العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 224-263

كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِ

صفحات 224-263

بِالقُرْعَةِ اجتَمَعَ عَلَى الثَّانِي يَمِينُ النَّفْي لِلنِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ وَيَمِينُ الإِثبَاتِ لِلنِّصْفِ الَّذِي فِي يدِ شَرِيكِهِ فَيَكْفِيهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ النَّفْي وَالإِثْبَاتِ، وَقِيلَ: لاَ بُدَّ مِنْ يَمِينَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَكَلَّمْنَا فيما إذا ادَّعَى اثْنَانِ عَيْناً في يَدِ ثَالِثٍ، فأما إذا كانت في يَدِهِمَا، وادَّعَاهَا كُلُّ واحد منهما، فإن أَقَامَ كُلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً، قالت طَائِفَةٌ من الأَصْحَاب؛ منهم الفوراني، وصَاحِبُ الكتاب: يَجْرِي فيه قَوْلاً [التساقط والاستعمال، إن قلنا: بالتساقط] 1 والتهاتر، فيبقى المَالُ في أيديهما كَمَا كَانَ.
وإن قلنا بالاسْتِعْمَالِ، فعلى [قول] 2 القِسْمَة تُجْعَلُ بينهما مِلْكاً.
قال الفوراني: ولا يَجِيءُ قَوْلُ الوَقْفِ، إذ لا معنى لِلتَّوَقُّفِ مع ثبوت اليَدِ.
وحكى وجهين في مجيء قول القُرْعَةِ.
وقال آخرون؛ منهم ابْنُ الصَّبَّاغِ، وصاحب "التهذيب"، إذا أقاما البَيِّنَةَ، يُجْعَلُ المَالُ بينهما؛ لأن بَيِّنَةَ كل واحد منهما تَرَجَّحَتْ [باليد] 3 في النِّصْف الذي هو صاحب يَدٍ فيه 4 وكأن هؤلاء امْتَنَعُوا من إجْرَاءِ [هذه] 5 الأَقْوَالِ.
وقالوا: مَوْضِعُ الأقوال ما إذا خَلَتِ البَيِّنَتَانِ عن التَّرْجِيحِ، واليَدُ من أَسْبَاب الترجيح، والحاصل لِلْفَتْوَى على الطريقين معاً إِبْقَاءُ المال في أيديهما كما كان، ولكَن الطَّرِيقَتَانِ معاً، فيما إذا شهد شُهُودُ كُلِّ واحد منهما بأن جَمِيعَ المال له، فأما إذا شَهِدَ شُهُودُ كُلِّ واحد منهما بالنِّصْفِ الذي [هو] 6 في يَدِ صَاحِبِهِ، فالبَيِّنَتَانِ لم تَتَوَاردا على شيء واحد حتى يَجِيءَ أَقوَالُ التَّعَارُضِ، ولا يَدَ لِلْمُدَّعِي في المَشْهُودِ به حتى يرجح جانبه.
ولكن يَحْكُمُ القاضي لزيد، بما كان في يد عمرو، ولعَمْرو بما كان في يَدِ زيد، ويكون المَالُ في يَدِهِمَا أيضاً كما كان؛ ولكن [لا] 7 بجهة التَّسَاقُطِ، ولا بجهة التَّرْجِيحِ [باليد] 8، ثم قال الأَئِمَّةُ: من أقام البَيِّنَةَ أَوّلاً، وتعرض شُهُودُهُ للكل، لم تَضُرَّ، فإن كان صاحب يَدٍ في النِّصْفِ، وقلنا: إن بَيِّنَةَ صاحب اليَدِ لا تُسْمَعُ ابْتِدَاءً على مَا سَيَأتِي الخِلاَفُ فيه؛ لأنه مُسْتَغْنَى هناك عن البَيِّنَةِ، وههنا لا يُسْتَغْنَى عن البَيَّنَةِ للنصف الذي يَدَّعِيهِ، ثم إذا أَقَامَ الثَّانِي البَيِّنَةَ على الكل، سُمِعَتْ، وتَرَجَّحَت بَيِّنَتُهُ في النِّصْفِ الذي [هو] 9 في يده، [فيحتاج الأول إلى إِعَادَةِ البَيِّنَةِ لِلنِّصْفِ الذي هو في يَدِهِ] 10.

وقال في "الوسيط": لا يبعد أن يُتَسَاهَلَ في الإعَادَةِ، وإن كان لأحد المدعيين 1 بَيِّنَةٌ دُونَ الآخر، فَيُقْضَى له بالكُلِّ، وشُهُودُهُ قد يَشْهَدُونَ بالنِّصْفَ الذي في يد صاحبه، وقد يَشْهَدُونَ بالكُلِّ، ولا يَضُرُّ كونه صَاحِبَ يَدٍ في النصف على ما تبين.
وإن لم يكن لواحد منهما بَيِّنَةٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مُدَّع في النصف، مُدَّعَى عليه في النِّصْفِ، فَيَحْلِفُ كُلُّ واحد منهما على نَفْي مَا يَدَّعِيهِ الآخَرُ، ولم يَتَعَرَّضْ واحد منهما في يَمِينِهِ لإثْبَاتِ ما في يَدِهِ، بل يُقْتَصَرُ على أنَّه لا حَقَّ لِصَاحِبِهِ فيما في يَدِهِ.
نَصَّ عليه، وذَكَرَ في بَاب التَّحَالُفِ في البَيْع، أن ظَاهِرَ النَّصِّ، أن كُلَّ واحد منهما في التَّحَالُفِ يجمع بين النَّفْي والإِثْبَاتِ، وبَيَّنَّا أن لِلأَصْحَاب فيهما طريقين: أصحهما: تَقْرِيرُ النَّصَّينِ؛ لأن [النِّصْفُ] 2 الذي يَنْفِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ منهما يَتَمَيَّزُ عن النِّصْفِ الذي يَثْبِتُهُ، وهناك العَقْدُ واحد، والنِّزَاعُ في صِفَتِهِ.
فكأن الدعوى واحدة، ولا يَتَمَيَّزُ المُدَّعِي عن المُدَّعَى عَلَيْهِ.
والثاني: أنهما غير مُقِرَّيْنِ بحالهما، ولكن يخرح من نصه 3 في هذه المَسْأَلَةِ قول [في] 4 التَّحَالُفِ، وفي التَّخْرِيجِ من التَّحَالُفِ اخْتِلاَفٌ لأصحاب الطَّرِيقَةِ الثانية؛ فإن قلنا: تخرج، حَصَلَ فيهما قَوْلاَنِ بالنَّقْلِ، والتخريج، على ما ذَكَرَهُ في الكتاب.
وكل ذلك 5 قد أَوْضَحْنَاهُ في باب التَّحَالُفِ.
وإذا قلنا بالأَصَحِّ، فإن حَلَفَا، أو نَكلاَ، تُرِكَ المُدَّعَى في يَدِهِمَا كما كان.
وإن حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخر، قُضِيَ للحالف بالكُلِّ، ثم إن حَلَفَ الذي بَدَأَ القاضي بتَحْلِيفِهِ، وَنَكَلَ الآخَرُ بعده، فَيَحْلِفُ الأَوَّلُ اليَمِينَ المَرْدُودَةَ، وإن نَكَلَ الأَوَّلُ، وَرَغِبَ الثاني في اليمين فقد اجْتَمَعَ عليه يَمِينُ النَّفْي لِلنِّصْفِ الذي ادَّعَاهُ صَاحِبُهُ، وَيمِينُ الإِثْبَاتِ للنصف الذي 6 ادَّعَاهُ هو؛ فهل يكفيه الآن يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، يجمع فيها بين النَّفْي والإثْبَاتِ؛ لأن كُلاًّ منهما قد دَخَلَ وقته أم لاَ بُدَّ من يَمِينٍ للنَّفْي، وأُخْرَى للإثبات؟ فيه وجهان: لفظ الكتاب يُشْعِرُ بِتَرْجِيح أَوَّلهِمَا، وهو الذي أوْرَدَهُ أبُو الفَرَجِ الزَّازُ، وحينئذٍ فيحلف: إنَّ الجَمِيعَ له، لا حَقَّ لصاحبه فيه.
أو يَقُولُ: لا حَقَّ له في النِّصْفِ الذي يَدعِيهِ، والنِّصْفِ [الآخر] 7 لي.

وقوله في الكتاب في خِلاَلِ الكَلاَمِ الذي بَدَأَ به القَاضِي: "تحكيماً (1) أو بالقرعة"، المُرَاد بالتحكيم (2) رأي القَاضِي، واجتهاده، وظاهر اللَّفْظِ، تَخْيِيرُ القاضي بين أن يُقْرِعَ، وبين أن يَعْمَلَ بما تعِنُّ له ولا يُقْرعْ، وبه يُشْعِرُ لفظه في "الوسيط"؛ فإنه [قال] (3): يَبْدَأُ القاضي بمن يَرَاهُ، أو بالقُرْعَةِ، ويمكن أن يُحْمَلَ ذلك على وَجْهَيْنِ؛ ذكرناهما (4) في باب التَّحَالُفِ، تَفْرِيعاً على أنَّه لا يَبْدَأُ بالبَائِعِ، ولا بالمُشْتَرِي، بل يَتَسَاوَيانِ.
أحدهما: أن القاضي يَتَخَيَّرُ فَيُقَدِّمُ من يَرَاهُ.
والثاني: أن المُعْتَبَرَ بالقُرْعَةِ.
ويجوز أن يقال: كل واحد منهما مُدَّعٍ، ومُدَّعى عليه هاهنا، فينبغي أن يُنْظَرَ إلى السَّبْقِ؛ فمن سَبَقَ دَعْوَاهُ، بُرِئَ بتحليف صَاحِبِهِ.

فروع

: الأول: ادَّعَى رَجُلٌ نِصْفَ دَارٍ، والآخَرُ كُلَّهَا، وأَقَامَ كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً، والدَّارُ في يَدِ ثَالِثٍ، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ في النِّصْفِ، فإن قلنا بالتَّهَاتُرِ، فهما سَاقِطَتَانِ في النِّصْفِ الذي فيه التَّعَارُضُ.
وأما النِّصْفُ الآخَرُ؛ فعن ابْنِ سُرَيْجٍ، وأبي إِسْحَاقَ، وغيرهما أنَّه على قَولَيْنِ في تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ، فإن لم نُبَعِّضْهَا، بَطَلَتْ في ذلك النِّصْفِ أيضاً، وصار كما لو لم يَكُنْ لواحد منهما بَيِّنَةٌ، وإن بَعَّضْنَاهَا، سُلِّمَ النِّصْفُ لمدعي الكُلِّ.
وامْتَنَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ من تَخْرِيجِهِ على ذلك الخِلاَفِ، وقال: مَوْضِعُ الخِلاَفِ ما إذا كان الرَّدُّ في البَعْضِ لِتُهْمَةٍ من عَدَاوَةٍ وغيرها.
فأما إذا كان الرَّدُّ في البَعْضِ بِسَبَبِ التَّعَارُضِ فما ينبغي أن يَتَأثَّرَ به الثاني.
ألا ترى أنا إذا قُلْنَا بالقِسْمَةِ عند التَّعَارُضِ، تُرَدُّ كُلُّ بَيِّنَةٍ في بَعْضِ ما شهدت به؟ ولا يُخَرَّجُ الثَّانِي على ذلك الخِلاَفِ، وهذا أَصَحُّ عند الشيخ أبي علِيٍّ.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فَيُسَلَّمُ النِّصْفُ لمدعي الكُلِّ، ويُقَسَّمُ النِّصْفُ الآخر.1234 = وسبق هناك إلى المنسوب في الحاوي والبحر إلى الجمهور أنَّه يحلف على الجمع؛ لأنه يحلف على ما يدعيه وهو يدعي جميعه.
قال في الذخائر: وهو الصحيح، وقال ابن أبي الدم هنا يحلف كل واحد منهما أنَّه مالك لنصفها، لأن كان مدعياً لجميعها، وفيه وجه أنَّه يحلف على الجميع اعتباراً بالدعوى، هكذا ذكره الماوردى وذكر القاضي أبو الطيب في التعليق أنَّه يحلف على النصف ولا يجوز أن يحلف على الكل.
قال: ومن صار إلى أنَّه يحلف على الكل فقد أخطأ.

إن قلنا بالقِسْمَةِ، فيكون لِمُدَّعِي الكل ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهَا.
وإن قلنا بالقُرْعَةِ، فَيُقْرَعُ للنِّصْفِ، وإن قلنا: بالوَقْفِ، فيوقف، ولو أنهما تَدَاعَيَا كذلك، والدَّارُ في يدهما، فالقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي النِّصْفِ في النصف الذي في يَدِهِ، فإن أقام مدعي الكل بينة، قُضِيَ له بالكل، وإن أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً على ما يَدَّعِيهِ، بَقِيَتِ الدَّارُ في يدهما، كما كانت.
ولكن التَّصْوِيرَ فيما إذا أَقَامَ مُدَّعِي الكُلِّ أَوَّلاً؛ لأن الآخَرَ لا يَدَّعِي إلا النِّصْفَ، وهو صَاحِبُ يَدٍ فيه، وسيأتي أَنَّ صاحب اليَدِ لا يَحْتَاجُ إلى البَيَّنَةِ في الابْتِدَاءِ على اخْتِلاَفٍ فيه، فإذا أقامها 1 أقام مدعي 2 النصف بينته فيرجح 3 باليد، ولا يَضرُّ تعرض شهود مدعي الكل للكل، وإن كان مُسْتَغنياً عن البَيِّنَةِ في النِّصْفِ الذي في يَدِهِ لما تَقَدَّمَ.
ولو اقْتَصَرُوا على أَنَّ النِّصْفَ الذي في يَدِ صَاحِبِهِ له، حصل الغَرَضُ [أيضاً] 4. ولو ادَّعَى أَحَدُ المدعيين الثُّلُثَ، والآخَرُ الكُلَّ، فإن كانت الدَّارُ في يد ثالث، فعلى قول التَّهَاتُرِ يَتَسَاقَطَانِ في الثُّلُثِ.
وهل تَبْطُلُ بَيِّنَةُ الكُلِّ في الثلثين؟ فيه ما سَبَقَ من التَّخْرِيجِ على الخِلاَف في تَبْعِيضِ الشهادة.
وإن اسْتَعْمَلْنَاهُ، فعلى قول القِسْمَةِ، يحصل لمدعي الكل خَمْسَةُ أسْدَاسِهَا.
ولا يخفى القولان الآخران.
وإن كانت الدَّارُ في يدهما، وأَقَامَ كل واحد بينة تثبت عند مدعي 5 الثلث [في] 6 الثلث، ويكون الباقي لمدعي الكُلِّ.
والثاني: دارٌ في يَدِ إِنْسَانٍ، ادَّعَى زَيدٌ نِصْفَهَا، فَصَدَّقَهُ، وعمرو نِصْفَهَا، فَكَذَّبَهُ صَاحِبُ اليد، وزَيْدٌ معاً، ولم يَدَّعِهِ واحد منهما لِنَفْسِهِ، فالنصف الذي يدعيه المكذب، يُسَلَّمُ إليه، أو يُوقَفُ في يَدِ صَاحِب اليَدِ، أو ينتزعه 7 القاضي ويحفظه إلى ظُهُورِ مَالِكِهِ، فيه ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ حَكاهَا الفوراني 8. الثالث: ادَّعَى واحدٌ دَاراً، وآخَرُ ثلثيها، وآخَرُ نِصْفَهَا، وآخَرُ ثُلُثَهَا، والدار في يد خَامِسٍ، وأقام كُلُّ وَاحِدٍ من الأربعة بَيِّنَةً، فلا تَعَارُضَ في الثُّلُثِ الذي يَخْتَصُّ بمدعي الكل بِدَعْوَاهُ، وفي الباقي، يَقَعُ التَّعَارُضُ في السُّدُسِ الزَّائِدِ على النصف، يتعارض بَيِّنَةِ

مُدَّعِي الكل و [بينة] 1 مُدَّعِي الثلثين.
[و] في 2 السُّدُسِ الزائد على الثلث بتَعَارُضِ بينهما وبينة مُدَّعِي النِّصْفِ، وفي الثلث الباقي تَتَعَارَضُ بَيِّنَاتُ الأَرْبَعَةِ، فإن قلنا: بالتَّهَاتُرِ، سَقَطَ البَيِّناتُ في الثلثين، وفي الثلث يَعُودُ الكَلاَمُ في تبعيض الشَّهَادَةِ.
والظَّاهِرُ -أنَّه يسلم لمدعي الكل.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فإن قَسَّمْنَا فالسدس 3 الزائد على النصف لمدعي الكل، ومُدَّعِي الثُّلُثَيْنِ بالسَّوِيَّةِ، والسُّدُس الزائد على الثلث لهما، ولمدعي النِّصْفِ أَثْلاَثاً، والثُّلُثُ الباقي لِلأَرْبَعَةِ أَرْبَاعاً، فَتُجْعَلُ الدَّارُ ستة وثلاثين سَهْماً، لحاجتنا إلى عَدَدٍ يَنْقَسِمُ سدسه على اثنين، وعلى ثلاثة فَيُضْرَبُ اثنين في ستة، ثم في ثَلاثةٍ، لمدعي الكُلِّ ثلثها، اثنا عشر ونصف السدس الزائد على النِّصْفِ ثلاثة، وثلث السُّدُس الزَّائد على الثلث اثنان، وربع الثلث الباقي وهو ثَلاثَةٌ، فالمَبْلَغُ عشرون.
وهي 4 خمسة أَتْسَاعِ الدَّارِ، ولمدعي الثُّلُثَيْنِ ثَلاثةُ أَسْهُمٍ من السدس الزَّائِدِ على النصف، [وسهمان من السدس الزائد على الثلث وثلاثة من الثُّلُثِ الباقي فالمَبْلَغُ ثَمَانِيَةٌ وهي تُسْعَا الدَّارِ، ولمدعى النصف] 5 سهمان من السُّدُسِ الزَّائِدِ على الثلث، وثَلاثَةٌ من الثُّلُثِ الباقي، فالمبلغ خَمْسَةٌ وهي تُسْعٌ ورُبُعُ تُسْعٍ، ولمدعي الثلث ثَلاثَةٌ من الثُّلُثِ الباقي لا غير.
وإن قلنا: بالقُرْعَةِ، فَيُقْرَعُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ؛ مَرَّةً في السدس الزائد على النصف بين مُدَّعِي الكُلِّ ومُدَّعِي الثُّلُثَينِ، وأخرى في السُّدُس الزائد على الثلث بينهما وَبَيْنَ مُدَّعِي النِّصْفِ، وأخْرَى في الثلث بين الأَرْبَعَةِ.
وإن قلنا بالوَقفِ تَوَقَّفْنَا، وإن كانت الدَّارُ في يد المُتَدَاعِيينَ الأربعة، وأقام كُلُّ واحد بَيِّنَةً، جُعِلَتِ الدَّارُ بينهم أَرْبَاعاً؛ لأن بَيِّنَةَ كُلِّ واحد تُرجَّحُ في الرُّبُعِ الذي في يَدِهِ باليد.
وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فالقول قَوْلُ كل واحدٍ منهما 6 في الرُّبُعِ الذي في يَدِهِ.
فإذا حَلَفُوا، كانت بينهم أَرْبَاعاً أيضاً.
الرابع: دَارٌ في يَدِ ثلاثة؛ ادَّعَى أحدهم نِصْفَهَا، والثاني ثُلُثَهَا، والثالث سُدُسَهَا، = قال في الخادم: والذي يتخيل في الفرق بينهما أن هناك صرح بأنه ليس له وهنا لم يكفه عن نفسه صريحًا ويجوز أن يكون النصف له بسبب لم يقر به ثم يظهر له بعد ذلك من وصية أو ميراث عن ميت لم يعرفه ذلك الوقت فهو إذن أو غيره في احتمال هذا النصف له سواء فينزع من يده إلى أن يبين حاله.

