العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 149-188

كِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِ

صفحات 149-188

حنيفة؛ حيث قال: لا يجب؛ لأن فعْل الرجُل، والحالةُ هذه، ليس بزنا.
لنا: القِياسُ على الطَّرَف الآخر، ولا نسلم أنَّه ليس بزناً، ولكن لا يجبُ به الحدُّ.
ومنها: لو قال: زنيتُ بهذه المرأةِ، فجَحدتْ، فعليه الحدُّ؛ لأنه أقر بما يوجِبُه، وقال أبو حنيفة: لا يجب الحد.
ومنها: لو زنا بأمرأةٍ، له عليها قصاص، يلزمه الحدُّ، وقال أبو حنيفة: إذا زنا بأمةٍ، له عليها قصاص، لم يجب الحدُّ.
ومنها: إذا زنا في دار الحرب، وجب عليه الحدُّ خلافاً لأبي حنيفة، ثم الأصحُّ أن للإمام أن يقيم الحدَّ هناك، إذا لم يخف فتنة، وفيه قول: أنه لا يقيمه، لما فيه من انكسار قلوب [المسلمين] 1. قال الغَزَالِيُّ: وَفِي المُكْرَهِ عَلَى الزِّنَا قَوْلاَنِ، وَالمُكْرِهَةُ عَلَى التَّمْكِينِ لاَ حَدَّ عَلَيْهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الضبط الذي سبق لبيان الفعل الموجب للحدِّ، ويُشْترط في الفاعل أن يكون مختاراً، فلو أُكْرِه [على الزنا] 2 ففي وجوب الحدِّ وجهان، وقال في الكتاب: قولان: أصحهما: أنه لا يجبُ؛ لشبهة الإكراه، وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 3. والثاني: يجبُ؛ لأن انتشار الآلة لا يكون إلا عن شَهْوة واختيار.
وعند أبي حنيفة: إن أكرهه السلطانُ، لم يجب الحدُّ، وإن أكرهه بعضُ الرعية، وجب، ولا يخفى أنه يشترط لوجوب الحدِّ التكليفُ حتى لا يجب على الصبيِّ والمجنونِ، ويجوز أن يقال: إن وطئها، يخرج عن الضابط المذكور بقيد التحْريم، فإنَّ فعْلَهُما لا يوصَفُ بالتحريم، ومَن لا يعلَمُ تحريم الزنا؛ لقرب عهده بالإسلام، أو لأنه نَشأ في بادية بعيدة من المسلمين، لا حدَّ عليه.
رُوِيَ أن رجلاً قال: زنيتُ البارحة، فسئل، فقال: ما علمتُ أن الله حرَّمهِ، فكتب بذلك إلى عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فكتب عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- "إنْ كَانَ عَلِمَ أَنَّ الله حَرَّمَهُ فَحُدُّوهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَأَعْلِمُوهُ، فَإِنْ عَادَ، فَارْجُمُوهُ" 4.

وإن كان قد نشأ بين المسلمين، وقال: لم أعلم التحريم، لم يُقْبَل قوله، [فإنه] خلافُ الظاهرِ، ولو علم التحريم، ولم يعلم تعلُّق الحد به، فقد جَعَلَه الإِمام على التردُّد الذي ذكره فيما إذا وطئ امرأةً على ظَنِّ أنها [الجارية] المشتركة بينه وبين غيرِهِ، فكانت غَيْرَهَا [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا هُوَ مُوجِبُ الحَدِّ وَلْيَظْهَرْ لِلْقَاضِي بِجَمِيعِ قُيُودِهِ إمَّا بالإِقْرَارِ (ح) أَو الشَّهَادَةِ، وَيَكْفِي الإِقْرَارُ (ح) مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ رَجَعَ سَقَط الحَدَّ، وَهَلْ يَنْزِلُ التِمَاسُهُ تَرْكَ الحَدِّ أَوْ هَرَبُهُ أَوْ امْتِنَاعُهُ مِنَ التَّمْكِينِ مَنْزِلَةَ الرُّجُوعُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإنْ ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ لَمْ يَسْقُطْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَفِى سُقُوطِهِ بالتَّوْبَه قَوْلاَنِ يَجْرِيَانِ فِي كُلِّ حَدٍّ للهِ تَعَالَى.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بان موجب الحد ومن يجب عليه، ولا بد من ثبوته عند القاضي؛ إما بالبينة أو بالإقرار [ليتمكن من إقامة الحد؛ أما البينة] 1؛ فقد قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15] وأما الإقرار، فعن أبي هريرة 2 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: جاء مَاعزُ بن مالكٍ إلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّه الأَيْمَنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الأَيْسَرَ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ زَنَيتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: إِني قَدْ زَنَيْتُ، قَالَ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرِّاتٍ، فَقَال أَبِكَ جُنُونٌ؟! قَالَ: لاَ، يَا رَسُولَ الله، فَقَالَ: أُحْصِنْتَ، فَقَال: نَعَمْ، قَالَ: انْطَلِقُوا به، فَارْجُمُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ، فَلَمَّا مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ أَدْبَرَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فِي يَدِهِ لَحْيُ حَمَلٍ، فَضَرَبَهُ، فَصَرَعَهُ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- هَرَبَهُ حِينَ مَسَّتْهُ الحِجَارَةُ، فَقَالَ: هَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ قَالَ الأصحاب: لم يكن ترديدُ النبىِّ -صلى الله عليه وسلم- ماعزًا لِيُقِرَّ أربَعَ مرات، ولكنه ارتابَ في أمرِهِ، فاستثبته؛ ليعرف أبه جُنونٌ أو شَرِبَ خَمْرًا أم لا؟ وإلا، فيكْفِي الإقرار = وإن لم يكن علم فعلموه، فإن عاد فحدوه، وهكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة، وأخرجه أيضاً عن معمر عن عمرو بن دينار وزاد: إن الذي كتب إلى عمر بذلك، هو أبو عبيدة بن الجراح، وفي رواية له: أن عثمان هو الذي أشار بذلك على عمر رضي الله عنهما، وروى البيهقي من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قصة لعمر وعثمان في جارية زنت وهي أعجمية، وأدعت أنها لم تعلم تحريمه.

مرةً واحِدَةً، وبهذا قال مالك، ويدل عليه ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لِأُنَيْسٍ: "اغْدُ إلى امْرَأَةِ هَذَا، فَإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" علق الرجْم بمُطْلَق الاعتراف، وقال أبو حنيفة: لا يحدُّ، ما لم يُقِرَّ أربع مَراتٍ في أربع مجالس، واعتبر أحمد المراتِ الأربع، ولم يشترطْ أن يكونَ في مجَالِسَ متفرِّقة.
ويُستحبُّ لمن ارتكَبَ كبيرةً توجِبُ حدَّ الله تعالَى أن يستر على نَفْسِه، رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- 1 قال: "مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ القَاذُوراتِ شَيْئًا، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدِّ" قال في "التهذيب": ويخالف ما إذا قَتَل أو قَذَفَ، يُسْتَحَبُّ له الإقرارُ؛ ليستوفَى منه القصاص أو حدُّ القذف؛ لما في حقوق الآدميين من التشديد، ويشبه أن يقال: يجب عليه أن يعترفَ، ولا يقتصر على الاستحباب، وقد مَرَّ نحوه في أول اللِّعان، وهل يُسْتحبُّ للشهود [كتمان] 2 الشهادة في حُدُود الله تعالى؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لئلا تتعطَّل 3، وإذا ثبت الحدُّ، لم يجز العفو عنه، ولا الشفاعة،

ولو أقر على نفسه بالزنَا، ثم رجع عنه، سقط الحدُّ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في قصَّة مَاعز: "لَعَلِّكَ قَبَّلْتَ، لَعَلِّكَ لَمَسْتَ" 1 وهذا كالتعرّض بالرجوع، وعن مالك روايتان في قبول الرجُوع، وهل يُستحبُّ له الرجوع؟ فيه وجهان يُقَاسُ أحدهما باستحباب السِّتْر في الابتداء، ويُفْرَق في الثاني بأن الهَتْك قد حَصَل هاهنا، فلا يقنع تكذيبه نفْسَهُ، ولو كان قد قال: زنيت بفلانة، فهو مقرُّ بالزنا، قاذفٌ لها، فإن أنكرتْ أو قالَتْ: كان قَد تزوَّجَني، فعليه حدُّ الزنا، وحدُّ القذف، فإن رَجَعَ، لم يسقُطْ حد القذف، ولو قال: زنيتُ بها [مُكْرَهَةً] لم يجب حدُّ القذف، ويجب مع حدِّ الزنا المَهْرُ، ولا يسقط المَهْر بالرجوع، ولو رجع عن الإقرار بعْد ما أقيم [عليه] 2 بعضُ الحد ترك الباقي، ولو قتله قاتلٌ بعْد الرجوع، ففي وجوب القصاص وجهان، رواهما القاضي ابن كج، ورأى الأصحَّ أنه لا يجبُ، ونسبه إلى أبي إسحاق، لاختلاف العلماء في أنَّه هل يَسْقُط الحدُّ بالرجوع؟ ولو رجعَ بَعْد ما جُلِد بعْض الجلد، فأتَمَّ الإِمام الجلدَ، ومات منه، والإمام مِمَّن يرى سقوط الحدّ بالرجوع، فعن أبي الحُسَيْن روايةُ قَوْلَيْن في وجوب القصاص، فإن قلنا: لا يجب، فيجب نصف الدية، أو توزَّع على السياط؟ فيه قولان، قال القاضي ابن كج: وعنْدي لا قصاص قولاً واحداً؛ لأن الزهوق حصل مِنْ مباحٍ ومحظور.
والرجوع عن الإقرار؛ بأن يقول: كذبت أو رجعتُ عمَّا أقررتُ به أو ما زنَيْتُ أو كنْتُ فاخَذْتُ أو لَمسْتُ، فاعتقدته زناً؛ ولو شهد الشهود على إقراره بالزنا، فقال: ما أقررتُ أو قال، بَعْد ما حكَم الحاكمُ بإقراره، ما أقررتُ، فهذا تكذيبٌ للشهودِ وللقاضي، فلا يُلْتَفَت إليه، وعن أبي إسحاق، والقاضي أبي الطيب: أنه كما لو قال: رجعتُ أو ما زنَيْتُ؛ لأنه غير معترفٌ في الحال بوجوب الحدِّ عليه، ولو قال: لا تقيموا الحدِّ عليَّ أو هرب، أو 3 امتنع من الاستسلام، فهَلْ يُقام ذلك مقام الرجوع؟ فيه وجهان عن صاحب "التقريب".
أحدهما: نعم؛ لاشعاره بالرجوع.
وأصحُّهما: لا؛ لأنه قد صرَّح بالإقرار، ولم يصرِّح بالرجوع، ولكن يُخلَّى في الحال، ولا يُتْبَع لقوله -صلى الله عليه وسلم- 4 في خبر مَاعز: "فَهَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ" والمعنى فيه أنه ربما قصد

الرجوع، فيعرض عنه احتياطاً، فإن رجع، فذاك، وإلا، أقيم عليه الحدُّ، ولو اتُّبعَ الهارِبُ، فرُجِمَ، فلا ضمان؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُوجِبْ عليهم في قصَّة ماعز شيئاً، والرجوعُ عن الإقرار بِشُرْبِ الخمر كالرجوع عن الإقرار بالزنا، وفي الرجوع عن الإقرار بالسرقة وقَطْع الطريقِ خلافٌ سيأتي في "السَّرِقة" إن شاء الله تعالى: ولو تاب مَنْ ثبت زناه، فهل يَسْقط الحدُّ عنه بالتوبة؟ فيه قولان: أحدهما: نعم؛ لأنه رُوِيَ في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لماعِز: "ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ".
وَرُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "هلاَّ رَدَدتُّمُوهُ إِلَيَّ لَعَلِّهُ يَتُوبُ".
وأصحُّهما، وهو الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يَسْقط؛ كيلا يتخذ، ذلك ذريعةً إلى إسقاط الحدود وإبطال الزواجر، ويدل عليه قولُه -صلى الله عليه وسلم- (1): "مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ، أَقَمْنَا عَلَيْهِ حَدِّ اللهِ تَعَالَى، ولفظ "التوبة" في قصة ماعزٍ محمولةٌ على الرجوع عن الإقْرَار، وفي موْضِع القولَيْنِ طريقان: أحدهما: أنهما جاريان فيما إذا تاب قَبْل الرفع إلى القاضي وبَعْدَه.
والثاني: أن القَوْلَيْنِ مَخْصُوْصانِ بما إذا تاب قبل الرفْع، أما بعْده، فيقطع بأنه، لا يَسْقِطُ الحد، وتمام الكلام في مسألة التوبة يأتي في "قطْع الطريق" إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب "ويكفي الإقرار مرةً واحدةً" معلم بالحاء والألف.
وقوله "سقط الحد" بالميم، ويُرْوَى عن مالك أنَّه قال: إن ذكر [لإقراره] تأويلاً، بأن قال: حسبت المفاخَذَةَ زناً، يُقْبَل، ولا يُقْبَل الرجوعُ المُطْلَق.
وقوله "فإن ثبت بالشهادة، لم يُسقِطْ بشَيْء منْ ذلك" أي بالتماس تركْ الحدِّ والهَرَب وغيرهما، وفي "النهاية" حكاية خلافٍ فيه، وكان المقصود منه أنَّا إذا فرَّعْنا على أنه يَسْقُط الحدُّ بالتوبة، فينزل ذلك منزلة التوبة على رأْي، كما ينزل منزلة الرجُوع عن الإقرار عَلَى رأْي، وهذا يجوِّز إعلام قوله "لم يسقُطْ بشَيْءٍ من ذلك" بالواو، [والله أعلم].

" فَرْعٌ":

إذا أقر بالزنا، ثم شهد عليه بالزنا أربعةٌ، ثم رجعَ عن الإقرار، هل يُحَدُّ؟ حَكَى القاضي ابن كَج فيه وجهَيْن عن أبي الحُسَيْن بن القطَّان؛ نعيم؛ لأنه [بقيت] 2 حجة البيِّنة، وإن بَطلَتْ حجْةُ الإقرار، وشبِّهَه بما إذا شَهِدَ عليه ثمانيةٌ، ثم رجع أربعةٌ، وثبت أربعةٌ، وعن أبي إسحاق لا؛ لأنَّه لا مَعْنَى للبينة مع الإقرار،1

وكنا 1 نحدُّه بالإقرار، [وقد] بطل بالرجوع.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنَاهَا فَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عَلَى أنَّهَا عَذْرَاءُ سَقَطَ الحَدُّ (م)، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى أَنَّهُ زَنَى وَعَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ زَاوِيَةً مِنَ البَيْتِ فَلاَ حَدَّ إذْ لَمْ يَتَّفِقوا عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً وَاثْنَانِ عَلَى أنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوعَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الحَدُّ، وَفِي وُجُوِبهِ عَلَى الرَّجُلِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلامُ في عدد شُهُود الزِّنَا وفي رجوع بعضهم أو كلِّهم عن الشهادة مُؤَخَّرٌ إلى "كتاب الشهادات"، وهناك يذكر كيفية الشهادةِ، أنه لا بُدَّ من تفسير الزنا بخلاف ما لو قَذَفَ إنَسَاناً، فقال: زنيتُ، يجب الحدُّ، كان لم يُفَصِّل للحوق العار، وهل يُشْترط في الإقرار بالزنا التفسير كما في الشهادة، أو لا يُشْترط كما في القذْف؟ فيه وجهان.
ولا فَرْق بين أن يشْهَد شهودُ الزنا في مجْلِسٍ واحِدٍ، أو في مجالس متفرِّقة، وقال أبو حنيفة: إن شهدوا في مجَالِسَ متفرِّقةٍ، لم تُقْبل، وعليهم حدُّ القذف، والاعتبار بمجْلس القاضي، طال أم قصر.
لنا: أن شهادتهم مقبولةٌ عند إلاجتماع، فكذا عند التفرُّق، كما في سائر الوقَائع؛ على أنهم إذا جَاءُوا متفرقين، كانوا أبعد عن التهمة، فتكون شهادتهم أولَى بالقبول، ولو شهد الشهود، ثم غابوا، أو ماتُوا، فللحاكم أن يحكم بشهادتهم، ويقيم الحدَّ خلافاً لأبي حنيفة، وتُقْبل الشهادةُ على الزنا بعْد تطاول الزمن خلافاً لأبي حنيفةَ، ويُرْوَى عنه

