العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 440-479

قدر عليه ويكبر هو، وكما أن الإنابة في أَصْلِ الحَجِّ إنما تجوز عند العلّة التي لا يرجى زَوَالُهَا فكذلك الإِنَابَة في الرَّمْي لكن النظر هَاهُنَا إلى دَوَامِهَا إلى آخر وَقْتِ الرمي، ولا ينفع الزوال بعده، وكما أن النَّائِبَ في أصْلِ الحَجِّ لا يَحُجُّ عَنِ المُنِيبِ إلا بعد حَجَّهِ عَنْه نَفْسِهِ، فالنَّائب في الرَّمي لا يرمي عن المُنِيب إلا بَعْدَ أن يرمي عَنْ نَفْسِهِ، ولو فعل وقع عن نفسه، ولو أغمي عليه ولم يأذن لغيره في الرَّمْي عنه لم يجز الرَّمي عنه، وإن أذن فللمأذون الرَّمي عنه في أَصَحِّ الوجهين، ولا يبطل هَذَا الإِذْن بالإغماء؛ لأنه وَاجِبٌ كما لا تبطل الاستنابة في الحَجِّ بالموت بِخِلاَفِ سَائِرِ الوَكَالاَتِ.
وإذا رَمَى النَّائِبُ ثُمَّ زَالَ عُذر المُنِيبُ والوقتُ بَاقٍ هَلْ عليه إعادة الرمي؟ قال الأكثرون لاَ، وقد سقط الرمي عنه برمي النائب، وفي "التهذيب" أنه على القولين فيما إذا أَحَجَّ المريض عنه نَفْسِهِ ثم برأ.
وقوله في الكتاب: (لم ينعزل نائبه) معلم بالواو، وقوله: (لأنه زيادة في العجز) معناه أن الدَّاعِيَ إلى هذه الإِنَابَةِ عَجْزُ الحَاجِّ عَنِ القِيَامِ بِهَذَا النُّسُك، فإذا طَرَأَ الإغْمَاءِ عَلَى المَرَضِ، ازداد العَجْز وتأكد الدَّاعي، فكيف نقول بانقطاع النيابة؟! -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ فَفِي تَدَارُكِهَا بَقِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَدَارَكُ فَفِي كَوْنِهِ أَدَاءً قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: أَدَاءً تَأَقَّتْ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَانَ التَّوْزِيعُ عَلَى الأَيَّامِ مُسْتَحَبّاً، وَلاَ بُدَّ فِي التَّدَارُكِ مِنْ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِي المَكَانِ، فَلَوْ ابْتَدَأَ بِالْجَمْرَةِ الأَخِيرَةِ لَمْ يُجْزِهِ بَلْ يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الأولَى وَيَخْتِمُ بِجَمْرَةِ العَقبةِ، وَفِي وُجُوب تَقْدِيم القَضَاءِ عَلَى الأَدَاءِ قَوْلاَنِ، وَمَهْمَا تَرَكَ الجَمِيعَ يَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلٍ، وَيلْزَمُهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ فِي قوْلٍ لِوَظِيفَةِ كُلِّ يَوْمٍ دَمٌ، وَفِي قَوْلِ دَمَانِ: دَمٌ لِجَمْرَةِ العَقَبَةِ وَدَمٌ لِأَيَّامِ مِنًى، وَفِي أَقَلِّ مَا يُكْمَلُ بِهِ الدَّمُ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَظِيفَةُ يَوْمٍ، وَالثَّانِي: وَظِيفَةُ جَمْرَةٍ، وَالْثَّالِثُ ثَلاَثُ حَصَيَاتٍ.
قال الرافعي: هذه البقية تنظم مسائل: إحداها: إذا ترك رَمْيُ يَوْمِ القَرّ عمداً أو سهواً هل يتداركه في اليوم الثاني أو الثَّالث؟ أو ترك رمي اليومِ الثَّانِيَ أو رَمْي اليومين الأولين هل يتداركه في الثالث؟ فيه قولان: أصحهما: نعم قاله في "المختصر" وغيره وبه قال أَبُو حَنِيفة كالرعاة وأهل السقاية.
والثاني: لا كما لا يتدارك بَعْدَ أيام التَّشْرِيق.
التفريع إن قلنا: بأنه لا يتدارك في بقية الأيام فهل يتدارك رمي اليَوْم في اللَّيْلَةِ التي تَقَعْ بَعْدَه من لَيَالِي التَّشْرِيق؟ فيه وجهان، وهما مفرعان على الصَّحيحَ في أن وقته لا

يمتد الليلة على ما سبق.
إن قلنا: بالتدارك فتدارك هو قضاء أو أداء؟ فيه قولان: أحدهما: أنه قضاء؛ لمجاوزته الوَقْتَ المَضْرُوب له.
وأظهرهما: أنه أداء، ولولاه لما كان للتدارك فيه مدخل كما لا يتدارك الوقوف بعد فواته.
التفريع إن قلنا: أداء فجملة أيام مِنَى في حكم الوَقْتِ الوَاحِدِ، وكل يوم للقدر المأمور به فيه وقت اختيار كأوقات الاختيار للصَّلَوَاتِ، ويجوز تقديم رمي يوم التَّدارك على الزَّوَالِ.
ونقل الإمام -رحمه الله- أن على هذا القولِ لا يمتنع تقديم رَمْي يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ لكن يجوز أن يقال: أن وقته يتسع من جهة الآخر دون الأول، فلا يجوز التَّقْدِيم 1. وإن قلنا: إنه قضاء فتوزيع الأقدار المعينة على الأيام مستحق، ولا سبيل إلى تقديم رَمْيِ يَوْمٍ إلى يَوْمٍ ولا إلى تَقْدِيمِهِ على الزَّوَالِ، وهل يجوز بالليل؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأن القضاءَ لا يَتَأَقَّتُ.
والثاني: لا؛ لأن الرمي عبادة النَّهَارِ كالصوم، وهل يجب الترتيب بين الرَّمْيِ المتروك ورمىِ يوم التدارك؟ فيه قولان: ويقال وجهان: أصحهما: نعم، كما يجب الترتيب في المكان على ما سيأتي.
والثاني: لا، لأن الترتيب لِحَقِّ الوقت فيسقط بخروج الوقت والوجهان عند الأئمة -رحمهم الله- مبنيان على أن المفعول تداركاً قضاء أم أَدَاءٌ، إن قلنا: أداء اعتبرنا الترتيب، وإن قلنا: قضاء فلا ترتيب كترتيب قضاء الصلوات الفائتة.
التفريع: إن لم نوجب الترتيب فَهل يَجِب على أصْحَاب الأعْذَارِ كالرعاة؟ فيه وجهان، قال في "التتمة" ونظيره أن من فاته الظُّهْرَ لا يجب عليه الترتيب بينه وبين العصر، ولو أخر الظُّهْرِ بِسَبَبٍ يجوز الجمع ففي الترتيب وجهان: ولو رمى إلى الجمرات كلها عن اليوم قبل أن يرمي إليها عن أمْسِه أجزأه، إن لم نوجب الترتيب؛ وإن أوجبناه فوجهان: أصحهما: أنه يجزئه ويقع عَنِ القَضَاءِ؛ لأن مَبْنَى الحَجِّ على تقديم الأولى فالأولى.
والثاني: لا يجزئه أصلاً وزاد الإمام -رحمه الله- فقال: لو صرف الرمي في قصده إلى غير النُّسُكِ، كما لو رمى إلى شَخْصٍ أو دابة في الجمرة، وفي انصرافه عن النُّسك الخلاف المذكور في الطواف فإن لم ينصرف وقع عن أمسه ولغى قصده، وإن

انصرف فإن شرطنا الترتيب لم يجزه أصْلاً، وإن لم نشترطه أجزأه عن يومه.
ولو رمى إلى كل جمرة أربعة عشرة حَصَاة سبعاً عن أمسه وسبعاً عن يَوْمِهِ جَازَ، إن لم نعتبر الترتيب وإن اعتبرناه فَلاَ يَجُوز، وهو نصه في "المختصر" هذا كُلُّه في رمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق.
أما إذا ترك رَمْيِ يَوْم النَّحْرِ ففي تداركه في أيَّامِ التشريق طريقان: أصحهما: أنه على القولين.
والثاني: القطع بأنه لا تدارك لمغايرة ذلك الرمي رمي أَيَّامِ التشريق في العدد، والوقت والحكم فإن ذلك الرمي يؤثر في التَّحلل دون هذا الرَّمْيِ.
الثانية: يشترط في رمي أيام التشريق الترتيب في المكان وهو أن يرمي أولاً إلى الجمرة التي تلي مسجد الخِيف، وهي أقرب الجمرات من مِنَى وأبعدها من مكة، ثم إلى الجَمْرَةِ الوُسْطَى، ثم إلى القصوى وهي جمرة العقبة، فلا يعتد برمي الثانية قبل تمام الأولى ولا بالثَّالِثَةِ قَبْلَ تَمَامِ الأوليين.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- لو نكسها أعاد فإن لم يفعل أجزأه.
لنا أنه -صلى الله عليه وسلم-: "رَتَّبَهَا وَقَدْ قَالَ": خُذُوا عَنِّي مَنَاسكَكُمْ" 1 ولأنه نسكٌ مُتَكَرِّرٌ فيشترط فيه التَّرْتِيب كما في السَّعْي فلو ترك حصاةٌ ولم يدر من أين تركها أخذ بأنه تركَهَا مِنَ الجَمْرَةِ الأُولَى، ويرمي إليها وَاحِدَةٌ ويعيد رمي الأخرتين، وفي اشتراط الموالاة بين رَمْيِ الجمرات ورَمَيَاتِ الجمرة الواحدة الخلاف المذكور في الطَّوَافِ.
والسنة أن يرفع اليَدَ عند الرمي فهو أَهْوَنُ عليه، وأن يرمي أيام التشريق مستقبل القِبلَة، وفي يوم النَّحْرَ مستدبرها، هكذا ورد الخبر 2، وأن يكون نازلاً في رَمْي اليومين الأولين ورَاكِباً في اليوم الأخير يرمي ويسعى عقيبه، كما أنه يَوْم النحر يرمي ثم ينزل، هكذا أورده الجمهور، ونقلوه عن نصه في "الإملاء"، وفي "التتمة"؛ أن الصَّحيح ترك الركوب في الأَيَّام الثلاثة 3. والسنة إذا رمى الجَمْرَةَ الأُولَى أن يتقدم قليلاً قدر ما لا يبلغه حَصَيَاتُ الرامين، ويقف مستقبل القبلةَ ويدعو وَيذْكُرُ الله تَعَالى طَوِيلاً بقدر قِرَاءَةِ

سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإذا رمى إلى الثَّانية فعل مثل ذلك، ولا يَقِفْ إذا رمى إِلَى الثَّالِثَةِ.
وقوله في الكتاب: (ولا بد في التدارك من رعاية الترتيب في المكان) قد يوهم اختصاص هذا الترتيب بالتَّدارك، لكنه لا يختص، والترتيب شرط في الابتداء والتدارك على نَسَقٍ وَاحِدٍ.
الثالثة: إذا ترك رمي بَعْضِ الأيام وقلنا بأنه يتدارك في بقية الأيام فَتَدَارك فلا دَمَ عَلَيْهِ، وقد حصل الانجبار، وفيه قول أنه يلزمه الدّم مع التدارك كما لو أَخَّر قضاء رَمَضَانَ حتى أدركه رَمَضَانُ آخر يقضي ويُفْدِي، وُيعْزَى هذا إلى تخريج ابْنِ سُرَيْجٍ -رحمه الله-.
ولو نَفَر يوم النحر أو يوم القَرِّ قبل أن يرمي ثُمَّ عَادَ ورمى قبل الغُروبِ وَقَع الموقع ولا دَمَ عَلَيْهِ، ولو فرض ذلك في النَّفر الأول فكمثله في أصَحِّ الوجهين: والثاني: أنه يلزمه الدم؛ لأن النَّفْرَ في هذا اليوم سَائِغٌ في الجملة، فإذا نفر فيه خرج عن الحَجِّ فلا يسقط الدَّمُ بعوده ولو لم يتدارك ما تركه، أو قلنا: لا يمكن التَّدَارك لزم الدَّم لا محالة، وكم يجب يختلف ذلك بحسب قدر المتروك وفيه صُوَرٌ: إحداها: إذا ترك رمي أَيَّامِ التشريق والتَّصْوِير فِيمَا إذا تَوَجَّهَ عليه رمي اليوم الثَّالِث أيضاً قولان: أحدهما: يلزمه ثلاثة دِمَاء؛ لأن رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ برأسها.
والثاني: لا يجب أكثر من دَمٍ كما لا يجب لترك الجمرات الثلاث أكثر من دَمٍ، ولو ترك معها رمي يوم النحر أيضاً فإن قلنا: بالأول فعليه أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ، وإن قلنا: بالثَّانِي فوجهان: أحدهما: أنه لا يلزمه أكثر من دم لاتحاد جنس الرمي.
وأصحهما: أنه يلزمه دَمَانِ، أحدهما أن ليوم النَّحْرِ، والثاني لأيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لاختلاف الرميين في الحُكْمِ، وإذا ضممت هَذَا الخلافَ بعضَه إلى بَعْضٍ، والسؤال عن تَرْكِ رمي الأيام الأربعة فَقُل: فيه ثلاثة أقوال كما في الكتاب: دم، دمان أربعة دماء.
والأصح منها على ما ذكره في "التهذيب" إيجاب أربعة دِمَاء، لكن الجمهور بنوا الأقوال الثلاثة على الأَصْلِ السَّابِقِ فيما يتدارك مِنْ رَمْي هَذِهِ الأَيَّامِ، فإن قلنا: يتدارك رمي بعضها في البَاقي اكتفيِنا بِدَمٍ؛ لأنا جعلنا الرَّمْيَ كَالشَّيْءِ الوَاحِدِ، وإن قلنا: رمي يوم النحر لا يتدارك ورمي غيره يتدارك فقد جعلناها نَوْعَيْنِ مختلفين، فيلزمه دَمَان، وإن قلنا: إن شيئاً مِنْهَا لا يتدارك فعليه أربعةُ دِمَاءٍ؛ لأن رمي كل يوم على هذا يفوت بغروب شَمْسِهِ، ويستقر في الذِّمَّةِ بدله، فإن لم نر ترجيح القول الموجب لأربعة دِمَاءٍ، لأمر من خارج فقضية هذا البناء ترجيح القول المكتفي بِدَمٍ وَاحِدٍ، لاتفاقهم على أن الأَصَحَّ

