العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 474-478

بَتَعَذُّر العوض والبَيْنُونَة لا ترتد، فإن 1 كان كذلك، فإقراره بالخُلْع المتضمن للإتلاف إقرارٌ بالإِتلاف، فنظيره من البيع أن يقول: بعْتُك عبْدي هذا بكذا، فأعتقه وأنْكَر فإنَّا نُصَدِّقُه بيَمِينِه، ونحكم بعتق العَبْد بإقْرَاره، ولَو سلَّمت أنها اختلَعَتْ، وقالَتْ: اختلعتُ بوكالة فلانٍ، وصرحَتْ بالإِضافة إلَيْه، فوجهان: أصحهما: أنهما يتحالفان؛ لأنهما اتفقا على جريان العَقْد بينهما، واختلفا في أنَّها هل أضافت العَقْد إلى الغَيْر، فأشبه الاختلاف في سائر كيفيات العَقْد؟.
والثاني: لا يتحالفان وهُو الذي أورده المُتَوَلِّي، وحكى على هذا وجهين: أحدهما: أن القَوْل قولُها مع يمينها؛ لأنها تنكر أصل الالتزام، فهو كإنكار أصل العقد فيما يتعلَّق بها.
الثاني: أن القول قولُ الزوج مع يمينه؛ لأنَّها اعترفت بالعَقْد، وفائدتُه تعود إليها، وذلك ظاهر في التزام المال، وهِي تدَّعي ما يمْنَع المطالبة، وهي الإِضافة إلَيْه، والأصل عدَمُه، ولو سلّمت ولم تصرِّح بالإضافة إلى الأجنبيِّ، ولكن قالت: نَوَيْتُهُ، فإن قلنا موجبه المطالَبَةُ على الوكيل، لم ينَقطع طلَبُه الزوج بقولها وكذا لو أنكر أصل الوكالة، وإن قُلْنا: إن الوَكِيلَ لا يُطَالب فيتحالفان، أو تُصَدَّق الزوجة أو الزوج؟ تعود فيه الوجوه الثلاثة إذا عَرَفْتَ لك فاعلم أن المُزَنِيَّ نَقل في "المُختصر" عن الشَّافعي -رحمه الله- أنَّه إن قالَتْ: خالَعْتَنِي على ألْف، ضمنها لَكَ غيري، أو على ألْفِ فَلْس، وأنكر، تحالَفَا،.
وكان له عليها مَهْر مثلها، فظاهره يقتضي التحالُفَ فيما إذا أقرَّتْ بالاختلاع، وقالت: ضَمِنَ المالَ فلانٌ، وهي الصورة التي افتتحنا الفَصْل بها، ولا وجْه فيها؛ للتحالُفِ، بل هي مطالَبَةٌ وإنْ كان هُنَاك ضامنٌ، فاخْتَلَفَ الأصحاب، حكى الحناطي عن بَعْضِهِم أن المسألة غَلَط من الكاتب، ومنهم من قال: الجوابُ راجِعٌ إلى صورة الاختلاف في الفَلْس على ما قدمنا، فرُبَّما جمع الشافعيُّ بيْن مسألتين، فأجاب في إحداهما وترك جواب الأخرى، والأكثرون ردُّوا الجوابَ إليهما، واختلفوا في محل النص؛ فالذين قالُوا: يُجْرِيَان التحالُفَ فيما إذا قالَتْ: قبلْتُ الخُلْعِ بألْف في ذمَّة فلان، حَمَلُوا النص [على هذه الصورة] وحمله بعضهم على ما إذا كانت قد وكلت بالاختلاع بِقَدْرٍ دون الألْف، فخالف الوكيل بالألّف، ثم اختلف الزوْج والزوْجة في الزيادة، فقال الزوج: هي علَيْه، وقالَتْ هي: بل على الوكيل، وحكى القاضي ابن كج عن أبي إسحاق حمل النص على ما إذا قَالَتْ: اختلع فلان بإذني ووكالتي، فلا مطالَبَةَ لَكَ عليَّ، إنما تُقْتَصُّ منه، ثم هو يرجع عليَّ، وهذا ينطبق على الوَجْه المذْكُور في عُهْدة الوكيل أن المطالب

الوكيلُ دون الموكّل، وعن أبي الحُسَيْن حمْلُه على ما إذا قالَتْ: خالَعْتُكَ بشرط أن أحيلك على فُلاَن، وقال: بل خالَعْتِ مطلقاً وهذا شرْط يُفْسِدْ الخُلْع، فيرجع إلى أن المرأة: تدعي فساد التسمية، وهي تدعي صحتها، فهذه سبعة طرق، مما قاله الأصحاب في هذا النَّصِّ، ومن صور اختلاف الزوجين: طلَّقَ زوجته بألف، وأرضعت ابْنَتُهَا زوجةً أخرى له صغيرةً، واختلف المتخالعان، فقال الزوج سبق الخلع الرضاعَ، وعليك المال، وقالَتْ هي: سبَقَ الرَّضَاعُ الخُلْعَ، وانفسخ نكاحي؛ لاجتماع حافدتي في نكاحك، والخُلْع بعده لَغوَ فيُنْظَر إن اتفقا على وقْت الرضاع كيوم الجمعة، واختلفا في وقت الخُلْع فادعى الزوج جريانه يوم الخمِيس، وادعته هي يوم السبت، فالقول قولُها مع يمينها؛ لأن الزوج يدعي الخلع في زمان سابق، والأصل عدَمُه، وإن اتفقا على وقْت الخلع كيوم الجمعة، واختلفا في وقت الإِرضاع، فادعى الزوج أنَّه كان يوم السبت، وادعته هي يوم الخميس، فالقول قول الزوج بيمينه لأن الأصْل عدم الرضاع يؤمَئِذٍ.
