الأركان؟ فاعلم: أن إمام الحرمين أجاب عنه بأن قال: الأمر فيه قريب، ولا حجر على من بعدهما من الأركان كما في الصلاة، ولا على من لا يعدهما من الأركان في الصلاة أيضاً، ونقول: المقصود ما يقع فيهما، وهما محالان، ويجوز الفرق بأن الغرض من الخطبة الوعظ، وهو أمر معقول، ولا يصح 1 في الصلاة أمر معقول، فجعل القيام بمثابة ما فيه، وهاهنا عد شرطاً ومحلاً لما هو المقصود.
الخامسة: هل يشترط في الخطبة طهارة الحدث وطهارة البدن والثوب والمكان عن الخبث؟ فيه قولان:
القديم: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد؛ لأن الخطبة ذِكْرٌ يتقدم الصَّلاة فأشبه الآذان.
والجديد: نعم اتباعاً لما جرت الأئمة عليه في الأعصار كلها، وهذا الخلاف مبني عن بعض الأئمة على أن الخطبتين بدل عن الركعتين، أم لا؟ وقال إمام الحرمين: وهو مبني على أن الموالاة في الخطبة هل هي شرط أم لا؟ إن قلنا: نعم، فلا بد من أن يكون متطهراً؛ لأنه يحتاج إلى الطهارة بعد الخطبة فتختل الموالاة.
وإن قلنا: لا تشترط الموالاة لا تشترط الطَّهارة، ومنهم من جعل الخلاف في الطهارة وجهين، والقولان أشْهَرُ، وقد طرد الخلاف في سَتْرِ العورة، أما من يبنى على أن الخطبتين بدل من الركعتين أم لا فتوجيهه هَيِّنٌ على أصله، وأما من لم يبن عليه فقد قال الإمام: سبب الاشتراط بروز الخطيب، وما فيه من هتكة الانكشاف لو لم يتستر.
وقوله: (في طهارة الحدث) لفظ (الحدث) يشمل الحدث الأصغر والأكبر، وقد صَرَّحَ في "التتمة" بطرد الخلاف في اشتراط الطهارة عن الحدث والجنابة جميعاً، لكن قال في "التهذيب": إن خطب جنباً لم تحسب قولاً واحداً؛ لأن القراءة شَرْطٌ، ولا تحسب قراءة الجنب، وهذا أوضح 2 والخلاف الذي أرسله المراد منه ما بيناه، ونقله المصنف في "الوسيط" وجهين وأما الخلاف في الموالاة فهو قولان، ومسألة الموالاة مكررة قد ذكرها مرة في الشرط الرابع للجمعة، وإنما جمع بينها وبين الطهارة لتناسب والبناء الذي ذكره الإمام، وإذا اشترطنا الطهارة فلو سبقه الحدث في [الخطبة] 3 لم
يعتد بما يأتي به في حال الحدث، وفي بناء غيره عليه الخلاف الذي سبق، ولو تطهر وعاد وجب الاستئناف إن طال الفصل وشرطنا الموالاة، وإن لم يطل الفصل ولم نشترط الموالاة فوجهان:
أظهرهما: الاستئناف أيضاً؛ لأنها عبادة واحدة، فلا تؤدي بطهارتين كالصَّلاَة.
قال الغزالي: وَيَجِبُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الكَمَالِ، وَهَلْ يَحْرُمُ الكَلاَمُ عَلَى مَنْ عَدَا الأَرْبَعِينَ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، الجَدِيدُ أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ كَمَا لاَ يَحْرُمُ الكَلاَمُ عَلَى الخَطِيبِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ القَوْلَيْنِ فِي الخَطِيبِ فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الإِنْصَات فَلاَ يُسَلِّمُ الدَّاخِلُ، فَإِنْ سَلَّمَ لَمْ يُجَبْ، وَفِي تَشْمِيتِ العَاطِسِ وَجْهَانِ، وَفِي وُجوبهِ عَلَى مَنْ لاَ يَسْمَعُ الخُطْبَةَ وَجْهَانِ، وَتَحِيَّة المَسْجِدِ مُسْتَحَبةُ فِي أَثْنَاءِ الخُطْبَةِ (ح م)، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَجِبُ الإنْصَات فَفِي تَشْمِيتِ العَاطِسِ وَفِي رَدِّ السَّلاَمِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: الشريطة السادسة للخطبة رفع الصوت، فإن الوَعْظَ الذي هو مقصود الخطبة لا يحصل إلا بالإبلاغ والإسماع 1، وذلك لا يحصل إلا برفع الصوت، فلو خطب سرًّا بحيث لم يسمع غيره لم يحسب كالآذان، وحكى صاحب "البيان" عن أبي حنيفة أنها تُجْزِئ، وقد حكاه القاضي الروياني وغيره وجهاً.
لنا ثم الضبط على ظاهر المذهب أن يسمع أربعين من أهل الكمال على ما سبق وصفهم، ولو رفع الصوت قدر ما يبلغ لكن كانوا أو بعضهم صُمًّا ففيه وجهان:
أصحهما: أنها تجزئ كما لو بعدوا عنه، وكما أنه يشترط سماع شهود النكاح.
والثاني: يجزئ كما لو حلف لا يكلم فلاناً فكلمه بحيث يسمع لكنه لم يسمع لصممه يحنث، وكما لو سمعوا الخطبة ولم يفهموا معناها لا يضر، وينبغي للقوم أن يقبلوا بوجوههم إلى الإمام وينصتوا ويسمعوا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 2 ذكر في التفسير أن الآية وردت في الخطبة سميت قرآناً لاشتمالها عليه، والإنصات: هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع، وهل الإنصات فرض والكلام حرام أم لا؟ قال في القديم "والأم": الإنصات فَرْضٌ والكلامُ حرامٌ وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو أظهر الروايتين عن أحمد، ووجهه ظاهر الأمر في
الآية، فإنه للإيجاب وما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ وَالْإِمَام (9) يَخْطُبُ
يَومُ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْتَ" 3 واللّغو الإثم قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ
مُعْرِضُونَ} 1 وقال في الجديد: الإنصات سنة والكلام ليس بحرام لما روى: "أَنَّ رَجُلاً دَخَل وَاِلنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ يَومَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَأوْمَأ النَّاسُ إِلَيْهِ بِالسُّكُوتِ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَأَعَادَ الكَلاَمَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَعْدَ الثَّالِثَةَ: مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا.
فَقَال: حُبَّ اللهِ وَرَسُولَهُ، فَقَال إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ" 2.
والاستدلال أنه لم ينكر عليه ولم يبين له وجوب السكوت، وذكر أصحابنا العراقيون أن أبا إسحاق حكى في الشرح عن بعض أصحابنا طريقة أخرى جازمة بالوجوب وأنه أَوَّلَ كلامه في الجديد، والذي عليه الجمهور طريقة القولين، وهل يحرم الكلام على الخطيب؟ فيه طريقان:
أصحهما: القطع بأنه لا يحرم، وإنما حرم على المستمع في قول كيلا يمنعه عن الاستماع، "وَأَيْضاً فَقَدْ كَلَّمَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَتَلَهُ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ فِي الْخُطْبَةِ" 3، وَكَلَّمَ أَيْضاً سُلَيْكاً الْغَطَفَانِي 4 فِي الْخُطْبَةِ، كما سيأتي، وعلى هذه الطريقة شبه في الكتاب المستمع بالخطيب، فقال: الجديد أنه لا يحرم على الخطيب، وقد ذكر المزني هذا الاستدلال لترجيح الجديد.
والطريقة الثانية: طرد القولين في الخطيب، وهي تخرج على أن الخطبتين بمثابة الركعتين أم لا؟ إن قلنا: نعم حرم الكلام عليه، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
ثم تكلم في محل القولين وتفريعهما.
أما المحل ففيه كلامان:
أحدهما: أن الخلاف في الكلام الذي لا يتعلق به غرض مهم ناجز فأما إذا رأى أعمًى يقع في بِئْرٍ أَوْ عَقْرَبًا تَدُبُّ على إنسان فأنذره، أو علَّم إنساناً شيئاً من الخير أو نهاه عن منكر فهذا لا يحرم قولاً واحداً، وإن كان لفظ الكتاب مطلقاً، كذلك ذكره الأصحاب على طبقاتهم، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- نعم المستحب أن يقتصر على الإشارة ولا يتكلم ما وجد إليه سبيلاً.
والثاني: أنه يجوز الكلام قبل أن يبتدئ الإمام في الخطبة وكذلك بعد الفراغ منها إلى أن ينزل، أو يتحرم بالصلاة، وليس ذلك موضع الخلاف، لأنه ليس وقت
الاستماع، وأما حالة الجلوس بين الخطبتين فمنهم من أخرجها من حَيِّز الخلاف أيضاً، وهو ما أورده صاحب "المهذب"، وحجة الإسلام في "الوسيط"، وأجرى المحاملي وابن الصباغ وآخرون الخلاف فيه، ويجوز للداخل في أثناء الخطبة أن يتكلم ما لم يأخذ لنفسه مكاناً، والقولان بعد ما قعد حكاه الإمام وغيره.
وأما تفريع القولين، فإن قلنا: بالقديم فالداخل في أثناء الخطبة ينبغي أن لا يسلم، فإن سلم لم تجز إجابته باللسان، ويستحب أن يجاب بالإشارة كما في الصَّلاة، وهل يجوز تشميت العاطس؟ فيه وجهان:
أصحهما -وهو المنصوص-: لا؛ كَرَدِّ السلام.
والثاني: يجوز؛ لأن العاطس لا يتعلق بالاختيار، والتشميت من حقوق المُسْلِمِ على المُسْلِم، فَيُوَفَّى، بخلاف رَدِّ السَّلام، فإن المسلم والحالة هذه مُضَيِّعٌ سَلاَمه، وعلى هذا فهَل يستحب؟ حكى إمام الحرمين فيه وجهين، ووجه المنع بأن الإنصات أهم فإنه واجب على هذا القول، والتشميت لا يجب قط، وحكى في "البيان" عن بعض الأصحاب أنه يرد السلام، ولا يشمت العاطس؛ لأن تشميت العاطس سنة ورد السَّلام واجب، والواجب لا يترك بالسّنة، وقد يترك بواجِبٍ آخر، وهل يجب الإنصات على من لا يسمع الخطبة؟ فيه وجهان شبيهان بالوجهين، في أن المأموم الذي لا يسمع قراءة الإمام هل يقرأ السورة أم لا؟.
أحدهما: أنه لا يجب؛ لأن الإنصات للاستماع، فعلى هذا له أن يشتغل بذكر وتلاوة.
والثاني: يجب كيلا يرتفع اللغط ولا يتداعى إلى منع السامعين من السماع، وهذا أظهر، ولم يذكر كثيرون سواه، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- وقالوا: البعيد بالخيار بين الإنصات وبين الذكر والتلاوة، وأما في كلام الأدميين فهو والقريب سواء، وإن فرعنا على الجديد فقد قال في الكتاب؛ يشمت العاطس، وفي رد السَّلاَم وجهان، ولا بُدَّ من البحث عنه أهو كلام في الاستحباب أم في الوجوب؟ أما جوازهما فلا شَكَّ فيه على هذا القول، أما غيره فقد جعل صاحب "التهذيب" الوجهين في وجب الرد.
أصحهما: وجوبه كما في سائر الأحوال.
والثاني: لا يجب؛ لأنه مُقَصِّرٌ مُضَيَّعٌ للسلام، كمن سلم على من يقضي حاجته، قال: وفي استحباب التشميت الوجهان، وذكر المضنف في "الوسيط" أن التشميت يجب، وفي الرَّد وجهان، والظاهر أنه أراد نصب الوجهين في الاستحباب على ما صرح
به إمام الحرمين، فقال: لا يجب الرد لتقصير المسلم ووضعه الكلام في غير موضعه، والوجهان في استحباب الرد.
واعلم: أن القول بوجوب التشميت خلاف ما أطبق عليه الأئمة، فإنهم قالوا: التشميت محبوب غير واجب بحال، فلا ينبغي أن يحمل قوله: (ويشمت العاطس) عليه بل الوجه تأويل ما في "الوسيط" أيضاً، ولا يحسن حمله على الجواز أيضاً؛ لأنه عطف عليه قوله: (وفي رد السلام وجهان) فإذا كان المراد من الأول الجواز، كان قضية الإيراد فرض الخلاف في الجواز، ولا يمكن تصوير الخلاف فيه على هذا القول، فإذا قوله: (يشمت العاطس) معناه أنه يستحب ذلك، وليكن معلماً بالواو لما حكاه صاحب "التهذيب".
واعلم: أنه لو تكلم لم تبطل جمعته على القولين جميعاً، والخلاف في الإثم وعدمه؛ وأما قوله: (وتحية المسجد مستحبة) فشرحه: أن الخطيب إذا صعد المنبر، فينبغي لمن ليس في الصَّلاة من الحاضرين أن لا يفتتحها سواء صلى السُّنَّة أم لا، ومن كان منهم في الصَّلاة خففها، وروي عن الزّهري أنه قال: "خُرُوجُ الْإِمَامِ يَقْطَعُ الصَّلاَةُ، وَكَلاَمُهُ يَقْطَعُ الْكَلاَمُ" 1 والفرق بين الكلام الذي لا بأس به، وإن صعد المنبر، ما لم يبتدئ الخطبة وبين الصَّلاة أن قطع الكلام هين متى ابتداء الخطيب الخطبة بخلاف الصلاة، فإنه قد يفوته سماع أول الخطبة إلى أن يتمها، وأما الدَّاخل في أثناء الخطبة، فيستحب له التَّحِيَّة خلافاً لمالك وأبي حنيفة، حيث قالا: يكره له الصَّلاة كما للحاضرين.
