ويستحب تقبيل الحجر واستلامه واستلام الركن اليماني عند محاذاتهما في كُلِّ طوفة، وهو في الأوتار آكد؛ لأنها أفضل 1.
وقوله في الكتاب: (اقْتَصر على المَسِّ أو الإِشَارَةَ) ليس تخييراً، ولكنه يمسه وإن لم يمكنه اقتصر على الإشَارَةَ كَمَا مَرَّ.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ: الدُّعَاءُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ: بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيماناً بِكَ وَتَصْدِيقاً بِكِتَابَكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَعَلَى آلهِ السَّلاَمُ.
قال الرافعي: يستحب للطائف أن يقول في ابتداء طوافه: "بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيْماناً بِكَ، وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-" روى ذلك عن عَبْد الله بن السَّائِبِ -رحمه الله- عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- 2 ويقول بين الرُّكنين اليَمَانِيين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 3. وقد أورد الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أنه يستحب له إذا انتهى إلى محاذاة البَاب وعلى يمينه مَقامُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْبَيْتَ بَيْتُكَ وَالْحَرَمَ حَرَمُكَ وَالأَمْنَ أَمْنُكَ وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ" ويشير إلى مقام إبراهيم عليه السلام وإذا انتهى إلى الرُّكْنِ العِرَاقي أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِ وَالشِّرْكِ، وَالنِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاَقِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ"، وإذا انتهى إلى ما تحت المِيزَاب من الحِجْرِ أن يقول: "اللَّهُمَّ أَظَلَّنِّي بِظِلَّكَ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلا ظِلُّكَ، وَاسقني بِكَأْسِ مُحَمَّدٍ شَرَاباً هَنِيّاً لا أَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَداً يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ".
وإذا صار بين الرُّكْنِ الشَّامي واليماني أن يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْرُوراً، وَسَعْياً مَشْكُوراً، وَعَمَلاً مَقْبُولاً، وَتِجَارَة لَنْ تَبُورَ، يَا عَزِيزُ يا غَفُورُ" 4.
وإذا صار بين الركنين اليمانيين أن يقول: ما سبق، وذكر غيره أنه يقول عند الفراغ من ركعتي الطواف خلف المقام: "اللَّهُمَّ هذَا بَلَدُكَ، وَمَسْجِدُكَ الْحَرَامُ، وَبَيْتُكَ الْحَرَامُ، أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ أَتَيْتُكَ بِذُنُوب كَثِيرَةٍ وَخَطَايَا جَمَّةٍ وَأَعْمَالٍ سَيِّئةٍ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذُ بِكَ مِنَ النَّارِ فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ عِبَادَكَ إِلى بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ طَالِبًا رَحْمَتَكَ، مُبْتَغِيًا مَرْضَاتِكَ، وَأَنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
وعند محاذاة المِيزَاب: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَاب".
ويدعو في طوافه بما شاء، ولا بأس بقراءة القُرْآن في الطَّوَافِ، بل هي أفضل من الدّعاء الذي لم يؤثر 1، والدعاء المَسْنُون أَفْضَلُ مِنْهَا، تَأسِّياً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونقل في "العدة" وجهاً آخر: أنها أفْضَلُ مِنْهُ أيضاً.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ الرَّمَلُ فِي الأَشْوَاطِ الثَّلاَثةِ الأُوَلِ وَالهِيْنَةُ فِي الأَخِيرَةِ، وَذَلِكَ فِي طَوَافِ القُدُومِ فَقَطْ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَقَطْ عَلَى قَوْلٍ، وإنْ تَرَكَ الرَّمَلَ أَوَّلاَ لَمْ يَقْضِهِ آخِراً إِذْ تَفُوتُ بِهِ السَّكِينَةُ، وَلَوْ تَعَذَّرَ الرَّمَلُ مَعَ القُرْبِ لِلزَّحْمَةِ فَالبُعْدِ أَوْلَى، وَلَوْ تَعَذَّرَ لِزَحْمَةِ النِّسَاءِ فَالسِّكِينَةُ أَوْلَى، وَلْيَقُلْ فِي الرَّمَلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلهُ حَجّاً مَبْرُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً.
قال الرافعي: والأصْلُ في الرَّمْلِ والاضطباع،، ما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قال: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَكَّةَ لِعُمْرَةِ الزِّيَارَةِ قَالَتْ قُرَيْشُ: إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ قَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالرَّمَلِ وَالاضْطِبَاع لِيُرَى الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُم فَفَعَلُوا" 2.
ثم إن ذلك بقي سنة متبعة وإن زال السَّبَب، روى عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "فِيمَا الرَّمَلُ وَقَدْ نَفَى الله الشِّرْكُ وَأَهْلَهُ وَأَعَزَّ الإسْلاَمَ إِلاَّ إني لاَ أُحِبُّ أَنْ أَدَعَ شَيْئاً كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-".
والرَّمْلُ هو: الإسراع في المشي مع تقارب الخُطَى، دون الوُثوب والعَدْوِ، ويقال: إنه الخَبَبَ، وغلط الأئمة من ظن كونه دون الخبب.
إذا تمهد ذلك فنورد مَسَائِلُ الفَصْلِ وما ينضم إليها من صور:
إحداها: حيثُ يُسَنُّ الرَّمَل، فإنما يسن في الأشْوَاطِ الثلاثة الأولى فأما الأربعة الأخيرة فالسنة فيها الهينة.
روي عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَر فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاَثاً وَمَشى أَرْبَعاً" 1 أو هل يستوعب الثلاثة الأولى بالرَّمَلِ؟ فيه قولان حكاهما الإمام:
أصحهما: وهو المشهور: نعم؛ لما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلاَثاً وَمَشى أَرْبَعًا" 2.
والثاني: لا، بل يترك الرَّملَ في كل طَوْفَةٍ بين الركنين اليمانيين، لما روي: "أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانُوا يَتَّئِدُونَ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمُ عَامَ الصَّدِّ أَنْ يَنْخلَّوا عَنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ إِذَا عَادَ لِقَضَاءِ الْعُمْرةِ" فلما عاد وفارقوا قعيقعان وهو: جبل في مقابلة الحجْر والمِيزَاب، وكانوا يظهرون القُوة والجلادَة حيث تقع أبصارُهم عَلَيْهِم، فإذا صَارُوا بين الركنين اليمَانيين كَانَ البَيْتُ حَائِلاً بينهم وبين أبْصَارِ الكُفَّارِ 3.
الثَّانية: لا خلاف في أن الرَّمَلَ لا يُسَنُّ في كل طَوَافٍ، وفيم يسن؟ فيه قولان:
أحدهما: قال في "التهذيب"، هو الأصح:
الجديد: يسن في طواف القدوم والابتداء؛ لأنه أولُ العَهْدِ بالبيت، فيليق به النِّشاط والاهتزاز.
والثاني: إنما يُسَنُّ في طوافٍ يَسْتَعْقِبُ السَّعْي؛ لانتهائه إلى تَوَاصُلِ الحركات بين الجبلين، وهذا أظهر عند الأكْثرين ولم يتعرضوا لتاريخ القولين، ويشهد للأول ما روي: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَرْمَلْ فِي طَوَافِهِ بَعْدَ مَا أَفَاضَ" 4.
وللثاني: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- رَمَلَ فِي طَوَافِ عمرِهِ كُلَّهَا 1 وَفِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ".
والذي يشتركان فيه استعقاب السَّعْيِ فعلى القولين لا رَمَلَ في طَوَافِ الوَدَاعِ؛ لأنه ليس للقُدُوم، ولا يستعقب السعي، ويرمل من قدم مكَّة معتمراً؛ لوقوع طوافه عن القُدُومِ واستعقابه السعي، ويرمل أيضاً الأفاقي الحَاجّ إذا دَخَلَ مكة بعد الوقوف، وإن دخلها قبل الوُقوف فهل يَرْمُل في طَواف القُدومِ؟ ينظر إن كان لا يسعى عقيبه ويؤخره إلى إثر طواف الافاضة فعلى القول الأول يَرْمُل، وعلى الثاني لا، وإنما يرمل في طواف الإفاضة وإن كَانَ يَسْعَى عقيبه، فيرمل فيه على القوالين، وإذا رمل فيه وَسَعَى بعده بلا يرمل في طواف الإفاضة إن لم يُرِد السَّعْيَ عُقَيْبَه، وإن أراده فكذلك في أصحِّ القولين، وإذاطَافَ للقدوم وسعى بعده ولم يرمل فَهَلْ يَقْضِيهِ فِي طَوَافِ الإفَاضَةِ؟ فيه وجهان، ويقال: قولان:
أظهرهما: لا، كما لو ترك الرَّمَلَ في الثَّلاثةِ الأُولَى لا يقضيه في الأَرْبَعَةِ الأَخِيرَةِ، وإن طاف ورملَ ولم يسع فجواب الأكثرين: أنه يرمل في طَوَافِ الإفَاضَةِ هَاهُنَا؛ لبقاء السَّعْي عَلَيْهِ، وكون هيئة الرَّمل مع الاضطباع مرعية فيه، والسَّعْي تَبَعٌ للطواف، فلا يزيد في الهَيْئَةِ عَلَى الأَصْلِ.
وهذا الجواب في غالب الظَّنِّ منهم مَبْنِيٌّ على القَوْلِ الثَّانِي، وإلا فلا اعتبار باستعقاب السَّعْي، وهل يرمل المكي المنشئ حَجَّه مِنْ مَكَّةَ فِي طوافه؟ إن قلنا: بالقول الأول فلاَ، إذْ لَيْسَ له طواف قدوم ودخول.
وإن قلنا: بالثاني فنعم؛ لاستعقابه السَّعْي.
الثالثة: لو ترك الرَّمَلَ فِي الأشواط الأولى لم يَقْضِهِ في الأخيرة؛ لأن الهينة والسكينة مسنونةٌ فيها استنان الرَّمَلِ في الأولى، فلو قضاه لَفَوَّتَ سنةً حَاضِرَةً، وهذا كما لو تَرَكَ الجَهْرَ في الركعتين الأولتين لا يقضيه في الآخرتين، ويخالف ما لو ترك سُورَة "الجُمُعَةِ" في الرَّكْعَةِ الأولى يَقْرَأُهَا مَعَ "المُنَافِقينَ" في الثانية؛ لأن الجمع ممكن هناك.
الرابعة: القرب من البيت مستحب للطائف تَبَرُّكاً بِهِ، ولا نظر إلى كَثْرَةِ الخُطَى لَوْ تَبَاعَدَ، فلو تَعَذَّرَ الرَّمَلُ مع القُرْب لِزَحْمَةِ النَّاسِ فينظر إن كان يَجِدُ فُرْجَة لو توقف توقف ليجدها فيرمل فيها، وإن كان لاَ يَرْجُو ذَلِكَ وهو المراد مما أطلقه في الكتاب فالبعد عن الميت والمحافظة على الرَّمَلِ أَوْلَى، لأن القُرْبَ فضيلةٌ تتعلق بموضع العِبَادة، والرمل فَضِيلَةٌ تتعلق بِنَفْسِ العِبَادَةِ، والفضيلة المتعلقة بِنَفْسِ العِبَادَةِ أولى بالرِّعَايَةِ، ألا ترى أن الصَّلاةَ بالجَمَاعَةِ في البَيْتِ أَفْضَلُ من الانفراد بِهَا فِي المَسْجِدِ.
وإن كان في حَاشِيَةِ المطاف نِسَاء ولم يأمن مُصَادَمَتَهُنَّ لو تباعد، فالقرب من البَيْتِ والسَّكِينَةِ أولى من البُعْدِ والرَّمْلِ، تحرزاً عن مُصَادَمَتِهِنَّ وَمُلاَمَسَتِهِنَّ.
وقوله في الكتاب: (ولو تعذر لزحمة النساء... إلى آخره) المراد منه هذه الصورة على ما دل عليه عبارة "الوسيط"، والمعنى: فإن تعذر البُعْدُ لِزَحْمَةِ النساء، ويجوز أن يحمل على ما إذا كان بالقرب أيضاً نساء وتعذر الرَّمَلُ في جميع المَطَافِ لخوفُ مَصَادَمَتِهِنَ، فإن الأَوْلَى والحالة هَذِه تَرْكُ الرمل.
الخامسة: ليكن من دعائه في الرمل 1: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْرُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً".
روي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 2.
ومتى تَعَذَّرَ الرَّمَلُ على الطَّائِفِ فينبغي أن يَتَحَرَّك فِي مِشْيِه، ويرى من نفسه أنه لو أمكنه الرَّمَلُ لَرَمَلَ.
وإن طافَ رَاكِباً أو محمولاً ففيه قولان:
أصحهما: أنه يَرْمُلُ به الحَامِل ويُحَرّك هو الدّابة.
ومنهم: من خص القولين بالبَالِغ المحمول، وقطع في الصبي المحمول بأنه يرمل به حَامِلُه، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ الاضْطِبَاعُ فِي كُلِّ طَوَافٍ فِيهِ رَمَل وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ إِزَارِهِ فِي إِبِطِهِ اليُمْنى، وَيَجْمَعَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ ثُمَّ يُدِيمَهُ إِلَى آخِرِ الطَّوَافِ فِي قَوْلٍ وإلَى آخر السَّعْي فِي قَوْلٍ.
قال الرافعي: الاضطباع في كل طوافٍ فيه رَمَلٌ، وهو افتعال من الضَّبْع وهو العضد.
ومعناه: أن يجعل وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ منكبه الأيمن، وطرفيه على عَاتِقِهِ الأيْسَر، ويبقى منكبه الأيْمنُ مكشوفاً كَدَأْب أَهْلِ الشَّطَارَةِ، وكل طَوَافٍ لا يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ لاَ يُسَنَّ فِيهِ الاضطباع، وما يسن فيه الرَّمل يسن فيه الاضطباع، لكن الرملَ مخصوصٌ بالأشواط الثلاثة الأول والاضطباع يعم جميعها، ويسن في السَّعْي بين الجبلين بعدها أيضاً، على المشهور، ويخرج من منقول المَسْعُودي وغيره وجه أنه لا يسن، ويروى ذلك عن أحمد -رحمه الله-.
وهل يُسَنُّ في ركعتي الطَّوَافِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في سائر أعمال الطواف.
وأصحهما: لا؛ لكراهية الاضطباع في الصَّلاَةِ، والخلاف فيهما متولد من اختلاف الأصْحَاب في لفظ الشافعي -رحمه الله- في "المختصر" وهو أنه قال: ويضطبع حتى يَكْمُلَ سَعْيُه.
فمنهم من نقله هكذا.
ومنهم: من نقل حتى يكمل سَبْعَة، وهذا الاختلاف عند بعض الشارحين متولد من اختلاف النسخ، وعند بعضهم من اختلاف القِرَاءة، لتقاربهما في الخَطِّ، فمن نقل سَعْيَه حكم بإدامة الاضطباع في الصَّلاَةِ والسَّعْيِ، ومن قال سبعة قال: لا يضطبع بعد الأشْوَاطِ السَّبْعَةِ، وظاهر المذهب ويحكي عن نصه: أنه إذا فرغ من الأشْوَاط ترك الاضطباع حتى يُصَلِّيَ الركعتين، فإذا فرغ منها أعاد الاضطباع وخرج لِلسَّعْيِ، وهذا يحوج إلى تأويل لفظ "المختصر" على التقديرين، فتأويله على التقدير الأول أنه يضطبع مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وعلى التقدير الثاني أنه يديم اضطباعه الأول إلى تَمَام الأَشْوَاطِ، ثم اللفظ ساكت عن أنه يعيده أو لا يعيده؟.