ولو ادَّعَى الزوج سبْق الخُلْع، وادعت هي سبْقَ الرَّضاع، ولم يتفقا على وقْت أحدهما، فالقول قول الزوج أيضاً؛ لأن الأصل استمرار النكاح إلى أن صدر هذا الخُلْع واشتغالهما بالخُلْع يدل على بقاء النكاح ظاهراً وهذا كما لو تخالعا، ثم ادعت هي أنَّه طلَّقَها قبْل الخُلع ثلاثاً، أو على إقراره بفَسَاد النكاح، فأنكر، فإنَّهُ يُصَدَّق بيمينه، ويمضي الخُلْع على الصحة وفي "التهذيب" أنَّه لو خالعها على مال، ثم اختلفا فقال الزوج: كنت مكرهةً، فلي الرجعة، وأنكرتِ الإكراه، فلا يُقْبَل قوله في الظاهر، وعليه رَدُّ المال بإقراره.
ولو ادعت المرأة الإِكراه فأنكر صُدِّقَ يمينه، وعليها المالُ، فلو أقامت بيِّنَة على الإِكراه، لزمه ردُّ المالِ ولا يُمْهَلَن بالمراجعة؛ لاعترافه بالبينونة، نعم لو لَمْ يصرِّح بالإِنكار أو سكَتَ، أو كانت الخصومة مع وكيله، فله الرجعة، إذا قامت البيِّنَة، وقد تيسر بمعونة الله -تعالى- شَرْح ما في الكتاب، ويقْرُب منْه من فقْه الخُلْع على اعتياضه وترتيبه بفروعٍ ومسائلَ منشورةٍ، ليس للأب خُلْع زوجة الطِّفْل، ولا طلاقها بغير عوض، خلافاً لأحمد -رحمه الله- فيهما، ولمالك في الخُلْع، والخُلْعُ على غير الصداق قبْل قبض الصداق لا يُسْقط حقَّ الزوجة من الصداق بعد قبضه، وقبل الدخول لا يسقط حق الزوج من نصْف الصداق، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- في المسألتين، وإذا خالع امرأته الحامِلَ على نفقةِ عِدَّتِها، فالتسمية فاسدةٌ، وله مهْر المثل، وقال أبو حنيفة: -رحمه الله- تصحُّ التسمية، وَيبْرأ عن النفقة، وفيما جمع في فتاوى القَفَّال: أنَّهَا لو اختلعت على مهرها، وكانت قد أبرأته قُبِلَ ذلك من مهرها، فإن جهلت الحال، فالواجب عليها مَهْر المثل أو مثل ذلك المَهْر فيه القولان المعروفان، وإن كانت عالمةً بالبراءة فإن كان الجاري بينهما لَفْظ الطَّلاَق، بأن قال طلقتك على صَدَاقك، فقبِلَتْ

فتبين، ويعود الخلافُ في الواجب عليها يقع الطلاقُ رجعيًّا فيه وجهان، وإن كان الجاري لفْظَ الخلع، فإن أوجبْنَا المال، إذا جَرَى لفظ الطَّلاَق، ففي لفْظ الخُلْع أَولى، وإلاَّ جرى في لفظ الخلع وجهان: بناءً على أن لفْظ الخُلْع هل يقْتَضِي ثبوت المال في "فتاوى القاضي الحُسَيْن"، أنه لو خَالَعَها على مَا لَها في ذمته، أو على ألْف آخر، هو في ذمتها، أو على أن تنفق كل يوم على ولده كذا إلى مدة كذا، فهو فاسدٌ بشَرْط الاتفاق على الولد، وتَحْصُلُ البينونة بمهر المثْل، وأنَّه لو خالعها على ألْف، وعلى حضانها ولده الصغير سنَةً فتزوَّجت في خلال السَّنَة لم يكُنْ للزوج انتزاعُ الولد منْها بتزوجها، لأن الإِجارَة عقْدٌ لازمٌ، وأنها لو قالت إن طَلَّقْتَني أبرأتُكَ عن