لنا: ما روي: "أَنَّهُ جَاءَ سُلَيْكُ الْغَطَفَانِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ: لَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قُمْ يَا سُلَيْكُ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وتَجَوَّزْ فِيهِمَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ [يَوْمُ الجُمُعَةِ] 2 وَالإمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا" 3، ولو أن الداخل لم يُصَلِّ السنة بعد صلاها، وحصلت التحية بها أيضاً وإن دخل الإمام في آخر الخطبة لم يُصَلِّ، حتى لا يفوته أول الجمعة مع الإمام، وحكم التَّحِيَّةِ لا يختلف بقولي الإنصات، وذِكْرُه في الكتاب متَّصِلاً بتفريع القديم ليس لاختصاص الاستحباب به، بل استحباب التحية على قولنا باستحباب الإنصات أظهر منه على قولنا يوجب الإنصات، وقوله في أول الفصل (ويجب رفع الصوت بحيث يسمع أربعين من أهل الكمال) يجوز إعلامه بالحاء والميم؛ لما تقدم نقله، وقوله: (وهل يحرم الكلام على من عدا الأربعين)
يقتضي الجزم بتحريم الكلام على الأربعين، وهذا التقدير بعيد في نفسه ومخالف لما نقله الأصحاب أما بعده في نفسه فلأن الكلام في السامعين للخطبة ألا تراه يقول بعد ذلك: (وفي وجوبه على من لا يسمع الخطبة وجهان) وإذا حضر جمع زائد على الأربعين، وهم بصفة الكمال، فلا يمكن أن يقال: بأن الجمعة تنعقد بأربعين منهم على التعيين، حتى يفرض تحريم الكلام عليهم قطعاً، والتردد في حق الآخرين بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا على التعيين [حتى يفرض تحريم الكلام عليهم قطعاً والتردد في حق الآخرين، بل الوجه الحكم بانعقاد الجمعة بهم أو بأربعين منهم لا على التعيين] 1 وأما مخالفته لنقل الأصحاب، فإنك لا تجد للجمهور إلا إطلاق قولين في السامعين، ووجهين في حق غيرهم كما سبق، ويجوز أن يعلم قوله: (قولين) بالواو إشارةً إلى الطريقة الجازمة بالوجوب المروية عن أبي إسحاق.
وقوله: (كما لا يحرم الكلام على الخطيب) معلم بالحاء والميم، هذا آخر ما ذكره في الكتاب من واجبات الخطبة ووراءها واجبات أخر.
منها: أن تكون بالعربية كما سبق.
ومنها: نية الخطبة وفرضيتها، حكى عن القاضي الحسين اشتراط ذلك كما في الصَّلاة.
ومنها: التَّرتِيب ذكر صاحب "التهذيب" وغيره أنه يجب الترتيب بين الكلمات الثلاث المشتركة بين الخطبتين، يبتدئ بالتحميد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية، ولا ترتيب بين القراءة والدّعاء، ولا بينهما، ولا بين غيرهما، ونفى صاحب "العدة" وآخرون وجوب الترتيب في ألفاظها أصلاً، وقالوا الأفضل رعايته 2.
قال الغزالي: وَأَمَّا سُنَنُ الخُطْبَةِ فَأَنْ يُسلّم الخَطِيبُ عَلَى مَنْ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ إِذَا صَعَدَ المِنْبَرَ أَقْبَلَ وَسَلَّمَ (م ح) وَجَلَسَ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ المُؤَذِّنُ.
قال الرافعي: سنن الخطبة ثلاث جمل:
إحداها: السنن السابقة على نفس الخطبة.
منها: أن يخطب على المنبر: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ مُسْتَنِداً إِلَى جِذْعٍ فِي
الْمَسْجِدِ، ثُمَّ صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرِ فَكَانَ يَخْطُب عَلَيْهِ" 1.
والسنة: أن يوضع على يمين المحراب، هكذا وضع منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمراد من يمين المحراب الموضع الذي يكون على يمين الإمام إذا استقبل، ويكره وضع المنبر الكبير الذي يضيق المكان على المصلين إذا لم يكن المسجد متسع الخطة، فإن لم يكن منبر خطب على موضع مرتفع ليبلغ صوته الناس.
ومنها: أن يسلم على من عند المنبر إذا انتهى إليه، لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إِذَا دَنَا مِنْ مِنْبَرِهِ سَلَّمَ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ يَصْعَدُ فَإذَا اسْتَقْبَل النَّاسَ بِوَجْهِهِ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَعَدَ" 2.
ومنها: إذا بلغ في صعوده الدرجة التي تلي موضع القعود ويسمى ذلك الموضع المستراح، أقبل على الناس بوجهه وسلم عليهم، خلافاً لمالك وأبي حنيفة حيث قالا: يكره هذا السَّلام.
لنا خبر ابن عمر -رضي الله عنهما- وروي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَوَى عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْترَاحِ قَائِماً ثُمَّ سَلَّمَ" 3.
ومنها: أن يجلس بعد السلام على الموضع المسمى بالمستراح ليستريح من تعب الصعود روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَيجْلِسُ جَلْسَتَيْنِ" 4 والمراد هذه الجلسة والجلسة بين الخطبتين ومتى جلس يشتغل المؤذن بالأذان قال الأئمة: "وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ رسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلاَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- لِلْجُمْعَةِ أَذَانٌ قَبْلَ هذَا الأَذَانِ فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ، كَثُرَ النَّاسُ وَعَظُمَت البَلْدَة أَمَرَ الْمُؤَذِّنِينَ بَالتَّأْذِينَ عَلَى مَكَانِهِم" ثم كان يؤذن المؤذن بين يديه إذا استوى على المنبر فثبت الأمر على ذلك ويديم الإمام الجلوس إلى فراغ المؤذن من الأذان.
وقوله: (إلى أن يفرغ المؤذن) وحد لفظ المؤذن، ويمكن حمله على ما [حكى] 5 في "البيان" عن صاحب "الإفصاح" والمحاملي أن المستحب أن يكون المؤذن واحداً، "لأنه لم يكن يُؤَذِّنُ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة إلا وَاحِدٌ" 6 وفي كلام
بعض الأصحاب ما ينازع فيه، ويشعر باستحباب التعدد -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ بليغتين قَرِيبَتَيْنِ مِنَ الإِفْهَامِ مَائِلَتَيْنِ إِلَى القِصَر يَسْتَدبِرُ القِبْلَةَ فِيهِمَا، وَيَجْلِسُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ بِقَدْرِ سُورَةِ الإِخْلاَصِ، وَيَشْغَلُ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي الخُطْبَتَيْنِ بِحَرْفِ المِنْبَرِ وَالثَّانِيَةَ بِقَبْضِ سَيْفِ أَوْ عَنْزَةٍ.
قال الرافعي: الجملة الثانية: السنن المتعلقة بنفس الخطبة.
منها:.
أن تَكُونَ الخُطْبَةُ بليغةً غير مُؤَلَّفَةٍ من الكلمات المتبذلة؛ لأنها لا تؤثر في القُلوب، ولا من الكلمات الغربية الوحشية؛ فإنه لا ينتفع بها أكثر النَّاس؛ بل يجعلها قريبة من الإفهام.
ومنها: أن لا يطول، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "قِصَرُ الْخُطْبَةِ وَطُولُ الصَّلاَةِ مِئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ" 1 وإنما قال: مائلتين إلى القِصَر ولم يقل قصيرتين؛ لأن المحبوب فيهما التَّوَسُّط، روي أن صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَتْ قَصْداً وَخُطْبَتُهُ قَصْداً" 2.
ومنها: أن يستدبر القبلة ويقبل على النَّاس ولا يلتفت يميناً وشمالاً، روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إذَا خَطَبَ اسْتَقبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَقْبَلُوهُ وَكَانَ لاَ يَلْتَفِتُ" 3 وإنما استدبر القبلة؛ لأنه لو استقبلها لم يخل إما أن يكون في صدر المسجد على ما هو المعتاد أو في آخره، فإن كان في صدر المسجد واستقبلها، كان مستدبراً للقوم، واستدبارهم وهم المخاطبون قبيح، خارج عن عرف المخاطبات، وإن كان في آخره فإما أن يستقبله القوم فيكونوا مستدبرين للقبلة واستدبار واحد أهون من استدبار الجم الغفير، وإما أن يستدبروه فيلزم ما ذكرنا من الهيئة القبيحة، ثم لو خطب مستدبراً للناس جاز، وإن خالف السنة، وحكى في "البيان" وغيره وجهاً أنه لا يجزئ.
ومنها: أن يجلس بين الخطبتين بقدر قراءة سورة "الإخلاص" حكى عن نصه في "الكبير" قال الإمام: وهو قريب من القدر المستحب من الجلسة بين السجدتين.
وقوله: (ويجلس بين الخطبتين) إلى آخره الغرض منه عد تقدير الجلوس بالقدر المذكور من جملة السُّنَن.
وأما أصله فهو من الواجبات وهو كقوله: (ثم يخطب خطبتين بليغتين) لا أنه
يخطب خطبتين ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن القاضي الروياني ذكر في التجربة أنه يجب أن يكون جلوسة بقدر قراءة سورة "الإخلاص"، ولا يجوز أقلّ منه، ونسبه إلى النص.
ومنها: أن يعتمد على سيف أو عنزة وهي شبه الحربة أو عصَا أو نحوها، روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنْزَتِهِ اعْتِمَاداً" 1.
وروي: "أَنَّهُ اعتَمَدَ عَلَى قَوْسٍ فِي خُطْبَتِهِ" فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئاً سكن جسده ويديه إما بأن يجعل يده اليمنى على اليسرى، أو يقرهما مرسلتين، والغرض أن يخشع ولا يَعْبَث بهما، وإذا شغل إحدى يديه بسيف أو ما في معناه شغل الأخرى بحرف المنبر، وبأيتهما يقبض السَّيْف ونحوه، لم يتعرض الأكثرون لذلك، وذكر في "التهذيب" أنه يقبض باليسرى، وقوله: (بسيف أو عنزة) في بعض النسح أو غيره، ولا بأس به أيضاً وينبغي للقوم أن يقبلوا على الخطيب 2 مستمعين، لا يشتغلون بشيء آخر، حتى يكره الشرب للتلذذ ولا بأس به للعطش لا للقوم ولا للخطيب 3.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا فَرَغَ ابْتَدَرَ النَّزُولَ مَعَ إِقَامَةِ المُؤَذِّنِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ المِحْرَابَ عِنْدَ تَمَامِ الإقَامَةِ.
قال الرافعي: الجملة الثالثة: ما يتأخر عن نَفْسِ الخُطبة، وهو أن يأخذ في النزول والمؤذن في الإقامة ويبتدر ليبلغ المِحْراب مع فراغ المؤذن من الإقامة، والمعنى فيه المبالغة في تحقيق الموالاة.
الْبَابُ الثّاني فِيمَن تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ
قال الغزالي: وَلاَ تَلْزَمُ إِلاَّ عَلَى مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ صَحِيحٍ فَالعَارِي عَنْ هذِهِ الصِّفَاتِ لاَ يُلْزَم فَإِنْ حَضَرَ لَمْ يَتِمّ العَدَدُ بِهِ سِوَى المَرِيضِ لَكِن تَنْعَقِدْ لَهُ سِوَى المَجْنُونِ، وَلَهُمْ أَدَاءُ الظُّهْرِ مَعَ الحُضُورِ سِوَى المَرِيضِ فَإِنَّهُ إِذَا حَضَرَ لَزَمَهُ لِكَمَالِهِ.
قال الرافعي: مقصود الباب الكلام فيمن تلزمه الجمعة ومن لا تلزمه، وللزومها خمسة شروط:
أحدها: التكليف فلا جمعة على صبي ولا مجنون كسائر الصَّلوات، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إلاَّ أرْبَعَةً عَبْداً أَوْ امْرَأَةً أَوْ صَبيّاً أَوْ مَرِيضاً" 1 الثَّانِي الحرية [فلا تجب] 2 على عبدٍ، خلافاً لأحمد في رواية، والأصح عنه أيضاً مثل مذهبنا لما ذكرنا من الخبر.
وأيضاً فقد روي عن جابر -رضي اِللهِ عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْم الآخِرِ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةِ، إِلاَّ عَلَى امْرَأْةٍ أو مُسَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَرِيضٍ" 3، ولا فرق في ذلك بين القِنّ والمدبّر والمكاتب.
الثالث: الذكورة؛ فلا جُمْعَة على امرأةِ، لما روينا من الخبرين، والخنثى المشكل كالمرأة، قاله صاحب "التهذيب" وغيره؛ لأنه يحتمل أن يكون أنثى فلا يلزمه بالشَّك.
الرابع: الإقامة فلا جمعة على مسافر؛ للخبر الثاني، فلو كان وقت الجمعة في بلد على طريقه استحب له حضورها، وكذلك القول في الصَّبِيِّ والعبد.