التَّدارك كَمَا مَرَّ.
الثانية: لو ترك رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ أو رَمْيَ وَاحِدٍ من أيام التشريقِ بأسْرِهِ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وإن ترك رمي بعض اليوم نُظِر إن كان مِنْ وَاحِدٍ مِنْ أيام التَّشْرِيق فقد جمع الإمام فيه طُرُقاً: أحدها: أن الجمرات الثَّلاث كالشَّعَرَاتِ الثَّلاَثِ، فلا يكمل الدَّمُ فِي بَعْضِهَا، فإن تَرَكَ جمرةً ففيما يلزمه؟ الأقوال التي يأتي ذكرها في حَلْق شَعْره.
أصحها: مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ.
والثاني: دِرْهَمٌ.
والثَّالِثُ: دَمٌ وإن ترك جمرتين فعلى هذا الْقِيَاس، وعلى هذا لو تَرَكَ حَصَاةً مِنْ جَمْرَةٍ فعن صاحب "التقريب": أن على قولنا: في الجمرة الواحدة ثُلُثُ دَمٍ يجب في حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ جُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزءاً مِنْ دَمٍ رعاية للتبعيض، وعلى قولنا: إن فيها مُدّاً، أو درهماً يحتمل أن نُوجِبَ سُبُعَ مُدًّ أو سُبع دِرْهَمٍ، ويحتمل أن لا نبعضهما.
والطريق الثاني: أن الدَّمَ يكمل في وَظِيفَةِ الجَمْرَةِ الوَاحِدَةِ، كما يكمل في وظيفة جَمْرَة يوم النَّحْرِ، وفي الحَصَاة والحصاتين الأقوال الثلاثة: والثالث -وهو الأظهر-: أن الدَّمَ يكمل بتَرْكِ ثَلاَثِ حَصَيَاتٍ، كما يكمل بِحَلْقِ ثَلاَثِ شعَرَاتٍ، وفي الحَصَاةِ وَالْحَصَاتَيْنِ الأقوالُ الثَّلاَث.
واعلم أن الخلافَ المذكورَ ليس في تَرْكِ الحَصَاةِ والحصاتين مطلقاً ولكن إن ترك حصاة الجمرة الأخيرة من آخر أيام التَّشْرِيقِ ففيه الخِلاَف، وإن تركها من الجَمْرَةَ الأخيرة مِنْ يوم القَرِّ أو النَّفْرِ الأول، ولم ينفر، فإن قلنا: الترتيب غيرُ وَاجِبٍ بين التدارك ورمي الوقت صَحَّ رَمْيُه، لكنه تَرَكَ رَمْى حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ ففيه الخلاف، وإنَ أوجبنا التَّرتِيب فهو على الخلاف السَّابق في أن الرمي بنية اليوم هَلْ يقع عن الماضي؟ إن قلنا: نعم، تم المتروكُ بما أتى به في اليَوْمِ الذي بعده، لكنه يكون تاركاً لرمي الجَمرَةِ الأولى، والثَّانِيَة في ذلك اليوم فعليه دَمٌ، وإن قلنا: لا كان تاركاً رمي حصاة ووظيفة يوم فعليه دَمٌ، إن لم نفرد كلَّ يَوْمٍ بِدَمٍ، وإن أَفردنا فعليه دَمٌ لوظيفة اليوم، وفيما يجب لترك الحَصَاةِ الخلاف المذكور.
وإن تركها من إِحْدَى الجمرتين الأوليين في أي يوم كان فعليه دم؛ لأن ما بعدها غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لوجوب الترتيب في المَكَانَ، فهذا إذا ترك بعض رمي من أيام التشريق، وإن ترك بَعْضَ رَمْي مِنْ يَوم النَّحْرِ فقد ألحقه في "التهذيب" بما إذا ترك من الجمرة الأخيرة في الْيَوْمِ الأَخِير.
وقال في "التتمة": يلزمه دم وإن ترك حصاة؛ لأنها من أَسْبَابِ التحلل فإذا ترك

شيئًا منها لم يتحلل إلا بِبَدَلٍ كَامِلٍ -والله أعلم-.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه إِنْ ترك من يَومِ النَّحْرِ أَرْبَعَ حَصَيَاتٍ فعليه دَمٌ، وإن ترك ثَلاثاَ فَلاَ وفي سَائِرِ الأيام إن ترك إحدى عشرة حصاة فَعَلَيْهِ دَمٌ، لأن ترك عَشْراً أو أقل فَلاَ اكتفاءَ بالأكثر، وهذا يخالف الوجوه الثَّلاثة المذكورة في الكتاب فيما يكمل به الدَّم كلها، فلذلك أعلمت بالحاء، وحكى في "النّهاية" وجهاً آخر غريباً وهو: أن الدَّمَ يكمل في حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ.
فرع: قال أَبُو سَعِيدٍ المتولي: لو ترك ثَلاَثَ حَصَيَاتٍ من جملة الأيام ولم يَدْرِ موضعها أخذ بالأسوأ وهو أنه ترك واحدة من يَوْمِ النَّحْرِ وأخرى من الجَمْرَةِ الأولَى يوم القَرِّ وأخرى من الجَمْرَةِ الثانية يوم النَّفْرِ الأَوَّلِ.
ثم طَوَّلَ الكلام فيما يحصل له من ذَلِك، واختصاره: أنا إن لم نحسب ما يرميه بنية وظيفة اليَوْم عن الغائب فالحَاصِلُ سِتُّ حَصَيَاتٍ مِنْ رَمْي يَوْمِ النَّحْرِ لاَ غَيْرَ سواء شرطنا الترتيب بين التَّدَارُكِ ورمي الوقت أم لا، فإن حسبناه فَالحاصل رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَحَدُ أَيَّامِ التَّشريق لا غَيْر، سواء شرطنا الترتيب أم لا، وسببه لا يخفى على من أمعن النَّظر في الأصول السابقة.
واعلم أن الحَاجَّ إذا فرغ مِنْ رَمْي اليَّوْم الثَّالِثِ من أيام التَّشْرِيقِ فيستحب له أن يأتي المحصب، وينزل به ليلة الرابع عشَر ويُصَلِّي به الظُّهْرَ والعصر والمغربَ والعِشَاءَ، روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرَبَ وَالْعِشَاءَ بِالْبَطْحَاءِ ثُمَّ هَجَعَ بِهِمَا هَجْعَةُ ثُمْ دَخَل مَكَّةَ" 1. ولو ترك النزول به لم يلزمه شَيْءٌ، وروى عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "نَزَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- المحصب وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ فَمَنْ شَاءَ نَزَلَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْهُ" 2. وحد المحصب من الأبطح ما بين الجبلين إلى المقبرة سمى به لاجتماع الحصباء فيه يحمل السيل فإنه موضع منهبط.

الفَصْلُ العَاشِرُ فِي طَوَافِ الوَدَاعِ

قال الغزالي: وَهُوَ مَشْرُوعٌ إِذَا لَمْ يَبْقَ شُغْلٌ وَتَمَّ التَّحَلُّلُ، فَلَوْ عَرَّجَ بَعْدَهُ عَلَى شُغْل بَطُلَ إلاَّ فِي شَدِّ الرِّحَالِ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَفِي كَونهِ مَجْبُوراً بِالدَّمِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى غيْرِ الحَاجِّ، وَمَهْمَا انْصَرَفَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ مَسَافَةِ القَصْرِ وَتَدَارَكَ جَازَ، وَالحَائِضُ لاَ يَلْزَمُهَا الدَّمُ بِتَرْكِ طَوَاف الوَدَاعِ، فَإِنْ طَهُرَت قبْلَ مَسَافَةِ القَصْرِ لَمْ يَلْزَمْهَا العَوْدُ بِخِلاَفِ المُقَصِرِ بَالتَّرْكِ، وَقِيلَ فِي المَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ حَاصِلُهُمَا: أَنَّ الوَدَاعَ يَفُوتُ بِمُجَاوَزَةِ الحَرَمِ أَوْ مُجَاَوَزَةِ مَسَافةِ القَصْرِ.
قال الرافعي: طَوَافُ الوَدَاعِ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِعْلًا وَقَولاً 1. أما الفعل فَظَاهِرٌ، وأما القول فنحو ما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَتَفَرَّقْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْحَائِضِ" 2. ومضمون الفصل صور نشرحها ونضيف إليها مَا لا غنًى عنه.
إحْدَاها: ذكر الإمام في "النهاية" أن طواف الوداع من مَنَاسِكِ الحَجِّ وليس على الخارج من مَكَّة وداعٌ لخروجِهِ مِنْهَا، وتابعه صَاحِبُ الكِتَاب لأنه قال: وهو مشروع إذا لم يَبْقَ شُغْلٌ وتم التحلل، فخَصَّهُ بِحَالِ تمام التَّحَلُّلِ، وذلك إنما يكون في حَقِّ الخارج وأيضًا فقد صَرَّحَ مِنْ بعد وقال: ولا يجب على غَيْرِ الخَارج لكن صَاحِبَا "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما أوردوا أن طَوَاف الوَدَاعِ ليس من جملة المَنَاسِكِ حتى يؤمر به من أراد مفارقة مَكَّة إِلَى مسافة القَصْرِ، سواء كان مَكِّياً يريد سفراً أو آفاقياً يريد الرجوع إلى أَهْلِهِ، وهذا أقرب تعظيماً للحرم وتشبيهاً لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله الإحرام، ولأنهم اتفقوا على أنه المَكِّيَ إذا حَجَّ وهو عازم على أن يقيم بوطنه لا يؤمر بطَوَافِ الوَدَاع، وكذا الآفاقي إذا حَجَّ وأراد المقام بها، ولو كان من جُمْلَةِ المَنَاسِكِ لَأشبه أن يعمَ الحَجيج.
وعن أبي حنيفة -رحمه أن- أن الأفاقي إن نوى الإِقَامة بعد أن حَلَّ له النَّفْرُ لم يسقط عنه الوداع.

الثانية: طواف الوَدَاع ينبغي أن يقع بعد جَمِيع الأَشْغَالِ ويعقبه الخروج من غَيْرِ مُكْثٍ، فَإِنْ مَكَثَ نظر إن كَان لِغَيْرِ عُذر أو اشتغل بِغَيْرِ أسباب الخُروج من شراء مَتَاعٍ أو قَضَاءِ دَيْنِ أو زيارة صَدِيقٍ أو عيادَةِ مَرِيضٍ فعليه إِعَادة الطَّوَافِ خلافاً لَأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: لا حاجة إلى الإِعَادة، وإن أقام بها شهراً أو أكثر، وإن اشتغل بأسباب الخروج من شراء الزَّادِ وَشَدِّ الرَّحْلِ ونحوهما فقد نقل الإمام فيه وجهين: أحدهما: أنه يحتاج إلى الإِعَادة ليكون آخر عَهْدِهِ بالبيت.
وأصحهما: وبه أجاب المعظم أنه لا يحتاج؛ لأن المشغول بأسْبَابِ الخُرُوجِ مَشْغُولٌ بالخُروجِ غَيْر مُقِيم.
الثالثة: طواف الوَدَاع واجبٌ 1 مَجْبُورٌ بِالدَّمِ أو مستحب غَيْر مَجْبُورٍ؟ فيه قولان كالقولين في الجَمْع بين اللَّيْلِ والنَّهَارِ بعرفة وأخوات تلك المَسْألَة ووجه الوجوب، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَنْصَرِفَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْت" 2 وهذا أصح على ما قاله صاحب "التهذيب" و"العدة".
ووجه المنع وبه قال مالك أنه لو كان واجباً لوجب على الحائض جبره بالدم؛ لأن المعذور يَفتدى عن الوَاجِبَاتِ، واحتج لهذا القول أيضاً بأن طواف القدوم لا يجب جَبْرُه بالدَّم، فكذلك طَواف الوَدَاعِ لكن عن صاحب "التقريب" إلحاق طواف القدوم بطواف الوَدَاع في وجوب الجَبْرِ، وعلى التسليم بالفَرْقِ أن طواف القُدومِ تحية البقعة وليس مقصوداً في نفسه.
ألا ترى أنه يدخل في طَوافِ العُمْرَةِ وطواف الوَدَاعِ مقصود في نفسه ولذلك لا يدخل تحت طواف آخر.
وقوله في الكتاب: (وفي كونه مجبوراً بالدم قولان، أي على سبيل الوجوب، إذ لا خلاف في أصْلِ الجبر، فإته مستحب إن لَمْ يَكُنْ وَاجِباً، ويجوز إعلامه بالواو، لأن القاضي ابْنَ كَجٍّ روى طريقة قاطعة بنفي الوجوب.
الرابعة: إذا خرج من غير وَدَاعٍ وقلنا: بوجوب الدم ثم عَادَ وَطَافَ فلا يخلو إما أن يعود قبل الانتهاء إلى مسافة القصر أو بعده، فأما في الحالة الأولى فيسقط عنه الدَّم، كما لو جاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه، وفي الحالة الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ.
أصحهما: أنه لا يسقط استقراره بالسَّفَرِ الطَّوِيلِ ووقوع الطَّوَافِ بَعْدَ العَود حَقّاً للخُرُوج الثَّانِي.

والثاني: يسقط كما لو عاد قبل الانتهاء إليها ولا يجب العود في الحالة الثَّانِيَة، وأما في الأولى فسيأتي.
الخامسة: ليس على الحائض طواف الوداع: "لأَنَّ صَفِيَّةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- حَاضَتْ فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي أَنْ تَنْصَرِفَ بِلاَ وَدَاعٍ" 1. ثم إذا طهرت قبل مفارقة خطة مكة لزمها العَوْدُ والطَّوَافُ، وإن جاوزته وانتهت إلى مسافة القَصْرِ لم يلزمها، وإن لم تنته إلَى مسافة القصر فالنص أنه لا يلزمها العود، ونص في المقصر بالترك أنه يلزمه العَوْدُ فمنهم من قرر النَّصَّيْنِ وَهُوَ الأَصَحُّ.
والفرق أن الحائض مأذونة في الانصراف من غير وَدَاعٍ والمقصر غير مأذون فيه.
ومنهم من قال: في الصورتين قولان: بالنقل والتخريج.
أحدهما: أنه يلزمه العود فيهما؛ لأنه بعد في حَدِّ حَاضِري المَسْجِدِ الحرام.
والثاني: لا يلزمه؛ لأن الوداع يتعلق بِمَكَّة، فإذا فارقها لم يفترق الحال بين أن يبعد عنها أو لا يبعد، فإن قلنا: بالثاني فالنظر إلى نَفْسِ مَكَّة أو إلى الحَرَمِ؟ فيه وَجْهَان: أولهما: أظهرهما، وقد تَقَدَّمَ نَظِيرُهُمَا فِي المَوَاقِيتِ.
وقوله: (حاصلهما أن الوداع يفوت بمجاوزة الحرم أو مجاوزة مسافة القصر) معناه أنا إذا أوجبنا العَدَدَ قبل مسافة القصر فَإِنَّمَا يَحْصُلُ الفَوَاتُ بالانتهاء إلى مسافة القَصْرِ، وإذا لم نوجبه فإنه يحصل الفوات بمجاوزة الحَرَمِ، وفيه كلامان: أحدهما: أن الفوات إنما يظهر على تقدير عدم تأدي الوَاجِب بالطَّوَافِ بعد العَوْدِ، لكنا قد بينا تأدي الواجب به وسُقُوط الدم.
أما إذا فرض قبل الانتهاء إلى مسألة القَصْرِ فلا خلاف.
وأما إذا فرض بعده فعلى أحد الوجهين: والثاني: أن تعليق الفوات بمجاوزة الحرم على القول الثاني تفريعٌ على أن المعتبر مجاوزة الحرم لكنا ذكرنا وَجْهاً آخر أن الاعتبار بنفس مكة، فعلى ذلك الوجه الفوات لو كان، ربما كان بمجاوزة مَكَّة وإن لم يجاوز الحرم، ثم إذا أوجبنا العود فعاد وطاف سَقَطَ الدَّمُ، وإن لم يعد لم يسقط، وإن لم نوجبه ولم يعد فلا دَمَ عَلَى الحَائِضِ، ويجب على المُقَصِّرِ بالترك.
واعلم: أن طواف الوداع حكمه حكم سائر أنواع الطواف في الأركان

والشَّرائط 1، وعن أبي يعقوب الأبيوردي 2 أن طواف الوداع يصح من غير طهارة وتجبر الطَّهَارَةُ بِالدَّمِ، واستحب الشافعي -رضي الله عنه- للحاج إذا طَافَ لِلْوَدَاع أن يقف بحد الملتزم بين الركن والباب ويقول.
اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ وَالْعَبْدُ عَبْدُكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلَتْنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيَ مِنْ خَلْفِكَ حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلاَدِكَ وَبَلَّغْتَنِي بنَعِيمِكَ حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وإِلاَّ فَلأنَ قَبْلَ أَنْ نَنأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلِ بِكَ، وَلاَ بِنَبِيِّكَ، وَلاَ رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلاَ عَنْ بَيْتِكَ اللَّهُمَّ أَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي طَاعَتِكَ مَا أَبْقَيْتَنِي".
قال وما زاد فحسن، وزيد فيهِ: "وَاجْمَعْ لِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى ذلِكَ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَينْصَرِفُ" 3. وينبغي أن يتبع نظره البيت ما أمكنه ويستحب أن يشرب مِنْ مَاءِ زمزم 4، وأن يزور بعد الفراغ من الحَجِّ قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد روى عنه أنه قال: "مَنْ زَارَني بَعْدَ مَوْتَى فَكَأنَّمَا زَارَني فِي حَيَاتِي" 5 "وَمَنْ زَارَ قَبْرِي فَلَهُ الْجَنَّةُ" 6 7.

الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ فِي حُكْمِ الصَّبِيَّ

قال الغزالي: وَللْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ (ح) وَيُحْضِرَهُ المَوَاقِفَ فَيَحْصُلُ الحَجُّ لِلصَّبِيِّ نَفْلاً، وَلِلأُمِّ ذَلِكَ أَيْضاً وَفِي اَلقَيِّمِ وَجْهَانِ، وَهَلْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ المُمَيِّزِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالمُمَيِّزُ يُحْرِمُ بِإذْنِ الوَليِّ، وَلَوِ اسْتَقَل لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، أَمَّا المُمَيَّزُ فَيَتَعَاطَى الأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ.
قال الرافعي: حج الصبي صحيح لما روي عن ابْنِ عَباسٍ -رضي الله عنهما-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِي فِي مَحَفَّتِهَا، فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا، فَقَالَتْ: أَلِهذَا حَجٌّ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: نَعَمْ وَلَكِ أجْرٌ" 1. وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "حَجَجْنا مع رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَعَنَا النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ فَلَبَّيْنَا عن الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ" 2. والمنقول عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه لا ينعقد إِحْرَام الصَّبِيِّ لنفسه، ولا إحرام الولي له، وربما يقولون: أنه ينعقد ليتدرب ولا يعتد به، ولا يؤاخذ بمقتضيات الإِحْرَامِ.
إذا عرفت ذلك فإن حَجَّه يختص بأحْكَامٍ يَرْجِعُ بَعْضُهَا إِلَى الإحْرَام وَبعْضُهَا إِلَى الإِحْرَام وَبَعْضُهَا إِلَى الأَفْعَالِ، وبعضها إلى المؤنات، ولوازم المحَظورات، فأراد أن يبين في هذا الفَصْلِ تِلْكَ الأَحْكَامِ.
أما الإحرام فينظر إن كان الصبي مميزاً أحرم بإذن الوَلي، وفي استقلاله وجهان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق يستقل، لأنه عبادة كما يستقل بالصوم والصلاة.
وأظهرهما: لا يستقل؛ لأنه يفتقر إلى المالِ، وهو محجور عليه في المَالِ، فإن = يصلي فيه، ويدعو في جوانبه، وأن يكثر الاعتمار والطواف تطوعاً.
قال صاحب "الحاوي": الطواف أفضل من الصَّلاة.
وظاهر عبارة صاحب "المهذب" وآخرين في قولهم: أفضل عبادات البدن الصلاة، أنها أفضل منه، ولا ينكر هذا.
ويقال: الطواف صلاة، لأن الصلاة عند الإطلاق لا تنصرف إليه، لا سيما في كتب المصنفين الموضوعة للإيضاح، وهذا أقوى في الدليل.

قلنا بالأول، فللولي تَحْلِيلُه كما سيأتي، وليس له أن يُحْرِمَ عنه، وإن قلنا بالثاني فهل لِلْوَليِّ أن يحرم عنه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، للاستغناء بعبارته.
والثاني: نعم؛ لأنه مُوَلَّى عليه بدليل عدم الاستقلال، قال الإمام -رحمه الله- وهذا ظَاهِرُ المَذْهَبِ.
وإن لم يكن مميزاً أحرم عنه وَلَيُّه، سواء كان مُحِلاًّ أَوْ مُحرِماً، وسواء حَجَّ عن نفسه أم لا، ولا يشترط حضور الصبي ومواجهته في أصح الوجهين، والمجنون كالصَّبِيِّ الذي لا يميز يحرم عنه وليه، وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ والحَنَّاطِي -رحمهم الله-، أنه لا يجوز الإحْرَامُ عَنْهُ، إذ ليس له أَهْلِيَّةُ العِبَادَاتِ، والمغمى عليه لا يحرم عنه غيره؛ لأنه لَيْسَ بِزَائِلِ العَقْلِ، وبروءه مرجو على القُرْبِ.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا أغمي عَلَيْهِ في الطريق أَحْرَمَ عَنْهُ رُفَقَاؤُهُ.
فإن قلت: ومن الولي الذي يحرم عن الصَّبِيِّ أو يأذن له؟ قلنا: الأب يتولى ذلك، وكذا الجد وإن علا عِنْد عَدَمِ الأب، ولا يتولاه عند وجوده وفيه وجه تخريجاً مما إذا أسلم الجد والأَب كافر يتبعه الطِّفل عَلَى رأي وفي الوصي والقَيِّمِ وجهان: أحدهما: إنهما لا يتوليانه؛ لأنه تصرف في نَفْسِهِ كما لا يليان النِّكَاحِ.
والثاني: أنهما يتوليانه كالأَب والجد؛ لأنهم جميعاً يتصرفون في المَالِ ويراعون مصالحه، والأول أَرْجَح عِنْدَ الإمَامَ، لكن العراقيين من أصْحَابِنَا أجابوا بالثَّانِي، وذكروا وجهين في الأخِ والعَمِّ إذا لم يكَن لَهُمَا وصايا وإذن من الحَاكِم.
أظهرهما: المنع، وفي "الأم" طريقان.
أحدهما: أن إحرامها عن الصَّبِيَّ مبنيٌّ على ولايتها التصرف في مَالِهِ، وفيه اختلاف قال الإصْطَخْرِيُّ: تليه، وقال عامة الأصحاب لاَ تَلِيه.
والطريق الثاني: القطع بأنها تحرم، واحتجوا له بخبر ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي رويناه في أول الفصل، وقالوا: الظاهر أنها كَانَت تحرم عن الذي رفعته من المحفة وبهذا الطريق أجاب صَاحِب الكتاب، والأول أشْبَهُ بكلام الأكْثَرِين.
وأما الأفعال فَمَتَى صَارَ مُحْرِماً بإحرامه أو بإحرام الوَلِي أتى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ بنفسه، ويفعل به الولي ما يَعْجَزُ عنه، فإن قدر على الطَّواف عُلِّم حتى يطوف، وإلا طِيفَ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ، والسَّعْيُ كالطَّوَافِ، ويصلي عنه الولي ركعتي الطواف إذا لم يكن مميزاً،

وإن كان مميزاً صلاهما بنفسه، وحكى القاضي ابْنُ كِجٍّ وجهاً: أنه لاَ بُدَّ وأن يفعلها الوَليُّ بِكُلِّ حَالٍ، واشترط إحضاره بعرفة ولا يكفي حضور غيره عنه، وكذا يحضر بالمزدلفة والمواقف ويناول الأحْجار حتى يرميها إن قدر عليه، وإلا رمى عنه من لاَ رَمْيَ عَلَيْهِ، ويستحب أن يَضَعَها فِي يده أولاً ثم يأخذ ويرمي.
وقوله في الكتاب: (للولي أن يحرم عن الصبي)، وقوله: (والمميز يحرم) معلمان بالحاء لما سبق.
وقوله: (فيحصل الحج للصبي نفلاً) كالمكرر في هذا الموضع لِمَا سَبَق، أن التكليف شرط في الوقوع عن حجة الإسْلاَم.
وقوله: (وفي القيم وجهان) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن عن الدَّارِكِيّ طريقةً قاطعةً بنفي الجواز للقيِّم ونحوه.
وقوله: (وأما المميز فيتعاطى الأفعال) إنما تحسم هذه اللفطة لو كان الكلام قبَلها في غير المميز لكن الكلام في المميز من قوله: (وهل للولي أن يحرم عن الصبي المميز).
قال الغزالي: وَمَا يَزِيدُ مِنْ نَفَقَةِ السَّفَرِ عَلَى الوَلِيِّ أَوِ الصَّبِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوَازِمُ المَحْظورَاتِ لَمْ تَجِبْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ نَظَرًا لَهُ فَإِنْ أَوْجَبَ فَعَلَى الوَليِّ أَوِ الصَّبِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ، ويفسُد حَجُّهُ بِالجِمَاعِ، وَفِي لُزُومِ القَضَاءِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ عَلَى البَدَنِيَّةِ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، لأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَإِنْ أَوْجَبَ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الصَّبيِّ عَلَى أحدِ الوَجْهَيْنِ لِكَوْنِهِ فَرْضاً، فإذا بَلَغَ لَزِمَهُ القَضَاءُ بَعْدَ الفَرَاغِ عَنْ فَرْضِ الإسْلاَمِ.
قال الرافعي: الغرض الآن الكلام في المؤنات وَفِدْيَةِ المَحْظُورَاتِ، وفيه صور.
إحْدَاها: القدر الزائد في النفقة بسبب السَّفَرِ في مَالِ الصبي، أو على الوَلِيِّ؟ فيه وجهان، ويقال: قولان: إحداهما: أنه في مَالِ الصَّبِيِّ؛ لأن الحَجِّ يحصل له كما لو قبل له نكاحاً يكون المهر عليه؛ لأن النِّكَاحَ يحصل له.
وأصحهما: أنه على الوَلِيِّ وبه قال مالك وأحمد؛ لأنه الذي أدخله وَوَرَّطَه فيه، ويخالف النِّكَاح فَإِنَّ المنكوحة قد تفوت والحج يمكن تأخيره إلى أن يبلغ؛ فعلى هذا لو أحرم الصَّبِيُّ بِغَيْرِ إِذِنِهِ وجَوّزناه حَلَّلَهُ فإن لم يفعل أَنْفَقَ عليه.
الثانية: يُمْنَع الصَّبِيُّ المُحْرِم من مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ فلو تطيب أو لَبِسَ نَاسِياً فلا فدية كالبالغ النَّاسِي، وإن تَعَمَّدَ فَقَدْ بَنُوهُ عَلَى أَصْلٍ يذكر في الجِنَايات وهو أن عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَوْ خَطَأ؟ إن قلنا: إنه خَطَأ فلا فدية.

وإن قلنا: عمد، وجبت وهو الأصَح.
قال الإمام: المحققون قطعوا به؛ لأن عمده في العبادات كعَمْدِ البَالِغِ؛ ألا ترى أنه إذا تَعَمَّدَ الكَلاَمَ بَطَلَتْ صَلاتُه، أو الأكلُ بَطَلَ صَوْمُه.
وعن الدَّارِكِي نقل قول فارق بين أن يكون الصبي ممن يلتذ بالطيب واللّباس، أو ممن لا يلتذ بذَلِكَ، ولو حلق أو قلم أو قتل صَيْدًا، وقلنا: عَمْدُ هذه الأفعالِ وَسَهْوِهَا سواء على ما سيأتي وَجَبَتِ الفِدْيَة.
وإن قلنا: يختلف حكم عَمْدِهَا وسهوها فهي كالطِّيبِ واللِّباس، ومتى وجبت الفدية فَهِيَ على الوَليِّ أو في مَالِ الصَّبِيِّ؟ فيه قولان: أحدهما: في مال الصبي؛ لأن الوُجوبَ بسبب ما ارتكبه.
وأصحهما: في مال الولي، وبه قال مالك: لأنه الذي أوقعه فيه وغرر بماله، وهذا إذا أحرم بِإذْنِهِ فإن أحرم بغير إذن الوَلِيّ وجوزناه فالفدية في مال الصَّبِيَّ بلاَ خِلاَفٍ ذكره في "التتمة" ومتى وجبت الفدية في مال الصبي فإن كانت مرتبة فحكمَها حكم كَفَّارَةِ القَتْلِ، وإلا فَهَلْ يجزي أن يبتدئ بالصوم في الصِّغَرِ؟ فيه وجهان: مبنيان على خِلاَفٍ سنذكره إن شاء الله تعالى في أنه إذا أفسد الحَجِّ هل يجزئه قضاؤه في الصغر؟ وليس للولي والحالة هذه أن يفدي عنه بالمَالِ؛ لأنه غير متعين، وعن أبي الحُسَيْنِ حكاية وجه أنه إن أحرم به الأب أو الجد فالفِدْيَة في مَالِ الصَّبي، وإن أَحرَمَ بهِ غَيْرُه فَهِيَ عَلَيْهِ.
الثالثة: إذا جامع ناسياً أو عامداً، وقلنا: إن عمده خَطَأٌ ففي فَسَادِ حَجَّه قولان: كالبالغ إذا جَامَعَ نَاسِياً والأظهر أنه لا يفسد، وإن قلنا: إن عمده عَمْد فسد حَجُّه، وإذا فَسَدَ هَلْ عَلَيهِ القَضَاءُ، فيه قولان: أحدهما: لا، لأنه ليس أهْلاً لوجوب العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ.
وأصحهما: نعم، لأنه إحْرَامٌ صَحِيحٌ فيوجب إِفْسَادُه القَضَاءَ كَحَجِّ التَّطُوُّعِ، وعلى هذا فَهَلْ يجزئه القَضَاءُ في الصَّبِي؟ فيه قولان، ويقال: وجهان: أصحهما: نعم، إعتباراً بالأَدَاءِ.
والثَّاني: لا، وبه قال مَالِكٌ وَأَحْمَد لأنه فَرْضٌ، وهو ليس أَهلاً لآداء فَرْضِ الحَجِّ بدليل حجَّةِ الإِسْلاَمِ.
وإذا قلنا: بهذا، ولم يَقْضِ حتى بلغ، نظر فيما أفسدها إن كانت بحيث لو سلمت عن الفَسَادِ لأجزائه عن حَجَّة الإِسْلاَم بأن بَلَغَ قَبل فوات الوُقوفِ تأدّت حَجَّة الإسْلاَم بالقضاء وإن كانت لا تجزئه وإن سلمت عن الفَسَاد لم تتأد، وعليه أن يبدأ بحَجَّةِ

الإسْلاَم، ثم يقضي، فإن نَوَى القَضَاء أَوَّلاً انصرف إلى حجَّةِ الإسْلاَمِ، وإن جوزنا القضاء في الصِّغَرِ فشرع في القَضَاء وبلغ قبل الوُقوفِ انصرف إلى حجَّةِ الإسْلاَم وعليه القضاء.
ومهما فسد حجة ووجبنا القضاء وَجَبَتِ الكَفَّارة أيضاً، وإن لم نوجب القَضَاءَ ففي الكفارة وجهان.
والأصح: الوجوب، وقد يعكس هذا الترتيب فيقال: إن لم تلزمه الْفِديَة ففي القَضَاءِ خِلاَفُ والفرق أن القَضَاءَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وحال الصبي أبعد عنها، وهذا الترتيب هو الذي ذكره في الكتاب، فقال: وفي لزوم القَضَاء خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ على الفِدْيَةِ، وإذا وَجَبَتِ الكَفَّارة فهي على الوَلِيّ أو في مال الصبي؟ فيه الخلاف السَّابق.
وقوله: (ولوازم المحظورات لا تجب على أحد الوجهين) هذا الوجه هو الذي يتخرج على قولنا: عمد الصَّبِيِّ خَطَأٌ، وإنما نجعل عمدَهُ خَطَأً؛ لأن حاله يناسب التخفيف، وإليه أشار بقوله: (نظراً له) وقوله: (يفسد حجه بالجماع) جوابٌ على الأَصَحِّ من الخِلاَف المذكور فيه.
وقوله: (فإذا بلغ لزمه القَضَاءُ بعد الفَراغَ عن فرض الإسلام) مُتَعَلِّقٌ بقوله: (لم يصح من الصبي على أحد الوجهين) ومفرع عليه.
واعلم أن حكم المَجْنُونِ حكم الصَّبِيِّ الذي لا يميز في جميع ذلك.
ولو خرج الوَلِيّ بالمجنون بعدمَا استقر فَرْضُ الحج عليه وأنفق عليه من ماله نظر أن لم يفق حَتَّى فات الوقوف غرم له الولي زِيادَةَ نَفَقَةِ السَّفَرِ، وإن أفاق وأحرم وَحَجَّ فلا غرم عليه، لأنه قضى ما وجب عليه، ويشترط إِفاقتُه عِنْدَ الإحْرَام والوقوف والطواف والسَّعْي، ولم يتعرضوا لحالة الطواف وقياس كونه نسكاً اشتراط الإفاقة فيه كسائر الأَرْكَانِ.
قال الغزالي: وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ في حَجِّهِ قَبْلَ الوُقُوفِ (ح) وَقَعَ عَنْ حجَّةِ الإسْلاَمِ فَإِنْ كَانَ قَد سَعَى قَبْلَهُ لَزِمَهُ الإعَادَةُ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَهِلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ بِنُقْصَانِ إِحْرَامِهِ إِذَا وَقَعَ في الصِّبَا؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَعتْقُ العَبْدِ في الحَجِّ كَبُلُوغِ الصَّبِيِّ، وَلَوْ أَطْيَّبَ الوَلِيُّ الصَّبِي فَالفِدْيَةُ عَلَى الوَلِيِّ، إِلاَّ إِذَا قَصَدَ المدَاوَاةَ فَيَكُونُ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ عَلَى أَحَدِ الوَجْهِيْنِ.
قال الرافعي: الفَصْلُ يشتمل على مسألتين: الأولى: لو بَلَغَ الصبيُّ في أثناء الحَجِّ نظر أن بَلَغَ بعد الوُقُوفِ بعرَفَة لم يجزئه عن حَجَّةِ الإسْلاَم، ولا فرق بين أن يكون وَقْتُ الوُقوفِ بَاقِياً أو فائتاً لكنه لم يَعُدْ إلى الوقوفَ لِمَضيِّ مُعْظَم العِبَادَةِ في حَالِ النُّقْصَانِ، ويخالف الصَّلاة حيث تجزئه إذا بَلَغ في أثنائها أو بعدها؛ لأن الصَّلاةَ عَبادُةُ تكرر، والحج عِبَادَةُ العُمْرِ فيعتبر وقوعها أو وقوع مُعْظَمِهَا في حَالِ الكَمَالِ.

