العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 309-336

كِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِ

صفحات 309-336

المُرَاهِقينَ وجهان مَبْنِيَّانِ على الخِلاَفِ في أن التَّعْلِيقَ في العبدين بالرَّقَبَةِ أو بالذمة؟ إن قلنا بالرقبة نزلنا ما وجد منهما مَنْزِلَةَ إِتْلاَف وجناية [جنسه،] 1 وكذلك في المُرَاهِقِينَ، إلا فقول الصَّبِىِّ لا يَصْلُحُ للالتزام [فلا رجوع] وإذا بَانَا فَاسِقَيْنِ، فإن قلنا: لا يُنْقَضُ الحُكْمُ، فلا أَثَرَ له.
وإن قلنا: يُنْقَضُ، وهو الأَصَحُّ ففي الرجوع عليهما وُجُوهٌ: أحدها: يثبت كالرُّجُوعِ على العَبْدَيْنِ والكافرين.
والثاني: المنع؛ لأن الكافر والعَبْدَ مَأْمُورَانِ بِإِظْهَارِ حالهما، والفاسق غير مَأْمُورٍ بإظهار الفِسْقِ.
والثالث وهو الأَظْهَرُ: الفرق بين أن يكون مُجَاهِراً بالفِسْقِ، فيقع الرجوع عليه؛ لأنه كان من حَقِّهِ أن يمتنع عن الشَّهَادَةِ، ولأن قَبُولَ شهادته، وهو ظاهر الفِسْقِ يشعر 2 بِتَلْبِيسٍ من جهته، وبين أن يكون مُكَاتماً، فلا رجوع عليه.
وقوله في الكتاب: "ويجعل الشاهد كالغَازِّ على وجه" أَشَارَ به إلى ما ذكره الإِمَامُ من تشبيه الشهادة بالتَّغْرِيرِ، لكنه قال: ["حتى] 3 يخرج الرُّجُوعُ عليه بالضمان على قول الغُرور" كأنه يعني به القولين في الرُّجُوع على الغَارِّ بالمَهْرِ، وقضيته إثبات طريقين في المَسْأَلَةِ: أحدهما: التخريج 4 على القولين.
والثاني: القَطْعُ بالمَنْعِ، والذي أَجْرَاهُ الإمَامُ [و] ذكر قيمة الولد، وقد ذَكَرَ صاحب الكتاب في مَوْضِعِهِ أنه يرجع بها قَوْلاً واحداً.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الجَلاَّدِ لِأَنَّهُ مَأْذُونُ الإِمَامِ، وَلاَ عَلَى الحَجَّامِ إِذَا قَطَعَ سِلْعَةً بالإِذْنِ أَوْ فَصَدَ، وَلَو قَطَعَ بِالإِذْنِ يَداً صَحِيحَةً فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَتَلَ الجَلاَّدُ الشَّفْعَوِيُّ حُرّاً بِعَبْدٍ بِإذْنِ الإمَامِ الحَنَفِيِّ، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: الجلاَّد وضربه بأَمْرِ الإِمام كَمُبَاشَرَةِ الإِمام إذا لم يعلم ظلمه وخطأه، ولأن الجَلاَّدَ سَيْفُ الإِمام، وسَوْطُهُ، ولا بد منه في الإِنَالَةِ والسِّيَاسَةِ.
ولو تَعَلَّقَ بفعله ضَمَانٌ لم يرغب فيه أَحَدٌ، وإن علم أن الإِمَامَ ظَالِمٌ، أو مخطئ،

ولم يكرهه الإِمَامُ عليه، فالقصاص والضمان على الجَلاَّدِ دون الإِمَام؛ لأنه إذا علم الحال، وجب أن يَمْتَنِعُ، ويجيء على قولنا: إن أَمْرَ الإِمام إِكْرَاهٌ أن يكوَن هذا، كما لو أَكْرَهَهُ، فإن أَكْرَهَهُ، فالضَّمَانُ عليهما، وإن اقتضى الحَالُ اقْتِصَاصاً، وجب القِصَاصُ على الإِمام.
وفي الجَلاَّدِ قولان، ولو أَمَرَة بضربه، وقال: أنا ظالم [في ضربه،] 1 فضربه الجلاد ومات.
قال في "التهذيب": إن قلنا: أَمْرُ السلطان ليس بإكراه، فالضَّمَانُ على الجَلاَّدِ.
وإن قلنا: إِكْرَاهٌ، فإن قلنا: لا ضَمَانَ على المُكْرِهِ، فالضَّمَانُ على الإِمَامِ، وإن قال: افعل إن شئت لم يكن إِكْرَاهاً لاَ مَحَالَةَ.
وإن قال: [اضرب] 2 ما شِئْتَ، أو ما أَحْبَبْتَ، لم يكن له الزِّيَادَةُ على الحَدِّ، فإن زَادَ ضَمِنَ.
ولو أمره بقتل في مَحلِّ الاجتهاد كَقَتْلِ المسلم بالذِّمِّيِّ، والحر بالعبد، والإمام والجلاد يَعْتَقِدَانِ أنه غير جَائِزٍ، فقتله.
قال في "التهذيب": عليهما القَوَدُ إن جعلنا أَمْرَ السلطان إِكْرَاهاً، وأوجبنا القَوَدَ على المُكْرِهِ، والمُكْرَهِ جميعاً.
ولو كان الجَلاَّدُ يعتقد [مَنْعَهُ]، 3، والإمام يُجَوِّزُهُ؛ كالجَلاَّدِ الشَّافعي يقتل الحر بالعَبْدِ بإذْنِ الإِمام الحَنَفِيِّ، أَو ظَنَّ أن الإِمَامَ اخْتَارَ ذلك المَذْهَبَ، ورجع إليه، فَفِي وجوب القِصَاصِ، والضَّمَانِ على الجلاد وجهان: أحدهما: المنع؛ اعْتِبَاراً باعتقاد الإِمَامِ.
وأَرْجَحُهُمَا عند الإِمام، ولم يُورِد ابْنُ الصَّبَّاغِ، وصاحب "التهذيب" غيره الوُجُوب؛ لأنه إذا لم يعتقد جَوَازَهُ، فحقه الامْتِنَاعُ، وإن فرض إِكْرَاهٌ لم يَخْفَ الحُكْمُ وذكر الإِمام أنه إن كان لا يبعد أن يُدْرَأَ 4 القِصَاصُ؛ لاعتقاد الإِمام وَيثْبُت المَالُ والكَفَّارَةُ، فإن الذي ذكروه ينتج كَلاَماً في أن الجَلاَّدَ هل له أن يُخَالِفَ اعْتِقَادَ نَفْسِهِ، ويتبع اعتقاد الإِمام؟ وإن هذا الخِلاَفَ يُنَاظِرُ الخِلاَفَ في أن القَاضِيَ الحَنَفِيَّ إذا قَضى للشافعي 5 بِشُفْعَةِ الجَارِّ، وبالتوريث بالرحِمِ، والرَّدِّ، هل يحل للمقضى له؟ قال: والوَجْهُ عندنا القَطْعُ بأنه لا يَحِلُّ أن يأخذ ما يُخَالِفُ مُعْتَقَدَهُ، ورد الخلاف إلى أنه هل يمنعُ من ذلك ظاهراً؟

ولو كان الإمَامُ لا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ القِصَاص على الحُرِّ بقتل العبد، وأمر به تارِكاً للتَّفَحُّصِ، وكانَ الجَلاَّدُ يعتقد أن الحُرَّ مَقْتُولَّ بالعبد، فإذا قتله على موجب اعتقاد نَفْسِهِ، فقد بني ذلك على الخِلاَفِ في المسألة السابقة، إن اعتبرنا رَأْيَ الإِمام [وجب القصاص] (1) وإن اعتبرنا رأي الجَلاَّدِ، لم يَجِبْ.
قال الإِمام: وهذا عندي ضعيف في هذه الصورة، فإن الجَلاَّدَ مُخْتَارٌ عالم بالحال، والإمام لم يُفَوِّضْ إليه النَّظَرَ والاجتهاد، وإنما استعمله للعمل فحسب، والإمام لو تَثَبَّتَ وعرف الحَالَ، لما أَمَر، ولا يبقى لأمره -والحالة هذه- أَثَرٌ الاستتباع، وبصير الجَلاَّدُ مُستَقِلاً بما فعل.
المسألة الثالثة: لا ضَمَانَ على الحَجَّام إذا حَجَمَ، أو فَصَدَ بِإِذْنِ من يعتبر إذنه، وأَفْضَى فِعْلُهُ إلى تَلَفٍ، وَكذا إذا قطع سِلْعَةً بالإذن للمعنى الذي ذَكَرْنَا في الجَلاَّدِ، ويخالف ما لو قَطَعَ يَداً صَحِيحَةً بِإذْنِ صاحبها، فَأَفْضَى إلى تَلَفِ النَّفْسِ، حيث يحكم بوجوب الدِّيَةِ على قول؛ لأن الإذْنَ هناك لا يُبيحُ القطع وإذا كان القَطْعُ حَرَاماً عليه، جاز أن يجب القِصَاصُ في سِرَايَتِهِ، وهاهنا أتى بفعل جَائِزٍ لغرض صَحِيحٍ، فيستحيل أن يَتَعَلَّقَ به ضَمَانٌ على أن الأظهر هناك أنه لا يجب الضَّمَانُ.
واعلم أن [تأثير] (2) الإِذْنِ في إسقاط القصاص (3) مذكور في الكتاب في فَصْلِ الإِكْرَاهِ من أول الجِنَايَاتِ، [وتأثيره] (4) في إسقاط الدِّيَةِ على الخلاف فيه مذكور في باب العَفْوِ من آخرها، ومقصود الإعادة هاهنا الإشَارَةُ إلى الفرق المذكور.
وقوله: " [ولو قطَع] (5) بالإذن يداً صحيحة ففي الضَّمَانِ وَجْهَان" قد يفهم منه ضمان اليَدِ المَقْطُوعَةِ، ووضع الخلاف فيه، لكن المَنْقُول [فيه] أنه لا يَجِبُ ضمان اليد المَقْطُوعَة إذا وقف القَطْعُ، ولم يذكروا خِلاَفاً فيه، وإنما الخلاف في ضمان النفس (6) إذا سَرَى القَطْعُ إليها، فإذن المعنى: قطع يداً صحيحة (7) فَسَرَى إلى النفس، ففي ضَمَانِ النَّفْسِ وجهان.
ثم الخلاف قولان، وكذلك أَوْرَدَ في باب العفو [لا] (8) وجهان، ويجوز أن يُعْلَمَ لفظ الخِلاَف بالواو؛ لما قَدَّمْنَا أن بعضهم قَطَعَ بالنفي.