الخامس: الصِّحة فلا جمعة على مريض للخبرين، ولا فرق بين أن تفوت الجمعة بتخلفه لنقصان العدد دونه وتمامه به، وبين أن لا تفوت ثم في الفصل صور:
إحداها: من فقد شرطاً من الشروط المذكورة كما لا تلزمه الجمعة لا يتم العدد به سوى المريض؛ لأنه متوطن ليس به نقيصة، وغيره إما ناقص أو غير متوطن، وفي معنى المرض أعذار نذكر في الفَصْل التالي لهذا الفَصْل فلا يجب على صاحبها الجمعة، وتَنْعقد به، وقوله: "فالعاري عن هذه الصفات" أي عن مجموعها، وقد يوجد فيه بعضها وقد لا يوجد شيء منها، وقوله: "لم يتم العدد به" معلم بالحاء، وقوله: "سوى المريض" بالواو، لما سبق في الشرط الرابع للجمعة.
الثانية: من لا تلزمه الجمعة، إذا حَضَر الجمعة وصلاها انعقدت له وأجزأته لأنها أكمل في المعنى، وإن كانت أقصر في الصورة، فإذا أجزأت الكاملين الدين لا عذر لهم، فلأن تجزي أصحاب العذر كان أولى، ويستثنى عن هذا المجنون، فإنه لا اعتداد لفعله.
الثالثة: الدين لا تلزمهم الجمعة إذا حضروا الجامع، هل لهم أن ينصرفوا ويصلؤا الظهر؟ أما الصبيان والنّسوان والعبيد والمسافرون فلهم ذلك؛ لأن المانع من وجوب الجمعة عليهم الصّفات القائمة بهم، وهي لا ترتفع بحضورهم، وأما المرضى فقد أطلق كثيرون في أنه ليس لهم بعدما حضروا الانصراف، وتلزمهم الجمعة؛ لأن المانع في حقهم المشقة فقد ارتفع هذا المانع وتعب العود، لا بد منه، سواء صلى الجمعة أو الظهر.
وفَصَّل إمام الحرمين فقال: إذا حَضَرَ المريض قبل دخول الوقت فالوجه القطع بأن له أن ينصرف، وإن دخل الوقت وقامت الصَّلاة لزمه الجمعة، وإن كان يَتَخَلَّل زمان بين دخول الوقت وبين الصلاة، فإن لم يلحقه مزيد مَشَقَّة في الانتظار حتى تقام الصَّلاة لزمه ذلك، وإن لَحِقَهُ لم يلزمه، وهذا تفصيل فقيه، ولا يبعد أن يكون كلام المطلقين منزلاً عليه، وألحقوا بالمرضى أصحاب المعاذير الملحقة بالمرض، وقالوا: إنهم إذا حضروا لزمهم الجمعة، ولا يبعد أن يكون هذا على التَّفْصِيل أيضاً؛ إن لم يزدد ضرر المعذور بالصَّبْرِ إلى إقامة الجمعة، فالأمر كذلك، وإن زاد فله الانصراف وإقامة الظهر في منزله، وذلك لكما في الخائف على ماله، ومهما كانت مدة غيبته أطول كان احتمال الضياع أقرب، وكذلك الممرض يزداد ضرره بالانتظار، والله أعلم.
وهذا كله فيما قبل الشّروع في الجمعة، فأما إذا أحرم الدين لا تلزمهم الجمعة بالجمعة ثم أرادوا الانصراف قال في "البيان": لا يجوز ذلك للمسافر والمريض، وذكر في العبد والمرأة وجهين عن حكاية الصيمري 1 وقوله في الكتاب: "ولهم أداء الظهر مع الحضور" يجوز أن يعلم
بالواو؛ لأنه لم يستثن عنه إلا المريض، وقد خرج صاحب "التلخيص" في العبد أنه تلزمه الجمعة، إذا حضر كالمريض، قال، في "النهاية" وهذا غلط باتفاق الأصحاب، ولا يوجد في جميع نسخ كتابه، فلعله هفوة من ناقل.
قال الغزالي: وَيلْتَحِقُ بِعُذْرِ المَرَضِ المَطَرُ وَالوَحْلُ الشَّدِيدُ، وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنَ المُرَخَّصَاتِ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ، وَيتْرُكُ بِعُذْرِ التَّمْرِيضِ أَيْضًا إِذَا كَانَ المَرِيضُ قَرِيباً مُشْرِفاً عَلَى الوَفَاةِ، وَفِي مَعْنَاهُ الزَّوْجَةُ وَالمَمْلُوكُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْرِفاً وَلَمْ يَنْدَفِعْ بِحُضُورِهِ ضَرَرٌ لَمْ يَجُزِ التَّرْكُ، وَإِنْ انْدَفَعَ بِهِ ضَرَرٌ جَازَ.
قال الرافعي: ما يمكن فرضه في صَلاة الجُمُعة من الأعذار المرَخَّصة في ترك الجماعة يرخص في ترك الجمعة أيضاً، وهذا القيد لا بد منه، وإن أطلق قوله: "وكل ما ذكر من المُرَخَّصَات في ترك الجماعة" لأن مما ذكر من المرخصات الريح العاصفة، وهي مرخصة بِشَرْط كونها في اللَّيْلِ، وهذا الشَّرْط لا يتصور هَاهُنَا، وقد سبق شرح تلك الأعذار، وكنا أخرنا عنها الكلام في شيئين فنذكرهما.
أحدهما: الوحل الشديد، وفيه وجهان:
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه عذر لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا ابْتُلَّتِ النّعَالُ فَالصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ" 1.
والثاني: ليس بعذر؛ لأن له عدة دافعة، وهي الخفاف والصَّنَادل، وهذا يشكل بالمطر، وذكر في "العدة" وجهاً فارقاً، وهو أن الوحل ليس بعذر في صلاة الجُمُعَة، وهو عذر في ترك الجماعة في سائر الصَّلَواتِ، لأنها تتكرر في اليوم والليلة خمس مَرَّات، قال: وبهذا أفتى أئمة طبرستان.
والثاني: التمريض والمريض، لا يخلو إما أن يكون له من يتعهده [أو لا يكون.
القسم الأول: أن يكون له من يتعهده] 2 ويقوم بأمره فينظر: إن كان قريباً وهو مشرف على الوفاة فله أن يتخلف عن الجمعة ويحضر عنده، روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما- "تَطَيَّبَ لِلْجُمُعَةِ، فَأُخْبِرَ أَن سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ -رضي الله عنه- مَنْزُولٌ بِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا لَهُ فَأَتَاهُ وَتَرَكَ الْجُمُعَةِ" 3، والمعنى فيه شغل القلب السالب للخشوع لو حضر، = قدمنا أن من دخل في فرض لأول الوقت، لزمه إتمامه على المذهب والمنصوص فهنا أولى.
الروضة (1/ 540).
فإن لم يكن مشرفاً على الوفاة لكن كان يستأنس به، فله أن يتخلف أيضاً ويمكث عنده ذكره في "التهذيب"، وإن لم يكن استئناس أيضاً فليس له التخلف، وحكى أصحابنا العراقيون عن ابن أبي هريرة وجهاً آخر، أن له [التخلف] 1 عند شِدَّة المرض لشغل القلب بشأنه، وإن كان المريض أجنبيًّا لم يجز التخلف للحضور عنده في هذا القسم بحال، وفي معنى القريب المملوك والزوجة وكل من بينه وبينه مصاهرة، وذكر المحاملي وغيره أن الصَّديق أيضاً كالقريب.
القسم الثاني: أن لا يكون للمريض متعهد، قال الإمام: إن كان يخاف عليه الهلاك، لو غاب عنه، فهو عذر في التخلف، سواء كان قريباً أو أجنبياً، فإن إنقاذ المسلم من الهلاك من فروض الكفايات، وإن كان يلحقه بغيبته ضرر ظاهر، لا يبلغ دفعه مبلغ فروض الكفايات، ففيه وجوه:
أصحها: أنه عذر أيضاً، فإن دفع الضرر عن المسلم من المهمات.
والثاني: أنه ليس بعذر؛ لأن ذلك مما يكثر وتجويز التخلف له قد يتداعي إلى تعطيل الجمعة.
والثالث: الفرق بين القريب والأجنبي لزيادة الرّقة والشفقة على الغريب، ولو كان له متعهد، لكن لم يتفرغ لخدمته لاشتغاله بشراء الأدوية أو بشراء الكفن وحفر القبر، إذا كان منزولاً به فهو كما لو لم يكن متعهد.
وقوله في الكتاب: (وإن لم يكن مشرفاً) المراد منه، وإن لم يكن المريض مشرفاً، ولو قدر أن المراد وإن لم يكن القريب مشرفاً لزم أن يكون لفظ الكتاب ساكتاً عن حكم الأجنبي مع أن الحكم المرتب على قوله: "وإن لم يكن مشرفاً" يستوي فيه القريب والأجنبي.
وقوله: (ولم يندفع بحضوره ضرر) يدخل فيه ما إذا كان مستغنياً في تلك الحالة عن خادم ومتعهد، وما إذا كان له متعهد يراعيه.
وقوله: (وإن اندفع به ضرر جاز) جواب 2 على الوجه الأصح، وينبغي أن يكون معلماً بالواو؛ لما ذكرنا.
ويجب على الزَّمن أن يحضر الجمعة، إذا وجد مركباً ملكاً أو إجارة أو عارية، ولم يشق عليه الركوب، وكذا الشيخ الضعيف ويجب أيضاً على الأعمى إذا وجد قائداً متبرعاً أو بأجرة، فله مال، فإن لم يجد قائداً لم يلزمه الحضور، هكذا أطلق الأكثرون،
وعن القاضي الحسين أنه إن كان يحسن المشي بالعصا من غير قائد لزمه ذلك، وعن أبي حنيفة أن الجمعة لا تجب على الأعمى بحال.
قال الغزالي: فُرُوعٌ، فِي صِفَاتِ النُّقْصَانِ: مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنصْفُهُ رَقِيقٌ كَالرَّقِيقِ، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ الوَاقعَةُ فِي نَوْبَتِهِ عِنْدَ المُهَايَأة.
قال الرافعي: المسائل المذكورة من هذا الموضع إلى آخر الباب متفرعة على صفات النقصان، ومتعلقة بها، وقد عدها في "الوسيط" ستة فروع:
وأحدها: ظاهر المذهب أن من بعضه حر وبعضه رقيق لا تلزمه الجمعة، كما لو كان كله رقيقاً؛ لأن رق البعض يمنع من الكمال والاستقلال، وذلك معتبر في لزوم الجمعة، ولهذا لا تجب على المكاتب، وفيه وجه أنه لو جرى بينه وبين السيد مهايأة تلزمه الجمعة الواقعة في نوبته؛ لاستقلاله في ذلك اليوم، وضعفه الإمام بأن قال: مثل هذا الشخص مدفوع في نوبة نفسه إلى الجد في الكسب لنصفه الحر، فهو في شُغْلٍ شَاغِلٍ لمكان الرق، قال: ولا شَكَّ في أن الجمعة لا تنعقد به والخلاف في الوجوب عليه.
قال الغزالي: وَالمُسَافِرُ إِذَا عَزَمَ عَلَى الإِقَامَةِ بِبَلْدَةٍ مُدَّةً لَزِمَتْهُ الجُمُعَةُ ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ العَدَدُ بِهِ.
قال الرافعي: الثاني: الغرباء إذا أقاموا ببلدة نظر إن اتخذوها وطناً فحكمهم حكم أْهلها تلزمهم الجمعة ويتم العدد بهم، وإن لم يتخذوها وطناً بل عزمهم الرجوع إلى بلادهم بعد مدة قصيرة أو طويلة، كالمتفقه والتجار فهؤلاء تلزمهم الجمعة إذا استجمعوا صفات الكمال؛ لأنهم ليسوا بمسافرين، فلا يترخصون بترك الجمعة، كما لا يترخصون بالقَصْرِ والفِطْر، وهل يتم عدد الجمعة بهم؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال ابن أبي هريرة-: نعم؛ لأن من وجبت عليه الجمعة انعقدت به كالمتوطن.
وأصحهما -وبه قال أبو إسحاق، وهو المذكور في الكتاب-: لا، واحتجوا له بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يجمع في حجَّة الوداع وقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة 1، وإنما لم يجمع؛ لأنه وَمَنْ معه لم يكونوا متوطنين، وإن عزموا على الإقامة أياماً، ولا يخفى مما ذكرنا أن قوله في الكتاب: "وإن عزموا على الإقامة مدة" المراد منه مدة ينقطع بعزم إقامتها حكم السفر لا كاليوم واليومين، وقوله: (لزمه الجمعة) قريب من التكرار؛ لأنه
معلومٌ من قوله في أول الباب: "ذكر حر صحيح مقيم" فإنه يبين لزومها على المقيم عند اجتماع سائر الشرائط وهذا مقيم.
قال الغزالي: وَأَهْلُ القُرَى لاَ تَلْزَمُهُمُ الجُمُعَةُ إلاَّ إِذَا بَلَغُوا أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الكَمَالِ أو بَلَغَهُمْ نِدَاءُ البَلَدِ مِنْ رَجُلٍ رَفِيعِ الصَّوْتِ وَاقِفٍ عَلَى طَرَفِ البَلَدِ في وَقتْ هُدُوِّ الأَصْوَاتِ وَرُكُودِ الرِّيَاحِ.
