العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 328-346

أحدهما: أنهم انفردوا من غير عذر.
والثاني: أنهم اقتدوا بعد الانفراد.
وإن قلنا بالثاني بطلت صلاتُهم، لانفرادهم بركعة مع بقاء القدوة، ولو فرضت الصَّلاَة في حالة الأمن الذي رواه ابن عمر -رضي الله عنه- فصلاة المأمومين باطلة قطعاً.
وقوله: (وهذا أولى) يجوز أن يريد أنه أولى بأن يفعله الإمام مما رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- فيكون جواباً على تجويز إقامة الصَّلاة على ذلك الوجه أيضاً، ويجوز أن يريد به أن الأخذ به والمصير إليه أولى، فلا يلزم تجويز ذلك الوجه، وعلى التقديرين هو معلم بالحاء.
قال الغزالي: ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنْ الإِمَامَ فِي الثَّانِيَةِ يَقْرَأُ الفَاتِحَةَ قَبْلَ لُحُوقِ اَلْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ لَكِنْ يَمُدُّ القِرَاءَةَ عِنْدَ لُحُوقِهِمْ، وَنَقَلَ المُزَنِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّهُ يُؤَخِّرُ الفَاتِحَةَ إِلَى وَقْتِ لُحُوقِهِمْ، وَكَذَا هَذَا الخِلاَفُ فِي انْتِظَارِهِ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ لُحُوقِهِمْ.
قال الرافعي: إذا قام الإمام إلى الثانية، فهل يقرأ الفاتحة في انتظاره الفرقة الثانية أم يؤخر إلى لحوقها؟ نقل الربيع أنه يقرؤها، ثم بعد لحوقهم يقرأ بقدر الفاتحة سورة قصيرة، ونقل المزني أنه يقرأ بعد لحوقهم، بأمِّ القرآن وسورة، وهذا قول بتأخير القراءة إلى لحوقهم؛ لأن الفاتحة لا تكرر، واختلف الأصحاب على طريقتين.
أصحهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنه لا يقرأ إلى لحوقها؛ لأنه قرأ في الركعة الأولى بالطَّائفة الأولى، فليقرأ في الثانية بالطائفة الثانية، تسوية بينهما.
وأصحهما -وبه قال أحمد-: أنه يقرأ أولاً، ولا يؤخر.
واحتجوا عليه بأنه لو لم يقرأ فإما أن يسكت أو يقرأ غير الفاتحة من القرآن، وكل واحد منهما خلاف السنة، أو يشتغل بذكر وتسبيح، وليس القيام محلاً لذلك، وهذا لا يسلمه من صار إلى القول الأول على الإطلاق، بل ذكروا تفريعاً عليه أنه يسبح ويذكر اسم الله تعالى جدُّه بما شاء.
والطريق الثاني: أنها ليست على القولين، ثم اختلفوا فعن أبي إسحاق أن النصين مُنَزَّلاَن على حالتين حيث قال: "يقرأ" أراد إذا كان الإمام يريد قراءة [سورة طويلة بعد الفاتحة فتمكن استدامة القراءة إلى لحوق الطائفة الثانية، وحيث قال: لا يقرأ أراد إذا

كان يريد، 1 سورة قصيرة فتفوت القراءة على الطَّائفة الثانية فهاهنا يستحب الانتظار، ومنهم من قطع بما رواه الربيع، وغلط المزني في النقل وقال: لفظ الشَّافعي -رضي الله عنه-: ويقرأ بعد إتيانهم بقدر أم الكتاب وسورة قصيرة لا بأم القرآن، وإنما أمر بذلك لينالوا فضيلة القراءة، فلو لم يفعل وأدركوه في الركوع، كانوا مدركين للركعة.
وقوله في الكتاب: (لكنه يمد القراءة عند لحوقهم) إشارةً إلى ما ذكرنا وهو أنه يمكث في قراءته بعد لحوقهم قدر قراءة أم القرآن وسورة، وفي بعض القراءة ولكنه يمد القراءة إلى وقت لحوقهم، وعلى هذا ففرض الكلام أنه لا يؤخر القراءة إلى لحوقهم، لا أنه يقطع القراءة كما لحقوا.
وأما قوله: (وكذا هذا على الخلاف في انتظاره في التشهد قبل لحوقهم) فاعلم أنه مبني على أن الطائفة الثانية يقومون إلى الركعة الثانية إذا جلس الإمام للتشهد، وهو المذكور في الكتاب، والمشهور، وقد حكينا قولاً آخر أنهم يقومون إليها بعد سلامه، فعلى ذلك القول ليس له انتظار في التشهد، وعلى المشهور هل يتشهد قبل لحوقهم، أما القاطعون في الانتظار الأول بأنه يقرأ الفاتحة فقد قطعوا هاهنا بأنه يتشهد بطريق الأولى، وأما المثبتون للخلاف ثُمَّ فقد اختلفوا هاهنا، منهم من طرد القولين، ومنهم من قطع بأنه يتشهد؛ لأن الأمر بتأخير القراءة في قول إنما كان ليقرأ بالطائفة الثانية كما قرأ بالطائفة الأولى، وهذا المعنى لا يفرض في التشهد.
إذا عرفت ذلك فلا يخفى عليك أن قوله: (وكذا هذا الخلاف) جواب على طريقة طرد القولين في التشهد، ويجب أن يعلم بالواو؛ للطريقة الأخرى على أنها أظهر عند الأكثرين.
قال الغزالي: ثُمَّ هذِهِ الحَاجَةُ إنْ وَقَعَتْ فِي صَلاَةِ المَغْرِبِ فَلْيُصَلِّ الإِمَام بِالطَّائِفَةِ الأُولَى رَكْعَتَينِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً لِأَنَّ فِي عَكْسِهِ تَكْلِيفَ الطَّائفَةِ الثَّانِيَةِ تَشَهُّدًا غَيرَ مَحْسُوبٍ، ثُمَّ الإمَامُ إِنِ انْتَظَرَهُمْ فِي التَّشَهُدِ الأَوَّلِ فَجَائِزٌ، وَإِنْ انْتَظَرَهُمْ فِي القِيَامِ الثَّالِثِ فَحَسَنٌ.
قال الرافعي: ما سبق كلام في الصلاة الثَّنَائِيَّة كيف تؤدي بالنَّاسِ في الموضع الذي بيناه، فإما إذا كانت الصلاة مَغْرِباً، وفرض الخوف كذلك فلا بد من تفضيل إحدى الطائفتين على الأخرى، فيجوز أن يصلي بالأولى ركعة، وبالثانية ركعتين، ويجوز أن يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعة وأيهما أولى فيه قولان: أصحهما: أن الأفضل أن يصلّي بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة؛ لأن