تحديد التطَاوُل بسنة.
إذا عُرِفَ ذلك ففي الفصْل صُوَرٌ: إحداها: إذا شهد أربعةٌ على امرأة بالزنا، وشهد أربع نسوة على أنها عذراء، لا يجب عليها حدُّ الزنا، لشبهة بقاء العذرة خلافاً لمالك، ولو قذفها قاذفٌ، لم يلزمه الحد؛ لقيام الشهادة على الزنا، واحتمال أنه زالَتِ العذرة، ثم عادتْ لترك المبالغة في الافتضاض، وكذلك لا يجب حد القذف على الشُّهود، ولو أقامت هي أربعةٌ على أنه أكرهها 1 على الزنا، وطلبَتِ المهرَ، وشهد أربعُ نسوة عَلَى أنها عذراء، فلا حد عليه للشبهة، وعليه المهْرُ؛ لأنه يثبت مع الشبهة، ولا يجب عليها حدُّ القذْف بشهادة الشُّهود، ولو شهد اثنان على أنَّه وطئها بشبهة، [وشهد] أربع نسوة على أنَّها عذراءُ، فكذلك يجب المهر [ولا حد عليه للشبهة] قال القاضي ابن كج: ولو شهد على امرأة أربعةٌ بالزنا، وشهد أربع نسوة على أنها رَتْقَاء، فليس عليها حدُّ الزنا، ولا عليهم حدُّ القذف؛ لأنهم رَموْا بالزنا مَنْ لا يتأتى منه الزنا.
الثانية: لو شهد أربعةٌ بالزنا، وعيّن كلُّ واحدٍ منْهم زاويةً منْ زوايا البيت، لم يجب الحدُّ على المشهود عليه؛ لأنهم لم يتَّفقوا على زَنْيةٍ واحدة، فأشبه ما إذا قال بعضُهم: زَنَى بالغداة، وبعضُهم: زَنَى بالعشيِّ، وقال أبو حنيفة "يجب الحدُّ عليه"، وسلم أنه لو شهد اثنان على أنَّه زنَى بها بالبصرة، واثنان على أنه زنا بها بالكوفة، أو اثنان على أنه زَنَى بها في هذا البيت، واثنان على أنه زَنَى بها في بيتٍ آخر، لا يجب الحد، وهل يجب حدُّ القذف على الشهود؟ فيه خلاف سيأْتي؛ لأنه لم يتم عدد الشهود على زنيَّة واحدة، وعند أبي حنيفة: لا يُحدُّ الشهودُ هاهنا مع مصيره إلى أن الشهود، إن نقص عددهم، يُحَدُّون.
الثالثة: إذا شهد اثنان على أن فلاناً أَكْرَهَ فلانةً على الزنا، لم يثبت الزنا، وهل يثبت المهر؟ يُبْنَى على أنه، إذا شهد على الزنا أقلُّ من أربعة، هل عليهم حد القذف؟ وفيه خلاف سيأتي، فإن قلنا: لا يجب، يثبت المهر وإلا فلا، ولو شهد أربعةٌ على رجُلٍ أنه زَنَى بفلانة، وذكر اثنان منهم أنها كانَتْ مكرهة واثنان أنها كانتْ مطاوِعةً، فلا حدَّ على المرأة؛ لأنه لم يتمَّ شهودُ زناها، وهل يجب على الرجُلِ؟ يُبْنَى على أن شاهدي الطواعية، هل عليهما حد القذْف للمرأة؟ وفيه قولان؛ لنقصان العَدَد، فإن قلْنا: يجب [الحد] عليهما، وهو الأظهر، لم يجب حد الزنا على الرجُل، لخروج قولهما عن أن يكون شهادةً، وإن قلْنا: لا يجب عليهما حدُّ القذف، ففي وجوب حد الزنا على الرجل وجهان، حكاهما الإِمام:

أحدهما: المنع لاختلاف الشهادة في صفة الفعْل.
وأظهرهما: الوجوب، لاتفاقهم على زناه مكرهةً كانت أو مطاوعةً؛ ولذلك يجب عليه المهْر، ولا خلاف أنه لا يجبُ حدُّ القذف على شاهِدِي الإكراه، ولا يجب حدُّ القذف للرجُل، أما إذا حدَدْناه، فظاهر، وأما إذا لم نَحُدِّه؛ فَلأنَّ عددَ الشهود على زناه قَدْ تَمَّ، وإنما ردَدْنا الشهادة؛ لأمرٍ مجتَهَدٍ، [والله أعلم].
هذا تمام الكلام في طرف الوُجُوب.
قال الغَزَالِيُّ: (الطَّرَّفُ الثَّانِى في كَيْفِيَّةِ الاسْتِيفَاءِ وَمُتَعاطِيهِ) أَمَّا الكَيْفِيَّةُ فَيُسْتَحَبُّ حُضُورُ الوَالِي، وَإِنْ ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ فَحُضُورُ الشُّهُود وَبِدَايَتُهُم بِالرَّمْيِ وَلاَ يَجِبُ (ح) ذَلِكَ، وَلاَ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ بَل يُنَكَّلُ بِالرَّجْمِ لاَ بصَخْرَةٍ تذفف وَلاَ بِحَصَيَاتٍ تُعَذِّبُ بَلْ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الكلام في الاستيفاء في فصْلَيْن.
أحدهما: في كيفيته.
والثاني: في مباشرته.
أما الأول: ففيه صور: منها: إقامة الحدِّ على الأحرار إلى الإِمام أو مَنْ فَوَّضَ إليه الإمامُ، وإذا أمر باستيفائه، جاز للمفوَّض إليه استيفاؤُه، ولا يجِبُ حضورُ الإِمام في الرجْم، سواءٌ ثبت الزنا بالبينة أو بالإقرار، ولا حضُورُ الشهود، إذا ثبت بالبينة، ولكن يستحبُّ حضورهم وبدايتهم بالرمْي.
وعند أبي حنيفة: يجب حضورُ الإمام، وَيبْدَأُ هو بالرمي إليه، ويجب حضورُ الشهودِ، إن ثبت بالبينة، ويبدءون بالرجم، ثم الإمامُ ثم الناس.
لنا: أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمر برَجْم ماعز والغامدية، ولم يحضُر، وأيضاً، فإنه لا يُشْترط حضورُهم في إقامة الحدِّ وقطع السرقة، فكذلك في الرجْم.
ومنها: يستحب أن يُستوفَى الحدُّ بمحضر جماعة، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] وأقلهم أربعةٌ، وهم عدد شهود الزِّنا.
وعن أحمد: أنه يكفي حضور اثنين.
ومنها: لا يقتل المحصَنُ بالسيف، بل المقصود أن يمثَّل به ويُنَكَّل بالرجم، وليس لما يُرْمَى إليه تقديرٌ لا جنْساً، ولا عدداً وقد تصيب الأحجارُ مَقَاتِلَهُ، فيموت سريعاً، وقد يتباطأ موته، ولا يرمى بصخرة تذَفِّف، ولا يطول [تعذيبه]، بالحصيات

الخفيفة، بل يحيط الناس به، فيرمونه من الجوانب بحجارةٍ معتدلةٍ ومَدَرٍ ونحوها إلى أن يموت، رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في قصة ماعز قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِرَجْمِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ إِلَى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَمَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلاَ حَفَرْنَا لَهُ، وَرَمَيْنَاهُ بالْعِظَامِ، وَالمَدَر، والخَزَف ثُمِّ اشْتَدَّ وَاشْتَدَدْنَا حَتَّى أَتَى الحَرَّةَ، فَانْتَصَبَ لَنَا فَرَمَيْنَاهُ بِجَلاَمِيد الحَرة حَتَّى سكن 1. ومِنْهَا: لا يحفر للرجُل عند الرجْم، سواء ثبت زناه بالبينة أو بالإقرار، وأما المرأة، ففيها وجوه: أحدها: أنه يستحبُّ أن يحْفرَ لها إلى صَدْرها ليكونَ أسْتَرَ لها، وهذا ما أطلقه الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ، والحسين الفراء.
والثاني: أن الأمر فيه إلى خَيْرةُ الإِمام، إن شاء، حفر، وإلا، لم يَحْفِرْ، ولا استحباب فيه؛ لما روي أنه حفر للغامدية، ولم يَحْفر للجُهَنِيَّة، وحُكِيَ هذا عن القاضي أبي الطيب.
وأشبهها، وهو المنسوب إلى الشيخ أبي حامد، والذي أورده الرويانيُّ في "جمع الجوامع" الفرق بين أن يثبت زناها بالبينة، فيستحبُّ أن يُحْفَر لها، لئلا تنْكَشف، وبيْن أن يثبت بالإقرار، فلا يُستحبُّ ليمكنها من الهَرَب، إن رجعتْ، وفي إقامة الجَلْد صورٌ أخرى يؤخرها إلى جناية "شرب الخمر"؛ لأن صاحب الكتاب ذَكَر بَعْضَها هناك.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنْ كَانَ مَرِيضاً رُجِمَ، وَإِنْ كَانَ الوَاجِبُ الجَلْدَ أُخِّر إلَى البُرْءِ، وَإِنْ كَانَ مُجْدَجاً لاَ يَحْتَمِلُ السِّيَاطَ فَيُضْرَبُ بُعُثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، فَإنْ كَانَ خَمْسُونَ ضُرِبَ مَرَّتَيْنِ ضَرْباً مُؤْلِماً بحَيْثُ يَتَثَاقَلُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الشَّمَارِيخِ، وَلاَ نُفَرقُ السِّياطُ عَلَى الأيَّامِ، وَإِنْ احْتَمَلَ سِيَاطاً خِفَافاً فَالقِيَاسُ أنَّهُ أَوْلَى مِنَ الشَّمَارِيخِ، فَإِنْ ضُرِبَ الشَّمَارِيخِ فَزَالَ مَرَضُهُ عَلَى النُّدُورِ فَلاَ يُعَادُ الحَدُّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الظاهر المشهورُ أن الرجْم لا يؤخَّر للمَرض؛ لأن نفْسه مستوفاةٌ، فلا فرق بين المريض والصحيح، وفيه وجه مذكورٌ في كتاب القاضي ابن كج "والتَهْذيب" وغيرهما: أنه إن ثبت بالإقرار فيِؤخَّر إلى أن يبرأ؛ لأنه بسبيل من الرجُوع، وربَّما يَرْجع بعْد ما رمى إلَيْه، فيُعَيَّن ما وُجِدَ من الرمي على قَتْله، وهذا الخلاف يعُود مثلُه في أَنَّه هل يُرْجَمُ في شدَّة الحر والبرد، وإن كان الواجب [الجلد] 2، فإن كان المرضُ مما يُرجَى زواله، فيؤخَّر إلى أن يبرأ؛ كيلا يَهْلِكَ بتعاون الجَلْد والمرض،

وكذلك المحدود والمقْطُوع في حدِّ وغيرِه، لا يقام عليه حدٌّ آخر حتى يبرأ.
وعن رواية أبي الحُسَيْن بْن القَطاَّن وجه: أنه لا يؤخَّر، ويُضْرَب في المرض بحَسَب ما يحتمله من الضَّرْب بالعُثْكَالِ وغيره؛ على ما سنبين، كما أن الصَّلاة إذا وجبتْ، يؤديها المريض قاعداً، فلا ينتظر التمكُّن من القيام، ولو ضُرِبَ كما يحتمله ثم برأ، فهل يُقَام عليه حدُّ الأصحاء؟ حكى القاضي ابن كج فيه وجهَيْن، وليكونا مبنيين على أنه يُؤخَّر إقامة الجلد أو يستوفَى بحسب الإمكان؟ إن قلنا بالأول، فالذي جرى، ليس بحدٍّ؛ فلا يسقط، كما لو جُلدِ الزانِي المحْصَنُ، لا يسْقُطُ عنه الرجْم، وإنْ قلنا بالثاني، فلا يُعاد الحدُّ، وإن كان المرضُ مما لا يرجَى زواله؛ كالسُّلِّ، والزَّمَانَة أو كان مُخْدَجاً ضعيفَ الخلقة 1، لا يَحْتَمِل السياطَ، فلا يؤخَّر الحدُّ؛ إذْ لا غاية تُنْتَظر، ولا يُضْرب بالسياط؛ لئلا يَهْلِك، ولكن يُضْرب بعُثْكالِ عليه مائةُ شمراخٍ، وهو الغصن ذو الفُرُوع الخفيفة.
وعند أبي حنيفة ومالك [أنَّه] 2 يضرب بالسياط، ثم [عن] أبي حنيفة: أنه يجمع مائةُ سوط، ويضرب بها دفعةً واحدةً، وعن مالك: أنه يُضْرب بالسياط [مفرَّقَة] على الأيَّام.
لنا ما رُوِيَ 3 عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيْف: "أن رجلاً مُقْعدًا زَنَى بامرأةٍ، فأمر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُجْلَدَ بإثكالِ النَّخْلِ" والإثكالُ والعُثْكَال واحد ويُرْوَى 4 أنه أمر أن يأخُذوا مائةَ شمراخٍ، فيضربوه بها ضربةً واحدةً.
ولا يتعيَّن الضرب بعُثْكال النخْل، بل يقوم [مقامه] الضَّرْب بالنعال 5 أطراف

الثياب، كذلك حكاه ابن الصبَّاغ والرويانيُّ وغيرهما، ثم فيه

فروع

: الأول: إن كان على الغصْن مائةُ فرْعٍ، ضرب به دفعةً واحدةً، وإن كان عليه خمسونَ، ضُرِب به مرتين، وعلى هذا القياس.
والثاني: لا يكفي الوضع عليه، بل؛ لا بُدِّ مما يسمى ضرباً، وينبغي أن تَمَسَّه الشماريخ، أو [ينكبس] بعْضُها على بعْض [ليثقل الغصن] ويناله الألم، فإن لم يَمَسَّهُ، ولا انْكَبسَ 1 بعضُها على بعض، أوشَكَّ فيه، لم يَسْقط الحدُّ، وفي "النهاية" ذكْر وجْه ضعيف: أنه لا يُشْتَرط الإيلام.
والثالث: لا تُفَرَّقُ السياطُ على الأيام، وإن احتمل التفريق، بل يقام عليه الحدُّ الممكِنُ، ويُخَلَّى سبيله.
والرابع: سيأتي في "حد الشرب" الكلام في صفة السوْط الذي يُجْلَد به، فإن كان لا يحتمل الضرْبَ بها، وأمكن ضربه بقضبان وسياط خفيفة، فقد تردَّد فيه الإِمام، وقال: ظاهر كلام الأصحاب: أنه يُضْرب بالشماريخ، والذي أراه أنه يُضْرَب بالأسواط الخفيفة؛ لأنه أقرب إلى صورة الحدِّ.
والخامس: لو بَرأَ قبل أن يُضْرب بالشماريخ، أقيم عليه حد الأصحاء، وإن بَرَأ بعده، لا يعاد عليه الحدُّ بخلاف المعضوب، إذا حُجَّ عنه، ثم اتَّفق برؤه؛ لأن الحدود مبنية على الدرء، وفي إقامة الضرب بالشماريخ مُقَامَ الضرباتِ والجَلْدِ بالسياط مزيدُ كلام يُذْكر في "الأيمان"، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "رجم" بالواو، وكذا قوله "أُخِّر إلى البُرْء" وقوله "فَيُضْرَبُ بعُثْكَال" بالحاء والميم، وقوله "ضرباً مؤلماً" يتعلق بقوله "فيُضْرَبُ بعثكال" لا بقوله "ضُربَ مرتين" خاصة، ويجوز أن يُعْلَم قوله "مؤلماً" بالواو، وقوله "ولا تُفَرَّق" بالميم؛ لما قدَّمنا.
وقوله "فالقياس أنه أولَى من الشماريخ" أراد به الرأْيَ الذي [رآه] 2 الإِمام، وليس المعنى أنَّه يجوز الضربُ بها والضرَّبُ بالشماريخ [والضرب بها] أولَى، ولكن المعنى أنه أقرَبُ إلى صورة الحدِّ؛ فيتعيَّن.