قال الرافعي: الثالث: القرية: إما أن يكون فيها أربعون من أهل الكمال أو لا يكون، فإن كان فيها أربعون من أهل الكمال لزمتهم الجمعة كأهل البلاد إذا أقاموا الجمعة في موضعهم فذاك، وإن دخلوا المصر وصلُّوها سقط الفرض عنهم ولو كانوا مسيئين؛ لتعطيلهم الجمعة في إحدى البقعتين، وحكى في "البيان" وجهاً، أنهم غير مسيئين؛ لأن أبا حنيفة -رحمة الله عليه- لا يجوز إقامة الجمعة في القرى، ففيما فعلوه خروج عن الخلاف، وإن لم يكن فيها أربعون من أهل الكمال، فإما أن يبلغهم النِّدَاء من حيث تقام الجمعة فيه من بلد أو قرية، وإما أن لا يبلغهم، فإن بلغهم فعليهم الجمعة؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" 1 والمعتبر نداء مؤذن على الصَّوْت يقف على طرف البلد من الجانب الذي يلي تلك القرية ويؤذن على عادته، والأصوات هادئة والرياح ساكنة 2، فإذا سمع صوته بالقرية من أصغى إليه ولم يكن أصم ولا جاوز حدة سمعه العادة، وجبت الجمعة على أهلها، وإنما كان الاعتبار من الطَّرَف الذي يلي تلك القريةِ، لأن البلدة قد تكون كبيرةً لا يبلغ النداء من وسطها إلى أْطرافها، فاعتبر آخر موضع يصلح لإقامة الجمعة فيه احتياطًا للعبادة، وفيه وجه آخر أنه يعتبر من وسط البلد، ووجه آخر أنه يعتبر من الموضع الذي تقام فيه الجمعة فليكن قوله: "على طرف البلد" معلماً بالواو؛ لهذين الوجهين، وهل يعتبر أن يكون المنادي على موضعِ عال كمنارة وسور؟
قال الأكثرون: لا يعتبر ذلك؛ لأن حد الارتفاع لا ينضبط، وعن القاضي أبي الطيب أنه قال: سمعت شيوخنا يقولون: لا يعتبر إلا بطبرستان، فإنها بين رياض وأشجار تمنع من بلوغ الصوت، فينبغي أن يعلو عليها، ولو كانت القرية على قلة جبل سمع أهلها النِّداء لعلوها، ولو كان على استواء الأرض لما سمعوا، أو كانت في وهدة من الأرض لم يسمع أهلها النداء لانخفاضها، ولو كانت على استواء الأرض لسمعوا ففيه وجهان:
أظهرهما -وبه قال القاضي أبو الطَّيِّبَ-: لا تجب الجمعة في الصورة الأولى، وتجب في الثَّانِيَة اعتباراً للسماع بتقدير الاستواء وإعراضاً عما يعرض بسبب الانخفاض والارتفاع كما يعتبر ركود الرياح، ولا ينظر إلى السَّمَاع العارض لشدتها.
والثاني -وبه قال الشيخ أبو حامد-: أن الحكم على العكس نظراً إلى نفس السَّماع وعدمه، وإن لم يبلغ النداء أهل القرية فلا جمعة عليهم؛ لظاهر الخبر الذي سبق، وأهل الخيام إذا لزموا موضعاً 1 ولم يبرحوا عنه، وقلنا: إنهم لا يقيمون الجمعة في ذلك الموضع، فهم كأهل القرى إذا لم يبلغوا أربعين من أهل الكمال، إن سمعوا النِّدَاء لزمتهم الجمعة، وإلا فلا.
وقوله: "إلا إذا بلغوا" معلَّم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا استثناء أصْلاً، ولا تلزم الجمعة أهل القرى بحال، سواء بلغهم النداء أو لم يبلغهم، بلغوا عدد الكمال أم لا، وإنما تلزم الجمعة أهل الأمصار الجامعة، والمصر الجامع عنده أن يكون فيه سلطان قَاهِر، وطبيب حَاذِقٌ، ونهرٌ جارٍ وسوقٌ قائمة.
وقوله: "أو بلغهم النداء" يجوز أن يعلم بالميم والألف، لأن مالكاً وأحمد لا يكتفيان بمجرد بلوغ النِّداء، ويعتبران كونه على ثلاثة أميال فما دونها.
وعن أحمد رواية أخرج أن المسافة لا تتقدر كما هو مذهب الشافعي -رضي الله عنه- وقوله: (من البلد) ليس لتخصيص الحكم بالبلد، بل لو بلغهم من قرية تقام فيها الجمعة كان كذلك.
قال الغزالي: وَالعُذْرُ الطَّارِئُ بَعْدَ الزَّوَالِ مُرَخِّصٌ إلاَّ السَّفَرَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ إِنْشَاؤُهُ، وَفِي جَوَازِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَ الفَجْرِ قَوْلاَنِ: أَقْيَسُهُمَا الجَوَازُ، ثُمَّ المَنْعُ في سَفَرٍ مُبَاحٍ، أَمَّا الوَاجِبُ وَالطَّاعَةُ فَلاَ مَنْعَ مِنْهُمَا.
قال الرافعي: الرابع: العذر المبيح لترك الجمعة يبيحه، وإن طرأ [العذر] 2 بعد الزَّوال لكن السفر يحرم إنشاؤه بعد الزوال، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجوز إلا أن يضيق الوقت بناءً على أن الصلاة تجب بآخر الوقت.
لنا أن الجمعة قد وجبت عليه، فلا يجوز الاشتغال بما يؤدي إلى تركها كالتجارة واللَّهْو، وهذا مبني على أن الوجوب بأول الوقت، وقد سبق في موضعه.
فإن قيل: الوجوب وإن ثبت في أول الوقت، لكن مُوَسَّعٌ فلم يمتنع السفر قبل التضيق.
قلنا: الناس في هذه الصُّورة تَبَعُ الإمام، فلو عجلها 1 تَعَيَّنَت متابعته، وسقط خيرة الناس، وفيه وإذا كان كذلك فلا يدري متى يقيم الإمام الصلاة فيتعين عليه انتظار ما يكون، ذكر هذا الجواب إمام الحرمين -رحمة الله عليه-، وأما قبل الزوال وبعد طلوع الفجر الثاني هل يجوز إنشاء السَّفَر؟ فيه قولان:
قال في القديم وَحَرْمَلَة: يجوز، وبه قال مالك، وأبو حنيفة -رحمهما الله-، لأنه لم يدخل وقت وجوب الجمعة، فأشبه السَّفر قبل طلوع الفجر.
وقال في الجديد: لا يجوز، قال أصحابنا العراقيون: وهو الأصح؛ لأن الجمعة وإن كان يدخل 2 وقتها بالزَّوال، فهي مضافة إلى اليوم، ولذلك يعتد بغسل الجمعة قبل الزَّوال، ويجب السَّعْي إليها لمن بعد داره قبل الزَّوَال، وعن أحمد روايتان كالقولين:
أظهرهما: المنع، وحكى في "النهاية" طريقة أخرى قاطعة بالجواز مؤولة قول المنع.
ولك أن تعلم قوله في الكتاب: "قولان" بالواو، إشارة إليها، ويجوز أن يعلم لفظ "الجواز" 3 من قوله: (أقيسهما الجواز) بالألف إشارةً إلى الظَّاهِرِ من مذهب أحمد، والحكم بأن الجواز أقيس لا ينافي كون المنع أظهر؛ لأنه قد يكون أحد طرفي الخلاف أقرب إلى القياس، وإن كان الثَّاني أظهر، فإذا ليس ما في الكتاب مخالفاً لما قاله العراقيون، وذكر في "العدة" أن ظاهر مذهب الشَّافعي -رضي الله عنه- قوله الجديد، والفتوى على القديم وهو الجواز، ثم للقولين شروط 4:
أحدها -وقد ذكره في الكتاب-: أن يكون السفر مباحاً كالزيارة والتجارة، أما لو كان واجباً كالحَجِّ والجهاد في بعض الأحوال أو مندوباً فلا منع منهما، وذلك ليس موضع القولين، هكذا قاله كثير من أئمتنا.
واحتجوا عليه بما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ عَبْدَ اللهِ بنَ رَوَاحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي سَرِيَّةٍ فَوَافَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَغَدا أَصْحَابُهُ، وَتَخَلَّفَ هُوَ لِيصَلِّي، وَيَلْحَقَهُم فَلَمَّا صَلَّى قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: مَا خَلَّفَكَ، قالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ، ثُمَّ أَلْحَقَهُمْ، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَزْوَتهِمْ 5.
وفي كلام العراقيين وإيرادهم ما يوجب طرد الخلاف في سفر الغزو والله أعلم.
والمراد من الطَّاعة في لفظ الكتاب المندوب، وإلا فالواجب طاعة أيضاً، وهل كون السَّفَر طاعة عذر في إنْشَائه بعد الزوال؟ المفهوم من كلام الأصحاب أنه ليس بعذر، ورووا عن أحمد أنه عذر.
والثاني: أن لا ينقطع عن الرفقة، ولا يناله ضَرَرٌ لو تَخَلَّفَ إلى أن يصلّي الجمعة، فإما إذا انقطع وفات سفره بذلك أو ناله ضرر، فله الخروج بلا خلاف، وكذلك الحكم لو كان الخروج بعد الزَّوال، وقد عددنا ذلك من الأعذار في الصَّلاة بالجماعة، ورأيت في كشف "المختصر" للشيخ أبي حاتم القزويني، ذكر وجهين في جواز الخروج بعد الزوال لِخوف الانقطاع عن الرفقة.
والثالث: أن لا يمكنه حضور الجمعة في منزله وطريقه، فأما إذا أمكن ذلك فلا منع بحال 1.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُرْجَى زَوَالُ عُذْرِهِ أَنْ يُؤَخِّرَ الظُّهرَ إِلَى اليَأْسِ عَنْ دَرْكِ الجُمُعَةِ، وَمَنْ لاَ يَرْجُو فَلْيُعَجِّلِ الظُّهْرَ كَالزَّمَنِ، فَإِنْ زَالَ العُذْرُ بَعْدَ الفَرَاغِ فَلاَ جُمُعَةَ (ح) عَلَيْهِ، وَكَذَا الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ بَعْدَ الظُّهْرِ، وَزَوَالُ العُذْرِ فِي أَثْنَاءِ الظُّهرِ كَرُؤْيَةِ المُتَيَمِّمِ المَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: الخامس من الفروع: المعذرون، وهما ضربان: معذور يرجو زوال عذره، كالعبد يتوقع العتق، والمريض الذي يتوقع الخِفَّة، فالمستحب له تأخير الظُّهْر إلى اليأس من إدراك الجمعة، لأنه رُبَّمَا يزول العذر، وَيتَمَكَّن من فرض أهل الكمال، ومتى رفع الإمام رأسه من الرّكُوعِ الثَّانِي فقد حَصَل اليأس عن إدراك الجمعة، وعن بعض الأصحاب أنه يراعي تصور الإدراك في حق كل أحد، فإذا كان منزله بعيداً وانتهى الوقت إلى حد لو أخذ في السَّعْيِ لم يُدْرِك الجمعة فقد حصل الفوات في حقه، هذا أحد الضربين.
والثاني: معذورٌ لا يرجي زوال عذره كالمرأة والزَّمِن، فالأولى له أن يُصَلِّي الظُّهْرَ في أَوَّلِ الْوَقْتِ؛ لأنه آيس من درك الجمعة فيحافظ على فضيلة الأولية 2، وإذا اجتمع
معذورون فَهَلْ يستحب لهم الجماعة في الظُّهْرِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل الجماعة في هذا اليوم شِعَار الجُمُعَة، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة.
وأصحهما: نعم؛ لعموم الترغيبات الواردة في الْجَماعة، وعلى هذا فَقَدْ نَصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- على أن المستحب لَهُم الإخفاء حتى لا يتهموا، بالرَّغْبَة عن صَلاَة الإمام، وحمل الأصحاب ما ذكره على ما إذا كان العذر 1 خَفِيًّا، أما إذا كان ظاهراً فلا تهمة، ومنهم من لم يفصل واستحب الإخفاء مطلقاً، ولو صلى المعذور الظُّهْرَ قبل فوات الجُمُعَة صَحَّت، فإنها فَرْضُه، ولو زال العُذْر وأمكنه حضور الجمعة لم يلزمه ذلك؛ لأنه أدَّى فرضه وقته.
ومثال ذلك المريض يبرأ والمسافر يقيم والعبد يعتق، ويستثنى عن هذا الأصل صورة ذكرها في البيان، وهي أن يصلي الخُنْثَى الظهر، ثم يتبين أنه رَجُل قبل فوات الجُمُعة، تلزمه الجمعة؛ لأنه تبين كونه رَجُلاً حين صَلَّى الظُّهر، ومثل هذا لا يفرض في سائر المعذورين، وأما الصبي إذا صَلَّى الظُّهر ثم بلغ لم تلزمه الجمعة على ظاهر المذهب كسائر المعذورين، والمسألة مكرَّرة في هذا الموضع، فذكرها والخلاف فيها في بابت المواقيت، ثم هي داخلة في مطلق قوله: (فإن زال العذر إلى آخره) فلو طَرَحها لما ضَرَّ من وجهين، وإذا لم يفعل فيجوز أن يكون قوله: (وكذا الصَّبِيُّ) مرقوماً بالحاء والواو لما بَيَّنَّاه، ثم هؤلاء يستحب لهم حضور الجمعة، وإن لم يلزم، وإذا صلوا الجمعة فالفرض هو الظهر السابقة، أو يحتسب الله تعالى بما شاء منهما؛ فيه قولان أصحهما أولهما.