ولا بَيِّنَةَ، تُجْعَلُ بينهم أَثْلاَثاً.
نصَّ عليه في "المختصر" 1، واعْتُرِضَ عليه بأن مُدَّعِي السُّدُسِ، لا يَدَّعِي إلا السُّدُسَ، فكيف تجعل له الثلث؟ وأجاب الأَصْحَابُ بأن صُورَةَ مَسْألَةِ النص، ما إذا كان يَدَّعِي كل واحد منهم اسْتِحْقَاقَ اليَدِ في جميعها، إلا أن يكون الأَوَّلُ يقول: النِّصْفُ مِلْكِي، والنِّصْفُ [الآخر] 2 لفلان الغَائِبِ، وهو في يَدِي عَارِيَةٌ، أو وَدِيعَةٌ.
والآخران يقولان نحو ذلك، فكل 3 واحِدٍ منهم يُجْعَلُ صَاحِبَ يَدٍ في الثُّلُثِ، وتَبْقَى الدَّارُ في أيديهم، كما كانت، ثم يُجْعَلُ بعض 4 الثُّلُثِ الذي هو في يَدِ مُدَّعِي السُّدُس، لذلك الغَائِبِ، بحكم الإقرار 5. فأما إذا اقتَصَرَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما على أن لي منها كذا، فلا يُجْعَلُ لمدعي السُّدُسِ إلا السدس، ولا يَتَحَقَّقُ بينهم 6 والحالة هذه، تَنَازُعٌ وتَنَاكُرٌ.
وهذا التَّصْوِيرُ وإن أَزَاحَ الاعْتِرَاضَ المَذْكُورَ، ففيه إِشْكَالٌ آخر؛ وذلك أن مُدَّعِي النِّصْفِ، ومُدَّعِي الثلث، ليس في يَدِهِمَا إلا ما يَدَّعِيَانِهِ.
فقدلهما: أن البَاقِيَ لفلان الغَائِب، ليس إِقْرَاراً، ولكنه دَعْوَى لِلْغَائِب؛ فيحتاج إلى وِكَالَةٍ من جهته، فإذا لم يَتَعَرَّضَا لِلْوِكَالَةِ، أو لم يُثْبِتَاهَا، أَشْبَهَ أن يقال: الحُكْمُ كما لو اقتصر 7 كل وَاحِدٍ منهما على أن لي كذا.
وإن أَقَامَ كُلُّ واحد منهم بَيِّنَةً على ما يَدَّعِيهِ لنفسه، فَيُحْكَمُ لمدعي الثلث بالثلث؛ لأن له فيه بَيِّنَةً ويدًا ولمدعي السدس بالسدس لمثل ذلك، وبما يُحْكَمُ لمدعي النِّصْفِ فيه وجهان: أحدهما: النصف؛ لأن له في الثُّلُثِ يَدًا وَبَيِّنَةً، وفي السُّدُسِ الباقي بَيِّنَةٌ، والآخران لا يَدَّعِيَانِهِ.
والثاني: يُحْكَمُ له بالثُّلُثِ ونِصْفُ السدس؛ لأن السُّدُسَ الزَّائِدَ على ما في يَدِهِ لا يَدَّعِيهِ على مُدَّعِي السدس خَاصَّةً، إنما يَدَّعِيهِ شائعاً 8 في بَقِيَّةِ الدَّارِ.
وهي في يدهما جَمِيعاً، ولذلك يَسْتَحْلِفُهُمَا لو لم تكن بَيِّنَةٌ، وإن كان السُّدُسُ مدعى 9 على الشُّيُوعِ؛ فنصفه المُدَّعَى على مُدَّعِي [الثلث عَارَضَتْ فيه بَيِّنَتُهُ بَيِّنَةَ مُدَّعِي النصف، وتَرَجَّحَتْ باليَدِ، ونِصْفُهُ المدعى على مدعي] 10 السدس، يُحْكمُ به لِمُدَّعِي النِّصْفِ [بَيِّنَتِهِ؛ لأن

بَيِّنَةَ مُدَّعِي السدس لا تُعَارِضُهَا، فَيَحْصُلُ لمدعي النِّصْف] 1 ثُلُثٌ، ونِصْفُ سُدُسٍ.
ولمدعي الثلث ثلث، والباقي يقولون: لمدعي السُّدُسِ سُدُسٌ، ونصف، والَّلائِقُ بالتَّصْوِيرِ المَذْكُورِ أن يقال: ويَبْقَى في يَدِ مُدَّعِي السُّدُسِ سُدُسٌ ونصف، وهذا الوَجْهُ الثاني قَرِيبٌ من الطَّبْع، لكن بالأَوَّلِ أجاب القاضي ابْنُ كَجٍّ، وهو المَحْكِيُّ عن القَفَّالِ، وذكر الروياني: أنَّه المَذْهَبُ.
وأجرى أبو الفَرَجِ البزّازُ الوَجْهَيْنِ في أن المدعي في السُّدُس الزائد على مدى السدس وَحْدَهُ، أو عليهما جَمِيعاً.
واعْلَمْ أن مُدَّعِي الثلث ومدعي السدس، لا يحتاجان 2 إلى إِقَامَةِ البَيِّنَةِ في الابْتِدَاءِ، ولكن مُدَّعِي النِّصْفِ يَحْتَاجُ إلى إِقَامَةِ البَيِّنَةِ؛ للسدس 3 الزَّائد على ما في يَدِهِ، فَلْيُصَوَّرْ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ من جهَتِهِمْ، فيما إذا أَقَامَ مُدَّعِي النِّصْفِ أَوَّلاً، ثم أقام الآخَرَانِ على نحو ما ذَكَرْنَا في الفَرْعِ الأول.
وإنه يجوز أن يُفْرَضَ من مُدَّعِي السُّدُسِ إِقَامَةُ البَينة على السُّدُسِ للغائب، مع إِقَامَةِ البينة على أن السدس له؛ بِنَاءً على أن المُدَّعَى عَلَيْهِ إذا أقر بما في يَدِهِ لغائب، يَجُوزُ له إِقَامَةُ البَيِّنَةِ على أنَّه لِلْغَائِبِ، وقد بيناه 4 من قَبْلُ.
الخامس: دَارٌ في يَدِ ثلاثة: ادَّعَى أَحَدُهُمْ كُلَّهَا، والثاني نِصْفَهَا، والثالث ثُلُثَهَا؛ وأقام كُلُّ وَاحِدٍ من الأولين البَيِّنَةَ على ما ادَّعَى، دون الثالث، فلمدعي الكُلِّ الثلث، بالبَيِّنَةِ واليد، ولمُدَّعِي النصف كذلك، ولمدعي الكل نِصْفُ ما في يَدِ الثالث أيضاً بِبَيِّنَتِهِ السَّلِيمَةِ عن المعارض.
وفي النصف الآخر تَتَعَارَضُ بَيِّنَتُهُ وبَيِّنَة مدعي النصف؛ فإن قلنا بالتَّسَاقُطِ؛ فالقول قَوْلُ الثالث في السدس، وفي بُطْلانِ البَيِّنَتَيْنِ.
فيما عدا السُّدُسِ، بِنَاءً على تَبْعِيضِ الشهادة ما مَرَّ.
وإن قلنا بالاستعمال، لم يَخْفَ التَّوَقُّفُ والإِقْرَاعُ.
وإن قلنا: بالقِسْمَةِ، قُسِّمَ بينهما.
فيحصل لمدعي الكُلِّ نِصْفٌ ونِصْفُ سُدُسٍ؛ ولمدعي النِّصْفِ ثُلُثٌ وَنِصْفُ سُدُسٍ.
هكذا أورد المَسْأَلَةَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وغيره.
وقد يُقَالُ: مدعي النصف لا يَدَّعِي السُّدُسَ الزَّائِدَ على ما في يَدِهِ على الثَّالِثِ خَاصَّةً، لكن يَدَّعِيهِ شَائِعاً على الآخرين معاً، فَنِصْفُ السُّدُس الذي يَدَّعِيهِ على مُدَّعِي الكُلِّ، يَنْدَفِعُ بِبَيِّنَةِ مُدَّعِي الكُلِّ ويده، والنِّصْفُ الآخَرُ الذي يَدَّعِيهِ على الثَّالِثِ هو الذي يَقَعُ فيه التَّعَارُضُ؛ وهو الذي يَنْبَغِي أن يُقَسَّمَ إذا قلنا بالقِسْمَةِ، والباقي مما في يَدِ الثَّالِثِ وهو الربع 5 يُسَلَّمُ لمدعي الكل ببينته 6. وعلى

هذا فَالحَاصِلُ لمدعي الكل ثُلُثٌ، وربع، وربع سدس.
ولمدعي النصف البَاقِي.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا وُجِدَ التَّرْجِيحُ فَمَدَارِكُ التَّرْجِيحِ ثَلاَثَةٌ المَدْرَكُ الأَوَّلُ قُوَّةُ الحُجَّةِ فَيُقَدَّمُ شَاهِدَانِ عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، فَلَوِ اقْتَرَنَتِ اليَدُ بِالحُجَّةِ الضَّعِيفَةِ فَوَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا:) أَنَّ اليَدَ أَوْلَى (والثَّانِي:) أنَّهُمَا يَتَعَادَلاَنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ شُهُودُ أَحَدِهِمَا أكْثَرَ أَوْ أَعْدَلَ فَلاَ تَرْجِيحَ بِهِ فِي القَوْلِ الجَدِيدِ أَصْلاً بِخِلاَفِ الرِّوَايَةِ، وَكَذَا لاَ تَرْجِيحَ عَلَى رَجُلٍ وَأمْرَأتينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: إذا تَعَارَضَتِ البَيِّنَتَانِ، وهناك ما يُرَجِّحُ إحداهما، فَيُعْمَلُ بالرَّاجِحَةِ؛ وللترجيح 1 أسباب: منها: أن تُختَصَّ إِحْدَى البَيِّنَتَيْنِ بمزيد قُوَّةٍ، وفيه صور: إحداها: لو أقام أَحَدُهُمَا شَاهِدَيْنِ، والآخَرُ شَاهِداً، وحَلَفَ معه، فقولان: أحدهما: أنهما يَتَعَادَلاَنِ؛ لأن كُلَّ واحد منهما حُجَّةٌ كَافِيَةٌ في المال.
وأصحهما: على ما ذكره الإِمَامُ، وصاحب الكتاب: يُرَجَّحُ الشَّاهِدَانِ؛ لأن شَهَادَةَ الشَّاهِدَيْنِ حُجَّةٌ بالإجْمَاعِ، والشاهد واليمين، مُخْتَلَفٌ فيه.
وأيضاً فالَّذِي يَحْلِفُ مع شَاهِدِهِ يُصَدِّقُ نَفْسَهُ، والذي يقيم 2 شاهدين يُصَدِّقُهُ غيره؛ فهو أَقْوَى جَانِباً، وأَبْعَدُ عن التُّهْمَةِ.
وعلى هذا فلو كانت اليَدُ مع صَاحِبِ الشَّاهِدِ واليَمِينِ، فوجهان: أحدهما: أن اليَدَ وقُوَّةَ الحُجَّةِ الأخرى يَتَقَابَلاَنِ.
وأشبههما: أن جَانِبَ صَاحِبِ اليَدِ يُرَجَّحُ؛ لاعْتِضَادِهِ باليد المَحْسُوسَةِ.
هكذا نَقَلَ الإِمَامُ وصَاحِبُ الكتاب، وحُكِيَ في "التهذيب" الخِلاَفُ في المسألة قولين، ولم يحل 3 التعادل، لكن قال: أَحَدُ القَوْلَينِ تَرْجِيحُ صَاحِبِ اليد.
والثاني: تَرْجِيحُ الآخَرِ لِقُوَّةِ حُجَّتِهِ قال: ويمكن بنَاءُ القَوْلَيْنِ على أن صَاحِبَ اليد، هل يَحْلِفُ مع البَيِّنَةِ، أم لا؟ وسيأتي الخلاف فيه.
إن قلنا: يَحْلِفُ، فيمينه كَشَاهِدٍ آخر، فَيُرَجَّحُ جَانِبُهُ باليد.
وإن قلنا: لا يَحْلِفُ، فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الآخر؛ لأن جَانِبَ صَاحِب اليد على هذا إنما يرجح إذا انضمت اليَمِينُ إلى البَيِّنَةِ الكَامِلَةِ.

الثانية: لو زاد عَدَدُ الشُّهُودِ في أَحَدِ الجانبين، فَنَصُّهُ -رضي الله عنه- في "المختصر": أنَّه لا تَرْجِيحَ.
وعن القديم نقل 1 قَوْل فيه 2، وللأصحاب -رحمهم الله-[فيه] 3 طريقتان: أشبههما، وهو المَذْكُورُ في الكتاب: أن المَسْأَلَةَ على قَوْلَيْنِ: الجديد: أنَّه لا ترجيح لكمال 4 الحجة من الطَّرَفَيْنِ، والقديم؛ ويُحْكَى عن مالك: أنَّه يُرَجَّحُ جَانِبُ من زَادَ عَدَدُ شُهُودِهِ؛ لأن القَلْبَ إلى قولهم أميل.
والثاني: القَطْعُ بالقَوْلِ الأَوَّلِ، وحمل ما نُقِلَ عن القديم على حكاية مذهب الغَيْرِ.
ولو اخْتَصَّتْ إحدى البَيِّنتَيْنِ بزيادة ورع، أو فِقْهٍ، جَرَى الطريقان.
قال في "الوسيط": وعلى هذا الخِلاَفِ لو كان في أحد الجَانِبَينِ شَهَادَةُ أحد الخُلَفَاءِ الأربعة -رضي الله عنهم- وفي الرواية يَثْبُتُ الرُّجْحَانُ بهذه الأُمُور، وفَرَّقُوا بأن لِلشَّهَادَةِ نِصَاباً مُقَدَّراً، فيتبع.
وليس للرواية ضَبْطٌ فمنهم من رجح بأغلب الظَّنَّيْنِ.
ومنهم من أَلْحَقَ الرواية بالشَّهَادَةِ، والظاهر الأول.
الثالثة: لو أقام أَحَدُهُمَا رَجُلَيْنِ، والآخر رَجُلاً وامْرَأتَينِ، فالمَشْهُورُ أنَّه لا تَرْجِيحَ لقيام الحُجَّةِ، وكُلُّ واحد منهما بالاتِّفَاقِ.
وعن المَاسَرْجَسِيِّ رِوَايَةُ قَوْلٍ آخَرَ، وهو تَرْجِيحُ الرجلين؛ لزيادة الوُثُوقِ بقولهما.
ولذلك يَثْبُتُ بقول رَجُلَيْنِ، ما لا يَثْبُتُ بقول رَجُلٍ وامرأتين.
ونقل الفوراني مِثْلَ ذلك أيضاً.
ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله في الكتاب: "ولا ترجيح به" بالميم.
وقوله: "في القَوْلِ الجديد" بالواو، لِطَرِيقَةِ من نَفَى الخِلاَفَ.
وقوله: "فخلاف الرواية" بالواو؛ للوجه المَذْكُورِ فيها 5. وقوله: "وكذا لا يُرَجَّحُ رَجُلاَنِ على رجل وامرأتين"، أراد 6 على أحد القولين على ما بَيِّنَهُ في "الوسيط".
ولم يُرِدِ القَطْعَ بعدم التَّرْجِيحِ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَدْرَكُ الثَّانِي: اليَدُ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الخَارجِ وَلَكِنْ إِذَا أَقَامَهَا بَعْدَ بَيِّنَةِ الخَارجِ، وَلَوْ أَرَادَ إقَامَتَهَا قَبْلَ دَعْوَى مُدَّعِي التَّسْجِيلِ لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ أقَامَ بَعْدَ الدَّعْوَى لإسْقَاطِ اليَمِينِ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَلَوْ أَقَامَ بَعْدَ بَيِّنَةِ الخَارجِ وَقَبْلَ التَّعْدِيلِ فوَجْهَانِ، أَمَّا إِذَا أَقَامَ بَعْدَ إزَالَةِ يَدِهِ بَيِّنَةِ الخَارجِ أَوْ ادَّعَى مِلْكاً سَابِقاً فَهَلْ يُقَدَّمُ بِسَبَبِ يَدِهِ الَّتِي سَبَقَ القَضَاءُ بِإزَالَتِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ،.
وَلَوْ أَقَامَ بَعْدَ القَضَاءِ وَقَبْل التَّسْلِيمِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يُقَدَّمَ، ثُمَّ إِذَا قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى أن يَحْلِفَ مَعَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يَسْتَعْمِل بَيِّنَتَهُ إلاَّ فِي إسْقَاطِ بَيِّنَةِ الخَارجِ فَيَبْقَى عَلَيْهِ اليَمِينُ كَمَا كَانَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ: اليَدُ، فإذا ادَّعَى عَبْناً في يَدِ غَيْرِهِ، وأقام البَيِّنَةَ على أنها مِلْكُهُ، وأقام مَنْ هي في يَدِهِ بَيِّنَةً أنها مِلْكُهُ، تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وتُرَجَّحُ على بَيِّنَةِ الخارج 1. وبه قال مَالِكٌ.
وقال أبو حنيفة لا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ اليد، ولا يُحْكَمُ بها إلا في ثَلاَثِ صور: إحداها: دَعْوَى النِّتَاجِ وهو أن يَتَنَازَعَا [دَابَّةً، وَأَقَامَ كُلُّ واحد بَيِّنَةٌ على أنها مِلْكُهُ هو نَتَجَهَا.
والثانية: أن يَتَنَازَعَا] 2 ثوباً لا يُنْسَجُ إلا مرة، وأقام كُلُّ وَاحِدٍ منهما بَيِّنَةً [على] 3 أنَّه مِلْكُهُ، هو نَسَجَهُ، ومن المَنْسُوجَاتِ ما يُنْسَجُ أَكْثَرَ من مَرَّةٍ، كالخَزِّ والنسيج.
والثالثة: أن يُسْنَدَ المِلْكُ إلى شَخْصٍ واحد؛ بأن أَقَامَ كُلُّ واحد منهما البَيِّنَةَ على