فُرُوعٌ: يؤخَّر القطْع بالسرقة إلى البرء أيضاً، ومَنْ لا يرجى زوال مرضه، إذا سَرَق، هل يُقْطَع؟ حكَى صاحب "البيان" فيه وجهين: المذْهَبُ منهما، وهو المذكور في "التهذيب"، أنه يُقْطَع، وإلا، ففيه إهمال

الحدِّ، وإذا وجب حَدُّ القذف على مريض، قال القاضي ابن كج: يقال للمستحِّق: إما أنْ تَصْبر إلى البرء أو "يَقْتَصِر على الضَّرْب بالعُثْكال"، وفي "التهذيب": أنه يجلد بالسياط سواءٌ كان المرضُ مما يرجَى زواله أو مما لا يرجَى؛ لأن حقوق العباد مبنية علَى التضييق 1، وجلْدُ الشُّرْب كَجلْدِ الزنا.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُقَامُ الجَلْدُ فِي فَرْطِ الحَرِّ وَالبَرْدِ، وَكَذَا الرَّجْمُ (و) وإنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ سُقُوطُهُ برُجُوعِهِ أَوْ تَوْبَتِه بَلْ يُؤَخَّرُ إلَى اعْتِدَالِ الهَوَاءِ، وَهَذَا التأْخِيرُ مُسْتَحَبٌّ وَلَكِنْ إنْ تَرَكَهُ فَهَلَكَ فَالنَّصُّ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ خَتَنَ المُمْتَنِعَ عَنِ الخِتَانِ فِي الحَرِّ فَسَرَى ضَمِنَ، وَقِيلَ قَوْلانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: إِنَّ الخِتَان فِي الأَصْلِ لَيْسَ إلَى الإِمَامِ فَلِذَلِكَ ضَمِنَ، فَإنْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ احْتُمِلَ أَنْ يُقَالَ التَّأْخِيرُ وَاجِبٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وكما لا يقَام الجلْدُ في المرض خشيةَ الهلاك بِتَعَاوُنِ الجَلْدِ والمرض، لا يقام في الحَرِّ والبَرْدِ المُفْرِطَيْنِ خشيةَ الهلاك بتعاون الجَلْد والهواء، ولكن يؤخَّر إلى اعتدال الهواءِ، وكذلك القَطْع في السرقة بخلاف القصاص وَحَدِّ القَذف.
وأما الرجْم، فإن ثبت بالبينة، لم يؤخَّر؛ لأنه مقتولٌ، وإن كان الزمان معتدلاً، وإن ثبت بالإقرار، فوجهان: أحدهما: أن الحكْمَ كذلك؛ لثبوت ما يوجب الهلاك.
والثاني: يؤخَّر؛ لأن الرجوع عن الإقرار مقْبولٌ، وقد يَرْجِع بعد تأثير الرميْ فيه، فيُعينُ الهواء على إهلاكه، وفَرقَ صاحب "التهذيب" بينه وبين ما إذا ثبت الرجْم على امرأة بلعان الزوْج، حيث لا يؤخَّر، وإن كان قد يَسْقط بلعانها؛ لأن الرجوع عن الإقْرار مستحبُّ، وإن كان صادقاً في الإقرار ولعان المرأة، بعْد امتناعها عنْه، وهي محقة في الامتناع، غير مستحبٍّ بل غير جائز، فصار كما لو ثبتَ بالبينة، لا يؤخَّر، وإن كان يُتوهَّم سقوطه برجوع الشهود؛ لأنهم إذا كانوا صادِقِينَ، لا يجوز لهم الرجوع، والذي يميل إلَيْه كلامُ أكثرهم أنَّه لا يؤخَّر، وقد صرَّح به مُصرِّحون، والذي أورده صاحب الكتاب: أنه يؤخَّر، وفي المريض قال: يُرْجَم في الحال من غير فَرْق بين أن يثبت بالإقرار أو بالبينة، والخلافُ في الصورتين واحدٌ فَلْيَكُنِ الجوابُ فيهما واحداً.
وقوله "إن كان يُتوهَّم سقوطه برجوعه" يَعْني عن الإقرار، إذا ثبت بالإقرار، وأما قوله "أو بثوبته" فالمقصود منه أنَّا إذا قلْنا: إن الحد يسقط بالتوبة، فقياس التأخير لتوقُّع

الرجوع أن يُؤخَّر لتوقُّع التوبة، وهذا ينساق إلى التأخير أبداً، وهو بعيدٌ، ولم يتعرَّض لذلك في "الوسيط"، ويجوز أن يُعْلَم قوله "أو بثوبته" [بالواو؛] 1 للخلاف في أنه هل يَسْقُط بالتوبة؟ وقوله "بل يؤخَّر إلى اعتدال الهواء" أي كلّ واحد من الجَلْدِ والرَّجِمْ؛ حيث يُتوهَّم سقوطه؟ وإذا جَلَدا الإمامُ في المَرَض أو في شدَّة الحرِّ أو البَرْدِ، ولم يؤخِّر، فهلك المجلُودُ بالسراية، فالنص أنه لا يَضْمَنُ، وعن نصه في موضعٍ آخرَ أنه لو [خَتَنَ] 2 الأَقْلَفَ 3، في شدةِ الحَرِّ أو البَرْدِ، فَسَرَى إلى نفْس، أنه يَضْمَنُ، وفيها طريقان: أحدهما: [أن] 4 في المسألَتَيْنِ قولَيْن بالنقل والتخريج.
أحدُهما، أنه لا ضمان فيهما، لأن التلَفَ حَصل مِنْ واجبٍ أقيم عليه.
والثاني: يجب، لتقصيره بترك التأخير.
والثاني: تقرير النصَّيْن، وفُرِقَ بأن الحدَّ ثبت نصّاً، والختانُ ثبَتَ بالاجتهاد، وبأن استيفاء الحدود إلى الإِمام، فلا يؤاخَذُ بما يتولَّد منها، ويقضي إليه عاقبتها، والختانُ لا يتولاَّه الامامُ في الأصْل، بل يتولاَّه الإنسان مِنْ نَفْسِه، أو يقوم به وليُّه في صِغَره، فإذا تولاَّه الإمامُ بالنيابة، شَرَط عليه سلامة العاقبة، والظاهر في إقامة الجَلْد: أنه لا يَضمْن، وإن أثبتثا الخلافَ، ثم إذا قلنا: [بوجوب] 5 الضمان، فيجب جميعه أو نصْفه، وكأن الهلاك حَصَل مِنْ مباح ومحظور؟ فيه 6 وجهان، وهل الضمان على عاقلة الإِمام، أو في بيت المال؟ فيه خلاف قد سَبَقَ في نظائره، وسيأتي أيضاً، وللإمام مباحثةٌ هاهنا، وهي 7 أَنَّا، إن لم نوجب الضمان، فالتأخيرُ مستحبٌّ لا محالة، وإلا، لوجب الضمان بالتعدِّي، وإن أوجبنا الضمانَ، فوجهان: أحدهما: أن التأخير واجبٌ، وإنما ضَمَّناه لِتَعَدِّيهِ بترك الواجب.
والثاني: أنه يجوز التعْجيل، ولكن بِشَرْط سلامة العاقبة، كما في التعزيرات، وقد يُفْرَق بأن التعزيرَ غير مقدَّر، فيمكِنُ أن يقال: التعزير المأمور [به] هو الذي لا يُهْلِك، فإذا هَلَك، تبيَّن أنه لم يقتصر على المأمور به، والحدُّ مأمور به مع كونه مهلِكاً، فإنه لو والَى متعدٍّ بضرب مائة سَوْط، لوجب عليه القصاص، وقوله في الكتاب "فإن أوجبنا

الضمان، احْتُمِلَ أن يقال: التأخير واجبٌ بَعْد ما ذكر أوَّلاً أنه مستحبٌّ إشارةً إلى هذه المباحثة،.
والنظْم يُشْعِر بأن الظاهر الاستحبابُ، وفي "المهذَّب" وغيره إطلاقُ القولِ بأنه لا يجوزُ التعجيلُ في شدة الحَرِّ والبردِ، ويجوز أن يقال بوجوب التأخير مع الاختلاف في وجُوب الضمانِ، لو لم يؤَخَّر، كما نقول: يوجب الآحاد تفويضَ إهلاك [الزاني] 1 المحْصَن إلى الإِمام مع الخلاف في وجوب الضمان، لو قتله قاتلٌ، ولم يفوِّض إلى الإِمام، وقوله "ولكن إن تَرَكه" أي ترك الإمامُ التأخير.
والخلافُ في وجوب الضمان، إذا لم يؤخِّر إلى اعتدال الهواء يَجْرِي فيما إذا لم يؤَخِّر جلْدَ المريض إلى أن يَبْرَأَ، فهلَك منه بلا فَرْق.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا مُسْتَوفِي الحَدِّ فَهُوَ الإِمَام في حَقِّ الأَحْرَارِ وَالسَّيِّدُ فِي حَقِّ الرَّقِيقِ الْقِنِّ دُونَ المُكَاتَبِ (و) وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ (و)، وَالمُدَبَّرُ وَأُمُّ الوَلَدِ قِنٌّ، ثُمَّ لِلإِمَامِ الاسْتِيفَاءُ أَيْضاً، فَإنِ اجْتَمَعَ السَّيِّدُ وَالسُّلْطَانُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى فِيهِ احْتِمَالٌ، وَللسَّيِّد أَيْضاً التَّعْزِيرُ، وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ وَالفَاسِقِ وَالمُكَاتَبِ اسْتِيفَاءُ الحَدِّ مِنْ عَبِيدِهِمْ فِيهِ خِلاَفٌ مَبنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ بِطَرِيقِ الوِلاَيَةِ وَاسْتِصْلاحَ المِلْكِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ اسْتِصْلاَحاً لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ القَتْلُ فِي الحَدِّ، وَفِي القَطْعِ خِلاَفٌ، ثُمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ إِذَا شَاهَدَ السَّيِّدُ زِنَاهُ أَوْ أَقَرَّ، فَإنْ قَامَتْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ فَفِي سَمَاعِ البَيِّنَةِ وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَسْتَقِلُّ بِالحُكْمِ فَلاَ أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَالِماً بأحْكَامٍ الحُدُودِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَرَعْنَا مِن أحدِ الفصْلَيْن؛ وهو القول في كيفية الاستيفاء، والفصل الثاني: في المستوفِي والمحدودِ، إمَّا حُرٌّ أو غيره.
أما الحُرُّ، فقد قدَّمنا أن استيفاء حدِّه إلى الإِمام أو مَنْ فوض إليه الإِمام؛ وذلك، لأنه لم يُستوْفَ حدٌّ في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلاَّ بإذنه، وفي عهد الخلفاء الراشدين -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- أجمعين إلاَّ بإذْنهم، وفي "تتمة التتمة" أن الشيخ أبا سعد المتولِّي حَكَى عن رواية القفَّال قولاً: إنه يجوز استيفاؤه [للآحاد] على سبيل الحسبة؛ كالأمر بالمعروف، وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿فَاَجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وهذا الخطاب عامٌّ، ويجوز أن يُعْلَم؛ لهذا قوله في الكتاب " [فهو] الإِمام في حقِّ الأحرار" [بالواو] 2 وأما غيره، فللسيد أن يقيم الحدَّ على مملوكه، وأن يفوِّضه [إلى غيره]، ولا يحتاجُ فيه إلى مراجعة الإمَام، ولا فَرْقَ في ذلك بين العبد والأمة، وقال ابن القاضي في "المفتاح": في العبد قولان قلته تخريجاً، وكأنه ألحق ذلك بالإجْبار على النِّكَاح، ولم

يساعدْه الأصحاب على ذلك، وقطَعُوا بأنَّ له إقامة الحدِّ عليهما، وبه قال مالك وأحمد، إلا أن مالكاً شَرَطَ في الأَمةَ ألاَّ تكونَ مزوَّجة، وقال أبو حنيفة: ليس للسيد ذلك بَلْ هو إلى الإِمام، كما في الأحرار.
لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" 1. وعن أبي هريرةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلاَ يُثرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إنْ زَنَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ، وَلاَ يُثْرِبْ، ثُمَّ إنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ" 2. قوله: "ولاَ يُثَرِّبْ عَلَيْهَا" قيل: لا يوبِّخْها، ولا يُعَيِّرْهَا، وقيل: لا يبالغْ في جَلْدِها، بحيث يدْمِيهَا، وكما يجوز للسيد إقامةُ الحدود على مملوكه، يجوز للإمام إقامته أيضاً، ومن ابتدر إليه منها، وقع الموقع، ونقل الشيخ أبو خَلَفٍ الطبريُّ وجهين، في أن الأولَى للسيد أن يقيم الحدَّ بنفسه، ليكون أستر، ولئلا ينقص قيمة العبْد بظهور زنَاهُ أو الأَوْلَى أن يفوضه إلى الإِمام ليخرج من الخلاف.
وإذا تنازع في إقامته الإمامُ والسيِّدُ، فمن الأَوْلَى منهما؟ فيه احتمالان للإمام: أحدهما: أن السيد أولَى؛ لغرض استصْلاَح المِلْك.
وأظهرهما: أن الإِمام أولَى، لولايته العامة، وإقامةُ الحدودِ من آثار الولاية، وهذا كما أنه أولى بالإمامة في الصلواتٍ، وذكر احتمالاً ثالثاً، وهو، أن يُفْرِقَ بين الجَلْد، فيُجْعَلَ السيِّدُ أَوْلَى به، وبيْن القطْع والقتْل؛ فيُجْعَل الإمامُ أولَى بهما؛ لأن إعمال السلاح لصاحب الأمر أليقُ، والعبد المشترَكُ، يقيم الحدَّ عليه مُلاَّكُه، وتُوزَّع السياط على أقْدار المِلْك، فإنْ وقَع كسْرٌ، فوَّضوا المنْكَسِر إلى أحَدِهم، وهل يُغَرِّب السيدُ، كما يجلد تفريعاً على أن العبْدَ يغرَّب؟ فيه وجهان: أحدهما: ويحكَى عن ابن سريج: لا؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ" ولم يتعرض للتغريب.
وأصحُّهما: نعم؛ لأنه بعض الحدِّ، وقد ورد "أقيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ".
[والمدَبَّر وأم الولد]، والمعلَّق عتقه بصفة، كالقِنِّ لبقاء الرقٌ وقيام ولاية السيد

عليهم، والمكاتَبُ كالحرِّ، لخروجه عن قبضة السيد، وعن ابن القطَّان تخريج وجه: أنه كالقِنِّ؛ لأن المكاتب عبْد ما بقي عليه درهمٌ، ومَنْ بعضُه حرٌّ، لا يقيم [الحد عليه] إلا الإمامُ؛ لأنه لا ولاية للسيد على [الجزء] 1 منُه، والحدُّ متعلِّق بجملته، قال في "النهاية": ورأيت في النسخة عن الصيدلانيِّ إلحاقَهُ بالمدَبَّر، وأم الولد، وهو خطأ صريحٌ وأحْسَبُه من خلل النسخة، ثم ما سبيل إقامة السيدِ الحَدَّ على مملوكه؟ فيه وجهان للأصحاب، فيُخرَّج عليهما أكثرُ صُوَرِ الفَصْل: أحدهما: أنهُ يُقيمُه بالولاية على المِلْك، كما يلي أمر تزويج المملوك.
والثاني: يُقيمُه تأديباً واستصلاحاً للمِلْك، كما يعالج بالقصد والحِجَامة، وفي الفصْل بعد هذا مسائل: إحداها، فيما يقيمه السيد على المَمْلُوك من العقوبات؛ أما التعزير، فله ذلك في حقوق الله تعالى، كما يؤدِّب المملوك، لَحَقِّ نفسه، وفيه وجهٌ؛ لأن التعزير غير مضبوط، فيفتقر إلى نَظَرٍ واجتهادٍ، وأما الحدود، فله الجلْدُ في الزنا، وألحق به الجلْد في الشرب، وفي حدِّ القذْف، ورَوَى أبو خَلَف الطبريُّ عن رواية القفَّال وجهاً، أنه لا يقيم الجلْدَ في الشرب، وفَرَّقَ بينه وبين الزنا؛ بأن للسيد في بُضعِ الأمة حقاً، وكذلك في بُضْع العَبْدِ؛ ألا ترى أنه لا ينكح إلا بإذْن السيدِ، فيمكن من جَلْد المملوك؛ لجنايته على محلِّ حقه، والشربُ بخلافه، وقياس هذا الفرْقِ مجيْءُ الوجهِ المذكور في جلْد القذف.
وفي قطْع السرقة والمحاربة وجهان: أحدهما، ويُحكَى عن ابن سريج: أنه لا يتمكَّن منه؛ لأن ما يقطع به السارق مختلفٌ فيه، فيحتاج إلى نَظَر واجتهادٍ، وفَرَق بينه وبيْن الجلْد بأنَّه يملك جنس الجَلْد في التعزير بخلاف القطْع، وبأن له في إقامة الحد غَرَضاً، وهو أن يَخْفَى الحال، فلا ينتقص قيمته، والقطْعُ يظهر لا محالة.
وأصحُّهما، وهو ينسب إلى نصِّه في البويطي، يتمكن لإطلاق الخبر، ورُوِيَ أن ابن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قَطَع عبْداً لَهُ سَرَقَ، وأنَّ عائشةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَطَعَتْ أمَةً لَهَا سَرَقَتْ، والوجهانِ جاريانِ في القَتْل بالرِّدَّةِ واستدلَّ لجوازه، بأن حفصة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- قتَلَت أمَةً لها سَحَرَتْهَا، وإنما يقتل الساحر [بكفْره]، وبنى بعضهم الخلافَ على أن إقامة الحدِّ بالولاية على الملْك أو بطريق الاستصلاح، وقال: إن قلنا: إنه يقيم الحدَّ استصلاحاً، لم يكن له القطْع بالقتْل؛ لأن فيهما استهلاكَ المَحَلِّ دون الاستصلاح، وفَرَقَ بعضُهم بين القطْع؛ لأنه قد ينتفع بالأقطْع ويرى القطْع استصلاحاً،

