص حكومتها عن أرْش الأنملة، قال أبو الفرج السرخسيُّ: والجراحةُ على الأنملة السفلَى لا تبلغ دية الأصبع، وعلى الوسطَى لا تبلُغُ ثلثَيْ 4 دية الأصبع، ويشبه أن يريد بالجراحة على السفلَى ما إذا عمَّت الأنامل، حتَّى انتهت إلى السفلى، وبالجراحةِ على الوسطَى التي انتهتْ من العليا إلى الوسطى، دون أن تكونَ مخصوصَةً بالأنملة الواحدةَ، ولفظ الإِمام أنَّ الجنايةَ على الأصبع، إذا أتتْ عَلَى طولها، فحكومتها لا تبلغ دية الأصبع، والجراحةُ على الرأس لا تبلغُ حكومتُهَا أرْشَ الموضِّحة، وعلى البطن أرش الجائفة، وحكومة الجراحة على الكفِّ 5 لا تبلغُ دية الأصابع الخمس، وكذا حكومة قَطْع الكفِّ التي لا أصبُعَ عليها، وكذا حكمُ القَدَمِ؛ فإنَّهما يتبعانِ الأصابعَ، وهلْ يجوز أن تبلغ حَكُومَةُ الكف ديَةُ أصبعٍ، واحدةٍ، فيه وجهان:
أظهرهما، عند الإِمام: المَنْعُ.
وأشبههما، وهو المذكور في الكتاب 6 نعم؛ لأن غناها ومنفعتها؛ دفعاً واحتواء 7 تزيد على منفعة الأصبع الواحدة، وهذا كما أن حكومَة اليَدِ الشلاَّء لا تبلغ دية اليد 8 الصحيحة، ويجوز أن تبلغ دية الأصبع الواحدة، وأن تزاد عليها.
وإن كانت الجراحةُ عَلَى عضوٍ، ليس له أرش مقدَّر؛ كالظَّهْر، والكتف، والفخذ:
يجوز أن تبلغ حكومتها ديةَ عُضْوِ مقدَّر؛ كاليد، والرِّجْل، وأن تزاد عليها، وإنما تنقص عن دية النفس، وَعَدَّ صاحبا "التهذيب"، و"التتمة" من هذا القبيل الساعِدَ والعَضُدَ؛ حتى يجوز أن تبلُغَ حكومةُ الجراحةِ عليها ديةَ الأصابع الخمس، وأن يزاد عليها وسوَّى بينهما في الكتاب، وبين الكفِّ، والأول أصحُّ؛ فإن الكف [هي التي] تتبع الأصابع دون الساعد، والعضد حتى لو قطع من الكوع، وجَبَ عليه ما يجب في لفظ الأصابع، ولو قطع من المرفق، أو من أصْلِ العضُدِ، وجبت مع الديةِ حكومةُ السَّاعد، أو العضد.
وقوله في الكتاب في جواب السائل عن معنى الحكومة: "أنْ يقدَّر المجنىُّ عليه عبْداً... " إلى آخره، لفظ يحتاجُ إلى التأويل إذ ليست الحكومةُ عبارة عن تقديره عبدًا 1، وإنما هي جزء من الدية يعرف قدره بالتقدير المذكور.
وقوله:"بشَرْط ألاَّ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّرَفِ المَجْرُوحِ"، أي: إذا كان الطَّرفَ المجروحُ له بدلٌ مقدَّر، ثم لفظ "عدم الزيادة" هاهنا، وفي قوله: "فَلاَ تُزَادُ حُكُومَة جِرَاحَةِ الأُصْبُعِ" غيرُ وافٍ بالغرض؛ إذ لا يكفي أَلاَّ يزاد، بل يجب أن ينقص؛ كما ينقص التعزير عن الحد، والرضخ عن سهم الغنيمة.
قال الإِمام: ولا يجوز أن يقال: يكتفَى فِي الحطِّ بأقل القليل، فإن أمر الجناياتِ وأحكامِ الدماء لا يجري إلاَّ عَلَى محقَّقٍ، ولو قال قائل: نَضْبِطُ نِسْبَةٌ النّقْصَانِ الحَاصِل بالجنايةِ على العضْوِ، مع بقاء العضْو، ثم يقدر النقصان بفَوَات العضو، ويحط مثل 2 النسبة الواقِعَةِ بيْنَ النقصانَيْنِ، كان ذلك وجهاً 3 من الرأي جيداً.