أنه اشْتَرَى من زَيْدٍ أو اتَّهَبَ.
ففي هذه الصُّوَرِ سَاعدنا على أنَّه تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الداخل، ويُحْكَمُ بها.
وعن أحمد ثَلاَثُ روايات: إحداها كمذهبنا.
والأخرى كمذهب أبي حَنِيْفَةَ، إلا أنَّه لم يُفَرِّقْ في بَيِّنَةِ النَّسِيجِ بين ما لا يُنْسَجُ إلا مَرَّةً، وبين غيره.
وأظهرهما: أنَّه لا تُسْمَعُ بَيِّنةُ الداخل، ولا يُحْكَمُ بها على الإطلاق.
واحتج الأصحاب على أبي حَنِيْفَةَ بالقِيَاسِ على ما سَلَّمَهُ، وبأنهما تَسَاوَيا في البَيِّنَةِ.
وانفرد صاحب اليَدِ باليد، فَحُكِمَ له، كما لو انْفَرَدَ باليد ولا بَيِّنَةَ.
وعلى أحمد بما روِيَ أن رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دَابَّةً، وأقام كل واحد منهما بَيِّنَةً أنها دَابَّتُهُ نَتَجَهَا، فقضى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للذي هي في يَدِهِ.
وهل يُشْتَرَطُ في سَمَاعِ بَيِّنَةِ الداخل أن يُبَيَّنَ سَبَبَ المِلْكِ، من شراء، أو إِرْثٍ، أو غيرهما؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنهم ربما اعْتَمَدُوا ظَاهِرَ اليد.
وأصحهما: أنها تُسْمَعُ وإن كانت مُطْلَقَةً كَبَيِّنَةِ الخَارج، فإنها تُقْبَلُ مُطْلَقَةً، مع احتمال أن الشُّهُودَ اعْتَمَدُوا يَداً سَابِقَةً، ولا فَرْقَ في تَرْجِيح بَيِّنَةِ الداخل، أن يبين الخارج والداخل سَبَبَ المِلْكِ، وبين أن يُطْلِقَا.
وكذا لا فَرْقَ بين إِسْنَادِ البَيِّنَتَيْنِ، وإطلاقهما، إذا سمعنا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ مع الإِطْلاَقِ.
وإذا وقع التَّعَرُّضُ للسبب؛ فلا فَرْقَ أن يَتَّفِقَ السَّبَبَانِ، أو يَختَلِفَا، ولا بين أَن يُسْنَدَ المِلْكُ إلى شَخْصٍ واحد؛ بأن يقول: هذا اشْتَرَيتُهُ من زيد، وهذا مِثْلُ ذلك.
أو تقول المَرْأَةُ وهي أَحَدُ المُتَدَاعيين: أصْدَقَنِيهِ زَوْجِي.
ويقول خَصْمُهَا: اشتريتها من زَوْجِكِ.
وبين أن يُسْنِدَ أحدهما إلى شَخْصٍ، والآخَرُ إلى آخر.
وحكى الفوراني وَجْهاً: أنَّه إذا أَقَامَ كل واحد منهما البَيِّنَةَ على الانْتِقَالِ من شخص معين يَتَسَاوَيانِ؛ لأنهما اتَّفَقَا على أن اليَدَ كانت لِثَالِثٍ، وكل واحد منهما يَزْعُمُ الانْتِقَالَ إليه، ثم في الفَصْلِ مسألتان: إحداهما: في أن بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ متى تُسْمَعُ؟ ولها أحوال: إحداها: أن يقيمها قبل أن يُدَّعَى عليه شَيْءٌ، فظاهر المَذْهَبِ أنها لا تُسْمَعُ؛ فإن الحُجَّةُ إنما تُقَامُ على شَخْصٍ، فإذا لم يكن خَصْمٌ، فلا حَاجَةَ إلى حُجَّةٍ.
وفيه وجه: أنها تُسْمَعُ؛ بغرض التَّسْجِيلِ.
والثانية: أن يُقِيمَهَا بَعْدَ الدعوى، وقبل أن يُقِيمَ المدعي البَيِّنَةَ؛ فإن سَمِعْنَا في الحالة الأولى، فهاهنا أَوْلَى.
وإلاَّ فوجهان:

أظهرهما: أنها لا تُسْمَعُ أيضاً؛ لأن الأَصْلَ في جانبه اليَمِينُ، فلا معدل 1 عنها ما دَامَتْ يكتفي 2 بها.
وعن ابن سُرَيْجٍ: أنها تُسْمَعُ؛ ليُسْقِطَ اليَمِينَ عن نَفْسِهِ، كالمُودِع تُسْمَعُ البَيِّنَة منه على الرَّدِّ والتَّلَفِ، وإن كانت يَمِينُهُ كافية.
الثالثة: أن يقيمها بعد أن أَقَامَ الخَارجُ البَيِّنَةَ، ولكن قبل أن يعدل، فإن سمعنا في الحالة الثانية، فهاهنا أَوْلَى.
وإلا فوجهان: أحدهما: لا تُسْمَعُ؛ لأنه مُسْتَغْنٍ عنها بعد.
وأصحهما: أنها تُسْمَعُ، ويُحْكَمُ بها؛ لأن يَدَهُ بعد إِقَامَةِ البَيَّنَةِ مُشْرِفَةٌ على الزوال، فَتَمسُّ الحَاجَةُ إلى تأكيدها، ودَفْعِ الطَّاعِنِ فيها.
الرابعة: إذا أَقَامَهَا بعد بَيِّنَةِ المدعي، وتَعْدِيلِهَا، فقد أَقَامَهَا في أَوَانِ إقامتها، وإن لم يُقِمْهَا حتى قَضَى القَاضِي للمدعي، وسَلَّم المَالَ إليه؛ فإن لم يُسْنَدِ المِلْكُ إلى الأوَّلِ، فهو الآن مُدَّعٍ خارج.
وإن ادَّعَى مِلْكاً مُسْتَنِداً إلى ما قبل إِزَالَةِ اليَدِ، واعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ الشهود ونحوها، فهل تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؟ وهل تقدم باليد 3 المزالة بالقَضَاءِ؟ فيه وجهان: أحدهما: المنع؛ لأن تلك اليَدَ مَقْضِيٌّ بزوالها [وبطلان حكمها] 4 فلا ينقض القَضَاء.
وأصحُّهما: أن بَيِّنَتَهُ مَسْمَوعَةٌ كبينة حتى يُقِيمَهَا بعدما قَضَى القاضي للمدعي، ويُنْقَضُ القَضَاءُ الأول؛ لأنه إنما أزيلت لعدم الحُجَّةِ، وقد قامت الحُجَّةُ الآن.
وإن أقام البَيِّنَةَ بعد القضاء للمُدَّعِي، وقبل الانْتِزَاعِ والتسليم إلى المدعي، فوجهان: مرتبان وأَوْلَى بأن تَسْمَعَ بَيِّنَتُهُ، ويقدم جانبه لبقاء اليد حساً 5. وإلى الوَجْهِ الآخر ذَهَبَ القاضي الحُسَيْنُ، فإن أبا سعد الهَرَوِيُّ قال: قال القاضي الحسين: أُشْكِلَتْ عَلَيَّ هذه المَسْأَلَةُ نَيِّفًا وعشرين سَنَةً؛ لما فيها من نَقْضِ الاجْتِهَادِ [بالاجتهاد] 6، وتَرَدَّدَ جوابي فيها؛ فذكرت مَرَّةً: أنَّه إن تَأَكَّدَ الحُكْمُ بالتسليم، لم

يُنْقَضْ، وإن لم يَتَأكَّدْ، فوجهان: ثم اسْتَقَرَّ رَأْيي على أنَّه لا يُنْقَضُ، سواء كان قبل التَّسْلِيمِ، أو بعده.
المسألة الثانية: هل يَحْلِفُ الدَّاخِلُ مع بَيِّنَتِهِ ليُقْضَى له 1 فيه وجهان أو قولان: أصحهما، ويُحْكَى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في القديم: أنَّه لا يَحْلِفُ، كما لا يحلف الخَارجُ مع البَيِّنَةِ، وهذا ما حُكِي عن أبي حَنيفَةَ؛ حيث قال: يُقْضَى للداخل.
والثاني: يحلف لاحْتِمَالِ أن الشُّهُودَ شَهِدُوا بظاهر اليَدِ وبنوا 2 هذا الخِلاَفَ على أن القَضَاءَ للدَّاخِلِ باليَدِ، أم بالبينة المُرَجّحة باليد، أحد المأخذين؛ أن القَضَاءَ باليد؛ لأن البَيِّنَتَيْنِ إذا تَعَارَضَتَا تَسَاقَطَتَا، وصار كأنه لا بَيِّنَةَ، فعلى هذا لا بُدَّ من اليمين.
والثاني: أن القَضَاءَ بالبَيِّنَةِ، وأنها 3 تَرَجَّحَتْ باليَدِ، كما يَتَرَجَّحُ الدَّلِيلُ في الأحكام الشَّرْعِيَّةِ على مُعَارَضَة.
وإنما تسقط البَيِّنَتَانِ إذا تَعَارَضَتَا بلا تَرْجِيحٍ.
فعلى هذا لا حَاجَةَ إلى اليمين.
وقوله في الكتاب عَقِيبَ ذِكْرِ الوجهين.
"وقيل: إنه لا يَسْتَعْمِلُ بَيِّنَتَهُ إلا في إِسْقَاطِ بَيِّنَةِ الخارج، فيبقى اليَمِينُ عليه، كما كان" يمكن حَمْلُهُ على طريقة جازمة بالتَّحْلِيفِ؛ بِنَاءً على ما ذكر في "الوسيط"؛ أن الأَصْحَابَ -رحمهم الله- اخْتَلَفُوا في أن بَيِّنَتَي الداخل والخارج يَتَهَاتَرَانِ، أو تتَرَجَّحُ بَيِّنَةُ الدَّاخل باليَدِ، وإن قلنا بالأَوَّلِ؛ فلا بد من التَّحْلِيفِ.
وإن قُلْنَا بالثاني، ففي التَّحْلِيفِ وجهان يَقْرُبَانِ من الخلاف في التَّحْلِيفِ.
وإذا قلنا بالقُرْعَةِ وتَرَجَّحَتْ إحدى البَيِّنَتَينِ بها.
وإن قدرنا ما 4 ذكره تَوْجِيهاً لأحد الوَجْهَيْنِ وهو التَّحْلِيفُ، وتعبيراً عن مَأْخَذِ التَّهَاتُرِ، لا طريقة أخرى [فليقرأ] 5 قبيل بالياء.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعَانِ: الأَوَّلُ: الدَّاخِلُ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ البيِّنةُ فَادَّعَى الشِّرَاءَ مِنَ المُدَّعِي أَوْ ثَبَتَ الدَّيْنُ فَادَّعَى الإبْرَاءَ، فَإنْ كَانَتِ البَيِّنةُ حَاضِرَةً سُمِعَتْ قَبْلَ إزَالَةَ اليَدِ وَتَوْفِيَةِ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَةً طُولِبَ فِي الوَقْتِ بالتَّسْلِيمِ، ثُمَّ إِذَا أَقَامَ اسْتَرَدَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا أطلق الخَارجُ دَعْوَى المِلْكِ، وأقام عليه البَيِّنَةَ.
[وقال الداخل: هو ملكي اشتريته منك، وأقام عليه البينة] 6 فالداخل أولى؛ لأن مع بينته زَيادَةُ عِلْمٍ؛ وهي الانْتِقَالُ الحَادِثُ، ولأن الدَّاخِلَ مقدم 7 عند إطْلاَقِهِمَا الدَّعْوَى

والبينة، فإذا قُيِّدَ، كان أَوْلَى بالتقديم.
ولو قال الخارج: هو مِلْكِي وَرِثْتُهُ من أبي، وقال الدَّاخِلُ: هو مِلْكِي اشْتَرَيتُهُ من أبيك، فكذلك الحكم.
ولو انعكست 1 الصورة؛ فقال الخارج: هو مِلْكِي اشْتَرَيْتُهُ منك، وأقام عليه بَيَّنةً، وأقام الداخل بَيِّنَةً [على] 2 أنَّه مِلْكُهُ، فالخارج أَوْلَى؛ لزيادة علم بينته 3 4. ولو قال كل واحد [منهما] 5 لصاحبه: اشتريته منك، وأَقَامَ عليه بَيّنَةً، وخَفِيَ التَّارِيخُ، فصَاحِبُ اليَدِ أَوْلَى.
حكاه القاضي الرُّوياني وغيره.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: مُسَاعَدَتُنَا في هذه الصُّورَةِ إذا عرف ذلك، ففي الصُّورَةِ الأولى وهي أن يُطْلق الخارج، ويقول الدَّاخِل: اشْتَرَيْتُهُ منك لا تُزَالُ يده قبل إِقَامَةِ البَيِّنَةِ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنها تُزَالُ، ويُؤْمَرُ بالتسليم إلى المُدَّعِي؛ لاعْتِرَافِهِ بأنه كان له، ثم يثبت ما يَدَّعِيهِ من الشراء.
الظَّاهِرُ الأول؛ لأن البَيِّنَةَ إذا كانت حَاضِرَةً، فالتَّأَخُّرُ إلى إِقَامَتِهَا سهل.
فلا مَعْنَى للانْتِزَاعِ، والرد.
نعم، لو زعم أن بَيِّنَتَهُ غائبة 6؛ فلا يَتَوَقَّفُ، بل يُؤمَرُ في الحال بالتَّسلِيمِ، ثم إن أَثْبَتَ ما يدعيه، اسْتردّ، [ويجري الخِلاَفُ فيما إذا ادَّعَى دَيْناً، فقال المدعى عليه: أَبْرَأَنِي، وأراد إِقَامَةَ البَيِّنَةِ، لا يُكَلَّفُ تَوْفِيَة الدَّيْنِ على قول الأكثرين.
وعلى ما ذكر القاضي يُكَلَّفُ، إذا ثَبَتَ ما يقوله استردَّ] 7 وهذا كما ذُكِرَ في أول كتاب الدعاوى: أنَّه لو قال: أَبْرَأَنِي، فَحَلَّفُوهُ، يَحْلِفُ قبل أن يُسْتَوْفَى.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: مَنْ أَقَرَّ لِغَيْرهِ بِمِلْكٍ لَمْ تُسْمَعْ بَعْدَ دَعْوَاهُ حَتَّى يَدَّعِيَ تَلَقِّيَ المِلْكِ مِنَ المُقَرِّ لَهُ، وَلَوْ أَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ فَهَلْ يَحْتَاجُ بَعْدَهُ فِي الدَّعْوَى إلَى ذِكْرِ التَّلَقِّي مِنْهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالأَجْنَبِيُّ لاَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ إِذِ البَيِّنَةُ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ فَلَهُ دَعْوَى المِلْكِ مُطْلَقاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من أَقَرَّ بعَيْنٍ لإنسان، ثم ادَّعَاهَا، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، إلا أن يذكر

تَلَقِّيَ المِلْكِ عنه، وذلك لأن المُقرَّ مُؤَاخَذٌ بِإقْرَارِهِ في المستقبل.
ألا ترى أن من أَقَرَّ أَمْس يُطَالَبُ به اليَوْمَ؟ ولولا ذلك، لم يكن في الإِقْرَارِ كَثِيرُ فَائِدَةٍ.
وإذا كان كذلك، فَيُسْتَصْحَبُ ما أَقَرَّ به، إلى أن يثبت الانْتِقَالُ.
ومن أُخذَتْ منه بينة قامت، ثم جاء يَدَّعِيهَا، فهل يحتاج إلى ذِكْرِ التَّلَقِّي منه؟ فيه وجهان: وجه قولنا: نعم، إنه صار مُلْزَماً بتلك الحُجَّةِ، فَيُؤَاخَذُ بموجبها، كما لو أَقَرَّ.
ووجه الثَّانِي: إِلْحَاقُهُ بالأَجَانِب، ولا خِلاَفَ أنَّه لو ادَّعَى عليه أَجْنَبيٌّ وأَطْلَقَ يُسْمَعُ.
وما الأَظْهَرُ من هذين الوجهين؟؟ ذَكَرَ بَعْضُ أصحاب الإِمام ذَهَابَ الأَكثرين إلى أنَّه لاَ بُدَّ من ذكر التَّلَقِّي، لكنا حَكَيْنَا عن الأصحاب -رحمهم الله-: في أحوال، إِقَامَة الداخل البَيِّنة أنَّه لو أقامها بَعْدَ ما انْتُزِعَتِ العَيْنُ منه، هل تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ؟ وهل يُقْضَى له؟ وبَيَّنَّا أن الأَصَحَّ، السَّمَاعُ، والقَضَاءُ، وذلك الاختِلاَفُ مَفْرُوضٌ فيما إذا أَطْلَقَ دعوى المِلْكِ، ولم يذكر التَّلَقِّي.
فأما إذا ادَّعَى التَّلَقِّي، فلا بد أن تسمع دعواه، وقد صَرَّحَ به أبُو الحَسَنِ العبادي.
وإذا كان الاخْتِلاَفُ في إطْلاَقِ الدَّعْوَى، ورجَّحْنَا وَجْه السَّمَاع، لَزِمَ أن يكون الرَّاجِحُ هاهنا أنَّه لا حَاجَةَ إلى ذِكْرِ التَّلَقِّي.

فروع

: أكثرها عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أقام الخَارجُ بَيِّنَةً على أن هذه العَيْنَ مِلْكِي، غَصَبَهَا منى الدَّاخِلُ.
أو قال: أَجَّرْتُهَا منه، أو أَوْدَعْتُهَا إياه، وأقام الداخل بَيِّنَةً على أنَّه مِلْكهُ، فَأَحَدُ الوجهين: أنَّه يُقْضَى لصاحب اليد.
هذا ما صَحَّحَهُ صاحب "التهذيب".
والثاني: وهو المَنْقُولُ عن ابن سُرَيْجٍ: أنَّه يُقْضَى للخارج.
وهذا ما ارْتَضَاهُ العراقيون، وبه أجاب القاضي أبو سَعْدٍ.
ولو لم تكن بَيِّنَةٌ، ونَكَلَ الدَّاخِلُ عن اليمين، فَرُدَّتْ على الخارج، وحُكِمَ له، ثم جاء المُدَّعَى عليه ببَيِّنَةٍ، تُسْمَعُ.
كما لو أَقَامَهَا بعد بَيِّنَةِ المدعي.
وفيه وجه: أنها لا تُسْمَعُ، بِنَاءً على أن النُّكُولَ، وَردَّ اليمين، كالإقرار 1.