الصَّدَاقِ، أو فأنْتَ بريْءً منْه فطَلَّق، لا يحصل الإِبْرَاء؛ لأن تعليق الإبْراء لا يصحُّ، ولكن عليها مهْر المثل؛ لأنَّه لم يطلق مجاناً، بل لإِبراء ظن صحته، وأنه لو قالَتِ الزوجة: أبرأتُكَ عن صَدَاقِي، فَطَلِّقْني، بَرَأ الزوج، وهو بالخِيَار إن شاء طلق وإن شاء لم يُطَلِّق، ويمكنه أن يقال: إنها قصدت جعل الإِبْراء عوضاً عن الصَّداق، ولذلك رتبت سؤال الطلاق عليه، فليكن كما لو قالت: طَلقْنِي، وأنتَ بريء عن صداقي، وفي "فتاوى" صاحب "التهذيب" أنه سئل عن امرأة: قالت: لزوْجها (بهر حقي كي در كردن تودارم خويتن ازبربارحزيدم) 1 فقال الرجل (قن مرا اينكر طلاق، أي كنار كردم) 2 فقال: أن تقبل كلامه بكلامها بحيْثُ يعدُّ جواباً له، والصَّداق معلومٌ، صحَّ الخُلْع، وسقط الصَّداق.
وأنه إن خالعها على ثَوْب هَرَويٍّ، وقبِلَتْ ثم دفعت إليه ثوباً مروياً فرضيه وأراد إمساكه نظرَ على أن الزبيب الأبيض هل يؤخذ في السلم عن الأسود إن قلنا إن كان قد وصفه بالصفات المعتبرة في السلم، فَيُبْنَى.
يجُوز ولا يكون استبدال، فكذلك هاهنا، وإن منَعْنا، فلا يجوز الإِمْسَاك هاهنا من غير معاقدة، فإن تعاقدا، وقالت: جعلتُه بدلاً عما عليَّ، وَقَبِلَ الزَّوْج فيُنْنَى على أن الصَّداق مضْمُون ضمان العقد، أو ضمان اليد إن قلْنا: بضمان اليد فيجوز، وإن قلنا: بضَمَان العَقْد؛ فعلى القولَيْن في جواز الاستبدال عن الثمن في الذمة وإن لم يَصِفْه، فالواجب مهْر المثل، فلا يجوز إمساكه من غيْر معاقدة، وأنها لو قالَت: اختلعت نفْسي منْكَ بالصداق الذي في ذمَّتك، وأنكر الزوج وحلف عليه، فلا رجوع لها عليه بالصَّداق، ولو كان له على رجُل دَيْن، فقال: اشتريتُ منْك دارك بذلك، وقبضته وأنْكر الرَّجُل، يجوز له المطالبة بالدين، والفرْقُ أن الخُلْع الذي أقَرَّتْ به يوجب اليأس عن الصداق، ويُسْقطه بالكلية؛ فإن ذمة الزوج إذا بَرِئَتْ من الصداق، لم يتصور عوده، وفي الصورة الأخرى لا يحصل الياس عن الدَّيْن؛ لأن الدار

المجعولة عوضاً قد تخرج مستحقَّة، وقد ترد بالعيب 1 وقد تتلف قَبْل القبض، فيرجع صاحب الدَّيْن إلى دَيْنه، وإن الزوج إذا قال: خالَعْتُك بكذا فأنكَرَتْ وصدَّقْنَاها باليمين، فوطئها الزوج بعد ذلك، فعليه الحدُّ في الظاهر، ولا يجب عليْها؛ لأنَّها تزعم أنها في نكاحه، وأما في الباطن فان كان صادقاً، فعليهما الحدُّ، وإن كان كاذباً فلا حدَّ على واحد منهما، وحكي وجهاً في مثل هذا أن دعوى الزوج طلاق ظاهراً وباطناً، فعليهما الحدُّ، وأنها لو قالت: طلِّقْنِي على ألْف، فقال طلقت نِصْفك فيُبْنَى، استحقاق الألْف على أن الطلاق يقع على البَعْض، المذكور، ثم يسري إلى الباقي، أو يُجْعَل البعض كناية عن الكُلِّ، إن قلنا بالمعنى الثاني، فيستحق