وعن ابْنِ سُرَيْجٍ -رحمه الله- أنه إِذَا بَلَغَ ووقت الوُقُوفَ بَاقٍ يُجْزِئُهُ عن حَجَّةِ الإسْلاَم وإن لم يعد إلى الموقف، وإن بلغ قبل الوقوف أو بلغ وهو واقف وقعت حجته عن حَجَّةِ الإسْلاَم، خلافاً لمالك حيث شرط فيه وقوع جميع الحَجِّ في حالة التكليف ولأبي حنيفة فإنهَ لا يعتد بإحرام الصَّبِي على مَا سُبَقَ.
وهل يجب إعادة السَّعْي لو كان قَدْ سَعَى عُقَيْبَ طَوَافِ القُدُومِ قبل البلوغ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، ولا بأس بتقدم السَّعْي كتقدم الإحْرَام.
وأصحهما: نعم، لوقوعه في حالة النقص، ويخالف الإحْرَام فإنه مُسْتَدَامٌ بعد البُلوغِ والسَّعْي، لاستدامته له، وقد بنوا الوجهين على أنه إذا وقع عن حجَّةِ الإسْلاَم كيف تقديراً إحرامه أنقول بأنه يتعين انعقاده في الأصل فرضاً، أو نقول بأنه انقعد نفلاً ثم انقلب فرضاً؟ فإن قلنا: بالأول فلا حَاجَةٍ إِلى الإعَادَةِ، وإن قلنا: بالثاني فَلاَ بُدَّ منها وإِذَا وَقَعَ حَجُّه عَنْ حَجَّةِ الإِسْلاَمِ فهل يلزمه دم؟ فيه طريقان: أظهرهما: وهو المذكور في الكِتَابِ أنه على قولين: أحدهما: نعم؛ لأن إحْرَام مِنَ المِيقَاتِ نَاقِصٌ لأنه ليس بفرضٍ.
وأصحهما: لا؛ لأنه أَتى بما فِي وُسْعِهِ، ولم تصدر منه إساءَةٌ.
وبنى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَبْرُهُ القولين على الأَصْلِ المذكور: إن قلنا، بالتعيين فلا دم عليه، وإن قلنا بانعقاده نفلاً لزم.
والطريق الثاني: القطع بأنه لاَ دَمَ عليه، وبه قال الإصْطَخْرِيُّ وَابْنُ سَلَمَة، وهذا الخلاف فيما إذا لم يَعُدْ بعَدَ البلوغِ إلى الميقَاتِ، فإن عاد إليه لم يلزمه الدَّمُ بِحَالٍ؛ لأنه أتى بالممكن أولاً وآخراً، وبذل ما في وسعه، وفيه وجه بعيد.
والطَّواف في العمرة كالوقوف في الحَجِّ، فلو بلغ قبله أجزأته عمرتُه عن عمرةِ الإسْلاَمِ.
وعتق العبد في أثناء الحَجِّ والعمرة كبلوغ الصَّبِيِّ في أثنائهما.
ولو أن ذِمِّياً أتى الميقات مريداً للنسك فأحرم منه لم ينعقد إحرامه؛ لأنه ليس أهلاً لَلعبادات البَدَنِية، فإن أسلم قبل فوات الوُقوفِ ولزمه الحَجُّ فله أن يَحُجَّ مِنْ سنته، وأن يؤخر فإن الحَجَّ على التَّرَاخِي، فإن حَجَّ من سنته فعاد إلى المِيقَاتِ فأحرم منه أو أحرم من موضعه وعاد إِلْيهِ محرماً فلا شَيْءَ عليه، وإن لم يعد لَزِمَهُ الدَّمُ، كالمسلم إذا جاوَزَهُ عَلَى قَصْدِ النُّسُكِ، ولا يجئ فيه الخلاف المذكور في الصَّبِي إذا وقعت حَجَّتُهُ عَنْ حَجَّةِ الإسلام؛ لأنه حين مر بالميقات كان بسبيل من أن يسلم ويحرم بخلاف الصبي.
وقال أبو حنيفة رحمه الله والمُزَنِي: لا دم عليه، وعن أحمد روايتان: المسألة الأخرى: ذكرنا الخلاف في وجوب الفِدية إِذَا بَاشَرَ الصبي محظوراً وأنها إِذَا وجبت على من تجب.

فأما إذا باشره الولي بأن طَيَّبَهُ أو أَلْبَسَهُ أو حَلَقَ رَأْسَهُ فينظر إنْ فَعَل ذَلِكَ لِجَاجَةٍ الصَّبِيِّ كما لو طيبه تَدَاوِياً، فهل هو كمباشرة الصَّبِيِّ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل الفِدْيَةُ على الوَلِيّ بلا خِلاَفٍ تقديماً للمباشرة.
وأصحهما: أنه كمباشرة الصبي، لأنه وليه، وإنما فعل ما فعل لِمَصْلَحَتِهِ، وقد قيل: أَن مأخذ الوجهين أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال: "وتجب الفدية على المداوي" فقرأه بعضهم بكسر الواو حملاً على الولي وبعضهم بفتحها حملاً على الصبي، والوجهان شبيهان بالوجهين فيما إذا أُوجِزَ المُغْمَى عليه معالجة له في باب الصوم.
ولو طيب الصبي لا لحاجة فالفدية عليه، وكذا لو طيبه أجنبي، وهل يكون الصبي طريقاً؟ فيه وجهان.

الْبَابُ الثَّالِثُ في مَحْظُورَاتِ الحَجِّ والعُمْرَةِ

وَهِيَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ

قال الغزالي

###: النَّوْعُ الأوَّلُ: اللُّبْسُ

وَيَحْرُمُ عَلَى المُحْرِمِ أَنْ يَسْتُرَ رَأْسِهُ بِمَا يُعَدُّ سَاتِراً مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ إزَارٍ أَوْ عِمَامَةٍ، وَلَو تَوَسَّدَ بِوِسَادةٍ أَو اسْتَظَلَّ بَالمَحْمَلِ أَوِ انْغَمَسَ في مَاءٍ فَلاَ بَأْس، وَلَو وَضعَ زنْبِيلاً عَلَى رَأْسهِ أَوْ حملاً فَفِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ طَيّن رَأَسَهُ فَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَلَوْ شَدَّ خَيْطاً عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَضُرَّ بِخِلاَفِ العِصَابَةِ، وَأَقَلُّ مَا يَلْزَم الفِدْيَةَ أَنْ يَسْتُرَ مِقْدَاراً سِتْره لِعَرْضِ شَحّةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قال الرافعي: مقصود الباب بيان ما يَحْرُمُ بسبب الإِحْرَامِ بالحج أو العمرة وهي في تعديد صَاحِب الكتاب سبعة أنواع.
أحدهما: اللِّبْسُ، والكلام في حق غير المعذور ثم في المعذور.
أما في حق غير المعذور، فالنظر في الرَّجل، ثم في المرأة، ومن الرجل في الرَّأْسِ، ثم في سَائِر البدن.
أما الرأس ففيه فَصْلان.
أحدهما: في السَّاتِرَ.
ولا يجوز للرجل أن يستر رأسه، قال -صلى الله عليه وسلم- في المحرم الذي خَرَّ مِنْ بَعِيرِهَ "لا

تُخَمَّرُوا رَأْسَهُ فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِيّاً" 1. ولا فرق بين أن يستر بمخيط كالقلنسوة، أو بغير مخيط كالعمامة والإزار والخرقة، وكل ما يعد سَاتِراً وإذا ستر لزمه الفدية، لأنه باشر محظوراً كما لو حَلَق.
ولو توسد بوسادة فلا بأس وكذا لو توسد بعمامة مكورة، لأن المتوسد يُعَدّ في العُرْفِ حَاسِر الرأس.
ولو استظلَ بِمَحْمَلِ أو هودج فلا فدية عليه أيضاً، لأنه لا يعد ذلك سترًا للرأس، كما لو استظل ببناء، وكذلك لو انغمس في مَاءٍ فاستوى الماء على رأسه، وخصص صاحب "التتمة" نفي الفدية في سورة الاستظلال بما إذا لم تمس المظلة رأسه، وحكم بوجوبها إذا كانت تَمَسُّه، وهذا التفصييل لم أره لغيره، وإن لم يكن بُدٌّ منه فالوجه إِلحاقه بوضع الزمبيل 2 على الرأس.
والأصح فيه أن فديه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وعن مَالِكٍ وأحمد -رحمهما الله-: أنه إذا استظل بالمحمل رَاكِبًا افتدى، وإن استظل به نازلاً راجلاً فلا، وروى الإمام عن مالك الخلاف في سورة الانغماس أيضاً.
لنا: في الاستظلال ما روي عن أم الحصين قالت: "حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلاَلاً أَحَدُهُمَا آخِذٌ بحِطَام نَاقَتِهِ، وِالآخَرُ رَافِعاً ثَوْبَهُ يَسْتُرَهُ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ" 3. ولو وضع زنبيلاً على رأسه أو حملاً فقد ذكر أن الشافعي -رضي الله عنه- حكى عن عَطَاء: أنه لا بأس به 4، ولم يعترض عليه، وذلك يشعر بأنه ارتضاه فإنَّ من عادته الرَّد عَلَى المَذْهَبِ الذي لاَ يَرْتَضِيه، وعن ابنِ المُنْذِرِ والشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أنه نَصَّ في بعض كتبه على وجوب الفِدْية، فمن الأصحاب من قطع بالأولَ ولم يثبت الثَّاني، ومنهم من أطلق قولين، وهو ما أورده في الكتاب، ووجه الوجوب ما يروى عن أبي حنيفة إن غطىَ رأْسَه فأشبه ما لو غطاه بشَيْء آخر، ووجه عَدَمِ الوجُوب أن مقصوده نَقْل المتاع لا تغطية الرَّأسِ، على أن المحرمَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ من التَّغْطِيَةِ بما لاَ يقصد السَّتْر بِهِ ألا ترى إلى

ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "احْتَجَمَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ" 1. وأيضاً فلو وضع يده على رأسه لم يضر، وسواء ثبت الخِلاَف أَمْ لاَ، فظاهر المَذْهَبِ أنه لاَ فَدْيَة.
ولو طَيَّن رَأسه ففي وجوب الفدية وجهان، كالوجهين فيما إذا صَلَى بالطِّين عَوْرَتَهُ وَصَلَّى هَلْ يجزئه.
والمذهب هَاهنا وجوب الفدية، وفي تلك الصورة صِحَّة الصَّلاة لوجود السَّتْرِ والتغطية، وهذا إذا كان ثَخِيناً سَاتِراً أما المائع الذي لا يَسْتُر فلا عبرة به، وعلى هذا التفصيل حكم الحِنَّاء والمَرَاهِمِ ونحوها.

الفصل الثاني في القدر الذي يقتضي سَتْرُهُ الفِديَة، ولا يشترط لوجوب الفدية استيعاب الرأس بالسَّتْرِ كما لا يشترط فِي فِدْيَةِ الحَلْقِ الاستيعاب، بل تجب الفدية بِسَتْرِ بَعْضِ الرَّأسِ، وضبطه أن يكون المستور قدراً يقصد ستره لَغَرَضٍ من الأغراض كَشَدِّ عِصَابَةٍ، وإلْصَاقِ لُصُوق لِشَجَّةٍ ونحوها، هكذا ضبطه المصنف والإمام، فقد نَفَلاَ وغيرهما أنه لو شَدَّ خيطاً على رأسه لم يَضُر، ولم تجب الفدية؛ لأن ذلك لا يمنع من تَسْمِيَتِهِ حَاسِرَ الرَّأسِ، وهذا ينقض الضابط المذكور؛ لأن ستر المقدار الذي يحويه شد هذا الخيط قد يقصد أيضاً لغرض منع الشّعر من الانتشار وغيره، فالوجه النظر إلى تسميته حاسر الرأس ومستور جميع الرأس أو بعضه 2 -والله أعلم-.
وقوله في الكتاب: (أن يستر مقدارًا يقصد ستره إلى آخره) مُعَلَّمْ بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- لا تكمل الفدية إلا إِذَا ستر رُبُعَ الرأس فصاعداً فإن ستر أقل من ذلك فعليه صدقة -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا سَائرُ البَدَنِ فَلَهُ سَتْرُهُ لَكِنْ لاَ يَلْبَسُ المَخِيطَ الَّذِي أَحَاطَتْهُ الخِيَاطَةُ كَالقَمِيصِ، أَوِ النَّسْجَ كَالدِّرْعِ، أَوِ العِقْدَ كجُبَّة الِلِّبْدِ، وَلَو ارْتَدَى بِقَمِيصٍ أَوْ جُبَّةِ فَلاَ بَأْسَ وَكَذَا إِذَا الْتَحَفَ نَائِماً، وَلَوْ لَبِسَ القُبَّاء لَزِمَهُ الفِدْيَةُ وإنْ لَمْ يُدْخِلُ اليَدَ في الكُمِّ وَلاَ بأْس بِعَقْدِ الإِزَارِ بِتِكَّةٍ تَدْخُلُ في حُجْزةٍ، وَلاَ بالهِمْيَانِ وَالمِنْطَقَةِ، وَلاَ بِلَفِّ الإِزَارِ عَلَى السَّاقِ.
قال الرافعي: ما سوى الرأس من البَدَنِ يجوزِ للْمُحْرِمِ سَتْرُه، ولكن لا يجوز له

لبس الَقَمِيص والسَّرَاوِيلِ والتِبَّان والخف، روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِل عما يلبس المحرم من الثِّيَاب فقال: "لاَ يَلْبُسُ الْقَمِيصَ وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ وَلاَ الْعَمَائم وَلاَ الْبَرَانِسَ وَلاَ الْخِفَافَ إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبس خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" 1. ولو لبس شيئاً من ذلك مختاراً لزمه الفدية، سواء طَالَ زَمَانُ اللبس أَوْ قَصُر.
وقال أبو حنيفة: إنما تلزم الفدية التامة إذا استدام اللبس يوماً كَامِلاً فإن كان أقل فَعَلَيْهِ صَدَقَة.
لنا: أنه بَاشَرَ مَحْظُورَ الإِحرَامِ فتلزمه الفِدْيَة كما لَوْ حَلَق.
ولو لبس القباء تلزمه الفِدية سواء أدخل يَدَيْهِ في الكمين واْخرجهما منهما أم لا، وبه قال مَالِكٌ وأحمد -رحمهما الله- خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- في الحالة الثانية.
لنا: أنه لبس مخيطاً على وجهٍ معتادٍ فتلزمه الفِدْيَة كما لو لَبِسَ القَمِيصَ، وهذا لأن لابس القباء قد يدخل كتفه فيه ويتركه كذلك.
ولو ألقى على نفسه قباء أو فرجياً وهو مضطجع، قال الإمام: إن أخذ من بدنه حتى ما إذا أقام عد لاَبِساً فعليه الفِدْيَة، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أَمْرٍ فلا.
وقوله في الكتاب: (وإن لم يدخل اليد في الكم) يجوز أن يُعَلَّم مع الحاء بالواو؛ لأنه نقل عن "الحَاوِي" أنه إن كان من أقبية خراسان قصير الذَّيْلِ ضيق الاكمام لَزِمَت الفدية وإن لم يدخل اليَدِ في الكُمِّ، وإن كان من أقبية العِرَاق طويل الذيل واسع الأَكِمَّة فلا فدية حتى يدخل يديه في كُمَّيْهِ.
واعلم أن قولنا: لا يلبس المخيط، ترجمة لها جزآن لبسٌ ومخيط.
فأما اللبس فهو مرعي في وجوب الفِدْية على ما يعتاد في كل ملبوس، إذ به يحصل التَّرَفُّهُ والتَّنَعُّمُ فلو ارتدى بِقَمِيص أو قباء، أو التحف فيهما أو اتزر بِسَرَاوِيل فلا فدية عليه، كما لو اتزر بإزار خيط عليه رقاع.
وأما المَخِيط فخصوص الخياطة غير معتبر، بل لا فرق بين المخيط وبين المنسوج كالدَّرْعِ، والمعقود كجبة اللبد، والملفق بعضه ببعض قياساً لغير المخيط على المخيط 2