ولو تَنَازَعَا شَاةً مَذْبُوحَةً؛ في يد أحدهما رَأْسُهَا وجلدها وسَوَاقِطُهَا، وفي يد الآخر باقِيها، وأَقَامَ كل واحد منهما بَيِّنَةً على أن الشَّاةَ له، يُقْضَى له بما في يَدِهِ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يُقْضَى له بما في يَدِ صَاحِبهِ، بِنَاءً على أن بَيِّنَةَ الخارج مقدمة.
ولو قالت 1 كل بَيِّنَةٍ: الشاة [له] 2، نَتَجَتْ في مِلْكِهِ، وذُبِحَتْ في ملكه، قُضيَ لكل وَاحِدٍ منهما بما في يَدِهِ بالاتِّفَاقِ؛ لأن البَيِّنَةَ قد تَعَرَّضَتْ لِلنِّتاجِ، فَيُقَدَّمُ الدَّاخِلُ.
ولو كانت في يَدِ كُلِّ واحد منهما شَاةٌ، فادَّعَى كُلُّ واحد؛ أن الشَّاتَيْنِ له، وأن التي في يَدِ صاحبه نَتَجَتْ من التي في يَدِهِ، وأَقَامَا عليه البَيِّنَةَ، فهما مُتَعَارِضَتَانِ؛ فلكل وَاحِدٍ منهما التي في يده؛ لاعْتِضَادِ بَيِّنَتِهِ بيده.
وإن أقام كُلُّ واحد منهما البَيِّنَةَ على أن التي في يَدِ الآخر مِلْكُهُ، قُضِيَ لكل وَاحِدٍ منهما بما في يَدِ الآخر.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: المَدْرَكُ الثَّالِثُ: اشْتِمَالُ إحْدَى البَيِّنَتَيْنِ عَلَى زِيَادةٍ وَهِيَ أَقْسَامٌ: الأَوَّلُ زِيَادَةُ التَّارِيخِ فَإذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنهُ مُلْكَهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَالأُخْرَى مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَفِي تَقْدِيمِ السَّابِقِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً وَالأُخْرَى مُؤَرَّخَةً أَوْ مُضَافَةً إلَى سَبَب مِنْ نِتَاجٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ زِرَاعَةٍ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يُرَجَّحَ المُقَيَّدُ، فَإِنْ جَعَلْنَا لِلسَّبْقِ أَثَرَاً فَكَانَ السَّبْقُ في جَانِبٍ وَاليَدُ فِي جَانِبٍ قُدِّمَ اليَدُ عَلَى وَجْهٍ، وَالسَّبْقُ عَلَى وَجْهٍ، وَيَتَعَادَلاَنِ عَلَى وَجْهٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تَرْجَمَ هذا المَدْرَكَ بالزِّيَادَةِ في البَيِّنَةِ، وأراد اخْتِصَاصَ الشَّهَادَةِ، يَتَأيَّدُ بأصل أو بِزِيَادَةِ عِلْمٍ.
والمَدْرَكُ الأول بِقُوَّةِ الحُجَّةِ، وأراد اخْتِصَاصَ الشُّهُودِ بصفة تفيد 3 زَيادَةَ الوُثُوقِ بقولهم.
وفي ترتيب الكتاب من هاهنا إلى آخر الباب نَوْعُ اضطراب؛ فإنه قال وهي أقسام: الأول: زِيَادَةُ التَّارِيخ، ثم قال: الطَّرَفُ الثاني في العُقُودِ، والثالث في المَوْتِ، والرابع في العِتْقِ، والوَصِيَّةِ، وزيادة التَّارِيخِ تَدْخُلُ في العقود، كما تدخل في الأَمْلاَكِ المُطْلَقَةِ.
ولا ينبغي أن تَدْخُلَ بعض أَقْسَام التقسيم في بعض، ويَنْتَظِمُ أن يُقَالَ: في أول الرُّكْنِ تَعَارُض البَيِّنَتَينِ، وقد تقع في الأَمْلاَكِ، وقد تَقَعُ في غيرها، كالعُقُودِ، والموت في الوصية.
فهذه أَطْرَافٌ تحتاج إلى النَّظَرِ فيها.
الأول، في الأَمْلاَكِ؛ فأما أن تَخْلُوَ البَيِّنَتَانِ المُتَعَارِضَتَانِ منها عن التَّرْجِيحِ، أو يكون هناك تَرْجِيحٌ.

وللترجيح أَسْبَابٌ ثلاثة: ثالثها -اشْتِمَالُ إحدى البَيِّنَتَيْنِ على زَيادَةِ التَّارِيخِ، فيسلك التاريخ مَسْلَكَ المَقْصُودِ من رُكْنِ البَيِّنَةِ إلى آخر الباب في هذا التَّرْتيبِ.
وَفِقْهُ الفصل: أنَّه إذا أَرَّخَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ المِلْكَ بتاريخ، نظر، إن تَوَافَقَ التَّارِيخَانِ، فلا تَرْجِيحَ، وإن اختلفا، كما إذا قَامَتْ بَيِّنَةُ هذا على أنَّه مَلَكَهُ منذ سَنَةٍ، وبَيِّنَةُ هذا على أنَّه مَلَكَهُ منذ سنتين، ففيه طريقان؛ المشهور منهما: أن في تَرْجِيح أَسْبَقِهِمَا تَارِيخاً 1 قولين: أحدهما: ويُحْكَى عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في البُوَيْطِيِّ: أنَّه لا تَرْجِيحَ؛ لأن مَنَاطَ الشَّهَادَةِ المِلْكُ في الحال.
وقد اسْتَوَيا فيه، فَأشْبَهَ ما إذا كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ.
وثانيهما: ويُحْكَى عن رواية الرَّبِيع -وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، واختاره المزني: أنَّه يُرَجَّحُ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخاً؛ لأنها تثبت الملكَ في وقت لا تُعَارِضُهَا البَيِّنةُ الأُخْرَى فيه، وفي وقت تَعَارُضِهَا الأخرى يتساقطان في مَحَلِّ التَّعَارُضِ.
وتثبت موجبها 2 فيما قبل مَحَلِّ التعارض.
والأصل في الثابت دَوَامُهُ، وأَصَحُّ القولين، الأَوَّلُ عند القاضي ابن كَجٍّ وشِرْذِمَةٍ -رحمهم الله-.
والثاني عند أَكْثَرِهِمْ؛ منهم الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ، وسالكو طريقته، وصَاحِبَا "المُهَذَّب"، و"التهذيب" -رحمهم الله وإِيِّانَا-.
والطريق الثاني: نقل القاضي ابْنُ كَجٍّ عن ابن سُرَيْجٍ، وابن سلمة، وابن الوكيل؛ أَنهم قَطَعُوا بنفي التَّرْجِيحِ، ولم يُثْبِتُوا القَوْلَ الآخر، والمثبتون 3 للخلاف، طَرَدُوه في بَيِّنَتَي شخصين يَتَنَازَعَانِ في نِكَاحِ امرأة، وإذا أُرِّخَتَا بتاريخينِ مُخْتَلِفَيْنِ، وأيضاً فيما إذا

تَعَرَّضَتَا مع اختِلاَفِ التَّارِيخ لسبب المِلْكِ، كما إذا أَقَامَ أحدهما بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاهُ من زيد مُنْذُ سَنَةٍ، والآخر بَيِّنَةً علَى أنَّه اشْتَرَاهُ من عمرو منذ سنتين، ولو نَسَبَا العَقْدَيْنِ إلى شَخْصٍ وَاحِدٍ، فأقام هذا بَيِّنَةً على أنَّه اشْتَرَاهُ من زيد من سَنَةٍ، وهذا بَيِّنَةً على أنَّه اشْتَرَاهُ من زيد منذ سنتين.
فالسَّابِقُ أَوْلَى لا مَحَالَةَ 1. وطَرَدُوهُ أيضاً، فيما إذا تَنَازَعَا أرضاً مَزْرُوعَةً فأقام 2 أحدهما بَيِّنَةً أنها أرْضُهُ زَرَعهَا، والآخر بَيِّنَةً أنها مِلْكهُ مُطْلَقاً؛ لأن البَيِّنَةَ التي تَشْهَدُ بالزَّرْعِ، تثبت المِلْكَ من وقت الزِّرَاعَةِ.
هكذا ذكر صاحب "التهذيب" تَصْوِيراً، وتَوْجِيهاً.
وفيه ما تبين 3 أن سَبْقَ التَّارِيخ لا يُشْتَرَطُ أن يكون بِزَمَانٍ مَعْلُومٍ، حتى لو قامت بَيِّنَةٌ على أنَّه مَلَكَهُ منذ سَنَةٍ، وأخرى على أنه مَلَكَهُ أكثر من سَنَةٍ؛ كان موضع الخلاف، فإن رَجَّحْنَا أَسْبَقَ البَيِّنَتَيْنِ تَارِيخاً قَضَيْنَا بها، ولصاحبها الأُجْرَةُ، والزِّيَادَاتُ الحَادِثَةُ من يومئذ، وإن لم نُرَجِّحْهَا، ففيها الخِلاَفُ السَّابِقُ في تَعَارُضِ البَيِّنَتَيْنِ.
وإن كانت إحدى البَيِّنَتَينِ مُطلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةً، فمن قطع من مختلفي التَّاريخِ بأنه لا تَرْجِيحَ فههنا أَوْلَى، ومن أَثبَتَ الخِلاَفَ هناك تَحَزَّبُوا فمن طَارِدٍ للقولين هاهنا بوجه تَرْجِيح المُؤَرَّخَةِ 4؛ بأنها تثبت المِلْكَ من وقت مُعَيَّنِ، والأخرى لا تَقْتَضِي إلا إِثْبَاتَ المِلْكِ الحال.
والتَّسْوِيَةُ بينهما فإن المطلقة، كما لا تَقْتَضِي الإثْبَاتَ قبل الحَالَةِ الرَّاهِنَةِ لا تَنْفِيهِ أيضاً، ولَعَلَّهُ لو بحث عنها أثبت المِلْكَ قبل ذلك الوقت.
ومِنْ قَاطِعِ بالتَّسْوَيةِ، وكيف فرض؟ فالظاهر التَّسْوَيةُ هاهنا.
ثم احتج المُزَنِي للقول الذي اخْتَارَهُ: بأنهما لو تَنَازَعَا دَابَّةٌ؛ أقام أَحَدُهُمَا بَيِّنَةٌ على أنها مِلْكُهُ، والآخر بَيِّنَة أنها مِلْكُهُ، وهو الذي نَتَجَهَا، تُقَدَّمُ البيِّنةُ المتعرضة لِلنِّتَاجِ، واخْتَلَفَ الأَصْحَابُ.
ولم يُسَلِّم له أكثرهم ما ادَّعَاهُ، وحكموا 5 بأن المَسْأَلَةَ على القولين.
أو أَجْرَوْهُمَا في كل بَيِّنَتَيْنِ؛ أَطْلَقَتْ إحداهما [الملك] 6 ونَصَّتِ الأخرى على المِلْكِ، وسببه من الإرْثِ، والشِّرَاءِ، وغيرهما.

ومنهم من سَلَّمَ له ما ذَكَرَهُ في صورة النِّتَاجِ، [وفَرَّقُوا بينها وبين بَيِّنَتَي المِلْكِ المطلق؛ بأن بينة النِّتَاجِ] 1 تُثْبِتُ ابْتِدَاءَ المِلْكِ له، والتي هي أَسْبَقُ تَارُيخاً لا تثبت ابتداء المِلْكِ.
فهذا التَّوْجِيهُ يقتضي اطِّرَادَ الطريقتين فيما إذا تَنَازَعَا ثَمَرَةً، أو حِنْطَةَ، فشهدت بَيِّنَةٌ بأنها حَدَثَتْ من شجرته أو بذره.
ولا يَقْتَضِي جَرَيَانَ الثَّاييَةِ فيما إذا تَعَرَّضَتْ إحداهما للشِّرَاءِ، وسائر الأسباب؛ فإنها لا تُوجِبُ ابتِدَاءَ المِلْكِ.
واعْلَمْ أن المَسْأَلَةَ من أصلها مَفْرُوضَةٌ فيما إذا كان المُدَّعَى في يَدِ ثَالِثٍ.
فأما إذا كان في يَدِ أحدهما وقامت بَيِّنَتَانِ مُخْتَلِفَتَا التَّاريِخِ، فإن كانت بَيِّنَةُ الداخل أَسْبَقَ تَارِيخاً، فهو المُقَدَّمُ لا مَحَالَةَ.
وإن كانت بَيِّنَةُ الآخَرِ أسْبَقَ تاريخاً فإن لم نجعل سَبْقَ التَّاريخِ مُرَجِّحاً، فكذلك يُقَدَّمُ الداخل.
وإن جَعَلْنَاهُ مُرَجّحاً، فثلاثة أوجه: أصحها: ترجيح اليد؛ لأن البَيِّنَتَيْنِ تَتَسَاوَيَانِ في إِثْبَاتِ المِلْكِ في الحال، فَيَتَسَاقَطَانِ فيه، ويَبْقَى من أَحَدِ الطرفين اليَدُ، ومن الآخر إِثْبَاتُ المِلْكِ السَّابِقِ.
واليد أقوى من الشَّهَادَةِ على المِلْكِ السابق؛ ألا ترى أنها لا تُزَالُ بها؟ والثاني: تَرْجِيحُ السَّبْقِ؛ لأن مع أَحَدِهِمَا تَرْجِيحاً من جِهَةِ البَيَّنَةِ، وسع الثاني تَرْجِيحاً من جهة اليَدِ، والبَيِّنَةُ تَتَقَدَّمُ على اليَدِ، فكذلك التَّرْجِيحُ من جهة البَيِّنَةِ مقدم 2 على التَّرْجِيحِ من جهة اليَدِ.
والثالث: أنهما يَتَسَاوَيانِ، لِتَعَارُضِ المَعْنيَيْنِ.
وقوله في الكتاب: "ففي تَقْدِيم السَّابِقِ قَوْلاَنِ".
يجوز أن يُعَلَّمَ لفظ القولين منه بالوَاوِ للطريقة القَاطِعَةِ.
وقوله في تَعَارُضِ البَيِّنَتَيْنِ؛ المطلقة، والمؤرخة، والمطلقة، والمضافة إلى النتاج، والشراء: قولان مرتبان، وأَوْلَى بألاَّ يرجح المُقَيّد" القولان في المُطْلَقَةِ والمُؤَرَّخَةِ، وترتيبهما ظَاهِرٌ، وهذا الإيراد، وما ذكرناه من الطَّرِيقَتَيْنِ في هذه الصُّورَةِ، يرجعان إلى مَعْنَى وَاحِدٍ.
وأما في المُطْلَقَةِ والمضافة إلى الشِّرَاءِ والنِّتَاجِ، فالتَّرْتِيبُ على ما ذكره.
لم يَتَعَرَّضْ له الأصحاب -رحمهم الله-.
وإن فُرِضَ تَرْتِيبٌ، فهو بالعَكْس فيما ذكره، ألا تَرَى أن في صُورَةِ النِّتَاج طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ بالتقديم 3؟ فليحمل قوله: "وأَوْلَى بأن لا ترجيح للمقيد" 4 على المُقَيَّدِ بزِيَادَةِ التَّارِيخِ دون المُقَيَّدِ بالإضافة إلى السَّبَبِ.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: الأَوَّلُ: لَوْ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بِمِلْكِهِ بِالأَمْسِ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلحَالِ لَمْ تُسْمَعْ حَتَّى يَقُولَ: هُوَ مِلْكهُ فِي الحَال أَوْ لاَ أَعْلَمُ لَهُ مُزِيلاً، فَإنْ قَالَ: لاَ أَدْرِي زَالَ أَمْ لاَ لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ قَالَ: أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِمُجَرَّدِ الاسْتِصْحَابِ فَفِي قَبُولِهِ خِلاَفٌ، أَمَّا لَوْ شَهِدَ بِأنَّهُ أَقَرَّ لَه بِالأَمْسِ ثَبَتَ الإِقْرَارُ وَيُسْتَصْحَبُ مُوجِبُ الإِقْرَارِ وإنْ لَمْ يَتَعَرَّضِ الشَّاهِدُ لِلْمِلْكِ فِي الحَالِ، وَلَوْ قَالَ المُدَّعَى عَلَيْهِ: كَانَ مِلْكَكَ بِالأَمْسِ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ لأنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَحْقِيقٍ فَيُسْتَصْحَبُ بِخِلاَف الشَّاهِدِ فإنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ تَخْمِينٍ حَتَّى لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ: هُوَ مِلْكُهُ بِالأَمْسِ اشْتَرَاهُ مِنَ المُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ أَقَرَّ لَهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ بِالأَمْسِ فَيُسْمَعُ فِي الحَالِ؛ لأَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى تَحْقِيقٍ، وَلاَ خِلاَف أنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ في يَدِ المُدَّعِي بِالأَمْسِ قُبِلَ وَجُعِلَ المُدَّعِي صاحِبَ يَدٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا ادَّعَى دَاراً، أو عَبْداً في يدي رجل، فَشَهِدَتْ له البَيِّنَة بالمِلْكِ في الشَّهْرِ الماضي، أو بالأَمْسِ، ولم تَتَعَرَّضْ للحال.
نقل المُزَنِيُّ والربيع أنها لا تُسْمَعُ، ولا يُحْكَمُ بها.
وعن رِوَايَةِ البويطي: أنها تُسْمَعُ، ويُقْضَى بها.
وللأَصْحَابِ -رحمهم الله- فيه طَرِيقَانِ: أشهرهما -وبه قال ابن سُرَيْجٍ: أن المسْأَلَةَ على قولين: أحدهما: أنَّه يُسْمَعُ؛ لأنها تُثْبِتُ المِلْكَ سَابِقاً، والشيء إذا ثَبَتَ، فالأصل فيه الدَّوَامُ والاسْتِمْرَارُ.
وأصحُّهما: المَنْعُ؛ لأن دَعْوَى المِلْكِ السَّابِقِ لا تُسْمَعُ، فكذلك البَيِّنَةُ عليه.
ولأن ثُبُوتَ المِلْكِ سَابِقاً إن اقْتَضَى بَقَاءَهُ قيد المدعى عليه، وتصرفه يَدُلُّ على الانْتِقَالِ إليه، ولا يَحْصُلُ ظَنُّ المِلْكِ في الحال.
والثاني: ويُحْكَى عن أبي إِسحَاقَ: القَطْعُ بأنها لا تُسْمَعُ، وحَمَلَ هؤلاء المَحْكي عن البُوَيْطِيِّ على أنَّه ذَكَرَهُ من عند نَفْسِهِ، وَيَجْرِي الخِلاَفْ فيما إذا ادَّعَى اليَدَ، وشَهِدَ الشُّهُودُ على أنَّه كان في يَدِهِ أَمْسِ.
واعلم أن للَقَوْلَيْن في هذا الفَرْعِ تَعَلُّقا بالقولين، فيما إذا أَرَّخَتِ البَيِّتَتَانِ المِلْكَ بتاريخين مختلفين؛ هل يُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا تَاريخاً؛ أم يتساويان؟ ثم منهم من يَبْنِي القَوْلَيْنِ هاهنا على القَوْلَيْنِ هناك، ومنهم من يعكس البنَاءَ.
وقربا من الوَجْهَيْنِ فيما إذا قال: كان لِفُلاَنٍ عَلَيَّ كذا، أو كانت هذه الدَّارُ لفلاَن.
هل يكون إِقْرَاراً؟ وإذا قلنا: بأن الشَّهَادَةَ لا تُسْمَعْ على المِلْكِ السابق، فينبغي أن يَشْهَدَ الشَّاهِدُ على المِلْكِ في الحال.
أو يقول: كان مِلْكاً له ولم يزلْ.