الطائفة الأولى سابقون فهم أولى بالتفضيل؛ ولأنه لو عكس فَصَلَّى بالطائفة الأولى ركعة وبالثانية ركعتين لزاد في صلاة الطائفة الثانية تشهداً غير محسوب؛ لأنهم حينئذ يحتاجون إلى الجلوس مع الإمام في الركعة الثانية، وهو غير محسوب لهم، فإنها أولاهم، والألْيَقُ بالحال التخفيف دون التطويل.
والثاني: أن الأفضل أن يصلي بالأولى ركعتين، وبالثانية ركعتين؛ لأَنَّ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صَلَّى لَيْلَةَ الْهَرِيرِ 1 بالنَّاسِ هكَذَا، ثم إن فعل هكذا، فالطائفة الأولى تفارقه إذا قام إلى الثَّانِية، وتتم لنفسها على ما ذكرنا في ذات الركعتين، وإن صلى بالأولى ركعتين فيجوز أن ينتظر الثانية في التشهد الأول، ويجوز أن ينتظرهم في القيام الثالث، وأيهما أولى؟ فيه قولان: أحدهما: أن انتظارهم في التَّشهد الأول أولى، ليدركوا معه الركعة من أولها، وينقل هذا عن "الإملاء".
وأصحهما: أن انتظارهم في القيام الثالث أولى؛ لأن القيام مبني على التطويل، والجلسة الأولى مبنية على التخفيف، ولأن في ذات الركعتين ينتظر قائماً، فكذلك هاهنا؛ لأنه إذا انتظرهم في الجلوس لا تدري الطائفة الأولى متى يقومون؟ ثم إذا انتظرهم في القيام - فهل يقرأ الفاتحة أم يصير إلى لحوق الفرقة الثانية؟ فيه الخلاف المتقدم.
وقوله في الكتاب: (فليصل بالطائفة الأولى ركعتين، وبالثانية ركعة) جواب على القول الأول، ويجوز أن يكون جزماً بأنه يفعل كذلك؛ لأن القاضي الرويان حكى طريقة جازمة به مع طرد القولين، وعلى التقديرين فلفظ: (الركعة والركعتين) معلَّمٌ بالواو.
وقوله: (فليصل) أمر استحباب وفضيلة، وليس ذلك بلازم.
وقوله: (وإن انتظرهم في القيام الثالث، فحسن) هو لفظ الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وقد حملوه على أن الأفضل الانتظار فيه، وإذا كان كذلك فيجوز أن يعلم بالواو؛ إشارة إلى القول المنقول عن "الإملاء".
قال الغزالي: وَإِنْ كَانَ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ في الحَضَرِ فَلْيُصَلِّ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ فَالانْتِظَارُ الثَّالِثُ زَائِدٌ عَلَى المَنْصُوصِ وَفِي تَحْرِيمِهِ قَوْلاَنِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: الانْتِظَارُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ هُوَ الانْتِظَارُ الثَّانِي فِي حَقِّ الإِمَامِ فَلاَ مَنْعَ مِنْهُ.
قال الرافعي: إذا كان الخوف في السفر فسبيل الصَّلاة الرباعية أن تقصر وتُؤَدَّى

كما سبق، فلو أرادوا إتمامها وكانوا في الحضر وقد جاءهم العدو فينبغي أن يفرق الإمام الناس فرقتين، ويصلي بكل طائفة ركعتين، ثم هل الأفضل أن ينتظر الثَّانِيَة في التشهد الأَوَّل، أو في القيام الثَّالث؟ فيه الخلاف المذكور في المغرب، ويتشهد بكل واحدة من الطائفتين بلا خلاف؛ لأنه موضع تشهدهما، ويتضح بما ذكرناه أن قوله: (وإن كان في صلاة رباعية في الحضر) ليس الحضر مذكوراً على سبيل الاشتراط، لجواز الإتمام في السَّفَرِ، لكن الغالب أن الإتمام لا يكون.
إلا في الحضر، لأن القصَر أفضلُ مطلقاً عند الإمكان على الأصح، وأليق بحال الخوف، فلهذا قال في الحضر: وقوله: (فليصل بكل طائفة ركعتين) معلّم بالميم؛ لأن في رواية عن مالك لا يجوز أن يصلي بهم الصلاة الرباعية كذلك.
لنا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 1 الآية، لا فرق فيها بين السفر والحضر، ولو فرقهم أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة، وذلك بأن يصلي بفرقة ركعة، وينتظر قائماً في الثانية، وينفردوا هم بثلاث، ويسلموا، ويذهبون، ثم يصلي الركعة الثانية بفرقة ثانية، وينتظر جالساً في التشهد الأول، أو قائماً في الثالثة، ويتموا لأنفسهم، ثم يصلّي بفرقة ثالثة، وينتظر في قيام الرابعة، ويتموا صلاتهم، ثم يصلي الرابعة بالفرقة الرابعة، وينتظرهم في التشهد الأخير إلى أن يتموا صلاتهم، ويسلم بهم فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن الأصل أن لا يحتمل الانتظار في الصلاة أصلاً؛ لما فيه من شغل القلب، والإخلال بالخشوع، وقد ورد عن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انتظاران فلا يزاد عليهما.
وأصحهما: نعم؛ لأن جواز انتظارين إنما كان للحاجة، وقد تقتضي الحاجة أكثر من ذلك بأن لا يكون في وقوف نصف الجند، في وجه العدو كفاية بل يحتاج إلى وقوف ثلاثة أرباعهم بكل حال.
التفريع: إن جوزنا فقد قال إمام الحرمين من شرطه 2، أن تمس الحاجة إليه، فأما إذا لم تكن حاجة فالحكم كما لو جرى ذلك في حالة الاختيار، والطائفة الرابعة على هذا القول كالطائفة الثانية في ذات الركعتين، فيعود الخلاف في أنهم يفارقونه قبل التشهد، أو يتشهدون معه ويقومون بعد سلام الإمام إلى ما عليهم كالمسبوق، وتتشهد الطائفة الثانية معه في أظهر الوجهين.