وبين القتْل؛ فإنه استهلاك محضٌ وهذا يشير إلى طريقةٌ قاطعةٌ بأنه [يَتمكَّن] 1 من القطْع، وقد صرَّح بنقلها القاضي الرويانيُّ وأجرى جماعةٌ منهم ابن الصباغ الخلاف المذكور في [القطْع والقتْل] هاهنا في القتْل والقطْع قصاصاً، وفي "التهذيب" أن الصحيح أن القطْع والقتْل إلى الإِمام، وقَدْ يخرج من هذا خلاف في حَدِّ القَذْف.
المسألة الثانية، في أحوال السيد، فإن كان مستجمعاً لصفات الولاية، أقام الحدَّ، وفي المرأة وجهان: أصحهما: لها إقامة الحدِّ؛ بناءً على أن سبيلها سبيلُ الاستصلاح، ويدل عليه إطلاقُ الخَبَر، وأيضاً ما روينا عن عائشة وحفصة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- ورَوي عَنْ فَاطمةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-[أنَّها] 2 جَلَدَتْ أمةً لَهَا زَنَتْ.
والثاني: المنع، وبه قال ابن أبي هريرة؛ لأن إقامة الحد، ولايةٌ على الغَيْر فلا يثبت للمرأة: كولاية التزويج، وعلى هذا فوجهان: احدهما: يقيمه وليُّها، كما يزوِّج معتقها.
وأظهرهما: أنه يقيمه الإِمام؛ لأنه الأصل في إقامة الحدِّ، فإذا لم يكن المالكُ أهلاً، عاد الأمر إليه، والوجهان في المرأة يجريان في الفاسِقِ والكافِر والمكاتب في وجْه، لا يقيمون الحدَّ نظراً إلى معنى الولاية، ويُحْكَى ذلك عن أبي إسحاق، والأظهر: أنهم [يقيمون الحد] 3، ويقال: إنه منصوص عليه في القديم في حق الفاسق، ورجَّح صاحب "التهذيب" في المكاتَبِ المنْع، وفي كتاب القاضي ابن كج: أن السيد لا يقيم الحد على عبيد مُكاتَبِهِ على المذهب، وإن قلنا: إنه يقيم الحد عليهم؛ لأنه لا يَملِكُ إعتاقهم، والتَّصرف فيهم، وفيه أنه ليس للكافر إقامة الحدِّ على عبده المُسْلِم بحال، ورقيق المجنون والصبي ذُكر فيه طريقان: أحدهما: أن أباه وجَدَّه يقيمان الحدَّ عليه، وفي الوصيِّ والقيِّم وجهان.
والثاني: [أن] في الكلِّ وجهين، وربما يبنى 4 على الخلاف في أن وليَّ الطفْل، هل يزوِّج رقيقه؟ ويشبه أن يقال: إن جعلْنا الحد استصلاحاً، فلهم إقامته، وإن قلْنا: يقام بطريق الولاية، ففيه الخلاف، وفي "البيان" وغيره ذكر وجهين في أنَّه هل يجوز أن يكون السيد جاهلاً، بناءً على أنه استصلاحٌ أو ولايةٌ؟ وخرج على معنى الولاية أن الجَهْل يَمْنَع منها كولاية الحاكم، ولا بدَّ وأن يكون عالماً بمقدار الحد وكيفيته.

المسألة الثالثة: العقوبة التي يقيمها السيِّد على عبْده يقيمُها إذا أقرَّ عبده بموجبها، ولو شاهَدَه السَّيِّدُ منه، فهل يقيم الحدَّ عليه؟ فيه وجهان بناء على القاضي هلْ يَقْضِي بعلمه في الحدود؟ والأظهر، نعم، وهو الذي ذكَره في الكتاب، وإن كانتْ عليه بينة، فهل يسْمَعُها السيد؟ فيه وجهان.
أصحُّهما: نعم؛ لأنه يمْلِكُ إقامةَ الحدِّ، فيملِك سماع البينة كالإمام، وعلى هذا، فيُنْظر في تزكية الشهود، أيضاً، ولا بد وأن يكون عالماً بصفات الشهود وأحكام الحدود.
والثاني: لا تُسْمع البينة، فإنه من مناصب القضاة، فلا يزاحمهم فيه بخلاف الضرب في الحدِّ، فهو تأديبٌ، فعلى هذا إذا سمع الحاكمُ البينة، وأثبت الحدَّ، كان للسّيِّد إقامته، وبنى بعضُهم الخلافَ في سماع البيِّنة على أن الحدَّ استصلاحٌ أو ولايةٌ؟ إنْ قلنا: استصلاح، لم يكن له سماعها، وإن قلنا: ولاية، فوجهان، ويجوز أن يُعْلَم لما بيَّنَّا قوله في الكتاب "والسيد في حق الرقيق" مع الحاء بالواو، ولا يبعد أن يضاف إليهما بالميم، وقوله "دون المكاتَبِ" بالواو، وكذا قوله "وللسيد أيضاً التعزير".
وقوله "إذا شاهد السيِّد زناه" وقوله "وفي القطع خلاف" يجوز إعلامه بالواو أيضاً؛ للطريقة القاطعة التي تقدَّمت.
فروع عن "التهذيب": لو قذف المملوكُ زوجَتَه المملوكة، هل يُلاَعِنُ السيد بينهما، كما يقيم الحد؟ فيه وجهان، ولو قذَف العبْد سيِّده، فله إقامة الحدِّ عليه، ولو قذف السيد عبده فَلَه رفْع الأمر إلى القاضي؛ ليعزِّره، وإذا زنَى ذميٌّ، ثم نقض العهْد، فاسترقَّ، لم يسقط عنه الحدُّ، ويقيمه الإِمام لا السيد؛ لأنَّه لم يكن مملوكاً يومئذ، ولو زَنَى عبْدٌ فباعه سيده، فإقامة الحدِّ إلى المشتري اعتباراً بحال الاسْتيفاءِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَكُلُّ مَنْ قُتِلَ حَدّاً أَوْ لِتَرْكِ صَلاِةٍ غُسِّلَ وكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ المُسْلَمِينَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: من قُتِل حدّاً بالرجم وغيره غُسِّل، [وكُفِّن] 1 وَصُلِّيَ عليه، ودُفِنَ في مقابر المسلمين، وكذلك تارِكُ الصلاة، إذا قُتِل على ما بين في موضِعه، وفي "البيان" أن مالكاً قال لا يُصلَّى على المرجوم.
لنا: أنه -صلى الله عليه وسلم- أمر بالغامِديَّة، فَرُجِمَتْ وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ، وَأَمَرَهُمْ أن يُصَلُّوا عَلَى الجُهَنِيَّة، وَيَجُوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "أو لترك صلاة" بالألف، وقوله "غُسِّل، وكُفِّن وصُلِّيَ عليه" بالواو.
وقوله "وصُلِّي عليه" بالحاء أيضاً؛ لما ذكرنا في قاطع الطريق في الجنائز، وفي

حقِّ تارك الصلاة في "الجنائز" في "باب تارك الصلاة" وصورة تارك الصلاة مكرَّرةٌ.

قال الغَزَالِي

ُّ: (الْجِنَايَةُ الرَّابعَةُ: القَذْفُ)

وَهُوَ مُوجِبٌ؛ ثَمَانِينَ جَلْدَةً عَلَى الحُرِّ وَأَرْبَعَينَ عَلَى الرَّقِيقِ، فَإِنْ قَذَفَهُ مَرَتَّيْنِ وَقَدْ تَخَلَّلَ الحَدُّ تَعَدَّدَ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَفِي التَّدَاخُلِ قَوْلاَنِ، وَقَد ذَكَرْنَا ذَلِكَ مَعَ صُوَرِ القَذْفِ فِي اللِّعَانِ.
فَالَ الرَّافِعِيُّ: القذْفُ 1 من الكبائر، يُرْوَى أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ" 2 [و] 3 روي أنه -صلى الله عليه وسلم- 4 قال: "مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ وَاجْتَنَبَ السَّبْعَ الكَبَائِرَ نُودِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِيَدْخُلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شَاءَ" وذَكَرَ منْها قذْفَ المُحْصَنَاتِ ويتعلَّق بالقذف الحدُّ بالإجماع، قال [الله] 5 تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الآية ويُشترط

لوجوب الحدِّ على القاذف أن يكون: مُكلَّفاً، فلا حد على [صبيٍّ]، ولا مجنونٍ، ولكن يعزَّر الصبيُّ، وكذا المجنونُ، إن كان له نوْعُ تَمْييزٍ كذلك حكاه صاحب "التهذيب" وأن يكون مختاراً، فلا حدَّ على 1 المكْره على القذْف، ولا فرْق بيْن المُسْلِم والذمِّيِّ والمعاهَدِ، ثم إن كان القاذف حرّاً فحدُّه ثمانون جلدةً بالأمة، وإن كان رقيقاً فأربعون، رُويَ عن عبد الله بن عامر بْن ربيعة، قال: "أَدْرَكْتُ أَبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-: وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الخُلَفَاءِ فلم أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ المَمْلُوكَ إِذَا قَذَفَ إلاَّ أَرْبَعِينَ سَوْطاً" 2 وأشار بذلك إلى أنه مُجْمَعٌ عليه، والمكاتَبُ والمدبَّر والمستولَدَةُ، وَمَنْ بعضُه رقيقٌ كالرقيق في الحدِّ، ويُشْترط لوجوب الحدِّ أن يكون المقذوفُ محصَناً، والكلامُ فيما يحْصُل به إحصانُ المقذوف، قد بيَّنَاه في "اللعان" ولا يجبُ على الأب والجدِّ الحدُّ بقذف الولدِ ووَلدِ الوَلَدِ، وعن ابن المنذر أنَّه يجبُ وهو مذهب مالكٍ، قال [لكن] يكره له إقامته.
لنا: أنه عقوبةٌ لآدميٍّ، فلا يقيمه الولدُ على الوالِدِ، كالقصاص، وعلى هذا فلو ورث حدَّ القذف على أبيه من أمه، سَقَطَ، ولو قَذَفَ إنساناً بزنية واحدة، أو بزنيتَيْن، فقد سبقَ الحكم في "اللعان"، والظاهر أنَّه لا يجِبُ إلاَّ حدٌّ واحدٌ، وقوله في الكتاب "فإن قذفه مرتين وقد تخلل الحدُّ تعدَّد، وإن لم يتخلَّل ففي التداخُلِ قولان" وقد ذكرنا ذلك [مع صور القذف] 3 في اللعان، وليس في الكتاب ذكْرُ ذلك مفصلاً هكذا، إلا أنَّه أشار إليه بقوله 4 "وإن قلْنا بالتداخل" لأن قول الاتحادَ إنَّما يجري عند الاستيفاء، ولو قال لرجل: يا زاني أو لامرأته: يا زانية، فقد مر في اللعان أنه قَذْفٌ وكذا الحكْمُ، لو خاطب الخنثَى المُشْكِل بأحد اللَّفْظينِ، ولو قال له: زَنَى ذَكَرُك أو فرْجُك، قال في "البيان": الذي يقتضيه المذْهَب أن فيه وجهَيْن.
أحدهما: أنه قذفٌ صريحٌ.
والثاني: أنه [يكون] كناية كما لو أضاف الزنا إلى اليَد أو الرِّجْل من المرأة أو الرَّجُل؛ لأن كل واحد منهما يَحْتَمل أن يكون عضواً زائداً، فيصير كسائر أعضاء البدن ولو قال: زَنَى فَرْجُك وَذَكَرُك، فهو قذْفٌ صريح؛ لأن أحدهما أصليٌّ، والكلام في صرائح القذْف وكناياته مذكور في "اللِّعان".

قال الغَزَالِيُّ: وَفِيهِ مُشَابَهَةُ حُقُوقِ اللهِ تَعَالى إذْ لا يَسْقُطُ بإبَاحَةِ القَذْفِ وَلاَ يَقَعُ مَوْقِعَهُ إِذَا اسْتَوْفَاهُ المَقْذُوفُ، وَيتَشَطَّرُ بالرِّقِّ، وَلَكِنَّ الغَالِبَ حَقُّ الآدَمِيِّ إِذْ يَسْقُطُ (ح) بِعَفْوهِ وَيُورَثُ (ح) عَنْهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قال الأصحاب: حدُّ القذْف فيه مشابهة حقوق 1 الله تعالَى لمسائل: إحداها: إذا قال لغَيْرِه: اقْذِفْنِي، فقَذَفَه، ففي وجوب الحدِّ وجهان، ذكرناهما في اللِّعان، وبيَّنَّا أن أكثرهم، قالوا: لا يجبُ، وهذا ما نقله الإِمام عن "المنهاج" للقاضي أبي الطيِّب، وقال: إنَّه رواه عن شيْخِه أبي حامد ووجْهُ الوجوب هو الذي أورده في الكتاب، وأشار الإِمام إلى ترْجِيحِه، وقد يُوجَّه بأن العار يَلْحَق العشيرة، فالإذْنُ لا يؤثِّر في حقهم 2. والثانية: إذا استوفَى المقذوفُ حدَّ القذف، لم يقع الموقع كحد الزنا، إذا أقامه واحدٌ من الرعايا؛ وهَذَا لأن مواقع الجَلدات والإيلام بها تختلف، ولا يُؤْمن التخفيف فيها، بخلاف ما لو قَتَل الزاني، المحْصَنَ واحدٌ من الرعايا يقع قتله حدّاً، وفي حدِّ القذف وجْه أنَّه يقع الموقَع، كما لو استقل مَنْ له القصاصُ بالاقتصاص.
والثالثة: أنه يَنْشَطِر بالرِّقِّ، كما سبق، وما يجب حقّاً الآدميِّ لا يختلف بين أن يجبَ على الحُرِّ أو العبْد.
لكن المغلَّب فيه حقُّ الآدميِّ لمسائل منها: أنه لا يُسْتَوْفَى إلا بمطالبته بالاتفاق.
ومنها: أنه يورَثُ، وخالف أبو حنيفة في المسألَتَيْن، وقد ذكرناهما في "اللعان"، ولم يَرْتَضِ الإمامُ القولَ بأن الغالِب في حدِّ القذف حقُّ الآدميِّ، وقال: إذا قلْنا: إنه يستوفى بطلب المقذُوف، ويسقط بعفوه، [فلم] يغادر من تمحيض حقِّ الآدميِّ شيئاً.
نعم، يجوز أن يقال: إنه مشابه حدودَ الله تعالى [في] بعض الوجوه، والقصاص [أيضاً] كذلك، فإن الغرض الأظْهَرَ منْه الزجْرُ، لكنه يجعل حقاً محْضاً لآدمي، وقد