كما لو طلَّقَها بلفظ آخر، وان قلنا بالأول، وجَب إلاَّ يستحق إلاَّ نصْف الألف، كما لو قالَتْ: طلقني ثلاثاً، فطلَّق واحدة، يستحق القسط، ولو قال في الجواب طلقت يدك، إن جعلنا المضاف إليه عبارة كلِّ البدن، استحق الألْف، وإن قلنا بالوجْه الآخَر، فلا يمكن التوزيع هاهنا، فيجب مهْر المثل، وإنها إذا قالت: اختلعت نفسي بثلاث طلقات على ما لي عليك من الحق، فقال: خالَعْتُك بطلقة، تقع طلقة؛ لأن الخلعة من جانبها جَعَالة، ويجب مهْر المثل، ويحتمل أن يجب ثلُث مَهْر المثل، كما لو قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فطلَّق واحدةً، يستحق ثلث الألف.
فَرْع: لابن الحداد إذا قال لامرأته أنت طالقٌ اثنتين، أحدهما بالألْف، فالمُقَابلة بالألْف لا تقع دون القَبُول، وفي الأخرى وجهان: أحدهما: وبه قال ابن الحدَّاد: أنها لا تقع أيضاً؛ لأنه علَّق الطلقتين بقبول الألف، ولم يوجد؛ ولأنه قَابَلَ إحدى الطلقتين بالعِوَض، وجعل الأخرى تابعةً لها، فإذا لم تقع هي أصل، لا تقع الأخرى.
والثاني: وهو الأصحُّ عند الشيخ أبي علي -رحمه الله- أنها تَقَع؛ لأنها عريَّةٌ عن العوض، فاشبهت سائِرَ الطلقات الخالية عن العوض، وأيضاً فإنه لو قال: أنْتِ طالقٌ اثنتين أحدهما بألف، والأخرى بغير شيْء، تقع الواحدة من غَيْر قبول، فكذلك هاهنا، قال الإِمام -رحمه الله-: ولا يبعد طرْد الوجهَيْن في هذه الصورة، فإن قلْنَا بالوجه الأول، فإذا قبِلَتْ وقَعَت الطلقتان، ولزم الألْف، وتكون الألف في مقابلة واحدة منها خاصَّةً، أو في مقابلتهما معاً وإحداهما تبعٌ للأخرى، ذكر فيه احتمالان: أحدهما: أنه يختص بواحدة منهما كما هو ظاهر اللفظ.

والثاني: أنَّه يتعلق بهما على تبعيَّة إحداهما للأخرى؛ لأنه لو اختص المال بواحدة منهما، لما توقفت الأخْرَى على القَبُول، ونحن نُفَرِّع على التوقُّف ولا اقترنت طلقتان؛ بائنة ورجعية، وهذا بعيدٌ؛ ألا ترى أنَّه لو قال: إذا خَالَعْتُكِ، فأنت طالقٌ، فخالعها لم تقع الطلقة المعلقة؛ لمصادقتها حالَةَ البينونة، وإن قلنا بالوجه الثاني، فإن كانت غيْر مدخُول بها، وقعتِ الواحدةُ كما تمَّ لفظه، وحصلت البَيْنُونَة، فلا تقَعُ الأخرى، وإن قَبِلَتْ، وإن كانتْ مدخولاً بها، فالواحدة الواقعة باللفظ رجعيَّةٌ فإذا قبلَتِ الألف، فهو مخالعة الرجعية، وفيها الخلافُ الذي تقدَّم، فإن جوزنا مخالعة الرجعية، وقعَتِ الثانية ولزم الألْفُ، وإن لم نجوِّزها ففيه احتمالان للشَّيْخ أبي علي: أحدهما: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأنه إنما أوقع بشرط قبولها، هاذا لم يلزم المال فلا معنى للقبول، وأظهرهما: أنه يقَعُ، وإن لم يلزم المال، كما لو خالع المحجُورَ عليها فقبِلَتْ.

جارٍ التحميل