وليس في حَقِّ النساء رَمَلٌ ولا اضطباع حتى لا ينكشفن، ولا تبدوا أعضاؤهن، وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ -رحمة الله عليه- وَجْهَيْنِ في أن الصَّبِيَّ هَلْ يضطبع؟ لأنه ليس فيه نصرة ولا جلادة كالنِّسوة، والظاهر أنه يضطبع.
وقوله في الكتاب: (أن يجعل وسط إزاره) ذكر الرداء في هذا الموضع أليق، وكذلك قاله الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- وعامة الأصْحَابِ -رحمهم الله-.
وقوله: (إلى آخر الطواف في قول إلى آخر السَّعْي في قول) إطلاق القولين فيه غَرِيب، والذين رووا الخِلاَف فيه رووهما وجهين، إلا أن حُجَّةَ الإِسْلاَم -رحمه الله- نظر إلى استناد الخلاف إلى ما قَدَّمْنَا من قَوْلِ الشافعي -رضي الله عنه-، ثم عبارة الكتاب في القول الثاني تقتضي استحباب الاضطباع في ركعتي الطَّوَافِ أيضاً، وفيه ما ذكرناه.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ طَافَ المُحْرِمُ بِالصَّبِيِّ الَّذي أَحْرَمَ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنِ الصَّبِيَّ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ طَاف عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ الحَامِلَ أَوْلَى بِهِ، فَيَنْصَرِفَ إِلَيْهِ وَلاَ يَكْفِيهِمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ بِخِلاَف مَا إِذَا حَمَلَ صَبِيَّيْنِ وَطَافَ بِهِمَا فإنَّهُ يُكْفِي الصَّبِيَّيْنِ طَوَافٌ وَاحِدٌ كَرَاكِبَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ.
قال الرافعي: هذا الفرع لا اختصاص له بالصبي وإن صوَّره فيه، ولو اختص به لكان موضعه الفَصْلُ الأَخِيرُ مِنْ الباب المعقود في حُكْمِ الصَّبِيِّ، ثم هو ناظر إلى مسألةٍ نذكرها أولاً، وهي أن الطَّوافَ هَلْ يَجِبُ فِيهِ النية؟ وفيه وجهان:
أحدهما: تجب؛ لأنه عبادة برأسه.
وأصحهما: لا تجب؛ لأنه في الحَجِّ والعمرة أحد الأَعْمَال، فيكفي فيه نية النُّسُكِ في الابتداء، على هذا فهل يُشْتَرَطُ أن لاَ يصرفه إلى عَرَضٍ آخر من طَلَب غَرِيمٍ ونحوه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، وهما كالوجهين فيما إذا قصد في أثناء وضوءه لغسل باقي الأعضاء تبرداً ونحوه.
إذا عرفت ذلك فلو أن الرجل حَمَل محرماً من صبي أو مريض أو غيرهما وطاف به، نظر إن كان الحاملُ حلالاً أو كان قد طافَ عن نفسه حُسِبَ الطواف للمحمول بَشَرْطِهِ، وإن كان محرماً ولم يَطُفْ عَنْ نَفْسِهِ نظر إن قصد الطَّوَاف عَنِ المَحْمُولِ ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه يقع للمحمول دون الحَامل، وينزل الحَامِلُ منزلَة الدَّابَّةِ، وهذا يخرج على قولنا: أنه يشترط أن لا يصرف طوافه إلى غرضٍ آخر.
والثَّاني: أنه يقع عن الحَامِل دون المحمول، وهذا يخرج على قولنا: أنه لا يشترط ذلك، فإن الطواف حينئذٍ يكون محسوباً له، وإذا حسب له لم ينصرف إلَى غَيْرِهِ، بخلاف ما إذا حمل مُحْرِمَيْنِ وطاف بهما وهو حَلاَلٌ أَوْ مُحْرِمٌ، وقد طاف حيث يجزئهما جميعاً، فإن الطَّواف ثم غير محسوب لِلْحَامِلِ، والمحمولان كراكبي دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ، وربما يوجه هذا الوجه بالتشبيه بما إذا أحرم عن غيره، وعليه فَرْضُه.
والثالث: أنه يحسب لهما جميعاً؛ لأن أحدهما قد دَارَ والآخر دِيرَ بهِ.
وإن قصد الطَّواف عَنْ نَفْسِهِ وقع عنه، وهل يحسب عن المحمول؟ قال الإمام: لا، وحكى وفاق الأصْحَاب فيه، وبمثله أجاب فيما إذا قصد الطَّوَافِ لِنَفْسِهِ وَللْمَحْمُولَ، وصاحب "التهذيب" حكى في حصوله للمحمول مع الحُصُولِ لِلْحَامِلِ وجهين؛ لأنه دَار به، ولو طاف به ولم يقصد واحداً من الأقسام الثلاثة فهو كما لو قَصَدَ نَفْسَهُ أو كِلَيْهِمَا.
وقوله في الكتاب: (لو طاف المحرم بالصبي الذي أحرم عنه) قد ذكرنا أن المسألة غير مخصوصة بما إذا كان المحمول صبيّاً، والأولى أن يقرأ قوله (أُحْرِمَ بهِ) على المجهول، إذ لا فرق بين أن يكون الحَامِلُ إليه الذي أحرم به أو غيره، ثم لفظ الكتاب يقتضى عدم إجزائه لِلصَّبِيِّ فيما إذا لم يَطُف الحَامل مطلقاً، لأنه أطلق الاستثناء، لكن فيه التّفصيل، والخلاف الذي كتبته، والظاهر فيما إذا قَصَد الطَّوافِ للمحمول إجزاؤه للمحمول على ما تقرر، فإذًا لفظ الكتاب محمول على ما إذا لم يقصد ذلك، وفي "الوسيط" ما يشير إليه.
وقوله: (ولا يكفيهما طواف واحد) معلم بالواو؛ لما مَرَّ من الوجه الثالث، وبالحاء؛ لأن صاحب "التتمة" حكى عن أبي حنيفة -رحمه الله- مثله.
قال الغزالي
###: الفَصْلُ الخَامِس في السَّعْي:
وَمَنْ فرَغَ مِنَ الطَّوَافِ اسْتَلَمَ الحَجَرَ وَخَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَرَقَى عَلَى الصَّفَا مِقْدَارَ قَامَةٍ حَتَّى يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الكَعْبَةِ وَيدْعُوَ ثُمَّ يَمْشِي إِلَى المَرْوَةَ وَيَرْقَأَ فِيهِ وَيَدْعُوَ، وَيُسْرِعُ في المَشْيِءِ إِذَا بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَيْلِ الأَخْضَرِ المُعَلَّق بِفِنَاءِ المَسْجِدِ نَحْوَ سِتَّةِ أَذْرُعِ إِلَى أَنْ يُحَاذِيَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْن ثُمَّ يَعُودُ إلَى الهَيْنَّةِ.
قال الرافعي: إذا فرغ من الطواف وركعتيه فينبغي أن يعود إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ ويستلمه، ليكون آخر عَهْدِهِ بالاستلام، كما افتتح طوافه به، ثم يخرج من باب الصَّفَا وهو في محاذاة الصلع بين الركنين اليمانيين؛ ليسعى بين الصَّفَا والمَرْوَة، "وَيبْدَأُ بِالصَّفَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "بَدَأَ بِهِ، وَقَالَ: ابْدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" 1.
ويرقى على الصفَا بقدر قَامَةِ رَجُلٍ، حتى يتراءى له البَيْتُ، ويقع بَصَرُهُ عليه، فإذا رقى عليه استقبل البيتَ وهلَّلَ وكَبَّر وقال: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبُرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَالْحَمدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلانَا، لاَ إله إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلهَ إِلاَّ الله، وَحْدَه لاَ شَريكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إلاَّ إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ".
ثم يدعو بما أحَبَّ من أَمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا، ثم يعود إلى الذِّكْرِ المذكُورِ ثَانَيًا، ثم يدعو ثم يعود إليه ثالثاً، ولا يدعو 2، وينزل من الصَّفَا ويمشي إلى المَرْوَةِ ويرقى عليها أيضاً بقدر قامة رجل، ويأتي بِالذِّكْرِ والدُّعَاءِ كما فعل على الصَّفَا.
ثم أن المسافة بين الجبلين يقطع بعضها مشيًا وبعضَها عَدْواً.
وبَيَّنَ الشافعي -رضي الله عنه- عنه ذلك فقال: "ينزل من الصَّفا ويمشي على سَجِيَّةِ مَشْيهِ حتى يبقى بينه وبين المَيْلَ الأَخْضَرِ المعلق بفناء المسجد وركنه قَدْرُ ستة
أَذْرُع، فحينئذ يسرع في المَشْي، ويسعى سَعْياً شديداً، وكان ذلك الميل موضوعاً على متن الطريق في الموضع الذي منه يبتدأ السَّعي إعلاماً، وكان السَّيْلُ يهدمه، فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، ولذلك سمي مُعَلَّقاً، فوقع متاخراَ عن مبتدأ السعي بستة أذرع، لأنه لم يكن موضع أليق منه على الأعلى، ويديم السَّعْيَ حتى يتوسط بين المِيَليْنِ الأخضرين اللذين أحدهما يتصل بفناء المسجد عن يسار السَّاعى، والثاني متصل بدار العَبَّاسِ فإذا حاذاهما عاد إلى سَجِيَّةِ المَشْيِ، حتى ينتهي إلى المَرْوَة.
قال القاضي الرّوَيانِي وغيره: هذه الأساس كانت في زمان الشافعي -رضي الله عنه- وليس هناك اليوم دار تعرف بِدَار العبَّاس، ولا ميل أضخر وتغيرت الأسامي.
وإذا عاد من المروة إلى الصَّفَا سعى في موضع سَعْيِهِ أولاً، ومشى في مَوْضِع مَشْيهِ، وليقل في سعيه "رَبِّ اغْفرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ إنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأكْرَمُ" 1 وليكَن من دعائه على الجبلين ما يؤثر عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَاعَتِكَ وَطَوَعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ وَيُحِبُّ مَلاَئِكَتِكَ وُرُسُلكَ وعبَادِكَ الصّالِحِين، اللَّهُمَّ آتِنِي مِنْ خَيْرِ مَا تؤتي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، واجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" 2 وجميع ما ذكرناه من وَظَائِفِ السعي قولاً وفِعلاً مشهور في الأَخْبَارِ.
قال الغزالي: وَالتَّرَقِّي وَالدُّعَاءُ وَسُرْعَةُ المَشْي سُنَنٌ، وَلَكِنَّ وُقُوعَ السَّعْي بَعْدَ طواف ما شَرْطٌ، فَلاَ يَصِحُّ الابْتِدَاءُ بِهِ، فَإِنْ نَسِيَ بَعْدَ طَوَاف القُدُومِ لاَ يُسْتَحَبُّ الإعَادَةُ بَعْدَهُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَشُرُوطُ الصَّلاَةِ بِخِلاَف الطَّوَاف.
قال الرافعي: "لِما تكلم في وظائف السَّعْي مخلوطةً واجباتها بسننها، أراد الآن أن يميز بينهما، فمن السنن: الرُّقِي 3 على الصَّفَا والمَرْوة، والواجب هو السَّعْيُ بينهما، وقد يتأتى ذلك من غير رُقِي بأن يلصق العقب بأصل ما يسير منه، ويلصق رؤوس أصابع رِجْلَيْهِ بما يسير إليه من الجَبَلَيْنِ.
وعن أبي حَفْصِ بْنِ الوَكِيلِ: أنه يجب الرُّقِيُّ عليهما بقدر قامَةِ رَجُلٍ.
لنا: اشتهار السعي من غير رُقِيٍّ عن عثمان وغيره من الصَّحابة -رضي الله عنهم- من غير إنكار.
ومنها: الذِّكْر والدّعَاء، فليس في تركهما إلا تَرْك فَضِيلَةٍ وَثَوَابٍ.
ومنها: سرعة المشي في المَوْضِعِ المَذْكُورِ، والهينة في البَاقِي كَالرَّمُلِ، والهينة في الطَّوَافِ بالبيت ومنها: المُوَالاةُ فِي مَرَّات السعي، وبين الطواف والسعي، ولا يشترط الموالاة بين الطواف والسعي، بل لو تَخَلَّل بينهما فصلٌ طويلُ لم يقدح، قاله القَفَّالُ وغيره.
نعم، لا يجوز أن يتخلل بينهما ركن بأن يطوف لِلْقُدُومِ، ثم يقف بعرفة ثم يَسْعَى، بل عليه إعادة السَّعْي بعد طَوَافِ الإفَاضَةِ، وذكر في "التتمة" أنه إذا طال الفَصْلُ بين مَرَّاتِ السَّعْي، أو بين الطَّوَافِ والسَّعْي ففي إِجْزَاءِ السَّعْي قولان، وإن لم يتخلل بينهما ركن والظاهر: ما سبق.
وأما الواجبات فمنها وقوعُ السَّعْي بَعْدَ الطواف، فلو سعى قبل أن يطوف لم يُحْسَب، إذ لم ينقل عن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَمَنْ بَعْدَه السعي إلا مرتباً على الطَّوَافِ ترتيب السُّجودِ على الرّكُوع، ولا يشترط وقوعه بعد طَوَافِ الرُّكْن، بل لو سعى عقيب طواف القدوم أجزأه، ولا يستحب أن يعيده بَعْدَ طواف الإفَاضَةِ؛ لأن السَّعْي ليس قربة في نفسه كالوقوف، بخلاف الطَّوَافِ، فإنه عبادة يتقرب بِهَا وَحْدَها.
وعن الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّدٍ: أنه يكره إعادته فضلاً عن عدم الاستحباب.
ومنها: الترتيب وهو الابتداء بالصَّفَا لقوله -صلى الله عليه وسلم- "ابْدَأوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" 1 فإن بدأ بالمَرْوَةِ لم يحسب مروره مِنْهَا إِلَى الصَّفَا 2. وعن أبي حنيفة أنَّه لا يجب الترتيب فيجوز الابتداء بالمروة.
ومنها: العدد، فلا بد من أن يَسْعَى بين الجَبَلَيْنِ سَبْعاً، ويحسب الذِّهَابُ مِنَ الصَّفَا إِلَى المَرْوَةِ مَرَّة، والعَوْدُ مِنْهَا إلى الصَّفَا أخرى، فيكون الابتداء بالصَّفا والخَتْم بالمروة، وذهب أَبُو بَكْر الصَّيْرَفِيُّ إلى أن الذهاب والعود يحسب مرة واحدة؛ لينتهي إلى ما منه بدأ، كالطواف بالبيت، وكما أن في مَسْحِ الرأس يذهب باليدين إلى القَفَا ويردهما ويكون ذلك مرة واحدة، ويروى هذا عن أَبي عبد الرحمن بن بنت الشافعي -رضي الله عنه- وابن الوكيل.
لنا: إطباق الحَجِيج على ما ذكرنا من عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا.
ولو شك في العدد أخذ بالأقل، وكذلك يفعل بالطّواف، ولو طاف أو سَعَى وعنده أنه أتم العدد وأخبره غيره عَنْ بَقَاءِ شَيْءٍ فالأحب أن يرجع إلى قوله؛ لأن الزيادة لاَ تُبْطِلُهَا، ولو جرى على ما هو جَازِمٌ بِه جَازَ.