يقال: هذا مضايقة في العبارة والمعْنَى واحد.
1 فرع: لو عَفَا عن الحدِّ على مالٍ؛ فأحد الوجهين: أنه تُفْدَى المرأة بالمال في الخُلْع.
والثاني: المنع، ونظيره العفْو عن الشُّفْعة على مال.
فرع: من التعريض بالقَذْف أن يقول: ما أنا بِابْنِ إسْكَافٍ، ولا خبَّازٍ، ولو قال: يا قوَّادُ، فليس ذلك صريحاً في قَذْف زوجته، وإنما هو كناية، وكذا لو قال: يا مؤاجر، ليس بصريح في القذف؛ بأنه يؤتَى، هذا هو المشهور، عن الشيخ إبراهيم المروروذي: أنه حَكَى عن أستاذه التيميِّ 2 أنه قال: هو صريح؛ لاعتياد الناس بالقَذْف به، ومنْهم من يجعله صريحاً في العامي خاصَّة.
فرْعٌ: رماه رام بحجرٍ، فقال: مَنْ رماني فأمُّهُ زانيةٌ، إن كان يَعْرِف الذي رماه، فهو قاذف، وإلاَّ، لم يكن قاذفاً؛ لعدم [التعيين] 3. قال الغَزَالِيُّ: وَإِنَّمَا يَجِبُ الحَدُّ بِقَذْفٍ لَيْسَ عَلَى صُورَةِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ شَهِدَ بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ فَلاَ حَدَّ، وَإِنْ شَهِدَ ثَلاَثةٌ فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ شَهِدَ عَبْدٌ أَوْ ذمِّيٌّ وَجَبَ حَدُّ القَذْف وَإِن شَهِدَ فَاسِقٌ مُعْلِنٌ فَقَوْلاَنِ، وَإِنْ كَانَ مُكَاتَباً فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، وَإِنْ رَدَّ القَاضِي شَهَادَتهُمْ لِأَدَاءِ اجْتِهَادِهِ إِلَى فِسْقِهِمْ فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ ثُمَّ رَجَعَ وَاحِدٌ حُدَّ الرَّاجِعُ (و) دُونَ المُصِرِّ، وَقِيلَ فِي المُصِرِّ قَوْلاَنِ، وَالشِّهَادَةُ هِيَ الَّتِي تُؤَدَّى في مَجْلِسِ القَضَاءِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَمَا عَدَاهُ قَذْفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرمي بالزنا لا في مَعْرِض الشهادة يوجِبُ حدَّ القذف، فأما في معرض الشهادة فَيُنْظَرُ إن تَمَّ العدد وثبتوا، أقيم حد الزنا على المرميِّ، ولا شيْء عَلَيْهِمْ، وإن لم يتم العدد كما إذا شهد اثنان أو ثلاثةٌ، فهل يجب الحدُّ على مَنْ رماه بالزنا؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأنهم جاءوا شاهدين؛ ليقام عليه حدُّ الله تعالى، لا هاتكين،

[فإن] 1 أوجبنا الحدَّ لم يَأمَنْ كُلُّ واحدٍ أن لا يساعده الآخرون، فيمتنع الشهودُ من الشهادة، وتتعطَّل الحدود، ويقال: إنه أومأ إلى هذا في الجَديد 2. وأظهرهما: وهو الذي نصَّ عليه قديماً وجديداً، وبه قال أبو حنيفة ومالك: أنهم يُحَدُّون؛ لما رُوِيَ أنه شَهِدَ عنْد عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- على المُغِيرة بن شعبة بالزنا أبو بكرة ونافعٌ ونُفَيْعٌ، ولم يصرِّح به زيادٌ، وكان رابعهم، فَجَلَدَ عُمَرَ الثلاثةَ، وكان ذلك بمَحْضَرٍ من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ولَمْ يُنْكِر عليه أحدٌ، ولأنا إذ لم نَحِد الشهودَ، إذا لم نكمل العدد، لم نأمن أن يتخذ صورة الشهادةَ ذريعةً إلى الوقيعة في أعراض الناس، ولو شهد على زنا المرأة زوْجُها مع ثلاثة فالزَّوْج قاذف؛ لأن شهادته عَلَيْها غير مقبولة، وفي الثلاثة القولان، ولو شهد أربع نسوة أو أربعة مِنْ أهل الذمة أو العَبِيد أو أربعة فيهم 3 امرأةٌ أو ذميٌّ أو عبْدٌ، فطريقان: أحدهما: أن في وجوب حد القذف عليهم قولَيْن أيضاً، وينزل نقصان الصفة منزلة نُقْصَان العَدد، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ.
وأصحُّهما: أنهم قَذَفَةٌ يُحَدُّون بلا خلاف؛ لأنهم ليْسُوا من أهل الشهادة في الزِّنا، فلم يقْصِدوا [إلاَّ] 4 إلحاق العار به، وصوَّر الإِمام المسألةَ فيما إذا كانوا في ظاهر الحَال بصفة الشُّهود، ثم بانوا عبيداً أو كفَّاراً، والمَعْنَى فيه أنه إذا عَرَف القاضي حالَهم، لا يُصْغِي إليهم، ولا يَلْتَفِت إلى كلامهم، ويَخْرُج رميُهم عن أن يكون في معْرِض الشهادة، ولو شهد أربعَةٌ من الفَسَقَة أو أربعةٌ فيهم فاسقٌ نُظِر إن كان سبب فِسْقهم مقطوعاً به؛ كالزنا وشرْبِ الخمْر، فقد أطلق مُطْلِقون فيه طريقين: أحدهما: أن في وجوب الحدِّ عليهم قولَيْن، كما ذكرنا في نقصان العَدَد، وقد يُبْنَى الخلاف على أن القَاضي، إذا قضَى بشهادة شاهدَيْن، ثم تبين له فسْقُهما، هل ينقض الحكم؟ وفيه قولان، إن قلْنا: نعم، فالفسقة كالعبيد، وإلا، فلا.

والطريق الثاني: القَطْع بأنهم لا يُحَدُّون، وبه قال أبو حنيفة، وهو الصحيح عند القاضي أبي حامد؛ لأن نقصان العَدَد مستيقَنٌ، وكونُهم فسقَةً إنَّما يُعْرَف بالظن والاجتهاد، والحُدُودُ تُدْرأ بالشُّبهات، وزاد آخرون، ومنهم الإِمام وصاحب الكتاب ترتيباً فقالوا: إن كانوا مُعْلِنِين بالفِسْقِ، فقولان لابن سُرَيْج: أحدهما: أنهم قَذَفَةٌ، كالعبيد.
والثاني: المَنْع؛ لأن من العلماء مَنْ يجعل الفاسق أهلاً للشهادة.
وإن كانوا يكتمون الفِسْق، ويستَخْفُون به من الناس، فالخلاف مرتَّب؛ لأنهم معذورون في الكتمان، قال الإِمام: وظاهر المذهب امتناعُ الحدِّ.
وإن كان سبب الفسْق مجتَهداً فيه، كشرب النبيذ، لم يلزمهم الحدُّ، وإن لم يثبت الزنا بشهادتهم؛ لأنه لا سبيل إلى إقامة الحدِّ لمظنُون مجتهد فيه، مع أنهم جاءوا مجيْء الشهود 1، وفي معنى الفسْق المجتَهَدِ فيه ما إذا بأن أن في الشهود مَنْ يعادي المشهودَ عليه؛ لأن ردَّ الشهادة بالعداوة مجتَهَدٌ فيه.
ولو حدَدْنَا العبيدَ الذين شهدوا، فعتقُوا وأعادوا الشهادة، قُبِلَتْ شهادتهُم، ولو لم يتم العدَدُ، فحَدَدْنَا مَنْ شهد، ثم عاد مَعَ مَن يتم به العددُ، فشهدوا، لم تُقْبَل شهادتهُم؛ كالفاسق تُردُّ شهادته، فيتوب، ويعيدها، [هكذا] 2 ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
ولو شهد أربعةٌ بالصفات المعتبرة، ثم رجعوا، فعليهم حدُّ القذف؛ لأنهم ألحقوا العَار به، سواءٌ كانوا معتمِّدين أو مخطئين؛ لأنهم مفرطون في ترك التثبُّت، وفي "البيان": أن من الأصحاب مَنْ جعل الحَدَّ على القولين؛ لأنهم رمَوْهُ شاهدين، ولو رجَع بعضُهم دون بعْض، فعلى الراجع الحدُّ، وعن القاضي أبي 3 الطيِّب: أن فيه القولين، وأما مَنْ أصرَّ على الشهادة، فلا حد عليه لأنه لا تَقْصير منه بخلاف ما إذا شَهِدَ بعضهم، ولم يتمَّ العدد، فإنه أمكن، أن يقال: كان ينبغي ألاّ يبادر حتى يعْلَم موافقة الآخرين، وعن الشيخ أبي حامد أن منْهم مَنْ أثبت في المصر القولَيْن، ونسبه القاضي ابن كج إلى الأنماطيِّ، والظاهر الأول، ولا فَرْق بينَ مَنْ رجع بعْد قضاء القاضي بالشهادة أو قَبْلَه، وعند أبي حنيفة: إن رجَع بعضهم بعْد قضاء القاضي، فالحدُّ على الراجع دون المصرِّ، وإن رجع قبله، وجب الحد على الكل، وإن شهد أكثرُ من أربعة، ثم رجعَ بعْضُهم، فإن بقي أربعة، فلا حدَّ على الراجعين، وإلا، [فعلى الراجعين الحد] كما إذا شهد ثمانية، ورجع خمسةٌ، فعلى الراجعين الحَدُّ.

وقوله في الكتاب "ولو شهد عبْدٌ أو ذميٌّ" أي كان في الشهود عبد أو ذميٌّ، ويُقَاس به ما إذاكان الكُلُّ ذميين أو عبيداً، ولْيُعْلَم قوله "وجب حد القذف" بالواو لطريقة القولَيْن، ويجوز أن يُعْلَم قوله "حُدَّ الرَّاجِعُ" بالواو أيضاً، وقوله "والشهادة هي التي تؤدَّى في مجْلِس القضاء" إلى آخره مقصوده بيان موضِع الخلاف ما إذا لم يتمَّ العددُ، وكان الرميُ على هذه الصورة، وأما الرمي في غَيْر مجلس القاضي أولا بلفظ الشهادة، فهو قذْف بلا خِلاف.

فرْعٌ:

شهد واحدٌ على إقراره بالزِّنا، ولم يتم العدد، حكى القاضي ابن كج فيه طريقَيْن: أحدهما: أن في وجوب الحدِّ عليه الخلافَ المذكورَ، فيما إذا لم يتم الشهود على نفْس الزنا.
وأظهرهما: الجزم بالمَنْع؛ لأنَّه لا حدَّ على مَنْ قال لغيره: أقررتُ بأنَّك زنيت، وإن [ذكره] في معرض القذْف والتعيير.

فرْعٌ:

لو تقاذَف شخْصان لم يتقاصَّا؛ لأن التقاصَّ إنما يكون عند اتفاق الجنْس والصفة، والحدان لا يتفقان في الصِّفَة، إذ لا يُعْلَم التساوي؛ لاختلاف القاذف والمقْذُوف في الخلْقَة و [في] القوة والضعْف غالباً هكذا ذكره إبراهيم المروروزي.
ومسائل الباب وفروعه قدْ سبَق معظمها في "كتاب اللعان"، والله أعلم.

قال الغَزَالِي

ُّ: (الجِنَايَةُ الخَامِسَةُ: السَّرِقَةُ)

وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثةِ أَطْرَافٍ: (الأَوَّلُ) في المُوجِبِ وَهُوَ السَّرِقَةُ، وَلَهَا ثَلاَثةُ أَرْكَانٍ: (الأَوَّلُ: المَسْرُوقُ) وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ نِصَاباً مَمْلُوكاً لِغَيْرِ السَّارِقِ مِلْكاً مُحْتَرَماً تَامّاً مُحَرَّزاً لاَ شُبْهَةَ فِيهِ فَهَذِهِ سِتَّةُ (الشَّرْطُ الأَوَّلُ: النَّصَابُ) وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ (ح م) مَسْكُوكٍ وَبِهِ يُقَوَّمُ السِّلَعُ، وَالرُّبْعْ مِنَ الذَّهَبِ الإبْرِيزِ، وَإِذَا لَمْ يُسَاوِ رُبْعاً مَضْرُوباً فَلاَ حَدَّ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ، وَيُقْطَعُ فِي خَاتَم وَزْنُهُ سُدُسٌ وَقيمَتُهُ رُبْعٌ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوساً لاَ تَبْلُغُ نِصَاباً قُطِعَ، وَلَوْ سَرَقَ جُبَّةَ قيمَتُهَا دُونَ النِّصَابِ لَكِنْ في جَيْبِهَا دِينَارٌ وَهُوَ لا يَعْلَمُ قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ أَخْرَج نِصَاباً في دَفَعَاتٍ فَلاَ قَطْعَ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَخَلَّلَ اطِّلاَعَ المَالِكِ وَإعَادَةَ الحِرْزِ، فَإنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ يُفَرقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ طُولِ الزَّمَانِ المُتَخَلِّلِ وَقِصَرِهِ، وَخُرُوجُ البُرِّ مِنْ أَسْفَلِ الكَنْدُوجِ شَيْئاً فَشَيْئاً عَلَى التَّوَاصُلِ أَوْلَى بِأَنْ يُجْعَلَ فِي حُكْمِ دَفْعَةٍ مِنَ المُفَرَّقِ بَلْ هُوَ كَمَا لَوْ جَرَّ المِنْدِيلَ شَيْئاً فَشَيْئاً فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، فَلَوْ أَخْرَجَ نِصْفَ المِنْدِيلِ وَتَرَكَ النِّصْفَ الآخَرَ فِي الحِرْزِ فَلاَ قَطْعَ وَإِنْ كَانَ المُخْرَج أَكْثَرَ مِنْ نِصَاب، وَلَوَ جَمَعَ مِنَ البَذْرِ المَبْثُوثِ فِي الأَرْضِ المُحَرَّزَةِ مَا بَلَغَ نِصَاباً قُطِعَ عَلَى الصَّحيحِ لِأنَّ الكُلَّ كَحِرْزٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَكُنْ

كَمَا لَوْ أَخرَجَ نِصَاباً من حِرْزَيْنِ، وَلَو اشْتَرَكَ رَجُلاَنِ فِي حَمْلِ مَا دُونَ النِّصَابِ لَمْ يُقْطَعَا، وَلَوْ بَلَغَ نِصْفَ دِينَارٍ قُطِعَا، وَينْبَغِي أَنْ تَكُونَ القِيمَةُ بَالِغَةً نِصَاباً قَطْعاً لاَ بِاجْتِهَادِ المُقَوِّمِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: السرقةُ: أخذُ المالِ على وجْه الخُفْية، ويتعلَّق بها القطْع في الجملة بالإجماع والكِتَاب؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] والكلام فيما يوجِبُ القطْع، وفيما يثبت الموجِبُ به، وفي القطْعِ نَفْسِهِ، فهذه ثلاثة أطرافٍ لا بُدَّ من النظر فيها.
أما الموجِبُ، فهو السرقة، ولا شك أن السرقةَ فعْل متعد يتعلَّق بمسروق، ويصدر من سارق، فهذه ثلاثة أركان، ولا بد من معرفة ما يعتبر في المْسرُوق، وفي نفس فعْل السرقة، وفي السارق؛ ليتم الموجِبُ.
أما الركن الأول: وهو المسرُوق، فقد ضبط شروطَهُ في ستة.
أحدُها: أن يكون نصاباً، وهو رُبُعُ دينارٍ من الذهب الخالِص، فلا قطْع فيما دون ذلك؛ لما رُوِيَ عن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُقْطَعُ اليَدُ في رُبُع دِينَارٍ فَصَاعِدًا" وَيُرْوَى "لاَ قَطْعَ إلاَّ فِي رُبُع دِينَارٍ" 1 ولو سرق ديناراً مغشوشاً، نُظِر؛ هل يبلغ خالصه ربعاً أم لا؟ ولو كان المسرَوق ما سوى 2 الذهَب، قُوِّم بالذهب، حتى لو سَرَقَ دراهمَ، قُوِّمت بالذهب أيضاً.