والثاني: تفارقه قبل التشهد، وعلى هذا القول تصح صلاة الإمام، وفي صلاة الطوائف قولان: المنقول عن "الأم" أن صلاتهم صحيحة، وعن "الإملاء" أن صلاتهم باطلة سوى صلاة الطائفة الرابعة، وبنوا ذلك على أن المأموم إذا أخرج نفسه عن صلاة الإمام بغير عذر هل تبطل صلاتُه أم لا؟ وقالوا: الطوائف الثلاث خرجوا عن صلاة الإمام بغير عذر؛ لأن وقت المفارقة ما نقل عن فعل المقتدين بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نصف الصَّلاة، وكل طائفة من الثلاث قد فارقته قبل تمام النصف، وأما الطَّائفة الرابعة فإنها لم تخرج عن صلاة الإمام، بل أتمت صلاة على حكم المتابعة، وليس هذا البناء والفرق صافياً عن الإشكال -والله أعلم-.
وإن فرعنا على أن لا يجوز ذلك فصلاة الإمام باطلة، ومتى تبطل؟ فيه وجهان.
قال ابن سُرَيْج: تبطل بالانتظار الثالث، وهو الواقع في الرَّكعة الرابعة، ولا تبطل بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة، لأنه انتظر مرَّة للطائفة الثانية في الركعة الثانية، وانتظاره في الركعة الثالثة هو انتظاره الثاني إذا لم يكن له في الأولى انتظار، وقد ثبت من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، انتظاران فلا بأس بهما، ولا فرق في الفصلين سوى أن المنتظر ثم في المرتين الطائفة الثانية، والمنتظر هاهنا في المرة الثانية طائفة أخرى، لكن هذا لا يضر إذا لم يزد عدد الانتظار، كما لا يضر زيادة قدر الانتظار لو فرقهم فرقتين وصلَّى بكل واحدة ركعتين، وقال جمهور الأصحاب: تبطل صلاتُه بالانتظار الواقع في الركعة الثالثة؛ لمخالفته الانتظار الثاني الذي ورد النقل به في المنتظر وفي القدر، فأما المنتظر فقد وضح، وأما في القدر فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم- انتظر في الركعة الثانية فراغ الطائفة الثانية فحسب والإمام هاهنا ينتظر فراغ الثانية وذهابها إلى وجه العدو، ومجيء الثَّالثة، والذي قاله الجمهور وهو ظاهر النص، ولذلك قد يعبر عن هذا الخلاف بقولين منصوص ومخرَّجٌ لابن سريج، ثم حكي في "البيان" وجهين تفريعاً على ظاهر النص.
أحدهما: أن صلاته تبطل بمضي الطائفة الثانية، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينتظرهم في المرة الثَّانية إلا قدر ما أتمت صلاتها، فإذا زاد بَطَل.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: أنها تبطل بمضي قدر ركعة من انتظاره الثاني، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينتظر الطَّائِفتين جميعاً، إلا بقدر الصَّلاة التي هو فيها مع الذهاب والمجيء وهذا وقد انتظر في المرة الأولى قدر ما صَلَّت الطائفة الأولى ثلاث ركعات وذهبت وجاءت الثانية، فإذا مضى قدر ركعة فقد تَمَّ قدر الانتظار المنقول فتبطل صلاتُه بالزيادة عليه، هذا هو الكلام في صلاة الإمام تفريعاً على قول المنع، وأما صلاة الطَّوائف فتبنى على صلاته فَتَصحّ صلاة الطائفة الأولى والثانية على ظاهر النَّص وقول ابْنُ سُرَيْج معاً؛ لأنهم فارقوه قبل بطلان صلاته، وصلاة الطَّائفة الرابعة باطلة إن علمت

بطلان صلاة الإمام، وإن لم تعلم فَلاَ، وحكم الطائفة الثالثة حكم الرابعة على ظاهر النّص: وحكم الطائفتين الأوليين على قول ابْنُ سُرَيْج 1 ولو فرق القوم في صلاة المغرب ثلاث فرق وصلى بكل فرقة ركعة، وقلنا: لا يجوز ذلك فصلاة جميع الطوائف صحيحة عند ابْنِ سُرَيجٍ، وعلى ظاهر النص صلاة الطائفة الثالثة باطلة إلا أن لا يعلم بطلان صلاة الإمام، وإذا عرفت ما ذكرناه ولخصت ما في المسألة من الخلاف، قلت: فيها أربعة أقوال: أصحها: صحة صلاة الإمام والقوم جميعاً.
والثاني: صحة صلاة الإمام والطائفة الرابعة لا غير.
والثالث: بطلان صلاة الإمام، وصحة صلاة الطائفة الأولى والثانية، والفرق في حق الثَّالثة والرابعة بين أن تعلم بطلان صلاة الإمام أو لا تعلم.
والرابع: صحة صلاة الثالثة لا محالة.
والثاني: كما ذكرنا في القول الثالث وهو ابن سُرَيْج 2. وقوله في الكتاب: (فلانتظار الثالث زائد على المنصوص) أي على نَصِّ الشارع وما ثبت من فعله، وأراد بالانتظار الثالث: الانتظار الواقع في الركعة [الثالثة وهو الثاني من انتظارات الإمام ثم يلزمه من إثبات الخلاف فيه إثباته في الانتظار الواقع في الركعة] 3 الرابعة بطريق الأولى، وهو الثالث في الحقيقة، ولو أراد الانتظار الثالث

حقيقة لكان ذلك عين قول ابْنِ سُرَيج، ولما انتظم من أن يقول بعد ذلك.
وقال ابن سريج، ورتب في "الوسيط" الخلاف في بطلان الصَّلاة، بالانتظار الثالث على الخلاف في تحريمه، فقال: في تحريمه قولان: إن قلنا يحرم ففي بطلان الصلاة به قولان، ولم يذكر المعظم هذا الترتيب، وإنما تكلموا في الصحة والبطلان، وذكر الشافعي -رضي الله عنه- مع القول بصحة صلاة الجميع، أنهم مسيئون بذلك، وهذا يشعر بالجزم بالتحريم والله أعلم.
قال الغزالي: وَفِي إِقَامَةِ الجُمُعَةِ عَلَى هذِهِ الهَيْئَةِ وَجْهَانِ (م) وَوَجْهُ المَنْعِ أَنَّ العَدَدَ فِيهَا شَرْطٌ وَيُؤَدِّي إِلَى الانْفِضَاضِ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: إذا كان الخوف في بلد ووافق ذلك يوم الجمعة وأرادوا إقامة صلاة الجمعة على هيئة صلاة ذات الرِّقَاع، فقد نقل المصنف فيه وجهين: أحدهما: الجواز كسائر الصلوات الثنائية.
والثاني: المنع، لأن العدد شرط فيها، وتجويز ذلك يفضي إلى انفراد الإمام في الركعة الثانية، والأول هو الذي حكاه أصحابنا العراقيون عن نصه في "الأم"، ثم ذكروا في طريقتين: إحداهما: أن ذلك جواب على أحد الأقوال في مسألة الانفضاض، وهو أنه إذا نفض القوم عنه وبقي وحده يُصَلِّي الجُمُعَة، قلنا إذا لم نقل بذلك امتنع إقامة الجمعة على هذا الوجه.
والثانية: القطع بالجواز بخلاف سورة الانفضاض؛ لأنه معذور هاهنا بسبب الخوف، ولأنه يترقب مجيء الطائفة الثانية، ويجوز أن يرتب فيقال: إن جوزنا الانفضاض فتجويز إقامة الجمعة على هذه الهيئة أولى، وإلا فوجهان، والفرق العذر، وإيراد الكتاب إلى هذا الترتيب أقرب، وكيف ما كان فالأظهر عند الأكثرين الجواز، ثم له شرطان: أحدهما: أن يخطب بهم جميعاً ثم يفرقهم فرقتين، أو يخطب بطائفةٍ ويجعل فيها 1 مع كل واحد من الفرقتين أربعين فصاعداً، فأما لو خطب بفرقة وصلى بأخرى فلا يجوز.
والثاني: أن تكون الفرقة الأولى أربعين فصاعداً، فلو نقص عددهم عن الأربعين