ولا يشترط فيه الطَّهارة، وستر العورة، وسائر شروط الصلاة كما في الوقوف وغيره من أعْمَالِ الحَجِّ، بخلاف الطواف فإنه صَلاةٌ بالخَبَرِ.
ويجوز أن يسعى راكباً كما يجوز أن يطوف راكباً، والأحب الترجل، والنساء لا يسعين السَّعْيَ الشديد، كما لا يَرْمُلْنَ (1).
وقوله في الكتاب: (ولكن وقوع السعي بعد طواف ما شرط)، لفظ شامل لأنواع الطواف، غير أنه لا يتصور وقوع السَّعْي بعد طَوَافِ الوَدَاعِ، فإن طواف الوداع هو الوَاقِعُ بعد أعمال المَنَاسِك، فإذا بقي السَّعْيُ عليه لم يكن المأتى به طواف الوَدَاع.
واعلم أن السَّعْي ركن في الحَجِّ والعمرة، لا يحصل التحلل دُونَه (2)، ولا يُجْبَرُ بِالدَّمِ، وبه قال مَالِك.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يُنْجَبِرُ.
وعن أحمد روايتان؛ أصحهما: مثل مذهبنا.
قال الغزالي
###: الفَصْلُ السَّادِسُ في الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الإمَامُ اليَوْمَ السَّابعَ مِنْ ذي الحِجَّةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ خُطْبَةُ وَاحِدَةً ويَأْمْرَهُم بالغُدُوِّ إِلَى مِنىً وَيُخْبِرَهُم بَمَناسِكِهِم وَيَخْرُجَ اليَوْمَ الثَّامِنَ وَيَبيتَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ بِمنىً ثُمَّ يَخْطُبَ بَعْدَ الزَّوَال بِعَرَفَةَ خُطْبَةً خَفِيفَةً وَيَجْلِسَ ثُمَّ يَقُومَ إِلَى الثَّانِيَة، وَيَبْدَأَ المُؤَذِّنُ بِالأَذَانِ حَتَّى يَكُونَ فَرَاغُ الإمَامِ مَعَ فَرَاغِ المُؤَذِّنِ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهرَ وَالعَصْرَ جَمِيعاً.
قال الرافعي: نفتتح الفصل بذكر شيئين:
أحدهما: أن الإمام إن لم يحضر بنفسه، فالمستحب أن لا يخلي الحجيج عن منصب يكون أميراً عليهم؟ ليقفوا دُونَ رَأيهِ، ويطيعوه فيما يَنُوبُهُمْ، وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَبَا بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَمِيراً عَلَى الحَجِيجِ، فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الهِجْرةِ" 3.12
والثاني: أن الحجيج إن سَارُوا من المِيقَات إلى المَوْقِفِ قبل أن يدخلوا مَكَّة كما يفعلونه اليوم فاتتهم خُطْبةُ اليومِ السَّابعِ، والترتيب الذي ذكره في الفَصْل مصوّر في حَقِّ من يدخل مَكَّة قبل الوقوف.
إذا عرفت ذلك فنقول: مَن كَانَ مِنَ الدَّاخِلِينَ قبل الوقوف مُفْرِداً بالحج، أو قارناً بين النسكين، أقام بعد طَوَافِ القدوم إلى أن يخرج إلى عَرَفَةَ، ومن كان متمتعاً طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَتَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثم يحرم بالحَجِّ من مكَّة، ويخرج على مَا مَرَّ في صورة التمتع، وكذلك يفعل المقيمون بمكة، ويستحبُّ للإمام أو لمنصوبه أن يَخْطُبَ بِمَكَّةَ في اليوم السابع من ذِي الحَجَّة بعد صَلاَةِ الظُّهْر خطبةً وَاحِدَةً، يأمر الإمام النَّاس فيها بالغُدُوِّ إلى مِنىً، ويخبرهم بما بين أيديهم من المَنَاسِكِ 1.
وعن أحمد أنه لا يخطب اليوم السَّابع.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "خَطَبَ النَّاسَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْويَّةِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَنَاسِكَهُمْ" 2.
وينبغي أن يأمر في خطبته المتمتعين بأن يطوفوا قبل الخُروج لِلْوَدَاعِ، فلو وافق اليَوْمُ السَّابعُ يومَ الجُمُعَةِ خطب للجمعة وَصَلاَّهَا، ثم خَطَبَ هذه الخُطْبَة، فإن السُّنة فيها التأخير عن الصَّلاة، ثم يخرج بهم اليوم الثامن وهو يوم التَّرْوَية إلى مِنىً، ومتى يخرج؟ المشهور أنه يخرج بهم بَعْدَ صلاةِ الصُّبْحِ بحيث يوافون الظهر بمِنَى.
وحكى القَاضِي ابْنُ كِجٍّ أن أَبَا إِسْحَاقَ ذكر قولاً أنهم يصلون الظُّهرَ بِمَكَّةَ، ثم
يخرجون وإذا خرجوا إلى مِنَى باتوا بها لَيْلَةَ عرفَةَ، وصلُّوا مع الإمام بِهَا الظُّهْرَ، والعَصْرَ والمغرَب، والعِشَاء، والصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ على المَشْهُورِ، وعلى ما ذكره أبو إسْحَاقَ يصلون بها ما سوى الظهر، والمبيت ليلة عرفة بِمِنىً هيئة وليس بِنُسُكٍ يُجْبَرُ بالدَّمِ، والغرض منه الاستراحة للسَّيْرِ من الغد إلى عرفَةَ من غَيْرِ تَعَبٍ، وما ذكرناه من الخُروجِ بعد صَلاَة الصُّبح أو التَّرْوِيَةِ فذلك في غَيْرِ يوم الجُمُعَةِ، فأَما إذا كان يوم التَّرْوِيةِ يوَم الجُمْعَةِ فالمستحب الخروجُ قَبْلَ طلوع الفَجْرِ؛ لأن الخروجَ إلى السفر يَومَ الجمعة إلى حيث لا تُصَلِّى الجمعة حَرَام أو مكروهٌ على مَا مَرَّ في موضعه، وهم لا يُصَلّونَ الجُمُعَةَ بِمِنىً، وكذا لا يصلونها بِعَرَفةَ لو كان يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ لأن الجُمُعَةَ إنما تقام في دَارِ الإِقَامَةِ.
قال الشافعي: -رضي الله عنه- "فإن بني بها قَرْيَةٌ واستوطنها أَرْبَعُونَ من أَهْلِ الكَمَال أقاموا الجُمُعَةَ والنَّاس معهم".
ثم إذا طَلَعت الشَّمْس يوم عرفة عَلَى شِبْر سَاروا إلى عرفات، فإذا انتهوا إلى نَمِرَة ضُرِبَت قُبَّةٌ للإمام بِهَا، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "مَكَثَ بمنىً حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ رَكَبَ وَأَمَرَ بَقِبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ بِنَمِرَةٍ فَنَزَلَ بِهَا" 1 فإذا زالت الشَّمْسُ خطب الإمام خُطْبَتَيْنِ، يُبَيِّنُ لَهُمْ في الأولى مَا بَيْنَ أيديهم من المَنَاسِك، وُيحَرِّضُهُمْ على إكثار الدّعَاء والتَّهْلِيلِ بالمَوْقِفِ، فإذا فرغ منها جَلَسَ بقدر سُورة الإِخْلاَص، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، والمؤذن يأخذ في الأذان، ويخفف الخُطْبَة بحيث يفرغ منها، مع فراغ المؤذن من الإقامة، على ما رواه الإمام وغيره، ومن الأَذان على ما رواه صاحب "التهذيب" وغيره، قال هؤلاء: ثم ينزل فيقيم المؤذن وَيُصَلِّي بالنَّاسِ الظُّهْرَ، ثم يقيمون فَيُصَلِّي بهم العَصْر، على سبيل الجَمْعِ، هكذا فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حَجَّة الوَدَاعِ 2.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا إقامة لِلْعَصْرِ ويجعل الأذان قبل الخُطْبَةِ الأُولَى كما في الجُمُعَةِ وإذا كان الإمام مسافراً فالسنة له القَصْر، والمَكّيُون والمقيمون حَوَاليها لا يَقْصِرُونَ خلافاً لِمَالِكِ.
وليقل الإمام إذا سلم "أَتِمُّوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ، فَإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ"، كما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 3 والقول في أن الجمع يختص بالمُسَافِرين من الحَجِيج أو لاَ يختص قدَّمْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ.
فإن قلت: نمرة التي ذكرتم النزول بها هل هي من حَدِّ عَرَفَة أَمْ لا؟ وهل الخطبتان والصَّلاتَانِ بها أم بموضع آخر؟ قلنا: أما الأول: فإن صَاحِب "الشامل" وطائفة قالوا بأن نَمِرَةَ 1 موضعٌ من عَرَفَاتٍ، لكن الأكثرين نَفوا كونها من عَرَفَاتٍ.
ومنهم أبُو القَاسِم الكَرَخِي، والقَاضِي الرّوَياني، وصاحب "التهذيب" وقالوا: إنها موضعٌ قريبٌ مِنْ عَرَفَةَ.
وأما الثَّانِي فإيراد موردين يشعر بأن الخطبتين والصلاتين بها، لكن رواية الجمهور أنهم ينزلون بها حَتَّى تَزُولُ الشَّمْسُ، فإذا زالت ذَهَبَ الإِمَامُ بهم إلى مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام وخَطَبَ وَصلَّى فيه، ثم بعد الفراغ من الصّلاة يتوجهون إلى الموقف، وهل المَسْجِدُ مِنْ عَرَفَةَ؟ سنذكره من بعد.
وإذا لم تُعَدّ البقعة من عرفة فحيث أطلقنا أنهم يجمعون بين الصَّلاتَين بعرفة عَنَيْنَا به المَوْضِعَ القَرِيبَ مِنْهَا.
واعلم أنه يسن في الحَجِّ أربع خطب:
إحداها: بمكة في المَسْجِدِ الحرام اليوم السَّابع من ذِي الحَجّة.
والثانية: بعرفة، وقد ذكرناهما.
والثالثة: يوم النحر.
والرابعة: يوم النَّفْرِ الأَوَّل، ويخبرهم في كل خطبة عما بين أيديهم من المَنَاسِكِ وأحكامها إلى الخُطْبَة الأُخْرَى، وَكُلُّهَا أَفْرَاد، وبعد الصلاة إلا يَوْمَ عَرَفَةَ، فإنه يخطب خُطْبَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلاَةِ.
وقوله في الكتاب: (ويبيت ليلة عرفة بمنىً، ثم يخطب بعد الزوال لعرفة) معناه: أنه يغدو منها إلى عَرَفاتٍ ويخطب، ولفظ الكتاب يقتضي كون الموضع الذي يخطب فيه من عَرَفَة، وفيه ما قد عرفته.
وقوله: (خطبة خفيفة) إنما ذكر ذلك لأن المستحب فيها الخِفَّة أيضاً، وإن لم تبلِغ خفتها خِفَّة الثَّانِية؛ لما روي أن سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ للحجاج: "وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَاقْتَصِرْ الخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا صَدَقَ" 2.
وقوله: (ويجلس) أي: بعدها.
وقوله: (ثم يقوم إلى الثانية ويبدأ المؤذن بالأذان).
وأعلم: قوله (ويبدأ) بالحاء؛ لما ذكرنا أن عنده يُقَدَّمُ الأَذَان.
قال الغزالي: ثُمَّ يُقْبِلُونَ عَلَى الدُّعَاءِ إلَى وَقْتِ الغرُوبِ وَيُفِيضُونَ بَعْدَ الغُرُوب إلَى مُزْدَلِفَة يُصَلُّونَ بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ.
قال الرافعي: السنة لِلْحَجِيج بَعْدَ الصَّلاَتيْنِ أن يَقِفُوا عند الصَّخَرَاتِ ويستقبلوا القِبْلَة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "وَقَفَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخْرَاتِ" 1.
وهل الوقوفُ رَاكِباَ أَفْضَلُ؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، بل سواء، قاله في "الأم".
وأظهرهما: وبه قال أحمد: "أَنَّ الْوُقُوفَ رَاكِبًا أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 2. وليكون أقوى الدُّعاء، قاله في "الإملاء" والذين.
ويذكرون الله تعالى ويدعونه إِلَى غروب الشمس، ويكثرون من التهْلِيلِ، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدُهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ" 3.
وأضيف إليه 4 "لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي"، فإذا غربت الشَّمْس دفعوا من عَرَفَات منصرفين إلى مُزْدَلِفَةَ، وَيُؤَخِّرُونَ المَغْرِبَ إلى أن يصلوها مع العِشَاء بمزدلفة، وليكن عليهم في الدَّفْع السكينة والوَقَار؛ لكيلاَ يتأذى البعض بمصادمة البعض، فإن وجد بعضهم فرجة أسْرع، وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- "كانَ يَسِيرُ حِينَ دَفع فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْعَنَقَ فَإذَا وَجَدَ فَجْوَةً 5 " نَصَّ 6. فإذا حصلوا بمزدلفة، جمع الإمام بهم بين المَغْربِ والعِشَاءِ، وحكم الأذان والإقامة لَهُمَا قَدْ مَرَّ في موضعه.
ولو انفرد بعضهم بالجَمْعِ بعرفة أو بمزدلفة أو صَلى إحدى الصَّلاتين مع الإمام والأخرى وَحْدَهُ جَازَ، ويجوز أن يُصَلِّيَ المغربَ بعرفة أو في الطريق.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، ويجب الجَمْعُ بمزدلفة، وذكر الشَّافِعِي -رضي الله عنه- أنهم لا يتنفلون بين الصَّلاتين إذا جَمَعُوا ولا على إثْرِهما، أما بينهما فَلِرِعَايَةِ الموالاة، وأما على إثْرِهِمَا فقد قال القاضي ابْنُ كِجٍّ في الشرح: لا يتنفل الإمام؛ لأنه متبوع فلو اشتغل بالنوافل لاقتدى به الناس وانقطعوا عن المَنَاسك، فليشتغل بِجَمْعِ الحَصَا وغيره من المَنَاسِك.
وأما المأموم ففيه وجهان:
أحدهما: لا يتنفل أيضاً كالإمام.
والثاني: أن الأمر وَاسِعٌ له؛ لأنه ليس بمتبوع، وهذا في النوافل المطلقة دون الرَّوَاتِبِ، والله أعلم.
ثم أكثر الأصحاب أطلقوا القول بأنه يؤخرهما إلى أن يأتي المُزْدَلِفَة، ومنهم من قال ذلك ما لم يَخْشَ فَوَاتَ وَقْتِ اخْتِيَار العِشَاء فإن خَافَ لمكثهم في الطريق بِصَدّ أو غيره لَمْ يُؤَخِّرْ، وجمع بالنَّاسِ في الطَّرِيقِ، والمستحب أَنْ يَنْصَرِفُوا مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمزْدَلِفَةِ فِي طَرِيقِ الْمَأزَمَيْنِ، وهو الطريق بين الجبلين، اقتداءَ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- 1 والصَّحابة -رضي الله عنهم-.
واعلم أن من مكَّة إلى مِنىً فَرْسَخَانِ، ومن مِنىً إلى عَرَفَاتٍ فَرسَخَانِ، ومزدلفة مُتَوَسِّطَةُ بين مِنىً وَعَرَفَاتٍ، منها إلى كل واحدة منهما فرسخاً، ولا يقفون بها في مسيرهم مِنْ منىً إلى عَرَفَات.