قال الغَزَالِي

ُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي فِي دَفْعِ الصَّائِلِ)

في المَدْفُوعِ وَالمَدْفُوعِ عَنْهُ وَالدَّفْعُ (أَمَّا12345678

المَدْفُوعُ) فَكُلُّ مَنْ يَخَافُ مِنْهُ الهَلاَكُ فَدُفِعَ فَهُوَ هَدرٌ حَتى الصَّبِيُّ وَالمَجْنُونُ إِذَا صالاَ، وَكَذَا البَهِيمَةُ، وَفِي ضَمَانِ الجَرَّةِ المُطِلَّةِ عَلَى الرَّأْسِ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ إِذَا كُسِرَتْ بِالدَّفْعِ وَجْهَانِ، وَكَذَا في دَفْعِ بَهِيمَةِ حَالَ بَيْنَ الرَّجُلِ الجَائِعِ وَبيْنَ طَعَامِهِ في بَيْتٍ، وَالجَائِعُ المُضْطَرُّ إِلَى طَعَامِ الغَيْرِ يأْكُلُ وَيَضْمَنُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اسْتُؤْنِسَ في الباب بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]. وبأن الصَّائِلَ ظالم، والظَّالِمُ يُمْنَعُ من الظلم؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "انْصُر أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُوماً" 1. وعن سعيد بن زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ" 2 وروي 3 أن جَارَيةَ كانت تَحْتَطِبُ فَرَاوَدَهَا رَجُلٌ عن نفسها، فرمته [بفِهْرٍ] 4 فقتلته، فرفع ذلك إلى عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فقال: "قتيل الله والله لا يودي أَبَداً" ونحتاج في الباب إلى مَعْرِفَةِ المدفوع، وهو الصَّائِلُ، والمدفوع عنه، وهو الذي يقصد الصَّائِل، وكيفية الدفع.
فهذه ثلاثة فصول: أما الأول: فلا فَرْقَ بين أن يكون الصَّائِلُ مسلماً، أو ذِمِّياً، حراً أو عبداً، فيجوز 5 للمَصُولِ عليه دَفْعُهُ، وإن أتى الدَّفْعُ على نفسه، فلا ضَمَانَ، ولا دِيَّةَ، ولا كَفَّارَةَ، وإن صَالَ عليه صَبِيٌّ أو مجنون، أو بهيمة، فكذلك يجوز الدَّفْعُ، ولا ضَمَانَ عن التَّلَفِ، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يجب الضَّمَانُ في البهيمة، وكذا في الصَّبِيِّ والمجنون، على أظهر الروايتين.
لنا: أنه هَلاَكٌ حَصَلَ في دَفْعِ جائز، فلا يَتَعَلَّق به ضمان، كما في سائر الصور، وأيضاً فَالبَهِيمَةُ إذا صَالَتْ صَارَتْ بِمَثَابَةِ الكَلْبِ العَقُورِ والسَّبُعِ الضَّارِي.

ألا ترى أنه لو قتل المُحْرِمُ صيداً، صَالَ عَليه، دَفْعاً، لم يَلْزَمْهُ الجَزَاءُ، ولو سقطت جَرَّةٌ 1 أو نحوها من عُلْوِ طرف سَطْحٍ، فاستوت على رأس إنسان، وكان يخاف عليه منها، ولم يُمْكِنْ دَفْعُها إلا بالكَسْرِ والإِتْلاَفِ، فهل عليه الضمَّانُ إذا كسرها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ تنزيلاً لها مَنْزِلَةَ البهيمة الصَّائِلَةِ.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه لا قَصْدَ ولا اختيار منها؛ بخلاف البهيمة وللمجنون اخْتِيَارٌ، وللأفعال إليه نِسْبَةٌ، ولو حَالَتْ بهيمةٌ بين الجائع، وبين طعامه في البيت، ولم يَصِلْ إليه إلا بِإتْلاَفِهَا، فهل يلزمه الضَّمَان بإتلافها؟ فيه هذان الوجهان: في وجه: لا يجب؛ لأن وُقُوفَهَا وحَيْلُولَتَهَا 2 كالصِّيَالِ منها.
وفي الثاني: يجب؛ لأنها لا تَقْصِدُهُ، وإتْلاَفُهُ إياها لِدَفْعِ الهَلاَكِ عن نَفْسِهِ، كأكل المُضْطَرِّ طَعَامَ الغير، فإنه مُوجِبٌ للضمان، ويمكن أن يُجْعَلَ الأَظْهَرُ هاهنا نَفْيَ الضمان، كما ذكرنا فيما إذا عم الجَرَادُ المَسَالِكَ فتخطاها 3 المُحْرِمُ 4 وقتل بَعْضَها.
وقوله في الكتاب: "فكل من يُخَافُ منه الهَلاَكَ فدفع فهو هَدرٌ" لا شَكَّ أن من يخاف منه الهَلاَك كذلك، لكنه لا يَصْلُحُ ضَابِطاً للمدفوع، ولا يعتبر خَوْفُ الهَلاَكِ فيه، بل من [قصد] 5 التَّعَرُّضَ لنفس شَخْصٍ مَعْصُومٍ، أو لِعُضْوٍ من أعضائه، أو لمال، أو لبُضْعٍ، فيدفع ويُهْدَرُ إذا أتى الهَلاَكُ عليه.
وقوله: "وفي ضمان الجَرَّةِ المُطِلَّةِ" أي: المُشْرِفة، يقال: أَطَلَّ على الشيء، أي: أَشْرَفَ.
وقوله: "والجائعُ المُضْطَرُّ إلى طَعَامِ الغَيْرِ يأكل ويضمن" إنما ذكره في هذا المَوْضِعِ لُمُشَاكَلَتِهِ [المسألة والتوجيه أحد الوجهين بها كما تَقَدَّمَ] 6. قال الغَزَالِيُّ: وَدَفْعُ الصَّائِلِ الكَافِرِ أَوِ البَهِيمَةِ وَاجِبٌ، فَإِنْ كَانَ مُسْلِماً فَفِي جَوَازِ

الاسْتِسْلامِ قَوْلاَن، وَفِي دَفْعِ المَجْنُونِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وأَوْلَى بِوُجُوبِ الدَّفْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بَانَ في خلال الكَلاَمِ أن دَفْعَ الصَّائِلِ جَائِزٌ، والغَرَضُ الآن القَوْلُ في أنه هل يَجِبُ، أو يجوز الاسْتِسْلاَمُ وترك الدفع؟ واعلم أن هذا المَقْصُودَ لا اخْتِصَاصَ له بطرف المَدْفُوع، بل نِسْبَتُهُ إليه نِسْبَةٌ إلى المدفوع عنه، أو كيفية الدفع.
والأَحْسَنُ من جهة الترتيب تَقْدَيمُهُ على جميع الأَطْرَافِ، أو تأخيره عن جميعها.
والفِقْهُ أن الصَّائِلَ إن قصد أَخْذَ المَالِ، أو إِتْلاَفَهُ، ولم يكن ذَا رُوحٍ 1 لا يَجِبُ الدفع؛ لأن إِبَاحَةَ المال للغير جَائِزَةٌ، وإن قصد أَهْلَهُ وجب عليه الدَّفْعُ بما أمكنه؛ لأنه لا مَجَالَ للإبَاحَةِ فيه.
وشرط في "التهذيب" للوجوب ألاَّ يخاف على نفسه، وإن قصد الصَّائِلُ نَفْسَهُ نظر إن كان كَافِراً، وجب عليه القِتَالُ والدفع بما أَمْكَنَهُ، أما الحربي والمرتد فلا حُرْمَةَ لهما، وأما الذمي فَبِالصِّيَالِ تبطل حُرْمَتُهُ والاستسلام للكافر ذلٌّ في الدِّينِ.
وقال الروياني في "جمع الجوامع": إذا كان الصَّائل كافراً، فالأولى له أن يقاتل، ويُكْرَه له ترك القتال، والدفع عند الإِمْكَانِ، وهذا يشعر بالتجويز 2، والمشهور الأول 3، وإن كان الصِّيَال من بهيمة، فكذلك يجب الدفع؛ لأنها مَذْبُوحَةٌ لاستيفاء المُهْجَةِ، فكيف يؤثرها، ويستسلم لها، وإن كان الصَّائِلُ مسلماً، فقولان، ويقال: وجهان: أحدهما: أنه يجب الدَّفْعُ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. ولأن الصَّائِلَ ظالم ساقط الحُرْمَةِ، ومهجة المَصُولِ عليه محترمة، فلا تبذل لمن سقطت حرمته.
وأظهرهما: أنه لا يجب 4، ويجوز الاستسلام؛ لما روي عن حذيفة -رَضِيَ اللهُ

عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في وَصْفِ الفِتَنِ: "كُنْ عَبْدَ اللهِ المَقْتُولَ وَلاَ تَكُن عَبْدَ اللهِ القَاتِلَ" 1. وفي بعض الأخبار "كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ" 2 يعني قابيل وهابيل.
ومنع عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عُبَيْدَةَ من الدَّفْعِ يوم الدَّارِ، وقال: من ألقى سِلاَحَهُ فهو حُرٌّ 3، واشتهر ذلك في الصحابة -رَضِيَ الله عَنْهُم- ولم ينكر عليه أحد.
وعن القاضي الحسين: الفرق بين أن يمكنه دفعه من غير أن يقتله، فيجب ولا يجوز الاسْتِسْلاَمُ للقتل، وبين ألا يمكنه دَفْعُهُ إلا بالقتل، فيجوز الاسْتِسْلاَمُ.
والقائلون بجواز الاستسلام منهم من يَزيدُ عليه، ويصفه بالاسْتِحْبَابِ أيضاً، وهو ظاهر الأَخْبَارِ، وإن كان الصِّيَالُ من مَجْنُونٍ، أَو مراهق فطريقان: أحدهما: القطع بأنه لا يجوز الاسْتِسْلاَمُ؛ لأنهما لو قتلا لم يَبُوءَا بالإثم، فأشبها البَهِيمَةَ.
وأشبههما: طَرْدُ القولين؛ إِبْقَاءً للآدمي المحترم، ورضا بالشهادة، وإلى الطريقين يرجع قوله في الكتاب:

وفي "دفع المجنون قولان مُرَتَّبَان، وأولى بوجوب الدفع" وقد تعكس القضية، ويجعل المجنون أَوْلَى [بجواز] 1 الاستسلام؛ لأن فعله لا يوصف بالتعدي، وهو أَوْلَى بالمُزَاحَمَةِ.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا المَدْفُوعُ عَنْهُ) فَكُلُّ مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ وَبُضْعٍ وَمَالٍ وَإِنْ قَلَّ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ غَيْرِهِ قيلَ في الوُجُوبِ قَوْلان، وَقِيلَ: يَجِبُ إذْ لاَ مَعْنَى لِلْإِيثَارِ هَهُنَا كَمَا في نَفْسِهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِأَنَّ شَهْرَ السِّلاحَ فِي الحِسْبَةِ إلَى السُّلْطَانِ، وَكَذَا الدَّفْعُ بِالسِّلاَحِ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ وَالمَعَاصِي قيلَ: يَجِبُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ لِغَيْر السُّلْطَان خَوْفاً مِنَ الفِتْنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أما المدفوع عنه، فهو كل مَعْصُوم، فيجوز الدفع عن النفس، وعن الأَطْرَافِ، والبُضْعِ، والمال إذا كانت مَعْصُومَةً، ويجوز لغير المَصُولِ عليه الدفع لحقنه، كما يجوز له الدفع لحقن نفسه، ويجوز الدَّفْعُ عن الذمي يَصُولُ عليه المسلم، وعن الابن الذي 2 صَالَ عليه أبوه، والعَبْدِ الذي صَالَ عليه سَيِّده، فإنهم مَعْصُومُونَ مَظْلُومون.
وفي "النهاية" حكاية قول عن القَدِيمِ: أنه لا يجوز الدَّفْعُ عن المَالِ إذا كان لا يتأتى الدَّفْعُ إلا بالقتل، أو قطع بعض الأعضاء، والظاهر الأول، وحُرْمَةُ مال المسلم في ذلك كَحُرْمَةِ دمه وهل يجب الدفع عن الغَيْرِ؟ فيه ثلاثة طرق 3: أظهرهما: أن حُكْمَ الدفع عن الغير حُكْمُ الدفع عن النفس، يجب حيث يجب هناك، ولا يجب حيث لا يَجِبُ.
والثاني: القطع بالوُجُوب؛ لأن الإيثَارَ إنما يليق بِخَطِّ النفس، وأما سائر الناس، فلا يُؤَثِّرُ بعضهم على بعض.
والثالث: وينسبه الإمَامُ إلى معظم الأصوليين: القَطْعُ بالمنع؛ لأن شَهْرَ السِّلاحَ يُحَرِّكُ الفِتَنَ، وليس ذلك من شأن آحَادِ الناس، وإنما هو من وَظِيفَةِ السلطان، وعلىَ هذا فهل يحرم، أو يجوز من غير وجوب؟ حكي عنهم فيه اختلاف.
والتحريم هو الذي أَوْرَدَهُ صاحب الكتاب.
وإذا قلنا بوجوب الدفع 4 عن الغير، فذلك إذا لم يَخَفْ على نفسه.