لم تنعقد الجمعة، ولو نقصت الفرقة الثانية عن أربعين، فقد حكى ابن الصَّباَّغ عن الشيخ أبي حامد أنه لا تضر ذلك بعد انعقادها بالأولى، وعن غيره أنه على الخلاف في الانفضاض، ولو خطب الإمام بالناس وأراد أن يقيم الجمعة بهم على هيئة صلاة عَسَفَان فهي أولى، بالجواز إن جوزناها على هيئة صلاة ذات الرِّقَاع، ولا يجوز إقامتها على هيئة صلاة بطن النَّخْلِ، إذ لا تقام جمعة بعد جمعة.
قال الغزالي: ثمَّ يجب حَمْلُ السِّلاحَ في هذِهِ الصَّلاَةِ وَصَلاة عَسَفَانَ إنْ كَانَ فِي وَضْعِهَا خَطَرٌ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ السَّلاَمَةَ وَاحْتَمَلَ الخَطَرَ فَيُسْتَحَبُّ الأخْذُ وَفِي الوُجُوبِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" وغيره: واجب للمصلي -أي في الخوف- أن يأخذ سلاحه، وقال في موضع: ولا أجيز وضعه، واختلف الأصحاب على طرق: أظهرها -وبه قال أبو إسحاق-: إن في المسألة قولين: أحدهما: أنه يجب؛ لظاهر قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ 1 وقال تعالى جدُّه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ 2 أشعر ذلك بقيام الجناح، إذا وُضِعَ من غير عُذْر.
وأصحهما -وبه قال أبو حنيفة وأحمد-: أنه لا يجب، والآية محمولة على الاستحباب.
واحتجوا لهذا القول بأنه لا خلاف، أن وضعه لا يفسد الصلاة، فوجب أن لا يجب حملهما كسائر ما لا يفسد تركه الصلاة ولا يجب فعله.
والطريق الثاني: القطع بالاستحباب.
والثالث: القطع بالإيجاب.
والرابع: ما يدفع به عن نفسه كالسَّيْفِ والسِّكين يجب حمله، وما يدفع به عن نفسه وغيره كالرمح والقوس لا يجب حمله؛ لأن الدفع عن النفس أولى بالوجوب، وهؤلاء حملوا النصين على هذين النوعين، والخلاف في المسألة مشروط بشروط: أحدها: أن يكون طاهراً، فأما السّلاح النجس فلا يجوز حمله بحالٍ، ومنه السَّيْف الذي سقى السُّم النَّجِس، والنبل المريش بريش طائر لا يؤكل، أو طائر ميت؛ لأنه نجس على الصَّحِيح.

والثاني: أن لا يكون مما يمنع من بعض أركان الصلاة، كالحديد المانع من الركوع، والبيضة المانعة من مباشرة 1 المصلَّي بالجبهة، فإن كان كذلك لم يحمل بلا خلاف.
والثالث: أن لا يتأذى به الغير كالرمح، فإن حَمْلَه في وسط الصِّفِّ يؤذي القوم فيكره، إلا أن يكون في حاشية الصَّف فلا يتأذى بحمله أحد.
والرابع: قال الإمام: موضع الخلاف أن يخاف من وضع السلاح وتنحيته خطر على سبيل الاحتمال، فأما إذا كان يتعرض للهلاك ظاهراً، لو لم يأخذ السلاح فيجب القطع بوجوب الأخذ، وإلا فهو استسلام للكفار، وهذا الشرط قد ذكره في الكتاب، فأوجب الحمل إذا كان في موضع خطر، وخص الخلاف بما إذا ظهرت السَّلامة واحتمل الخطر.
واعلم أن ترجمة المسألة هي حمل السلاح، قال إمام الحرمين: وليس الحمل معيناً لعينه بل لوضع السيف بين يديه، وكان مد اليد إليه في اليسر والسهولة كمدها إليه وهو محمول متقلد، كان ذلك بمثابة الحمل قطعاً، وأما لفظ السلاح فقد قال القاضي ابن كج: إنه يقع على السيف والسكين والرمح والنشاب ونحوها، أما الترس فليس بسلاح، وكذا لو لبس درعاً لم يكن حاملاً سلاح والله أعلم.
ثم في لفظ الكتاب شيئان: أحدهما: أنه خص الكلام بصلاة ذات الرِّقَاعِ، وصلاة عسفان، وأشعر ذلك بنفي الوجوب في صلاة بطن النخل، لكن معنى الخوف يشملها جميعاً، والجمهور أطلقوا القول في صلاة الخوف إطلاقاً.
والثاني: أنه قال في آخر الفصل: (فيستحب الأخذ وفي الوجوب قولان): وقضية هذا الكلام الجزم بالاستحباب، وقصر الخلاف على الوجوب وإنما يكون كذلك، إن لو اشتمل الوجوب على الاستحباب اشتمال العام على الخاص، وفيه كلام لأهل الأصول، فإن لم يحكم باشتماله عليه فالصائر إلى الوجوب نافٍ للاستحباب فلا يكون الاستحباب إذًا مجزوماً بِهِ.
قال الغزالي: فَرْعٌ: سَهْوُ الطَّائِفَتَيْنِ مَحْمُولٌ فِي وَقْتِ مُوَافَقَتِهِمُ الإِمَامَ، وسَهْوُ الطَّائِفَةِ الأُولى غَيْرُ مَحْمُولٍ فِي رَكْعَتِهِمُ الثَّانِيَةَ وَذلِكَ لاِنْقِطَاعِهِمْ عَنِ الإمَامِ، وَمَبْدَأُ الانْقِطَاعِ الاعْتِدَالُ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَوْ رَفْعُ الإمَامِ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِ الأُولَى فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا

سَهْوُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ فَفِي حَمْلِهِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُمْ سَيَلْتَحِقُونَ بِالإِمَامِ قَبْلَ السَّلاَمِ، وَهُوَ جَارٍ فِي المَزْحُومِ إِذَا سَهَا وَقْتَ التَّخَلُّفِ، وَفِيمَنْ انْفَرَدَ بِرَكْعَةٍ وَسَهَا ثُمَّ اقْتَدَى فِي الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: أصل الفرع أن سهو المأموم يحمله الإمام، وهذه قاعدة شرحناها في "باب سجود السهو" إذا تذكرت ذلك فنقول: إذا سها بعض المأمومين في صلاة ذات الرقاع على الرواية المختارة فينظر، إن سهت الطائفة الأولى فسهوها في الركعة الأولى محمول؛ لأنها مقتدية بالإمام، وسهوها في الثانية غير محمول؛ لانقطاعها عن الإمام، وما مبدأ الانقطاع؟ فيه وجهان، حكاهما الإمام عن شيخه: أحدهما: أن مبدأ الانقطاع الاعتدال في الركعة الثانية؛ لأن القوم والإمام جميعاً صائرون إلى القيام، فلا تنقطع القدوة ما لم يعتدلوا قائمين.
والثاني: أن مبدأ الانقطاع رفع الإمام رأسه من السجود الثاني؛ لأن الركعة تنتهي بذلك، فعلى هذا لو رفع الإمام رأسه وهم بعد في السجود، وفرض منهم سهو لم يكن محمولاً، ولك أن تقول: قد نصوا على أنهم ينوون المفارقة عن الإمام، وأنه يجوز ذلك عند رفع الرأس وعند الاعتدال كما سبق، وإذا كان كذلك فلا معنى لفرض الخلاف في أن الانقطاع يحصل بهذا أو بذاك، فإنه ليس شيئاً يحصل بنفسه، بل هو منوط بنية المفارقة، فوجب قصر النظر على وقتها.
وأما الطائفة الثانية فسهوها في ركعتها الأولى محمول أيضاً؛ لأنها على حقيقة المتابعة، وفي سهوها في الركعة الثانية وجهان: أحدهما -وينسب إلى ابن خيران وابن سريج-: أنه غير محمول؛ لأنهم منفردون به في الحقيقة.
وأصحهما: أنه محمول؛ لأن حكم القدوة باقٍ بدليل أنهم مقتدون به إذا حصلوا معه في التشهد، وإلا لما كان لانتظاره إياهم معنى، وإذا كان كذلك فلولا استمرار حكم القدوة لاحتاجوا إلى إعادة نية القدوة إذا جلسوا للتشهد، ولا يحتاجون إليها والوجهان جاريان في المزحوم في الجمعة إذا سَهَا في وقت تخلفه، وأجروهما أيضاً فيما كان يصلي منفرداً فَسَهَا في صلاته، ثم اقتدى بإمام وجوزنا ذلك على أحد القولين، واستبعد الإمام إجراء الخلاف في هذه الصورة، وقال: الوجه القطع بأن حكم السّهْوِ لا يرتفع بالقدوة اللاَّحقة، فإن السهو كان أو هو منفرد لا يخطر له أمر القدوة، فلا ينعطف حكمهما على ما تقدَّم من الانفراد، وقوله: (لأنهم سيلحقون بالإمام) يجوز أن يريد به التحاقهم في الصورة مصيراً إلى أن حكم القدوة مستمر في الحال، ويجوز أن يريد به