وقوله في الكتاب: (ثم يقبلون على الدعاء إلى وقت الغروب)، ليس لإخراج وَقْتِ الغروب عن الحَدِّ، بل يَدْعُونَ عِنْدَه أيضاً.
قال الغزالي: وَالوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيهِ اسْمُ الحُضُورِ في جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عَرَفَةَ وَلَوْ في النَّوْمِ (و) وإنْ سَارَتْ بِهِ دَابَّتُهُ، وَلاَ يَكْفِي حُضُورُ المُغْمَى عَلَيْهِ.
وَوَقْتُ الوُقُوفِ مِنْ زَوَالِ يَوم عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْم العِيدِ، وَلَوْ أَنْشَأَ الإِحْرَامَ لَيْلَةَ العِيدِ جَازَ (و)؛ لأَنَّ الحَجَّ عَرَفَةُ وَوَقْتُهُ بَاقٍ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوز إِلاَّ بِالنَّهَارِ، وَلَو فَارَقَ عَرَفَةَ نَهَاراً وَلَمْ يَكُنْ حَاضِراً عِنْدَ الغُرُوبِ وَلاَ عَادَ بِاللَّيْلِ تَدَاركُاً فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ قَوْلاَن: حَاصِلهُمَا
أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ، وَلَوْ وَقَفُوا اليَوْمَ العَاشِرَ غَلَطًا في الهِلاَلِ فَلاَ قَضَاءَ، وَلَو وَقَفُوا اليَوْمَ الثَّامِنَ فَوَجْهَانِ؛ لِأنَّ هَذَا الغَلَطَ نَادِرٌ.
قال الرافعي: الغرض الآن الكلام في كيفية الوُقوف ومكانِه وَزَمَانِه.
أما الكيفية بالمعتبر الحُضُور بشرط أن يكون أهلاً للعبادة، وفيه صور:
الأولى: لا فرق بين أن يحضرها ويقف وبين أن يَمُرّ بِهَا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- "الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجِّ" 1.
وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ -رحمه الله- أن ابْنَ القَطَّانِ -رحمه الله- جعل الاكتفاء بالمرور المجرد على وجهين.
الثانية: لا فرق بين أن يحضر وهو يعلم أنها عَرَفَة، وبين أن لا يعلم، وعن ابْنِ الوَكِيلِ أنه إذا لم يعلم لم يجزه.
الثالثة: لو أحضرها نَائِماً، أو دخلها قَبْلَ وقت الوُقوف وَنَامَ حتى خرج الوقت أجزأه، كما لو بقي نَائِماً طول نَهَارِهِ أجزأه الصَّوْمُ عَلَى المَذْهَبِ، وفيه وجه: أنه لا يجزئه، كما لو وقف مغمىً عليه، قال في "التتمة": والخلاف في هذه الصورة والتي قبلها مبني على أن كُلَّ رُكْنٍ من أركان الحج هل يجب إفراده بنيته لانفصال بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ أم يكفيها النية السَّابقَة؟ ولو فرض في أشواط الطواف أو بعضها النَّوْم لي هيئة لا تنقض الوضوءَ فقد قال الإمام: هذا يقرب من الخلاف في صَرْفِ الطَّوَافِ إلى غير جِهَةِ النُّسُكِ، ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.
الرابعة: لو حضر وهو مغمىً عليه لم يجزه؛ لفوات أهلية العبادة؛ ولهذا لا يجزئه الصَّوْم إذا كان مغمى عليه طول نهاره، وفيه وجه: أنه يجزئه اكتفاءً بالحُضُورِ، والسكران كالمغمى عليه، ولو حضر وهو مجنون لم يجزه، قاله في "التتمة"، لكن يقع نَفْلاً كحج الصّبي الذي لا تمييز له، ومنهم من طرد في الجُنونِ الوجهَ المنقول في الإِغْمَاء.
الخامسة: لو حضر بعرفَةَ في طَلَبِ غَرِيمٍ أو دابة نَادَّةٍ 2 كَفَاه، قال الإمام: ولم
يذكروا هاهنا الخلاف الذي سبق في صَرْفِ الطواف عن النُّسكِ إلى جِهَة أخْرَى، ولعل الفرق أن الطَّواف قربةٌ برأسها بخلاف الوُقُوفِ، قال: ولا يمتنع طرد الخلاف فيه.
وأما المكان ففي أي مَوْضِعٍ وقف من عَرَفَة أجزأه، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ عَرَفَةٍ مَوْقِفٌ" 1. وبين الشافعي -رضي الله عنه- حَدَّ عرفة فقال: "هي ما جاوز وَادِي عَرَنَةَ إلى الجِبَالِ القَابِلَةِ مما يلي بساتين بَنِي عامر" وليس وادي عرنة من عرفة وهو على منقطع عرفة مما يلي منى وصوب مكة، روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ "وَارْتَفِعُوا عَنْ وَادِي عُرَنَة" 2.
ومسجد إبراهيبم عليه السلام صَدْرَه من عرنة، وآخره من عَرَفَاتٍ، وبميز بينهما بِصَخَرَاتٍ كبار فُرِشَتْ هُنَاكَ، فمن وقف في صَدْرِه فَلَيْسَ واقفاً بعرفة، قال في "التهذيب": وثم يقف الإمام للخطبة والصَّلاة وجبل الرحمة في وسط عرصة عَرَفَاتٍ، وموقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنده معْرُوف.
وأما الزمان ففيه مسألتان:
إحداهما: وقت الوقوف يدخل بزوال الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ، ويمتد إلى طُلُوعِ الفَجْرِ يوم النَّحْرِ، وقال أحمد: يدخل وقته بطلوع الفجر يَوْم عَرَفَة؛ لما روى عن عروة بن مضرس الطَّائي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صَلَّى مَعَنَا هذِهِ الصلاة يَعْنِي الصُّبْحَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ" 3.
لنا: اتفاق المسلمين من عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الْوُقُوفِ بَعْدَ الزَّوَالِ" 4، ولو جاز قبله لما اتفقوا على تَرْكِهِ، وبهذا يستدل على أن المراد من الخَبَرِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
إذا تقرر ذلك فلو اقتصر على الوقوف ليلًا كان مدركاً للحج على المَذْهَب المَشْهُورِ.
ونقل الإمام -رحمه الله- عن بعض التَّصَانِيفِ فيه قولين واستبعده.
وعن شيخه أن الخِلاَفَ فيه مخصوصٌ بما إذا أنشأَ الإحرام ليلة النحر، فإذا لخص ذلك خرج منه ثلاثة أوجه كما ذكر في "الوسيط".
أصحها: أن المقتصر على الوقوف ليلاً مدركٌ، سواء أنشأَ الإحرام قبل لَيْلَةِ العيدِ أَوْ فِيهَا، وكلاهما جائز.
والثاني: أنه ليس بُمْدرِكٍ على التقديرين.
والثالث: أنه مُدْرِكٌ بشرط تقديم الإحْرَامِ عَلَيْهَا، ولو اقتصر على الوقوف نهاراً وأفاض قبل الغُروب كان مدركاً وإن لم يجمع بين الليل والنَّهار في الوقوف، وقال مالك: لا يكون مدركاً.
لنا: خبر عُرْوَة الطَّائِي، وأيضاً فإنه لو اقتصر على الوقوف ليلاً كان مدركاً، فكذلك هَاهُنا، وهل يُؤْمَرُ بإراقة دَمٍ؟ نظر إن عاد قبل الغُرُوب، وكان حاضراً بها حين غربت الشَّمْسُ فَلاَ، وإن لم يَعُدْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فَنَعَمْ، وهل هو واجب أو مستحب؟ أشار في "المختصر" و"الأم" إلى وجوبه، ونص في "الإملاء" على الاستحباب.
وللأصحاب ثلاثة طرق رَوَاها القَاضِي ابْنُ كَجٍّ.
أصحها: أن المسألة على قولين:
أحدهما -وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: وجوبُ الدَّمِ؛ لأنه ترك نسكاً 1، وقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَرَكَ نُسْكاً فَعَلَيْهِ دَمٌ" 2.
والثاني: أنه مستحب، قوله -صلى الله عليه وسلم- في خبر عروة: "فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" ولأنه أدرك من الوُقُوفِ ما أجزأه، فلم يجب الدَّم، كما لو وقف لَيْلاً، وهذا أصَحُّ القولين، قاله المَحَامِلِيُّ والرّويَانِي -رحمهما الله- وغيرهما، وفي "التهذيب" أنه القولُ القَدِيمُ، فإن ثبتت المقدِّمَتَانِ فالمسألة مما يُفْتَى فيها على القولِ القديم، لكن أبو القَاسِم الكَرَخِيّ -رحمه الله- ذكر أن الوجوب هو القديم، -والله أعلم-.
والطريق الثاني: عن أبي إسحاق أنه إن أفاض مع الإمام فهو مَعْذُور، لأنه تابع، وإن انفرد بالإفاضة ففيه قولان:
والثالث: نفي الوجوب والجزم بالاستحباب مطلقاً.
وإذا قلنا: بالوجوب فلو عاد ليلًا فوجهان:
أظهرهما: أنه لا شَيْءَ عليه، كما لو عاد قَبْلَ الغُرُوبِ وصَبَرَ حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ.
والثاني: يجب، ويحكى هذا عن أَبِي حَنِيفَةَ وأحمد -رحمهما الله- لأن النُّسُكَ هو الجمع بين آخر النَّهَارِ وأول اللَّيْلِ بِعَرَفَةَ.
المسألة الثانية: إذا غلط الحَجِيج فوقفوا غير يوم عرفة: فإما أن يغلطوا بالتأخير أو بالتقديم.
الحالة الأولى: أن يغلطوا بالتأخير بأن وقفوا اليوم التَّاسِع بعد كمال ذِي القِعْدَة ثلاثين، ثم بان لهم أن الهِلاَل كان قد أهل ليلة الثلاثين، وأن وقوفهم وقع في اليوم العَاشِرِ، فيصح الحَجِّ، ولا يلزمهم القضاء، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَجُّكُمْ يَوْمَ تَحِجُّونَ" 1.
وروى أيضاً أنه قال: "يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي تُعْرِّفُ فِيهِ النَّاسُ" 2، ولأنهم لو تكلفوا القضاء لم يأمنوا مثله في القَضَاءِ، ولأن في إلزام القضاء مَشَقَّةَ عَظِيمَة؛ لما فيه من إحباط قَطْع المسَافَاتِ الطَّويلة، وإنفاق الأموال الكَثِيرة، وهذا إذ كان في الحَجِيج كثرة على المعتاد، فإن قَلُّوا على خلاف العادة أو لحقت شِرْذِمَةٌ يوم النحر فظنت أنه يوم عرفة، وأن النَّاس قد أفاضوا فوجهان:
أحدهما: أنه لا قضاء عليهم أيضاً؛ هم لا يأمنون مثله في القضاء.
وأصحهما: يجب؛ إذ ليس فيه مَشَقَّةٌ عَامة، وإذا لم يجب القَضَاء فلا فرق بين أن يتبين الحال بعد يوم الوقوف، أو في ذلك اليوم، وهم وقوفٌ بعد الزَّوَالِ، وإن تبين قبل الزَّوَالِ فوقفوا بعده، فقد قال في "التهذيب" المذهب أنه لا يُجْزِئُهُمُ، لأنهم وقفوا على يقين الفوات وهذا غير مُسَلَّم؛ لأن عامة الأصحاب ذكروا أنه لو قامت البينة على رؤية الهِلاَل ليلةَ العَاشِرِ وهم بمكة لا يتمكنون من حُضُورِ الموقف باللَّيْلِ يقفون من الغَدِ ويحتسب لهم، كما لو قامت البينة بعد غروب اليوم الثلاثين من رَمَضَانَ على رؤية الهلال يوم الثلاثين نَصّ أنهم يصلون من الغد للعيد، فإذا لم نحكم بالفوات لقيام الشَّهَادَةِ ليلة العَاشِر لزم مثله في اليوم العاشر، ولو شهد واحدٌ أو عدد برؤية هِلاَل ذِي
الحَجَّة وردت شهادتهم، لزمهم الوقوف اليوم التاسع عندهم، وإن كان النَّاس يقفون في اليوم بعده كمن شهد برؤية هلال رمضان فردت شهادته يلزمه الصَّوْمُ.
ولو وقفوا اليوم الحادي عشر لم يصح حَجُّهُمْ بِحَالٍ.
الحالة الثانية: أن يغلطوا بالتقديم ويقفوا اليوم الثَّامن، فينظر أن تبين لهم الحال قبل فوات وَقْتِ الوقوف لزمهم الوقوف في وقته، وإن تبين بعده فوجهان:
أحدهما: أنه لا قضاء كما في الغَلَطِ في التأخير.
وأصحهما: عند الأكثرين: وجوب القضاء، وفرقوا من وجهين:
أحدهما: أن تأخير العِبَادَةِ عن الوقت أقرب إلى الاحتساب من تقديمها عَلَى الوقت.
والثَّانِي: أن الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه، فإنه إنما يقع الغلط في الحساب أو الخَلَل في الشّهود الذين شهدوا بتقديم الهِلاَل والغلط بالتأخير قد يكون للتغيم المانع من رؤية الهِلاَل، ومثل ذلك لا يمكن الاحتراز عنه، ولو غلطوا في المَكَانِ فوقفوا بِغَيْرِ عرفَةَ لم يصح حُجُّهُمْ بِحَالٍ.
ونتكلم بعد هذا في لفظ الكتاب خاصة.
قوله: (والواجب من ذلك ما ينطلق عليه اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة) فيمن تعرض للفعلين الأولين كبقية الوقوف ومكانه.
وقوله: (ولو في النوم) معلم بالواو، وكذا قوله: (وإن سارت به دابته).
وقوله: (ولا يكفي حضور المغمى عليه) لما مر.
وقوله: (من الزَّوَال) مُعَلَّمٌ بالألف؛ لما حكيناه عن أحمد، وبالواو؛ لأن القاضي ابْنُ كَجٍّ روى عن أبِي الحُسَيْنِ وجهاً أنه لو وقف في أول الزوال وانصرف.
لم يجزئه بل يجب أن يكون الوقوف بعد مُضِيِّ زَمَانِ إمكان صَلاَةِ الظُّهْرِ من أول الزَّوَالِ.
وقوله: (ولو أنشأ إحْرَامَهُ لَيْلَةَ العِيدِ جاز) والمسألة مكررة قد ذكرها مرة في فَصْلِ الميقات الزَّمَانِي، واقتصر هَاهُنَا على ذكر الوَجْهِ الأَصَحّ، وهو الجواز.
وقوله: (وقيل: لا يجوز إلا بالنهار) يعني: الوقوف، وكأنه فرع جواز إنشاء الإحْرَام ليلة العِيد على امتداد وَقْتِ الوقوف إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ثم ذكر الوَجْه البعِيدَ وهو أنه لا يمتد، وليست الليلة وقتاً له، ولو حمل قوله: (وقيل: لا يجوز) على أنه لا يجوز إنشاء الإحرام فيها لكان تَعَسُّفاً؛ لأنه قال: (إلا بالنهار) والإحرام لا تعلق له بالنَّهار، وأيضاً فإن ذلك الوجه قد صار مذكوراً في فَصْلِ المواقيت، فالحمل على فائدة جديدة أولى.