أو يقول: لا أَعْلَمُ له مُزِيلاً، ويجوز أن يَشْهَدَ بالمِلْكِ في الحال؛ اسْتِصْحَاباً [لحكم ما] 1 عرفه من قبل، كشراء، وإرْثٍ، وغيرهما 2؛ لأن كان يَجُوزُ له زَوَالُهُ، ولو صرح في شهادته: أنَّه يَعْتَمِدُ الاسْتِصْحَابَ فوجهان.
حكى في "الوسيط" عن الأصحاب: أنَّه لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الرَّضَاع على امْتِصَاصِ الثَّدْي، وحَرَكَةِ الحُلْقُومِ.
وعن القاضي الحسين: القَبُولُ؛ لأنا نَعْلَمُ أنَّه لا مستند له سواه، بخلاف الرَّضَاعِ، فإنه يُدْرَكُ بِقَرَائِنَ لا تدخل في العبارة.
ولو قال: لا أَدْرِي، أزال مِلْكَهُ أم لا؟ لم تُقْبَلُ؛ لأن هذه صِيغَةُ المُرْتَابينَ، وهي بَعِيدَةٌ عن أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
ولو شهدت البَيِّنَةُ على أنَّه أَقَرَّ أَمْسِ للمدعى بالمِلْكَ، قُبِلَتِ الشهادة، واسْتُدِيمَ حُكْمُ الإقْرَارِ، وإن لم يُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بالمِلْكِ في الحال.
ومما علق عن الإِمام أن منهم من طَرَدَ القَوْلَيْنِ فيه.
والظاهر الأول، وَلَوْلاَهُ لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ الأَقَارِيرِ.
ولو قال المدعى عليه: كان ملكك 3 بالأَمْسِ.
فوجهان: أحدهما: أنَّه لا يُؤَاخَذُ به، ولا يُنْتَزَعُ المَالُ من يَدِهِ، كما لو قامت البَيِّنَةُ على أنَّه كان مَلَكَهُ أَمْسِ.
وأظهرهما: الانْتِزَاعُ كما لو شَهِدَتِ البَيِّنَةُ على أنَّه أَقَرَّ أمس، ويفارق الإِقْرَارُ البَيِّنَةَ من جِهَةِ أن المُقِرَّ لا يُقِرُّ إلا عن تَحْقِيقٍ؛ والشَّاهِدُ قد يَتَسَاهَلُ، ويبني على التَّخْمِينِ.
فإذا لم يَنْضَمَّ إليه الجَزْمُ في الحال، ضعف، حتى لو اسْتَنَدَتِ الشَّهَادَة إلى التَّحْقِيقِ أيضاً، بأن قال الشَّاهِدُ: هو ملكه بالأمس، اشْتَرَاهُ من المُدَّعَى عليه بالأَمْسِ، أو أَقَرَّ له المُدَّعَى عليه بالأَمْسِ، قُبِلَتِ الشهادة.
وكذلك نقله صَاحِبُ الكتاب هاهنا.
وفي "الوسيط": ولم يثبت الشَّيْخُ أبو نَضْرِ بنُ الصَّبَّاغ الوجهين فيما إذا قال المُدَّعَى عليه: كان ملكك بالأمس.
وحكى القَطْع بأنه يُؤَاخَذُ بِإقْرَارِهِ.
وردّ الوجهين إلى ما إذا قال: كان في يَدِكَ أمس.
وفَرَّقَ بين المِلْكِ واليد؛ بأن اليَدَ قد تكون مُسْتَحِقَّةً، وقد لا تكون؛ فإذا كانت قَائِمَةً، أخذنا بأن الظَّاهِرَ منها الاسْتِصْحَابُ، فهذا زَالَتْ ضَعُفَتْ

دلالتها وإذا عرفت ما يَحْتاج الشَّاهِدُ إلى التَّعَرُّضِ له على قولنا: إن الشَّهَادَةَ عن المِلْكِ السابق لا تُسْمَعُ، فكذلك إذا قلنا: إنَّ الشِّهَادَةَ على اليَدِ السَّابقَةِ لا تُسْمَعُ، فينبغي أن تَتَعَرَّضَ الشَّهَادَةُ لِزِيَادَةٍ، بأن يقول: كان في يدِ المُدَّعِي، وأَخَذَهُ المدعى عليه منه، أو غَصَبَهُ، أو قَهَرَهُ عليه، أو بَعَثَ العبد في شغل، أو أَبَقَ منه، فاعْتَرَضَهُ هذا، وأخذه.
فحينئذ تقبل (1) الشهادة، ويُقْضَى بها لِلْمُدَّعِي، فَيُجْعَلُ صَاحِبَ يَدٍ.
وقوله في الكتاب: "لم تُسْمَعْ حتى يقول: وهو ملكه"، يمكن حَمْلُهُ من جِهَةِ اللفظ، أن يجعل جَوَاباً على الطرِيقَةِ القَاطِعَةِ، ويمكن أن يُجْعَلَ جَوَاباً.
على الأَصَحَّ، على طريقة إثْبَاتِ الخِلاَفِ.
وعلى التَّقْدِيرَينِ فَلْيُعْلَمْ بالواو.
وكذا قوله: "ويُسْتَصْحَبُ موجب الإقرار" لما حكيناه من الخِلاَفِ، ونقل في "الوسيط" أن القاضي مَالَ إلى ذلك الوَجْهِ.
وقوله: "أَو أَقَرَّ له المدعى عليه بالأمس"، يجوز أن يُعَلَّمَ بالواو؛ لأن هذه الصُّورَةَ بعينها هي الصُّورَةُ السابقة (2) وهي قوله: "أما لو شهدت (3) بأنه أَقَرَّ له بالأَمْسِ... " إلى آخره.
وقوله: "ولا خلاف أنَّه لو شَهِدَ على أنَّه كانَ في يَدِ المدعي أمس قُبِلَ، وجُعِلَ المُدَّعِي صَاحِبَ يَدٍ".
هذا غير مُسَلَّم، بل طُرُقُ الأصحاب نَاصَّةٌ على أنَّه كما لو قامت البَيِّنَةُ على المِلْكِ بالأمس، بلا فَرْقٍ، بل في صُورَةِ اليَدِ.
تكلم الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وحكم بِعَدَمِ القَبُولِ.

فرع

: ذكرنا أن الشُّهُودَ على المِلْكِ السابق، لو قالوا: لا نَعْلَمُ زَوَالَ مِلْكِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
ثم عن ابن المُنْذِرِ: أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: يَحْلِفُ المُدَّعِي مع البَيِّنَةِ، فإن ذَكَرُوا مع ذلك أنَّه غَاصِبٌ، فلا حَاجَةَ إلى اليَمِينِ.
قال القاضي أبو سعد: وهذا غَرِيبٌ 4، وَوَجَّهَهُ: أن البَيِّنَةَ قامت على خِلاَفِ الظَّاهِرِ، ولم يَتَعَرَّضْ لإسقاط ما مَعَ المُدَّعَى عليه من الظاهر فَأُضِيفَ إليها اليَمِينُ.123

آخر: دَارٌ في يد رجل ادَّعَاهَا آخران 1، وأَقَامَ أحدهم البَيِّنَةَ؛ أن الدَّارَ له، غَصَبَهَا المُدَّعَى عليه منه، وأَقَامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ أن من في يَدِهِ أَقَرَّ له، فليس 2 بين هَاتَيْنِ البَيِّنَتَيْنِ منافاة، فيثبت المِلْكُ والغَصْبُ بالبَيِّنَةِ الأُوْلَى، وإذا ثَبَتَ ذلك، لُغِيَ إقرار الغاصب، لغير المَغْصُوبِ منه.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الفَرْعُ الثَّانِي: البَيِّنَةُ المُطْلَقَةُ لاَ تُوجِبُ تَقَدُّمَ زَوَالِ المِلْكِ عَلَى مَا قَبْلَ البَيِّنَة حَتَّى لَوْ شَهِدَ عَلَى دَابَّةٍ فَنِتَاجُهَا قَبْلَ الإِقَامَةِ لِلمُدَّعى عَلَيْهِ، وَالثَّمَرَةُ البَادِيَةُ عَلَى الشَّجَرَةِ أَيْضَاً كَذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الجَنِينَ حَالَ الشَّهَادَةِ لِلمُدَّعَى عَلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ وَإِنْ أَمْكَنَ انْفِصَالُة بِالبَيْعِ وبِالوَصِيَّةِ، وَمَعَ هَذَا فَالمذْهَبُ أَنَّ المُشْتَرِيَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطلَقَةٍ رَجَعَ عَلَى البَائِعِ، بَل لَوْ أَخَذَ مِنَ المُتَّهِبِ أَوْ مِنَ المُشْتَرِي رَجَعَ الأَوَّلُ أَيْضَاً، وَيُحْمَلُ مُطلَقُهُ إِذَا لَمْ يَدْعُ عَلَى المُشْتَرِي قَبْلَ إزَالَةِ مِلْكِهِ منْهُ عَلَى أَنَّ المِلْكَ سَابِقٌ فَيُطَالِبُ البَائِعَ بالثَّمَنِ، وَعَجِيبٌ أنْ يُتْرَك فِي يَدِهِ نِتَاجٌ حَصَلَ قَبْلَ البَيِّنَةِ وَبَعْدَ الشِّرَاءِ، ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ عَلَى البَائِعِ وَلَكِنْ أَطْلَقَ الأَصْحَابُ الكَلاَمَ كَذَلِكَ فَلاَ يَبْعدُ أنْ يُقَالُ: لاَ يُرْجَعُ إلاَّ إِذَا ادَّعِيَ مِلْكٌ سَابِقٌ عَلَى شِرَاِئهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بَيِّنَةُ المُدَّعِي لا تُوجِبُ ثُبُوتَ المِلْكِ له، ولكنها تُظْهِرُهُ، فيجب أن يكون المِلْكُ سَابقاً على إِقَامَتِهَا.
ولكن لا يُشْتَرَطُ السَّبْقُ بزمان طَوِيلٍ، بل يكفي لِصِدْقِ الشُّهُودِ بلحظة لَطَيفَةٍ، فلا يُقَدَّرُ ما لا ضَرُورَةَ إليه حتى لو أَقَامَ البَيِّنَةَ على مِلْكِ دَابّةٍ، أو شجرة، لم يَسْتَحِقَّ النِّتَاجَ، والثمرة، الحاصلتين قبل إِقَامَةِ البَيِّنَةِ.
والثمرة الظَّاهِرَةُ عند إِقَامَةِ البينة تَبْقَى للمدعى عليه 3، وفي الحَمْلِ الموجود عندها وجهان: أظهرهما: أن المُدَّعِي يَسْتَحِقُّهُ، ويكون تَبَعاً للأُمِّ كما في العُقُودِ.
والثاني: المنع، ويجوز أن يكون الحَمْلُ لغير مَالِكِ الأُمِّ بسبب وَصِيَّةٍ بالحمل 4. وقَضِيَّةُ هذا الأَصْلِ أن يقال: من اشْتَرَى شَيئاً فَادَّعَاهُ مُدَّعٍ، وأخذ منه بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ، لم يكن له أن يَرْجِعَ على بَائِعِهِ بالثَّمَنِ، لجواز أن يكون المِلْكُ مُنْتَقِلاً من

المُشْتَري إلى المُدَّعِي، فتكون المُبَايَعَةُ صَحِيحَةً مُصَادِفَةً مَحَلَّهَا، لكن المَشْهُورَ في المَذْهَبِ ثُبُوتُ الرُّجُوع إذا انتزع المال منه بالحُجَّةِ المطلقة، بل لو باع المُشْتَرِي، أو وهب، وانْتُزعَ من المُتَّهب، أو من المشتري منه، كان لِلْمُشتَرِي الأَوَّلِ الرُّجُوعُ أيضاً.
وسَبَبُهُ مَسِيسُ الحَاجَةِ إلَيه في عُهْدَةِ العقود، وأيضاً فإن الأَصْلَ أن لا مُعَامَلَةَ بين المشتري والمدعى، ولا انتقال منه فَيَسْتَنِدُ المِلْكُ المَشْهُودُ به إلى ما قبل الشِّرَاءِ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ إِبْدَاءُ وَجْهٍ: أنَّه لا رُجُوعَ إلا إذا كان المُدَّعَى مِلْكاً سَابِقاً، وَفَاءً بِالأَصْلِ المذكور، وَحُمِلَ ما أطلقه الأصحاب عليه.
وذكر القاضي أبو سَعْدٍ الهرَوِيُّ: أن الفَقِيهَ أبا نَصْرٍ البَلْخِيَّ من أصحاب الرَّأْي، حَكَى عن أصحابنا: أن قِيَامَ البَيِّنَةِ تَقْتَضِي سَبْقَ المِلْكِ حتى يكون النِّتَاجُ لِلْمُدَّعِي.
ولما كان الجَمْعُ بين إِبْقَاءِ النِّتَاج في ملكه، وبين تَمَكُّنِهِ من الرُّجُوع باليمين 1 بعيداً تأباه الطِّبَاعُ، دفع تَارَةً بأن قيل: لاَ رُجُوعَ.
وأخرى بأن قِيلَ: لا يَبْقَى النِّتَاجُ له.
ولْيُعَلمْ لهذا الوجه قوله في الكتاب: "فَنتَاجُهَا قبل الإِقَامَةِ للمدعى عليه" بالواو.
وكذلك قوله: "والثَّمَرَةُ البَادِيَةُ على الشجرة أيضاً" بذلك.
وقوله: "وتُحْمَلُ مطلقة إذا لم يَدَّعِ على المشتري قبل إِزَالَة مِلْكِهِ عنه، على أن المِلْكَ سَابقٌ"، أَشَارَ به إلى أن ظَاهِرَ المَذْهَبِ ثُبُوتُ الرُّجُوعِ، سواء قَيَّدَ المِلْكَ المُدَّعَى بما قبل الشراء، أو أَطْلَقَ الدَّعْوَى.
وإنما يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ إذا ادَّعَى على المُشْتَرِي أنَّه نَقَلَ المِلكَ إليه، وأقام البَيِّنَةَ كذلك.
وعلى الوجه الآخر إنما يَثْبُتُ الرُّجُوعُ إذا ادَّعَى مِلْكاً سَابِقاً على الشِّرَاءِ، وأقام البَيِّنَةَ عليه.
وقوله: "وعَجِيبٌ أن يُتْرَكَ في يَدِهِ نِتَاجٌ حَصَلَ قبل البَيِّنَةِ، وبعد الشراء، ثم هو يَرْجِعُ على البائع".
أراد الاسْتِبْعَادَ الذي بَيَّنَّاهُ.
وقد حُكِيَ عن القاضي الحسين: أنَّه أَكْثَرَ البَحْثَ عنه، وأنه قال: لم أَجِدْ عند أَحَدٍ من الجواب ما يَسْتَحِقُّ أن يُحْكَى؛ إلا أني سَأَلْتُ عنه فَقِيهاً من أَصْحَاب أبي حَنِيْفَةَ، إنما يثبت الرُّجُوع؛ لأن البَائِعَ بالبَيْع كأنه ضَمِنَ سَلاَمَةَ المَبِيع للمشتري، وإذا لم يسلم وأُخِذَ منه، كان له أن يَرْجِعَ بحكم الضَّمَانِ الذي تَضَمَّنَهُ البيع.
وقوله: "فلا يَبْعَدُ أن يقال: لا يُرْجَعُ إلا إذا ادَّعَى مِلْكاً سابقاً على شرائه".
ذَكَرَ هذا الكَلاَمَ ذِكْرَ من هو مُبْتَدِئٌ بالشيء، لكنه قد حَكَاهُ في "الوسيط" عن القاضي الحُسَيْنِ.
وكذلك الإِمَامُ وغيرهما -رحمهما الله-.

فرع

: المُشترَى من المُشْتَرِي إذا اسْتَحَقَّ المَالَ في يَدهِ وانْتُزعَ منه ولم يَظْفَرْ ببائعه، هل له أن يُطَالِبَ الأَوَّلَ بالثمن؟ في فَتَاوَى القاضي الحُسَيْنِ أن الأصَحَّ، أنَّه لا يُطَالِبُهُ، ويُشْبِهُ ذلك مَنْ مَاتَ، وعليه دَيْنٌ، وادَّعَى وَارِثُهُ دَيْناً له على غيره، وأَنْكَرَ المُدَّعَى عليه، ونَكَلَ الوارث، هل يَحْلِفُ الغَرِيمُ؟ قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ إِذَا ادَّعَى مِلْكاً مُطْلَقاً فَذُكِرَ الشَّاهِدُ المِلْكَ وَسَبَبَهُ لَمْ يَضُرَّ، وَلَكِنْ لَوْ أَرَادَ التَّرجِيحَ بِالسَّبَبِ وَجَبَ إِعَادَةُ البَيَّنَةِ بَعْدَ الدَّعْوَى لِلسَّبَبِ، وَلَوْ ذَكَرَ الشَّاهِدُ سَبَباً آخَرَ سِوَى مَا ذَكَرَهُ المُدَّعِي تَنَاقَضَتِ الشَّهَادَةُ وَالدَّعْوَى فَلاَ تُسْمَعُ عَلَى أَصْلِ المِلْكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا ادَّعَى مِلْكَاً مُطْلَقاً فَشَهِدَ الشُّهُودُ بالمِلْكِ، وذكروا سَبَبَهُ، لم يَضُرَّ، بخلاف ما إذا ادَّعَى أَلْفاً، فَشَهدَ الشُّهُودُ بِأَلْفَيْنِ، حيث تُرَدُّ شَهَادَتُهُم في الزيادة على الألْفِ، وفي الألف [الأخرى] 1 اختلاف مَذْكُورٌ في باب الإِقْرَارِ.
والفَرْقُ؛ أن ذِكْرَ سَبَبِ المِلْكِ تابع لِلْمِلْكِ، وليس مقصوداً في نَفْسِهِ، بخلاف الأَلْفِ مع الأَلْفِ، فلو أراد المُدَّعِي تَقْدِيمَ بَيِّنَتِهِ بذكر السَّبَب، بِنَاءً على أن ذِكْرَ السَّبَبِ يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ، لم يَكْفِ للترجيح تَعَرُّضُهُمْ للسبب؟ [أَولاً] 2 لوقوعه قبل الدَّعْوَى والاسْتِشْهَادِ، بل يدعي الملك وسببه، وهم يُعِيدُونَ الشَّهَادَةَ، فحينئذ تُرَجَّحَ بَيِّنَتُهُ.
وفيه وجه: أنَّه لا حَاجَةَ إلى إِعَادَةِ البَيَّنَةِ، ويكفي أن تكون الشَّهَادَةُ على ما هو المَقْصُودُ، وَاقِعَةً بعد الدعوى والاسْتِشْهَادِ.
ولو ادَّعَى المِلْكَ، وسَبَبَهُ، وشَهِدَ الشُّهُودُ بالملك، ولم يذكروا السَّبَبَ، قُبِلَتْ شهادتهم؛ لأنهم شَهِدُوا بالمقصود.
ولا تَنَاقُضَ.
ولو ادَّعَى المِلْكَ، وسَبَبَهُ، وذكر الشهود سَبَباً، سِوَى ما ذكره.
فالوَجْهُ الصحيح، إِبْطَالُ شَهَادَتِهِمْ؛ لما بَيْنَهَا وبين الدعوى من التَّنَاقُض.
وقيل: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ على أَصْلِ المِلْكِ، ويَلْغُو ذكر الشهود السبب.
ولو شهد شَاهِدٌ بِأَلْفٍ عن ثَمَنِ مَتَاعٍ، وشاهد بِألْفٍ عن قَرْضٍ، والدعوى مُطْلَقَةٌ، فقد ذكرنا في الإِقْرَارِ؛ أنَّه لا يَثْبُتُ بشهادتهما شَيْءٌ.
وقِيَاسُ الوَجْهِ الثاني على ضَعْفِهِ ثُبُوتُ الألف 3.