أنهم سيصيرون مقتدين، وإن كانوا منفردين في الحال، فيؤخذ بآخر الأمر، والضمير في قوله: (وهو جار) عائد إلى الخلاف وإن لم يكن [لفظه] (1) مذكوراً.
وقوله فيمن انفرد بركعة وسها، (ثم اقتدى في الثانية)؛ لأنه ليس للتقييد، وأنه لا فرق بين أن يقتدي في الأولى، والثانية بعد السهود منفرداً.
واعلم أن جميع ذلك مبني على أن الطَّائفة الثانية يقومون إلى الركعة الثانية إذا جَلَسَ الإمام للتشهد، فإما إذا قلنا: إنهم يقومون إليها إذا سَلَّم الإمام على ما نقل عن القديم فسهوهم في الثانية غير محمول لا محالة، كالمسبوق، وهذا حكم سهو المأمومين، أما لو سها الإمام نظر، إن سَهَا في الركعة الأولى لَحِقَ سهوه الطائفتين، فالطائفة الأولى يسجدون إذا أتموا صلاتَهم، ولو سَهَا بعضهم في الركعة الثانية فهل يقتصر على سجدتين أم يسجد أربعاً؟ فيه خلاف تقدم نظائره، والأَصَحُّ الأول والطائفة الثانية يسجدون مع الإمام في آخر صلاته، وإن سَهَا في الركعة الثانية لم يلحق سهوه الطائفة الأولى؛ لأنهم فارقوه قبل السَّهْو، وتسجد الثانية معه في آخر الصلاة، ولو سَهَا في انتظاره إياهم فهل يلحقهم ذلك السهو؟ فيه الخلاف المذكور في أنه هل يتحمل سهوهم والحالة هذه؟

قال الغزالي

###: النَّوْعُ الرَّابِعُ: صَلاَةُ شِدَّةِ الخَوْفِ،

وَذَلِكَ إِذَا الْتَحَمَ الفَرِيقَانِ وَلَمْ يُمكِنْ تَرْكُ القِتَالِ لِأَحَد فَيُصَلُّونَ رِجَالاً وَرُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ وَغيرَ مُسْتَقْبِلِيهَا إِيمَاءً بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُحْتَرِزِينَ عَنِ الصَّيْحَةِ وَعَنْ مُوَالاَةِ الضَّرْبَاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ كَثُرَتْ مَعَ الحَاجَةِ فِي أَشْخَاصٍ فَيُحْتَمَلُ، وَفِي شَخْصٍ وَاحِدٍ لاَ يُحْتَمَلُ لِنُدُورِهِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ فِي المَوْضَعَيْنِ، وَقِيلَ: لاَ يُحْتَمَلُ فِيهِمَا، فَإِنْ تَلَطَّخَ سِلاَحُهُ بِالدَّمِ فَلْيُلْقِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجاً إِلَى إِمْسَاكِهِ فَالأَقْيَسُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُّ عَلَيْهِ القَضَاءُ، وَالأَشْهَرُ وُجُوبُهُ لِنُدُورِ العُذْرِ.
قال الرافعي: إذا التحم القتال ولم يتمكنوا من تركه بحال لقلتهم وكثرة العدو، أو اشتداد الخوف، وإن لم يلتحم القتال فلم يأمنوا أن يركبوا أكتافهم لو وَلُّوا عَنهم، أو انقسموا فيُصَلُّون بحسب الإمكان، وليس لهم التأخير عن الوقت.
وعن أبي حنيفة أن لهم ذلك.
ثم في كيفية هذه الصَّلاة مسائل: إحداها: لهم أن يصلوا ركباناً على الدَّوَابِّ، أو مشاةً على الأقدام، قال الله تعالى1

جَدُّه: ﴿فَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ 1 ويجوز أن يعلم لفظ (الرجال) في قوله: (فيصلون رجالاً) بالحاء؛ لأن أصحابنا حكوا عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- أنه ليس للراجل أن يصلي بل يؤخر.
الثانية: لهم أن يتركوا الاستقبال إذا لم يجدوا بُدَّا عنه، قال ابن عمر -رضي الله عنهما- في تفسير الآية: "مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرُ مُسْتَقْبِلِيهَا" 2. قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويجوز أن يأتم بعضهم ببعض مع اختلاف الجهة، كالمصلي حول الكعبة، وفيها: وإنما يعفى عن الانحراف عن القبلة إذا كان بسبب العدو، فأما إذا انحرف لجماح الدابة وطال الزمان بطلت صَلاتُه كما في غير حالة الخوف، ويجوز أن يعلم قوله: (غير مستقبليها) بالحاء؛ لأنهم حكوا عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ترك الاستقبال.
الثالثة: إذا لم يتمكنوا من إتمام الركوع والسجود اقتصروا على الإيماء بهما، وجعلوا السجود أخفض من الركوع، ولا يجب على الماشي استقبال القبلة في الركوع والسجود، ولا عند التحرم، ولا وضع الجبهة على الأرض، فإنه تعرض للهلاك بخلاف ما ذكرنا في المتنفل ماشياً في السَّفَر.
الرابعة: يجب عليهم الاحتراز عن الصياح، فإنه لا حاجة إليه.
قال الإمام: بل الكمي المقنع السكوت أهيب في نفوس الأقران، ولا بأس بالأعمال القليلة فإنها محتملة من غير خوف، فعند الخوف أولى، وأما الأعمال الكثيرة كالطعنات والضربات المتوالية فهي مبطلة إن لم يكن محتاجاً إليها، وإن كان محتاجاً إليها فوجهان: أحدهما: أنها مبطلة، وقد حكاه العراقيون وغيرهم عن ظاهر نصه في "الأم"؛ لأن الآية وردت في المشي والركوب، وانضم ترك الاَستقبال إليه فيما ورد من التفسير، فما جاوز ذلك يبقى على المنع.
والثاني -وبه قال ابن سريج-: أنها غير مبطلة؛ لمكان الحاجة كالمشي وترك الاستقبال، وتَوَسَّطَ بعض الأصحاب بين الوجهين فقال: يحتمل في أشخاص؛ لأن الضربة الواحدة لا تدفع عن المضروب فيحتاج إلى التوالي لكثرتهم، ولا تحتمل في الشخص الواحد لندرة الحاجة إلى توالي الضربات فيه، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح هذا الوجه المتوسط، لكن الأكثرين رجحوا الوجه المنسوب إلى ابْنِ سُرَيج، وقطع به القَفَّالُ