وقوله: (ولا عاد بالليل تداركاً) فيه تقييد للقولين بما إذا لم يعد بالليل إشارة إلى أنه لو عاد لم يجب الدمُ جزماً، وهو الوجه الأصَحِّ، ويجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ للوجه
الثاني، وبالحاء والألف أيضاً، لما سبق، ويجوز إعلام قوله: (قولان) بالواو، للطريقين المانعين من إطلاق الخلاف.
وقوله: (حاصلهما أن الجمع بين الليل والنهار هل هو واجب؟) أراد به ما ذكره الإمام أن القولين في وجوب الدَّمِ يلزم منهما حصول قولين في وجوب الجمع بين الليل والنهار في الوقوف؛ لأن ما يَجِب جَهْرُهُ من أعمال الحَجِّ لا بد وأن يكون وَاجباً، لكن في كلام الأصحاب ما ينازع فيه؛ لأنَّ منهم من وجه قول عدم وجوب الدَّم بأن الجمع ليس بِوَاجِبٍ، فلا يجب بِتَرْكِهِ الدَّمُ، فقدر عدم وجوب الجمع متفق عليه.
الفَصْلُ السَّابعُ فِي أَسْبَابِ التَّحَلّلِ
قال الغزالي: فَإذَا جَمَعَ الحَجِيجُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بَاتُوا بِهَا، ثُمَّ ارْتَحَلُوا عِنْدَ الفَجْرِ، فَإذَا انْتَهُوا إلَى المَشْعَرِ الحَرَامِ وَقَفُوا وَدَعَوْا، وَهِذِهِ سُنَّةٌ، ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَهُ إلَى وَادِي مُحَسِّرِ فَيُسْرِعُونَ بِالمَشْيِ فَإذَا وَافَوْا مِنىً بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ رَمَوْا سَبْعَ حَصَيَاتٍ إلَى الجَمرَةِ الثَّالِثَةِ كَبَّرُوا مَعَ كُلِّ حَصَاةِ بَدَلاً عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ وَينْحَرُونَ وَيَعُودُونَ إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الرُّكْنِ، ثُمَّ يَعُودُونَ إلَى مِنىً لِلرَّمْيِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
قال الرافعي: الحجيج يفيضون بعد غروب الشَّمْسِ يوم عَرَفَةَ إلى مُزْدَلِفَةَ، فإذا انتهوا إليها جمعوا بين الصَّلاتين، وباتوا بها، وليس هذا المبيت بِرُكْنٍ، خلافاً لأبي عَبْدِ الرحمنِ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- وأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ من أصحابنا -رحمهم الله-؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَرَكَ المبيت بِمُزْدَلِفَةَ فَلاَ حَجَّ لَهُ" 1.
لنا ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ" 2. ثم هو نسكٌ مجبورٌ بِالدَّمِ في الجُمْلَةِ، وتفصيله أنه إن دفع منها ليلًا، نظر إن كان بعد انتصاف اللَّيْلِ فلا شيء عليه معذوراً كان أو غير معذور: "لأَنَّ سَوَدَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَفَاضَتَا فِي النِّصْفِ الأَخيرِ بِإِذْنِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا بِدَمٍ وَلاَ النَّفَرَ الَّذِينَ نَفَرُوا مَعَهُمَا" 3.
وعن أبي حنيفة: أن غير المعذور يلزمه الدَّم إن لم يعد ولم يقف بعد طُلُوعِ الفَجْرِ، وإن دفع قبل انتصاف الليل وعاد قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه أيضاً، كما لوَ دفع من عرفة قبل الغروب وعاد، وإن لم يعد أو ترك المبيت أصلاً أراق دماً، 1 وهل هو واجب أو مستحب؟ فيه طرق:
أظهرها: أنه على قولين كما ذكرنا في الإفاضة من عَرَفَة قبل غروب الشمس.
وعن أحمد: روايتان كالقولين، وعن مالك هو وَاجِبٌ.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- لا اعتبار بالمبيت، وإنما الاعتبار بالوقوف بالمزدلفَةَ بَعْدَ طلوعِ الفَجْرِ، فإذا تركه لَزِمَهُ دَمٌ.
والطريق الثاني: القَطْعَ بالاسْتِحْبَابِ.
والثالث: القَطْعُ بالإِيجَاب، وحمل نصه على الاستحباب على ما إذا وقع بعد انتصاف الليل.
يحكى هذا عن القاضي أبي حامد 2. والأولى تقديم النِّساء والضَّعَفَةِ بعد انتصاف الليل إلى منى، روى عن ابْنِ عباس -رضي الله عنهما- قال: "كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ إِلَى مِنى مِنَ المُزْدَلِفَةِ" 3.
وغير الضعفة يلبثون حتى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِهَا، ويغلسون بالصَّلاة، والتغليس هاهنا أشد استحباياً، وينبغي أن يأخذوا مِن المُزْدَلِفَة الحَصَى لِلرَّمْي؛ لأن بها جبلاً في أحجاره رخاوة، وليكونوا متأهبين للرمي، فإن السُّنَّة أن لا يَشْتَغِلُوا عَنه بشيء إذا انتهوا إلى مِنًى، ولو أخذوا من مَوْضِعٍ آخر جَازَ، لكن يكره أخذُهُ مِنَ المَسْجِدِ، لأنه فرشه، ومن الحش لنجاسته، وعن المرمى لما قيل:"إِنَّ مَن يُقْبَلُ حَجُّهُ يُرْفَعُ حَجَرُهُ وَمَا يَبْقَى فَهُوَ مَردُودٌ".
وكم يأخذون منها؟ قال في "المفتاح": سبعين حَصَاة، ليرمي يوم النَّحْرِ وأيامَ التَّشْرِيقِ على ما سَنُفَصِّلْهُ، وهذا ظَاهِرُ لَفْظِ "المختصر"، وقال الأكثرون: سَبْع حَصَيَاتٍ، ليرمى يوم النَّحْرِ، وحكوه عن نصه في موضع آخر، وجعلوه بيانًا لما أطلقه في "المختصر"، وعلى هذا فيأخذ لرمي أيام التَّشْرِيقِ مِنْ وَادِي مُحَسِّر أو غيره، وجمع بعضهم بينهما فقالوا: يستحب الأخذ من المُزْدَلَفَةِ لجميع الرَّمْيِ، لكنه لرمي أيام النحر أَحَب، ثم الجمهور قالوا: يتزود بالحَصَا ليلاً قبل أن يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، وفي "التهذيب" أخر أخذها عن الصَّلاَةِ، ثم يدفعون إلى مِنًى، فإذا انتهوا إلى المَشْعَرِ الحَرَامِ وقفوا على قزح، وهو
جَبَلٌ من المَشْعَرِ الحَرَامِ ويقال: هو المشعر، والمشعر من المزدلفة فإن المزدلفة ما بين مأزمي عرفة ووادي مُحَسَّر، ويذكرون الله -تعالى- ويدعون إلى الإسْفَارِ قال الله -تعالى -: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ 1، والأحب أن يكونُوا مُسْتَقْبلِي القبلةُ، ولو وقفوا في مَوْضِعٍ آخر من المُزْدَلفَةِ تأدَي أصْلُ السنة، لكنه عند المَشْعَرَ أفضل 2، ولا يجبر فوات هذه السُّنة بالدَّمِ كسائر الهَيْآتِ، فإذا أسفروا سَارُوا وعليهم السَّكِينة، ومن وجد فرجةً أسرع كما في الدَّفْع من عرفة، فإذا انتهوا إلى وَادِي مُحَسَّر فالمستحب للرَّاكِبينَ أَنْ يُحَرِّكُوا دَوَابَّهُم، وَللْمَاشِينَ أَنْ يُسْرِعُوا قَدْرَ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ" يروى ذلك عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 3.
وقد قيل: إن النَّصَارَى كانت تقف ثَمَّ، فأمرنا بِمُخَالَفَتِهِم، ثم يسيرون على السكينة، فيوافون مِنَى بعد طُلُوعِ الشَّمْسِ، فيرمون سَبْعَ حصياتٍ إلى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، وهي في حضيض الجَبَلِ مترقبة عن الجَادَّةِ على يمين السَّائِرِ إلى مكة، "وَلاَ يَنْزِلُ الرَّاكِبُونَ حَتَّى يَرْمُوا كمَا فَعَلَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 4 والسنة أن يكبروا مع كل حَصَاةٍ، ويقطعوا التلبية إذا ابتدأوا بالرَّمْيِ.
روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ رَمَاهَا" 5.
والمعنى فيه: أن التلبية شِعَارُ الإحْرَام، والرمي أخذٌ في التحلل، وعن القَفذَالِ: أنهم إذا رَحَلُوا من مزدلفة مزجوا التلبية بالتكبير في مَمَرِّهِم، فإذا انتهوا إلى الجمرة وافتتحوا الرمي مَحَّضُوا التكبير.
قال الإمام: ولم أر هذا لِغَيْرِهِ، ثم إذا رموا جَمْرَةَ العَقَبَةِ نَحَرُوا إنْ كَانَ مَعَهُمْ هَدْيٌ، فذلك سُنّة، ثم بعد ذَبْحِ الهَدْي يَحْلِقُونَ أو يُقَصِّرُونَ، وإذا فرغوا منه عادوا إلى مَكَّة، وطافوا طَوافَ الرُّكْنِ، ويسعون بَعده إن لم يَطُوفُوا لِلْقُدُوم، أو لم يسعوا بعده، ثم يعودون إلى مِنَى للمبيتِ بِهَا، والرَّمْيِ أيام التَّشْرِيقِ، وليعودوا إلَيها قَبْلَ أن يصلوا الظُّهرَ،
وهذه ترجمة جملية لهذه الوَظَائِفِ ومسائلها على التَّفْصِيلِ بين يَدَيْكَ.
وقوله في الكتاب: (وهذه سنة) مُعَلَّم بالميم، إن ثبت ما رواه بعض أصحابنا عن مالك أن الوقوف بالمَشْعَرِ الحَرَامِ وَاجِبٌ.
وقوله: (فيسرعون بالمشي) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأني رأيت في بَعْضِ الشروح أن الراكب يُحَرِّك دابته، أما الماشي فَلاَ يعدو وَلاَ يرمل.
وقوله: (إلى الجمرة الثَّالِثَةِ) المراد منها: جمرة العقبة وإنما تسمى الثَّالثة؛ لأن السائرين من مني إلى مَكَّة يتعدون جمرتين قَبْلَهَا، ثم ينتهون إلَيْهَا، فهي الثالثة بالإِضَافَةِ إلى مِنَى، وقد ذكرنا أنها منحرفة عن مَتْنِ الطَّرِيقِ، والجمرتان قبلها على متنه.
وقوله: (ثم يحلقون وينحرون) قدم ذكر الحلق؛ لكن المستحب أن يكون النَّحْرُ مقدماً على الحَلْقِ كما سَيَأْتِي -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: وَللْحَجِّ تَحَلُّلاَنِ يَحْصُلُ أَحَدُهُمَا بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالآخَرُ بِالرَّمْيِ، وَأَيُّهُمَا قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ فَلاَ بَأْسَ، وَيحِلُّ بَيْنَ التَّحَلُّلَينِ اللُّبْسُ وَالْقَلَمُ، وَلاَ يَحِلُّ الجِمَاعُ، وَفِي التَّطَيُّبِ وَالنِّكَاح وَاللَّمْسِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ قَوْلاَنِ، وإن جَعَلْنَا الحَلْقِ نُسُكاً صَارَتِ الأَسْبَابُ ثَلاثةً فَلاَ يَحْصُلْ أَحَدُ التَّحَلُّلَيْنِ إِلاَّ بِاثْنَيْنِ أَيِّ اثْنَيْنِ كَانَا، وَيَدْخُلُ وَقْتُ التَّحَلُّلِ بِانْتِصَافِ (ح م) لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَوَقْتُ فَضِيلَتِهِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَفِي كَوْنِ الحَلْقِ نُسُكًا قَوْلاَنِ، وَلاَ خِلاَفَ أنَّهُ مُسْتَحَبٌّ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ جُعِلَ نُسُكاً جَازَ (م ح) البَدَاءَةُ بِهِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وَفَسَدَتِ العُمْرَةُ بِالجِمَاعِ قَبْلَ الحَلْقِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ لَمْ يَتِمَّ دُونَهُ، وَإذَا تَرَكهُ لَمْ يَنْجَبِرْ بِالدَّمِ لِأَنَّ تَدَارُكَهُ مُمْكِنٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعَرٌ فَيُسْتَحَبُّ (ح) إِمْرَارُ المُوسَى عَلَى الرَّأس، وَلاَ يَتِمُّ هَذَا النُّسُكُ بِأَقَلَّ مِنْ حَلْقِ ثَلاَثِ (م ح) شَعَرَاتٍ مِنَ الرَّأْس، وَيقُومُ التَّقْصِيرُ وَالنَّتْفُ وَالإحْرَاقُ مَقَامَ الحَلْقِ إِلاَّ إِذَا نَذَرَ الحَلْقَ، وَلاَ حَلْقَ عَلَى المَرْأَةِ، وُيسْتَحَبُّ لَهَا التَّقْصِيرُ.
قال الرافعي: لو ذهبت أراعي في الفَصْل ترتيب الكتاب، لم نظفر بالكَشْفِ الذي نَنْعَتُه، فاحتمل التقديم والتأخير، واعرف ثلاثة أَصول:
أحدها: أن قول الشَّافِعي -رضي الله عنه- اختلف في أن الحَلْقَ في وقته هل هو نُسُكٌ أمْ لاَ؟ فأحد القَوْلَيْنِ أنه لَيْسَ بِنُسُكٍ، وإنما هو استباحة مَحْظُورِ؟ لأن كل ما لو فعله قبل وقته لزمته الفدية، فإذا فعله في وقته كان استباحة كالطِّيب واللبس، وهذا لأنه يريد أن يتحلل فيتناول بعض ما حُظر عليه كما يتطيب.
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- أنه نُسُكٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا رَمَيْتُمُ وَحَلَقْتُمْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ" 1.
علق الحِلّ بالحَلْقِ كما عَلَّقَهُ بِالرَّمْيِ، وأيضاً فإن الحَلْقِ أفضل من التقصير، لما سيأتي، والتفضيل إنما يقع في العِبَادَاتِ دون المُبَاحَاتِ، والقولان جاريان في العمرة، ووقته في العُمْرَة يدخل بِالْفَرَاغِ مِنَ السَّعْيِ، فعلى القَوْلِ الأصح هوَ مِنْ أَعمَالِ النُّسكَيْنِ، وليس هو بمثابة الرَّمْيِ والمبيت، بل هو مَعدُودٌ من الأركان، ولهذا لا يُجْبَرُ بِالدَّمِ، ولا تقام الفِدْيَةُ مَقَامُهُ حتى لو كانت برأسه علية لا يتأتى مَعَها التعرض للشَّعْرِ، فإنه يصبر إلى الإمكان ولا يفتدى، ويخالف ما إذا لم يكن على رأسه شَعْر، لا يُؤْمر بالْحَلْقِ بعد النّيَاتِ، لأن النسك حَلْقُ شَعرٍ يشتمل الإحرام عليه، فإذا لم يكن شَعْرٌ لَم يؤمر بهذا النُّسُكِ.