فرع

: دَارٌ في يد إنسان، وقد حَكَمَ له حَاكِمٌ بِمِلْكِيَّتِهَا، فجاء خارج وادَّعَى انْتِقَالَ المِلْكِ منه إليه، وشَهِدَ الشُّهُودُ على انْتِقَالِهِ إليه بسبب صحيح، ولم يُبَيِّنُوهُ.
قال القاضي أبو سَعْدٍ: وقعت هذه المَسْأَلَةُ، فأفتى فيها فُقَهَاءُ "همذان" بِسَمَاعِ هذه البَيِّنَةِ، والحُكْمِ بها لِلْخَارج، كما لو عَيَّنُوا السَّبَبَ.
ورأيت في فَتَاوَى المَاوَرْدِيِّ، والقاضي أبي الطيب بخَطِّهِمَا كذلك، قال: وَمَيْلِي إلى أنها لا تُسْمَعُ، ما لم يُبَيِّنُوا، وهو طريقة القَفَّالِ وغيره؛ لأنَ أسباب 1 الانْتِقَالِ مُختَلفٌ فيها بين أهل العِلْمِ، فصار كالشَّهَادَةِ.
على أن فُلاَنًا وَارِثٌ لا تُقْبَلُ ما لم يُبَيِّنُوا جهة الإِرْثِ.
هذا تَمَامُ الكلاَم في تَعَارْضِ البَيِّنَتَيْنِ في الأَمْلاَكِ المُطْلَقَةِ.
والله أعلم بالصواب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي العُقُودِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الأُولَى: إِذَا قَالَ: أكْرَيْتُكَ البَيْتَ بِعَشَرَةٍ وَقَالَ المُكْتَرِي بَلْ كَرَيتَ الدَّار بِالعَشَرَةِ وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً فَالأَصَحُّ أَنْ لاَ تَرْجِيحَ لِأَن هَذِهِ زِيَادَةٌ فِي المَشْهُودِ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا الكِرَاءَ عَشَرَةً وَالآخَرُ عِشْرِينَ فَيَتَعَارَضَانِ وَلاَ يَجْرِي إِلاَّ قَوْلُ التَّهَاتُرِ أَوِ القُرْعَةُ، أَمَّا القِسْمَةُ فَلاَ يُمْكِن إِذِ الزِّيَادَةُ يَدَّعِيهَا أَحَدُهُمَا وَيَنْفِيهَا الآخَرُ وَلاَ يُثْبِتُهَا لِنَفْسِهِ، وَقَوْلُ الوَقْفِ لاَ يُمْكِنُ إِذْ تَفُوتُ المَنَافِعْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال المُكْرِي: أَكْرَيْتُكَ هذا البَيْتَ من الدَّارِ شَهْرَ كذا بعشرة، وقال المُكْتَرِي: بل اكتريت جَمِيعَ الدَّارِ بالعشرة.
فهذا اخْتِلاَفٌ بين المُتَكاريين في قَدْرِ المكري، فإن لم يَكُنْ لواحد منهما بَيِّنَةٌ، فَيَتَحَالَفَانِ، ثم يُفسخ العَقْدُ، أو ينفسخ، على ما تَبَيَّنَ في باب التَّحَالُف، وعلى المُكْتَرِي أُجْرَةُ مِثْلِ ما سَكَنَ من الدَّارِ، أو البيت.
وإن أَقَامَ أحدهما البَيِّنَةَ على ما يَقُولُهُ دُونَ الآخر، قُضِيَ بالبَيِّنَةِ المُقَامَةِ.
وإن أقام كل واحد منهما البَيِّنَةَ، فقولان، ويُقَالُ: وَجْهَانِ؛ لأن الأَوَّلَ منهما من تَخرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أحدهما: ويُحْكَى عن أبي حَنِيْفَةَ: أن بَيِّنَةَ المُكْتَرِي أَوْلَى؛ لاشْتِمَالِهَا على زَيادَةٍ، وهي اكْتِرَاءُ جميع الدَّارِ.
واسْتُشْهِدَ لذلك بما لو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بألفٍ، وبَيِّنَةٌ بألفين، يَثْبُتُ الألفان.
وأصحُّهما: وهو المنصوص: أن البَيِّنَتَينِ مُتَعَارِضَتَانِ، والزِّيَادَةُ المُرَجِّحَةُ هي المُشْعِرَةُ بِمَزِيدِ عِلْمٍ، وُوُضُوحِ حَالٍ في أحد جَانِبَيْ ما فيه التَّنَافي، كاستِنَادٍ إلى سَبَبٍ

وسَبْقٍ وانْتِقَالٍ عن استصحاب أصل، والزِّيَادَةُ فيما نحن فيه لَيْسَتْ كذلك، وإنما هي زيَادَةٌ في المشهود به.
ويُفَارِقُ بَيِّنَةُ الألف وبَيِّنَةُ الألفين، فإنهما لا يَتَنَافيَانِ؛ لأن التي تَشْهَدُ بالألف لا تَنْفِي الألفين 1. وههنا العَقْدُ وَاحِدٌ، وكل كيفية تُنَافِي الكَيفِيَّةَ الأُخْرَى، فيثبت التَّعَارُضُ، فعلى هذا تُخَرَّجُ المسألة على القَوْلَيْنِ في التَّعَارُضِ.
فإن قلنا بالتَّهَاتُرِ، سَقَطَتِ البَيِّنَتَانِ، ورجعتا إلى التَّحَالُفِ.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فيجيء قَوْلُ القُرْعَةِ، وفي الحَلِفِ معها مَا مَرَّ في موضعه.
وعن أبي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ: أنَّه لا يُقْرَعُ؛ لأن القُرْعَةَ إنما يُصَارُ إليها عند تَسَاوِي الجَانِبَيْنِ، ولا تَسَاوِىَ، بل جَانِبُ المُكْرِي أَقْوَى؛ لملك الرَّقَبَةِ، وأما قَوْلاَ القِسْمَةِ والوقوف، فالمشهور أنهما لا يَجِبَانِ.
أما القِسْمَةُ فلوجهين: أحدهما: أن النِّزَاعَ هاهنا في العَقْدِ، والعَقْدُ لا يُتَصَوَّرُ أن يُقَسَّمَ، بخلاف المِلْكِ.
والثاني: وهو المَذْكُورُ في الكتاب: أن القِسْمَةَ إنما تَجْرِي، إذا ادَّعَى كل واحد منهما الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ.
وهاهنا الزِّيَادَةُ يَدَّعِيهَا أَحَدُهُمَا، وَيَنْفِيهَا الآخَرُ، ولا يُثْبِتهَا لنفسه.
وأما الوَقْفُ؛ فلوجهين أيضاً: أحدهما: وهو الذي ذكره أَكْثَرُهُمْ: أن العُقُودَ [لا] 2 توقف على أَصْلِنَا، والنِّزَاعُ هاهنا في العَقْدِ.
والثاني: وهو المَذْكورُ في الكتاب: أن المَنَافِعَ تُفَوَّتُ في مُدَّةِ الوقف، وفي هذه التَّوْجِيهَاتِ تَرَدُّدٌ.
أما الوجه الأول في القِسْمَةِ، فالعَقْدُ غير مَقْصُودٍ في نفسه، وإنما المَقْصْودُ، المعقود عليه، فجاز أن تُرَدَّ القِسْمَةُ على ما فيه التَّنَازُعٌ من المَعْقُودِ عليه، كما لو تَنَازَعَا في مِلْكٍ، وذكر كل واحد منهما: أنَّه اشْتَرَاهُ من فُلاَنٍ وَقْتَ كذا، وأقاما بَيِّنَتَيْنِ.
وأما الثاني: فالقول بأن الزِّيَادَةَ يَنْفِيهَا أَحَدُهُمَا، ولا يُثْبتُهَا لنفسه -ممنوع، بل كُلُّ واحد منهما يَدَّعِيها.
هذا بحكم الإِجَارَةِ، وهذا بحكم ملك 3 الرَّقَبَةِ، وانحصار الإِجَارَةِ في البيت، فلم لا يَكْفِي هذا القدر لِلْقِسْمَةِ؟ وأما الوجه الأول في الوَقْفِ، فإن الوَقْفَ الذي لا نَقُولُ به -هو أن تَتَخَلَّفَ بَعْضُ شُرُوطِ العَقْدِ، فيحكم بانْعِقَادِهِ مَوْقُوفاً إلى أن

يوجد ذلك الشرط، كَإذْنِ المَالِكِ في بيع الفُضُولِيِّ، وليس هذا الوَقْفُ كذلك، بل معنى الوَقْفِ هاهنا: أنا نَتَوَقَّفُ، ولا نُمْضِي حُكْماً، إلى أن ينكَشِفَ الحال، أو يَصْطَلِحَا.
ومثل هذا مَعْهُودٌ في أصولنا.
وأما الثاني: فإنما تفوت المنافع لو عُطِّلت، ويمكن أن يُقَالَ: إن الزِّيَادَةَ تؤجر، وتُوقَفُ الأُجْرَةُ إلى الانْكِشَافِ، والاصْطِلاحَ.
وربما تَوَلَّدَ من هذه الإِشكَالاَتِ قَوْلٌ نَقَلَهُ المَوَفَقُ بْنُ طَاهِرٍ عن رواية المَاسَرْجَسِيِّ: أنَّه تجوز القِسْمَةُ في المِلْكِ، والوَقْفِ في الأُجْرَةِ، وإن 1 اختلف المُتَكَارِيانِ، والزيادة في جَانِبِ المُكْرِي.
بأن قال: أَكْرَيتُكَ كذا بِعِشْرِينَ، وقال المُكْتَرِي: بل أَكْرَيْتَنِيهِ بَعْشَرَةٍ، فقول التَّعَارُضِ بحاله.
وعلى المَحْكِيِّ عن ابن سُرَيْجٍ بَيِّنَةُ المكتري 2 رَاجِحَةٌ للزيادة، ويطرد 3 ما ذكره فيما إذا اخْتَلَفَ المُتَبَايِعَانِ، وأقام كل واحد منهما بَيِّنَةً، وفي إحداهما زَيادَةٌ.
ولو وجدت الزِّيَادَةُ في كل واحد من الجَانِبَيْنِ؛ بأن قال المُكْرِي: أَكْرَيْتُكَ هذا البَيْتَ بعشرين، وقال المُكْتَرِي: بل جَمِيعَ الدَّارِ بعشرة فلابن سريج رأيان 4: أحدهما: الرُّجُوعُ إلى التَّعَارُضِ لِتَقَابُلِ الزيادتين.
وأضعفهما: أنَّه يَأْخُذُ بالزيادة الجانبين، فتجعل جميع الدار تُكْرَى بالعشرين.
وهذا خِلاَفُ قَوْلِ المتداعيين والشُّهُودِ جميعاً.
ثم قال العِرَاقِيُّونَ، والقاضي الرُّوَيانِيُّ، وغيرهم: هذا كُلُّهُ فيما إذا كَانَتِ البَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ، أو إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ.
فأما إذا كَانَتَا مُؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخين مختلفين؛ بأن أَقَامَ أحد المُتَكَارِيَيْنِ بَيِّنَتَهُ على أن كذا مكرى سنة 5 من أَولِ رمضان، وأَقَامَ آخر بَيِّنته على أن كذا مكرى سنة من أول شوال، فأيهما يُقَدَّمُ؟ حكى القَاضِي أبو سَعْدٍ فيه قولين: أحدهما، وهو جَوابُ العراقيين والروياني؛ أن التي هي أَسْبَقُ تَارِيخاً، أَوْلَى؛ لأن السَّابِقَ من العَقْدَينِ صَحِيحٌ لا مَحَالَةَ، فإنه إن سَبَقَ العَقْدُ [على الدار، صح، ولُغِي العَقْدُ الوَارِدُ على البيت بعده.
وإن سَبَقَ العَقْدُ على] 6 البيت صَحَّ، والعقد الوَارِدُ على الدار بعده يَبْطُلُ في البيت، ويُخَرَّجُ في باقي الدَّارِ على الخِلاَفِ في تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، فرجح الأولى بذلك.

والثاني: أن البَيِّنَةَ الأُخْرَى أَوْلَى، وقد يُوَجَّهُ بأن العَقْدَ الثاني نَاسِخٌ للأول، وربما تخللتها 1 إِقَالَةٌ وعن صاحب "التقريب" وغيره: أن مَوْضِعَ هذين القولين ما إذا لم يَتَّفِقَا على أنَّه لم يَجْرِ إلا عَقْدٌ وَاحِدٌ، فإن اتَّفَقَا عليه، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ أيضاً.
ولك أن تَقُولَ: وجب أن يُقَالَ: مَوْضِعُ التَّعَارُضِ في البَيِّنَتَيْنِ المُطْلَقَتَيْنِ، وفي اللَّتَيْنِ إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ أيضاً -ما إذا اتَّفَقَا على أنَّه لم يَجْرِ إلا عَقْدٌ واحد، فإن لم يَتَّفِقَا عليه، فلا تَنَافِيَ بين البَيِّنَتَيْنِ؛ لجواز أن يكون تَارِيخُ المطلقتين مُخْتَلِفاً.
وأن يكون تَارِيخُ المُطْلَقَةِ غَيْرَ تَارِيخِ المُؤَرَّخَةِ، وإذا لم يكن تَنَافٍ، ثبت أَكْثَرُ الزِّيَادَةِ بالبَيِّنَةِ الزائدة.
وقوله في الكتاب: "فالأصح ألا ترجيح" مُعَلمٌ بالحاء لما سبق.
وقوله: "وكذلك إذا ادَّعَى أحدُهمَا الكراء 2 بعشرة... " إلى آخره، يعني الأَصَحَّ في هذه الصورة أيضاً، أنَّه لا تَرْجِيحَ، بل يَتَعَارَضَانِ في الصورتين.
وقوله: "أو القرعة" مُعَلمٌ بالواو، لما ذكرنا عن ابْنِ سَلَمَةَ.
وأيضاً فالذَّاهِبُونَ إلى القِسْمَةِ، أو الوَقْفِ في صورة التَّعَارُضِ، منهم من يرجح 3 إلى التَّسَاقُطِ عند تَعَذُّرِهِمَا لا إلى القُرْعَةِ.
وقوله: "أما القِسْمَةُ فلا يمكن".
وقوله: "وقول الوَقْفِ لا يمكن" مُعَلَّمَانِ بالواو، لرواية المَاسَرْجَسِيِّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ ادَّعَى رَجُلاَنِ دَاراً فِي يَدِ ثَالِثٍ يَزْعُمُ كُلُّ وَاحِدٍ أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَوَفَّرَ الثَّمَنَ، فَإِنْ سَبَقَ تَارِيخُ أَحَدِهِمَا قُدِّمَ، وَإِلاَّ جَرَتِ الأَقْوَالُ الأَرْبَعَةُ، لَكِنْ إِذَا لَمْ يُسَلَّمْ لِأَحَدِهِمَا شَيْءٌ مِنَ الدَّارِ إمَّا بِقرْعَةٍ أَوْ قِسْمَةٍ رُجِعَ إلَى الثَّمَنِ إِذْ لاَ تَضَادَّ فِي اجْتِمَاعِ الثَّمَنَيْنِ، فَلَوْ قَضَيْنَا بِالقِسْمَةِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ خِيَارُ الفَسْخِ فَإذَا فُسِخَ أَحَدُهُمَا رَجَعَ إلَى الثَّمَنَ وَكَانَ لِلآخَرِ أَخْذُ جَمِيعِ الدَّارِ، وَفِي المَسْأَلَةِ قَوْلٌ خَامِسٌ أنَّهُ يَسْتَعْملُ البَيِّنَةَ فِي فَسْخِ العَقْدَيْنِ لِتَعَذُّرِ الإِمْضَاءِ، فَيَرْجَعَانِ إلَى الثَّمَنَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: دَارٌ في يد رجل، جاء اثْنَانِ، ادَّعَى كُلُّ واحد منهما أَنِّي اشْتَرَيْتُهَا من صَاحِب اليَدِ بكذا، وَوَفَّرت الثَّمَن، وطَالَبَهُ بتسليم الدَّارِ، فَيُنْظَرُ: إن أَقَرَّ لأحدهما سُلِّمَتِ الدَّارُ إليه، وهل للآخر تَحْلِيفُهُ؟ قال الشيخ أبو الفَرَجِ: إن قلنا: إن إِتْلاَفَ البَائِعِ كَآفَّةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فليس له

تَحْلِيفُهُ 1؛ لأن قَضِيَّةَ قوله: إن البيع قد انْفَسَخَ بِتَفْوِيتِ البَائِعِ عليه.
وإن قُلْنَا: [إنه] 2 كَإِتْلاَفِ الأَجْنَبِيِّ، وأَثْبَتْنَا الخِيَارَ فأجاز، وأَرَادَ أن يَطْلُبَ من البائع قِيمَتَهُ، فَيُبْنَى التَّحْلِيفُ على الخِلاَفِ في أنَّه لو أَقَرَّ لِلثَّانِي بعد الإِقْرَارِ الأَوَّلِ، هل يُغَرَّمُ؟ وقد سَبَقَ نظيره، ولا تَمْتَنِعُ دَعْوَى الثَّمَنِ على الآخر؛ فإنه كهَلال المبيع قبل القَبْضِ في زَعْمِهِ، وإن أَنْكَرَ ما ادَّعَيَا، ولا بَيِّنَةَ، حلف لكل وَاحِدٍ منهما يَمِيناً، وقُرِّرَتِ الدَّارُ في يده 3. وإن أقام أحَدُهُمَا بَيِّنَةً سُلِّمَتِ الدَّارُ إليه، وليس للآخر تَحْلِيفُهُ، لِتَغْرِيم العَيْنِ؛ فإنه لم يفوتها عليه، وإنما أُخِذَت بالبينة 4 وله دَعْوَى الثَّمَنِ.
وإن أقام كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، نظرنا، فإن كانا مُؤَرَّخَتَيْنِ بتَارِيخَيْنِ مختلفين، قُضِيَ بأسْبَقِهِمَا تَارِيخاً؛ لأنه إذا بَاعَ من أحدهما، لم يَتَمَكَّنْ من البَيْع من الثاني، وإن لم يكونا كذلك، فأما أن يَسْتَمِرَّ صَاحِبُ اليد على الإِنْكَارِ والتَّكْذِيبِ، أوَ يُصَدَّقَ بعد قِيَامِ البَيِّنَتَيْنِ.
أحدهما الحالة الأولى: إذا اسْتَمَرَّ على التَّكْذِيب، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ، فإن قلنا: بالتَّهَاتُرِ سَقَطَتَا، وحَلَفَ المُدَّعَى عَلَيْهِ لكل وَاحِدٍ منهمَا، كما لو لم يكن بَيِّنَةٌ، وهل لهما اسْتِرْدَادُ الثَّمَنِ؟.. فيه وَجْهَانِ مَنْقُولاَنِ في "الإِبَانَةِ": أحدهما: لا؛ لحكمنا بِسُقُوطِ البَيِّنَتَيْنِ.
وأظهرهما: نعم؛ لأن بَيِّنَةَ كُلِّ واحد منهما شَهِدَتْ بِتَوَفُّرِ الثمن، وإنما يَسْقُطَانِ فيما فيه التَّعَارض، وهو رَقَبَةُ الدَّارِ دون الثَّمَنَيْنِ، وهذا إذا لم تَتَعَرَّضِ البَيِّنَةُ لقبض المَبِيعِ.
فإن فُرِضَ التَّعَرُّضُ له، فلا رُجُوعَ بالثَّمَنِ؛ إذ العَقْدُ قد اسْتَقَرَّ بالقَبْضِ، وليس على البَائِعِ عُهْدَةُ ما يحدث بعده.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فالأَشْهَرُ، أنَّه لا يجيء قَوْلُ الوَقْفِ، بِنَاءً على أن النِّزَاعَ في العَقْدِ والعُقُود لا توقف.