وقد جمعها في الكتاب بقوله: (لا يلبس المخيط الذي أحاطته بالخياطة إلى آخره).
والمتخذ من القطن والجلد وغيرهما سواء، ويجوز أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطاً ليثبت، وأن يجعل له مثل الحجزة ويدخل فيها التِّكَّة إِحْكَاماً وأن يشد طرف إزاره في طرف ردائه، ولا يعقد رداءه، وله أن يغرزه في طَرَفِ إِزَارِهِ، ولو اتخذ لردائه شَرَحاً وعرى وربط الشرج بالعرى فأصح الوجهين أنه تجب الفِدْية؛ لأن هذه الإحاطة قريبة من الخِيَاطة 1. ولو شَقَّ الإزار نصفين وَلَفَّ كُلَّ نِصْفٍ على سَاقٍ وَعَقَدَهُ، فالذي نقله الأصحاب وجوب الفدية؛ لأنه حينئذ كالسراويل، ورأى الإمام أنها لا تجب بمجرد اللَّفِ والعَقْدِ، وإنما تجب إذا فرضت خياطة أو شرج وعرى.
وقوله في الكتاب: (ولا يلف الإزار على الساق) إن أراد به هذه الصورة فهو اتباع لرأي الإمام فليكن مُعَلَّماً بالواو، وليُعْلَم أن الظاهر خِلافُهُ، ويحوز أن يحمل على اللَّف من غير أن يشق، ويجعل له ذيْلاَنِ، وعلى هذا فلا إعلام؛ إذ لا خِلاَفَ في أن للمحرم أَنْ يشتمل بالرداء والإزار طاقتين وثلاثاً ولا بأس بتقلد المُصْحَفِ والسَّيْفِ.
"قَدِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَكَّةَ مُتَقَلِّدِينَ سُيُوفَهُمْ عَامَ عُمْرَةِ الْقِضَاءِ" 2 ولا بأس أيضاً بشد الهِمْيَان والمنطقة على الوسط لحاجة النفقة ونحوها، وقد روى الترخيص فيه عن عائشة 3 واَبن عباس 4 -رضي الله عنهما،- وروي عن مالك المنع، من شَدِّ الهِمْيَان والمنطقة لكن لم يثبت المتقنون في النقل الرواية عنه.
وقوله في أول الفصل: (أما سائر البدن فله سَتْرُه) يجوز أن يُعَلَّم بالحَاءِ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يجب عليه كشف الوَجْهِ مع الرأس، وأيهما ستره فعليه الفدية.
لنا: ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في المحرم الذي خَرَّ عن بعيره ومات "خَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلاَ = بعضه ببعض كالثوب من اللبد، ويؤخذ من التعبير بالمخيط وغيره أن مجرد الستر لا يحرم، وإنما يحرم ما ذكرناه، وكذا الورق كما قاله في "الكفاية".
وإن زر الإزار أو شوكه أو خاطه، لم يجز، نص عليه في "الإملاء".
الثالث: سائر البدن ويؤخذ منه أنه يحرم أن يتخذ لساعده أو لعضو آخر شيئاً يخيط به وهو كذلك على الأصح الذي أجاب به كثيرون كما قاله الرافعي.

تخَمِّرُوا رَأْسَهُ" 1 الخبر.
قال الغزالي: أَمَّا المَرْأَة فإِحْرَامُهَا عَلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ، وَلَهَا أَنْ تَسْتَتِرَ بِثَوْبٍ مُتَجَافٍ عَنِ الوَجْهِ وَاقِعٍ بِإزَائهِ، هَذَا في غيْرِ المَعْذُورِ.
قال الرافعي: ذكرنا حكم الستر واللبس في حَقِّ الرجل المُحْرِمِ.
أما المرأة فالوجه في حقها كالرأس في حق الرجل، ويعبر عن ذلك بأن إحرام الرَّجُلِ في رأسه، وإحرام المرأة في وَجْهِهَا، والأصل فيه ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَنْتَقِبُ الْمرْأَة وَلاَ تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ" 2. وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ النِّقَابِ" 3. وتستر الرأس وسائر البدن والقدر اليسير من الوَجْهِ الذي يلي الرأس لها ستره، إذ لا يمكن استيعاب الرأس بالسَّتْرِ إلا بِسَتْرِهِ.
فإن قيل هلا قلتم: تكشف جميع الوجه، ويعفى عن كَشْفِ الجُزْءِ الذي يليه من الرأس.
قيل: الستر أحوط من الكشف، وأيضاً فالمقصود إظْهار شعار الإِحْرَام بالاحتراز عن التَّنْقِيبِ، وستر الجزء المذكور لا يقدح فيه، والرأس عَوْرَةٌ كلهُ فَيُسْتَرُ.
ويجوز لها أن تسدل ثوباً على وجهها متجافياً عنه بخشبة وغيرها، كما يجوز للرَّجُلِ الاستظلال بالمَحْمَلِ والمظلة، ولا فرق بين أن يفعل ذلك لحاجة من دفع حر أو برد أو فتنة أو لغير حاجة، فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وَجْهَهَا من غير اختيارها ورفعته في الحال فلا فدية، وإن كان عمداً أو استدامته وجبت الفِدْية.
ويجوز للمرأة لبس المخيط من القميص والسَّرَاوِيل والخُفِّ وغيرها، رِوي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَلْوَانِ، الثِّيَاب مُعَصْفَراً، أَوْ خَزّاً، أو حُلِيّاً، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ خُفّاً" 4 وإذا ستر الخنثىَ المشكل رأسه أو وجهه فلا فدية لاحتمال أنه امرأة في الصورة الأولى، ورجل في الثانية، وإن سترهما جميعاً وجبت.
وقوله في الكتاب: (أما فإحرامها في وجهها فقط) أعلم بالواو، لأن منهم من ضَمَّ الكَفَّيْنِ كما ستعرفه في مسألة القفازين.

قال الغزالي: أَمَّا المَعْذُورُ بِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍّ فَلَهُ اللُّبْسُ وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ الفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ سَرَاوِيلَ وَلَوْ فَتَقَهُ لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ إِزَارٌ فَلْيَلْبَس وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ، وَكَذَا إِذَا قُطِعَ الخُفُّ أَسْفَلَ الكَعْبَيْنِ، وَاسْتِتَارُ ظَهرِ القَدَمِ بِهِ كَاسْتِتَارِهِ بِشِرَاكِ النَّعْلِ.
قال الرافعي: قد عرفت حكم غير المعذور.
وأما المعذور ففيه صور: أحدها: لو احتاج الرجل إلى سَتْرِ الرأس أو لبس المخيط بِعُذْرٍ حَرٍّ أو بَرْدٍ أو مداواةٍ جاز له ذلك، وكذا المرأة لو احتاجت إلى ستر الوجه، ولكن تجب الفدية كما إذا احتاج إلى الحَلْقِ بسبب الأَذَى جاز الحلق ولزمت الفِدْيَة على ما نَصَّ عليه القرآن.
الثانية: لباس المحرم الرِّدَاء والإزار والنّعْلاَن على ما مُرّ، فلو لم يجد الرداء لم يجز له لِبْسُ القَمِيص، بل يرتدي ويتوشح به، ولو لم يجد الإزَار ووجد السَّرَاوِيل نُظِر، إن لم يتأت اتخاذ إزار منه إما لصغره أو لفقد آلات الخِيَاطَة أو لخوف التَّخَلُّفِ عن القافلة فله لبسه؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "من لَمْ يَجِدِ الإزَارَ فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ" 1 وإذا لبسه فَلاَ فِديَةَ عَلَيْهِ.
وقال أبو حنيفة ومالك: تجب الفدية.
وإن تَأَتَّى اتخاذ إزارٍ منه فلبسه على هيئته فهل تلزمه الفدية؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما لو لبس الخف قبل أن يقطعه.
والثاني: لا، لإطلاق الخبر، وفي الخُفِّ أمر بالقطع على ما روينا في خبر ابن عمر -رضي الله عنهما-، وبالوجه الأول أجاب الإمام، وتابعه المصنف حيث قيد فقال: (ولو فتقه لم يتأت منه إزار فلا فدية) ولكن الأصح عند الأكثرين: إنما هو الوجه الثاني، وإذا لبس السراويل لفقد الإزار ثم وجده فعليه النزع، ولو لم يفعل فعليه الفِدْيَة.
وقوله في الكتاب: (فلا فدية للخبر) المراد من الخبر ما رويناه، وما الاستدلال به على نَفْي الفِدْيَةِ من جهة أنه يقتضي تجويز اللّبس عند فقد الإزار، والأصل في مباشرة الجَائِزَاتَ نَفْي المؤاخذة.
الثالثة: إذا لم يجد النعلين لبس المكعب أو قطع الخُفَّ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبِ ولبسه، وهل يجوز لبس الخف المقطوع والمكعب مع وجود النعلين؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لشبهه بالنَّعْلِ ألا ترى أنه لا يجوز المَسْحُ عَلَيْهِ.
وأصحهما: لا؛ لأن الإذن في الخَبَرِ بقيد شرط: أن لا يجد النَّعْلَيْنِ، وعلى هذا

لو لبس الخف المقطوع لفقد النعلين ثم وجد النعلين نزع الخف، فلو لم يفعل افتدى، وإذا جاز لبس الخف المقطوع لم يضر استتار ظهر القدم مما بقي منه لحاجة الاستمساك، كما لا يضر استتاره بشراك النعل.
فإن قلت: ما معنى عدم وجدان الإزار والنَّعْلِ.
قلنا: المراد منه أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده في ذلك المَوْضِع، أو لعدم بذل المَالِك إيَّاه، أو لعجزه عن الثَّمَنِ إن باعه أو للأجرة إن اجره ولو بيع بغبن أو نسيئةٍ لم يلزمه شِرَاؤُه، ولو أعير منه وجب قبوله، ولو وهب لم يجب، ذكر هذه الصورة القاضي ابْنُ كِجٍّ وقد كتبنا نظائرها في المَاءِ للطَّهَارَةِ والثوب لستر العورة وبالله التوفيق.
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ لُبْسُ القُفَّازَيْنِ فِي اليَدَيْنِ، وَللْمَرْأَةِ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وإن اتَّخَذَ لِلِحْيَتِهِ خَرِيطَة فَفِي إِلْحَاقِهِ بَالقُفَّازَينِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: ليس للرجل لبس القفازين كما ليس له لبس الخفين، وهل للمرأة ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: قال: في "الأم" و"الإملاء" لا، وبه قال مالك وأحمد -رضي الله عنهما-؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنْ لِبْسِ القُفَّازَيْنِ" 1 وأيضاً فإن اليد عضو لا يجب على المرأة ستره في الصَّلاة، فلا يجوز لها سَتْرُه في الإِحْرَامِ كالوجه.
والثاني: وهو منقول المزني نَعَم، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا" 2 فخص الوجه بالحكم، وذكر في الكتاب أن هذا أصح القولين، لكن أكثر النقلة على ترجيح الأول، منهم صاحب "التهذيب" والقاضي الرّوَيانِي، فإن جوزنا لَهَا لِبْسَهُمَا فلا فدية إذا لَبِسَتْ، وإلا وجبت الفدية ولو اختضبت بالحِنَّاء وألقت على يدها خِرْقَة فوقه أو ألقتها على اليَدِ مِنْ غَيْرِ حِنَّاءٍ، فعن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ أنها إن لم تشد الخرقة فلا فدية، وإن شدته فعلى قولي القفازين، ورتب الأكثرون فقالوا: إن قلنا: لها لبس القفازين فَلاَ فِدْيَةَ عليها، وإن منعنا ففي وجوب الفدية هاهنا قولان: أحدهما: تجب، ويروى عن "الأم".
والثاني: لا تَجِب، ويروى عن "الإملاء" والقولان على ما ذكر القاضي أَبُو الطَّيِّبِ

وغيره مبنيان على المعنى المحرم للبس القفازين، وفيه قولان مستخرجان: أحدهما: أن المحرم تعلق الإحرام بيدها تعلقه بوجهها؛ لأن واحداً منهما ليس بعورة، وإنما جاز الستر بالكُمَّيْنِ للضرورة، فعلى هذا تَجِب الفدية في صُورَةِ الخِرْقَة.
والثاني: أن المُحَرَّم كون القفازين ملبوسين معمولين لِمَا لبس بعورة من الأعضاء فَأُلْحِقَا بالخفين في حَقِّ الرجل، فعلى هذا لا فدية في الخِرْقة، وهذا أصَحُّ القولين، وإذا أوجبنا الفِدْيَةَ تعليلاً بالمعنى الأول فهل تجب الفدية بمجرد الحِنَّاءِ؟ فيه ما سبق في الرجل إذا أخضب رأسه بالحِنَّاء، ولو اتخذ الرجل لساعده أو لعضو أخر شيئاً مخيطاً أو لِلِحْيَتِهِ خريطة يعلقها إذا اختضب فهل تلتحق بالقفازين؟ فيه تردد عن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
الأصح: الالتحاق، وبه أجاب كثيرون، ووجه المنع أن المقصود الاجتناب عن الملابس المعتادة وهذا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ.