قال أبو حنيفة: إذا سَعَى إلى الجمعة بعد الظُّهْرِ بطل ظهره، ولو زال العذر في أثناء الظُّهْرِ، فقد قال إمام الحرمين: أجرى القفال ذلك مجرى ما لو رأى المتيمم الماء في الصَّلاة، وهذا يقتضي إثبات الخلاف في البطلان، لما ذكرناه في رؤية المتيمم الماء في الصَّلاة، وقد صَرَّح الشيخ أبو محمد، فيما علق عنه حكاية وجهين في هذه المسألة، وظاهر المذهب استمرار الصَّلاة على الصِّحة، قال الإمام: وهذا الخلاف، مبني على قولنا: "إن غير المعذور لا يصح ظهره قبل فوات الجمعة" فإن صححنا فلا نحكم بالبُطْلاَن بِحَالٍ.
قال الغزالي: وَغَيْرُ المَعْذُورِ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الجُمُعَةِ فَفَي صِحَّتِهِ قَوْلاَنِ فَإِنْ
قُلْنَا: يَصِحُّ فَفِي سُقُوطِ الْخِطَابِ بِالجُمُعَةِ قَوْلاَن، وإنْ قُلْنَا: لاَ تَسْقُط فَصَلَّى الجُمُعَةَ فَالفَرْضُ هُوَ الأوَّلُ أَوِ الثَّاني أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا لاَ بعَيْنِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
قال الرافعي: السادس: من لا عُذْرَ بِهِ إذا صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ فوات الجُمُعة، ففي صِحَّة ظهره قولان:
القديم -وبه قال أبو حنيفة-: أنها تَصِحّ
والجديد -وبه قال مالك وأحمد-: لا تصح.
وذكر الأصحاب أن القولين مبنيان على أن الفرض الأصلي يوم الجمعة ماذا؟ فعلى القديم الفرض الأصلي الظهر؛ لأنه إذا فاتت الجُمُعَة فعليه قضاء أربع ركعات، ولو كان فرض اليوم الجمعة لما زادت ركعات القضاء، وعلى الجديد الفرض الأصلي هو الجُمُعَة، للأخبار الواردة فيها، ولأنه لو كان الأصل الظُّهر، لكانت، الجمعة بدلاً، ولو كان كذلك، لجاز له ترك البدل، والاستقلال بالأصل كمن ترك الصَّوْمَ في الكَفَّارة، وأعتَق، ومعلومٌ أنه ممنوع من ذلك، وهل يجري القولان فيما إذا ترك أهل البلدة كلهم الجُمُعَة وصلُّوا [الظهر] 1 أم يختص بما إذا صَلَّى الآحاد الظهر مع إقامة الجمعة في البلدة؟ حكي في "المهذب" عن أبي إسحاق أن ظهر أهل البلدة مجزئة، وإن أثموا بترك الجمعةِ، لأن كل واحد منهم لا تنعقد به الجمعة، قال: والصَّحيح أنه لا تجزئهم ظهرهم على الجديد؛ لأنهم صلوها وفريضة الجمعة متوجبة عليهم.
التفريع: إن قلنا بالجديد، فالأمر بحضور الجمعة قَائِم كما كان إن حضرها فذاك، وإن فاتت قَضَاها الآن أربعاً، وما فعله أولاً يبطل من أصله، أو يكون نَفْلاً؛ فيه القولان المشهوران في أمثاله وإن قلنا بالقديم، فهل يسقط الخطاب بالجمعة؟ قال في الكتاب: فيه قولان، وكذلك ذكره إمام الحرمين، جعل السقوط خارجاً على قولنا: إذا صلَّى الجُمَعة، بعد الظُّهْر أن فرضه الأول أو أحدهما، وعدم السقوط خارجٌ على قولنا: أن الفرض الثاني: أو أن كليهما فرض، والذي ذكره الأكثرون، تفريعاً على القديم أنه لا يسقط عنه الخطاب بالجُمُعة، ومعنى صحّة الظهر الاعتداد بها في الجملة، حتى لو فاتت الجمعة تجزئه الظُّهر السابقة، ثم إذا قلنا: لا يسقط عنه الخطاب بالجمعة، فَصَلَّى الجمعة، فقد قال الإمام: إن الشيخ أبا محمد ذكر فيه أربعة أقوال:
أحدها: أن المفروض هو الأول؛ لأنه لو اقتصر عليه لبرئت ذمته على القول الذي يتفرع عليه.
والثاني: أن المفروض هو الثاني؛ لأنه به خرج عن الحرج.
والثالث: أنهما فرضان للمتعينين.
والرابع: أن الفرض أحدهما لا بعينه إذ المفروض في اليوم والليلة خمس صَلَوات، ونظير هذه الأقوال قد سبق فيمن صَلَّى منفرداً، ثم أدرك جماعة، ويشبه أن يكون بعضها منصوصاً، وبعضها غير منصوصاً، والذي نقله ابن الصباغ وغيره في المسألة تفريعاً على القديم إنما هو الرابع، وقال (1): يتحسب الله تعالى جدّه بما شاء منهما، وإذا أثبتنا الأقوال فينبغي أن لا نختص بقولنا: أن الخطاب بالجُمُعة لا يسقط عنه بل يطرد (2) على قولنا بسقوط الخطاب بالجمعة أيضاً، كما إذا صَلَّى منفرداً وأعاد في جماعة فإنه غير مخاطب بالثَّاني، وهذا كله فيما إذا صلَّى الظُّهرَ قبل فَوَاتِ الجُمُعة، فإن صَلاَّهَا بعد الركوع الثَّاني للإمام وقبل فراغه، قال ابن الصباغ: ظاهر كلام الشافعي -رضي الله عنه- يَدُلُّ عَلى الْمَنْع يعني في الجديد، ومن أصحابنا من يقول بالجواز، وفيما إذا امتنع أهل البلدة جميعاً من الجمعة وصلُّوا الظهر الفوات يكون بخروج الوقت أو ضيقه بحيث لا يسع الركعتين.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ الجُمُعَةِ
قال الغزالي: وَهِيَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإنَّمَا تَتَمَيَّزُ بِأرْبَعَةِ أُمُورٍ: الأَوَّلُ الغُسْلُ وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ بَعْدَ (ح) الفَجْرِ، وَأَقْرَبُهُ إلَى الرَّوَاحِ أَحَبُّ، وَلاَ يُجزِئُ قَبْلَ الفَجْرِ بِخِلاَف غُسْلِ الْعِيدِ فَإِنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ إلاَّ لِمَنْ حَضَرَ الصَّلاَة بِخِلاَفِ غُسْلِ العِيدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَوْمُ الزَّينَةِ عَلَى العُمُومِ.
وَالأَوْلَى أَنْ لاَ يَتَيَمَّمَ بَدَلاً عَنِ الغُسْلِ عِنْدَ فَقْدِ المَاءِ، وَقِيلَ: يَتَيَمَّمُ.
قال الرافعي: قوله: (في كيفية الجمعة) أراد به كيفية إقامتها بعد اجتماع شَرَائطها، وأما الأركان التي يتركب عنها ذاتها فلا فرق فيها بينها وبين سائر الصَّلوات، والقصد بالباب التعرض لأمور مندوبة تمتاز بها الجمعة عن سَائِر الفرائض وجعلها أربعة:
أحدها: الغسل، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الجمعةَ فَلْيَغتَسِلْ" 3.12
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ أغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ" 1.
وعن مالك غُسْلَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ لكن تَصِحّ الصلاة بدونه، والخبر الثاني حُجَّة عليه.
وثم فيه مسائل:
إحداها: وقت هذا الغسل ما بعد الفجر؛ لأن الأخبار علقته باليوم نحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" 2.
وفي "النهاية" حكاية وجه بعيد أنه يجزئ قبل الفجر كما في غسل العيد، وظاهر المذهب الأول، والفرق بينه وبين غسل العيد، إن جوزناه قبل طلوع الفجر من وجهين:
أحدهما: أنه إذا اغتسل قبل طلوع الفجر يبقى أثره إلى أن يؤدي صلاة العيد لقربها من أول النَّهَار، وصلاة الجُمُعَة تُؤَدَّى بعد الزَّوال فلا يبقى أثره.
والثاني: أنه لو لم يجز غُسْل العِيد قبل الفَجْر لَشَقَّ لقرب صَلاَتِهِ من أول النهار، بخلاف غسل الجمعة فإن من طلوع الفجر إلى وقت الصَّلاة سعة، والأولى أن يقرب الغسل من الرواح إلى الجمعة؛ لأن الغرض التنزه وقطع الروايح الكريهة، فما كان أفضى إليه فهو أولى.
وقوله: (ويستحب ذلك بعد الفجر) ليس الغرض منه أن إيقاعه بعد الفجر مستحب فإن ذلك شرط الإجزاء على ما بينه بقوله: (ولا يجزئ قبل الفجر) وإنما المراد بيان استحباب أصل الغسل.
وقوله: (بعد الفجر) إشارة إلى وقت هذا المستحب.
وإذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (ويستحب ذلك) بالميم.
وقوله: (ولا يجزئ قبل الفجر) بالواو؛ لما سبق، وذلك أن تعلم قوله: "وأقربه إلى الرَّواح أحب" بالميم؛ لأن أصحابنا رووا عن مالك أنه يشترط اتصال الرَّوَاح بالْغُسْلِ، وأنه لا يجوز أن يشتغل بعده بشيء سِوَى الخروج، ومن يقول بذلك ينازع في قولنا: الأقرب إلى الرواح أْحَب.
وقال القفال: رأيت في "الموطأ" عنه مثل مذهبنا -والله أعلم-.
وقوله: (بخلاف غُسْل العِيد) 1 فإن فيه وجهين وقد أعاد هذه المسألة وما فيها من الخلاف في صلاة العيدين، وكان الغرض هاهنا بيان افتراق الغُسْلَيْنِ في الوقت وإن لم يبين المعنى الفارق.
الثانية: هل يختص استحباب الغسل بمن يريد حضور الجمعة أن يستحب له ولغيره؟ فيه وجهان، حكى في "البيان" أنهما مبنيان على وجهين في أن غُسْل الجُمُعَة مَسْنُون لليوم أو للصَّلاة.
أحدهما: أنه لليوم؛ لأنه في الأخبار 2 معلق باليوم، فعلى هذا يستحب للكل.
وأصحهما: أنه للصَّلاة فلا يستحب إلا لمن حَضَرَها، وهذا هو المذكور في الكتاب، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن جَاءَ مِنْكُمْ الجمعةَ فَلْيَغْتَسِلُ" 3.
ويخالف غُسْل العيد يستحب للكل؛ لأنه للزينة وإظهار السرور، وهذا الغسل للتنظيف وقطع الروائح الكريهة، كيلا يتأذى من يقربه، فاختص بمن يريد الحضور، ولو نازع منازع في طرفي هذا الفرق لم يكن بعيداً، ولا فرق في حق من يريد الحضور بين أن يكون من أهل العذر أو لا يكون؟ وعن أحمد أنه لا يستحب الغُسْل للنِّساء، ولا يقدح الحدث بعد الغسل فيه 4 وبه قال مالك في "الموطأ".
الثالثة: قال الصَّيدلاني وغيره من الأصحاب: إن لم يجد الماء لغسل الجمعة فتيمم حاز الفضيلة، ويتصوَّر ذلك في موضوعين:
أحدهما: الذي به قروح على غير موضع الوضوء يتيمم بنية الغسل.
والثاني: قَوْمٌ في بَلَدٍ توضأوا ثم نفذ ماؤهم فتيممووا بدلاً عن الغُسْل.
قال إمام الحرمين: والظَّاهر ما ذكره الصَّيدلاني، وفيه احتمال من جهة، أن هذا الغسل منوط بقطع الروائح الكريهة والتنظيف، والتيمم لا يفيد هذا الغرض، ورجح حجة الإسلام هذا الاحتمال حيث قال: والأولى أن لا يتيمم أي من الوجهين.
وقوله: (وقيل يتيمم) هو الوجه الذي ذكره عامة الأصحاب.
قال الغزالي: وَمِنَ الأَغْسَالِ المُسْتَحَبةِ غُسْلُ العِيدَيْنِ، وَالغُسْلُ مِنْ غُسْلِ المَيِّتِ، وَالإِحْرَامِ، وَالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِمُزْدَلِفَةَ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، وَثَلاَثةُ أَغْسَالِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَلِطَوَافِ الوَدَاعِ عَلَى القَدِيمِ وَللْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ غَيرَ جُنُبِ بَعْدَ الإسْلاَمِ عَلَى وَجْهٍ، وَقَبْلَهُ عَلَى وَجْهٍ، وَالغُسْلُ مِنَ الإقَامَةِ مِنْ زَوَالِ العَقْلِ، وَأَمَّا الغُسْلُ عَنِ الحِجَامَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الحَمَّامِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: عد جملة من الأغسال المستحبة في هذا الموضع.