وعند أبي حنيفة: النصابُ عشرةُ دراهمَ، ويقوَّم الذهب وغيره بالدراهِم.
وعند مالك رُبُع دينارٍ أو ثلاثة دراهم، فهما أصلان، وما سواهما يُقوَّم بالدراهم، وفي تعليق الشيخ أبي حامد: أن مذْهَب أحمد كمذْهَبنا، وجعل أبو نصْرِ بْنُ الصبَّاغ [أن] 1 مذهبه كمذهب مالِكٍ، وحَكَى أن ابن بنت الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ [عنهُمَا]- اختار مذْهَب داوُدَ، وهو أنه لا يعتبر النصاب، ويجب القَطْع بسرقة القليل والكثير، فيمكن أن يُعْلَم؛ لهذا قوله في الكتاب "أن يكون نصاباً" بالواو، وهذا قوله "الشرط الأول النصاب" إذا عرف ذلك، ففي الفصْل مسائلُ: إحداها: إنْ كان المسروقُ ربعاً من الذهب المَضْرُوب، فذاك، ولا فرق بين الصحيح والقراضة [منه 2،] وبالمضروب يقَع التقْويم، إذا كان المسروقُ غيره، حتى لا يوجب القطْع، إن كان المسروقُ يبلغُ ربعاً من الذهب غير مضروب، ولا يبلغ ربعاً مضروباً، ولو سرق ربعاً من الذهب الخالِصِ، كالسبيكة والحُلِيِّ، وهو لا يبلغ ربعاً مضروباً بالقيمة، ففي وجوب القطع وجهان: أحدهما: يجب؛ لبلوغ العيْن قَدْرَ النصاب، كما في نصاب الزكاة، وإلى ترجيحه = قال: وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أن القطع لا يجب إلا في عشرة دراهم روي ذلك عن ابن مسعود.
قال: ولست أعرف من جعل النصاب أكثر مما اعتبره أبو حنيفة رحمه الله قال: إلا أن أصحابنا يروون عن النخعي أنه لا يوجب القطع إلا في أربعين درهماً، وروي عن ابن الزبير أنه قال في نصف درهم ولست أعرفه.
وقد استدل داود بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لعن الله السارق إن سرق بيضة قطعت يده كان سرق جملاً قطعت يده".
والجواب عن هذا أن علياً رضي الله عنه إنما ذكره على وجه المثل والتحذير لا على وجه التحقيق بدليل ما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "من بني مسجداً ولو كمفحص قطاة بني الله له بيتاً في الجنة".
فأخرجه مخرج المبالغة في الترغيب أن مسجداً مثل مفحص قطاة لا يكون كذلك، وإن حملناه على بيضة حقيقة حملناه على بيضة النعام، والبيضة التي هي المغفر التي توضع على الرأس في الحرب من حديد فسقط هذا.
والجواب عما استدل به أبو حنيفة رحمه الله من أنه لا قطع إلا في عشرة دراهم.
قلنا: يرده قول الصحابة المتقدم ذكره من أنه لا قطع إلا في ربع دينار.
وبدليل ما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قطع في مجَنِّ قيمته ثلاثة دراهم.
وهذان الحديثان متفقان لأن الدينار كان حينئذ اثني عشر درهماً.
قالوا: قد خالفهم ابن مسعود لأنه روي عنه أنه قال: لا قطع إلا في عشرة دراهم.
قال: قلنا: هذا ليس بثابت عنه، ولو ثبت عنه كان قول الأكثر أولى.

ميل كلام جماعة منْهم صاحب "التهذيب" وذكر في "البيان" أنه المذهب.
والثاني: المَنع، ويُحكَى ذلك عن الإصطخري وأبوَيْ علي بْن أبي هريرة، والطبريِّ، ووُجِّه بأن المذكور في الخَبَر لفْظُ الدينار، وهذا الاسم يقع على المضْرُوب، وهذا أظهر عند الأمام وغيره، وهو الذي أورده أبو الحَسَن العبَّادِيُّ، ويؤيده أنَّا نقوِّم بالمضروب دون غير المضْرُوب، واْن غير المضروب مقوَّم؛ كالسِّلَع، ولو سرق خاتماً وزنُه دون الربع، وقيمتُه تبْلُغ بالصنعة ربُعاً، ففي القطع وجهان، إن اعتبرنا القيمة، وجب القطع، وإن اعتبرنا العين، فلا، وأراد بلَفْظ "الإبريز" في الكتاب الخالِصَ دون الثبر الَّذي إذا خلُص، نَقَص، فلا قطْع في سرقة الربْع منه بلا خلاف.
الثانية: لو سرق فُلوساً ظنَّها دنانير، قُطِع، إن بلغت قيمة الفلوس نِصاباً، وإلا، لم يُقْطَع، ولو سرق دنانير ظَنَّها فلوساً، لا تبلغ قيمتها نصاباً، قُطِعَ وفي "جمع الجوامع" [للقاضي الروياني] 1 أن أبا حنيفة يوافِقُ فيه، ومنْهم مَنْ يُشْعِر نقلُه بأنه يخالِف فيه، ولو سرق ثوباً خسيساً؛ كجبة رثَّة، وكان في جيبها دينارٌ أو ما يَبْلُغ به قيمتها نصاباً، ولم يَشْعُر بالحال، فوجهان: أحدهما، وبه قال أبو حنيفة: لا يجب [القطع] 2 لأنه لم يَقْصِد سرقة نصاب، ويخالف ما إذا سرق دنانير ظنَّها فلوساً، فإنه قصد سرقة عينْها.
وأظهرهما: الوجوب؛ لأنه أخرج نصاباً مِن حِرْزِهِ عَلَى قصد السرقة، والجهل بجنس المسروق وقَدْرِهِ لا يؤثِّر، كالجهل بصفته.
الثالثة: إذا أخرج النصَابَ من الحِرْز بدفعتين، فصاعداً نُظِر؛ إن تخلَّل اطِّلاع المالك وإعادة الحِرْز بإصلاح النَّقْب أو إغلاق الباب، فالإخراج الثاني سرقة أخرَى، فإذا كان المُخْرِج في كلِّ دفعة دون النصاب، لم يجب القطْع، وإن لم يتخلَّل الإطلاع والإعادة، فقد أطلق العراقيون وتابعهم صاحب"التهذيب" والرويانيُّ وغيرهما [وفيه] 3 ثلاثة أوجهٍ: أظهرهما، وبه قال ابن سُرَيْج والقاضي أبو حامد: أنه يجب القطع؛ لأنه أخرج نصاباً كاملاً من حرز هَتَكَه، فأشبه ما إذا أخرج دفعةً واحدةً، وما إذا طَرَّ جَيْبَ إنسان، وأخذ منه درهماً فدرهماً.
والثاني: لا يجب، وهو قول أبي إسحاق؛ لأنه أخذ [بقية] 4 النصاب من حرز

مهتوك، ولأنه أخرج النصابَ بفعلَيْن، فأشبه ما إذا أخرج بَعْضَه واحدٌ وبعضه آخر.
والثالث: وهو قول ابن خيران، إن عاد، وسرق الباقي بعْدما اشتهر هَتْكُ الحِرْز، وعلم الناس أو المالكُ، لم يُقْطَع، وإن عاد قبل الاشتهار، قُطِع، قال صاحب "التهذيب": ولا فرق بين أن يعود لأخْذ الباقي في تلْك الليلة أو في ليلة أخرَى، وفيه وجه أنه إن عاد في ليلة أخرى، لم يجب القطع قولاً واحداً، ورأى الإمامُ وصاحب الكتاب القَطْعَ بعدَم وجوب القطع، إذا اطَّلَع المالك على انهتاك الحِرْز وأهمله؛ لأنه مضيِّع، وحَكَيَا وجْه التفصيل على نَسَقٍ آخرَ، وهو أنه إن طال الفْصل بين الإخراجَيْن، فهما سرقتان، ولا قطْع في واحدة منْهما، وإن لم يَطُل، وجب، وعن الشيخ أبي محمَّد: أنه لو ذهب بالمسروق إلى بيته، وأسرع الكَرَّة 1، فهو كطُول الفصْل، وإن قَرُب الزمان، ولو كان يُخْرِج النصاب شيئاً فشيئاً، ويضعه خارج البيت أو خارج البَابِ، حتى تَمَّ النصابُ، ولم يفارِقِ الحرْزَ، قُطِع.
ويتعلَّق بالإخراج بدفعتين فصاعداً.
فرعان: أحدهما: انثيال البُرِّ، وسائر الحبوب عنْد نَقْب الكَنْدُوجِ أو فَتْح بابٍ مِنْ أَسْفَلِهِ، هل هو كإخراجه باليد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، ويُنْسب إلى رواية أبي إسحاق؛ لأنه خرج بتسبُّب لا بمباشرة الإخراج، والتسبب ضعيفٌ لا ينبغي أن يتعلَّق به القطْع.
وأصحُّهما: أنه كالإخراج باليد لأنَّه بما فَعَل هتك الحِرْز وفَوَّت المال، وعلى هذا فلو أخرج بِيَدِهِ أو انثال دفعةً واحدةً، ما يساوي النصاب، وجب القطع، وإن أخرجه شيئاً فشيئاً على التواصل أو انثال كذلك، بَنَى الحكم على ما لَوْ أخرج النصاب في دفعتين 2 فصاعداً، هل يجب القطع؟ إن أوجبنا القطع، فهاهنا أولَى، وإلا، فهاهنا وجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأنه ما أخرَج النصاب بإخراجةٍ واحدةٍ.
وأصحُّهما: الوجوب، لأنه يُعدُّ فعلاً واحداً بخلاف الإخراجَيْن المنفصلين، وقد لا يتأتَّى إخراجه إلاَّ كذلك، ولو أخذ طرف المنديل، وأخرجه من الحِرْز جَرّاً أو طرف الجذع، وأخرجه كذلك، وجب القطع؛ فإنه شيءٌ واحدٌ، ولو أخرج نصفه وتَرَك النْصف الآخر في الحِرْز؛ لخوف وغيره، لم يجب القطع، وإن كان المُخْرَج قَدْر نصاب وأكثر؛ لأنه مالٌ واحدٌ، ولم يتمَّ إخراجه، وكذلك نقول: لو كان طرف عمامة المُصلِّي

على نجاسة، لم تصحَّ صلاته، وسقوط الدراهم شيئاً فشيئاً، إذا طُرَّ الجيْبُ أو الكُمُّ كانثيال الحبوب.
الثاني: لو جمع من البذر المبْثُوث في الأرْض ما يبلغ نصاباً، نُظِر؛ إن لم تكُنِ الأرض محرَّزَةً، لم يجب القطْع، وإن كانت محرَّزةٌ على ما سيأتي القَوْل فيه، ففي وجوب القطع وجهان: أحدهما: لا يجب لأن موضع كل حبة حرزٌ خاصٌّ لها، فأشبه ما إذا أخرج النصابَ من حرزَيْن.
وأصحهما: الوجوب؛ لأن الأرض تُعدُّ بقعةً واحدةً، والبذورُ المتفرَّقة فيها كالأمتعة في زوايا البيْت، وينبغي أن يقال، في وجوب القطع، وإن جعلْنا الأرض حرْزاً واحداً، الخلافَ الذي سبَق في إخراج النصاب شيئاً فشيئاً.
الرابعة: إذا أخرج اثنان من الحِرْز نصاباً واحداً أو أكثر، لكنه لم يبلُغْ نصابين، فلا قَطْع عليهما، وإن اشتركا في الإخْراج ولم يتميَّز فعْلُ أحدهما عن الآخر بخلاف ما لو اشترك اثنانِ في القطْع أو القَتْل، يجب القصاص عليهما، وفرق بين البابين بأن الشارع لم يوجِبِ القطع فيما دون النصاب؛ لأن الشيْء التافه قليلاً ما يحتمل [العاقل] الأخطارَ لأخذه؛ فلا يحتاج إلى الزجْر عنه بالقطع، فإذا اشترك اثنان في أخذ نصاب، كان حصة كل واحد منهما دون النصاب، فلا يشتركان في السرقة [لتحصيله]، وفي القطْع والقتْل، لو لم يوجَبِ القصاص عنْد الشركة، لجعلت الشركةُ ذريعةً إلى الإفساد والإهلاك.
وعن مالك وأحمد: أنه يجب القطْع عليهما، إذا كان ما سرقاه نصاباً، كذلك نقله ابن الصباغ وغيره، ومنْهم مَنْ فصَّل الحكاية عن مالك؛ فقال: إن حَمَلا شيئاً ثقيلاً لا يَحْمِله إلا اثنان، وجب الْقَطْع عليهما، وإن كان خفيفاً، ففيه روايتان.
وإن أخرجا ما يَبْلُغ نصابين قُطعا، وإن انفرد كلُّ واحدٍ منهما بإخراج مال، وجب القطْع على مَنْ بلغ ما أخرجه نصاباً، ولم يجبْ على مَنْ لم يبلغ ما أخرجه نصاباً.
وقال أبو حنيفة: يُجْمَع ما أخذَه الجماعةُ، فإن بلغت حصَّةُ كلِّ واحد منهم نصاباً، وجب القطع عليهم جميعاً، ومنهم مَنْ قيِّد الرواية بما إذا اشتركوا في النقْب ثم أخرجوا.
الخامسة: قال الإِمام: إذا كان المسروقُ عَرَضاً تبلغ قيمته بالاجتهاد رُبُع دينار، فقد يوجد للأصحاب أنه يجب الحدُّ، والذي أرى القطْعَ به؛ أنه لا يجب ما لم يقطع المقوِّمون بأنها تبْلُغ نصاباً، وللمقوِّمين قطْعٌ واجتهادٌ، فلا يكفي الاجتهاد والقطْع من

جماعة لا يزلون معتبر لا محالة، ومِنْ جماعة لا يبعُد الزلَل عليهم؟ فيه احتمالان: أحدهما: أنه يكتفي به، كما تُقْبل الشهادة مع أن احتمال الغَلَط قائمٌ.
والثاني: المنْع بخلاف الشهادة؛ فإنها [تستند] إلى المعاينة، ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب "لم يُقْطَعَا" بالميم والألف؛ لما بَيَّنَّا.
وفي كلام الإِمام ما يُجَوِّز إعلام قوله "لا باجتهاد المقوِّم" بالواو، ويَشْهد له أن القاضي الرويانيَّ ذكَر في "جمع الجوامع" أنه لو شَهِدَ شاهدان بالسرقة، فَقَوَّم أحدهما المسروقَ نصاباً، والآخر أقلَّ منه، لا يلزم القطْع، وفي المال [إن] رضي [المالك] بأقل القيمتين، فذاك، وله أن يَحْلِف مع الذي شَهِد بالأكثر، ويأخذه، ولو شَهد شاهدان؛ بأنه نصاب، وقَوَّمه آخران بما دون النصَاب، لم يجب القطع، ويؤخذ في الغرم بالأقل، وعن أبي حنيفة أنَّه يؤخَذُ بالأكثر.
واعلم أن المسألة الثالثة من مسائل الفَصْل لا تتعلَّق بشرط النصاب، فإن النَّظَر فيها إلى كيفية الإخْراج، وإيرادها في غير هذا المْوضِع كان أولَى به من جهة الترتيب.

فَرْعٌ:

القيمة تختلف بالبِلاد والأزمان، فتتغير في كلِّ مكانٍ وزمان قيمةُ ذلك المكانِ والزمان، ويَبْعُد أن يقال: يعتبر قيمة الحجاز أو قيمةُ عَهْدِ النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ الثَّاني) أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكاً لِغَيْرِ السَّارِقِ، وَلَوْ سَرَقَ مِلْكَ نَفْسِهِ مِنَ المُرْتَهِنِ أَوْ المُسْتَأْجِرِ فَلاَ قَطْعَ، وَلَوْ طَرَأَ المِلْكُ بِإرْثِ قَبْلَ الخُرُوجِ مِنَ الحِرْزِ فَلاَ قَطْعَ، وَبَعْدَهُ لاَ يُؤَثرُ، وَكَذَلِكَ نُقْصَانُ القِيمَةِ بِالأَكْلِ، وَالإتْلاَف قَبْلَ الإِخْرَاجِ يُؤَثِّرُ وَبَعْدَهُ لاَ، وَلَوْ قَالَ السَّارِقُ: سَرَقْت مِلْكِي سَقَطَ القَطعُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ عَلَى النَّصِّ لأنَّهُ صَارَ خَصْماً فِي المَالِ فَكَيْفَ يُقْطَعُ بِحَلِف غَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ المَسْرُوقُ مِنْهُ: هُوَ لَكَ فَأَنْكَرَ شَرِيكُهُ فَلاَ قَطْعَ، وَلَوْ قَالَ السَّارِقُ: هُوَ مِلْكُ شَرِيكِي في السَّرِقَةِ فَلاَ قَطْعَ، وَلَوْ أَنْكَرَ شَرِيكُهُ لَمْ يُقْطَعِ المُدَّعِي، وَفِي المُنْكِرِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ العَبْدُ السَّارِقُ: هُوَ مِلْكُ سَيِّدِي فَلاَ قَطْعَ وَإِنْ كَذَّبَهُ السَّيِّدُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صُوَرٌ: إحداها: لا قطْع على مَنْ سرق ماله في يَدِ غيره؛ كيد المرتَهن والمُودَعِ والمستأجِر والمستعير وعامل القراضِ والشَّريكِ والوكيلِ، ولو أخذ مع ماله نصاباً آخَرَ، لزمه القطع؛ لأنه لا شبهة في النصاب الآخر.
وقال أبو حنيفة: لا يجب القطْع.