قال الغزالي

###: النَّوْعُ الثَّاني: التَّطيّبُ

وَتَجِبُ الفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِ الطِّيْبِ قَصْدًا، وَالطِّيْبُ كُلُّ مَا يُقْصَدُ بِهِ رَائِحَةٌ كَالزَّعْفَرَانِ وَالوَرْسِ وَالوَرْدِ وَالنَّرْجِس وَالبَنَفْسَجِ وَالرَّيْحَانِ الفَارِسِيَ، دُونَ الفَوَاكهِ كَالأتْرُجّ وَالسَّفَرْجَلِ وَالأَدْوِيَةِ كَالقُرُنْفُلِ وَالدَّارِ صِينِيِّ وَأَزْهَارِ البَوَادِي كَالْقَيْصُومِ، وَفي دُهْنِ الوَرْدِ وَالبَنَفْسَجِ وَجْهَانِ، وَالبَانُ وَدَهْنُهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَإذَا تَنَاوَلَ الخَبِيصَ المُزَعْفَرَ فَانْصَبَغَ لِسَانُهُ لَزِمَتْ الفِدْيَةُ بِدَلالَةِ اللَّوْنِ عَلَى نَقَاءِ الرَّائِحَةِ، وإذَا بَطُلَ رَائِحَةُ الطِّيبِ فَلاَ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ جِرْمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَاءِ وَرْدٍ إِذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ وَاَنْمَحَقَ.
قال الرافعي: استعمال الطِّيب من جملة مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ؛ لما روي عن ابْنِ عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: في المحرم: "لاَ يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئاً فِيهِ زَعْفَرَانُ وَلاَ وَرَسٌ" 1. ويتعلق به الفدية كسائر المحظورات، وقد ضبط في الكتاب مناط الفدية فقال: (وتجب الفدية باستعمال الطيب قَصْداً) وهذا الضابط يتركب عن ثلاثة أمور: الطيب، والاستعمال، والقَصْد.
أما الطيب، فالمعتبر فيه أن يكون معظم الغرض منه التطيب واتخاذ الطِّيب منه، أو يظهر فيه هذا الغرض فالمسك، والعود، والعنبر، والكافور، والصندل، طيب لا مَحَالة، ثم ما له رَائِحَة طيبة من نَبَاتِ الأَرْضِ أنواع: منها: ما يطلب للتطيب واتخاذ الطيب منه، كالورد، والياسمين، والخيرى، وكذا

الزَّعْفَرَان وإن كان يطلب للصَّبْغِ والتداوي أيضاً، والورس وهو فيما يقال أشْهَرُ طِيبٍ فِي بِلاَدِ اليَمَنِ.
ومنها: ما يطلب للأكل والتداوي غالباً فلا تتعلق به الفدية كالقرنفل، والدَّار صيني، والسّنبل، وسائر الأبازير الطيبة، وكذا السفرجل، والتفاح، والبطيخ، والأترج والنَّارِنْج.
قال الإمام: وفي النفس من الأترج والنارنج شيء فإن قصد الأكل والتَّدَاوي فيهما ليس بأغلب من قَصْدِ التطيب لكن ما وجدته في الطرق إلحاقهما بالفواكه، وقد يتجه معنى تزيين المجالس فيهما، -والله أعلم-.
ومنها: ما يتطَّيب به ولا يتخذ منه الطّيبِ كالنرجس والريحان الفَارِسي، وهو الضُّيمُران والمرزنجوشي 1 ونحوهما، ففيه قولان: القديم: أنه لا تتعلق بها الفِدْيَة؛ لأن هذه الأشياء لا تَبقَى لَهَا رَائِحَةٌ إذا جَفَّتْ، وقد روي أن عثمان -رضي الله عنه-: "سُئْلَ عَنِ الْمَحْرِم، هَلْ يدخلُ البُسْتَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ ويشم الرْيحَانَ" 2. والجديد: التعلق لظهور قَصْدِ التطيب منها، كالوَرْدِ والزعفران، وهذا ما أورده في الكتاب.
وأما البنفسج فالمنقول عن نَصّه أنه ليس بِطِيبٍ، واختلف الأصْحَاب فيه، فَمِنْ ذَاهِبٍ إلى ظَاهِرِ النص، يزعم أن الغرض منه التَّدَاوي دون التطيب، ومن طارد فيه قولي الريحان يدعي أن المنقول عنه جواب على أحد القولين، ومن قاطع بأنه طِيب كالورد والياسمين وهذا أصح الطرق.
واختلف الصَّائِرُونَ إليه في تأويل النَّص، فقيل: أراد به البنفسج الجَاف، فإنه بعد الجَفَافِ لا يصلح إلا لِلتَّدَاوِي، وقيل: أراد به بنفسج الشَّام والعراق، فإنه لا يتطيب به، وقيل: أراد به المربى والسكر المستهلك فيه، وفي اللينوفر قولاً النرجس والريحان، ومنهم من قطع بأنه طيب.
ومنها: ما ينبت بنفسه ولا يستنبت كالشَّيح، والقيصوم، والشقائق، فلا تتعلق بها الفدية، لأنها لا تُعَدُّ طيباً ولو عدت طيباً لاستنبتت وتعهدت كالوَرْدِ.
وأنوار الأشجار المثمرة، كالتفاح والكمثري، وغيرها لا تتعلق بها الفدية أيضاً، وكذا العُصْفُر، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: تتعلق بها الفدية.

لنا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ذَكَرَ فِيمَا رُوِي عَنْهُ الْمُعَصْفَرُ جملة الثِّيَابِ الّتِي يَلْبُسُهَا الْمُحْرِمُ" 1. والحِنَّاء ليس بطيب، فإن أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كُنَّ يَخْتَضِبْنَ بهِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ" 2. وقال أبو حنيفة: هو طيب.
واعرف: وراء ما ذكرناه شيئين غريبين.
أحدهما: نقل الحَنَّاطِي عن بعض الأصحاب وجهين: في الورد والياسمين والخيري 3، ولك أن تعلم قوله في الكتاب: (والورد) بالواو لذلك.
والثاني: ذكر الإمام عن بعض المصنفين أن من أصحابنا من يعتبر عادة كل ناحية فيما يتخذ طِيباً، قال: وهذا فاسد يشوش القَوَاعِد.
ثم في الفصل مسائل: إحداها: الأدهان ضربان: دهن ليس بطيب كالزيت والشيرج، وسيأتي القول فيه في النوع الثَّالث، ودهن هو طيب، فمنه دهن الورد، وقد حكى الإمام وصاحب الكتاب فيه وجهين: أحدهما: أنه لا تتعلق به الفدية؛ لأنه لا يقصد للتطيب.
وأصحهما: ولم يورد الأكثرون سِوَاه، أنه تَتَلق به الفدية، كما تتعلق بالورد نفسه، ومنه دِهْنُ البَنَفْسِج، والوجه ترتيبه على البَنَفْسِجِ، إن لم تتعلق الفدية بنفس البنفسج فبدهنه أَوْلَى، وإن علقَناها بنفس البنفسج، ففي دِهنه الخِلاَف المَذْكُور في دهن الوَرْدِ، ويجوز إعلام قوله في الكتاب: (وجهان) بالواو.
وأما: في دهن الوَرْدِ، فلأن الإمام -رحمه الله- نقل عن شيخه طريقة قاطعة بأنه طِيب.
ورد التردد إلى دهن البنفسج.
وأما في دهن البنفسج فلأنا قدمنا طريقة قاطعةً في البَنَفْسِجِ بأنه ليس بطيب، وهي عائدة في الدّهن بطريق الأولى، ثم لم يختلفوا في أن ما طرح فيه الورد والبنفسج دهن الورد والبنفسج، فأما إذا طرحا على السمسم حتى أخذ رائحة ثم استخرج من الدهن، فجواب المعظم أنه لا تتعلق به الفدية، لأنه رِيحُ مُجَاوَرَةٍ.

وعن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أنه أشرف وألطف مما يغلي فيه الورد والبنفسج، لتشرب السمسم ما بينهما وهي الطيبة المقصودة منهما.
ومنه: دهن ألبان، نقل الإمام عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه ليس بطيب، وكذا البان نفسه، وهذا ما أورده المصنف، وأطلق الأكثرون القَوْلَ، بأن كل واحد منهما طِيب، ويشبه أن لا يكون هذا خلافاً محققاً، بل الكلامان محمولان على توسط، حكاه صاحب "المهذب" و"التهذيب" وهو أن دهن البان المنشوش وهو المغلي في الطيب طِيبٌ، وغير المنشوش ليس بطيب 1. الثانية: لو أكل طعاماً فيه زعفران أو طيبٌ آخر، واستعمل مخلوطاً بالطْيب لا بجهة الأكل، نظر إن استهلك الطيب فيه، فلم يبق له ريحٌ ولا طعم ولا لون لم تجب الفدية، وإن ظهرت هذه الأوصاف فيه وجبت الفِدْية، وإن بقيت الرَّائِحَةُ وحدها فكذلك، لأنها الغرض الأعظم من الطِّيبِ، وإن بقي اللون وحده فطريقان: أظهرهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وابْنُ سَلَمَةَ أن المسألة على قولين: أحدهما -وهو ظاهر ما نَقَلَهُ المزني-: أن الفدية تجب؛ لبقاء بعض الأوصاف كما لو بقي الرِّيح.
وأصحهما: عند المعظم أنها لا تَجِب؛ لأن اللَّوْنَ ليس بالمقصود الأصلي منه، بل هو زينة، وأيضاً فإن مجرد اللون لو اقتضى الفِدْيَة لوجبت الفدية في المعصفر.
والطريق الثاني -وبه قال أبو إسْحَاق-: القطع بالقَوْلِ الثَّانِي، والصائرون إليه انقسموا إلى مغلط للمزني، وإلى حامل لما نقله على ما إذا بقي الريح مع اللون.
ولو بقي الطعم وحده فطريقان: أظهرهما -وبه قال القَفَّالُ-: أنه كالريح.
والثاني -وبه قال الشيخ أَبُو مُحَمَّد-: أنه كاللون فيجيء فيه الطريقان.
ولو أكل الخلنجين، فينظر في استهلاك الورد فيه وعدمه، ويخرج على هذا التَّفْصِيل.
فإن قلت: قد عرفت ما حكيته، لكني إذا نظرت في حكم المصنف بلزوم الفدية في تناول الخبيص المزعفر سبق إلى فهمي أنه اكتفى ببقاء اللون المجرد للزوم الفدية على خلاف ما ذكرت أنه الأصَح، فهل هو كذلك أم لا؟

فأقول: ليس في لفظ الكتاب ما يقتضي التصوير في بقاء اللون وحده، بل يتناول الخبيص المزعفر وانْصِبَاغ اللِّسَان به يشتمل ما إذا بقيت الرَّائِحَةُ مع اللون، وما إذا لم يبق، فيحمل اللفظ على الحالة الأولى، لئلا يخالف جوابه الأصح عند الجمهور وفيهم الإمام، ويؤيده أنه قال عقيبه: لدلالة اللون على بقاء الرائحة، ولو كان التصوير في بقاء اللون وحده لما انتظم دعوى دلالته على بقاء الرائحة، وعلى كل حال فقوله: (لزمته الفدية) مُعَلَّمٌ بالحاء، لأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يوجب الفدية بأكل الطيب أصلاً.
الثالثة: لو خفيت رائحة الطِّيب، أو الثوب المطيب بمرور الزمان عليها أو بغبار وغيره، نظر إن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت الرّائحة منه لم يجز اسْتِعْمَالُه، فإن بقي اللون فقد قال الإمام -رحمه الله-: فيه وَجْهَانِ مبنيان على الخِلاَف المذكور في أن مجرد اللون هل يعتبر، والصحيح أنه لا يعتبر، وحكى أيضاً تردداً للأصْحَاب فيما إذا انغمر قدر من الطيب، في الكثير مما ليس بِطِيبٍ كماء ورد انمحق في ماءٍ كثير.
منهم: من قال: تجب الفدية باستعماله لاستيقان اتصال الطيب به، وكون الرائحة مغمورة لا زائلة.
ومنهم من قال -وهو الأصح-.
لا تجب الفدية لِفَقْدِ الرائحة وَفَوَاتِ مَقْصُودِ التَّطَيُّبِ، فلو انغمرت الرائحة ولكن بقي الطَّعْمُ أو اللون ففيه الخِلاَف السَّابق.
قال الغزالي: وَمَعْنَى الاسْتِعْمَالِ إلْصَاقُ الطِّيبِ بالبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ، فَإِنْ عَبِقَ بِهِ الرِّيحُ دُونَ العَيْنِ بِجُلُوسِهِ فِي حَانُوتِ عَطَّار أَوْ فِي بَيْتٍ يُجْمِرُ سَاكِنُوهُ فَلاَ فِدْيَةَ، وَلَوِ احْتَوَى عَلَى مَجْمَرَةِ لَزِمَتِ الفِدْيَةُ، وَلَو مَسَّ جَرْمَ العُودِ فَإِنْ عَبِقَ بِهِ رَاِئحَتُهُ فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ حَمَلَ مِسْكاً فِي قَارُورَة مُصَمَّمَةِ الرَّأْسِ فَلاَ فِدْيَةَ، وَإِنْ حَمَلَهُ فِي فَأْرَةٍ غيْرَ مَشْقُوقَةٍ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ طَيَّبَ فِرَاشَهُ وَنَامَ عَلَيْهِ حَرُمَ.
قال الرافعي: الأمر الثَّانِي: الاستعمال، وهو أن يلصق الطِّيب ببدنه، أو ملبوسه على الوَجْهِ المعتاد في ذلك الطِّيب، فلو طيب جزءاً من بدنه بغالية، أو مسك مسحوق أو ماء ورد لزمته الفدية.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أن الفدية التَّامة إنما تلزم إذا طَيَّبَ عضواً، أو رُبُعَ عُضْوٍ فإن طيّب أقل منه لم يلزمه، ولا فرق بين أن يتفق الإلصاق بظَاهِرِ البَدَنِ، أو باطنه كما لو أكله أو احتقن به أو استعط، وقيل: لا تجب الفدية في الحُقْنَة والسَّعُوطِ، ثم في الفصل صور: إحداها: لو عَبَقَ بِهِ الريح دون العَيْنِ بأن جلس في حَانُوتِ عَطَّارٍ، أو عند الكعبة

وهي تخمر 1 أو في بيت يخمر ساكنوه فلا فدية، لأن ذلك لا يسمى تطيباً، ثم إن قصد الموضع لا لاشتمام الرائحة لم يُكْرَه، وإن قصده لاشتمامها كره على أصح القولين.
وعن القاضي حسين -رحمه الله- أن الكراهة ثابتة لا محالة، والخلاف في وجوب الفدية.
ولو احتوى على مجمرة فَتَبَخَّرَ بالعُودِ بَدَنَهُ، أو ثيابُه لزمته الفِدْيَةُ، لأن هذا طريق التطيب منه، وعن أبي حنيفة أنه لا فدية فيه.
ولو مَسَّ طِيباً فلم يعلق بيده شَيْءٌ من عينه، ولكن عبقت به الرَّائحة، فهل تلزمه الفدية؟ فيه قولان: أحدهما: لا، وهو منقول المُزَنِي؛ لأن الرائحة قد تحصل بالمُجَاورة من غير مُمَاسة، فلا اعتبارَ بِهَا.
والثاني: ويروى عن "الإملاء"، نعم؛ لأن المقصودَ الرائحةُ وقد عبقت به، وذكر صاحب العدة وغيره، أن هذا أصح القولين، وكلام الأكثرين يميل إلى الأَوَّلِ.
الثانية: لو شَدَّ المِسْك أو العنبر أو الكافور في طرف ثوبه أو وضعته المرأة في جيبها أو لبست الحُلِيّ المحشو بشيءٍ مِنْهَا وجبتِ الفِدْيَةَ، فإن ذلك طريق استعمالها، ولو شَمَّ الوردَ فقد تطيب به، ولو شم ماء الورد فَلاَ، بل الطريق فيه أن يَصُبَّهُ على بدنه، أو ثيابه، ولو حمل مِسْكاً أو طيباً آخر في كِيسٍ، أو خرقة مشدودةٍ، أو قارورةٍ مصممة الرأس، أو حمل الورد في ظرف فلا فدية، لأنه لم يستعمل الطَّيب، حكى ذلك عن نصه في "الأم" وحكى الرّوَيانِي وغيره فيه وجهاً، أنه إن كان يشم قصداً لزمه الفِدْيَة وإن حمل مِسْكاً في كيس أو خرقة غير مشقوقة فوجهان: أحدهما -وبه قال القَفَّالُ-: تَجِب الفدية وحمل الفأرة تطيب.
وأصحهما: وبه قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لا تجب: نفس الفأرة، لَيْسَ بِطِيبٍ، وإنما الطيب المسك، وبينه وبينه حَائِل، فأشبه سورة القارورة أي المصممة.
ولو كانت الفأرة مشقوقة، أو القارورة مفتوحة الرَّأْسِ، فقد قالوا بوجوب الفِدْية، وليس ذلك واضحاً مِن جِهَةِ المَعْنَى، فإنه لا يُعَد ذَلِك تَطَيُّباً.
الثالثة: لو جلس على فِرَاشٍ مطيب، أو أَرْضٍ مطيبة ونام عليهما مُفْضِياً ببدنه أو ملبوسه إليهما لزمته الفدية، وجعل ملاقاته بمثابة لبسَ الثَّوْبِ المُطَيِّبِ، كما تجعل ملاقاة الشَّيْءِ النَّجس بمثابة لبس الثوب النجس، فلو فرش فوقه ثوباً ثم جَلَس، أو نام لم تجب الفدية، لكن لو كان الثوب رقيقاً كره، ولو داس بنعله طيباً لزمته الفدية لأنها ملبوسة له.

قال الغزالي: وَأَمَّا القَصْدُ فَالاحْتِرَازُ بِهِ عَنِ النَّاسِي إِذْ لاَ فِديَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا جَهِلَ كَوْنَ الطِّيبِ مُحَرَّماً، وَلَو علِمَ أنَّهُ طِيبٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يَعْبَقُ بِهِ لَزِمَتِ الفِدْيَةُ، وَلَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ الرِّيحُ طِيبًا فَلْيُبَادِر إِلَى غَسْلِهِ فَإِنْ تَوَانِىَ لَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ.
قال الرافعي: الأمر الثالث كون الاستعمال عن قَصْدٍ، فلو تطيب ناسياً لإحرامه أو جاهلاً بتحريم الطّيب لم تلزمه الفدية، وعذر، كما لو تكلم ناسياً في الصَّلاة، أو أكل ناسياً في الصَّوْمِ، وقد روى: "أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه جُبَّةٌ وهو متضمخ بالخلوق، فقال: إني أحرمت بالعمرة وهذه عليَّ فقال -صلى الله عليه وسلم- ما كنت تصنع في حَجَّتِك، قال: كنت أنزع هذه، وأَغْسِل هذا الخلوق، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَا كُنْتُ صَانِعاً فِي حَجّكَ فَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ" 1. ولم يوجب عليه الفدية لِجَهْلِهِ، وعند مالك وأبي حنيفة والمزني -رحمهم الله- تَجِب الفديةُ عَلَى النَّاسِي والجَاهِلِ.
وعن أحمد -رحمه الله- روايتان.
وإن علم تحريم الاستعمال وجهل وجوب الفدية لزمته الفدية، فإنه إذا عَلِم بالتحريم فحقه الامتناع.
ولو علم تَحْرِيمَ الطِّيب، وجهل كَوْنَ المَمْسُوسِ طِيباً، فجواب الأكثرين أنه لا فدية؛ لأنه إذا جهل كون ذلكَ الشَّيْءِ طيباً فقد جَهِلَ تحريم استعماله، وحكى الإمام مع ذلك وجهاً آخر أنها تجب.
ولو مسَّ طيباً رطباً وهو يظن أنه يابس لا يعلق به شيء منه، ففي وجوب الفدية قولان: أحدهما: تجب؛ لأنه قصد التطيب مع العلم بِكَوْنِهِ طيباً.
والثاني: لا تجب لِجَهْلِهِ بكونه طِيباً، كم لو جَهِلَ كونه طيباً، وبالقول الأول أجاب صَاحِبُ الكتاب، ورَجَّحَهُ الإمَامُ -رحمه الله- وغيره، ولكن طَائِفَة من الأَصْحَابِ رَجَّحُوا الثَّانِي.
وذكر صاحب "التهذَيب" أنه القول الجَدِيد، -والله أعلم-.
ومتى لصق الطِّيب ببدنه أو ثَوْبِهِ على وجه لا يوجب الفدية بأن كان نَاسِياً، أو ألقته الرِّيحُ عَلَيْهِ، فعليه أن يُبَادِرَ إلىَ غُسْلِهِ وتنحيته، أو معالجته بما يقطع رائحته، والأوْلَى أن يأمر غيره به، وإن باشره بنفسه لَمْ يَضُرْ 2؛ لأن قصده الإزالة، فإنْ توانى

فيه، ولم يزله مع الإمكان فعليه الفدية، فإن كَانَ زَمِناً لا يقدر على الإزالة فلا فدية عليه، كما لو أكره على التطيب، قاله في "التهذيب" (1) -والله أعلم-.

قال الغزالي

###: النَّوْعُ الثَّالِثُ تَرْجِيلُ شَعَرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بالدُّهْنِ

مُوجِبٌ لِلْفِدْيَةَ وَلَوْ دَهَنَ الأَصْلَعُ رَأْسَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كانَ الشَّعْرُ مَحْلُوقاً فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: حكم الدهن المطيب قَدْ مَرّ.
وأما غير المطيب: كالشيرج، ودهن الجوز، واللوز وفي معناها السمن والزبد فلا يجوز استعماله في الرأس واللِّحْيَةِ، لما فيه من ترجيل الشَّعْرِ وتزيينه، والمحرم منعوت بالشَّعثِ الذي يُضَاد ذَلِك.
ولو كان أقرع أو أصلع فدهن رأسه أو أَمْرَد فدهن ذقنه فلا فدية عليه، إذ ليس فيه تزيين شَعْرٍ.
وإن كان محلوقَ الرَّأسِ فوجهان: أحدهما: ويروى عن المزني: أنه لا فدية إِذْ لاَ شَعرِ.
وأصحهما: الوجوب، لتأثيره في تَحْسِين الشعر الذي ينبت بَعْده.
ويجوز تَدْهِينُ سَائِرِ البَدَنِ شَعْرُه، وَبَشَرَتُهُ فإنه لا يقصد تحسينه وتزيينه، ولا فرق بين أن يستعمل الدّهن في ظاهر البَدَنِ، أو باطنه.
ولو كان على رأسه شجة فجعل الدهن في داخلها، فلا شيء عليه.
وعن مالك أنه إذا استعمل الدهن في ظاهر بدنه فعليه الفدية.
وعند أبي حنيفة إذا استعمل الزّيت والشيرج وجبت الفدية، سواء استعمل في رأسه أو في لحيته، أو في سائر بدنه إلا أن يداوي به جُرْحَه، أو شقوقَ رِجْلَيْهِ، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد.
والثانية: وهي الأصَحّ: أن استعمالها لا يوجب الفِدْية، وإن كان في شعر الرأس واللِّحية فيجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (يوجب الفدية) بالألف لهذه الرواية.
وقوله: (ترجيل شَعْرِ الرأس واللِّحْيَةِ) يشعر بتخصيص المنع بتدهين الشَّعْرِ حتى لا1 = لأن للوضوء بدلاً وغسل الطيب لا بدل له.
قال صاحب الوافي: وعندي الأولى أن يتوضأ به ثم علله لكن المنقول عن النص يوافق قول الجمهور.
قال الشيخ البلقيني حاكياً عن نص "الأم" ما نصه: ومن أمكنه الماء غسله فلو وجد ماء قليلاً إن غسله به لم يكفه لوضوئه غسله به وتيمم؛ لأنه مأمور بغسله ولا رخصة له في تركه إذا قدر على غسله، وهذا مرخص له في التّيمم إذا لم يجد ماء.
خ ك.

يمنع من تدهين المواضع التي لا شَعْرَ عليها من الرَّأْسِ، وقد صَرَّحَ المزني في "المختصر" بهذا المفهوم، لكن قال المَسْعُودِي في الشَّرْحِ: ليس الأمر على ما قاله المُزَنِي، بل هو منهي عن استعمال الدهن في الرأس والوجه كله، وإن لم يكن عليه شَعْر؛ لأنه موضع الشَّعْرِ، لكن بشكل هذا بما سبق في الأَقْرَع والأَمْرَد.
قال الغزالي: وَلاَ يُكْرَهُ فِي الجَدِيدِ الغَسْلُ وَلاَ غَسْلُ الشَّعَرِ بالسِّدْرِ وَالخَطْمِيِّ، وَلاَ بَأْسَ بِالاكْتِحَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ، وَفِي إلْحَاقِ الخِضَابِ لِلشَّعَرِ بِالتَّرْجِيلِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: في الفصل صور: إحداها: يجوز للمُحْرِمِ أن يَغْتَسِلَ، ويدخل الحَمَّام ويزيل الدَّرن عن نَفْسِهِ، لما روى عن أبي أَيُّوب -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَغْتَسِلُ، وَهُوَ مُحْرَمٌ" 1 "وَدَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- حَمَّامَ الْجُحْفَةِ مُحْرِماً، وَقَالَ: إِنَّ اللهُ -تَعَالَى- لاَ يَعْبَأُ بِأوْسَاخِكُمْ شَيْئاً" 2. هل يكره ذلك؟ المشهور: أنه لا يُكْرَه.
وحكى الحَنَّاطِيُّ والإِمَام: قَوْلاً عن القديم: أَنَّهُ يُكْرَه.
الثانية: يستحب أن لا يُغْسِل رأسَه بالسَّدْرِ والخطمي؛ لما فيه من التزيين، لكنه جائز لا فدية فيه بخلاف التدهين، فإنه يؤثر في التنمية مع التزيين.
وإذا غسل رأسه فينبغي أن يرفق في الدَّلْكِ حتى لا ينتفق شَعْره، ولم يذكر الإمام ولا المصنف في "الوسيط" خلافاً في كراهة غسله بالسِّدْرِ والخطمي، لكن الحنَّاطِيَّ حكى القول القديم فيه أيضاً، فيجوز أن يعلق قوله: (ولا يكره في الجديد) بالمسألتين إتياناً للخِلاَفِ فيهما.
الثالثة: لا يجوز أن يَكْتَحِل بِكُحْلٍ فِيهِ طيب.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- جوازه، وما لا طِيبَ فيه يجوز الاكْتِحَال به، ثم منقول المزني أنه لا بَأسَ بهِ، وعن "الإملاء" أنه يُكْرَه، وتوسط المتوسطون فقالوا: إن لم يكن فيه زينة كالتوتيا الأبيض لم يكره الاكْتِحَال به، وإن كان فيه زينه كالإثمد فيكره إلا لِحَاجة الرمد، ونحوه.
الرابعة: روى الإمام عن الشَّافِعِىّ -رضي الله عنه- اختلاف قولٍ في وجوب الفدية إذا خضب الرجل لِحْيَتَه.
وعن الأصحاب طُرُقاً في مأخذه.
أحدها: التردد في أن الحِنَّاء هل هو طيب، وهذا غريب، والأصحاب قاطعون بأنه ليس بِطِيبٍ على ما مَرّ.

والثاني: أن من يختضب قد يتخذ لموضع الخضاب غلافاً يحيط به، فهل يلحق ذلك بالمَلْبُوسِ المعتاد؟ وقد سبق الخلاف فيه.
والثالث: هو الأظهر: أن الخِضَاب تزيين للشَّعْرِ، فتردد القول في التحاقه بالترجيل بالدهن، والظاهر أنه لا يلتحق به، ولا تجب الفِدْيَة في خِضَاب اللِّحْيَةِ، ثم قال الإمام على المأخذ الأول: لا شيء على المرأة إذَا خضبت يَدَهَا بَعْدَ الإِحْرَامِ، وعلى الثَّاني والثالث يجري التردد أما على الثَّانِي فظاهر.
وأما على الثَّالِث فأشبه الغلاف بالقُفَّازَيْنُ، وقد عرفت من قبل خضابها يَدَيْهَا، وخضاب الرَّجُلِ شَعْرَ الرَّأْسِ.
ويجوز للمحرم أن يفتصد، ويُحْتَجِم ما لم يقطع شَعْراً ولا بأس بنظره في المرآة.
وعن الشافعي -رضي الله عنه- أنه كرهه في بعض كتبه (1).

قال الغزالي

###: النَّوْعُ الرَّابعُ التَّنَظُّفُ بِالحَلقْ،

وَفِي مَعْنَاهُ القَلْمُ، وَتَجِبُ به الفِدْيَةُ سوَاءٌ أَبانَ الشَّعَر بإحْرَاقٍ أَوْ نَتْفٍ أَوْ غيْرِهِ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ مِنَ البَدَنِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ شَعَرَاتٌ فَلاَ فِدْيَةَ، ولو امْتَشَطَ لحْيَتَهُ فأنْتُتفَتْ شَعَرَاتٌ لَزِمَتِ الفِدْيَةُ، وَإِنْ شَكَّ في أَنَّهُ كَانَ مُنْسَلاً فَانْفَصَلَ أَو انْتُتِفَ بَالمُشْطِ فَفِي الفدْيَةِ قَوْلاَنِ لِمُعَارَضَةِ السَّبَبِ الظَّاهِرِ أَصْلَ الْبَرَاءَةِ.
قال الرافعي: حلق الشَّعْرِ قبل أَوانِ التحلل مَحْظُور، قال الله تَعَالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ 2 الآية، وتتعلق به الفدية، فإن الله تَعَالَى أوجب الفِدْيَة على المَعْذُورِ في الحَلْقِ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ 3 الآية، وإذا وجبت الفِدْيَةُ على المعْذُورِ فعلى غَيْرِ المَعْذُورِ أَوْلى 4، ولا فرق بين شَعْرِ الرَّأْسِ وَالبَدَنِ.
أما شَعْرُ الرَّأْسِ فَمَنْصُوصٌ عَلَيْهِ.
وأما غيره فالتنظيف والتّرَفه في إزالته أكْثَر.
وَذَكَر المُحَامِلِيّ أن في رواية عن مالك1

لا تتعلق الفِدْيَة بشعر البَدَنِ.
والتقصير كالحَلْقِ، كما أنه في معناه عند التَّحَلُّلِ وقَلْم الأظفار كَحَلْقِ الشَّعْرِ، فإنها تزال للتنظيف والترفه، وليس الحكم في الشَّعْرِ منوطاً بخصوص الحَلْقِ، بل بالإزَالَةِ والإبَانَةِ فيلحق به النَّتْفُ والإحْرَاقُ وغيرهما، وكذلك يلحق بالقَلْمِ الكَسْرُ والقَلْعُ.
ولو قطع يَدَهُ أو بعض أصابَعِهِ وعليها الشَّعْرُ والظّفْرُ فلا فِدْيَةُ عَلَيْهِ، لأن الشَّعْر وَالظُّفْرَ تَابِعَانِ هاهنا غير مقصودين بالإبَانَةِ، وعلى هذا القياس لو كشط جلدةُ الرَّأْسِ فَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ، والشَّعْرُ تَابعُ وشَبَّه ذلك بمَا لو كانت تحته امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصَّغِيرة يبطل النِّكَاح، ويجب المَهْر 1 ولو قتلتها لا يجب المهر؛ لأن البضع تَابعٌ عند القتل غير مقصود، ولو امتشط لحيته فانتتفت شعيرات فعليه الفِدْيَة، وإن شَكَّ في أنه كان منسلاً فانفصل أو انتتفت بالمَشْط، فقد حكى الإمام وصاحب الكتاب في وجوب الفدية قولان، وقال الأكثرون: فيه وَجْهَان: أحدهما: أنها تجب؛ لأن الأَصْلَ بقاؤه ثَابِتاً إلى وقت الامتشاط، ولأنه سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي حُصُولِ الإبانة، فيضاف إليه كما أن الإجهاض يضاف إلى الضرب.
وأصحهما: أنها لا تجب؛ لأن النتف لم يتحقق، والأصل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ عَنِ الفِدْيَةِ.
قال الغزالي: وَيَكْمُلُ الدَّمُ في ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ، وَفِي الوَاحِدَةِ مُدٌّ في قَوْلٍ، ودَرْهَمٌ فِي قَوْلٍ، وَثُلْثُ دَمٍ في قَوْلٍ، وَدَمٌ كَامِلٌ في قَوْلٍ.
قال الرافعي: ستعرف في باب الدِّمَاءِ فدية الحَلْقِ، وأن إراقة الدِّمَاءِ إحدى خصالها، ولا يعتبر في وُجُوبِهَا تامة حلق جَمِيعِ الرَّأْسِ، ولا قلم جَمِيع الأظفار بالإجْمَاع، ولكن يكمل الدم في حَلْق ثلاثة شَعَرَات، وقلم ثَلاثةِ أَظْفَار مِنْ أظفَارِ اليَّدِ والرِّجْلِ، سواء كانت من طَرَفٍ وَاحِدٍ، أو من طرفين خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: لا يكمل الدّمُ حتى يَحْلِقَ ربع الرأْس، أو يقلم خَمْسَةَ أَظْفَار من طَرَفٍ وَاحِدٍ، ولمالك -رضي الله عنه- حيث قال: لا يكمل بحلق ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ، وإنما يكمل إذا حَلَقَ من رأسه القدر الذي يحصل به إماطة الأَذَى، ولأحمد -رحمه الله- حيث قدر في رواية بأربع شَعَرَات، والرواية الثانية عنه مثل مَذْهَبِنَا.
لنا أن المفسرين ذكروا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ 2 أن المعنى فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ.

ومن حلق ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ فقد حَلَقَ، وهذا إذا حَلَقَهَا دفعةً وَاحِدَةً في مكانٍ وَاحِدٍ، فإن فَرَّقَ زَمَاناً، أو مكاناً فسيأتي في النَّوْعِ السَّادِسِ حُكْمُه.
وإن اقتصر على حلق شَعْرَةٍ وَاحِدةٍ أو شعرتين ففيه أقوال: أظهرها: وهو الذي ذكره في أكثر كتبه أن في شعرة مداً من طَعَام، وفي شعرتين مُدَّيْن 1؛ لأن تبعيضَ الدَّمِ عسر، والشَّرْعُ قد عدل الحيوان بالطَّعَام في جَزَاءِ الصَّيْد وغيره، والشَّعْرَةُ الوَاحِدَةُ هِيَ النِّهَاية فِي القِلَّة، والمد أقل ما وجب في الكَفَّارَاتِ فقوبلت به.
والثاني: في شعرة دِرْهَم، وفي شعرتين دِرْهَمَيْنِ؛ لأن تبعيض الدَّمِ عَسِير، وكان الشَّاة تُقَوَّم في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثلاثة دراهم تقريباً، فاعتبرت تلك القيمة عند الحَاجَةِ إلى التَّوْزِيعِ.
والثالث: رواه الحميدي عن الشَّافِعِي: في شَعْرَة ثُلُثُ دَمٍ، وفي شعرتين ثُلُثَا دَمٍ، تقسيطاً للواجب في الشَّعَرَاتِ الثَّلاَثِ على الآحاد، وقد ذكر أن هذا القول منقول في تَرْكِ الحَصَاةِ والحَصَاتين، فخرج هاهنا، وذكر في القَوْلِ الثَّانِي مِثْلُه.
الرابع: حكاه صاحب "التقريب" وغيره أن الشَّعْرةَ الوَاحِدَة تقابل بدَمٍ كَامِلٍ، وهو اختيار الأستاذ أبي طاهر، ووجهه بأن محظورات الإحرام لا تختلف بالقِلَّةِ والكثرة، كما

في الطّيبِ واللِّبَاسِ، فإذا عرفت ما ذكرناه أعملت قوله: (في ثلاث شعرات) بالحاء والميم والألف، ولك أن تُعَلِّم الحكم في الأحوال الأربعة بالحاء؛ لأنه لا يوجب فيما دون الرُّبع شَيئاً مقدراً، وإنما يوجب صدقة، وأن تُعَلِّم قوله: (ودرهم في قول) بالواو؛ لأن من الأصحاب من لم يثبته قولاً للشافعي، وادعى أنه ذكره حكاية عن مذهب عطاء، والخلاف في الشَّعْرَة والشعرتين جَارٍ في الظُّفْرِ والظُّفْرَينِ.
ولو قلم دون القدر المعتاد كان كما لو قصر الشعر.
ولو أخذ من بعض جوانبه ولم يأت على رأس الظهر فقد قال الإمام: إن قلنا: يَجِب في الظفر الواحد ثلث دم، أو درهم، فالواجب فيه ما يقتضيه الحِسَاب، وإن قلنا: يجب فيه مُدٌّ فلا سبيل إلى تبعيضه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِنْ حَلَقَ بِسَبَبِ الأَذَى جَازَ وَلَزِمَ الفِدْيَة، وَإِنْ نبَتَتْ شَعْرَةٌ في دَاخِلِ الجَفْنِ فلاَ فِدْيَةَ في نَتْفِهَا؛ لِأَنَّهُ مُؤذٍ بِنَفْسِهِ كَالصَّيْدِ الصَّائِلِ، وَالنِّسْيَانُ لاَ يَكُونُ عُذْراً فِي الحَلْقِ وَالإتْلافاتِ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْن.
قال الرافعي: مقصود الفصل حكم المَعْذُورِ في الحَلْق، والذي سبق كان مع غير المَعْذُورِ، ونعم صور العذر أنه لا يأتم بالحَلْقِ، وفي الفِدْيَة صور: إحداها: لو كثرت الهَوَامْ في رَأسِهِ، أو كانت به جراحة وأحوجه إذا هام إلى الحلق فله ذلك، وعليه الفدية.
كان كَعبُ بْنُ عجرَة يوقد تحت قدره، والهوام تنتثر من رأسه فمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَاحْلِقْ وَانْسُكْ بِدَمٍ أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّق بفَرَقٍ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ" 1 والفَرَقُ: ثلاثة آَصع، وكذا الحكم لو كَانَ كثيرَ الشَّعْرِ، وكان يتأذى بالحَرِّ.
الثانية: لو نبتت شعرة، أو شعرات في دَاخِلِ الْجِفْنِ، وكان يتأذى بِهَا فله قَلْعُهَا، ولا فدية عليه؛ لأن التأذي هاهنا من نفس الشعر فهي كالصَّيْدِ الصَّائلِ على المُحْرِمِ بخلاف الصُّورة الأُولَى.
وعن الشَّيْخُ أَبِي عَلِيِّ طريقة أخرى في المسألة، وهي تخريج الضَّمَان على وجهين بناء على القولين فيما إذا عمت الجراد المَسَالك، واضطر إلى وطئها وإتْلاَفِهَا.
ولو طال شَعْرُ حَاجِبِهِ ورأْسه وَغَطَّى عَيْنَه قطع القدر المُغَطّي، ولا فدية عليه.

وكذا لو انكسر ظفره وتأذى به قطعة، ولا يقطع معه من الصحيح شيئاً.
الثالثة: ذكرنا أن النسيان يُسْقِطُ الفِدْيَة في الطِّيب وَاللِّبَاسِ، وكذلك الحكم فيما عَدَا الوَطْءِ من الاستمتاعات، كالقُبْلَةِ واللَّمْسِ بالشَّهْوَةِ، ولو وَطِئَ نَاسِياً ففيه خلافٌ سيأتي، وهل يسقط الفِدْيَةُ في الحَلْقِ، والقَلْم؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما في الاستمتاعات.
وأصحهما: لا، لأن الإتْلاَفات لا فَرْقَ فيها بين العَمْدِ والخَطَأ، كما في ضَمَانِ الأَمْوَالِ، وهذا منصوص، والأول مُخَرَّجٌ من أحد قوليه فيما إذا حَلَقَ المُغْمَى عَلَيْهِ، فإنه نَصَّ ثم على قوله، ومنهم من قطع بما نص عليه، وامتنع من التخريج، وفرق بأن النَّاسِي يعقل ما يتعطاه بِخِلاَفِ المُغْمَى عَلَيْهِ، والمجنونُ والصَّبِيُّ الذي لا يُمَيَّز كالمُغْمَى عَلَيْهِ.
ويجوز إعلام قوله: (على أظهر القولين) بالواو، لأنه أجاب بالطريقة المبينة للخلاف.
وقوله: (في الحلق والإتلافات) يدخل فيه قتل الصيد، ويقتضي كونه على الخلاف، وهكذا قال الأكثرون، وأشار مشيرون إلى تخصيص الخِلاَفِ بِالْحَلْقِ، والقَلْمِ والقَطْعِ بأنه لا أثر له في قتل الصَّيد.
قوله: (والنسيان لا يكون عذراً) أراد في إِسْقَاطِ الفدْيَةِ، فأما الإثم فالنسيان بسقطه كما في سَائِرِ المَحْظُورَاتِ.
قال الغزالي: وَلَوْ حَلَقَ الحَلاَلُ شَعَرَ الحَرَامِ بِإذْنِهِ فَالفِدْيَةُ عَلَى الحَرَامِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهاً وإن (ج) فَعَلَى الحَلاَلِ، وَإِنْ كَانَ سَاكِتاً فَقَوْلاَنِ.
قال الرافعي: إذا حلق شعر غيره فإما أن يكون الحَالِقُ حَرَاماً والمَحْلُوق حَلاَلاً، أو بِالْعَكْسِ، أو يكونا حَرَامَيْنِ، أو حَلاَلَيْنِ.
أما الحَالَة الأخيرة فلا يخفى حكمها.
وأما الأولى فلا مَنْعَ مِنْهَا، ولا يجب على الحَالِق شَيْءُ، وبه قال مالك، وأحمد خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: ليس لِلْمُحْرِمِ أن يحلق شَعْرَ غَيْرِهِ، ولو فعل فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ.
لنا أن هذا الشَّعْرَ ليس له حُرْمَة الإِحْرَامِ، فجاز له حلقه كَشَعْرِ البَهِيمَةِ.
وأما: إذا حلق الحلاَلُ أو الحَرَامُ شَعْرَ الحَرَامِ فقد أساء، ثم ينظر إن حلق بأمره فالفدية على المَحْلُوقِ، لأن فِعْلَ الحَالِقِ بأمره مُضَافٌ إليه، ألا تَرَى أنه لو حلف أن لا يَحْلِقَ رَأسه فأمر غَيْرَه فَحلقَ حنث في يمينه، ولأن يَدَه ثابتةٌ عَلَى الشَّعْرِ، وهو مأمور بحفظه.
إما على سَبِيلِ الوَدِيعَةِ أو العَارَيةِ كما سيأتي، وكلاهما إذا تَلَف فِي يَدِهِ بأمره يَضْمَن.
إن حلق لا بَأمره، فينظر إن كَانَ نائماً أو مكرهاً أو مُغْمَى عَلَيْهِ، ففيه قولان:

أصحهما: أن الفدية على الحَالِقِ، وبه قال مَالِكٌ وأحْمَدُ -رحمهما الله- لأنه المُقَصِّر، ولا تقصير من المَحْلُوقِ، وهذا ما أورده في الكِتَابِ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنها على المحلوق واختاره المُزَنِيُّ - رحمه الله-: لأنه المرتفق به، وقد ذكر المُزَنِيُّ أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قد خط على هذا القول، لكن الأصحاب نقلوه عن البويطي، ووجدوه غير مخطوط عليه، وبنوا القولين على أن استحفاظ الشَّعْرِ في يد المحرم جَارٍ مجرى الوَدِيعَةِ، لأ مَجْرَى العَارَيةِ وفيه جوابان.
إن قلنا بالأول فالفدية على الحَالِقِ، كما أن ضمان الوَدِيعَةِ عَلَى المُتْلِفِ دُونَ المودع.
وإن قلنا بالثاني، وجبت على المَحْلُوقِ وجوب الضَّمَانِ عَلَى المُسْتَعِير قالوا: والأول أظْهَر؛ لأن العَارِيةَ هي التي يمسكها لمنفعة نفسه، وقد يريد المحرم الإزالة دون الإِمْسَاكِ، وأيضاً فإنه لو احترق شَعْرُه بتطاير الشَّرَرِ، ولم يقدر على التطفية لا فدية عليه، ولو كان كالمستعير لوجبت عليه الفِدْيَة.
التفريع: إن قلنا: الفدية على الحَالِقِ، نظر إن فدى فَذَاك، وإن امتنع مع القدرة فهل للمحلوق مطالبته بِإِخْرَاجِهَا؟ فيه وجهان، وجواب الأكثرين أن له ذلك بناء على أن المُحْرِمَ كالمُودِعِ، والمودع خَصْم فِيمَا يُؤْخَذ منه، ويتلف في يديه.
ولو أخرج المحلوق الفدية بإذن الحالق جاز، أو بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَجُوزُ في أَصَحِّ الوجهين، وبه قال ابْنُ القَطَّانِ وَأَبُو عَلِيّ الطَّبَرِي: كما لو أخرجها أَجْنَبِيّ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وإن قلنا: إن الفِدْيَةَ على المَحْلوقِ، فينظر إن فدى بالهَدْي أو الإطْعَام رَجَعَ بأقَلّ الأَمْرَيْنِ من الطَعَامِ، أو قيمة الشَّاة على الحَالِقِ، وَلاَ يرجع بِمَا زَاد؛ لأن الفِدْيَة علىَ التَّخْيِيرِ، وهو مُتَطَوُعٌ بالزِّيَادَةِ، وإن فدى بالصَّوْمِ فَهَلْ يَرْجِع؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، وعلى الثَّاني بم يرجع؟ فيه وجهان.
أظهرهما: بثلاثة أَمْدَادٍ مِنْ طَعَامِ، لأن صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ مُقَابِلٍ بمد.
الثاني: بما يرجع به، لو فدى بالهُدْي أَو الإِطْعَامِ، ثم إِذَا رجع فَإِنَّمَا يرجع بعد الإِخْرَاجِ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
والثاني: له أن يأخذ منه، ثم يخرج، وهل لِلْحَالِقِ أن يفدي على هَذَا القَوْلِ.
أما بالصوم فَلاَ، لأنه متحمل، والصوم لا يتحمل.
وأما بِغَيْرِهِ فَنَعَمْ، ولكن بِإذْنِ المَحْلُوقِ؛ لأن في الفِدْيَةِ معنى القُرْبَى، فلا بد من نيَّةِ مَنْ لاَقاهُ الوُجُوبُ.
وإن لم يكن نائماً ولا مُغْمَى عَلَيْهِ، ولا مكرهاَ لكنه سكت عن الحَلْقِ، ولم يمنع منه فقد قال في الكتاب فيه قولان، وقال المعظم: وجهان:

أحدهما: أن الحُكْمَ كما لو كَانَ نَائِماً؛ لأن السُّكوتَ لَيْسَ بِأَمْرٍ، ألا ترى أن السُّكُوت عَلَى إِتْلاَفِ المَالِ لا يكون أمْراً بالإِتْلاَفِ.
وأصحهما: أنه كما لو حلق بأمره؛ لأن الشَّعَرَ عِندَه إِمَّا كَالوَدِيعَة، أو كالعارية، وعلى التقديرين يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ.
ولو أمر حَلالٌ حَلاَلاً بحلق شعر حرام، وهو نائم فالفِدْيَة على الآمر إن لم يعرف الحَالِقُ الحَالَ، وإن عرف فعليه في أصح الوجهين.

قال الغزالي

###: النَّوْعُ الخامِسُ: الجِمَاعُ

وَنَتِيْجَتُهُ الفَسَادُ وَالقَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ، وَإِنَّمَا يَفْسَدُ بِالجِمَاعِ قَبْلَ التَّحَلُّليْنِ (ح) وَفيمَا بَيْنَهُمَا فلاَ، وَفِي العُمْرَةِ قبْلَ السَّعْي إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: الحَلْقُ نُسُكٌ فَيَفْسَدُ قَبْلَ الحَلْقِ، وَلَيْسَ لِلعُمْرَةِ إِلاَّ تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ 1 أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، والرَّفَثُ مفسر بالجماع، فالجماع في الحَجِّ والعمرةُ نَتَائِج، فَمِنْهَا فساد النُّسُكِ، يروى ذلك عن عمر 2 وعلي 3 وابْنِ عباس 4 وأبي هريرة 5 وغيرهم من الصَّحَابَةِ -رضي الله عنهم- أجْمَعِين.
واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجِمَاعِ إذا وَقَعَ قَبْلَ التحللين لِقُوَّةِ الإِحْرَامِ، ولا فرق بين أن يقع قبل الوُقُوفِ بعَرَفَةَ أو بَعْدَه خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: لا يفسد بِالْجِمَاعِ بَعْدَ الوقوف، وَلكن تلزمِ بِهِ الفدْيَة.
وأما الجماع بين التحللين فلا أَثَرَ لَهُ فِي الفَسَادِ.
وعن مالك وأحمد -رحمهما الله- أنه يفسد ما بقي من إحْرَامِهِ ويقرب منه ما ذَكَرَهُ القَاضِي ابْنُ كِجٍّ أن أبا القَاسِم الدركي، وأبا عَلِي الطَّبَرِيّ حَكَيَا قولاً عن القديم أنه يخرج إلى أدنى الحِلِّ، ويجدد منه إحْرَاماً ويأتي بِعَمَلِ عُمْرَةٍ.
وأطلق الإمام نقل وجه أنه مفسد كما قبل التَّحلل، وتَفْسُدُ العمرة أيضاً بالجِمَاع قبل حُصولِ التَّحَلُّلِ، ووقت التحلل مِنْهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الخِلاَفِ السَّابقِ في الحَلْقِ، فإن لم نجعله نسكاً فإنما يفسد بالجِمَاعِ قَبْلَ السَّعْي، وإن جعلناه نُسُكاً فيفسد أيضاً بالجِمَاعِ قَبْلَ

جارٍ التحميل