كذلك قَيَّدَ الشيخ إبراهيم المَرُّوروذِيُّ وغيره، ثم قال الإِمام: الخِلاَفُ في أن الآحَادَ هل لهم شَهْرُ السلاح حِسْبَةً لا يختصُّ بالصِّيَال، بل من أقدم على مُحَرَّمٍ من شرب خمر أو غيره، فهل لآحَادِ الناس مَنْعُهُ بما يجرح، ويأتي على النفس؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ نَهْياً عن المنكر، ومَنْعاً عن المعصية.
والثاني: لا؛ خوفاً من الفِتَنِ، التي تَتَوَلَّدُ منه، ويُنْسَبُ هذا الثاني إلى الأصوليين، والأول للفقهاء، وهو الذي يوجد للأصحاب في كتب المذهب 1، حتى قال الفَوْرَانِيُّ، وصاحب "التهذيب" والروياني وغيرهم: من علم بِخَمْرٍ في بيت رجل، أو طُنْبُورٍ، وعلم بشربه، أو ضربه، فله أن يهجم على صاحب 2 البيت، ويُرِيقَ الخمر، ويفصل الطّنبور، ويمنع أَهْلَ الدَّارِ من الشرب والضرب، وإن لم ينتهوا، فله أن يقاتلهم، فإن أَتَى القِتَال عليهم، فهو مُثَابٌ على ذلك وفي "تعليقة" إبراهيم المروروذي أن من رآه مُكِبّاً على معصية من زِناً أو شُرْب خمر، أو رآه يَشْدَخُ شاة أو عبداً، فله دفعه فلو أتى 3 الدفع على نفسه، فلا ضَمَانَ.
واعلم أن القول في وُجُوب الدفع عن الغير، لا اخْتِصَاصَ له بهذا الموضع، كما أنه لا اخْتِصَاصَ للقول في وجوبَ الدَّفْعِ عن النفس، ولو أنه ضم أحدهما إلى الآخر، وذكرهما في موضع واحد لكان أَحْسَنَ.
وقوله: "وأما المدفوع عنه، فكل مَعْصُوم من نفس وبضع ومال" لفظ "المال" يجوز إعلامه بالواو، وليس ما ذكره جَامِعاً ضَابِطاً، فإنه لو قصد عُضْواً، أو مَنْفَعَةَ عضو، ولم يقصد النفس، يُدْفَعُ أيضاً، ولو لم يقصد البضع، وقصد أن ينال مما دونه دفع أيضاً وإن أتى الدفع عليه كان مُهْدَراً.
صَرَّح به القاضي الروياني وغيره، وقال: لو وجده يَنَالُ من جَارِيَتِهِ ما دون الفَرْجِ، فله دفعه، وإن أتى على نَفْسِهِ.
قال: ويجوز للأجانب أن يدفعوه كذلك حِسْبَةً، ويجوز أن يكون المدفوع عنه ملك المقاصد، فمن رأى إنساناً يُتْلِفُ مال نفسه [مثل أن يحرق كدسه ويغرق متاعه جاز له دفعه] 4 فإن كان حيواناً بأن رآه يَشْدَخُ رأس حِمَارِهِ، ففي وجوب الدفع لحرمة الحيوان وَجْهَان.
المذكور منهما في "التهذيب" أنه يجب وقوله: "وقيل: يحرم" لا يمكن حَمْلُهُ على مُطْلَقِ الدفع، وإنما المراد الدفع قَتْلاً وجُرْحاً.

وقوله: "لأن شَهْرَ السلاح في الحِسْبَةِ إلى السلطان" -أي ينبغي أن يكون هكذا لأنه خطر محرك للفتن.
وقوله: "قيل: يجب" كذلك ذكر هاهنا، وفي "الوسيط"، وصاحب "النهاية" لم يتعرض للوجوب، وإنما حَكَى اختلاف الأصوليين والفقهاء في الجواز وعَدَمِهِ.
[والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا كَيْفِيَّةُ الدَّفْع) فَأَنْ يَبْدَأَ بالكَلاَم ثُمَّ بِالضَّرْبِ ثُمَّ بِالجُرْحِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَيَدْفَعُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى مَنْ يُزنِي بِزَوْجَتِهِ دَفَعَهُ، فَإِنْ هَرَبَ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ القِصَاصُ إنْ لَمْ يَكُنِ الزَّانِي مُحْصَناً، وَلَوْ قَدَرَ المَصُولُ عَلَيْهِ عَلَى الهَرَبِ لَمْ يَجُزْ لَه الدَّفْعُ بِالجِرَاحِ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ عَضَّ يَدَهُ فَسَلَّ اليَدَ حَتَّى نَدَرَتْ أَسْنَانُهُ فَلاَ ضَمَانَ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَهُ أن يَدْفَعَهُ بِمَا يَقْدِرُ وَلاَ يَتَعَيَّن قَصْدُ العُضْو الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب على المَصُولِ عليه رِعايَةُ التدريج، والدفع بالأَهْوَنِ 1 فالأهون، فإن أمكنه الدَّفْعُ بالكلام، أو الصِّيَاحِ، أو الاستغاثة بالناس لم يكن له الضَّرْب، وكذا لو اندفع شَرُّهُ بأن وقع في مَاءٍ أو نار، أو من شاهق فانكسرت رجله، لم يضربه، وكذا لو كان بينهما حَائِلٌ من جدار، أو خَنْدَق، أو نهر عظيم، ولو كان النهر صَغِيراً، وغلب على ظنه أنه إن عَبَرَ إليه غَلَبَهُ، ففي "الشامل" أن له رَمْيُهُ، ومنعه من العبور.
وإذا لم يندفع إلا بالضرب فله الضرب، وراعى فيه الترتيب أَيْضاً فإن أَمْكَنَ [باليد، لم يضربه بسوط، وإن أمكن] بالسَّوْطِ لم يجز العُدُولُ إلى العَصَا، وعلى هذا فلو أَمْكَنَ دفعه بِقَطْعِ عضو، لم يكن له إِهْلاَكُهُ، ولو اندفع بِدَرَجَةٍ نازلة، فدفعه بما فوقها، ضمن، وكذا لو هَرَبَ فاتبعه وضربه، فمات، ولو ضربه ضربة، فَوَلَّى هارباً أو سقط، وبطل صِيَالُهُ، فضربه أخرى، فالثانية مَضْمُونَةٌ بالقصاص وغيره، فإن مات منهما لم يجب قِصَاصُ النفس، ووجب نِصْفُ الدية؛ لأن الهلاك حَصَلَ من مضمون وغير مضمون، ولو عاد بعد الجِرَاحَتَيْن إلى الصِّيَال فضربه، ضربة ثالثة، فمات منها، فَعَلَيْهِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، ومهما غَلَبَ على ظَنِّهِ أن الذي أقبل عليه بالسَّيْف يقصده، فله دَفْعُهُ بما يمكنه، وإن لم يضربه المقبل إذا تَقَرَّرَ ذلك، ففي الفَصْلِ ثلاث صور: إحداها: إذا وجد رجلاً يزني بامْرَأَتِهِ، أَو غَيْرها، فعليه دفعه، ومنعه، فإن هَلَكَ في الدفع، فلا شَيْءَ عليه، وإن اندفع بضرب وغيره، ثم قتله فعليه القِصَاصُ إن لم يكن الزَّانِي مُحْصَناً.
وإن كان محصناً فلا قِصَاصَ عليه.

وفيه قول آخر مذكور في الجنايات وإذا قال: قتلته لذلك، وأنكر وليُّه، فعلى القاتل البَيَّنَةُ وينظر إن ادَّعى أنه قَصَدَ امْرَأَتَهُ، فدفعه، فأتى الدفع على نفسه، ثَبَتَ ذلك بقول شاهدين، وإن ادَّعى أنه زَنَا بها، وهو مُحْصَنٌ لم يثبت الزنا إلا بأربعة شهداء.
روي أن سعد بن عُبَاَدَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: يا رسول الله أرأيت إن وَجَدْتُ رَجُلاً مع امرأتي أُمْهِلُهُ حتى آتى بأربعة شهداء! فقال -صلى الله عليه وسلم-: "كَفَى بالسَّيْفِ شَا" أراد أن يقول: "شاهداً" فقطع الكلمة ثم قال: "نَعَمْ حَتَّى تَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ" 1. وعن أبي حنيفة -رحمه الله-[أنه يلزمه الضمان، و] إن ثبت الزنا والإحصان، بناء على أن الزَّاني المُحْصَنَ إذا قتله واحد من عرض الناس قبل أن يَقْضِيَ القاضي عليه بالرَّجْم يلزمه القصَاصُ، وإنما يصير مُهْدَراً، إذا قضى القاضي عليه بالرَّجْمِ فيقع قتله حداً.
وإن لم يكن للقاتل بَيِّنَةٌ، حلف وَلِيُّ القتيل على نفي العلم بما يقوله، ومكّن من القصاص، ولو كان للقتيل وارثان، فحلف أحدهما على نَفْي العلم، وَنَكَلَ الآخر، حلف القاتل [للآخر]، وعليه نصف الدية للحالف، وإن كانَ أحدهما بَالِغاً، والآخر صَغِيراً، وحلف البالغ على [نفس] العلم [لم] يستوفي القِصَاص حتى يَبْلُغَ الصغير، فيحلف، أو يموت، فيحلف وَارِثُهُ.
وإن أخذ البالغ نِصْفَ الدية، حكى القاضي الروياني أنه يُؤْخَذُ للصغير أَيْضاً، فإذا بلغ حلف، فإن نكل، وحلف القَاتِلُ ردّ عليه ما أَخَذَا، ولو أقر الوَرَثَةُ بأن مورثهم كان مَعَهَا تحت ثَوْبٍ يتحرك تَحَرُّكَ المجامع، وأنزل، ولم يقروا بما يُوجِبُ الحَدَّ لم يسقط القِصَاصُ، وإن أقروا بما يوجبه، وقالوا: كان بِكْراً، فالقول قولهم، وعلى القاتل البَيِّنَةُ على الإحصان.