والأَوْجَهُ، وهو المذكور في الكتاب مَجيئُهُ لأنا لا نُوقِفُ نَفْسَ العَقْدِ، وإنما نحن نَتَوَقَّفُ؛ ليَنْكَشِفَ الحَالُ على مَا مَرَّ.
وعلى هذا تُنْتَزَعُ الدَّارُ منه.
قال الإِمَامُ: وكذا الثَّمَنَانِ، ويُوقَفُ الكل.
وإن قُلْنَا: بالقُرْعَةِ، فمن خرجت له القُرْعَةُ تُسَلَّمُ إليه الدَّارُ بالثَّمَنِ الذي سَمَّاهُ، والآخَرُ يسترد الثَّمَنَ الذي أَدَّاهُ.
وإن قلنا: بالقِسْمَةِ، فلكل واحدٍ منهما نِصْفُ الدَّارِ بنصف الثَّمَنِ الذي سماه، ولكل واحد منهما خِيَارُ الفَسْخِ؛ لأنه لم يُسَلِّمْ له جَمِيعَ ما اشْتَرَاهُ، فإن فَسَخَا جَمِيعاً، اسْتَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ منهما جَمِيعَ الثَّمَنِ المَشْهُودَ به.
وإن أَجَازَا [جميعاً] 1 اسْتَرَدَّ كُلُّ واحد منهما نِصْفَ الثمن المَشْهُودِ به؛ بِنَاءً على الصحيح.
وهو أن الإجَازَةَ بالقِسْطِ، لا بجميع الثَّمَنِ.
ويجوز أن يُجِيزَ أَحَدُهُمَا، ويَفْسَخَ الآخر، وَيَسْتَرِدَّ جميع الثمن، ثم إن سَبَقَتِ الإِجَازَةُ الفَسْخَ، رَجَعَ المُجِيزُ بنصف الثَمَنِ، ولم يكن له أن يَأْخُذَ النِّصْفَ المَرْدُودَ، ويَضمه إلى ما عنده؛ لأنه حين أَجَازَ، رَضِيَ بالنصف.
وإن سَبَقَ الفَسْخُ الإِجَازَةَ، فهل لِلْمُجِيزِ أَخْذُ الجميع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنا نَتَكَلَّمُ على قَوْلِ القِسْمَةِ، [ولا يَأْخُذُ كُلُّ واحد منهما إلا ما تَقْتَضِيهِ القِسْمَةُ] 2، والمَرْدُودُ يَعُودُ إلى البَائِعِ.
وأظهرهما: وبه أجاب العِرَاقِيُّونَ: له ذلك؛ لأن بَيِّنَتَهُ قد قَامَتْ على الكُلِّ، وإنما لم يأخذ الكل لِمُزَاحَمَةِ الآخر، فإذا انتفت 3 زحمته أخذ، وليس كالصُّورَةِ السَّابِقَةِ؛ فإنه قَنَعَ هناك بالنِّصْفِ، وانفصل أمره 4. وبالقول الآخَرِ وهو القِسْمَةُ، أجاب الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في هذه المسألة، ورَوَى الرَّبِيعُ قَوْلاً آخَرَ في المسألة: وهو أن البَيْعَيْنِ مَفْسُوخَانِ ويرجع إلى قول المدعى عليه، فيقضي [بموجب قوله] 5 وامْتَنَعَ جَمَاعَةٌ من الأَصْحَاب مِن إِثْبَاتِهِ قَوْلاً للشافعي -رضي الله عنه-، منهم من خَطَّأَهُ، ومنهم من قال: هو من كيسَه وتخريجه.
الحالة الثانية: إذا صَدَّقَ صَاحِبُ اليد أَحَدَ المُتَدَاعِيَيْنِ وشهوده، فعلى قول التَّهَاتُرِ، تُسَلَّمُ الدَّارُ إلى المُصَدّقِ، وهو كما لو لم تكن بَيِّنَةٌ، وأقر لأحدهما.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فوجهان -قال ابن سُرَيْجٍ يقدم من صدقه البائع؛ لأن الدَّارَ

في يَدِهِ، فمن صدقه كأنه نَقَلَ إليه يده، فَتَجْتَمِعُ البَيِّنَةُ واليد.
والأصَحُّ المَنْعُ؛ لاتِّفَاقِ البَيِّنَتَيْنِ على إِسْقَاطِ يده، وانْتِزَاعِ المَالِ منه باتِّفَاقِ الأَقْوَالِ.
واليد المُزَالَةُ لا تَقْتَضِي تَرْجِيحاً، فعلى هذا الحُكْم كما لو لم يصدق وَاحِد [منهما] 1 وَقَدَّمَاهُ، ثم اعرف شيئين: أحدهما: أن الأَصْحَابَ لم يُفَرِّقُوا فيما إذا لم تَكُنِ البَيِّنَتَانِ مُؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخين مختلفين وبين أن يكونا مُطْلَقَتَيْنِ، أو مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ واحد، أو إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ، بل صَرَّحُوا بالتَّسْوِيَةِ.
إلا أن أبا الفَرَجِ الزَّاز اسْتَدْرَكَ فقال: هذا إذا لم نُقَدِّمِ البَيِّنَةَ المُؤَرَّخَةَ على المُطْلَقَة، فإن قَدَّمْنَاهَا، قَضَيْنَا لصاحب البَيِّنَةِ المُؤَرَّخَةِ، ولا تجيء الأَقْوَالُ 2. والثاني: خَصَّصُوا الوَجْهَيْنِ في أن تَصْدِيقَ صَاحِب اليد، هل يَقْتَضِي التَّرْجِيحَ؟ بما إذا فرغنا على قَوْلِ اسْتِعْمَالِ البَيِّنتَيْنِ.
وأما على قول التَّهَاتُرِ، فلم يُفَرِّقُوا بين أن يصدق، أو لا يصدق.
كما حَكَيْنَا، ولكن قِيَاسُ جَعْلِ التصديق مَرَجِّحاً، أن يُقَالَ: يترجح 3 جانب من صَدَّقَهُ، وليست حَالَهُ التَّصْدِيقِ مَوْضِعَ خِلاَفِ التَّهَاتُرِ والاستعمال، كاليَدِ وسَائِرِ ما يوجب التَّرْجِيحَ.
ولْنَعُدْ إلى لفظ الكتاب قوله: "إذا ادَّعَى رجلان دَاراً... " إلى آخره، وليس في التَّصْوِيرِ ذِكْرُ إِقَامَةِ كل واحد منهما البَيِّنَةَ على ما ادَّعَاهُ، فلا بد من تقديره 4. وقوله: "وإذا جَرَتِ الأقوال الأربعة"، يريد بها التَّسَاقُطَ، والوَقْفَ، والقُرْعَةَ، والقِسْمَةَ.
ولْيَعْلَمْ بالواو لما حكينا في الوَقْفِ.
وأيضاً فَعَنِ الشَّيْخ أبي محمد أن قول القُرْعَةِ، لا يجري، إلا إذا تَحَقَّقْنَا صِدْقَ أحدهما، وكَذِبَ الآخر؛ بأن أُرِّخَا بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ.
فأما إذا احْتُمِلَ أن يكونا صَادقين، فإن أَطْلَقَا، أو أطلق أَحَدُهُمَا، وأَرَّخَ الآخر، فإنه لا يَجْرِي.
وأيضاً فقد ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ رُكْنِ البَيِّنَةِ طُرُقاً في موضع الأقوال؛ منها ما ينفي 5 اجتماع الأَقْوَالِ الأرْبَعَةِ هاهنا وقوله: "فإذا فسخ 6 أحدهما رَجَعَ إلى الثَّمَنِ، وكأن الآخَرَ، أخذ جَمِيعَ الدار"، المراد منه ما إذا تَقَدَّمَ الفَسْخُ.

وقوله: "أخذ جَمِيعَ الدَّارِ" مُعَلَمٌ بالواو؛ للوجه الذي ذَكَرْنَاهُ.
وقوله: "في المسألة قول خامس"، مُعَلَمٌ بالواو؛ لما عَرَفْتَ أن من الأَصْحَابِ من لم يُثْبِتْهُ.
ولفظ الكتاب في حكايته هذا القَوْلِ مُصَرَّحٌ بِفَسْخِ العَقْدَيْنِ، لكن الأَثْبَتَ من رواية هذا القَوْلِ، بُطْلاَنُ العَقْدَيْنِ، لا إنشاء الفسخ.
قال الفَارِسِيُّ في "عيون المسائل": قال الربيع في موضع آخَرَ: إن البَيْعَ فَاسِدٌ، وهو أَوْلَى.
فأطلق لفظ الفَسَادِ، وهو الذي أَرَادَ من نقله؛ أنَّه مَفْسُوخٌ.
والشافعي -رضي الله عنه- كثيراً ما يُطْلِقُ لَفْظَ المَفْسُوخِ، ويريد به البَاطِلَ.

فرع

: عن الشيخ أبي عَاصِمٍ: أنَّه لو تَعَرَّضَتْ إحدى البَيِّنتَيْنِ لكون الدَّارِ مِلْكاً للبائع وَقْتَ البيع، أو لكونها مِلْكاً للمشتري اليَوْمَ، كانت مُقَدَّمَةً، وإن لم يَذْكُرَ تَارِيخاً، وأنه لو كانت في إِحْدَى البَيِّنَتَيْن ذِكْرُ نَقْدِ الثَّمَنِ دون الأخرى، كانت مُقَدَّمَة على الأخرى، سَوَاءً كانت سَابقَةً، أو مَسْبُوقَةً 1؛ لأن التي تَتَعَرَّضُ لِنَقْدِ الثَّمَنِ تُوجِبُ التَّسْلِيمَ، والأُخْرَى لا تُوجِبُهُ؛ لِبَقَاءِ حَقِّ الحَبْسِ للبائع، فلا تَكْفِي المُطَالَبَةُ بالتسليم.

فرع: دَارٌ في يد إِنْسَانٍ جاء اثْنَانِ يَدَّعِيَانِهَا، قال أحدهما: اشْتَرَيْتُهَا من زيد، وهو يَمْلِكُهَا.
وقال الآخر: اشْتَرَيتُهَا من عمرو، وهو يَمْلِكُهَا، [وكان] أو نَسِيَا معاً الشِّراء إلى شَخْصٍ وَاحدٍ، وأَقَامَ كُلُّ واحد بَيِّنَةً على ما يقوله، فهما مُتَعَارِضَتَانِ، فإن قُلْنَا: بالتَّسَاقُطِ، فكأنه لا بَيِّنَةَ، ويحلف صَاحِبُ اليد لكل واحد يَمِيناً.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، ففي مَجِيءِ قَوْلِ الوَقْفِ الخِلاَفُ الذي سَبَقَ، ويجيء قَوْلاَ القُرْعَةِ، والقِسْمَةِ، والتفريع كما سبق، إِلاَّ أَنَّ على قَوْلِ القِسْمَةِ إذا اختار أَحَدُهُمَا فَسْخَ العَقْدِ، والآخر إِجَازَتَهُ.
لم يكن لِلْمُجِيزِ أَخْذُ النصفِ الآخر [سواء] 2 تقدم الفَسْخُ، أو تَقَدَّمَتِ الإِجَازَةُ، إذا ادعيا الشِّرَاءَ من شخصين؛ لأن المَرْدُودَ يَعُودُ إلى غير من يَدَّعِي المُجِيزُ الشِّرَاءَ منه؛ فكيف يَأْخُذُهُ.
وحيث قلنا بِثُبُوتِ الخِيَارِ على قول القِسْمَةِ، فذلك إذا لم تَتَعَرَّضِ البَيِّنةُ لقبض المَبِيعِ، ولا اعْتَرَفَ به المُدَّعِي، إلا فإذا جَرَى القَبْضُ، استَقَرَّ العَقْدُ، وما يحدث

بعده، فليس على البَائِع عُهْدَتُهُ 1، وإنما شَرَطْنَا في صُورَةِ الفَرْع أن يقول كل واحد منهما وهو يَمْلِكُهَا؛ لأن من ادَّعَى مَالاً في يَدِ إِنْسَانِ، وقال: اشْتَرَيْتُهُ من فلان، لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حتى يقول [اشتريته منه] 2 وهو يملكه، ويقوم مقامه، أن يقول: وتَسَلَّمْتُهُ منه، أو سَلَّمَهُ إِلَيَّ؛ لأن الظَّاهِرَ أنَّه إنما يَتَصَرَّفُ بالتسليم فيما يَمْلِكُ.
وفي دَعْوَى الشراء من صَاحِبِ اليَدِ لا يحتاج أن يقول: وأنت تملكه، ويكتفي بأن اليد تَدُلُّ على المِلْكِ 3، وكذلك يشترط 4 أن يقول الشَّاهِدُ [في الشهادة] 5: اشْتَرَاهُ من فُلاَنٍ، وهو يَمْلِكُهُ، أو اشْتَرَاهُ، وتَسَلَّمَهُ منه، أو سَلَّمَهُ هو إليه.
قال الإمَامُ: ويجوز أن يُقِيمَ شُهُوداً على أنَّه اشْتَرَى من فُلاَنٍ، وآخرين على أن فُلانَاً كان يَمْلِكُهُ، إلى أن بَاعَ منه، لكن الآخرين إنْ شهدوا هكذا، فقد شَهِدُوا على البَيْعِ والمِلْكِ.
وكان المُرَادُ، ما إذا أقام شُهُوداً على أنَّه اشْتَرَى منه وَقْتَ كذا، وآخرين على أنَّه كان يَمْلِكُ إلى وَقْتِ كذا.
وإذا أَقَامَ أحد المدعيين 6 بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَى الدَّار من فلان، وكان يَمْلِكُهَا، وأَقَامَ الآخَرُ البَيِّنَةَ على أنَّه اشْتَرَاهَا من مُقِيمِ البَيِّنَةِ الأولى، يُحْكَمُ ببينة 7 الثاني، ولا يحتاج أن يقول المقيم البَيِّنَةِ وأنت تَمْلِكهَا.
كما لا يحتاج أن يقوله لِصَاحِبِ اليَدِ؛ لأن البَيِّنَةَ تَدُلُّ على المِلْكِ، كما أن اليَدَ تَدُلُّ عليه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ: أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَيْهِ أَلفاً مِنْ ثَمَنِ دَارٍ فِي يَدِهِ، فَالصَّحِيحُ (و) أَنْ لاَ تَعَارُضَ وَيَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ في ذِمَّتِهِ، إلاَّ إِذَا عَيَّنَّا وَقْتَاً يَسْتَحِيلُ فِيهِ تَقْدِيرُ عَقْدَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المَسْأَلَةُ غير الثانية؛ هناك ادَّعَى اثْنَانِ شِرَاء ما في يَدِهِ منه، وكل [يطالب به هاهنا ادَّعَى اثْنَانِ بَيْعَ ما في يَدِهِ منه، وكُلُّ] 8 يُطَالِبُهُ بِالثَّمَنِ؛ وصورتها دَارٌ في

يَدِ إِنسان، جاء اثْنَانِ، فقال كُلُّ واحد منهما: بعْتُ منك هذه الدَّارَ، وكانت مِلْكِي بكذا، فَأَدِّ الثَّمَنَ.
فإن أَقَرَّ لهما، طُولِبَ بالثَّمَنَيْنِ.
وإن أَقَرَّ لأحدهما، طُولِبَ بالثَّمَنِ الذي سَمَّاهُ، وحَلَفَ الآخَرُ 1. وإن أنكر ما ادَّعَيَاهُ، ولا بَيِّنَةَ، حلف لهما يَمِينَيْنِ.
وإن أَقَامَ أحدهما البَيِّنَةَ، قُضِيَ له، وحَلَفَ للآخر.
وإن أَقَامَ كُلُّ واحد منهما البَيِّنَةَ، فَيُنْظَرُ إن أُرِّخَتَا بتَارِيخَيْنِ مختلفين، فعليه الثَّمَنَانِ؛ لإِمْكَانِ اجتماعهما.
وإن أُرِّخَتَا بتَارِيخٍ وَاحِدٍ، بأن عُيِّنَا أَوَّلَ الطُّلُوع، أو الزَّوَالِ، فهما مُتَعَارِضَتَانِ؛ لامتناع كَوْنِ الشيء الوَاحِدِ مِلْكاً في وَقْتٍ واحد، لهذا وحده، ولهذا وحده، فعلى قول التَّهَاتُرِ كأنه لا بَيِّنَةَ.
وعلى قول القُرْعَةِ، يُقْرَعُ، فمن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، قُضِيَ له بالثَّمَنِ الذي شَهِدَ به شهوده، وللآخر تَحْلِيفُة لا مَحَالَةَ؛ لأنه لو اعْتَرَفَ به بعد ذلك، لَزِمَهُ.
وعلى قول القِسْمَةِ لكل واحد منهما نِصْفُ الثَّمَنِ الذي سَمَّاهُ، وكأن الدَّارَ كانت لهما، فَبَاعَاهُ بِثَمَنَيْنِ مختلفين، أو مُتَّفِقَيْنِ.
وفي مجيء قول الوقف الخِلاَفُ السَّابِقُ، والظاهر مَجِيئُهُ.
وإن كانت البَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أو إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ، فوجهان: أصحهما: عند صاحب الكتاب والإمَام: أنهما كالمُؤَرَّخَتَيْنِ بتاريخين مختلفين، ويلزمه 2 الثَّمَنَانِ؛ لأن التَّنَافِيَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، والَعَمَلُ بكل واحد من البَيِّنَتَيْنِ مُمْكِنٌ.
والثاني: أنهما كالمُؤَرِّخَتَيْنِ بِتَاريخٍ واحد؛ لأنهما رُبَّمَا شهدا 3 [على] 4 البيع في وَقْتٍ وَاحِدٍ، والأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ المُشْتَرِي، فلا يُؤَاخَذُ إلا باليَقِينِ.
قال القاضي ابْنُ كَجٍّ: وبهذا قال القَاضِي أبو حَامِدٍ، وأبو الحسين وغيرهما، وَوَجَّهَهُ أيضاً: بأن المدعيين مُتَّفِقَانِ [على أنَّه] 5 لم يَجْرِ إلا بَيعَةٌ واحدة منهما، وكُلٌّ منهما يقول: أنا صَاحِبُهَا.
فعلى هذا يَعُودُ خِلاَف التَّعَارُضِ.
وحكى الشيخ أبو حَاتِمٍ القزويني طَرِيقَةً أُخْرَى قَاطِعَةً بالوجه الأول؛ وذكر هو، وأبو الفَيَّاضِ: إن مِنَ الأصحاب

من قال: إن شهدت البَيِّنَتَانِ على الإقباض مع البَيْعِ، وجب الثَّمَنَانِ لا مَحَالَةَ.
ولو قامت البينتان على إقْرَارِ المدعى عليه بما ادَّعَيَا، فالأَظْهَرُ أن الحُكْمَ كما لو قَامَتَا على البيعين نفسهما.
فَيُنْظَرُ أَقَامَتَا على الإِقْرَارِ مُطْلَقاً، أو على الإِقْرَارِ بالشِّرَاءِ من زَيْدٍ في وَقْتٍ، ومن عمرو كذلك؟ وقيل يجب الثَّمَنَانِ، وإن كانتَ الشَّهَادَةُ على الإِقْرَارَيْنِ مطلقاً، بخلاف الشَّهَادَةِ على البَيْعَيْنِ مطلقاً؛ لأن الشَّهَادَةَ على الإِقْرَارِ [مطلقاً] قد يثبت بها ما لا يَثْبُتُ بالشهادة على نَفْسِ المُقَرِّ به، ألا تَرَى أنَّه لو قَامَتْ بَيِّنَةٌ على إِقْرَارِهِ بالغَصْب من زيد، وأُخْرَى على إِقْرَارِهِ بالغَصْبِ من عمرو يَلْزَمُهُ قِيمَتَانِ؟ ولو قامتا على نَفْسِ الغَصْبِ من زيد، والغَصْب من عمرو كانتا متعارضتين (1)؟ فإذا اسْتَعْمَلْنَاهُمَا، لم يجب إلا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ.
وقوله في الكتاب: "فالصحيح ألا تَعَارُضَ... " إلى قوله: "يستحيل فيه تقدير عَقْدَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ".
أشار إلى أن التَّعَاقُبَ المُلْزِمَ للثمنين، يَفْتَقِرُ إلى زَمَانٍ يُفْرَضُ فيه العَقْدُ الأول، ثم الانْتِقَالُ من المشتري إلى البَائِع الثاني، ثم العَقْدُ الثاني، فإذا عين الشُّهُودُ وَقْتاً، لا يَتَأتَّى فيه ذلك.
لم يُتَصَوَّرْ لُزُومُ الثَّمَنَيْنِ، وحَصَلَ التَّنَافِي، وفيما عدا ذلك حُكِمَ بِلُزُومِ الثَّمَنَيْن.
[ويدخل فيه ما إذا أُرِّخَتَا بِتَارِيخيْنِ ولا خلاف في لزوم الثَّمَنَيْنِ] (2) فيه، وما إذا أُطْلِقَت إحداهما، وأُرِّخَتِ الأخرى، وفيه الخِلاَفُ الذي سَبَقَ.
قال الإِمام: ولو شهد شَاهِدَانِ على أنَّه بَاعَ من فُلاَنٍ سَاعَةَ كذا، وشَهِدَ آخران على أنَّه في تلك الحَالَةِ كان سَاكِناً، أو شَهِدَ اثْنَانِ على أنَّه قَتَلَ فلاناً سَاعَةَ كذا، وشهد آخر على أنه كان [سَاكِناً] (3) في تلك السَّاعَةِ، لا يَتَحَرَّكُ، ولا يَعْمَلُ شَيْئاً، ففي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الثانية خِلاَفٌ للأصحاب؛ لأنها شَهَادَةٌ على النَّفْي وإنما تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ على النَّفْي في المَضَايِقِ، وأَحْوَالِ الضَّرُورَاتِ، فإن سَمِعْنَاهُ فَيتصف (4) التعارض بهذا الطَّرِيقِ أيضاً.