مثاله: القيمة مائة، والنقصانُ بسبب الجراحةِ على الأصبع عَشَرة، والنقصان لو فات الأصْبُع عشرُونَ، فيحط من عُشْر الدية نصفه، وليعلم بالواو لفظ "السَّاعِد وعَظْم العَضُد"؟ لما بيَّناه.
قال الغَزَالِيُّ: وَهَذِهِ الحُكُومَة تُقَدَّرُ بَعْدَ انْدمَالِ الجُرْحِ، فَلَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْنٌ وَنُقْصَانْ لَمْ يَجِبْ إلاَّ التَّعْزِيرُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: تُقَدَّرُ الجِرَاحَةُ دَامِيَةً حَتَّى يَظْهَرَ تَفَاوتُهُ، وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعاً زَائِدَةً أَو سِنّاً شَاغِيَةً أو أَفْسَدَ المَنْبِتَ مِنْ لِحْيَةِ امْرَأَةٍ وَزَادَتِ القِيمَة فَالْقِيَاسُ التَّعْزِيزُ فَقَطْ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ ذَلِكَ لِحْيَةً عَبْدٍ، وَيَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتٌ، وَلَوْ بَقِيَ حَوَالِي جُرْحٍ شَيْنٍ وَكَانَ أَرْشُ الجُرْحِ مُقَدَّراَ فَالشَّيْنُ تَابعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّراَ فَفِي إِتْبَاعِهِ وَجْهَانِ يُضَاهِي التَّرَدُّدَ فِي أَنَّ الكَفَّ هَلْ يَنْدَرجُ تَحْتَ أُصْبُعِ الأَشَلِّ؛ لِأَنَّهُ إِدْرَاجُ حُكُومَةِ تَحْتَ حُكُومَةٍ:
النَّوْعُ الثَّانِي القَطْعُ المُبِينُ لِلأَعْضَاءِ وَالمُقَدَّرُ مِنَ الأَعْضَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ عُضْواً: الأَوَّلُ: الأُذُنَانِ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنَ كَانَ مِنَ الأَصَمِّ فَفِيهِ مَنْفَعَةُ جَمْع الصَّوْتِ وَمَنْعِ دَبِيبِ الهَوَامِّ، وَالدِّيَةُ فِي مُقَابَلَةِ أَيِّ المَنْفَعَتَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنَّ الأذُنَ لَيْسَ فِيهِ أَصْلاً إلاَّ الحُكُومَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحدَاهُما: أنها تقوَّم، ويقدَّر الرق لمعرفة الحكومةِ، بعد اندمال الجراحة، ونقصان القيمة حينئذ قد يكونُ لضعفٍ ونقصانٍ في المنفعة، وقد يكون لنقصان الجمال؛ باعوجاج 1، أو أثر قبيحٍ، أو شين من سواد أو غيره، ولو 2 اندملت الجراحةُ، ولم يبق نقصان في المنفعة، ولا في الجمال، ولم تتأثَّر به 3 القيمةُ، فوجهان:
أحدهما، ويحكَى عن ابن سُرَيْج: أنه لا يجب عليه شيء سوى التعزير؛ كما لو لَطَمَهُ أو ضربه بمثقل، فزال الألم، ولم تنقص منفعة، ولا جَمَال.
والثاني، وبه قال أبو إسحاق، وهو ظاهر النص، أنَّه لا بد من وجوب أرش؛ لأن جملة الآدميِّ مضمونة، فوجب أن تكون أجزاؤه مضمونةً؛ كسائر المضمونات، ولأنها 4 جنايةٌ على معصوم، فلا يعتبر لوجوب المال بها بقاءُ شَيْنٍ 5 وأثر، كالموضِّحة، والجراحات المقدَّرة، ولأن الجراحة عظيمة الموقع؛ فلا وجه فيها لإحباط 6 والإهْدَار، وعلى هذا فوجهان:
أحدهما: أن الحاكم يقدِّر شيئاً باجتهاده.