منها: اغتسال الحاج في مواطن معروفة، وقد أعاد ذكر ما سِوَى طواف الوداع منها في كتاب الحَجِّ، وذلك الموضع أحق بها، فتؤخر الشرح إليه.
ومنها: غسل العيدين، وهو مذكور في باب صَلاَةِ العِيدَيْنِ.
ومنها: الغسل من غُسْلِ الميت، وفيه قولان: نقل عن القديم أنه واجب، وكذا الوُضوء من مَسِّهِ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيْتاً فَلْيَغْتَسِلْ وَمَن مَسَّهُ فَلْيَتَوَضَّأْ" 1.
والجديد أنه مُسْتَحَب وهو المذكور في الكتاب والخبر أن صَحَّ محمول على الاستحباب؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ غُسْلَ عَلَيْكُمْ مِنْ غُسْلِ مَيِّتِكُمْ" 2.
وليكن قوله: (والغسل من غسل الميت) معلماً بالواو؛ ولأنه على القديم غير معدود من الاغسال المستحبة، بل هو من الأغسال الواجبة، وأيضاً بالحاء والزاي؛ لأن الصَّيدلاني وغيره حكوا أن أبا حنيفة والمزني لا يريان استحباب هذا الغسل، فضلاً عن الإيجاب، وإذا قلنا بالجديد الصَّحيح فهذا الغسل غسل الجمعة اكد الأغسال المسنونة، وما الآكد منهما قولان:
الجديد: أن هذا الغسل آكد؛ لأنه متردد بين الوُجوب والاستحباب، وغُسْلُ الجمعة قد ثبت استحبابه.
والقديم: أن غسل الجمعة آكد؛ لأن الأخبار فيه أصَحّ، وأَثْبَت، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب" والروياني والأكثرين على خلاف قياس القديم والجديد، ورجح
صاحب "المهذب" وآخرون الجديد على القياس، وحكى الحناطي وغيره وجهاً أنهما سواء 1.
واعلم أن ما نقلناه يقتضي تردد قوله في وجوب هذا الغسل في القديم؛ لأنه لو جزم بوجوبه في القديم لما انتظم منه القول بأن غسل الجمعة آكد منه.
ومنها: غسل الكافر إذا أسلم، ولا يخلو إما أن يعرض له في الكفر ما يجب الغسل، من حيض أو جنابة، أو لا يعرض، فإن عرض ذلك فيلزمه الغسل بعد الإسلام، ولا عبره باغتساله في الكفر على الأصح كما سبق في موضعه، وإن لم يعرض له ذلك فيستحب له الغسل ولا يجب خلافاً لأحمد حيث أوجبه، وبه قال ابن المنذر.
لنا: "أنه أسلم خلق كثيرٌ ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاغتسال وَأَمَرَ بِهِ ثُمَامَةَ الْحَنَفِيِّ، وَقَيْسَ بنَ عَاصِم لَمَّا أَسْلَمَا" 2 فدل أنه مستحب لا واجب، ثم يغتسل بعد الإسلام أم قبله؟ فيه وجهان:
أحدهما: قبله تنظيفاً للإسلام وتعظيماً له 3.
وأصحهما: بعه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهما بالغُسْلِ بعد الإسلام، ولا سبيل إلى تأخير الإسْلاَم بحال.
ومنها: الغسل للإفاقة من زوال العقل، ظاهر المذهب أنه مستحب؛ لأنه قد قيل: إن من زال عقله أنزل فإذا أفاق اغتسل احتياطاً، ولا يجب، لأن الأصل استصحاب الطهارة السَّابقة، والناقض غير معلوم، ونقل القاضي ابْنِ كجٍّ عن ابن أبي هريرة أنه يجب الغسل على من أفاق من المجنون دون الإغماء، وحَكَى الحناطي في وجوب الغسل على من أفاق منهما جميعاً وجهين، ووجه الوجوب التشبيه بالنَّوم من جهة أن 4 النائم قد يخرج منه حدث وهو لا يدري، فجعل النَّوم حدثاً، كذلك من زَالَ عقله قد
ينزل ولا يدري، وليكن قوله: (والغسل من الإفاقة من زوال العقل) مرقوماً بالواو؛ لهذا الوجه؛ فإنه غير معدود على هذا الوجه من الأغسال المستحبة.
ومنها: الغسل عن الحجامة والخروج من الحمام، ذكر صاحب "التلخيص" عن القديم أنه مندوب إليه، وذكر الصيمري في "الكفاية" أن الغسل عن الحجامة حسن، والأكثرون أهملوا ذكرهما، فإن قلنا: بالقديم، فقد قال في "التهذيب" قيل: إن المراد من غسل الحمام ما إذا تنور، قال: وعندي أن المراد منه أن يدخل الحمام فيعرق فيستحب أن لا يخرج من غير غسل 1 وذكر أن في غسل الحجامة أثراً -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي البُكُورُ إِلَى الجَامِعِ.
قال الرافعي: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَّمَا قَربَ كَبْشاً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً؛ فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتمِعُونَ الذِّكْرَ" 2 قال المفسرون للخبر قوله: (غسل الجنابة) أي كغسلهما.
وقيل: أي جامع واغتسل، وَمِن مَتَى تعتبر السّاعات المذكورة؟ حكى أصحابنا العراقيون فيه وجهين:
أحدهما: أنها تعتبر من أول طلوع الشَّمس؛ لأن أهل الحساب منهم يحسبون اليوم، ويعدون السَّاعات.
وأصحهما: من أول طلوع الفجر الثاني؛ لأنه أول اليوم شرعاً، وبه يتعلق جواز الغسل للجمعة، ونقل صاحب "التهذيب" والرّوَيانِي وجهاً ثالثاً وهو الاعتبار من وقت الزَّوال؛ لأن الأمر بالحضور حينئذ يتوجه عليه، ويبعد أن يكون الثواب في وقت لم يتوجه عليه الأمر فيه أعظم، وأيضاً فإن الرَّواح اسم للخروج بعد الزوال، ومن قال بأحد
الوجهين الأولين؛ قال: إنما ذكر لفظ الرواح لأنه خروج لأمر يؤتى به بعد الزوال، ثم ليس المراد من السَّاعات عى اختلاف الوجوه الأربع والعشرين التي قسم اليوم والليلة عليها، وإنما المراد ترتيب الدرجات وفضل السابق على الذي يليه.
واحتج القَفَّالُ عليه بوجهين:
أحدهما: أنه له لو كان المراد بالساعات المذكورة لاستوى الجانبان في الفضيلة في ساعة واحدة مع تعاقبهما في المجئ.
والثاني: أنه لو كان كذلك لاختلف الأمر باليوم الشَّاتِي 1 والصَّائف، ولفاتت الجمعة في اليوم لمن جاء في السَّاعة الخامسة.
قال الغزالي: الثَّالِثُ لُبْسُ الثِّيَابِ البِيضِ وَاسْتِعْمَالُ الطِّيبِ، وَالترَجُّلُ فِي المَشْي مَعَ الهَيْنَةِ وَالتُّؤَدَةِ، وَلاَ بَأْسَ بحُضُورِ العَجَائِزِ مِنْ غيْرَ زِينَةٍ وَتَطَيُّبٍ.
قال الرافعي: روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَومَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَمَسَّ مِنْ طِيب إِنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثم صلَّى مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامَهُ حَتَّى يفرغ مِنْ صَلاَتِهِ كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا، وَجُمُعَته الَّتِي قَبْلَهَا" 2.
يستحب التزين للجمعة يأخذ الشعر والظِّفر والسِّواك، وقطع الروائح الكريهة، ولبس أحسن الثياب، وأولاها البياض، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْبِسُوا الْبَيَاضَ فَإِنَّهُ خَيْرَ ثيِابِكُمْ" 3 وإن لبس مصبوغًا لبس ما صبغ غزله ثم نسج كالبرود، ولا يلبس ما صبغ لونه 4.
قال أصحابنا العراقيون: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يَلْبَسْ ذَلِكَ".
ويستحب أيضاً أن يتطيب بأطيب ما عنده، ويزيد الإمام في حسن الهيئة ويتعمم، ويرتدي: "كَانَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- كَذَلِكَ يَفْعَلُ" 5.
ويستحب أن يأتي الجمعة ماشياً، ولا يركب إلا لعذر، وكذلك في إتيان العيد
والجنازة وعيادة المريض، روى: "أنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا رَكِبَ فِي عِيدٍ وَلاَ جَنَازَةٍ" 1.
قال الأئمة ولم يذكر الجمعة لأن باب حجرته كان في المسجد، وينبغي أن يمشي في سكون وتؤدة ما لم يضق الوقت، ولا يسعى وليس هذا من خاصية الجمعة، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَأتُوهَا تَمْشُونَ، وَلاَ تَأْتُوهَا تَسْعَونَ وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ" 2. ولو ركب لعذر فينبغي أن يسيرها على هينة أيضاً، والهينة السكون، ولا بأس للعجائز بحضور الجمعة، إذا أذن أزواجهن، ويحترزون عن التطيب والتزين، فذلك أستر لهن.
قال الغزالي: الرَّابعُ يُسْتَحِبُّ قِرَاءَةُ سُورَةِ الجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ، فَلَو نَسِيَ الجُمُعَةِ فِي الأُولَى قَرَأَهَا مَعَ سُورَةِ المُنَافِقونَ فِي الثَّانِيَةِ.
قال الرافعي: يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجُمُعَةِ بعد الفاتحة سورة الجُمُعَة، وفي الثانية سورة المنافقين؛ لأنه روى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَقْرَأُهُمَا فِيهِمَا" 3.
وروى ذلك من فعل علي -رضي الله عنه- وأبي هريرة 4، وعلى هذا فلو نسي سورة الجمعة في الأولى قرأها في الثانية مع المنافقون، ولو قرأ سورة المنافقون في الأولى قرأ الجمعة في الثانية كيلا تخلو صلاته عن هاتين السورتين كذلك ذكره في "البيان" 5 وينبغي أن يعلم قوله: (ويستحب سورة الجمعة) بالحاء؛ لأن عنده يكره تعيين سورة في الصلاة.
وبالواو لأن الصَّيْدَلاَنِيُّ نقل عن القديم أنه يقرأ في الأولى: "سَبِّح" وفي الثانية: "هل أتاك حديث الغاشية" 6.
وقال: رواه النعمان بن بَشِير 7 -رضي الله عنه-.
وقوله: (في الثانية: إذا جاءك المنافقون) معلم بهما، وبالميم؛ لأن عند مالك، يقرأ في الثَّانية: "هل أتاك"، وفي الأولى "الجمعة"، ويتعلق بالجمعة مندوبات أخرى.
منها: أن يحترز عن تخطي رقاب الناس إذا حضر المسجد، ورد الخبر بذلك، ويستثنى عنه ما إذا كان إماماً، وما إذا كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بأن يَتَخَطَّى الرِّقَاب، ولا يجوز أن يقيم أحداً من مجلسه ليجلس فيه، ويجوز أن يبعث من يأخذ له موضعًا، فإذا جاء تَنَحَّى المبعوث، وإن فرش لرجل ثوباً فجاء أخر لم يجز له أن يجلس عليه، وله أن ينحيه، ويجلس مكانه، قال في "البيان": ولا يرفعه حتى لا يدخل في ضمانه.
ومنها: إذا حضر قبل الخطبة اشتغل بذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، والصَّلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ويستحب الإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة وقراءة "سورة الكهف" ويكثر من الدعاء يوم الجمعة، رجاءَ أن يصادف ساعة الإجابة.
ومنها: الاحتراز عن البيع قبل الصلاة وبعد الزَّوال، فهو مكروه إن لم يظهر الإمام على المنبر، وحرام إن ظهر وأذن المؤذن بين يديه، قال الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ 1 الآية، ولو تبايع اَثنان أحدهما من أهل فرض الجمعة دون الآخر، أثماً جميعاً، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلإعانته على الحرام، ولا يكره البيع قبل الزَّوال بحالٍ، وحيث حكمنا بِحُرْمَة البيع، فلو خالف وباع صح 2، خلافاً لمالك وأحمد.
ومنها: أن لا يَصِلْ صلاة الجمعة بنافلة بعدها، لا الراتبة ولا غيرها، ويفصل بينها
وبين الراتبة بالرجوع إى منزله، أو التحول إلى موضع آخر، أو بكلام ونحوه، ذكره في "التتمة"، وثبت في الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 1 2.
كِتَابُ صلاة الخوف [الحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً حمداً كثيراً طيباً مباركاً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وأطهر المطهرين وسلم تسليماً كثيراً، وحسبنا الله ونعم الوكيل] 1.
كِتَابُ صَلاَةِ الخَوْفِ
وَفِيهِ أَرْبَعَةٌ أَنْوَاعٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ أَن لاَ يَكُونَ العَدُوُّ فِي جِهَةِ القِبْلَةِ فَيَصْدَعَ الإمَامُ أَصْحَابَهُ صَدْعَيْنِ وَيُصَلِّي بِأَحَدِهِمَا رَكْعَتَيْنِ وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ تَحْرُسُهُ وَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الأخُرَى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ هُمَا لَهُ سُنَّةٌ وَلَهُمْ فَرِيضَةٌ وَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَكِنَّهُ كذَلِكَ صَلَّى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِبَطْنِ النَّخْلِ.