فرعان

: أحدهما: ذكر الأكثرون في صُورَةِ المَسْأَلَةِ: أن يقول كل واحد منهما: بِعْتُ منك كذا، وهو مِلْكِي.
وكذلك لَفْظُ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وهو مُوَافِقٌ لما مَرَّ؛ أنَّه إذا ادَّعَى الشِّرَاءَ عن صَاحِب اليَدِ، يقول: اشْتَرَيْتُهُ منه، وهو ملكي 5. وفي "تتمة الجامع الصغير" لأبي الفَيَّاضِ، أنَّه لا فَرْقَ بين أن يَقُول كل واحد: [و] 6 هو مِلْكِي، أو لا يقول.1234

والثاني: إذا قلنا بالقِسْمَةِ عند تَعَارُضِ البَيِّنَتَيْنِ في المَسْأَلَةِ فقسم الثمن، لم يكن لصاحب اليد الخِيَارُ؛ لأنه يَحْصُلُ له تَمَامُ البَيْع، ولا غَرَضَ له في عين 1 البائع.
وعن أبي الحُسَيْنِ بن القَطَّانِ ثُبُوتُهُ؛ لأنه قد يَرْضَى بِمُعَامَلَةِ وَاحِدٍ، ولا يرضى بِمُعَامَلَةِ اثْنَيْنِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: ادَّعَى عَبْدٌ أَنَّ مَوْلاَهُ أَعْتَقَهُ وَادَّعى آخَرُ أَنَّ مَوْلاَهُ بَاعَهُ مِنْهُ فَالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ وَلاَ يُقَدَّمُ (ز) جَانِبُ العَبْدِ بِتَقْدِير أنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَعَلَى قَوْلِ القِسْمَةِ يُعْتَقُ نِصْفُ العَبْدِ وَلاَ يَسْرِي (و) لأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ قَهْراً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عَبْدٌ في يَدِ رَجُل؛ ادَّعَى أن مَوْلاَهُ أَعْتَقَهُ، وادَّعَى آخر أنَّه باعه منه بكذا، وأَنْكَرَ صَاحِبُ اليد ما ادعياه 2، ولا بَيِّنَةَ، حَلَفَ لهما يَمِينَيْنِ، وإن أَقَرَّ بالعِتْقِ، ثَبَتَ العِتْقُ، ولم يكن للمشتري تَحْلِيفُهُ، إن قلنا: إن إِتْلاَفَ البائع كَالآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ؛ لأنه بالإِقْرَارِ بالعِتْقِ مُتْلِفٌ قبل القبض، فَيَنْفَسِخُ البَيْعُ.
نعم لو ادَّعَى تَسْلِيمَ الثَّمَنِ، حَلّفَهُ له.
وإن أقر بالبيع قُضِيَ به، ولم يكن لِلْعَبْدِ تَحْلِيفُهُ؛ لأنه وإن اعْتَرَفَ به، لم يُقْبَلْ، ولم يلزمه غُرْمٌ.
قال القاضي الروياني: ولا يوجد مَوْضِعٌ يقر لأحد المُدَّعِيَيْنِ، ولا يَحْلِفُ للآخر قَوْلاً واحداً، إلا هذا 3. وإن أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً، نُظِرَ؛ إن أُرِّخَتَا بِتَاريخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، قُضِيَ بِأَسْبَقِهِمَا تَارِيخاً.
وإن أُرِّخَتَا بتاريخ واحد، فهما مُتَعَارِضَتَانِ، وفيهما القَوْلاَنِ، فإن قُلْنَا: بالتَّهَاتُرِ، فالحُكْمُ كما لو لم تكن بَيِّنَةٌ.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، ففي مَجِيءِ قَوْلِ الوَقْفِ الخِلاَفُ السابق.
وإن قلنا: بالقُرْعَةِ، قُضِيَ لمن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ.
وعن ابن سُرَيْجٍ أنَّه يُقَوَّى في هذه الصُّورَةِ قَولُ القُرْعَةِ؛ لاشْتِمَالِ الخُصُومَةِ على دَعْوَى العِتْقِ.
وإن قلنا: بالقِسْمَةِ، عُتق نِصْفُ العَبْدِ، ونصفه لمدعي الشراء بنصف الثَّمَنِ.
وله الخِيَارُ؛ لأنه لم يسلم له جميع ما اشتراه.
فإن فَسَخَ، فالمَشْهُورُ أنه يعتق النِّصْفُ الآخر أيضاً؛ لأن البَيِّنَةَ قامت على أنه أَعْتَقَ الجَمِيعَ.
وإنما لم يُحْكَمْ بموجبها لِزَحْمَةِ مُدَّعِي الشراء، فإذا انْقَطَعَتْ زَحْمَتُهُ، حُكِمَ به.

وفيه وَجْهٌ آخر، أنه لا يعتق؛ لأن قَضِيَّةَ القِسْمَةِ اقْتِصَارُ العِتْقِ على النصف.
وإيراد "التهذيب" يُشْعِرُ بِتَرْجِيح هذا الوجه وإن أَجَازَ مُدَّعِي الشراء، فإن كان المُدَّعَى عَلَيْهِ مُعْسِراً، لم يَسْرِ العِتْقُ إليه، وإن كان مُوسِراً فقولان؛ أو وجهان: أحدهما: أن الجَوَابَ كذلك؛ لأنه عِتْقٌ مَحْكُومٌ به قَهْراً، كما إذا وَرِثَ بعض قريبه 1 يُعْتَقُ عليه، ولا يَسْرِي.
والثاني: لقيام البَيِّنَةِ على أنَّه أَعْتَقَ باختياره.
والأوَّلُ هو المَذْكُورُ في الكتاب.
والثاني -أَصَحُّ عند القَاضِي الروياني.
ونقل أبو الفَيَّاضِ وغيره وَجْهاً؛ أن قَوْلَ القِسْمَةِ لا يَجْرِي هاهنا تَحَرُّزاً من تَبْعِيضِ العِتْقِ.
وقال المزنى: القِيَاسُ عندي، تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ العِتْقِ؛ لأن العَبْدَ في يد نَفْسِهِ، وَبَيِّنَةُ صاحب اليد مُقَدَّمَةٌ، وخرج هذا قَوْلاً للشافعي -رضي الله عنه-.
لكن الأصحاب ضَعَّفوهُ، وامْتَنَعُوا من إِثبَاتِهِ قَوْلاً، وقالوا: إنما يكون في يَدِ نَفْسِهِ، أن لو ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ، والكَلاَمُ فيه؛ لأنه لو كَانَ في يَدِ نَفْسِهِ، لكانت الدَّعْوَى عليه على السَّيِّدِ، ولو كانت البَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَانِ، أو إحداهما مُطْلَقَةٌ، والأخرى مُؤَرَّخَةٌ.
فالحكم كما لو أُرِّخَتَا بِتَارِيخٍ واحد.
وحكى الإِمام طَرِيقَةً قَاطِعَةً؛ بأنه لا يَجْرِي قَوْلُ التَّهَاتُرِ؛ لأن صِدْقَهُمَا ممكن، بأن باع صاحب اليَدِ من مدعي الشِّرَاءِ، ثم انْتَقَلَ منه إلى صَاحِبِ اليَدِ، ثم أعتق.
وهذا حدُّ الطرق المذكورة من قَبْلُ في موضع أقوال التَّعَارُضِ.
وتصديق صَاحِبِ اليَدِ بعد قِيَامِ البَيِّنَتَيْنِ ولا يوجب الرُّجْحَانَ؛ خِلاَفاً لابن سُرَيْجٍ على ما تَقَدَّمَ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي المَوْتِ وَفِيهِ ثَلاَثُ مَسَائِلَ: الأُولَى ابْنٌ مُسْلِمٌ وَآخَرُ نَصْرَانِيٌّ ادَّعَى المُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ فَالقَوْلُ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ وَالمُقَدَّمُ بَيِّنَةَ المُسْلِمِ إِنْ تَعَارَضَتَا لِأَنَّ النَّاقِلَةَ أَوْلَى مِنَ المُسْتَصْحَبَةِ، وَكَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى الإِبْنُ الإرْثَ فِي دَارِ وَادَّعَتْ زَوْجَةُ الأَبِ أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا أَوْ بَاعَهَا قُدِّمَتْ بَيِّنَتُهَا، وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَة نَصْرَانِيِّ أنَّهُ نَطَقَ بِالتَّنَصُّرِ وَمَاتَ عَقِيبَهُ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ وَيَجْرِي (و) قَوْلُ القِسْمَةِ وَإِنْ كَانَ لاَ يَشْتَرِك مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فِي إرْثٍ، وَلَوْ كَانَ المَيِّتُ مَجْهُولَ الدِّينِ فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ فَلاَ تَرْجِيح (ح و) لِبَبِّنَةِ الإِسْلاَمِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الآخَرِ بِالتَّصْدِيقِ

فَيُجْعَلُ كَأَنَّ المالَ فِي يَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا لَمْ يُخَصَّ بِالتَّصْدِيقِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الإِرْثِ، وَيُصَلَّى عَلَى هَذَا المَيِّتِ احْتِيَاطاً فَلَعَلَّهُ مُسْلِمٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ هذا الطَّرَفِ، الكَلاَمُ في التَّدَاعِي وَتَعَارُض البَيِّنَتَيْن في المَوْتِ، والمِيَراثِ فمن مسائله: مات رجل عن اثْنَيْنِ، مُسْلِمٍ ونَصْرَانِيٍّ مَثَلاً، واختلفا، فيما مَاتَ عليه الأب؛ فقال المُسْلِمُ: مات مُسْلِماً، فَلِي المِيرَاثُ.
وقال النَّصْرَانِيُّ: مات نصرانياً، فلي المِيرَاثُ.
فإما أن يكون الأَبُ مَعْرُوفَ الدِّينِ، أو لا يكون، الحالة الأولى -إذا كان الأَبُ مَعْرُوفاً بالتَّنَصُّرِ، فقال المُسْلِمُ: أَسْلَمَ، ثم مات.
وقال النَّصْرَانِيُّ: بل مات على ما كان عليه.
فالقَوْلُ قول النَّصْرَانِيِّ، مع يَمِينِهِ؛ لأن الأَصْلَ بَقَاءُ كُفْرِهِ.
وإن أَقَامَ كل واحد منهما بَيِّنَةً؛ نُظِرَ، إن أُطْلِقَتَا؛ فقالت بَيِّنَةُ المُسْلِم: إنه مات مُسْلِماً.
وقالت بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ: إنه مات نَصْرَانِياً، فَبَيِّنَةُ المُسْلِم مُقَدَّمَةٌ؛ لأن معها زِيَادَةُ عِلْمٍ، وهي انْتِقَالُهُ من النصرانية إلى الإِسْلاَم، والبينة الأخرى اسْتَصْحَبَتْ، وشَهِدَتْ بالأصل، والنَّاقِلَةُ أَوْلَى من المُسْتَصْحِبَةِ.
ولمثل ذلك قَدَّمْنَا بَيِّنةَ الجَرْحِ على التَّعْدِيلِ.
ولو مات رَجُلٌ عن ابْنٍ، وزوجة؛ فقال الابن: دَارُهُ هذه مِيرَاثٌ بيننا، وقالت الزَّوْجَةُ: بلى هي لي أَصْدَقَنِيهَا أبوك، أو بَاعَهَا مِنِّي.
وأقام كل واحد بَيِّنَةً، فَبَيِّنَتُهَا أوْلَى.
ولو ادعى مَجْهُولٌ أنك عَبْدِي، وأقام عليه بَيِّنَةً، وأقام المُدَّعَى عليه بَيِّنَةً أنَّه كان مِلْكاً لفلان، فَأعْتَقَهُ.
تُقَدَّمُ البَيِّنَةُ الثانية؛ لِعِلْمِهَا بالانْتِقَالِ من الرِّقِّ إلى الحُرِّيَّةِ.
وعلى هذا قِيَاسُ المَسَائِلِ؛ فلو قُيِّدَتِ البَيِّنَتَانِ؛ بأن تَكَلَّمَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ بكلمة فقال: الابن المُسْلِمُ، كانت تلك الكَلِمَةُ كَلِمَةَ الإِسلام، وأقام عليه بَيِّنَةً.
وقال النَّصْرَانِيُّ: بل كانت كَلِمَةَ التَّنَصُّرِ، وأقام عليه بَيِّنَةً.
فإن قلنا بِالسُّقُوطِ، يَسْقُطَانِ، ويصير كأن لا بَيِّنَةَ، ويُصَدَّقُ النصراني بِيَمِينِهِ.
وإن قلنا: بالاسْتِعْمَالِ، فعلى قَوْلِ الوَقْفِ تُوقَفُ التَّرِكَةُ، لا مَحَالَةَ؛ لأن المُدَّعَى مَالٌ.
وعلى القُرْعَةِ يُقْرَعُ، فمن خرج له القُرْعَةُ، فله التَّرِكَةُ، وعلى قَوْلِ القِسْمَةِ، تُقَسَّمُ؛ فيجعل النِّصْفُ لهذا، والنصف لهذا.
كما لو كان التَّنَازُعُ في غَيْرِ المِيرَاثِ.
وقال أبو إِسْحَاقَ: لا يَجِيءُ قول القِسْمَةِ هاهنا؛ لأن الحُكْمَ بالقِسْمَةِ حكم بالخَطَإ يَقِيناً، ولأن الشَّخْصَ لا يَمُوتُ كَافِراً مُسْلماً وفي غير صورة الميراث.
ليست القِسْمَةُ حكماً بالخطأ يَقِيناً؛ لجواز أن يكون المُدَّعَى مُشْتَرَكاً بينهما، كما قَسَّمْنَا، ولأن الكَافِرَ والمُسْلِمَ لا يشتركان في المِيرَاثِ، والظَّاهِرُ الأول.
وليست القِسْمَةُ حكماً منا بأنه مَاتَ كافراً مُسْلِماً، ولا تَشْرِيكاً منا في الإِرْثِ، ولكن بَيِّنَةُ كل واحد منهما

اقتضت 1 أن يَكُونَ جَمِيعُ المَالِ له، إلا أن البَيِّنَةَ الأخرى عارضتها، فعملنا 2 بكُلِّ وَاحِدَةٍ منهما، بِحَسَبِ الإِمْكَانِ.
قال العراقيون: وليس صَرْفُ النِّصْفِ إلى كل واحد منهما خَطَأً يقيناً؛ لاحتمال أنَّه مَاتَ نَصْرَانِيّاً، وهما نَصْرَانِيَّانِ، فورث مَالَهُ، ثم أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا، وادعى موته مُسْلِماً؛ ليَفُوزَ بالجَمِيعِ.
الحالة الثانية: إذا لم يكن الأَبُ مَعْرُوفَ الدِّين، وادَّعَى كُلُّ واحد من الاثْنَيْنِ أنَّه كان على دِينِهِ، فإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، نُظِرَ؛ إن كان المَالُ في يَدِ غيرهما، فالقَوْلُ قوله، وإن كان في يَدِهِمَا، فَيَحْلُفُ كُلُّ واحد منهما لِصَاحِبِهِ، ويُجْعَلُ بينهما.
وإن كان في يَدِ أحدهما، فالذي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وجماعة: أن القول قَوْلُهُ، مع يَمِينِهِ، ونَسَبَ الإِمام هذا الوَجْهَ إلى القاضي الحُسَيْنِ، كأنه أَجَابَ بِمِثْلِ جوابهم.
والصحيح، وهو المذكور في الكتاب: أنَّه يُجْعَلُ بينهما أَيْضاً، ولا أَثَرَ لِلْيَدِ بعد اعْتِرَافِ صَاحِب اليد بأنه كَانَ لِلْمَيِّتِ 3، وأنه يأخذه إِرْثاً، وإن أقام كُلُّ واحد بَيِّنَةً، فالبَيِّنَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ، ولا فَرْقَ في هذه الحَالَةِ بين أن يكونا مطلقتين، أو مقيدتين.
ويجيء في جَرَيَانِ قَوْلِ القِسْمَةِ خَلاَفُ أبي إِسحَاقَ، وفيه وجه: أن بَيِّنَةَ الإِسْلاَمِ مُقَدَّمَةٌ؛ لأن الظَّاهِرَ من حال مَنْ [في] 4 دار الإِسْلاَمِ، إنما هو الإِسْلاَمُ.
والمَشْهُورُ الأول، ويُصَلَّى على هذا المَيِّتِ المَشْكُوكِ في دِينِهِ، وَيدْفِنُهُ في مقابر المسلمين.
وتعتد النية 5 في الصَّلاةُ فيقول: أُصَلِّي عليه إن كان مُسْلِماً، كما لو اخْتَلَطَ مَوْتَى المُسْلِمِينَ بموتى الكُفَّارِ، وقد مَرَّ ذكره في الجَنَائِزِ.
ونَخْتِمُ المَسْأَلَةَ بِفَوَائِدَ عن الشيخ أبي عَاصِم: أنه فَسَّرَ كلمة "التَّنَصُّرِ" فيما إذا شَهِدَتِ البَيِّنَتَانِ على آخر ما تَكَلَّمَ به، بأن يقول: لا إله إلا الله، عيسى رَسُولُ الله.
قال القاضي أبو سَعْدٍ: وفيه إِشْكَالٌ ظَاهِرٌ، فإن المسلمين يُثْبِتُونَ نُبُوَّةَ عيسى عليه السَّلاَم -وإثبات نُبُوَّتِهِ لَيْسَ نَفْياً- لِنُبُوَّةِ [نبينا] 6 محمد -صلى الله عليه وسلم-، سيما عند مُنْكِرِي المفهوم

جارٍ التحميل