وأظهرهما: أنه ينظر إلَى ما قبل الاندمال من الحالات التي تؤثِّر في نقصان القيمة 7، ويعتبر أقربها إلى الاندمال، وإن لم يظهر نقصانٌ إلا في حالة سيلان الدَّمِ ترقبنا، واعتبرنا القيمة، والجراحةَ داميةً، وحينئذٍ فالظاهرُ تأثيرُ القيمة لما فيها من الخَطَر، وخوف السراية، وبقاء الشين، فإن فرضت الجناية خفيفة، لا تؤثر في تلك الحالة أيضاً ففي 8 "الوسيط": أنا نلحقها باللطم والضرب؛ للضرر 9، وفي "التتمة" أن الحاكم يوجِبُ شيئاً بالاجتهاد، والذي رجَّحه الأكثرون من الوجهين في أصْلِ المسألة؛
أنه لا بد من إيجاب شيء، ورجَّح الإِمام المنع، وقال: هو القياسُ على الحقِّ، واعترض على تفويض الأمر إلى اجْتهاد الحاكم؛ بأن الحاكم إن قيل: إنه يوجبُ ما شاء، فهو في غاية البُعْد، وإن كان يستند نظْره إلى رأي، فهو المبحوث 1 عنه، وعلى الثاني؛ بأنا إذا اعتبرنا 2 ما قبل الاندمال، كحالة 3 الجناية، فإما أن نقول ما قيمته لو كان عبداً، والآلام لا تزول، أو نقول: ما قيمته، والتقدير أن الآلام تزول، والأول ظُلْم، وإن قلْنا؛ بالثاني، فسيقول المقوِّمون: إذا كانتِ الآلامُ تزولُ، والشين لا، يبقى، فالقيمة بحالها، وإذا بطل الوجْهَانِ 4؛ تعيَّن المصير إلى أنه لا يجبُ شيء، ولناصري الوجْهِ الآخر أن يقولوا: يسندُ الحاكم اجتهاده إلَى كيفية الجناية خفَّةً وفحشاً 5، وإلى قُبْحها في المنظر سعةً أو غَوصاً، وإلى قدر الآلام المتولِّدة منها المختلفة بسُرْعة البرء وبُطَئِهِ، وأن يجيبوا عن الثاني، بأن هاهنا قسماً آخر، وهو أن يقول: ما قيمته وبه هذه الجناية التي لا ندْرِي، أيحصل الاندمالُ منها، وتزول آلامها أو يسري ولا ندري على التقدير الأول، أيبقى شين وأثرٌ أم لا؟ ولا شكَّ أن الجراحة الَّتي حالها ما ذكَرْنا توجبُ نقصانَ القيمة، وقدْ يعرض الإِمام في خلالِ الفَصْل لهذا الجواب إلاَّ أن نفسه لم تسكُنْ إليه، وتقارب المسألة، ما إذا قطع أصبعاً زائدة أو سنّاً شَاغِيَةً، أو أتلف لحيةَ امرأةٍ، وأفْسَد مَنْبِتَهَا, ولم تنقص القيمة بذلك، وربما زادت؛ لزوال الشين مثل أن يكون خلف السنن الشاغية سنٌّ أصليةٌ على استواء الأسنان، وكان سببُ الشين وجودَ تلك الشاغِيَةِ، فهلْ يجبُ شيء؟ فيه الخلاف المنسوبُ إلى ابن سُرَيْج، وأبي إِسحاق، وإذا قلنا؛ بالوجوب، وهو الأصحُّ، فعلَى وجهٍ يجتهدُ فيه الحاكم، وعلى الأظهر يعتبر في قطع الأصبع أقربُ أحوال النقصان من الاندمال على ما مرَّ، وفي السنن الشاغية التي وصفناها تقوَّم 6، وله السنُّ الزائدة، ولا أصليَّة خلفها، ثم يقوَّم 7 مقطوع تلك الزائدة، ويظهر التفاوُتُ بذلك؛ لأن الزائدة تشدُّ الفُرْجَة، ويحصل بها ضرر جمال، وفي لحية المرأة يقدَّر كونها لحية عَبْدٍ كبير يتزيَّن باللحية، فيقال: لو كان للعبد الكبير مثل هذه اللحية، كم قيمته، وينظر كَمْ ينقصُ من القيمة، لو لم يبق له لحيةٌ في ذلك الوقت، فيعرفُ قدر النقصان ويؤخذ 8 بتلك النسبة من 9 ديَةِ المرأة.