ولو سرق ما اشتراه من يد البائع؛ إما في زمان الخيار أو بعد انقطاع الخيار، لم يُقْطَع، ولو سرق معه مالاً آخر، فإن كان قبل توفير الثمن، وجب القطع، وإن كان بعد توفيره فوجهان: أصحهما: المنع، كما سيذكر فيما إذا سَرَقَ من الدار المشتراة.
ولو وهب منْه شيء، فرقه بعد القَبُول وقبل القبض، والأصحُّ: أنه لا يُقْطَع بخلاف ما إذا أوصَى له بشَيْء، فسرقه قبل موت الموصي؛ لأن القبول لم يقترن بالوصية، وإن سرقه بعْد موت الموصي، وقبل القَبُول، فيَنبنِي 1 على أن المِلْك في الوصية بم يحْصُل، إنْ قُلْنا: يملكُ الوصيةَ بالمَوْت لم يُقْطع، وإلا، قطع، ولو أوصى بمالٍ للفقراء، فسرقه فقيرٌ بعْد موته، لم يُقْطع؛ كسرقة المال المشترك، وإن سرقه غنيٌّ قطع.
الثانية: إذا طرأ المُلْك في المسروق قَبْل إخراجه من الحِرْز؛ بأن ورثه السارق أو اشتراه أو انتهبه، وهو فيه، سقط القطع، وإن طرأ الملْك بعْد إخراجه من الحرز، لم يسقط القطْع؛ لكنه لو اتَّفَقَ ذلك قَبْل رفْع الأمر إلى الحاكم، لم يمكن استيفاء القطْع بناءً على أن استيفاء القطْع يتوقَّف على دعوَى المسْرُوق منْه ومطالبته بالمال على ما سيأتي، وبهذا قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يسقط القَطْع.
واحتج الأصحاب بما رُويَ أن صفوانَ بْن أمية نَامَ في المَسْجِدِ فَتَوَسَّدَ ردَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ، فَأَخَذَهُ مِنْ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَأَخَذَ صَفْوَانُ السَّارِقَ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَمَرَ بِقَطْع يَدِهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، وَهُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، فَقَالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- "هَلاَّ كان قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ"، ولو كانت الهبة بعد السرقة تدفع القطْع، لَأَمَرَه بإتمامها، ودفع القطع، [وأيضاً، فالاعتبار] في العقوبات [بحالة] الجناية؛ ألا ترى أنه لو زَنَى بجارية، ثم ملكها، لم يَسْقُط الحدُّ.
الثالثة: لو انتقصت قيمةُ المسروق في الحِرْز؛ بأن أكل بعْضَه أو خَرَقه، وكان المُخْرجَ دون النصاب، لم يجب القطع، وإن كان النقصانُ بعْد الإخراج من الحِرْز لم يؤثِّر، واستوفى القطْع؛ خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان النقصانُ بآفة سماوية.
ولو شق الثوب في الحِرْز أو ذبح الشاة فيه، ثم أخرج، فعليه ضمان النقصان، ثم إن كان المُخْرَج نصاباً، فعليه القْطع، وإلا فلا، وعند أبي حنيفة: لا قطع في الشاة إذا ذبحها ثم أخرجه بناءً على أنه لا قَطْع في اللحم والأشياء الرطبة؛ على ما سنذكره، وإن

شَوَاهَا في الحِرْز، فقد مَلَكَها عنْده، وقال في الثوب المشقوق: إذا كان يبلغ نصاباً يَتخيَّر المالك بين أن يأخُذَه، ولا يطالب بالأرش، وبين أن يتركه على السارق، ويطالبه بكمال قيمته، فإن أخذه، ولم يطالب بالأرش، قُطِعَ، وإلا لم يقطع؛ بناءً على أن القَطْع والغُرْمِ لا يجتمعان، وقد يُفْرّق بين الشق طُولاً [وبين] 1 الشَّقِّ عَرضاً، ويُجعل الشقّ طولاً مهلكاً.
الرابعة: إذا ادَّعَى السارق المِلْكَ فيما أخذه على صورة السرقة، فقال: كان المأخوذ منْه، غَصَبَة مني أو مِنْ أَبِي، أو كان وَدِيعَةً عنْده أو عارية، أو كُنْتُ اشترَيْتُه مِنْه، أو وَهَبَه منِّي أو أَذِنَ لي في أخذه، فلا يُقْبَل قولُه في المال، بل يصدَّق المأخوذ منه بيمينه في نفْي الغصْب والبيْع والهبة، وبلا يمين في قوله "أَذِنَ لِي في أَخْذِ مالِه" فإنهما متفقان على أن المال لَهُ، فيرد عليه، وهل يَسْقط القطْع بدَعْوَى المْلك؟ المنصوص وبه قال أكثر الأصحاب: نعم؛ لأن ما يدَّعيه محتملٌ، والقطْع يَسْقُط بالشبهة، ولأنه صار خصماً في المال؛ ألا ترى أنه لو نَكَل المأخوذ منه وحَلَف السارق، استحق المال، ولا قطْع، فكيف يُقْطَع في مال هو خصمٌ فيه؛ ويُروَى عن الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه سمَّى هذا المدَّعِي السارقَ الظَّرِيفَ، وفيه وجْه أو قولٌ مخرَّج عن رواية أبي إسحاق المَرْوَذِيِّ أو تصرُّفه: أنه لا يَسْقُط القطْع بمجرَّد الدعوى، كيلا يتخذ ذلك [حيلة و] 2 ذريعةً إلى دفْع الحدِّ، قال الرويانيُّ في "الحلية": ولهذا وجه في زمان الفساد، [والله أعلم].
وفي موضع الخلاف في دعوى السارق المِلْك كَلامٌ يذكره في آخر النَّظَر الثاني من "كتاب السرقة"؛ لأن صاحب الكتاب أعاد المسألة هناك، وتكلَّم في موضع الخلاف فيها، ويجري الخلاف فيما إذا ادَّعَى السارقَ أن المسروقَ منْه عبده، وهو مجهول النَّسَب أو أن الحِرْز ملْكُه غَصَبَه [منه] المسروق منْه، وفيما إذا شهد عليه شهودٌ [بالزنا]، فادَّعَى أن المرأة زوجتَه أو كانَتْ أمةً، فقال: باعها مالِكُها مِنِّي، ورأى الإِمام الظاهرَ في حدِّ الزنا: أنه لا يَسْقُط بهذه الدعوَى، بخلاف القطْع بناءً على أن الظاهر فيما إذا قامَتْ بينة على أن فلاناً زَنَى بجارية فلانٍ الغائبِ، ولا ينتظر حضُور الغائِب، بخلاف مثله في السرقة؛ على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، ولا يجري الخلاف فيما إذا قطع يد إنسان وادَّعَى أنه أَذِنَ لي في قطْعها بَلْ يقتص منه بلا خلاف؛ لأن القطع حقُّ الآدميِّ، وهو بمثابة المالِ، هاهنا، ولو أقر المسرُوقُ منْه بأن المال كان ملكاً للسارق، فلا قطْع بلا خلاف؛ لأن السارق إنما يُقْطَع عند الخصومة، وقد سقَطَتَ المخاصمة، وإذا فرَّعنا على

النصَّ، فلو سرق اثنان وادعَيَا أن المسروق ملْكُهما، لم يُقْطَعا، وإن ادعاه أحدُهما لنفسه أو لَهُمَا، وأنكره الآخر، واعترف بالسرقة، فلا قطْع على المدَّعِي، وفي المنكر وجهان: أحدهما: وبه قال ابن القاصِّ: أن عليه القطْع؛ لأنه مقرٌّ بأنه سرق نصاباً بلا شبهة، وهذا أظهر عند الإِمام، وصاحب الكتاب، وبه أجاب صاحب "الشامل".
والثاني: ويُنْسَب إلى القفَّال: أنه لا يجب؛ لأنه قد ادَّعَى ما لَو صَدَق فيه، لسَقَطَ القطْع [فصار] كما لو قال المسروقُ منه: إنه 1 [ملكه،] يَسْقُط القطْع، وإن كان مقرّاً بأنه سرَق، بلا شبهة، ولو قال أحدهما: هذا ملْك شريكي، وأخذتُ معه بإذنه، وأنكر الشريك، فالذي نَقلُوه أنه كالصورة [المتقدمة] لا قَطْعَ عَلَى من يدعي ملك الشريك، وفي المِنْكرِ وجهان، وقَرُب الوجهان من الوجهينِ فيما إذا شَهِدَ اثنان بالقِصاص على إنْسانٍ، فاقتص منه ثم رَجَعَا، [فقال] أحدهما: أخطأْنا، وقال الثاني: تعمَّدنا، لا قصاص على الأول، وفي الثاني وجهان، قال في "التهذيب" والأولَى أن يقال: يجب القطْع على المنْكِر؛ لأنه يدعي شبهةً وفي المدَّعِي وجهان: أحدهما: لا قطْع عليهِ؛ لأن ما يدعيه لو ثَبَت، لم يجب القطْع.
والثاني: يجبُ؛ لأنه لا يدعي لنفْسه ملكًا إنما يدعيه للشريك، وهو منْكِرٌ، ونظيره من شهود القصاص أن يقول: أحدهما: تعمدنا جميعاً، ويقول الثاني: تعمَّدتُ أنا، وأخطأَ صاحِبي، يجب القصاص علَى من يقول: تعمَّدنا جميعاً، وفي الآخر وجهان، ويجوز أن يُعْلَم؛ لهذا قوله في الكتاب "لم يُقْطَع المُدَّعِي" بالواو.
وقوله "ولو أنكر شريكه" فيه ما تبيَّن، أما قوله "ولو قال: السارق هُوَ ملْكُ شَرِيكِي في السَّرِقَةِ، فلا قَطْعَ" المقصود منه ما إذا صدقه الشريكُ، ويجوز أن يُعْلم قوله "فلا قطع" بالواو؛ لأن المذكور جوابٌ على النصِّ، ويجيء فيه الوجه أو القْولُ المخرَّج.
ولو سرق عْبدٌ وادَّعَى أن المسروق ملْكُ سيده، فإن صدَّقه السيِّد، سقط القطْع تفريعاً على النص، وإنْ كذَّبه فوجهان: أحدهما: لا يسقط؛ لأنه يدَّعي الملك لسَّيده، وهو منْكِرٌ، كما ذكرنا في الشريك.
والثاني: يَسْقِط كالحرِّ يدعي المِلْك لنفسه، وهذا ما أورده في الكتاب مع حكاية

الوجهَيْن فيما إذا ادَّعَى الملْك للشريك، وأنكر الشريكُ، وإليه ذهب صاحب "التلخيص" وقد يُفْرَق بينهما بأنَّ تعلَّق السيد بالعبد فوْق تعلُّق الشريكِ بالشريك؛ ألا ترى أن يد العبد يدُ السيد، وتمليك العبد تمليكُ السيد، فجعلت دعْوَى ملْك السيد كدَعْوَى الحرِّ ملْك نفسه.
ولو ادِّعَى السارق نقصانَ قيمة المسروقِ عن النصاب، لم يُقْطَع، فإن قامتِ البينةُ على أن قيمته تبلغُ تمام النصاب، قُطِع؛ بخلاف ما لو ادَّعَى أنه ملْكه، لا يُقْطَع، قاله في "التهذيب"، واعلم أن ترجمة هذا الشرْط كوْنُ المسروق ملكاً لغير السارق، والصورةُ الأولَى، والثانيةُ، والرابعة متعلِّقة بهذه الترجمة، وأما الثالثة، وهي انتقاصُ قيمة المسروق في الحرز، فهي أجنبية عنْها، [وهي] بترجمة الشرط الأول، [وهو] أن يكون المخرَجُ نصاباً أليق.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُحْتَرِماً) فَلاَ قَطْعَ عَلَى سَارِقِ الخَمْرِ وَالخَنْزِيرِ وَلاَ عَلَى سَارِقِ الطُّنْبُورِ وَالمَلاَهِي وَالأَوَانِي الذَّهَبِيَّةِ الَّتِي يَجُوزُ كَسْرُهَا إِنْ قَصَدَ السَّارِقُ بِإخْرَاجِهَا الكَسْرُ، وَإِنَ قَصَدَ السَّرِقَةَ وَرُضَاضُهَا نِصَابٌ، فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمتأمَّلٍ أن يقول: إذا شَرَطْنا أن يبلغ المسروقُ نصاباً بالقيمة، فقد شرَطْنَا أن يكون مالاً محترماً؛ لأن ما لا قيمة له لا يكونُ نصَاباً، فَإِذَنْ هذا داخل في الشرط الأول، ثم في الفقْه مسألتان: إحداهما: من سرق خمراً أو خنزيراً أو كلباً 1 أو جِلْد ميتة غيْرَ مدبوغ، فلا قطْع 2 عليه، سواء سَرَقَهُ من مسلمٍ أو ذميٍّ؛ لأنه لم يَسْرِق مالاً، فلو كان الإناءُ الذي فيه الخمْرُ يَبْلُغ [نِصاباً]، فوجهان: أحدهما: لا يجب القطْع أيضاً؛ لأن ما فيه مستحَقُّ الإراقة، فيصير شبهةً في دفْعِه، وبهذا يقول أبو حنيفة؛ لأن عنده إذا سَرَقَ ما يُقْطَع [فيه]، وما لا يُقْطَع لا [يقطع] 3. وأصحُّهما، ويحكى عن نصه: أنه يجب؛ لأنه سرق نصاباً من حِرْزه.