فيما حكاه الرّويَانِي، ومنهم من عبر عن الوجوه بالأقوال، وكذلك فعل في "الوسيط".
وقولى: (من غير حاجة) تقييد لموالاة الضَّرب دون الصَّيْحة، والاحتراز عنها واجب بكل حالٍ، وليست هي من ضروريات القتال، هكذا ذكر الأئمة.
وقوله: (فيحتمل)، وكذا قوله: (وقيل لا يحتمل)، يجوز أن يعلما بالحاء؛ لأن الصيدلاني حكى عن أبي حنيفة أنه يجوز فيها العمل الكثير.
الخامسة: لو تَلَطَّخَ سلاحُه بالدَّمِ، فينبغي أن يلقيه أو يجعله في قرابة تحت ركابه إن احتمل الحال ذلك، وإن احتاج إلى إمساكه فله الإمساك، ثم هل يقضي؟ حكى إمام الحرمين عن الأصحاب أنه يقضي لندور العذر، ثم منعه، وقال: تلطخ السلاح بالدم من الأعذار العامه في حق المقاتل، ولا سبيل إلى تكليفه تنحية السلاح، فتلك النجاسة ضرورية في حَقِّه، كنجاسة المستحاضة في حقها، ثم جعل المسألة على قولين مركبين على القولين فيما إذا صلَّى في حصن، أو موضع آخر نجس، وهذه الصورة أولى بنفي القضاء، لإلحاق الشَّرع القتال بسائر مسقطات القضاء في سائر المحتملات كالاستدبار والإيماء بالركوع والسجود، فليكن أمر النجاسة كذلك، ويتبين بما ذكرنا أنه لم جعل الأقيس نفي القضاء، والأشهر وجوبه؟ ويجوز إقامة الصلاة عند شدة الخوف بالجماعة، خلافاً لأبي حنيفة، وتقام صلاة العيدين والخسوفين في شدة الخوف لأنهما بعرض الفوات، ولا تقام صلاة الاستسقاء.
قال الغزالي: ثُمَّ هَذِهِ الصَّلاةُ تُقَامُ فِي كُلِّ قِتَال مُبَاحٍ وَلَو فِي الذَّبِّ عَنِ المَالِ، وَكَذَا فِي الهَزِيمَةِ المُبَاحَةِ عَنِ الكُفَّارِ، وَلاَ تُقَامُ فِي اتِّبَاعِ أَقْفِيَةِ الكُفَّارِ عِنْدَ انْهِزَامِهِمْ، وَيُقِيمُهَا الهَارِبُ مِنَ الحَرَقِ وَالغَرَقِ والسَّبُعِ، والمُطَالَبُ بالدَّيْنِ إِذَا أَعسَرَ وَعَجَزَ عَنِ البَيِّنَةِ، وَالمُحْرِم إِذَا خَافَ فَوَاتَ الوُقُوفِ قِيلَ: يُصَلِّي مُسْرِعاً فِي مَشْيِهِ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام فيما يرخص في هذه الصلاة، إذ لا شك في أنها غير جائزة عند الأمن والسلامة، وفيه صور: إحداها: تجوز هذه الصلاة في كل ما ليس بمعصية من أنواع القتال، دون ما هو معصية؛ لأن الرخص لا تناط بالمعاصي، فيجوز في قتال الكفار ولأهل العدل في قتال أهل البغي، وللرفقة في مال الطريق، ولا يجوز لأهل البغي والقُطاَّع، ولو قصد نَفْسَ رَجُلٍ أو حَرِيمَه، أو نفس غيره، أو حريمه واشتغل بالدفع كان له أن يصلي هذه الصَّلاة في الدفع، ولو قصد إتلاف ماله نظر، إن كان حيواناً فكذلك الحكم، وإلا فقولان: أحدهما: لا يجوز؛ لأن الأصل المحافظة على أركان الصَّلاة وشرائطها، خالفناه فيما عدا المال؛ لأنه أعظم حرمة.

وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه يجوز؛ لأن الذَّبَّ بالقتال عن المال جائز، كالذَّبِّ عن النَّفْس، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" 1. الثَّانِية: لو وَلُّوا ظهورهم عن الكفار منهزمين، نظر إن كان يحل لهم ذلك، بأن يكون في مقاتلة كل مسلم أكثر من كَافِرَيْنِ، فلهم أن يصلُّوا صَلاَة شدة الخوف؛ لتعرضهم للهلاك لو أتوا بالصلاة على الكمال، وإن لم يحل كما إذا كان في مقابلة كل مسلم كافران فليس لهم ذلك؛ لأنهم عاصون بالانهزام، والرخص لا تناط بالمعاصي، فإن كان فيهم متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة فله الترخص لجواز الانهزام، ولو انهزم الكفار واتبع المسلمون أقعيتهم، ولو أكملوا الصلاة وثبتوا لفاتهم العدو، فليس لهم صلاة شدة الخوف؛ لأنهم لا يخافون محذوراً بل غاية الأمر فوات مطلوب، والرخص لا يتعدى بها مواضعها، فلو خافوا كميناً أو كرة، كان لهم أن يصلُّوها.
الثالثة: الرخصة في الباب لا تتعلق بخصوص القتال، بل تتعلق بعموم الخوف، فلو هرب من حَرِيقٍ يغشاه، أو من سيل منحدرٍ إلى موضعه ولم يجد في عرض الوادي ما يقدر على اللّبث فيه والصعود، فغدا في طوله، أو هرب من سبع قصده فله أن يصليها؛ لأنه خائف من الهلاك، والمديون المعسر إذا عجز عن بينة الإعسار ولم يصدقه المستحق، ولو ظفر به لحبسه، كان له أن يصليها هارباً دفعاً لضرر الحبس، ويجوز أن يعلم قوله: (والمطالب بالدين) بالواو؛ لأن الحَنَّاطِي حكى عن الإمام أنه لو طلب رجل لا ليقتل لكن ليحبس أو يؤخذ منه شيء لا يصلي صلاة الخوف، وغاية المحذور هاهنا هو الحبس، ولو كان عليه قصاص يرجو العفو عنه إذا سكن الغليل وانطفأ الغضب فقد جوز الأصحاب أن له أن يهرب، وقالوا: له أن يصلي صلاة شدة الخوف في هربه، واستبعد الإمام جواز الهرب من المستحق بهذا التوقع.
الرابعة: المحرم إذا ضاق وقت وقوفه بعرفة وخاف فوت الحج لو صلى متمكناً ما الذي يفعل؟ حكى الشيخ أبو محمد عن القفال فيه وجوهاً: أحدها: أنه لا يؤخر الصلاة، فإن قَضَاءَها هين، وأمر الحَجِّ خطير، وقضاؤه عسير.
والثاني: أنه يقيمها، كما تقدَّم في شدة الخوف، ويحتمل فيها العذر؛ لأن الحج في حتى المحرم كالشيء الحاصل، والفوات طارئ عليه، فأشبه ما لو خاف هلاك مال حاصل لو لم يهرب، ولأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن ضرر الحبس أياماً في حق المديون.