والسَّارِقُ إذا أخرج مَتَاعَهُ من الحِرْزِ، وألقاه وهرب، لم يكن له أن يتبعه، فيضر به، فإن تبعه، وقطع يَدَهُ التي يوجب قَطْعهَا بالسرقة، فلا قِصَاصَ؛ لأنها مستحقة الإِزَالَةِ، وكذا في قطع الطريق، إذا قطع قَاطِعٌ ما وجب قطعه منه لا قصاص عليه لكن يعزر بالافتئات على الإمَامِ، ويجيء في وجوب القِصَاصِ الخلاف الذي سبق في قَتْلِ الزاني المُحْصَنِ، ولو وجب الجَلْدُ على زان، فجلده وَاحِدٌ من عرض الناس لم يقع حداً، ولزمه الضمان لأن الجلد يختلف وَقْعاً ومَحلّاً، فلا يقع حَدّاً إلا بإذْنِ الإِمام وَنَظرِهِ، بخلاف القطع.
وفي "تعليقه" إبراهيم المروروذي ذِكْرُ وجهين، فيما إذا جَلَدَ رَجُلاً ثمانين، ثم قال: إنه كان قَذَفَنِي، وأقام عليه بَيِّنَةً، هل يحسب ذلك عن الحَدِّ، ويبنى على الوجهين [في] أنه إذا عَاشَ هل يُعَادُ الحد [و] 1 إذا مات هل يَجِبُ على الضارب القِصَاصُ.
ويمكن أن يعلم قوله في الكتاب: "إن لم يكن الزَّانِي مُحْصناً" بالواو: لأنه مذكور قيداً لوجوب بالقِصَاص، وعلى القول الذي يوجب القصاص بقتل الزاني المُحْصَنِ لا يحتاج إلى هذا القَيْدِ.
الصورة الثانية: لو قدر المَصُولُ 2 عليه على الهَرْبِ هل يَلْزَمُهُ ذلك أم له أن يثبت ويقاتل؟ حكى فيه اختلاف نَصٍّ.
وعن الأصحاب طريقان: أظهرهما: أن في المسألة قولين: أحدهما: أنه لا [يجب] 3 الهَرَبُ؛ لأَن إِقَامَتُهُ في ذلك المَوْضِعِ جَائِزَةٌ، فلا يُكَلَّفُ الانصراف.
والثاني: يجب؛ لأنه مَأْمُورٌ بأن يخلص نَفْسَهُ بالأهون فالأهون، والهرب أَهْوَنُ، وبنى بعض من أَثْبَتَ الخِلاَفَ على أنه هل يَجِبُ عليه الدَّفْعُ عن نفسه؟ إن قلنا: نعم؛ لَزِمَة الهَرَبُ، وإلا فلا، لكن قد مَرّ أن الأظهر أنه لا يجب الدفع، ويجوز الاستسلام، وهاهنا رَجَّحُوا وجوب الهَرَبِ؛ مُحَافَظَةً على التدريج في الدفع.
والطريق الثاني: نَفْيُ الخلاف، وحمل نص الهرب على ما إذا تيقن النجاة بالهَربِ.
والنص الآخر على ما إذا لم يتيقن، ولو قدر [على] 4 التحصين بموضع حَصِينٍ، أو على الالْتِجَاءِ إلى فِئَةٍ، فهو كما لو قدر على الهَرَبِ.
الثالثة: إذا عَضّ إنسان يَدَهُ، أو عضواً آخر، [خَلَّصَ] 5 عضوه بأيسر 6 ما يقدر

عليه، فإن أمكنه فك لَحْيَيْهِ (1)، وتخليص ما عضه فعل؛ وإن لم يمكنه ضَرَبَ في شِدْقِهِ ليدعه، فإن لم يمكنه وسل يده فَبَدَرَتْ أسنانه، أو بعضها فلا ضَمَانَ عليه.
وفي "الشامل" أنه [يحكى] (2) عن مالك أنه يجب الضَّمَانُ.
لنا ما رُوِيَ عن يَعْلَى بن أمية -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: غزوت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيش العسرة (3) وكان لي أجير، فقاتل إنساناً، فَعَضَّ أحدهما يَدَ الآخر، فانتزع (4) المَعْضُوضُ يده من فم العَاضِّ، فذهب إحدى ثنيتيه، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فَأَهْدَرَ ثنيته وقال له: "أَيدَعُ يَدَهُ في فِيكَ تَقْضِمُهَا كَأَنَّهَا في فَحْلٍ" ولأن النفس لا تضمن في الدفع، فكذا الأطراف.
ولا فَرْقَ بين أن يكون العَاضُّ ظالماً، أو مظلوماً، فإن العض لا يجوز بحال.
وما دام يمكنه تخليص نفسه بضرب فيه لا يَعْدِلُ إلى عضو آخر؛ لأنه أقرب إلى المقصود، فإن لم يجد مُخَلِّصاً إلا بقصد عضو آخر بأن يَبْعَجَ بَطْنَهُ، أو يفقأ (5) عينه أو يعصر خصيته فله ذلك وفيه وجه أنه لا يقصد عضواً آخر، ولا يضع السلاح فيه، كما لم يقصده العَاضُّ بالسلاح والظاهر الأول.

"

فرع

" لو كان الصَّائل يَنْدَفِعُ بالصوت والعصا، ولكن المصول عليه لم يجد إلا السَّيْفَ أو السِّكينَ، فهل له الضرب به؟ فيه وجهان: أحدهما: لا لإمكان الدَّفْعِ من غير جرح وقتل.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه لا يَتَأَتَّى له الدَّفْعُ إلا بذلك، ولا يمكن نِسْبَتُهُ إلى التقصير [بتَرْكِ] 6 استصحاب السَّوْطِ، والمعتبر في حتى كل أحد حَاجَتُهُ، ولذلك نقول: الحَاذِقُ الذي يحسن الدفع بأطراف السَّيْفِ من غير جرح يضمن، والذي لا يحسن ذلك لا يضمن لو جرح.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِذَا نَظَرَ إِلَى حَرَمٍ إِنْسَانٍ في كُوَّةٍ أَوْ صَائِرِ بَابٍ جَازَ أنْ يَقْصِدَ عَيْنَهُ بِمدْرَاةٍ أَوْ بَنْدَقَةٍ مِنْ غَيْرِ إِنذارٍ، فإِنْ عَمِيَ فَلا ضَمَانَ، وَيجِبُ تَقْدِيمُ الإِنْذَارِ فِي كُلِّ دَفْعٍ12345

إِلاَّ هَهُنَا لِلْخَبَرِ، وَلاَ يُلْحَقُ قَصْدُ الأُذُنِ عِنْدَ التَّسَمُّعِ بِهِ، وَلاَ يُرشَقُ النَّاظِرُ بالنُّشَابُ، وَلاَ يَجُوزُ قَصْدُ عَيْنِهِ إِنْ كَانَ لِلنَّاظِرِ حَرَمٌ فِي الدَّارِ وَلاَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّارِ امْرَأَةُ أَصْلاً، فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ مُسْتَتِرَةٌ فَوَجْهَانِ، وَلوْ كَانَ البَابُ مَفْتُوحاً لَمْ يَجُزْ قَصْدُ عَيْنِهِ إِلاَّ بِالإنْذَارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا نظر إلى حرم 1 إنسان في داره من كُوَّةٍ أو ثُقْبِ، أو صِيرَ بَابٍ، فنهاه صَاحِبُ الدار، فلم يَنْتَهِ، فرماه بحَصَاةِ ونحوها، فأصابت عينيه، فَأعْمَاهُ، أو أصاب قريباً من عينه، فجرحه، فلا ضَمَانَ، وإن سَرَى إلى النفس، خِلاَفاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يجوز ذلك ويجب الضمان.
وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ عن مالك مثله.
لنا ما روي عن سَهْلِ بن سَعْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رجلاً اطلع من جحر في حُجْرَةِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومع النبي -صلى الله عليه وسلم- مِدْرَى يَحكُّ به رَأْسَهُ، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إنَّما جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ من أَجْلِ البَصَرِ" 2. وعن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَوِ اطَّلَعَ أَحَد فِي بَيْتِكَ وَلَمْ تَأْذَنْ لَهُ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جنَاحٍ" 3. وعن نصِّ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- "أنه لو ثبت المطلع، ولم يمتنع بعد رَمْيهِ بالشيء الخفيف، استغاث عليه صاحب الدَّارِ، فإن لم يكن في مَوْضِعِ غَوْثٍ أحببت أَن ينشده باللهِ تعالى، فإن لم يمتنع فله أن يَضْرِبَهُ بالسلاح، وَيَنَالَه بما يردعه، فإن أتى على نفسه، فلا عَقْلَ، ولا قَوَدَ، وإن لم يَنَل منه صَاحِبَ الدار عاقبه السلطان".
ولا فَرْقَ بين أن يكون وُقُوفُ الناظر في الشارع أو في سِكَّةِ منسدة الأسفل، أو في خالص ملْكِهِ إذ ليس للواقف في ملْكِهِ مدُّ البصر إلى حَرَمِ النَّاسِ.
وعن القاضي الحسين وجه ضعيف: أنه لا يقصد عينه إذا وَقَفَ في الشارع، أو في مِلْكِ نفسه، وإنما يقصد إذا وَقَفَ في مِلْكِ المنظور إليه، ويتعلق بالفصل 4 صُوَرٌ مذكورة في الكتاب، وغير مذكورة: إحداها: إنما يرمي عَيْنَهُ إذا قصد النَّظَرَ والتطلُّع، أما إذا كان مُخْطئاً، أو وقع بصره عليه اتِّفَاقاً، وعلم صَاحِبُ الدار الحال، فلا يرميه، فإن رَمَاهُ، وقال الناظر: لم