ولو جامع المعتمر بعد السَّعْيِ وقبل الحلق فَسَدَتْ عُمْرَتُه؛ لوقوع جِمَاعِهِ قَبْلَ التَّحَلل، والنّساء لا يُؤْمَرْنَ بِالْحَلْقِ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَي النِّسَاءِ حَلْقٌ وَإنَّمَا يُقَصِّرْنَ" 2.
والمستحب لهن في التقصير أن يأخذن من طَرَفِ شُعُورِهِنَّ بقدر أنملة من جميع الجَوَانِب، وللرجال أيضاً إقامة التقصير مقام الحلق؛ لما روى عن جابر -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا" 3.
والأفضل لَهُم الحَلْقُ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ، قِيلَ: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ، قِيلَ: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ؛ قِيلَ: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ" 4.
وكل وَاحِدٍ من الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ يختص بِشِعْرِ الرَّأْسِ، ولا يحصل النُّسُكُ بحَلْقِ شَعْرٍ آخر، أو تقصيره، وإن اسْتَوى الكُلُّ في وجوب الفدية إذا أخذ قَبْلَ الوَقْتِ؛ لأن الأَمْرَ وردَ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ، وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشِّقِّ الأَيْمَنِ 5 ثم بالأَيْسَرِ،
وأن يكون مستقبلَ القِبْلَةِ، وأن يُكَبِّرَ بَعْدَ الفَرَاغ، وأن يَدْفِنَ شَعْرَهُ، والأفضل إن حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، وإن قَصَّرَ فأن يُقَصِّرَ الجَمِيعَ، أقل ما يُجْزِئُ حَلْقُ ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ أو تَقْصِيرُهَا، وفيها تكمل الفدية، في الحَلْقِ المَحْظُور.
ولنا في تكميل الفِدْيَة في الشعرة الواحدة رَأَيٌ بَعِيدٌ، وهو عَائِدٌ فِي حُصُولِ النُّسُكِ بِحَلْقِهَا، ولو حَلَقَ ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ في دفعات، أو أخذ من شَعْرَةٍ شَيْئاً، وعاد ثَانِياً، فأخذ مِنْهَا شَيْئاً، وعاد ثالثاً، وأخذ، فإن كملنا الفدية لو كان محظوراً قلنا بحصول النُّسُكِ بِهِ.
ولا فرق إذا قَصَّر بين أن يكون المأخوذ مِمَّا يحاذي الرأس أو من المُسْتَرْسِلِ، وفي وجه: لا يغني الأخذ من المُسْتَرْسِل اعتباراً بِالْمَسْحِ.
وقاله أبو حنيفة -رحمه الله-: أَقَلَّ مِنْ حَلْقِ رُبُعِ الرَّأْس.
وقال مالك: لاَ بُدَّ مِنْ حَلْقِ الأكْثَرِ، ولا يتعين لِلْحَلق والتقصير آلة، بل حكم النَّتْفِ والإحراق والإزَالة بالموسى والنورة والقَصّ وَاحدِ.
ومن لا شعر على رأسه يستحب له إمرار المُوسى على الرأس تَشَبُّهاً بالحالقين.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: ولو أخذ من شَارِبِه أو شعر لحْيَتِهِ شيئاً كان أحب إليّ لئلا يخلو من أخذ الشعر وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يجب إمرار الموسى على الرَّأسِ.
لنا: أن العبادة إذا تَعَلَّقَتْ بِجُزْءٍ من البَدَنِ سقطت بفواته كغسل الأعضاء في الوُضُوءِ.
وجميع ما ذكرنا فيما إذا لم يلتزم الحلق أما إذا التزمه فنذر الحلق في وقته تَعَيَّن، ولم يقم التقصير مقامه، ولا النَّتْف، ولا الإحراق، وفي استئصال الشعر بالمقص وإمرار الموسى من غير استئصال تردد للإمام، والظاهر المنع لفوات اسم الحلق.
ولو نذر استيعاب الرأس بالحلق ففيه تردد عن القَفَّال، ولها أخوات تذكر في النذور، ولو لبد رأسه في الإحْرَام فهل هو كالنذر؟ لأن ذلك لا يفعله إلا العَازِم على الحَلْق؟ فيه قولان: الجديد: لا، وهما كالقولين في أن التَّقْلِيد والإشْعَار هل ينزل منزلة قوله جَعَلْتُهَا ضَحِيَّة؟ -والله أعلم-.
والأصل الثاني: أن أعمال الحَجِّ يوم النحر إلى أن يعود إلى مِنّى أربعة على ما أسلفنا ذِكْرَهَا: رمي جمرة العقبة، والذبح، والحَلْق والتَّقصير، والطَّوَاف، وهذا الطواف يسمى طَوَافُ الرُّكْنِ، لأنه لا بد منه في حُصُولِ الحَجِّ، ويسمى طَوَافُ الإِفَاضَةِ للإتْيَانِ بِهِ عُقَيْبَ الإفَاضَةِ مِنْ منًى، وطواف الزِّيارة؛ لأنهم يأتون من مِنًى زائرين لِلْبَيْتِ، ويعودون فيَ الحَالِ، وربما سُمِّي طواف الصَّدْرِ أيضاً.
والأشهر: أن طواف الصدر هو طواف الوَدَاع، والترتيب في الأعمال الأربعة على النَّسَقِ المذكور مَسْنُونٌ، وليس بواجب.
أما: أنه مسنون فُلأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَذلِكَ فَعَلَهَا" 1.
وأما أنه ليس بواجب فلما روى عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: "وَقَفَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاع بِمِنًى لِلنَّاس يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ ولاَ حَرَجَ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: ارْمِ وَلاَ حَرَجَ، وَأتَاهُ آخَرُ وَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أن أَرْمِيَ، فَقَالَ: ارْمِ وَلاَ حَرَجَ، فَمَا سُئِل عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ أَو أخَّرَ ألاَّ قَالَ افْعَلْ وَلاَ حَرَج" 2.
فلو ترك المبيت بمزدلفة، وأفاض إلى مَكَّةَ وطاف قبل أن يَرْمِيَ وَيَحْلِقَ، أو ذبح قَبْلَ أن يرمي ويحلق، أو ذبح قبل إن يرمي، فلا بأس ولاَ فِدْية، ولو حلق قبل أن يرمي وقبل أن يطوف فإن جعلنا الحلق نُسكاً فلا بأس، وإن جعلناه استباحة محظورٍ فعليه الفدية؛ لوقوع الحَلْقِ قبل التحلل.
وروى القاضي ابْنُ كَجٍّ أن أبا إسْحَاقَ وَابْنَ القَطَّانِ -رحمهم الله- ألزماه الفدية وإن جعلنا الحَلْقَ نُسكاً، والحديث حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا، ومؤيد القول الأَصَح وهو أن الحَلْقَ نُسُكٌ.
وعن مالك وأبي حنيفة وأحمد -رحمهم الله- أن الترتيب بينهما وَاجِبٌ، ولو تركه فَعَلَيْهِ دَمٌ على تفصيل يذكرونه.
واعلم أن ما قدمناه من قَطْعِ الحَاجِّ التلبية إذا أخذ في الرَّمْي مصور فيما إذا جرى على الترتيب المسنون، فإن بدأ بالطواف أو بالحلق إن جوزناه فيقطع التلبية حِينئذٍ، نظراً إلى أنه أخذ في أسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وكذلك نقول: المعتمر يقطع التلبية إذا افتتح الطَّوَاف.
والأصل الثالث: أن المستحب أن يرمي بعد طُلوع الشَّمْسِ ثم يأتي بِبَاقِي الأَعْمَالِ، فيقع الطَّوَاف فِي ضَحْوَةِ النَّهَارِ، ويدخل وَقْتُهَا جَمِيعاً بانتصاف لَيْلَةِ النَّحْرِ، وبه قال أحمد.
وعن أبي حنيفة ومالك: أن شيئاً منها لا يجوز قبل طُلوعِ الفَجْرِ.
لنا: ما روي أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمر أم سلمة ليلة النحر فَرَمَتْ جمرة العَقَبَةِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثم مضت، ثم أَفَاضَتْ، وكان ذلك يومها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 3.
ومتى يخرج وَقْتُهَا؟ أما الرمي: فيمتد وقته إلى غروب الشمس يوم النحر، وهل يمتد تلك الليلة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
وأما الذَّبْحُ: فَالْهَدْيُ لا يختص بزمان، ولكن يختص بالحرم، بخلاف الضَّحَايَا، تختص بالعيدِ وأيام التشريق، ولا تختص بالحَرَمِ.
وأما الحلق والطواف فلا يتأقت آخرهما، لكن لا ينبغي أن يخرج من مَكَّةَ حتى يطوف، فَإِنْ طاف لِلْوِدَاعِ وخرج وَقَعَ عَنِ الزِّيَارَةِ، وإن خرج وَلَمْ يَطُفْ أصْلاً لم تحل له النِّسَاء، وإن طال الزمان، وقضية قولهم لا يتأقت الطَّواف من الطَّرَفِ الآخر أن لا يصير قضاءً، لكن في "التتمة": أنه إذا تأخر عن أيام التَّشْرِيقِ صَارَ قَضَاءً.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أخر وقت الطَّواف آخر اليوم الثاني من أيام التشريق.
إذا عرفت هذه الأصول فنقول: للحج تَحَلُّلاَنِ، وللعُمْرَةِ تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ.
قال الأئمة -رضي الله عنهم-: وذلك لأن الحَجَّ يطول زَمَانُه، وتكثر أَعْمَالُه بِخِلاَفِ العُمْرَةِ، فأبيح بعض محظوراته دفعة واحدة، وبعضها أخرى وهذا كالحيض والجنابة لما طال زَمَانُ الحَيْضِ جعل لارتفاع محظوراته محلان: انقطاع الدم، والاغتسال، والجنابة لما قَصُرَ زَمَانُهَا جُعِلَ لارتفاع محظوراتها محل واحد.
ثم الكلام في فصلين:
أحدهما: فيما يحصل به التحلل.
أما الحَجَّ: فأسباب تحلله غير خارجة عن الأعْمَال الأَرْبَعَةِ، والذَّبْحُ غَيْرُ معْدُودٍ مِنْهَا؛ لأنه لا يتوقف التحلل عليه.
بقي الرمي والحلق والطواف، فإن لم نجعل الحَلْقَ نسكاً، فللتحلل سببان: الرمي والطواف، فإذا أتى بأحدهما يَحْصُل التحلل الأول، وإذا أتى بالثَّاني حصل الثَّانِي، ولا بد من السَّعْي بعد الطواف إن لم يَسْعَ مِنْ قَبْلِ، لكنهم لم يفردوه وَعَدُّوهُ مَعَ الطَّوَافِ سبباً وَاحِداً، وإن جَعَلْنَا الحَلقَ نسكاً فالثلاثة أسباب التحلل، فإذا أتى باثنين منها إما الرمي والحَلْق، أو الرمي والطواف أو الحلق والطَّواف حصل التحلل الأول، وإذا أتى بالثَّالِثِ حَصَلَ الثَّانِي، قال الإمام وشيخه: وكأنا نبغي التنصيف، لكن ليس للثلاثة نصف صحيح، فنزلنا الأمر على اثنين كما صنعنا في تمليك العبد طلقتين ونظائره.
هذا ما أورده عامة الأصْحَاب، واتفقوا عليه، ووراءه وجوه مَهْجُورة:
أحدها: عن أبي سَعِيد الإصْطَخْرِيِّ: أن دخول وقت الرمي بمثابة نفس الرمي في إفادة التحلل.
الثاني: عن أَبِي قَاسِم الدَّارِكِيِّ: أنا إن جعلنا الحلقَ نسكاً حصل التَّحَلُّلاَنِ معاً بالحَلْقِ والطَّوَافِ، وبالرَّمْي والطَّوَافِ، ولا يحصل بالحَلْقِ والرَّمْي إلا أحدُهُمَا.
والفرق: أن الطواف ركنٌ فما انضم إليه يقوى به، بخلاف الرَّمْي والحَلْقِ، وهذا نزاع فيما سبق أن الحَلْقَ ركن على هذا القول.
والثالث عن أبي إسحاق عن بعض الأصحاب: أنا وإن جعلنا الحَلْق نسكاً فإن أحد التحللين يحصل بالرمي وَحْدَه وبالطواف وحده.
ومن فاته الرَّمْيُ ولزمه بدله فهل يتوقف التحلل على الإتْيَانِ ببَدَلِهِ؟ فيه أوجه:
أشبهها: نعم، تنزيلاً للبَدَلِ منزلة المُبْدَل.
والثالث: إن افتدى بالدّم توقف، وإن افتدى بالصَّوْمِ فلا، لطول زَمَانِهِ.
وأما العمرة: فتحللها بالطَّوَافِ والسَّعْي لا غير إن لم نجعل الحَلقَ نسكاً، وبهما مع الحَلْقِ إن جَعَلنَاهُ نُسُكاً، ولست أدرى لِمَ عَدُّوا السعي من أسباب التحلل في العُمْرَة دون الحَجِّ؟ ولم لم يعدوا أفعال الحَجِّ كلها أسباب التحلل كما فعلوا في العمرة؟ ولو اصطلحوا عليه لقالوا: التحلل الأول يحصل بها سِوَى الوَاحِدِ الأخير، والثاني بذلك الأخير.
ويمكن تفسير أسباب التحلل في العمرة بأركانها الفعلية، وأيضاً بالأفعال التي يتوقف عليها تحللها، ولا يمكن التفسير في الحَجِّ بواحد منهما.
أما الأول: فلإخراجهم الوقوف عنها.
وأما الثاني: فلإدخالهم الرمي فيها، مع أن التحلل لا يتوقف عليه ولا على بدله على رَأْي، وعلى كل حالٍ فإطلاق اسم السَّبب على كل واحدٍ من أسباب التحلل ليس على معنى استقلاله، بل هو كقولنا: اليمين والحِنْث سَببَاً الكفارة، والنصاب والحول سببا الزكاة.
والفصل الثاني فيما يحلل بالتحلل الأول ولا خلاف في أن الوطء لا يَحِل ما لم يوجد التحللان، لكن المستحب أن لا يطأ حتى يَرْمِيَ في أيام التَّشْرِيق، ويحل اللّبس والقَلْم وستر الرأس والحلق إذا لم نجعله نسكاً بالتحلل الأول، روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَاللِّبَاسُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ" 1.
وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفَرجِ كالقُبْلَة والملامسة وقَتْلِ الصَّيْدِ قولان:
أحدهما: أنها تحل أما في غير الصيد فلأنهما مَحْظُوران لِلإحْرَام لا يفسدانه، فأشبها الحلق والقَلْم.
وأما في الصيد فلأنه لم يستثن في الخبر المذكور إلا النساء.
والثاني: لا يحل أما في غير الصيد فلتعلقها بالنساء، وقد روينا أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِلاَّ
النِّسَاءَ" 1.
وأما في الصَّيْدِ فلقوله -تعالى-: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 2.
والإحْرَامُ بَاقٍ، ثم اتفقوا في مسألة الصَّيْدِ على أن قول الحل أصح، واختلفوا في النكاح والمباشرة، فذكر صاحب "التهذيب" وطائفة: أن الأصح فيها: الحل، وقال آخرون بَل الأصح: المنح، ومنهم المَسْعُودي، وصاحب "التهذيب" وهؤلاء أكثر عدداً، وقولهم أوفق لظاهر النص في "المختصر".
وفي التطيب طريقان:
أشهرهما: أنه على القولين، وهذا ما أورده في الكتاب.