والثالث: أنه تلزمه الصَّلاة على سبيل التمكن والاستقرار، لأن الصَّلاةِ تلْو الإيمان، ولا سبيل إلى إخلاء الوقت عنها؛ لعظم حرمتها، ولا سبيل إلى إقامتها كما تقام في شدة الخوف؛ لأنه لا يخاف ذوات حاصل هاهنا، فأشبه فوت العدو عند انهزامهم، ويشبه أن يكون هذا الوجه أوفق لكلام الأئمة -والله أعلم-.
وقوله: (قيل: يصلي مسرعاً في مشيه) هو الوجه الثاني، وقوله: (وقيل: لا يجوز ذلك) يمكن إدراج الأول والثالث فيه.
قال الغزالي: وَلَوْ رَأَى سَوَادًا فَظَنَّهُ عَدُوًّا فَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ قَوْلانِ، وَمَهْمَا فَاجَأَهُ فِي أَثْنَاءِ صَلاِتهِ خَوْفٌ فَبَادَرَ إِلَى الرُّكُوبِ وَكَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِتْمَامِ الصَّلاَةِ رَاجِلاً فَأَخَذَ بِالحَزْمِ لَمْ يَصِحَّ بِنَاءُ الصَّلاَةِ، وَلَوِ انْقَطَعَ الخَوْفُ فَنَزَلَ وَأَتَمَّ الصَّلاةَ صَحَّ، وَإِذَا أَرْهَقَهُ الخَوْفُ فَرَكبَ وَقَلَّ فِعْلُهُ جَازَ البِنَاءُ، وَإِنْ كَثُرَ الفِعْلُ مَعَ الحَاجَةِ فَوَجْهَانِ كَمَا فِي الضَّرَبَاتِ المُتَوَالِيَةِ.
قال الرافعي: في الفصل مسأْلتان: إحداهما: لو رأوا سواداً أو إبلاً أو أشجاراً، فظنوها عدواً فصلّوا صلاة شدة الخوف، ثم تبين الحال ففي وجوب القضاء قولان.
أصحهما: وهو قوله في "الأم"، وبه قال أبو حنيفة: أنه يجب؛ لأنه ترك في صلاته فروضاً بسبب هو مخطئ فيه فيقضي، كما لو أخطأ في الطهارة.
والثاني: نقله المزني عن "الإملاء" أنه لا يجب لقيام الخوف عند الصلاة، وهو أصح عند صاحب "المهذب"، والجمهور على ترجيح الأول، ثم اختلفوا في محل القولين فمنهم من قال: القولان فيما إذا كانوا في دار الحرب لغلبة الخوف والعدو فيها، فأما إذا كانوا في دار الإسلام فوجب القضاء لا محالة، وحكى هذا الفرق صاحب "التهذيب" عن نصه في القديم وأصحاب هاتين الطريقتين نسبوا المزني إلى السَّهْوِ فيما أطلقه عن "الإملاء" وادعت كل فرقة أنه إنما نفى الإعادة في "الإملاء" بالشرط المذكور، ومن الأصحاب من عمم القولين في الأحوال، وهذا أظهر، وهو الموافق لمطلق لفظ الكتاب.
ويجوز أن يعلم قوله: (قولان) بالواو؛ إشارة إلى الطريقتين الأولتين، ولو تحققوا العدو فصلُّوا صلاة شدة الخوف، ثم بان أنه كان دونهم حائل من خندق، أو نارٍ أو ماءٍ، أو بان أنه كان بقربهم حصن يمكنهم التحصن به، أو ظنوا أن بإزاء كل مسلم أكثر من مشركين فصلوها منهزمين، ثم بان خلافه فحيث أجرينا القولين في الصورة السابقة تجريها أيضاً في هذه الصورة ونظائرها، ومنهم من قطع بوجوب القضاء هاهنا؛ لأنهم

قصروا بترك البحث عما بين أيديهم، قال في "التهذيب": ولو صلوا في هذه الأحوال صلا عَسَفَان اطرد القولان، ولو صلوا صلاة ذات الرِّقَاع، فإن جوزناها في حال الأمن فهاهنا أولى، وإلا جرى القولان.
الثانية: لو كان يصلي متمكناً على الأرض متوجهاً إلى القبلة، فحدث خوف في أثناء صلاته، فركب نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه تبطل صلاته، وعليه أن يستأنف، ونقل عن نصه في موضع آخر أنه يبني على صلاته، واختلفوا فيهما على طريقتين حكاهما أصحابنا العراقيون.
وأحدهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أن الركوب يُبْطِلُ الصلاة؛ لأنه عمل كثير.
والثاني: لا يبطلها؛ لأن العمل الكثير بعذر شدة الخوف لا يقدح.
وأظهرهما -وبه قال ابن سريج وأبو إسحاق-: أن النصين محمولان على حالين، حيث قال: يستأنف الصَّلاة، أراد ما لم 1 يكن مضطراً إلى الركوب وكان يقدر على القتال، وإتمام الصَّلاة راجلاً فركب احتياطاً، وأخذ بالحزم، وحيث قال: (يبني) أراد ما إذا صار مضطراً إلى الركوب، ثم قال هؤلاء: إذا قل فعله في الركوب لحذقه بني بلا خلاف، وإن أكثر فعله، ففيه الوجهان المذكوران في العمل الكثير للحاجة، والمذكور في الكتاب هو الطريق الثاني، فقوله: (ومهما فاجأه في أثناء صلاته 2 خوف) عبارة عن الحالة الأولى، وقوله: (وإن أرهقه الخوف فركب) عبارة عن الحالة الثانية، وحينئذ لا يخفى أن قوله: (لا يصح بناء الصلاة) وقوله: (جاز البناء) ينبغي أن يعلَّما بالواو وإشارة إلى الطريقة الأولى، وقد أدخل بين الكلامين سورة وهي عكس هذه المسألة، وهي أنه لو كان يصلي راكباَ في شدة الخوف فانقطع الخوف، نَص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه ينزل ويبني على صلاته، وفرق بينه وبين الركوب على قوله بأنه إذا ركب استأنف بأن قال: النزول أخف وأقل عملاً من الركوب، واعترض المزني عليه بأن هذا لا ينضبط، وقد يكون الفارس أخف ركوباً وأقل شغلاً لفروسيته من نزول ثقيل غير فارس، واختلف الأصحاب في الجواز بحسب اختلافهم في الركوب، فمن أثبت الخلاف في الركوب على الإطلاق فرق بين الركوب على أحد القولين، وبين النزول بأن قال: نزول كل فارس أخف من ركوبه، وإن أمكن أن يكون أثقل من ركوب فارس آخر، ومن نزل النَّصَّيْن في الركوب على الحالين المذكورين قال: لا فرق بين الركوب والنزول إن حصل بفعل قليل بني وإن كثر الفعل، فوجهان، وتبين من هذا الحاجة إلى