وإن كان فيه بولٌ، فقد طرد في "البيان" فيه الوجهين، وقياس ما في "المهذب" و"التهذيب" القطع بالوجوب؛ لأنهما قاساه وجْهَ الوجُوب عليه، وحكَى صاحب "البيان" وجهين في وجوب القطع بسرقة ما يستهان به كقُشُور الرمان، وهو بَعِيدٌ [والصواب القطع بالوجوب].
الثانية: إذا سرق شيئاً من آلات الملاهي؛ كالطنبور والمِزْمار، وفي معناهما الأصنامُ، فينظْر؛ إن كان لا يبلغ بعْد الكسر والتغيير نصاباً فلا قطْع 1، ولا عبرة بما يبذله الراغب فيه؛ للتأليف المحرَّم، وإن كان يبْلُغ بعد الكسر والتغيير نصاباً، فوجهان: أحدهما: أنه لا قطع أيضاً؛ لأنه من آلات المعْصِية، فأشبه الخمر، وأيضاً، فإنه غير محرَّز؛ لأن كل [أحد] مأمورٌ بإفساد آلات الملاهي، ويجوز الهجومُ على الدُّور لكَسْرها وإبطالها، وأيضاً، فإنه لا يجوز إمْساكها، فهي كالمغصوب، يُسْرَق من حرز الغاصب.
والثاني: يجب القطْع؛ لأنه سَرَقَ ما يبلغ نصاباً من الحرْز، ويجري الخلافُ فيما إذا كان علَيْه من الذَّهَب أو الفضَّة ما يبلُغ نصاباً، والأظهر عند أبي الفرج الزاز، والإمام الوجْه الأول، وعند الأكثرين منْهم العراقيُّون، والقاضي الرويانيُّ الثاني، [و] 2 قال الإِمام: ويتجه أن يقال: يختلِفُ الحكم باختلاف القصْد فإن قصد السَّرِقَةَ، ففيه الوجهان، وإن قَصَد بإخراجها أن يُشْهِر تغْييرَهَا وإفسادها، فمنقطع بأنه لا يُقْطَع، وهذا هو قضية كلامِ الأصحاب، فليجعل بياناً لما أرسلوه لا احتمالاً خارجاً عن المنقول، ولَو كَسَر ما أخذه في الحرز، ثم أخرجه، وهو يبلغ نصاباً، فقد قَطَع قاطعون بوجوب القَطْع، وفي "المهذَّب" ما يقتضي إثبات الخلاف؛ لأنه حكى ثلاثة أوجُهِ، ثالثُها، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه، إن أخرجه بعد الفصل والتغيير، قُطِعَ، وإن أخرجه قبله، لم يُقْطَع.
وأما الأواني الذهبيَّةُ - والفضيَّةُ 3، ففي "المهذب" و"التهذيب": أنه يجب بسرقتها القَطْع؛ لأنها تُتَّخذ للزينة لا للمعْصية، والوجْهُ وهو المذكور في "البيان" [أنه] يبني ذلك على أنه، هل يَجُوز اتِّخَاذُها؟ إن قلنا: يجوز، فيجب بسرقتها القطْع، وإن قلنا: لا يجوز، فهي كآلات 4 الملاهي، وهذا ما أورده الإِمام، لكنه رأَى نفْي القطْع بعيداً، ويُمْكِن أن يُعلَم قوله في الكتاب "ولا على سارق الطنبور" بالحاء 5، لأن في "جَمع

الجوامع" للقاضي الرويانىِّ: أن القفِّال رَوَى عن أبي حنيفة أنه يُقْطَع في الطنبور، وإن لم يبْلُغ قيمته نصاباً إلا بالصنعة 1 المحرمة، لكن الأثْبَتُ عنه أنَّه لا قطْع فيها، وإن بلغت بعد التغيير نصاباً.
وقوله "التي يَجُوزُ كَسْرُها" يعني إذا قلْنا: بجواز كسرها، وقد تُقْرأ "للتي يُجَوَّز كسرها" وقوله: "إن قصد السارق بإخراجها الكَسْر، وإن قصد السرقة" هو ما حَكَيْنا عن الإِمام أن الحُكْم يختلفُ بالقَصْد، وقد يعترض على اللفظ؛ فيقال: إذا قصد بإخراجها الكسْر، لم يصحَّ تسميته سارقاً، وقد سمَّاه سارقاً مرتَيْن، حيث قال: "ولا على سارق الطنبور" وقال: "إن قصد السارقُ" وكان الأحسن أن يقول: "إن قصَد المُخْرِج بإخراجها الكَسْر، وإن قصد السَّرِقَة" وإذْ ذكر السارِق، فهو محمولٌ على نحو منه.
قال الغَزَالِيُّ: (الشَّرْط الرَّابعُ) أَنْ يَكُونَ المِلْكُ تَامّاً قَوِيّاً وَلَوْ كَانَ للسَّارِقِ فِيهِ شَرِكَةٌ وَلَوْ بِجُزْءٍ يَسِيرِ فَلاَ يُقْطَعُ كَمَا لَوْ سَرَقَ أَلْفَ دِينَارٍ وَلَهُ مِنْهُ وَزْنُ دِينَارٍ شَائِعٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ مَهْمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الشَّرِيكِ قَدْرَ نِصَابٍ فَيَجَبُ عَلَى مَنْ سَرَقَ نِصْفَ دِينَارٍ مُشْتَرَكٍ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الشَّىْءُ قَابِلاً لِلْقِسْمَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ حُمِلَ قِسْمَةً فَاسِدَةً وَلَمْ يُقْطَعْ وَإِلاَّ قُطِعَ، أَمَّا مَا لِلسَّارِقِ فِيهِ حَقٌّ كَمَا لِبَيْتِ المَالِ فَفِيهِ وَجْهَان: أَحَدُهُمَا: لاَ يُقْطَعُ بِحَالٍ وَالثَّانِي لاَ يُقْطَعُ إِنْ كانَ مُتَّصِفاً بِصِفَةِ الاسْتِحْقَاقِ، وَأَمَّا الابْنُ فَلاَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ أبِيهِ وَكُلِّ مَنْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ وَإِنْ كَانَ غَنِيّاً، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ بَابِ المَسْجِدِ وَأَجْذَاعِهِ، وَفِي فُرُشِهِ وَجْهَانِ، وَفِي قَنْدِيلِهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يُقْطَعَ، وَفِي سَرِقَةِ المَوْقُوفِ وَالمُسْتَوْلَدَةِ وَجْهَانِ لِضَعْفِ المِلْكِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فقه الفصْل مسائل: إحداها: إذا سرق أحدُ الشريكَيْن منْ حِرْز الآخر مالاً يشتركان فيه، فَهَلْ يتعلَّق القطْع بهذه السرقة؟ فيه قولان: أحدهما: نعم؛ لأنه لا حَقَّ له في نصيب الشريك.
وأصحُّهما: المنع؛ لأنه ما مِنْ قَدْرٍ يأخذه إلاَّ وله فيه جزْءٌ، وإن قل، فينتهض شبهةَ دافعةً للقطْع، وهذا كما أن وطئ الجاريةِ المشتركة، لا يوجبُ الحدُّ، فعَلَى هذا، لو سرق ألف دينار، [وله] منه قدرُ دينارٍ على الشُّيوع، لم يجب القطع، وعلى الأول؛ إذا سرق من نصيب الشريك نصاباً، يجب القطع، وكيف تحصُل سرقة نصابٍ من

نصيب الشريك؟ الحكايةُ عن أكثرهم: أنه إن كان المالُ بينهما بالسوية، فإذا سرق نصف دينارٍ فصاعداً، فقد سرق من الشريك نصاباً، هان كان ثلثاه للسارق، فإذا سرق ثلاثةَ أرباع دينارٍ فصاعداً، فقد سرق منه نصاباً [وقيل]: إنما يجعل سارق النصاب من الشريك، إذا زاد المأخُوذُ على قَدْر حقه [بنصاب]، فلو كان بينهما على المناصَفَة، فسَرَق نصْفَ المال وزيادةَ رُبْعِ دينار، أو كان ثلثاه للسارقِ، فسرق [ثُلُثَيْه] وزيادةَ ربْعٍ، فقد سرق [منه] نصَاباً، وإن اقتصر على أخْذ حصته، فلا قطْع؛ لإمكان أن يقع جميع المأخوذ في نصيبه عنْد القسمة، هكذا أطلق صاحب "التهذيب" نقله عن القفَّال، ومنْهم مَنْ فصَّل، وقال: إن كان المال المشتَرَكُ مما يَجْرِي فيه الإجبار على القسمة؛ كالحبوب في سائر الأموال المثلية، فإنما يجب القطع، إذا زاد المأخوذُ على قدْر حصَّته بنِصَابٍ، فإن لم يزدْ، فلا قطْع، وحُمِلَ أخذه على أنه استقل بالقسْمة، وهذه القسمة، وإن كانت فاسدةٌ، فإنها تصير شبهة دارئةً، وإن كان ممَّا لا يجْري فيه الإجبارُ؛ كالثياب، فإذا سرق نصْفَ دينار ممَّا يشتركان فيه على السوية أو ثلاثة أرباع مما ثلثاه للسارقِ، وجَب القطع؛ لأنه لا يجري فيه الإجْبار، والأخذ بغير إذن الشريك، وهذا ما أورده في الكتاب.
الثانية: هل يُقْطَع من سرق [من] مال بَيْت المال، يُنْظر، إن سرق مما أُفْرِزَ لطائفة مخصوصين، ولم يكن السارق منْهم، فَنَعَمْ، وذلك كالمُفْرَز لذوي القربَى واليتامَى، قال الإِمام: وكذا الفَيْء المعدُّ للمرتزقة، تفريعاً على أنه ملكهم، هان سرق، من غيره فقد ذُكِر فيه وجوه: أحدها: أنه لا يجب القطْع بحال، سواءٌ سرق من مال الصدقات أو من مال المصالح؛ لأنه مُعَدٌّ مُرْصَدٌ لحاجات الناس، ولا فرق بين أن يكون السارقُ غنيّاً في الحال أو فقيراً، فإن الغني قد يفتقر، فأشْبَه ما إذا سرق الأبُ الموسر من مال الابْنِ، لا يُقْطَع، وإطلاق العراقيين يوافِقُ هذا الوجه، واحتج له بما رُوِيَ أن رجلاً سرق منْ بيْتِ المالِ، فكتب بعْضُ عمَّالِ عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إلَيْهِ بِذَلِكَ، فقال: "لاَ قَطْعَ عَلَيْهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ إلاَّ ولَهُ فِيهِ حَقٌّ".
وثانيها، نقله القاضي الرويانيُّ عن رواية القَّفال، أنه يجب، كما في سائر الأموال.
وأصحُّها: أنه يُفَصَّل؛ إن كان السارقُ صاحبَ حق في المسروق منه، فلا قطْع، [كما] إذا سرق الفقير من مال الصدقات أو من مال المصالِح، وإن لم يكن صاحبَ حقٍّ كالغنيِّ، فإن سرق من مال الصدقات، قُطِع بخلاف الأب، إذا سرقَ من مال الابْن، وهو موسرٌ، وَفُرِقَ بينهما بأن سقوط القطْع هناك، إنما كان للبعضية والإيجاد، وإن سرق من مال المصالح، فوجهان:

أحدهما: أنه يقطع أيضاً، كَمَالِ الصدقة.
وأصحُّهما: المنع؛ لأنه قد يُصْرَف ذلك المال إلى عمارة المساجدِ، والرباطات والقناطر، فينتفع بها الغنىُّ والفقيرُ، هذا إذا كان السارق مسلماً، أما إذا سرق ذميٌّ من مال المصالح، فالمشهور، وبه قال صاحب "التقريب": أنه يُقْطع؛ لأنه مخصوصٌ بالمسلمين، ولا نَظَر إلى إنفاق الإِمام عليهم عند حاجتهم؛ لأنه إنما ينفق للضرورة، وبشرط الضمان، وذلك لا يُسْقِط القطع، كما أنه ينفق على المضطر من بيت المال [بشرط الضمان،] 1 ولو سَرَق في غير حالة الاضطرار، وجب القطع، ولا نَظَر إلى انتفاعه بالقناطر والرباطات؛ لأنه ينتفع بها تبعاً من حيث إنه قاطِنٌ في دار الإِسلام، وفيه وجه: أنه لا قطْع عليه، كما لا قَطْع على الغني المُسْلِم، فإنه قد يُسْلم، وهذا ما ارتضاه صاحب "التهذيب" وقال: ينبغي ألا يكون إنفاق الإِمام عليه بشرط الضمان، قال: وهذا في مال المصالح، أما لو سرق مِنْ مال مَنْ لم يخلف وارثاً من المسلمين، فعليه القطْع؛ لأنه إرْثٌ للمسلمين خاصَّة، ولو كفِّن ميت من مال بيت المال، فَسَرَقَ ذلك الكفن نبَّاشٌ، تعلَّق به القطْع؛ لأنه انقطعَتِ الشركة عنْه لما صُرِف إلى تلْك الجهة، كما لو صرف إلى حَيٍّ.
الثالثة؛ عن نصِّه في القديم، ورواية الحارث بن سُرَيْج [النقال]: أنه يجب القطْع بسرقة ستْر الكعبة، إذا كان محرَّزاً بالخياطة عليه.
وفي كتاب القاضي ابن كج، مَعَ ذلك أن قوله الجديد والأصحّ: أنه لا قطْع بسرقته؛ لأن ليس له مالِكٌ مُعيَّن، فأشبه مال بيت المال، والذي أورده المُعْظَم الأول، وأخذُوا به، ولم يذكروا فيه خلافاً، وقالوا: إنه مال محرَّز، فأشبه سائر الأموال، وَرَوْوا أن عثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- سُرِقَ في عَهْده ثَوْبٌ من منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَطَعَ السَّارِقَ، ولم يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ 2 ثُمَّ أَلْحَقُوا بِسِتْرِ الكَعْبَةِ باب المسجد وجذْعَه وتأزيره وسواريه، وأوجبوا القطْع بسرقتها ونفوه فيما يُفْرَش في المسجد من حصير وغيره، وفي القناديل المُسْرَجة، وفَرَقُوا بأن الفُرُش أُعِدَّت لينتفع بها الناسُ، والقناديل ليستضيئوا بها، والأبواب والسقوف لتحْصين المسجد وعمارته، لا للانتفاع، والقناديلُ التي لا تُسْرَج ولا يقْصَد منها إلا الزينة، كالأبواب [والسقوف، و] 3 هذا ما أجاب به أكثرهم، ورأى الإِمام -رحمه الله- تخريجَ وجْهٍ في الأبواب والسقُوف؛ لأنها أجزاء المسْجِد، والمساجد يَشْتَرِك فيها المسلمون، ويتعلَّق بها حقوقُهم، فهي كمال بيت المال، وذكر في الحُصُر والقناديل ونحوها ثلاثة أوجُه:

المنْعَ المطَلَق، وهو قضية ما أورده [القاضي] 1 ابن كج، والوجوبَ المُطْلَقَ؛ كالأبواب، والفَرْقُ بين ما يقصد به الاستضاءة أو يُقْصَد للزينة، وكل هذا في المُسْلِم أما الذمِّيُّ، لو سرق الباب أو الحُصُر أو غيرهما، فيُقْطَع بلا خلاف، وذكر الفورانيُّ في سرقة بكرة البئر المسبلة: أنه يَجب القطْع، وكذلك حكاه صاحب "التهذيب" وقال: الوجه عندي أن تكون كحُصُر المسجد؛ لأنها لمنفعة الناس، وعند أبي حنيفة: لا قطع في شيء من ذلك.
الرابعة: في سرقة المال الموقوفِ وجهان: أحدهما: لا قطْعِ، أما إذا قلْنا: إن الملْك فيه لله تعالى وحْده، فلأنه منفكٌّ عن ملك الآدميين، كالمباحات، وأما على غير هذا القول؛ فلأن المِلْك فيه ضعيفٌ.
وأصحُّهما: أنه يجب، كما في أستار الكعبة؛ لأنه مال محرَّزٌ، والوجهان جاريان فيما إذا سَرَقَ مستولدةً، وهي نائمةٌ أو مجنونةٌ، والأصحُّ وجوب القطْع؛ لأنها مملوكة مضمونةٌ بالقيمة كالعَبْد القِنِّ، ويخالف المكاتَب؛ لأنه في يد نَفْسه، وكذا مَنْ بَعْضُه حرٌّ وبَعْضُه رقيقٌ، ولو سرق من غلة الدار الموقوفة أو ثمرة الشجرة الموقوفةِ، وجب القطع بلا خلاف، [فإذا] كان للسارقِ استحقاقٌ فيما سَرق، كما لو وقَف على جماعة، فسرق [بعْضهم أو] 2 أحَدَهم، أو شبهة استحقاق، كما لو سرق أبو بعض الموقوف عليهم أو ابنه أو وَقَف على الفُقَراء، فسرق فقير، فلا قَطْع بلا خلاف.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "أن يكون [المِلْك] 3 تامّاً" قصد [بقيد] 4 "التمام" على ما بيَّنه في "الوسيط" الاحتراز عَن شيئين: أحدهما: أن يكون للسارق فيه شركة، ذلك أن تقول: في الشرط الثاني، وهو أن يكون المال مملوكاً لغير السارق، غنيةٌ بن هذا التقييد؛ لخروج المشترك عنه؛ فإنه لا يُصدَّق أن يقال في المشترك: إنه مملوكٌ لغَيْر السارق، فلو ذكر مسألة المالِ المشتركِ هناك كان أحسن.
والثاني: أن يكون للسارق فيه حقٌّ، كَمَالِ بيت المال، وما في معناه من الصور، ولك أن تقولي: في الشرط الخامس، وهو كون المال خارجاً عن شبهة استحقاق السارقِ، غنيةٌ عن هذا التحرُّز، وكان الأحسنُ أن تُؤَخَّر هذه الصورةُ إلَيْه.
وأما قيد "القوة" فإنه احترز به عن الموقوف والمستولَدَة، وقد عرفْت أن الظاهر

جارٍ التحميل