قال الرافعي: ليس المراد من ترجمة الباب أن الخوف يقتضي صلاة على حيالها كقولنا صلاة العيد، ولا أنه يؤثر في تغيُّير فعل الصَّلاة أو وقتها، كقولنا: صلاة السفر، وإنما المراد أن يؤثر في كيفية إقامة الفرائض، ويقتضي احتمال أمور فيها كانت لا تحتمل لولا الخوف، ثم هو في الأكثر لا يؤثر في مطلق إقامة الفَرَائض، بل في إقامتها بالجماعة على ما سَنُفَصِّلُه.
إذا عرفت ذلك، فالأصل في الباب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 1 الآية والأخبار التي نذكرها في أثناء الباب، واعلم قوله: ﴿كتاب صلاة الخوف﴾ بالزاي؛ لأن المزني -رحمه الله- ذهب إلى نَسْخِ صلاة الخوف.
واحْتَجَّ عَلَيه "بأنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يُصَلِّهَا فِي حَرْبِ الْخَنْدَقِ" 2 وأجاب الأصحاب عنه بأن حرب الخندَق كان قبل نزول آية صلاة الخَوْف، وكان المسلمون قبل نزولها يؤخرون الصَّلاة في الخوف عن وقتها، ثم يقضونها كما فعلوا في حرب الخندق، ثم علموا بالآية وشاع ذلك بين الصَّحابة، وروي عن علي -رضي الله عنه-: "أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلاَةَ الْخَوْفِ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ" 3.
وعن أبي موسى وحذيفة وغيرهما -رضي الله عنهم- أَنهم فَعَلُوهَا" (1).
وقوله: (وهي أربعة أنواع) سبيل ضبطها أن يقال: للخوف حالتان:
إحداهما: أن يشتد الخوف بحيث لا يتمكن أحد من ترك القتال، وفيها يقع النوع الرابع.
والثانية: أن لا يبلغ الخوف هذا الحد، فإما أن يكون العدو في جهة القبلة أو لا يكون، فإن كان فيصلي فيها النوع الثاني، وهو صلاة "عَسَفَان"، وإن لم يكن فيجوز أن يصلي فيها صلاة "بطن النخل" وهي النوع الأول، ويجوز أن يصلي فيها صلاة "ذَاتِ الرِّقَاع" وهي النوع الثالث، وآيتهما أولى؟.
الأظهر: أن صلاة ذات الرقاع أولى؛ لوجهين:
أحدهما: أنها أعدل بين الطائفتين.
والثاني: أن في صلاة بطن النخل تكون الفرقة الثانية مصلية الفريضة خلف النافلة، وفي جواز ذلك اختلاف بين العلماء، وحكى القاضي الرَّويَانِيّ وجهاً عن أبي إسحاق أن صلاة "بطن النخل" أولى لكل واحدة (2) من الطَّائفتين فضيلة الجماعة على التمام، فهذا ضبط الأنواع.
القول في صلاة بطن نخل
:
النوع الأول: صلاة بطن النخل، وهي أن يجعل الناس فرقتين، فيصلي بفرقة جميعها وفرقة في وجه العدو تحرس فإذا سلَّم بالفرقة التي خلافه، ذهبت إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة 3 الأخرى فيصلي بهم مرة ثانية تكون له سُّنة، ولهم فريضة، وروى عن أي بكرة وجابر -رضي الله عنهما-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى بِبَطْنِ النَّخْلِ بِالنَّاسِ" هكذا قال أصحابنا العراقيون، وإنما يُصَلِّي الإمام هذه الصَّلاة بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون العدو في غير جهة القبلة.
والثاني: أن يكون في المسلمين كثرة وفي العدو قِلَّة.
والثالث: أن لا يأمنوا من انكباب العدو عليهم في الصلاة، ولا شَكَّ أن اعتبار هذه الأمور ليس على معنى اشتراطها، في الصحة، فإن الصَّلاة على هذا الوجه جائزة12
وإن لم يكن خوف أصلاً، إذ ليس فيه إلاَّ اقتداء مفترض يمتنفل في المرة الثَّانية، فإذًا المعنى في إقامة الصَّلاة هكذا، إنما يختار ويندب إليه عند اجتماع هذه الأمور.
وقوله: (فيصدع الإمام أصحابه صدعين) أي يفرقهم فرقتين، ويجوز فيصدع من الصدع وهو الشق.
وقوله: (ويصلي بأحدهما ركعتين) مفروض فيما إذا كانت الصلاة ركعتين مقصورة كانت أو غير مقصورة، فإن كانت أكثر من ذلك صلاها بتمامها مَرَّتين ولا فرق.
قال الغزالي: الثَّانِي أَنْ يَكُونَ العَدُوْ فِي وَجْهِ القِبْلَةِ فَيُرَتِّبَهُمُ الإِمَامُ صَفَّيْنِ فَإِذَا سَجَدَ فِي الأُولَى حَرَسَهُ الصَّفُّ الأَوَّلُ فَإِذَا قَامَ سَجَدُوا وَلَحِقُوا بِهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الصَّفُّ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ هَكَذَا صَلَّى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِعَسَفَانَ وَلَيْسَ فِيهِ إِلاَّ تَخَلُّفٌ عَنِ الإِمَامِ بِرُكْنَيْنِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لِحَاجَةِ الخَوْفٍ، ثُمَّ لاَ بَأْسَ لَوِ اخْتُصَّ بِالحِرَاسَةِ فِرْقَتَانِ مِنْ أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، وَلَو تَوَلَّى الحِرَاسَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِتَضَاعُفِ التَّخَلُّفِ فِي حَقِّهِمْ عَنِ الإمَامِ، وَالحِرَاسَةُ بالصَّفِّ الأَوَّلِ أَلْيَقُ فَلَوْ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الثَّانِي فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ وَتَأَخَّر الصَّفُّ الأَوَّلُ وَلَمْ تَكْثُرْ أَفْعَالُهُمْ كَانَ ذَلِكَ حَسَناً.
قال الرافعي: النوع الثاني صلاة عسفان:
وهي: أن يرتب الإمام النَّاس صُفَّيْن، ويحرم بهم جميعاً فيصلون معاً إلى أن ينتهي إلى الاعتدال عن ركوع الركعة الأولى، فإذا سَجَدَ سجد معه الصَّفُّ الثاني، ولم يسجد الصف الأول بل حرسوهم قائمين، فإذا قام الإمام والساجدون سجد أهل الصف الأول، ولحقوه، وقرأ الكُلّ معه، وركعوا واعتدلوا، فإذا سجد سجد معه الحارسون في الركعة الأولى، وحرس الساجدون معه في الأولى، فإذا جلس للتشهد سجدوا ولحقوه، وتشهد الكُلُّ معه، وسلَّم بهم، هذه الكيفية ذكرها الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" واختلف الأصحاب، فأخذ كثيرون بها منهم أصحاب القفال، وقالوا: إنها منقولة عن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن معه بسعفان 1، وعلى ذلك جرى حجة الإسلام -رضي الله عنه- في الكتاب.
وقال الشيخ [أبو حَامِد] 2 ومن تابعه: ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه- خلاف
الترتيب الثَّابت في السنة فإن الثَّابت في السُّنة أن أهل الصَّفِّ الأول يسجدون معه في الركعة الأولى، وأهل الصَّفِّ الثَّاني يسجدون معه في الثانية، والشافعي -رضي الله عنه- عكس ذلك، قالوا: والمذهب ما ورد في الخب؛ لأن الشافعي -رضي الله عنه- قال: إذا رأيتم قولي مخالفاً للسنة فاطرحوه.
واعلم: أن مسلماً وأبا داود وابن ماجة وغيرهم من أصحاب المسانيد، لم يرووا إلا الترتيب الذي ذكره أبو حامد، نعم، في بعض الروايات أن طائفة سجدت معه ثم في الركعة الثانية سجد معه الدين كانوا قياماً، وهذا يحتمل الترتيبين جميعاً، ولم يقل الشافعي -رضي الله عنه- أن الكيفية التي ذكرتها صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعسفان ولكن قال: (هذا نحو صلاته [عليه السلام] 1 يوم عسفان) فأشبه تجويز كل واحد منهما، إذ لا فرق في المعنى، وقد صرح به الرَّويَانِي، وصاحب "التهذيب" وغيرهما، قا لوا: واختار الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- ما ذكره لأمور:
أحدها: أن الصَّفَّ الأول أقرب من العدو فهم أمكن من الحراسة.
والثاني: أنهم إذا حرسوا كان جُنَّة لمن ورائهم، فإنْ رماهم المشركون تلقُّوهم بسلاحهم.
والثالث: أنهم يمنعون أبصار المشركين عن الاطلاع على عدد المسلمين وعدتهم، إذا عرفت ذلك فيجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (حرسة الصف الأول) بالواو إشارةً إلى قول من قال: إن في الركعة الأولى يحرسهُ الصَّفُّ الثَّاني، وهو الذي أورده في "المهذب".
وقوله: هكذا صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعسفان فيه نزاع من جهة النقل، فإن الروايات المشهورة على خلاف ما ذكره كما بَيَّنَّا، ثم المشهور أن الكُلَّ يركعون معه في الركعتين، وإنما التَّخَلُّف في السجود، وذكر في معناه أن الركوع لا يمنع من النَّظَر والحراسة، بخلاف السجود، وحكى أبو الفضل بن عبدان أن من أصحابنا من قال: يحرسون في الرّكوع أيضاً وفي بعض الروايات ما يدل عليه، فهذا هو الكلام في كيفية هذا النوع، وأما موضعه فقد قال الأئمة لهذه الصَّلاة ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون العدو في جِهَةِ القِبْلَةِ، ليَتَمَكَّن الحارسون من رؤيتهم.
والثاني: أن يكونوا على قلة جبل أو مستوٍ لا يمنعهم شيء من أبصار المسلمين.
والثالث: أن يكون في المسلمين كثرة لتمكن جعلهم فرقتين، إحداهما تصلي
معه، والثانية تحرس، ولم يتعرض في الكتاب إلا للشَّرْط الأول.
وقوله: (وليس فيه إلا تخلف عن الإمام بركنين...) إلى آخره إشارة إلى أنهم لو أرادوا الصَّلاة في حالة الأمن هكذا لم يجز صلاة المتخلفين، وإنما احتمل هاهنا لحاجة الخوف وظهور العذر، وظاهر قوله: (إلا بركنين) حصر للتَّخلف فيهما، وعنى بهما السجدتين لكن التَّخَلُّف غير منحصر فيهما، فإنَّهُم متخلفون بالجلسة بين السجدتين أيضاً وهي ركن ثالث.
فإن قيل: الجلسة بين السجدتين ليس ركناً مقصوداً على ما سبق، والتَّخَلُّف المُؤَثِّرُ هُو التَّخَلُّفُ بِالأركان المقصودة فلهذا اقتصر على ذكر الركنين 1.
الجواب: أن هذا كلام حَسَنٌ قد قدَّمناه في موضعه، لكن الأظهر عند المصنّف أن الجلسة بين السجدتين ركنٌ طويل فيكون 2 كسائر الأركان، ويكون التخلف الحاصل هاهنا حاصلاً بأركان، وهكذا ذكر في "الوسيط" والإمام في "النهاية" ثم ذكر في الفصل فروعاً نذكرها، وما يحتاج إليه.
الأول: ليس من الشَّرْط أن لا يزيد عَلَى صَفَّين، بل لو رتبهم صفوفاً كثيرة جاز، ثم يحرس صفان كما سبق، ولا يشترط أن يحرس كل من في الصف، بل لو حرست فرقتان من صَفٍّ واحد في الركعتين على المناوبة، ودام من سواهم على المتابعة جاز؛ لحصول الغرض بحراستهم.
الثاني: لو تولى الحراسة في الركعتين طائفة واحدة ثم سجدت، ولحقت ففي صِحَّة صلاتها وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأن ذلك يوجب تضاعف التَّخَلُّف بالإضافة إلى ما كان يوجد لو تناوبوا، والنَّصُّ ورد في ذلك القدر من التخلف فلا يحتمل الزيادة عليه.
وأظهرهما -ولم يذكر جماعة سواه-: أنه يَصحّ؛ لأن هذا القدر من التخلف محتمل في ركعة لمكان العذر، فمثله في ركعة أخرى مضموماً إليه لا يضر ألا ترى أن القدر الذي يحتمل من التَّخلف بلا عُذْر لا يفترق الحالين أن يتفق في ركعة أو في ركعات كثيرة، وفي بعض نسخ الكتاب ذكر قولين في المسألة بدل الوجهين، وهو قريب؛ لأن الخلاف على ما ذكره صاحب "التهذيب" وغيره مبني على القولين فيما إذا زاد الإمام على الانتظارين في النوع الثالث من صلاة الخوف، وسيأتي ذلك.