إعلام قوله: (فنزل وأتم الصلاة صح) بالواو؛ لأنه مطلق، وفي الصحة عند كثرة الفعل اختلاف، وذكر صاحب "الشامل" وغيره: أنه يشترط في بناء النازل أن لا يستدبر القبلة في نزوله، فإن استدبر بطلت صلاتُه -والله أعلم- 1. قال الغزالي: وَبَجُوزُ لُبْسُ الحَرِيرِ وَجِلْدُ الكَلْبِ وَالْخَنْزِيرِ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ القِتَالِ، وَلاَ يَجُوزُ فِي حَالَةِ الاخْتِيَارِ بِخِلاَفِ الثِّيَابِ النَّجِسَةِ، ويجُوزُ تَسْمِيدُ الأرْضِ بِالزِّبْلِ لِعُمُومِ الحَاجَةِ، وَفِي لُبْسِ جِلْدِ الشَّاةِ المَيِّتَةِ وَتَجْلِيلِ الخَيْلِ بِجِلِّ مِنْ جِلْدِ الكِلاَبِ وَجْهَانِ، وَفِي الاسْتِصْبَاحِ بِالزَّيْتِ النَّجْسِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: ختم الشافعي -رضي الله عنه- صلاة الخوف بباب فيما له لبسه، وفيما ليس له، فاقتضى الأكثرون من الأصحاب به، وأوردوا أحكام الملابس في هذا الموضع، ومنهم من أوردها في صلاة العيد؛ لأنا نستحب التزين يوم العيد، فتكلموا في التزين الجائز والذي لا يجوز، وصاحب الكتاب أورد بعضها هاهنا وبعضها في صلاة العيد، والمذكور هَاهُنَا يشتمل على مسألتين: إحداهما: سنذكر أن لبس الحرير حرام على الرجال، لكن يجوز لبسه في حالة مفاجأة القتال إذا لم يجد غيره، وذلك في حكم الضرورة، وكذلك يجوز أن يلبس منه ما هو جُنَّة القتال كالديباج الصّفيق الذي لا يقوم غيره مقامه، وجوز القاضي ابْنِ كَج اتخاذ القباء ونحوه، مما يصلح في الحرب من الحرير، ولبسه فيها على الإطلاق، لما فيه من حسن الهيئة وزينة الإسلام؛ لينكسر الكفار منه، كتحلية السيف ونحوه، والمشهور الأول.
وقوله: (ولا يجوز في حالة الاختيار) مطلق، لكن أحوالاً يجوز فيهما لبس الحرير في حال الاختيار مستثناة عنه على ما سيأتي في صلاة العيد.
الثانية: للشافعي -رضي الله عنه- نصوص مختلفة في جواز استعمال الأعيان النجسة، وحكى صاحب "التهذيب" وغيره فيها طريقتين، منهم من طرد قولين في وجوه الاستعمال كلها.
أحدها: المنع لقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ 2.

والثاني: يجوز، كما يجوز لبس ثوب أصابه نجاسة، ومنهم من فَصَّل، وقال: لا يجوز استعمال النجاسات في البدن، والثوب إلا لضرورة وفي غيرها يجوز إن كانت النجاسة مخففة، وإن كانت مغلظة وهي نجاسة الكلب والخنزير فلا، ونزل النصوص على هذا التفصيل، وهذا أظهر، وبه قال اْبُو بَكْرٍ الفَارِسِي والْقَفَّالُ وأصحابه، والفرق بين استعمالها في البدن والثوب وغيرهما ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه- وهو أن على الإنسان تَعَبُّداً في اجتناب النجاسات، بإقامة الصلوات وسائر العبادات، ولا تعبد على الفرس والأداة وغيرها، فلا يمنع من استعمالها فيها، والفرق بين نجاسة الكلب والخنزير، وسائر النجاسات غلظ حكمها، ولذلك لا يجوز الانتفاع بالخنزير في حياته أصلاً وبالكلب أيضاً إلا في أغراض مخصوصة، فأولى أن لا يجوز الانتفاع بهما بعد الموت.
إذا تقرر ذلك فنقول: لا يجوز له لبس جلد الكلب والخنزير في حالة الاختيار، بخلاف الثياب النجسة يجوز لبسها والانتفاع بها في غير الصلاة ونحوها؛ لأن نجاستها عارضة سهلة الإزالة فإن فاجأه قتال ولم يجد سواه، أو خاف على نفسه من حر أو برد كان له أن يلبس جلد الكلب والخنزير، كما له أكل الميتة عند الاضطرار، ولا بأس لو أعلم قوله: (ولا يجوز في حالة الاختيار) بالواو؛ إشارةً إلى الطريقة الطاردة للقولين في وجوه الاستعمال، في جميع النجاسات، وهل يجوز لبس جلد الشاة الميتة وسائر الميتات في حالة الاختيار؟ فيه وجهان بنوهما على أن حكمنا بتحريم لبس جلد الكلب والخنزير لنجاسة العين أم لما خُصَّا به من التغليظ.
وأظهر الوجهين: المنع، ويجوز أن يلبس هذه الجلود فرسه وأداته، والمنع في البدن، وجلد الكلب والخنزير كما لا يستعمل في البدن لا يستعمل في غيره، نعم لو جَلَّلَ كلباً أو خنزيراً بجلد كلب، أو خنزير فهل يجوز ذلك فيه وجهان: أحدهما: لا، فإنه مستعمل، ولا ضرورة.
وأظهرهما: الجواز؛ لاستوائهما في تغلظ النجاسات، وأما تسميِد الأرض بالزّبل فهو جائز.
قال الإمام: ولم يمنع منه للحاجة الحاقة القريبة من الضرورة، وقد نقله الاثبات عن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي كلام الصّيدلاني ما يقتضي بإثبات خلافه فيه، والله أعلم.
وهل يجوز الاستصباح بالزيت النجس؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن السّراج قد يقرب من الإنسان ويصيب الدخان بدنه وثيابه.
وأظهرهما: نعم؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ، وَالْوَدَكِ

فَقَالَ: اسْتَصْبِحُوا بِهِ، ولاَ تَأْكُلُوهُ" 1. وأما الدخان فقد لا يصيب، وبتقدير أن يصيب فللأصحاب وجهان في نجاسته، فإن لم نحكم بنجاسته فلا بأس به كبخار المعدة لا ينجس الفم، وإن حكمنا بنجاسته -وهو الأظهر- كالرماد فقليله معفو عنه، والذي يصيب في الاستصباح قليل لا ينجس غالباً.
وأعلم أنه لا فرق للاستصباح بين أن ينجس بعارض، وبين أن يكون نجس العين كودك الميتة، ويطرد القولان في الحالتين، قاله صاحب "النهاية" وغيره -والله أعلم-.

جارٍ التحميل