والثاني: القطع بالحلِّ، وسواء أثبتنا الخلاف أو لم نثبته فالمذهب أنه يحل، بل يستحب أنه يتطيب لحله بين التحللين قالت عائشة -رضي الله عنها- "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لإحْرَامِهِ قَبلَ أَنْ يُحْرِمَ، ولحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ" 3.
هذا شَرْحُ مَسَائِلِ الفَصْلِ على الاختصار.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (يحصل أحدهما بطواف الزيارة، والآخر بالرمي) جواب على قولنا: أن الحلق ليس بنسك.
ثم فرع من بعد على القول الآخر حيث قال: (وإن جعلنا الحلق نسكاً صارت الأسباب ثلاثة) غير أنه أدخل بينهما القول فيما يحل بين التحللين، ولو لم يخلل بينهما شيئاً لكان أحسن.
ثم لا يخفى أن المراد من قوله: (بالرمي) رمي جمرة العقبة يوم العيد، ويحوز إعلامه بالواو؛ للوجه المنسوب إلى الإصْطَخْرِي.
وقوله: (فلا بأس) مَرْقُومٌ بالميم والحاء والألف.
وقوله: (إلا باثنين) للوجه المروي عن أبي إسحاق.
وقوله: (ويدخل وقت التحلل بانتصاف ليلة النحر) شبيه ما مر أن أسباب التحلل إنما يدخل وَقْتُهَا عند إنتصاف لَيْلَةِ النَّحْرِ، لكن اللفظ يفتقر إلى تأويل؛ لأن وقت التّحلل لا يدخل بمجرد إنتصافها، بل لا بد مع ذلك من زَمَانٍ يسع الإتيان بأسباب التحلل ليترتب عليها.
ثم قوله: (بانتصاف ليلة النحر) مُعَلَّم بالحَاءِ والميم؛ لما تقدم.
وقوله: (ولا خلاف في أنه مستحب، ويلزم بالنذر)، ليس صافياً عن الإشكال؛ لأن التوجيه الذي مَرَّ يقتضي كونه من المباحات على قولنا: إنه ليس بنسك، وقد ذكر غيره أنه إنما يلزم بالنذر على قولنا: إنه نسك.
وقوله: (فيستحب إمرار الموسى) مُعَلَّم بالحاء.
وقوله: (ولا يتم هذا النسك إلى آخره) بالواو، ولا نُعَلِّمه بالحاء والميم؛ لأنهما لا يخالفان في عدم الاكتفاء بأقل من ثلاث، بل لا يكتفيان بالثَّلاث أيضاً، -والله أعلم-.
قال الغزالي
###: الفَصْلُ الثَّامِنُ في المَبِيْتِ
وَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ العِيدَ وبمنىً ثَلاَثَ لَيَالٍ بَعْدَهُ نُسُكٌ، وَفِي وُجُوبِهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ وَاجِبٌ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ (ح)، وَفِي قَدْرِ الدَّمِ قَوْلاَنِ: أَحدهُمَا: دَمٌ وَاحِدٌ لِلْجمِيعِ.
وَالثَّاني: دَمٌ لِمُزْدَلِفَةَ وَدَمٌ لِلَيَالي مِنىً.
قال الرافعي: مبيتُ أرْبَع ليالٍ نُسُكٌ في الحَجِّ: ليلة النحر بمزدلفة، وليالي أَيَّام التَّشْرِيِق بِمِنىً، لكن مبيت الليلة الثالثة منها ليس نسكاً على الإطْلاَق، بل في حق من لم ينفر اَليوم الثاني من أيام التشريق، على ما سيأتي في الفَصْلِ التاسع، ولفظ الكتاب محمول عليه وإن كان مطلقاً.
وفي الحد المعتبر للمبيت قولان حكاهما الإِمَامُ عن نَقْلِ شَيْخِهِ وصَاحِبَ "التقريب".
أظهرهما: أن المعتبر كونه بموضع المبيت في مُعْظَمِ اللَّيْلِ.
والثاني: أن الاعتبار بِحَالِ طُلُوعِ الفَجرِ، قال الإمام: وطردهما على هذا النَّسَق في مُزْدَلِفَةُ مُحَال 1؛ لأنا جوزنا الخُروجَ مِنْهَا بَعْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ، ولا ينتهون إليها إلاَّ بَعْدَ غيبوبة الشَّفَقِ غَالِباً، ومن انتهى إليها والحالة هذه وخرج بعد انتصاف الليل لم يكن بها حال طُلُوع الفَجْرِ، ولا فِي مُعْظَم اللَّيْلِ، فلا يتجه فيها إذًا الاعتبار حالة الانتصاف، ولك أن تقول: هذه الاستحالة واضحة إن قيل بوجوب المبيت، لكنه مستحبٌ على قول، وليس بواجب، فعلى ذلك القول لا يستحيل الندب إلى الكون بها في معظم الليل، أو حالة الطّلوع، وتجويز خلافه.
ثم هذا النُّسُك مجبورٌ بِالدَّمِ، وهل هُوَ وَاجِبٌ أو مستحب؟ أما في ليلة مزدلفة فقد مَرَّ.
وأما غيرها ففيه قولان:
أحدهما: وَاجِبٌ؛ لِما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ تَرَكَ نُسْكاً فَعَلَيْهِ دَمٌ" 1.
والثاني: مستحب؛ لأنه غير لاَزِمٌ على المعذور كما سيأتي، ولو وجب الدَّمُ لما سَقَطَ بِالْعُذْرِ كالحَلْقِ وَاللَّبْسِ.
وروى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ: طريقة أخرى قَاطِعةً بالاسْتِحْبَاب، والمشهور طريقة القولين 2. ثم منهم من بناهما على قولين في أن المبيتَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أم لا؟
في قول: نوجبه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "قَدْ أَتَى بِهِ وَقَدْ قَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 3.
وفي قول: لا، كالمبيت ليلة عَرَفَةَ، وأشار الإمام إلى أن القولين في وجوب المبيت مُتَولِّدَانِ من القولين في وجوب الدَّمِ.
وما الأظهر منهما؟ اتفقوا على تشبيههما بالقولين في أن الدَّم على المفيض من عَرَفَةَ قبل الغُروب وَاجِبٌ أو مستحب، وقد أريناك ترجيح قول الاستحباب ثم، فيشبه أن يكونَ هَاهُنَا مثلهَ.
وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ القَاضِي ابْنُ كِجٍّ وغيره، وكلام كَثِيرين: يميل إلى تَرْجِيح الإِيْجَابِ، -والله أعلم-.
وقوله في الكتاب: (وفي وجوبه قولان) فإن قلنا: إنه واجب فيجبر بالدَّمِ، أراد فيجبر بالدَّمِ وجوباً، وإلا فأصْلُ الجَبْرِ لا يتفرع على قولنا بوجوب المَبِيت خَاصة.
ثم هو بناء لِلْخُلاَفِ في وُجوب الدَّم على الخِلاَفِ في وجوب المبيت على ما نقلناه عن جَمَاعَةٍ مِنَ الأَصْحَاب، بقَي الكَلام في أن الدَّمَ متى يكمل وهل يزيد على الواحد أم لا؟ إن ترك مبيت ليلة النحر وحدها أراق دماً، وإن ترك مبيت اللَّيَالِي الثلاث فكذلك على المَشْهُور؛ لأن مبيتهما جِنْسٌ واحد متوزع عليهما توزع الرمي على الجَمَرَاتِ الثلاث.
وعن صاحب "التقريب" رواية قول: إن في كل ليلة دماً كما أن في رمي كل يوم دماً، وإن ترك ليلة منها فبم يجبر؟ فيه ثلاثة أقوال:
أظهرها: بمد.
والثاني: بدرهم.
والثالث: بثلث دَمٍ، وهي كالأقوال في حَلْقِ شعرة واحدة، وسنذكرها بتوجيهها.
وإن ترك ليلتين فعلى هذا القياس وإن ترك مبيت الليالي الأربع فَقَوْلاَن:
أحدهما: أن الجبر بدَمٍ واحد؛ لأن المبيت جنس واحد.
وأظهر هما: بدَمَيْنِ.
أحدهما: لليلة مزدلفة.
والآخر: لليالي مِنَى؛ لاختلافهما في الموضع وتفاوتهما في الأحْكَام.
قال الإمام: وهذا في حَقِّ من يقيد الليلة الثالثة بإن كان بمنىً وَقْتَ الغُروب؛ فإن لم يكن بها حِينَئذٍ، ولم يبت، وأفردنا ليلة مزدلفة بدم فوجهان؛ لأنه لم يترك مبيت النسك إلا ليلتين:
أحدهما: عليه مُدَّانِ أو دِرْهَمَانِ أو ثلثَا دَمٍ.
والثاني: عليه دَمٌ كَامِلٌ؛ لتركه جنس المبيت بمنى، قال: وهذا أفقه، ولا بد من عوده فيما إذا ترك ليلتين من الثلاث دون ليلة مزدلفة إذا لم تقيد الثَّالِثَة.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يَجِبْ الدّم بترك المبيت بمنى، وهو رواية عن أحمد -رحمه الله-.
واعلم أن جميع ما ذكرناه في حلق غير المعذور.
أما إذا ترك المبيت لعُذْرِ فهو مذكور في آخر الفَصْلِ.
قال الغزالي: وَالرّمْي وَمُجَاوَزَةُ المِيقَاتِ مَجْبُورَانِ بالدّمِ قَوْلاً وَاحِداً وَالطَّوافُ وَالسَّعْي وَالوُقُوفُ وَالحَلْقُ لاَ تُجْبَرُ بالدَّمِ قَوْلاً وَاحِداً فَإِنَّهَا أَرْكَانٌ، وَالمَبِيتُ وَطَوَافُ الوَدَاعِ وَالجَمْعُ بَينَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارِ بِعَرَفَةَ فِيهَا قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: لما ذكر الخلاف في أن المبيت إذا ترك هل يجب جَبْرُهِ بالدَّم؟ وقدم نظيره في الجَمْعِ بين اللَّيْلِ والنَّهَارِ بِعَرَفَةَ، أراد أن يجمع قولاً فيما يجبر من الَمَنَاسِكِ بالدَّمِ وما لا يجبر وِفَاقاً، وما هو على الِخلاَف، ويتضح ذلك بتقسيم أعْمَالِ الحَجِّ وهي ثلاثة أقسام: أركان، وأبعاض، وهيآت، وسبيل الحَصْرِ أن كُلَّ عَمَلِ يعرض فإما أن يتوقف التَّحَلّل عليه فَهُوَ رُكْنٌ، أو لا يتوقف، فإما أن يجبر بالدَّمِ فهو بَعْضٌ، أو لا يجبر فهو هَيْئَة.
والأركان خمسة: الإحرام، والوقوف، والطواف والسعي، والحلق أو التقصير تفريعاً على قَوْلِنَا: إنه نُسُكٌ فَإنْ لم نَقُلْ بِهِ عادت إلى أربعة، وَمَا سِوَى الوقوفِ أركان في العُمْرَة أيضاً، ولا مَدْخَلَ للجُبْرَانِ فِيهَا بِحَالٍ.
واعلم أن الترتيب معتبر في أركان الحج؛ لأن ما عَدا الإحْرَام لاَ بُدَّ وأن يكون مؤخراً عنه، وأن الحَلْقَ والطوافَ لا بُدَّ وأن يكونَا مؤخرين عن الَوُقُوفِ، والسَّعْيُ لا بد وأن يكون مؤخراً عن طَوَافٍ، وإذا كان كذلك جاز أن نَعُدَّه مِنْ الأرْكَان، كما عدوا
التَّرْتِيبَ مِنْ أَرْكَانِ الوضوء والصَّلاَةِ.
ولا يقدح في ذلك عدم الترتيب بين الحَلْقِ والطَّوَافِ، كما لا يقدح عدم اعتبار الترتيب بين القيام والقراءة في الصَّلاَةِ.
وأما الأبْعَاضُ فمجاوزة المِيقَاتِ والرَّمْيُ مَجْبورَانِ بالدَّم وِفَاقاً.
أما الأول فقد مَرَّ وأما الثاني فسيأتي، واختلف القول في خبر الجَمْعِ بين اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بعرفة، وفي المبيت، وقد ذَكَرْنَاهُمَا في طَوَافِ الوَدَاعِ، وسنذكره، فما جبر فهو من الأبعاض، وما لا فمن الهيآت، وفي طواف القدوم أيضاً وجه بعيد، سنذكره إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَلاَ دم عَلَى مَن تَرَكَ المَبِيتَ بِعُذْرٍ كَرُعَاةِ الإِبْلِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ العَبَّاسِ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ إلاَّ لَيلَةَ النَّحْرِ، وَفِي إلْحَاقِ غيْرِ هَذِهِ الأَعْذَارِ بِهَا وجْهان.
قال الرافعي: التاركون للمبيت بِمِنى أو مزدلفة بالعُذْرِ لاَ دَمَ عَلَيْهِمْ، وهم أصناف: فمنهم رُعَاةُ الإِبلِ ومنهم أهل سِقَايَةِ العَبَّاسِ، فلهؤلاء إذا رَمُوا جَمْرة العَقَبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ أن يَنْفرُوا وَيَدَعُوا المَبيتَ بِمِنىً لَيَالِي التَّشْرِيق؛ لما روى عن ابْنِ عُمَر أن العَبَّاسِ رَضِي الله عنه "اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِي مِنىً مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ، فَأَذِنَ لَهُ" 1.
وعن عاصم بن عدي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ أن يَتْرُكُوا الْمَبِيتَ بِمِنىً، وَيَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ يَرْمُوا يَوْمَ النَّفْرِ الْأوَّلِ" 2.
وللصنفين جميعاً أن يَدَعُوا رمي يوم ويقضوه في اليَوْمِ الَّذِي يليه قَبْلَ رمي ذلك اليوم، وليس لهم أن يَدَعُوا رَمْيَ يومين عَلَى التَّوَالِي، فَإِنْ تركوا رَمْيَ اليَوْمِ الثَّانِى، بأن نفروا اليَوْمَ الأول بَعْدَ الرَّمْي، عادوا في اليَوْم الثَّالِثِ، وإن تَرَكُوا رَمْيَ اليَوْمِ الأول، بأن نفرُوا يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْي، عَادُوا في اليَوُمَ الثَّاني، ثم لهم أن يَنْفُروا مَعَ النَّاسِ، وعن أبي الحُسَيْنِ وجه آخر: أنه لَيْسَ لَهُم ذَلِكَ.
وَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ والرُّعَاةُ بِمِنىً فعليهم أن يبيتوا تلك الليلة ويرموا من الغَدِ، ولأهل السِّقَايَةِ أن ينفروا بَعْدَ غُروبِ الشَّمْسِ.
والفرق أن الإِبل لا ترعى باللَّيْلِ والماءُ يجمع وتتعهد السِّقَايَةُ باللَّيْلِ.
وَأَغْرَبَ أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ فحكى وَجْهاً: أن أهل السِّقَايَةِ أيضاً لا ينفرون بَعْدَ الغُرُوبِ، ثم رخصة أهل السِّقَايَة لا تختص بالعَبَّاسَّيِةِ؛ لأن المعنى يَعُمُّهُم وغيرَهم.
وعن مالك وأبي حنيفة: أنها تختص بأوْلاَدِ العَبَّاسِ -رضي الله عنهم-، وهو وجه لأصحابنا، ومنهم من ينقل الاختصاص ببني هَاشِمٍ.
ولو استحدثت صقاية للحاج فللمقيم بشأنها ترك المبيت أيضاً، قاله في "التهذيب"، وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ وغيره أنه ليس له ذَلِكَ، ومن المعذورين الذين ينتهون إلى عَرَفَةَ لَيْلَة النَّحْرِ ويشغلهم الوُقوفُ عَنِ المبيت بِمُزْدَلِفَةَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وإنَّمَا يُؤْمَرُ بَالمَبِيتِ المُتَفَرِّغُونَ لَهُ.
ولو أفاض الحَاجُّ مِنْ عَرَفَةَ إلى مكَّة، وطاف للإفَاضَةِ بعد نصف اللَّيْلِ، ففاته المبيت لِذَلك فَعَنِ القَفَّالِ: أنه لا يلزمه شيء تنزيلا لاشْتِغَالِهِ بالطَّوَافِ منزله اشْتِغَالِهِ بالوُقُوفِ.
قال إمام الحَرَمَيْنِ: وفيه احتمال؛ لأن من ينتهي إلى عَرَفَة لَيلاً مضطر إلى ترك المبيت، بخلاف المُفِيض إلى مكَّة.
ومن المَعْذُورينَ من له مَالٌ يخاف ضَيَاعه لو اشتغل بالمَبِيت، أو مريضٌ يحتاج إلى تَعَهّدِهِ، أو كان يَطْلُبُ عبدًا آبقاً، أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته، ففي هؤلاء وجهان:
أصحهما: ويحكى عن نصه: أنه لا شَيْءَ عليهم بترك المبيت كالرّعَاةِ، وأهل السِّقَايَةِ، وعلى هذا فلهم أن يَنْفرُوا بعد الغُرُوبِ.
والثاني: أنهم لا يلحقون بالرُّعَاةِ وأهل السِّقَايَةِ؛ لأن شُغْلَهُم يَنْفَعُ الحَجِيجَ عَامَّة، وأعذار هؤلاء تَخْصُّهُمْ، والله أعلم.
قال الغزالي
###: الفَصْلُ التَّاسِعُ في الرَّمْي
وَهُوَ مِنَ الأَبْعَاضِ المَجْبُورَةِ بالدَّمِ وَهُوَ رَمْيُ سَبْعِينَ حَصَاة، سَبْعَةَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، وَإحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً في كُلِّ يَوْم مِنْ أَيَّام التَّشْرِيقِ إلَى ثَلاَثِ جَمَرَاتٍ، وَمَن نَفَرَ في النَّفْرِ الأَوَّلِ سَقَطَ عَنْهُ رَمْيُ اليَوْمِ الأَخِيرِ وَمَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإِنْ غَرُبَتِ الشمس عَلَيهِ بمنىً لَزَمَهُ المَبِيتُ وَالرَّمْيُ، وَوَقْتُ الرَّمْي في أَيَّامِ التَّشْريقِ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالغُرُوبِ، وَهَلْ يَتَمَادَىَ إلَى الفَجْرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا فَرَغَ الحَجِيجُ من طواف الإِفَاضَةِ عادوا إلى مِنىً، وَصَلُّوا بها الظُّهْرَ، وَيَخْطُبُ الإمامُ بِهِم بَعْدَ الظهرِ، ويعلمهم فيها سُنَّة الرَّمْي، والنحر، والإفاضة، ليتدارك من أخلَّ بشيء منها، ويعلِّمهم رمي أيام التَّشْرِيق، وحكم المبيت، والرّخصة للمعذورين.
ونقل الحَنَّاطِي وَجْهاً: أن مَوْضِعَ هذه الخُطْبَة مكة، ويستحب أن يَخْطُبَ بهم اليَوْمِ الثَّانِي من أيام التَّشْرِيقِ، ويعلّمهم جواز النَّفْرِ فيه، ويودعهم ويأمرهم بختم الحَجِّ بطاعة الله تعالى.
وعند أبي حنيفة: لا تُسَنُّ هذه الخطبة، ولا خطبة يَوْمَ النَّحْرِ، ولكن يخطب بهم في اليَوْمِ الأول من أَيَّامِ التَّشْرِيق.
ثُمَّ في الفصل مسائل:
إحداها: أن الرَّمْيَ معدودٌ من الأَبْعَاضِ، مجبورٌ بالدَّمِ وِفَاقاً.
والثانية: جملة ما يرمى في الحَجِّ سبعون حَصَاةَ، ترمى إلى جَمْرَةِ العقبة يوم النَّحْرِ سبع حَصَيَات، وإحدى وعشرون في كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلى الجَمَرَاتِ الثلاث إلى كل وَاحِدَةٍ سبع تَوَاتر النَّقْلُ بِهِ قولاً وَفِعْلاً.
والثالثة: الحجيج يبيتون بمنى الليلتين الأولتين من لَيَالِي التَّشْرِيق، فإذا رموا اليَوْمَ الثَّانِي فمن أَرَادَ مِنْهُمْ أن يَنْفرَ قَبْلَ غُروب الشَّمْسِ فَلَه ذَلِكَ، ويسقط عَنْه مبيت اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، والرَّمْيُ مِنَ الغَدِ، ولاَ دَمَ عَلَيْهِ والَأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 1.
ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثَّالثة، ويرمى يومها، وبه قال مَالِكٌ وأحمد.
وعند أبي حنيفة: -رحمه الله- يسوغ النفر مَا لَمْ يطلع الفَجْرُ.
لنا: ما روى عَنْ عُمَرَ -رضي الله عنه- أنه قال: "مَن أَدْرَكَهُ الْمَسَاء فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلْيَقُمْ إِلَى الْغَدِ حَتَّى يَنْفِرَ مَعَ النَّاسِ" 2.
وإذا ارتحل فغربت الشَّمس قبل أن ينفصل عن مِنىً كان له أن يَنْفر كَيْلاَ يحتاجَ إِلَى الحَطِّ بَعْدَ التِّرْحَالِ.
ولو غربت الشمس وهو في شغل الارتحال، فهل له أن ينفر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
ولو نفر قبل الغروب، وعاد لشغل إما بعد الغُروب أو قبله، هل له أن ينفر؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، ومن نفر وكان قد تزود الحصيات للأيام الثَّلاثة طرح ما بقي عنده، أو دفعهن إلى غَيْرِه، قال الأئمة: ولم يؤثر شيء فيما يعتاده النَّاس من دَفْنِهَا.
واعلم أن اليَوْمَ الثَّانِي من أَيَّامِ التَّشْريقِ يسمى يوم النَّفْرِ الأول، والثالث منها النَّفر الثاني للسبب الذي قد عرفته.
وأما الأول فيسمى يَوْمُ القَرِّ، لأن الناس فيه قارونِ بمنىً.
وقوله في الكتاب: (لزمه المبيت والرمي) معلم بالحاء، وقد أكثر إطلاق لفظ اللزوم ونحوه في المَبِيت على ما ذكرناه في وجوبه من الخِلاَف.
والرابعة: وقت رَمْي يَوْم النَّحْرِ قد أسلفنا ذكره، ورمي أيام التشريق يَدْخُل وقته بالزَّوَالِ، ويبقى إلى غُروبِ الشَّمْسِ.
وروى عن جابر -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "رَمَي الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحىً، ثُمَّ لَمْ، يَرْمِ فِي سَائِرِ الأيَّامِ حَتَّى زَالَتْ الشَّمْسُ" 1.
وبهذا قال مالك وأحمد -رحمهما الله-.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يجوز الرَّمْيُ في اليَوْمِ الثَّالِثِ قبل الزَّوَالِ.
وهل يمتد وقتها إلى طُلوعِ الفَجْرِ؟ أما في اليَوْم الثَّالِثِ فلا لانقضاء أيَّامِ المَنَاسِكِ، وأما في اليومين الأولين فوجهان كما في رَمْي يَوْمِ النَّحْرِ.
أصحهما: أنه لا يمتد، ووجه الثَّانِي التشبيه بالوقوف بِعَرَفَةَ، وفي المسألة بقايا سَنُورِدُهَا إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَلاَ يُجْزِئُ إِلاَّ رَمْيُ الحَجَرِ، فَأَمَّا رَمي الزِّرْنيخ وَالإِثْمِدِ وَالجَوَاهِرِ المُنْطَبِعَة فَلاَ، وَفِي الفَيْرُوزَجِ وَاليَاقُوتِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: غرض الفَصْل بيان ما يرمي، ولا بد أن يكونَ حجراً، وبه قال مالك وأحمد؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "رَمَى بِالأَحْجَارِ، وَقَالَ بِمِثْلِ هذَا فَارْمُوا" 2.
وأيضاً روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَلَيْكُمْ بِحَصَا الْخَذَفِ" 3.
فيجزئ المرمر والبرام والكذّان وسائر أنواع الحجر، ومنها حجر النُّورة قبل أن يطبخ ويصير نورة، وعن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ تردد في حَجَرِ الحَدِيدِ، والظاهر إجزاؤه فإنه حَجَرٌ في الحال إلا أن فيه حديداً كَامِناً يستخرج بالعِلاجَ، وفيما يتخذ من الفصوص كالفيروزج والياقوت والعقيق والزمرد والبلور والزبرجد وجهان:
أصحهما: الإجزاء؛ لأنها أحْجَارٌ.
والثاني: المنع؛ لأن السَّابِق إلى الفَهْمِ من لفظ الحَصَا غيرها، ولا يجزئ اللؤلؤ وما ليس بِحَجَرٍ من طبقات الأرض كالزَّرنيخ والنورة والإثمد والمدر والجص والجواهر المنطبعة كالنَّيرين وغيرهما.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يجزئ الرمي بما لا ينطبع من طبقات الأرض كالزرنيخ والنورة ونحوهما.
والسّنة أن يرمي بمثل حَصَا الخَذْفِ، وهو دون الأنملة طولاً.
وعرضاً في قدر البَاقلاء، ويضعه على بَطْنِ الإبهام ويرميه برأس السبابة، ولو رمي بأصغر من ذلك أو أكبر كُرِهَ وأجزأه، ويستحب أن يكون طاهراً 1.
قال الغزالي: وَيُتْبَعُ اسْمُ الرَّمْي فلاَ يَكْفِي الوَضْعُ، وَلَو انْصَدَمَ بِمَحَلٍّ في الطَّرِيق فلاَ بَأْس، وَلَوْ وَقَعَ في المَحْمَلِ فَنَفَضَهُ صَاحِبُهُ فلاَ يُجْزِئُ، وَلَوْ رَميَ حَجَرَيْنِ مَعاً فَرَمْيَهُ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَلاَحَقَا في الوُقُوعِ، وَلَوْ أَتْبعَ الحَجَرَ الحَجَرَ فَرَمْيَتَانِ وإنْ تَسَاوَيَا (و) في الوُقُوعِ، وَالعَاجِزُ يَسْتَنِيبُ في الرَّمْي إِذَا كانَ لاَ يَزُولُ عَجْزْهُ وَقْتَ الرَّمْي، فَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْعَزِل نَائِبُهُ؛ لأَنَّهُ زِيَادَةٌ في العَجْزِ.
قال الرافعي: في الفَصْلِ مَسَائِلُ:
إحداها: الذي ورد في الفَصْلِ من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله إنما هو الرَّمْيُ فيتبع هذا الاسم حتى لو وضع الحَجَرُ في المَرْمَى لم يعتد به، وفي شَرْحِ القاضي ابْنِ كِجٍّ: ونهاية الإمام: حكاية وجه أنه يعتد به اكتفاءً بالحصول في المرمى، ولا بد مَعَ الرَّمْىِ مِنَ القَصْدِ إلى المَرْمَى حتى لو رمى في الهَوَاء ووقع في المرمى لَمْ يعتد بِهِ، ولا يشترط بقاء الحَجَرِ في المَرْمَى فلا يضر تدحرجه وخروجه بعد الوقوع، لكن ينبغي أن يحصل فيه، فإن تردد في حصوله فيه فقد نقلوا فيه قولين:
الجديد: عدم الإجزاء، ولا يشترط كون الرامي خارج الجَمْرَة بل لو وقف في طرف منها ورمي إلى طَرَفٍ جَازَ.
ولو انصدمت الحصاة المرمية بالأرض خارج الجمرة أو بمحملٍ في الطريق أو عنق بعير أو ثوب إنسان ثم ارتدت ووقعت في المَرْمَى اعتد بها لحصولها في المرمى
بفعله من غير معاونة أحد، ويفارق ما لو انصدم السَّهمُ بالأرض ثم أصاب الغَرَض لا يحسب به في المُسَابَقَةِ على أحد القولين؛ لأن المَقْصُودَ هاهنا إصابة المَرْمَى بفعله، وليس المقصود مجرد إصابة الغرض بل على وجه يعرف منه حذق الرامي وجودة رميه، ولو حرك صاحب المحمِل المحمَل فنفضها أو صاحب الثوَّبَ الثَّوْبَ أو تحرك البعير فدفعها ووقعت في المرمى لم يعتد بها؛ لإنها ما حصلت في المرمى بِفِعْلِهِ.
وعن أحمد: أنه يعتد بها، ولو وقعت الحَصَاة على المحمل أو عُنُقِ البَعِيرِ ثم تدحرجت إلى المَرْمَى ففي الاعتداد بها وجهان، ولعل الأشبه المنع؛ لجواز تأثرها بتحرك البعير أو صاحب المَحْمَل، ولو وقعت في غير المَرْمَى ثم تدحرجت إلى المَرْمَى وردتها الرِّيح إليه فوجهان.
قال في "التهذيب": الأصح: الإجزاء؛ لأنها حصلت فيه لا بفعل الغَيْرِ، ولا يجزئ الرمي عن القوس والدفع بالرِّجْلِ قاله في "العدة".
الثانية: يشترط أن يرمي الحصيات في صَبْعِ دفعات؛ لأن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "كَذَلِكَ رَمَاهَا، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 1، ولو رمى حصاتين معاً نظر إن وقعتَا معاً فالمحسوب رميةٌ واحدةٌ، وكذا لو رمى سبعاً دفعة واحدةً ووقعت دفعة واحدة أو مرتباً في الوقوع فرمية لاتحاد الرمي، أو رميتين لتعدد الوقوع؟ فيه وجهان:
أصحهما: أولهما، وهو المذكور في الكتاب، ويروى الثاني عن أبي حنيفة -رحمه الله- ولو أتبع الحجَرَ الحَجَرَ ووقعت الأولى قبل الثانية فهما رميتان، وإن تساويتا في الوقوع ففيه الوجهان.
والأصح: وهو المذكور في الكتاب: أنهما رميتان، وأجروا الوجهين فيما لَوْ وقعت الثَّانِيةَ قَبْلَ الأولَى.
ولو رمى حَجَراً قَد رَمَى مَرَّة نظر إن رماه غيره أو رماه هو إلى جمرة أخرى أو إلى تلك الجمرة في يوم آخر جَاز، ويمكن أن يتأدى جميع الرَّميات بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وإن رماه هو إلى تلك الجمرة في ذلك اليوم فوجهان.
قال في "التهذيب":
أظهرهما: الجواز كما لو دفع إلى مِسْكِينٍ مُدّاً في كفارة ثم اشتراه ودفعه إلى آخر، وعلى هذا قد يتأدى جميع الرَّميات بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ.
الثالثة: العَاجِز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس ينيب غيره ليرمي عنه؛ لأن الإِنَابة جائزة في أصْلِ الحَجِّ فكذلك في أبعاضه، ويستحب أن يناول النَّائِب الحَصَى إن