أَكُنُ قاصداً، أو لم أَطَّلِعْ على شيء، لم يلزم الرَّامِيَ شَيْءٌ؛ لأن الاطلاع حاصل وقصده أمر بَاطِنٌ لا يطلع عليه، وهذا ذَهَابٌ إلى تجويز الرمي وإن لم يتحقق قصده، وفي كلام الإِمام ما يَدُلُّ على أنه لا يرمي حتى يتبين 1 الحال، وهو حَسَنٌ.
الثانية: هل يجوز رَمْيُهُ قبل أن يُنْذِرَهُ؟ فيه وجهان: أحدهما -ويحكى عن الشيخ أبي حَامِدٍ، والقاضي الحسين: لا بل ينذره أولاً، ويزجره عن التطلُّع، ويأمره بالانْصِرافِ، فإن أصر، فحينئذ يرميه؛ جَرْيًا على قياس الدفع في البِدايَة بالأهون [فالأهون] 2 وأيضًا فقد يعتقد لنفسه عُذْراً، فيعرف بالنهي، فإن أصَرَّ نِيلَ منه.
وأظهرهما -وهو المذكور في الكتاب وبه قال القاضي أبو الطيب والماسَرْجِسِيُّ: أنه يجوز الرَّمْيُ قبل الإنذار؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُخَاتل النَّاظر لرمي عينه بالمِدْرى 3. وروي أنه قال: "مَنِ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَؤوا عَيْنَهُ فَلا قَوَدَ وَلا دِيَةَ" 4. وعن صاحب "التقريب" أنه استدلّ لجواز الرَّمْيِ قبل الإنذار هاهنا، على أنه لا يَجِبُ تقدم الكلام في كل دَفْع، وإنما يجوز للمصول عَليه الابتداء بالفعل، وربما يروى عنه تَخْرِيجُهُ على الخلاف في أنه هل يجوز اسْتِتابَةُ المرتد؟ وذكر الإِمام أن مَجَالَ التردد في الكلام الذي هو مَوْعِظَةٌ، وتخجيل قد تفيد، وقد لا تفيد، فأما ما يوثق بكونه دَافِعاً من تَخْوِيفٍ وَزَعْقَةٍ [مزعجة،] 5 فلا يجوز أن يكون في وجوب البداية خلاف، وهذا أحسن وينبغي أن يقال: ما لا يوثق 6 بكونه دَافِعاً، ويخاف من البداية مُبَادَرَةِ الصائل، وخروج الأمْرِ مِن اليد لا يجب البِدَايَةُ بلا خلاف.
الثالثة: لو وضع الأذن على [صِير] 7 الباب، أو وقوف على الباب يَتَسَمَّعُ لم يجز رمي أذنه، وليس السَّمْعُ كالبَصَرِ في الاطِّلاَعِ على العوْراتِ.
قال الإِمام: وفي بعض التعاليق عن شيخي تَنْزِيلُ الأذُنِ بمنزلة العَيْنِ، ولا أثق بالمعلق [ولم أورده للاعتداد] به، لكن المُصَنِّفَ اعْتَدَّ به، فجعله وجهًا في "الوسيط".

الرابعة: ليكن الرمي بشيء خَفِيفٍ تقصد العين بمثله كبُنْدَقَةٍ ومِدْرَى وحَصَاةٍ خفيفة، أما إذا رماه 1 بالنّشابِ، أو رَماهُ بِحَجَرٍ يقتل، فهذا يتعلَّق به القِصَاصُ أو الدية.
نعم لو لم يَتَأَتَّ قصد عينه، أو لم [يَنْزَجِرْ،] 2 فيستغيث عليه ويدفعه بما أَمْكَنَهُ كما تقدم، ولا يقصد رمي غير العين، إذا أمكنه إصابة عينه، وإن لم يمكنه، فَرَمَى إلى مَوْضِعٍ آخر ففي "التهذيب" حكاية وجهين فيه، ونقل أنه لو أصاب مَوْضِعًا بعيدًا من عَيْنِهِ، بلا قصد هل يضمن؟ فيه وجهان: الأصح: أنه لا يضمن.
والأشبه: ما ذكره القاضي الروياني في "جمع الجوامع"، وهو أنه إن رَماهُ، فأصاب غير العَيْنِ، فإن كان بَعِيداً لا يخطأ من العَيْنُ إليه ضمن، وإن كان قريبًا يخطأ إليه لم يَضْمَنْ.
الخامسة: إن كان للناظر محرم في الدَّارِ، أو زوجة أو مَتاعٌ، لم يجز قصد عينه؛ لأن له في النظر شُبْهَةً.
وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرَخْسِيِّ وَجْهٌ: أنه لا [يكفي] أن يكون له في الدَّارِ محرم، وإنما يمتنع قَصْدُ عَيْنِهِ، إذا لم يكن في الدار إلا مَحَارِمُه، والمشهور الأول.
ولو كان الناظر مَحْرَمًا لحرم صاحب الدار، فلا قَصْدَ، إلا أن تكون متجردة، إذ ليس لِلْمَحْرِمِ النظر إلى ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، ولو لم يكن في الدار حَرَمٌ بأن كان فيها المَالِكُ وحده، فإن كان مكشوف العَوْرَةِ، فله الرَّمْيُ ولا ضمان.
وإلا فوجهان: أظهرهما -وهو المذكور في "الشامل": أنه لا يجوز رَمْيُ الناظر.
ووجه الثاني: أن من الأحوال ما هو كالعَوْرَةِ لا يجوز الاطِّلاعُ عليه، ولو كانت الحَرَمُ في الدار مُسْتَتِراتٌ بالثياب، أو كن في بيت، أو منعطف لا يمتد النَّظَرُ إليهن، فهل يجوز قَصْدُ عينه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنه لا يطلع على شيء.
وأظهرهما: الجَوَازُ؛ لأن الأخبار مُطلَقَةٌ، وأيضًا فقد يريد ستر حَرَمِهِ عن نَظَرِ الناس، وإن كن مُسْتَتِراتٍ، وأيضًا الحرم في الدار لا يدري متى يستترن وَيَنْكَشِفْنَ، فالاحتياط حسم باب النظر.
السادسة: لو كان باب الدار مَفْتُوحاً، فنظر منه أو نظر من كُوَّةٍ واسِعَةٍ أو من

ثُلْمَةٍ، حصلت في الجِدَارِ، فإن كان مجتازاً لم يجز قَصْدُ عينه، وإن وقف ونظر متعمداً، فوجهان: أحدهما: يجوز قصده لتعديه بالنظر، كما لو نظر من جُحْرٍ.
وأصحهما: عند صاحب "التهذيب" وبه أجاب الإِمام -المَنَع، ولو رماه ضمن؛ لأن صاحب الدار مُفْرِطٌ بفتح الباب وتوسيع الكُوَّةِ، وأشار بعضهم إلى الفَرْقِ بين الباب المَفْتُوحِ، والكوة الواسعة، وقال: الباب يفتح ويرد ويغلق بحَسَبِ الحاجة، والكُوَّةُ لا يكرر فتحها وسَدُّهَا.
وأجرى صاحب "التهذيب" الوجهين فيما لو نظر من سَطْحِ نفسه وفي نظر المُؤَذِّنِ من المِئْذَنَةِ، ولكن الأظهر هاهنا جَوازُ قَصْدِ عينه؛ لأنه لا تَفْرِيطَ من صاحب الدَّارِ، ولو وضع الأَعْمَى عَيْنَهُ، على صِيرِ الباب، فرماه، ضمن سواء علم أنه أعمى، أو لم يعلم.
وإن نظرت المرْأَةُ فوجهان: أظهرهما: جَوَازَ رمْيِها، وكذا لو نظر المُرَاهِقُ، ولو انصرف الناظر قبل الرمي إليه، لم يجز أن يتبعه ويرميه، كالصَّائِلِ إذا أَدْبَرَ، ولو قعد في الطريق مَكْشُوفَ العَوْرةِ، فنظر إليه ناظر، لم يكن له قصده؛ لأنه الهَاتِكُ لحرمته.
وعن ابن المَرْزبَانِ أنه لو دخل المسجد، وكشف عَوْرَتَهُ، وغلق الباب، أو لم يغلقه، فنظر إليه ناظر لم يكن له رمْيُهُ؛ لأن الموضع لا يختصُّ به، ولو كانت الدار مِلْكًا [للنَّاظِر] 1 قال أبو الفرج السَّرَخْسِيُّ: إن كان من فيها غَاصِباً لم يستحقَّ الرمي، وإن كان مستأجراً، فله الرَّمْيُ، وإن كان مستعيراً فوجهان.
وإن، دخل [رجل] 2 دَارَ إِنْسَانٍ بغير إذنه، فله أن يأمره بالخروج، ويدفعه كما يدفعه عن سَائِرِ أمواله، وهل يدفعه قبل الكلام والإنذار؟ ذكر صاحب "التهذيب" فيه وجهين، كما في رَمْي الناظر قبل النَّهْيِ والأنذار، ويشبه أن يكون الأَظْهَرُ اشْتِرَاطَ التقديم، كما في سائر أَنْوَاعِ الدفع، وبه قال المَاسَرْجِسِيُّ، ثم ذكر خِلاَفًا في أنه هل يَتَعَيَّنُ قصد الرجل؟ ففي وجه يتعين؛ لأن الدخول بها، كما يتعين قَصْدُ العين في النظر.
والأظهر: أنه لا يتعين؛ لأنه داخِلٌ بجميع البَدَنِ، وذكر خلافًا في أنه هل يجوز قَصْدُ العَيْن؟

فعن أبي إسْحاقَ، وأبي علي بن أبي هريرة والطَّبَرِيِّ أنه يجوز؛ لأنه بأول الهجوم مُتَطَلِّعٌ كالناظر، ومنهم من منعه.
والأظهر: أن له دفعه بما تَيَسَّرَ، ولا يَتَعيَّنُ للقصد عضو، ولا يمتنع قصد عضو.
ودخول الفُسْطَاطِ في الصحراء كدخول الدار في البُنْيانِ.
ولو أخذ المتاع وخرج، فله أن يتبعه، ويقاتله إلى أن يطرح مَتَاعَهُ.
وإذا قتله وقال: قتلته؛ لأنه كابر، ولم يخرج، وأنكر الولي، فهو المصدق، وعلى القاتل البَيِّنَةُ، وان قال: قَتَلْتُهُ؛ لأنه قصدني، فكذلك.
وقد ذكرنا أنه يحتاج إلى البَيِّنَةِ على أنه دخل داره [مقبلاً شاهراً سَيْفَهُ، ولا يكفي البَيِّنَةُ على أنه دخل داره] (1) بسلاح من غير شَهْرٍ.
ومواضع العلامات بين ألفاظ الكتاب ظَاهِرَةٌ.
وقوله: "ولو كان البَابُ مفتوحاً لم يجز قَصْدُ عينه... " جواب على أنه لا يجوز الرَّمْيُ إذا ترك الباب مَفْتُوحاً.
وقوله: "بالإنذار" كأنه جعل على هذا الوَجْهِ وُقُوفَهُ على الباب بِمَثابَةِ دخول الدار، والداخل لا يدفع إلا بإنذار على الوجه الأَشْبَهِ.

" فُرُوعٌ تتَعَلَّقُ بالصِّيَال"

قال القاضي ابن كَجٍّ: إذا صالَ عليه الفَحْلُ، وقدر على الهَرَب، فلم يهرب، وقتله دَفْعاً هل يلزمه 2 الضَّمَانُ؟ يبني على أنه هل يجب الهرب 3 إذا صَالَ عليه إنسان؟ إن قلنا: نعم وَجَبَ الضمان، وإلا فلا، وأبْدَى تَردُّداً في أنه هل يَحِلُّ له أَكْلُ البهيمة التي أتى الدَّفع عليها.
قال الشيخ إبراهيم المَرُّوروذِيّ: إن لم يصب المذبح [لم تحل، وإن أصاب المَذْبَحَ] 4 فوجهان؛ لأنه لم يقصد الذبح والأكل 5. وذكر أن العَبْدَ المبيع لو صالَ على البائع، أو على أجنبي قبل القبض، فقتله في الدفع، ينفسخ العَقْدُ.1

و [أنه] 1 لو صَالَ على المشتري، فقتله في الدَّفْعِ، هل يصير قابِضاً؟ فيه وجهان.
وأن العبد المَغْصُوبَ أو المستعار، لو صَالَ على مالكه، فقتله دفعاً، فهل يَبْرَأُ الغاصب، والمستعير من الضَّمَانِ؟ فيه وجهان: قال: والأصح أنهما لا يَبرَءانِ.
وفي "البيان": أنه لو قطع يَدَ الصائل في الدفع، فلما وَلّى تبعه، فقتله، وجب عليه القِصَاصُ عن النفس.
وحكي عن بعض الأصحاب أن لِوَرَثَةِ المَصُولِ عليه أن يرجعوا في تَرِكَةِ الصائل بنصف الدية.
قال والذي يقتضيه المَذْهَبُ أنهم لا يرجعون بشيء؛ لأن النفس لا نقص بِنُقْصَانِ اليَدِ.
[والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: (الطَرَفُ الثَّالِثُ فِيمَا تُتْلِفُهُ البَهَائِمُ) وَمَا أكَلَتْهُ البَهَائِمُ مِنَ المَزَارعِ بِالنَّهَارِ فَلا ضَمَانَ، وَبِاللَّيْلِ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى رَبِّ البَهِيمَةِ إِلاَّ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ البُسْتَانِ وَبَابُهُ مَفْتُوحٌ بِاللَّيْلِ فَإنَّ التَّقْصِيرَ مِنْ رَبِّ البُسْتَانِ، وَلَوْ سَرَّحَ فِي جوَارِ المزَارعِ مَعَ اتِّسَاعِ المَرَاعِي ضَمِنَ لِأَنَّهُ مفَرِّطٌ، وَحِفْظُ المَزَارعِ بِالنَّهَارِ عَلَى مَالِكِهَا، وَحِفْظُ البَهِيمَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى مَالِكِهَا، وَمَنْ أَخْرَجَ البَهِيمَةَ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ إلى مِلْكِ جَارِهِ ضَمِنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الإِخْراجُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَعَلَيْهِ الصَّبْرُ وَطَلَبُ الضَّمَانِ مِنْ رَبِّ البَهِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كان الأَحسَن أن يستمر على لَفْظَةٍ واحدة، فيقول: النظر الثالث كما قال: النظر الأول في الولاة [والنظر الثاني في رفع الصائل، أو يقول: الطرف الأول] 2. والثاني، كما قال: "الطرف الثالث".
وقد سبق لصاحب الكتاب إِبْدالُ إحداهما بالأخرى في مواضع.
والأمر فيه هَيِّنٌ، والمقصود الكلام [ضمان ما] 3 تتلفه البَهَائِمُ، ولا يخلو الحال إما [ألا يكون] 4 معها صاحبها من مالك وغيره، أو يكون.
الحالة الأولى: إذا لم يكن معها أَحَدٌ، وأتلفت مَالاً من زَرْعٍ وغيره، فينظر إن أتلفه بالنهار، فلا ضَمَانَ على صاحب الدَّابَّةِ، وإن أتلفته بالليل، لَزِمَهُ الضمان.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا ضَمان في الحالتين.
لنا: ما روي عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقَةً للبراء -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- دخلت

حَائِطَ قَوْمٍ، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أن على أهل الأموال حِفْظَهَا بالنهار، وما أفسدته المَوَاشِي بالليل فهو ضَامِنٌ على أَهْلِها" 1 أراد بالأمْوالِ الزُّرُوعَ والبساتين.
وقوله: "فهو ضامن على أهلها" أي: مضمون، كقولهم: سر كَاتِماً، أي: مكتوم، والمعنى في الفَرْقِ أن العادة الغالبة أن أَرْبابَ الزروع والبساتين يَحْفَظُونَها بالنَّواظِرِ والحفظة المرتبين لها نَهَاراً، والمواشي لا بد من إِرْسَالِهَا لِلرَّعْي، ثم العادة أنها لا تُتْرَكُ منتشرة بالليل، بل تُرَدُّ إلى أماكنها، فمن أرسلها ليلاً، أو تركها منتشرة بالليل، فقد قَصَّرَ، ولزمه الضَّمَانُ.
قال الإِمام: ولم يَتَعلق الضَّمَانُ برقبة البهيمة، كما يَتَعَلَّق برقبة العبد؛ لأن الضمان فيما تُتْلِفهُ البهيمة مُحَالٌ على تقصير صَاحِبهَا، وهي كالآلة له، والعبد ملتزم دُونَهُ، وأقرب ما يؤدى منه ما يلزمه رَقَبَتَهُ، فتعلق بها، وإن كان أعْجَمِيّاً، ففي تعلقه برقبته خلاف قد سبق، والفرق في الخَبَرِ على ما ذكرنا مَبنِي على ما كانوا يَعْتَادُونَهُ غالبًا في حفظ الزرع والمواشي، ووراءه أحوال لا بد من معرفتها: إحداها: لو جَرَتِ العادَة في بعض النواحي على العَكْسِ، وكانوا يرسلون المواشي لَيْلاً لترعى، وَيرْبطونها نَهَاراً، وكانوا يحفظون الزرع ليلاً، ففيه وجهان: أظهرهما: أن الحكم يَنْعَكِسُ، فيجب على صَاحِبِ البهيمة ضَمانُ ما أَتْلَفَهُ بالنهار دون اللَّيْلِ اتباعا لما فَهِمْنَاهُ من الخَبَرِ، وهو ربط الضمان بالتقصير.
والثاني -ويحكى عن رِوايَةِ الشيخ أبي علي: أنه لا يتبع العادات، ولا يعدل عن الحُكْمِ المبين في الخَبَرِ.
والثانية: المزارع في الصَّحْرَاءِ والبساتين التي لا جِدَارَ لها حكمها ما ذكرنا أما إذا كان الزَّرْعُ في محوط، وكان للبساتين باب يغلق، فتركه مَفْتُوحاً، ففيه وجهان:

أحدهما: أن الحكم على ما ذكرنا لإطلاق الخبر، ولأن العَادَةَ حفظ البَهَائِمِ، وربطها في أماكنها بالليل، فإرسالها تقصير.
وأصحهما: وبه قال صاحب "التلخيص": أنه لا ضَمَانَ على صاحب البهيمة، وإن أفسدت بالليل؛ لأن التَّقْصِيرَ هاهنا من رَبِّ البستان و [صاحب] الزَّرْع حيث ترك الباب مَفْتُوحاً.
والثالثة: إنما يعتاد إِرْسَال المَوَاشي إذا كان هُنَاكَ مَزَارعُ بعيدة من المَزَارع، وحينئذ إن فرض انْتِشَارُها إلى أطراف المزارع لم يعد تقصيراً، فأما إذا كانت المَراعِي مُتَوَسِّطَةً للمزارع، أو كانت البهائم ترعى في حَرِيمِ السَّوَاقِي بين الأقرحة المَزْرُوعَةِ، فلا يعتاد إرسالها، بلا رَقِيب، فإذا أرسلها فهو مُقَصِّرٌ ضامن لما أفسدته وإن كان بالنَّهَارِ هذا هو الظاهر، وبه قال الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ والأئمة ومنهم من جَرَى على الخلاف للخبر، ولم يفرق.
والرابعة: صاحب الدَّابَّةِ لو ربطها لَيْلاً، وأغلق البَابَ، واحْتَاطَ على العادة، ففتح الباب لصّ، أو انْهَدَمَ جدار، فخرجت فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنه لا تقصير منه.
وإن كان صَاحِبُ الدابة مقصراً، ولكن صاحب الزَّرْعِ حاضر، فإن قدر على تَهْيِيجِهَا وتنفيرها، فليفعل، وإن قدر، فَتَهاوَنَ فهو المقصر المضيع لِزَرْعِهِ، فيسقط الضَّمَانُ عن صاحب الدَّابَةِ.
هكذا ذكر الإِمام، وصاحب الكتاب.
ويجيء فيه وجه آخر، كما ذكرنا فيما إذا لم يغلق بَابَ البُسْتَانِ، وأيضًا فإنه لو أَتْلَفَ غيره ماله، وهو ساكت لا يسقط الضَّمَانُ، ولا ينبغي أن يبالغ في التنفير 1، والإبْعَادِ، بل يقتصر على قدر الحَاجَةِ، فإن زاد فَضَاعَتْ.
قال إبراهيم المروروذي: يلزمه ضَمَانُهَا، وتصير دَاخِلَةً في ضمانه بالتنفير، فوق قدر الحاجة.
ولو أَخْرَجَهَا من زَرْعِهِ، وأدخلها في زَرْع غيره، فأَفْسَدَتْهُ، فعليه الضَّمَانُ، وإن كانت مَحْفُوفَةً بمزارع الناس، ولم يمكن إخراجها إلا بِإِدْخَالِهَا مزرعة الغير، فلا يقي مَالَ نفسه بمال غيره، ولكن يصبر، ثم يغرم صاحب الدابة.
والخامسة: إذا أرسل الدَّابَّة في البلد، فأتلفت شَيْئاً -حكى القاضي ابن كج عن أبي الطيب بن سلمة أنه يَضْمَنُ؛ لأن الدَّابة في البلد تراقب، ولا تُرْسَلُ وحدها.
وعن غيره أن الإِرْسالَ في البلد، كالإِرْسَالِ في الصحراء، [والوجه الأول] 2. وجميع ما ذكرنا فيما إذا تَعَلَّقَ إرسال الدابة، وضبطها باختياره فأما إذا انْفَلَتَتْ، لم يضمن ما تُتْلِفُهُ بحال.

وإذا ربط دَابَّة في المَوَاتِ، أو في مِلْكِ نفسه، وغاب عنها لم يضمن ما تُتْلِفُهُ، وإن ربطها في الطريق على باب دَارِهِ، أو في موضع آخر، فعليه الضَّمَانُ، سواء كان الطريق ضَيِّقاً، أو واسعاً؛ لأن الارتفاق في الطريق، وان كان جَائِزاً مَشْرُوطٌ بِسَلاَمَةِ العاقبة، كإشراع الجَنَاحِ إليه وفيه وجه: أنه إن كان وَاسِعاً فلا ضَمَانَ عليه، والأول المنصوص ولم يَتَعَرَّضُوا للفرق بين أن يربط بِإِذْنِ الإِمام، أو دون إذنه كما فعلوا في حَفْرِ البِئْرِ في الطريق إذا حفر لِمَصْلَحَةِ نفسه.
وقوله في الكتاب: "وبالليل يَجِبُ" مُعْلَمٌ بالحاء.
وقوله: "إلا أن يأكل من البستان" بالواو.
وكذا قوله: "مع اتساع المراعي ضمن" لما بَيَّنَّا.
وقوله: "وحفظ المَزَارع بالنهار على مالكها، وحفظ البَهِيمَةِ بالليل على مالِكِها" توجيهٌ لما سَبَقَ من الفَرْقِ بين الليل والنهار، وتتمةٌ له.

" فَرْعٌ"

إذا أرسل الحَمامَ أو غيرها من الطُّيُورِ، فكسرت شَيْئاً، أو التقطت حَبّاً، فلا ضَمَانَ؛ لأن العادَةَ جَرَتْ بإرسالها.
ذكره ابن الصباغ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا مَا تُتْلِفُهُ البَهِيمَة فِي الطَّرِيقِ وَمَعَهَا مَالِكُهَا بِخَبْطِهَا أَوْ رُمْحِهَا أَوْ عَضِّهَا فَالضَّمَانُ عَلَى صَاحِبِهَا، دُونَ مَا يَفِرُّ بِرَشَاشِ الوَحَلِ وانْتِشَارِ الغُبَارِ إِلاَّ مَا يَخْرُجُ عَنِ العَادَةِ مِنْ رَكْضٍ مُفْرِط فِي الوَحْلِ وَالأَسْوَاقِ، أَوْ تَرْكِ الإِبِلِ غَيْر مُقَطَّرَةِ، وَمَا يَتَخَرَّقُ مِنَ الثَّوْبِ بِالحَطَبِ مِنْ خَلْفٍ ضَمِنَهُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ إِلاَّ أَنْ يُقَدِّمَ الإِعْلاَمَ والبَيِّنَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية: إذا كان صاحب البَهِيمَةِ معها، فعليه ضَمَانُ ما تتلفه من مال، ونَفْسٍ، سواء أتلفته ليلاً أو نهارًا وسواء كان الذي معها سَائِقهَا أو رَاكبها، أو قَائِدُهَا، وسواء أتلفت بخَيْطِهَا، وهو الضرب باليد، أو بِرُمْحِهَا، وهو الضَّرْبُ بالرجل، أو بِعَضِّها، أو ذَنبها 1 لأنها تحت يده، وتحت تَصَرُّفِهِ، وعليه القيام بِتَعَهُّدِهَا وحفظها.
وقال أبو حنيفة: الراكب والقائد يَضْمَنانِ ما تُتْلِفُهُ بيدها وفمها، دون ما تتلفه برجلها وذَنَبِها، والسائق يضمن الكل.
واحتج الأصحاب بأنها تحت يده على الأحوال كلها، وكما لا يرى القائد ما تفعل برجلها [وذنبها] 2 لا يرى السائق ما تَفْعَلُ بيدها وفَمِهَا.

ولا فرق بين أن يكون معها المالك، أَو أَجِيرُهُ [أو مستأجر الدَّابَّةِ 1،] أو المستعير، أو الغاصب لشمول اليَدِ، ولا فرق بين البَهِيمَةِ الواحدة، وبين عَدَدٍ منها كالإِبِلِ المُقَطَّرَةِ، ولو كان معها قائد وسَائِقٌ، فالضمان عليهما بالسَّوِيَّةِ، لأنها تحت يدهما، وفي الراكب مع السائق أو القائد وَجْهَان: أحدهما: أن الجواب كذلك.
والثاني: تخصيص الرَّاكِبِ بالضمان لقوة يَدِهِ، وتصرفه، وبنى ذلك على الخِلاَفِ فيما إذا تَنازَعَ الراكب والسائق في الدَّابة تجعل في يَدِهِما، أو تختصُّ بالراكب، وإن اجتمع الرَّاكبُ والسائق والقائد، ففي وجه يختصُّ الراكب بالضَّمَانِ.
وفي وجه نجعله بينهم أثْلاَثاً.
ولو كان يسير دابة فَنَخَسَها إنسان، فَرَمَحَتْ، وأتلفت شيئًا، فالضمان على الناخس وفي كتاب ابن كج وَجْهٌ آخر أنه عليهما، وإن انفلتت 2 الدابة من يد صاحبها، وأتلفت شيئًا، فلا ضَمَان عليه بخروجها من يده، ولو كان راكبها فعَصَتْ على اللِّجَامِ، وركبت رأسها، فهل يضمن ما تتلفه؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لخروج الأمر مِنْ يده وعن اختياره.
والثاني: نعم -لأن من حَقِّهِ أن يضبط مَرْكُوبَهُ، أو لا يركب ما لا يضبطه وعن صاحب "التلخيص" طَرْدُ الخلاف وإن لم يكن [الذي] 3 معها [راكباً] 4 كما إذا غلبت السَّفِينَتَانِ الملاَّحين.
قال الإِمَامُ: والدابة النَّزِقَةُ التي لا تنضبط بالكَبْح والترديد في مَعَاطِفِ اللِّجَامِ، لا تركب في الأسْوَاقِ، ومن ركبها فهو مُقَصِّرٌ ضامن لما تُتْلِفه، وإذا راثَتِ الدابة أو بَالَتْ في سَيْرِها في الطريق، فزلق به إنسان، وتَلِفَ نفس أو مالٌ، أو فَسَدَ شيء من رَشَاشِ الوَحْلِ بممشاها وقت الوَحْلِ والأنْدَاءِ، أو بما يَثُورُ من الغُبَارِ، وقد يضر ذلك بثياب البَزَّازِينَ، وبالفواكه، فلا ضَمَانَ؛ لأن الطريق لا تَخْلُو عن ذلك والمَنْعُ من الطُّرُوقُ مما لا سبيل 5 إليه.

نعم ينبغي أن يحترز مما لا يعتاد كالرّكْضِ المُفْرِطِ في الوَحْلِ، والإجراء على مجتمع الوُحُولِ، فإن خالف، ضمن ما يحدث منه، وكذا لو ساق الإِبِلَ في الأسواق غير مُقَطَّرَةٍ، فإنه لا يمكن ضبطها حينئذ، وإذا بالت الدَّابة، أو راثَتْ، وقد وقفها في الطريق، فأفضى المرور في موضع البَوْلِ والروث إلى تَلَفٍ، فعلى الخلاف المذكور فيما إذا أَتْلَفَتِ الدابة الموقوفة هناك شيئاً.
والأَظْهَرُ: أنه لا يَجِبُ الضَّمَانُ، ومنهم من فَرَّقَ بين أن يكون الطريق ضَيِّقاً، أو وَاسِعاً.
و [قد] 1 روى القاضي ابن كَجٍّ عن ابن الوَكِيلِ وَجْهاً مطلقًا: أنه يجوز أن تَقِفَ الدَّابَّةُ في الطريق، كما يجوز أن يُجْرِيَها، فإذا بَالَتْ، أو رَاثَتْ في وقوفها، وتَلِفَ به إنسان، لم يضمن ولو 2 كان يركض دابته فأصاب شيء من موضع السَّنَابِكِ عَيْنَ إِنْسَانٍ، وأبطل ضَوْءَهَا، فإن كان المَوْضِعُ مَوْضِعَ الرَّكْضِ، فلا شيء عليه، وإن لم يكن وجب الضَّمَانُ، وإذا كان يسوق دَابَّةً عليها حَطَبٌ، أو حمله على ظهره، أو على عجلة فاحْتَّك ببناء، وأسقطه، وَجَبَ عليه 3 ضَمَانُهُ، وإن دخل السوق به وتَلِفَ منه مال، أَوْ نَفْسٌ، ففي "التهذيب" وغيره أنه إن كان [ذلك] 4 وقت الزِّحَامِ، فعليه الضَّمَانُ، وإن لم يكن في وقت الزِّحَامِ، وتمزق ثوب بخشبة تَعلَّقَتْ به مثلاً، فَإن كان صاحب الثوب مُسْتقبلاً للدابة، فلا ضمان؛ لأن التقصير منه إلا أن يكون أَعْمَى، فعلى صاحب الدَّابَةِ إِعلامه [وتنبيهه] 5 وإن كان يَمْشِي بين يَدَي الدَّابة، فعلى صاحبها الضمان إذا لم يعلمه؛ لأنه مقصر في العادة، وإن كان من صَاحِب الثوب جَذْبَةٌ أيضًا، بأن تَعَلَّقَتِ الخَشَبَةُ بثوبه، فجذبه وَجَذَبَتْهُ البهيمة، فعلى صاحبها نِصُفُ الضمان.
وفي تعليقة [إبراهيم المروروذي] أنه لو كان يَمْشِي، فوقع مقدم مَدَاسِهِ على مُؤَخِّرِ مداس آخر، وَتَمَزَّقَ، يجب نِصْفُ الضمان، ويهدر النصف، لأنه تَمَزَّقَ بفعله، وفعل الآخر، ولك أن تقول: هذا الجَوَابُ إنما يظهر حيث يكون لكل واحد منهما قوة واعتماد على الآخر، كما في تَصَادُمِ الشخصين والسفينتين، فأما إذا كانا جَمِيعاً يَقْصِدَانِ = الوجيز وإثبات السيد لو تلف الصيد مما في يده لزم الضمان كما لو كان راكب دابة فأتلفت صيداً بعضها أو رفسها وكذا لو بات في الطريق فزلق به صيد وهلك كما لو زلق به آدمي أو بهيمة.

جِهِةً واحِدَةً فليس للسابق قوة 1، واعتماد على اللاحق 2، فينبغي أن يقال: إن تَمَزَّقَ مَدَاسُ السابق، فالضمان على اللاحق، وإن تمزق مقدم مداس اللاَّحق، فلا ضَمَانَ على السابق.
وقوله في الكتاب: "فالضمان على صَاحِبهَا" يجوز إعْلاَمُهُ بالواو؛ لأن في كتاب القاضي ابن كَجٍّ وجهًا مُفَصّلاً عن بعضهم بين الحَيَوانِ والحيوان وبين السَّوْقِ والقَوَدِ [قال]: إن كانت الماشية مما تُسَاقُ كالغنم، فَسَاقَهَا لم يلزمه شيء، وعلى صاحب المَتَاعِ حِفْظُ متاعه، كما ذكرنا أن على صَاحِبِ الزَّرْع حِفْظَ الزرع في الصحراء، وإن كانت مما تُقَادُ، ويؤخذ بمخطمها وساقها، فعليه الضَّمَانُ؛ لأنه مُقَصِّرٌ في حفظها، والمشهور الإطلاق كما تقدم.
واعلم أن جَمِيعَ ما ذكرنا في وُجُوبِ الضمان على صَاحِبِ الدَّابَةِ هو فيما إذا لم يُوجَدْ من صاحب المال تَقْصِيرٌ، فإن وجد بأن عَرَضَهُ للدابة، أو وَضَعَهُ في الطريق، فلا ضَمَانَ على صاحب الدابة.
قال الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) أَمَّا ما تُتْلِفُهُ الهِرَّةُ المَلُوكَةُ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى صَاحِبَها عَلَى وَجْهٍ إِذْ لا يُعْتَادُ ربْطُهَا، وَيَجِبُ عَلَى وَجْهٍ وَهِيَ كَالبَهِيمَةِ لاَ يُضْمَنُ إِلاَّ مَا أتلَفَتْهُ بِاللَّيْلِ عَلَى وَجْهٍ، وَقِيلَ لا يُضْمَنُ إلاَّ مَا أَتلَفَتْ بِالنَّهَارِ إذِ التَّقْصِيرُ بِاللَّيْلِ مِمَّنْ لا يُغَطِّي الطَّعَام، وَلَوْ صَارَتْ هِرَّةً ضَارِيَةً بِالإِفْسادِ فَفِي جَوَازِ قَتْلِهَا إلْحَاقاً لَهَا بِالفَوَاسِقِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا كَانت له هِرَّةٌ تأخذ الطُّيُورَ، وتقلب القُدُورَ، فأتلفت شيئًا، فهل على صاحبها الضَّمَانُ؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، سواء أتْلَفَتْهُ ليلاً أو نهارًا لأن مثل هذه الهِرَّةِ ينبغي أن تربط ويكف شرّهَا، وكذا الحال في كل حَيَوانٍ مُولَعٍ بالتَّعَدِّي.
والثاني: لا، سَوَاء أتْلَفَتْ ليلاً، أو نهاراً لأن العادة لم تَجْرِ بِربْطِ السَّنَانِيرِ، وتقييدها، وإن لم يعهد منها ذلك فوجهان: أشبههما: أنه لا ضَمَانَ،؛ لأن العادة حِفْظُ الطعام عنها لا ربطها.
والثاني: أنه يفرق بين الليل والنهار، كما سَبَقَ في البَهَائِم، وترك الإِمام، وصاحب الكتاب [هذا] 3 التفصيل والتقسيم، وأَطْلَقَا في ضَمَانِ ما تتلفه الهِرَّةُ أربعة أوجه: النَّفي والإيجَاب المطلقان.

والثالث: يضمن ما أَتْلَفَتْهُ بالليل، دون النَّهَارِ، كما ذكرناه في البَهَائِم؛ لأن أكثر انْتِشَارهَا بالليل لِنَوْمِ الحَفَظَةِ، وغَفْلَتَهِمْ، فينبغي أن يحتاط صاحبها بِرَبْطِهاَ، أو إِغْلاقِ الباب 1 عليها، أو سَدِّ المَنَافِذِ.
والرابع: يضمن ما أَتْلَفَتْهُ بالنهار دون الليل؛ لأن الأشياء تُحْفَظُ عنها ليلاً، فترد الطيور إلى أمَاكِنها المُهَيَّأَةِ لها، وتغطي الأطعمة، فيحال التَّلَفُ على تقصير صاحب المَالِ.
وإذا أخذت الهِرَّةُ الحَمَامَةَ، وهي حية جازَ فَتْلُ أذنها والضرب في فيها لِتُرْسِلَها، وإذا قصدت الحَمَامَ، فأهلكت في الدفع، فلا ضَمَانَ، والتي صَارَتْ ضَارِيَةً مفسدة، هل يجوز قَتْلُهَا في حال سكونها؟ فيه وجهان عن القفال: أحدهما: أنه لا يجوز لأن ضَرَاوَتَهَا عارضة، والتحرز عن شَرِّهَا سَهْلٌ.
وعن القاضي الحُسَيْنِ: أنها تُلْحَقُ بالفَوَاسِقِ الخمسة، فيجوز قتلها ولا يختصّ بحال ظهور الشر، والأول أقْرَبُ.
قال الإِمام: وقد انْتَظَمَ لي من كلام الأصحاب أن الفَوَاسِقَ مَقْتُولات لا يَعْصِمُها الاقْتِنَاءُ، ولا يجري المِلْكُ عليها، ولا أَثَرَ لليد والاختصاص فيها، ولو كان في داره كَلْبٌ عَقُورٌ، أو دابة رَمُوحٌ، فدخلها إنسان، فرمحته، أو عَضَّهُ الكلب، فلا ضمان إن دخل من غَيْرِ إِذْنِ صاحب الدار، وكذا إن دخل بِإِذْنِهِ، وأعلمه حال الكَلْبِ والدابة، وإن لم يعلمه، فقولان كما لو وَضَعَ الطَّعَامَ المَسْمُومَ بين يدي إنسان، فأكله.
ومنهم من خَصَّصَ الخِلاَفَ بما إذًا كان أعْمَى، أو كان في ظُلْمَةٍ، وقطع بنفي الضمان إذا كان بصيرًا يَرَى.
ولو ابْتَلَعَتْ بهيمة في مُرُورِهَا جَوْهَرَةً، ضَمِنَهَا صاحبها إن كان مَعَها، أو وُجِدَ منه تَقْصِيرٌ بأن طرح لؤلؤ غيره بين يدي دَجاجَةٍ، وإلا فوجهان 2: أحدهما -وبه قال ابن أبي هُرَيْرَةَ: أنه يفرق بين اللَّيْلِ والنهار، كما في إتلاف الزرع.
والثاني: يضمن ليلاً كان أو نهارًا؛ لأن تَعَرُّضَ الأَنْعَامِ للزرع مألوف، فعلى صاحب الزَّرْعِ أن يَحْتَاطَ له، والتعرض للجوهرة غير مَأْلُوفٍ، وإذا أوجبنا الضَّمَانَ،

فطلب صاحب الجوْهَرَةِ ذبحها، وَرَدَّ الجوهرة، فقد سبق ذكره في الغَصْبِ.
وفي فتاوى صاحب التهذيب رحمه الله فروع تَتَعَلَّقُ بهذه الأبواب وفيها ما سَبَقَ نَظِيرُهُ أو عينه، وقد أَعَدْنَاهُ لزيادة ذكرها.
[قال]: الراعي كالمالك يَضْمَنُ ما أتلفته الدابة في يده، ولو أُودِعَ دابة من إنسان، فأرسلها فأتْلَفَتْ شيئًا، فعلى المُودَعِ الضَّمَانُ ليلاً كان أو نهاراً؛ لأن عليه حِفْظَهَا بالليل والنهار، وفي هذا توقف ويشبه أن يقال: عليه الحِفْظُ بِحَسَبِ ما يحفظ المُلاَّكُ.
[قال]: ولو اسْتَأْجَرَ رَجُلاً لحفظ دَوَابِّهِ، فأتلفت زَرْعًا ليلاً أو نهاراً، فعلى الأجير الضَّمَانُ؛ لأن عليه حِفْظَهَا في الوقتين، وذكر أنه رأى المسألة كذلك في طريقة "العِراقِ" 1 في "كتاب الغَصْبِ" وذكر أنه لو دخلت دَابَّةُ إِنْسَانٍ مِلْكَ آخر، فأخرجها، ضمن كما لو هَبَّتِ الرِّيحُ بِثَوْبٍ في حجرة.
وألقاه، يَضْمَنُ، بل عليه رَدُّهَا إلى المال، فإن لم يجده دَفَعَهَا إلى الحاكم، إلا أن تكون مُسَيِّبَةً من جهة المالك؛ كالإِبِلِ والبَقَرِ، وعلى هذا فالذي قَدَّمْنَا أنه يخرجها من زَرْعِهِ، إلا إذا كان زرعه مَحْفُوفاً بزرع الغَيرِ، فيحمل على ما إذا كانت مُسيَّبَةً من جهة المالك.
وأنه إذا دَخَلَتْ بهيمة أرضه، فأتلفت زَرْعَهُ، دفعها كما يدفعها لو صَالَتْ عليه فإن نَحَّاهَا عن الزرع، واندفع ضَرَرُهَا، لم يجز إِخْرَاجُهَا عن الملك وشغلها المَكَان، وإن كان فيه ضَرَرٌ لا يبيح إِضَاعَةَ مال الغير، ولو أن مالكها أَدْخَلَهَا في ملكه، بغير إذنه، فأخرجها مالك الأرْضِ بعد ما غاب مالكها أو لو وضع إنسان مَتَاعَهُ في المَفَازَةِ على دابة الغَيْرِ بِغير إذنه وغاب، فأَلْقَاهَا صاحب الدابة 2 فيحتمل وجهين: أحدهما: لا يضمن؛ لِتَعَدِّي المالك.
والثاني: يضمن؛ لأنه مُتَعَدٍّ بالتَّضْييع.
وأنه لو كان يَقْطَعُ شجرة في ملكه، فسقطت على رِجْلِ وَاحِدٍ من النَّظَارَةِ فَانْكَسَرَتْ، نظر إن كان ذلك الرجل يعرف أن الشَّجَرَة إذا سَقَطَتْ تصيبه، فلا ضَمَانَ على قاطعها، وإن كان لا يَعْرِفُ، والقاطع يعرف، ولم يخبره، ضَمِنَ، سواء دخل مِلْكَهُ بإذنه، أو بغير إذْنِهِ.
وإن كانا جاهلين بأنها تصيبه، فلا ضَمَانَ؛ لأنه مُتَصَرِّفٌ في ملكه، وإن كانا

عالمين فكذلك؛ لأن التعدي والتقصير منه حيث لا يحترز.
وأنه لو دخلت بقرة [في ملكه] 1 فأخرجها من ثُلْمَةٍ، فهلكت، ضَمِنَ إن لم تكن الثُّلْمَةُ بحيث تخرج البقرة منها بسهولة، وأن دابة الغَيْرِ إذا دخلت مِلْكَهُ، فرمحت صاحب المِلْك، فمات، فحكم الضمان كما إذا أَتْلَفَتْ زَرْعَهُ، يفرق بين الليل والنهار.
وإذا أوجبنا الضَّمَانَ تكون الدِّيَةُ على العاقلة، كما في حفر البِئْرِ.
وأنه لو ركب صبيٌّ، أو بالغ دَابَّة إنسان بغير إذنه، فغلبته الدَّابة، فأتلفت شيئًا، وجب على الرَّاكِب الضمان، بخلاف ما إذا رَكِبَ المَالِكُ فَغَلَبَتْهُ، حيث لا يضمن على قول؛ لأنه غير مُتَعَدٍّ، وأنه إذا هَاجَتِ الرِّيَاحُ، وأظلم النهار فتفرقت غَنَمُ الراعي، ووقعت في زَرْعٍ فَأفْسَدَتْهُ، فالراعي مَغْلُوب، وفي وجوب الضَّمَانِ عليه قولان: أظهرهما: المنع، وكذا الحكم لو نَدَّ بعيرٌ من صَاحبِهِ، فأتلف شيئًا ولو نام، فتفرقت الأَغْنَامُ، وأتلفت ضَمِنَ؛ لأن النوم تقصير من جِهَتِهِ، وأن الرجل لو كان على دَابَّةٍ فسقطت ميتة، وأهلكت مالاً، أو مات الرَّاكب، وسقط على شَيْءٍ لم يضمن، وكذا لو انْتَفَخَ ميت، وَتَكَسَّرتْ من انْتِفَاخِهِ قارُورَةٌ، بخِلاف الطفل يسقط على قَارُورَةٍ يضمن، لأن للصبي فِعْلاً، والميت لا فعْلَ له، وأنه لو استقْبَلَ دَابَّةً يردها، فانصرفت، وأَتْلَفَتْ في الانصراف شيئًا، وجب الضَّمَانُ على الراد.
ولو نَخَسَها، فأسقطت الراكب أو رَمَحَتْ منه إنْسَاناً، فأهلكته، فعلى النَّاخِسِ الضَّمَانُ، وإن نخس بإذن صَاحِب الدابة، فالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بصاحب الدابة ولو حَلَّ قيداً عن دابة، فخرجت وأهلكت شيئاً، لا يضمن الحال، كما لو أبطل الحرْزَ فأخذ المَالَ، وأنه لو سقطت دابة في وَهْدَةٍ، فَنَفَرَ من وَهْدَتِهَا بعير آخر، وهَلَكَ، لا يجب ضمانه على صَاحِبِ الدابة.
وأنه إذا ابتاع بَهِيمَةً بثمن في ذمته، فأتلفت على المشتري مالاً، فعلى البائع ضَمَانه؛ لأنها في يده، وإن كانت مِلْكاً للمشتري كما إذا أَتْلَفَتِ البهيمة المُسْتَعَارَةُ شيئًا على المُعِير [يضمنه المُسْتَعِيرُ] [وأنه لو ألقى نُخَامَتهُ في الحمام فزلقتِ رِجْلُ حُرٍّ أو عَبْدٍ فتكسَّرَتْ، فعليه الضَّمَانُ إن ألْقَاهَا على المَمَرِّ] 2. والله أعلم.

جارٍ التحميل