الثالث: لو تأخر الحارسون أولاً إلى الصَّفِّ الثَّاني في الركعة الثانية، وتقدَّمت
الطَّائفة الثّانية، ليحرسوا جاز إذا لم تكثر فِعَالُهُم، وذلك بأن يتقدَّم كلُّ وَاحِدٍ من أهل الصَّفِّ الثَّانِي خطْوَتين، ويتأخر كل واحد من أهل الصَّفِّ الأول خطوتين، وينفذ كل واحد منهم بين رجلين، وهل هذا أولى أم الأولى أن يلازم كل واحد منهم مكانه؟ أشار في الكتاب إلى أن التقدم والتأخر أحسن وأولى؛ لأن الحراسة بالصَّف الأول أَلْيَقُ، وقد سبق وجهه، وهكذا ذكر الصيدلاني، والمسعودي وآخرون، وقال أصحابنا العراقيون: الأولى أن يلازم كل منهم مكانه، فلا يضطرب ولا ينتقل ولفظ الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" على هذا أدل، وهذا كله مبني على ما ذكره الشافعي -رضي الله عنه- أن في الركعة الأولى يحرس الصَّف الأول، فأما على ما اختاره أبو حامد واشتهر في الخبر أن الصف الثَّاني يحرسون في الركعة الأولى، ففي الركعة الثانية يتقدم أهل الصَّفِّ الثاني، ويتأخر أهل الصف الأول، فتكون الحِرَاسة في الركعتين مِمَّنْ خلف الصف الأول لا من الصف الأول، كذلك ورد في الخبر، وقوله في الكتاب: (فإذا سجد في الأولى حرسه الصف الأول) يجوز أن يعلم بالحاء، وكذا قوله: "سجدوا ولحقوا به" وكذا يفعل الصف الثاني في الركعة الثانية؛ لأن أصحابنا حكوا عن أبي حنيفة أنه إذا كان العدو في جهة القبلة لم يُصَلّ بهم إلا كما يصلّي والعدو في غير جهة القبلة، وتفصيله على ما سيأتي في النوع الثالث، ورسموا هذه مسألة خلافية بيننا وبينه.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: أَنْ يَلْتَحِمَ القِتَالُ وَيَحْتَمِلَ الحَالُ اشْتِغَال بَعْضِهِمْ بِالصَّلاَةِ فَيَصْدع الإمَامُ أَصْحَابَهُ صَدْعَيْنِ وَينْحَازَ بطَائِفَةٍ إلَى حَيْثُ لاَ تَبْلِغُهُمُ سِهَامُ العَدُوُّ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً فَإِذَا قَامَ إِلَى الثَّانِيَةِ انْفَرَدُوا بِالثَّانِيَةِ وَسَلَّمُوا وَأَخَذُوا مَكَانَ إِخْوَانِهِم فِي الصَّفِّ وَانْحَازَ الفِئَةُ المُقَاتِلَةُ إلَى الإِمَامِ وَهُوَ يَنْتِظرُهُمْ وَاقْتَدَوْا بِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا وَأَتَمُّوا الثَّانِيَةَ وَلَحِقُوا بِهِ قَبْلَ السَّلاَمَ وَسَلَّمَ بِهِمْ هَكَذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِذَاتِ الرَّقَاعِ فِي رِوَايَةِ خَوّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ وَلَيْسَ فِيهَا إلاَّ الانْفِرَادُ عَنِ الإِمَامِ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَانْتِظَارُ الإِمَامِ لِلطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ مَرَّتَيْنِ 1، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ فِيهَا كَثْرَةَ الأَفْعَالِ مَعَ الاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا.
قال الرافعي: النوع الثالث: صلاة ذات الرقاع 2 في كيفيتها في الصُّبح، والصَّلاة المقصورة في السفر ثم في الصلاة الثلاثية والرباعية، أما في ذات الركعتين فيفرق الإمام القوم فرقتين وتقف طائفة جِهَة العدوّ، وينحاز بطائفة إلى حيثُ لا تبلغهم سهامُ العدوِّ،
فيفتتح بهم الصلاة ويصلِّي بهم ركعة، هذا القدر اتفقت الرواية عليه، ثم فيما يفعل بعد ذلك؟ روايتان فَصَّلَ في الكتاب إحداهما، وأجْمَل ذكر الأخرى، أما المُفَصَّلة فهي أنه إذا قام إلى الثانية، خرج المقتدون عن متابعته، وأتموا الثانية لأْنفسهم، وتشهدوا، وسلَّموا، وذهبوا إلى وجاه العدو، وجاء أولئك واقتدوا به في الثانية، وهو يطيل القيام إلى لحوقهم فإذا لحقوه صلى بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد قاموا وأتموا الثانية، وهو ينتظرهم، فإذا لحقوه سلم بهم؟ هكذا روى مالك عن يزيد بن رومان عن صالح عن خوات بن جبير عمن صَلَّى مع النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- صَلاةَ يَومِ ذَاتِ الرِّقَاعِ" ورواه أبو داود والنسائي عن صالح عن سهل ابن خيثمة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 1.
وأما الرواية التي أجملها فهي أن الإمام إذا قام إلى الثانية لا يتم المقتدون به الصَّلاة، بل يذهبون إلى مكان إخوانهم وجاه العدو، وهم في الصَّلاة فيقفوا سكوتاً، وتجيء تلك الطَّائفة فَتُصَلِّي مع الإمام الركعة الثانية، فإذا سَلَّم ذهبت إلى وجاه العدو، وجاء الأولون إلى مكان الصَّلاة، وأتموا لأنفسهم، وذهبوا إلى وجاه العدو، وجاءت الطَّائفة الثانية إلى مكان الصَّلاة وأتمت أيضاً، وهذه رواية ابن عمر -رضي الله عنهما-.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن الشافعي -رضي الله عنه- اختار الرواية الأولى؛ لأنها أوفق للقرآن، قال الله تعالى جده: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ 2. وذلك يشعر بأن الطائفة الأولى قد صَلَّت، ولأنها أليق بحال الصَّلاة، لما في الرواية الأخرى من زيادة الذهاب والرجوع، وكثرة الأفعال والاستدبار، ولا ضرورة إلى احتمال جميع ذلك، ولأنها أحوط لأمر الحرب، فإنها أخف على الطَّائفتين جميعاً، إذ الحراسة خارج الصَّلاَةِ أهون، وااَختار مالك وأحمد أيضاً ما اختاره الشافعي -رضي الله عنه- لكن مالكاً -رحمة الله عليه-، قال في رواية: إذا صلَّى الإمام بالطَّائفة الثانية الركعة الثانية تَشَهَّد بهم وَسَلَّم، ثمِ يقومون إلى تمام صلاتهم كالمسبوق في غير صلاة الخوف، ونقل الصيدلاني قولاً عن القديم مثل ذلك، وحكى صاحب "الإفصاح" والعراقيون قولاً قريباً من ذلك، فقالوا: يقومون في قول إذا بلغ الإمام موضع السَّلام، ولم يسلم بعد، وذهب أبو حنيفة إلى اختيار رواية ابن عمر -رضي الله عنهما- وقال: الطائفة الأولى: يتمون الصلاة بعد سلام الإمام بغير قراءة، لأنهم أدركوا التحريمة، فسقط عنهم القراءة في جميع الصَّلاَةِ، والطائفة الثانية يتمونها بقراءة؛ لأنهم أدركوا التحريمة.
واعلم أن إقامة الصَّلاة على الوجه المذكور ليس عزيمةً لا بُدَّ منها، بل لو صلى الإمام بطائفة وأمر غيره فصلى بالآخرين، وصلَّى بعضهم أو كلهم منفردين جاز، لكن
كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يسمحون بترك فضيلة الجماعة، ويتنافسون في الاقتداء به، فأمره الله تعالى جَدُّه بترتيبهم هكذا؛ لتحوز إحدى الطائفتين فضيلة التكبيرة معه والأخرى فضيلة التسليم معه، وهل تَصِحّ الصلاة على الوجه الذي رواه ابن عمر -رضي الله عنهما-؟ ذكروا فيه قولين.
أحدهما: وتحتمل تلك الرواية على النسخ، لخبر سهل، فإنها مطلقة ورواية سهل مقيدة بذات الرقاع وهي آخر الغزوات.
وأصحهما: نعم، وبه قال أحمد؛ لصحة الرواية وعدم العلم بالنسخ، ولا سبيل إلى المصير إليه بمجرد الاحتمال.
وأرجع بعد هذا إلى ما يتعلق بنظم الكتاب: فأقول: قد سبق أن موضع هذا النوع ما إذا لم يكن العدو في جهة القبلة ثبتت ذلك من جهة النقل، ونَصَّ عليه الأصحاب، وإن لم يتعرض له لفظ الكتاب وفي معناه ما إذا كانوا في جهة القبلة، لكن كان بينهم وبين المسلمين حائل يمنع من رؤيتهم لو هجموا.
وقوله: (إن يلتحم القتال) ليس مذكوراً على سبيل الاشتراط، بل لو كان العدو قارين في معسكرهم في غير جهة القبلة، ولم يلتحم القتال بعد وكان يخاف هجومهم، فالحكم كما لو التحم فيجعلهم طائفتين، واحدة تحرس، وأخرى تقتدي به، وإذا التحم القتال، فإنما تمكن 1 هذه الصَّلاة، إذا أكثر القوم، وأمكن الانحياز لطائفة وحصل الكفاية بالباقيين، فإن لم يكن كذلك فالحال حال شدة الخوف، وسنذكرها، فلهذا قال: (ويحتمل الحال اشتغال بعضهم بالصلاة).
وقوله: (فإذا قام إلى الثانية انفردوا بالثانية) مر قوم بالحساء، لأنه عنده لا ينفرد بالثانية، إذا قام الإمام إليها بل بعد سلامة.
ثم في هذا الفصل شيئان ينبغي أن يتنبه لهما:
أحدهما: أن قوله: انفردوا بالثانية، ليس المراد منهم انفرادهم بالفعل فحسب، بل ينوون مفارقته وينفردون بالفعل، وفي حق الطائفة الثانية قال: (قاموا وأتموا الركعة الثانية) ولم يقل وانفردوا بها، لأنهم لا يخرجون عن المتابعة، كذا قاله الجمهور، وفيه شيء آخر سيأتي.
والثانية: أنه قال: (فإذا قام الإمام إلى الثانية) ولم يقل: فإذا أتم الأولى؛ لأنه الأَولى أن ينووا مفارقته بعد الانتصاب لا عند رفع رأسه من السّجود الثاني فإنهم
صائرون إلى القيام كالإمام، ولو فارقوه عند رفع الرأس من السجود جاز أيضاً، ذكره في "التهذيب" وغيره، وقوله: (وانحاز الفئة المقاتلة) إنما سماها مقاتلة؛ لأنه فرض الكلام فيما إذا التحم القتال، فإما إذا كان يخاف هجومهم ويتوقع القتال، فليست هي بمقاتلة في الحال، يجوز أن يقرأ الفئة المقابلة بالباء، فيشمل الحالتين؛ لأنهما على التقديرين مقابلة للعدو
وقوله (فإذا جلس للتشهد، قاموا وأتموا) معلم بالحاء؛ لأن عنده إنما يقومون إذا سلم الإمام لا إذا جلس لِلتَّشَهُّدِ، وبالميم والواو لما سبق.
وقوله (هكذا صَلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِذَاتِ الرِّقَاعِ) اختلفوا في اشتقاق هذه اللفظة قيل: كان القتال في سفح جبل فيه جُدَدٌ بِيضٌ وحمر وصفر كالرقاع، وقيل: كانت الصحابة -رضوان الله عليهم- حفاة لَفُّوا على أرجلهم الخرق والجلود، لِئلاَّ تحترق.
وقوله في رواية خوات بن جبير: (اشتهر في كتب الفقه نسبة هذه الرواية إلى خوات) والمنقول أصول الحديث رواية صالح عن سهل وَعَمَّنْ صلَّى مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فالفعل هذا المبهم ذِكْرُ خواتٍ أبو صالح ولله أعلم.
وقوله: (وليس فيها إلا الانفراد عن الإمام في الركعة الثانية) هذا الانفراد ظاهر في حق الطائفة الأولى، فأما الطائفة الثانية فهم على متابعته بعد الركعة الثانية، وفي الركعة الثانية كلام سيأتي ذكره مِنْ بَعْد، والمقصود منه بيان رُجْحَان هذه الرواية على رواية ابن عمر -رضي الله عنهما-، وفيه إشارة إلى مسألة لاَ بُدَّ من ذكرها وهي أنه لو أقام الصَّلاة بهم على هذه الهيئة في حالة الأمن، هل يجوز ذلك أم لا؟ أما صلاة الإمام فمنهم من قال: لا تصح قولاً واحداً؛ لأنه تطويل صلاة بالقراءة أو التَّشَهد، وذلك مما لا منع منه 1.
وقال الأكثرون: فيه قولان؛ لأنه انتظر المأمومين بغير عذر، وبنى القاضي أبو الطيب القولين فيما إذا فرقهم أربع فرق في الصَّلاة الرباعية؛ لأنه في الصورتين انتظر في غير محل الحاجة، وأما الطَّائفة الأولى ففي صِحّة صلاتها قولان؛ لأنها فارقت الإمام بغير عذر، وأما الطائفة الثانية، فإن قلنا: صلاة الإمام تبطل امتنع عليهم الاقتداء، والأصح إجزاؤهم، ثم تبنى صلاتهم إذا قاموا إلى الركعة الثانية على خلاف يأتي في أنهم متفردون بها أم حكم الاقتداء باق عليهم؟
إن قلنا بالأول ففي صلاتهم 2 قولان مبنيان على أصلين: