المراد المَثْغُور وَغير المثغور، وأن التعرُّض للبالغِ والصبيِّ جَرَى على العادة الغالبة في الحالَتَيْنِ، ويقال: ثَغَرَ الصبيُّ إذا سقطت رواضعه فهو مثغور، فإذا نبتَتْ قيل بالتاء على الادغام بعْد قلب الثاء تاء "وأثغْر" إظهارًا للحرف الأصلي وقوله: "ولو قطع فلقة من طول لسانه".
المسألة لا تختصُّ بالفلْقة بل الحُكْم في جميع اللسان كذلك، إلا أنَّ عوْدَ جميع اللسان أبعدُ عن التصوُّر، ففَرَضَ في الفلقة، واتَّبَعَ فيه الإِمام.
وقوله: "وكان قد استوفاه، لزمه الدية" يجوز إعلامه بالواو.
فرُوعٌ: وإن نبتت، قلتَ: أصل المستحبِّ في قصاص الجروح والأطراف التأخيرُ إلى الاندمال واستقرار الجناية، وظاهر المذْهَب أن المستحِقَّ، لو طلب القصاصَ في الحال، يجاب ولا يؤخر إلى الاندمال، والظاهر على ما ذكر صاحب "التَّهذيب" وغيره: أنه لو طالب بالمال، لا يجيبه ويُنْظَر إلى الاندمال، قال: والفرق أن القصاص في تلْك الجراحةِ، وفي ذلك الطَّرَف ثابت للمجنيِّ عليه، وإن سرَتِ الجراحةُ إلى النَّفْس أو شارَكَ غيره في الجُرْح، والمال لا يَتقدَّر، فقد تعود الديتَان فيما إذا قَطَع يديه ورجَلْيه إلى دِيَة واحدةٍ بالسراية، وقد يشاركه واحدٌ أو جمْعٌ، فيقل واجبه، وإذا لم يتيقن قدْر الواجب، لم يؤخذ، وفي كل واحدٍ من القصاص والمال خلافٌ، وفي كيفية الخلاف طرقٌ.
أحدها: أن فيهما جميعاً قولَيْن بالنقل والتخريج، ونَصُّه في القصاص أنَّه يعجِّله وفي المال أن لا يُعجِّل.
أحدهما: أن يُستوفَى ما يطلُبُه المجنيُّ عليه منهما؛ لوجود الجناية الموجِبَة.
والثاني: المنْع إلى أن تستقر الجناية بالاندمال.
والثاني: قَطَع بعضُهم في القَصاص بأنهُ يعجَّل قالُوا: والنص في المال أنه لا يُؤخَذُ قبل الاندمال، ونصَّ فيما إذا جنى السيد على مكاتَبه على أنه يعجِّل الأرش، ليصرفه إلى النُّجُوم، فحصل من النصيْنِ قولانِ في تعجيل المال.
والثالثُ: قطَع آخرونَ بأنَّه يُعجِّل القصاص، ولا يعجل الماء إلا في مسألة المُكَاتَب، والفرْق أن المكاتَبَ يخاف سقُوط المالِ؛ بأن يموت رقيقاً أو يعْجز، والحرُّ لا يخاف سقوطه، وأيضاً فالكتابة موضوعةٌ على تعجيل العتق ما أمكن، وكذلك لو عجَّل المكاتَبُ النجْمَ قبل المحلِّ، يُجْبر السيد على القَبُول، وفي سائر الديون المؤجَّلة تفصيلٌ وخلافٌ، وإذا قلْنا: يعجل المال قَبْلَ الاندمال، ففي قَدْرِهِ وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق لا يعجِّل إلا ديةَ نفْسٍ؛ لأن احتمالَ السرايةِ قريبٌ ليس بنادرٍ، فبتقدير السراية لا يَجِبُ إلا دية نفْس.
والثاني: تجب أروش الجراحات ودياتُ الأطرافِ، كما كانت؛ لأن أسبابها
حاصلة ونقصانها بالسراية غير محقَّق، فإن اتفقتِ السرايةُ استردَدْنا الزيادةَ، وحكى الإِمام وجهَيْن عن الصائرين إلى التعجيل في "مسألة المكاتَبِ" في أنه هل يخص الحُكْم بما إذا كان المالُ المأخوذُ وافياً بالنجوم أو بما بَقِيَ منها أَو يعمَّم قال: ولو كانتِ الجراحةُ جراحةَ حكومةٍ، فلا بد من التوقُّف إلى تبيُّن العاقبة، وعن بعض الأصحاب فيما رواه الشيخ أبو محمَّد: أنه يُؤْخَذ أقلُّ ما يُفْرض حكومةً لتلْك الجراحة، وعند أبي حنيفة [ومالك وأحمد]: لا يستوفى قصاص الطرف قبل الاندمال، بناءً على أصْلِهِمْ؛ أنه إذا صارت الجنايةُ نفْساً، سقَطَ قصاصُ الطَّرَف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّفَاوُتُ الثَّالِثُ فِي العَدَدِ فَإنْ كَانَ يَدُ الجَانِي نَاقِصاً بِاُصْبُع قُطِعَتْ (ح) وطُولبَ بِالأرْشِ، وإنْ كانَ النَّاقِصُ يَدَ المَجِنيِّ عَلَيْهِ كَانَ (ح) لَهُ لَقْطُ الأَصَابعِ الأَرْبَعِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى يَدِ الجَانِي أُصْبُعَانِ شَلاَّوَانِ فَلَهُ لَقْطُ الأصَابِعِ الثَّلاَثِ وَلَهُ دِيَةُ الأُصْبَعَيْنِ، وَحُكومَةُ الكَفِّ تَنْدَرجُ تَحْتَ جَمِيعِ الأَصَابعِ قَوْلاً وَاحِداً، وَهَلْ يَنْدَرجُ تَحْتَ قِصَاصِ الأَصَابِعِ، وَهَلْ يَنْدَرجُ بَعْضُهُ تَحْتَ دِيَةِ بَعْضِ الأَصَابع فِيهِ وَجْهَانِ، وَالصَّحِيحُ (و) أَنَّهُ لاَ يَنْدَرجُ تَحْتَ حُكُومَةِ الأصْبُعِ الشَّلاَّءِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تفاوت العضوَيْن في العدَدِ قد يكون بالنقصانِ في طرَف الجانِي، وقد يكون بالنقصانِ في طرف المجنيِّ عليه، وفيهما صور:
إحداها: لو كانَتْ يد الجانِي ناقصةً بأصبعٍ، وقد قطع يداً كاملةً، فالمجنيُّ عليه يأخذ ديةَ اليدان إن شاء، وإن شاء قطع يده الناقصةَ وأخذ الأرش للأصبع، ولو كانت ناقصة بأصبعين فله قطْع يده وأرْشُ أصبعين، وقال أبو حنيفة: لا أرش له مع قطْع اليد.
لنا: أنَّ الجانِيَ قد قطع منه أصبعاً، لم يستوْفِ قِصاصَها، فيكون له أرشُها لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فِي كُلِّ أصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ" 1 وَأَيْضاً، فإن تلْك الأصبع، لو كانت، لكان له استيفاؤُها، فهذا لم توجَدْ، استوفى بدَلَها، كما لو قطع أصبعين، وليست له إلا واحدةٌ [ويخالف] ما إذا كانتْ يد الجاني شلاء، وأراد المجنيُّ عليه قطْعَها، فإنه لا يأخذُ معها شيئاً؛ لأن النقصانَ هناك نقصانُ صفةٍ، وجرمُ الأصابع باقٍ، والنقصان هاهنا نقصانُ جزء، وحكْمُ النقصانين مختلفٌ؛ ألا ترى أنه لو أتلَفَ إنسانٌ عليه صاعَيْ حنطةٍ، ووجد للمتلف صاعاً، كان له أن يأخذُهُ، ويطلب بدل الباقي، ولو أتْلَفَ عليه جيداً، ووجد له رديئاً من جنْس المُتْلف، فأراد أن يأخذه ويطلب أرشاً، لم يكن له ذلك، وكذا لو قطَع
أصبعَيْن من غيره، وله أصبع واحدة، فللمجنيِّ عليه أن يقتصَّ في الموجودة، ويطلب بدل المعدُومة، ولو قطع أصبعًا صحيحةً وتلْك الأصبع منه شلاء، فأراد المجنيِّ عليه قطع الشلاء وأخذ شيء للشل لم يمكن التائية لو كان النقصان في يد المجني عليه كما إذا قطع السليم يداً ناقصةً بأصبعٍ، فليس للمجني عليه قطعُ اليدِ الكاملةِ من الكُوع لما فيه من استيفاء الزيادة، لكنه يلقط الأصابع الأربع إن شاء، ويأخذ ديتها إن شاء، قال الإِمام أبو حنيفة: يأبى هذا النوْع من القصاص، ولا يجيز أن تلقى حديدة القصاص غير الموضع الذي لقيته حديدة الجاني، وقد تقدَّم مثله، فإن لقَطَ الأربع، فقد استبقى كفَّ الجاني مع استيفَائه كله فهل له حكومتها أما حكومة خمسها الذي تقابل منبت أصبعه الباقية، فيجب، وأما حكومة أربع أخماسِها، فوجهان.
أحدهما: لا يجب، وتدخل تحت قصاص الأصابع، كما تدخل تحْت ديتها، فإنه أحد موجِبَي الجناية.
وأصحُّهما: الوجوب، وبه قال أبو إسحاق، ووُجَّه بأن الحكومة من جنْس الدية، فلا يبعد دخولُها فيها، والقصاصُ ليس من جنْسِها، وبأن الدية بَدَل حكمي، فجاز أن يجعل بدلاً عن الكلِّ، والقصاصُ استيفاءُ المثل حسّاً، فلا يمكن أن يجعل الأصابع وحْدَها في مقابلة الأصابع ومنابتها، مع التفاوت المحسُوس بين الجملتَيْن، ويجري الوجهان فيما إذا كانَتْ على يد الجانِي أصبعٌ زائدةٌ، ويد المقطوع بصفة الاعتدال، فلقط الخمس؛ لتعذر القطْع من الكوع بسبب الزائدةِ هل تدخل حكومةُ الكفِّ تحْت قِصاص الخمس؟ وهذه الصورة هي التي ينطبق عليها قولُه في الكتاب: "لكن هل يندرج تحت قصاص الأصابع؟ فأما إذا لقط الأربع في الصُّورة التي قبل هذه، فليس البخاري قصاصَ الأصابعِ، بل قصاصُ بعضِها، ولو أخذ في تلْك الصُّورة دية الأربع، ولم يلقطها، دخَلَت حَكومةُ منابتها فيها، وعلى ظاهر المذهب، كما أن حكومة جميعَ الكفِّ تندرج تحت دية الأصابع، فإنَّ الواجبَ في لقط الأصابع خمْسُونَ من الإبل، وفي القَطْع من الكوع، ولا يجِبُ إلا ذلك، وإذا اندرجَتْ حكومة الكفِّ تحت ديات الأصابع، اندرج بعضها تحت البعض؛ لأن البعْضَ من البعْضِ كالكل من الكل، وحكى الإِمام وغيره وجْهاً أنه لا تندرج، وتختص قوة الاستتباع بالكلِّ وأما حكومة الخمسِ الباقي من الكفِّ، فيجب على الصحيح، وحكي وجهٌ أنَّ كل أصبع تستتبع الكفّ كما تستتبعها كل الأصابع، ورتَّب الإِمام الخلاف في أن دية بعض الأصابع، هل تستتبع قسطاً من حكومة الكفِّ على الخلاف في أن قصاص بعْضها] 1 هل يستتبع؟ إن قلْنا بالاستتباع في
القصاص، ففي الدية أَوْلَى، وإلا ففي الدية وجهان، وإذا وفيت حقَّ التأمل فيما ذكَرْنا، ظهر لك أن الخِلاَفَ في أن القِصَاص في بعض الأصابع، هل يستتبع حكومة مثابتها من الكفِّ؟ يحصُلُ من وجهين: أحدُهما: أن القصاص هل يَسْتتبعُ الحكومة.
والثاني: أن البعض هل يستتبع البعْض.
ولو قطَع كفّاً لا أصابع علَيْها، فلا قصاص إلاَّ أن يكون كفُّ القاطع مثلَها، ولو قطَع صاحبُ هذه الكفِّ يدًا سليمةً، فله قطْع كفِّه ودية الأصابع، حكاه القاضي ابن كج عن النِّصِّ.
الثالثة: إذَا كانَتْ في يدِ الجانِي أصبعانِ شلاَّوان، ويدُ المجنيِّ عليه سليمةٌ فإنْ شاءَ قَطَع يده، وعليه أن يقنع بها، فإنا ذكرنا فيما إذا عمَّ الشلل اليد، أنه إذا قطعَها، يَقْنَع بها، وإذا كان الشَّلَل في بعْضها، فالقناعة أوْلَي وإن شاء، لقط الثلاث السليمة، وأخذ ديةَ أصبعين، ويعود في استتباع القِصاص في الثَّلاَثَ حكومةُ منابتها، وفي استتباع حكومةِ ديةِ الأصبعين حكومة منبتهما الخلافانِ السابقانِ، ولو كانت في يدِ المجنيِّ عليه أصبعان شلاوَانِ، ويدُ الجاني سليمةٌ، لم يجز القصاص من الكوع، ولكن للمجني عليه أخذُ الثلاثِ السليمةِ، وحكومةُ الأصبعَيْنِ الشلاوَين، ويعود الخلاف في استتباع القصاص في الثلاثِ حكومةُ منابتها، وفي استتباعِ حكُومةِ الشلاوين حكومةُ منبتهما وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده أصحابُنا العراقيون: أنها تستتبعها؛ لأن حكومتها هي المال الواجبُ فيها فأشبهتْ ديةَ الصحيحةِ.
وأصحُّهما: عند صاحب الكتاب والإمام والحُسَيْن الفراء: المنع؛ لأن الحكومة ضعيفةٌ غيْرُ مقدَّرة، فلا يليق بها الاستتباع، بخلاف الدية، وفي لفْظ "المختصر" ما يوافِقُ هذا الوجْه ويؤيِّده، والوجهان يجِيئَان على قوْلنا: إنَّ ديةَ بعْضِ الأصابع تستتبع قسْطاً من حكومة الكفِّ.
أما إذا قلْنا: إنَّ ديةَ بعْضِها لا تستتبع بعْض الحكومةِ، فحكومةُ بعضها أوْلَى.
فرْعٌ: لو قطع كفَّاً ليست لها إلا أصبع واحدٌ خطأً، وجبت دية تلْك الأصبع، والظاهر أنه تدْخُل حكومة منبتها فيها، وأنه يجب حكومةُ باقِي الكفِّ، وعلى الوجه الذي قلْنا: إن كل أصبع يستتبع كلّ الكف؛ لا يجب شيْءٌ من الحكومة.
آخَرُ في "التهذيب": أنه لو كانتْ أصابعُ إحْدَى يديه وكفها أقْصَرَ من الأخْرَى، فلا قصاص في القُصْرَى؛ لأنها ناقصة 1 وفيها ديةٌ ناقصةٌ بحكومةٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَإنْ كَانَ عَلَى يَدِ الجَانِي سِتُّ أَصَابِعَ مُتَسَاوِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا زَائِدٌ فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَلْقُطَ خَمْساً وَيُطَالِبَ بِسُدُسِ دِيَةِ اليَدِ وَيُحَطُّ شَيْئٌ بِالاجْتِهَادِ لِأَنَّ كُلَّ سُدُسٍ استَوْفَاهُ كَانَ في صُورَةِ خُمُسٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا زِيَادَةٌ بِالفِطْرَةِ الْتَبَسَ عَلَى أَهْلِ الصَّنْعَةِ فَلاَ قِصَاصَ خِيفَةً مِنْ أَخْذِ الزِّيَادَةِ بِالأَصْلِيَّةِ، فَإنْ بَادَرَ وَلَقَطَ خَمْسَاً فَهُوَ تَمَامُ حَقِّهِ وَلاَ أَرْشَ لَهُ بَعْدَهُ وَإِنِ احْتُمِلَ أَنْ تكُونَ الزَّائِدَةُ هِيَ المُسْتَوْفَاةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد سبق أن الزائدَ مِن الأعضاء يُقْطِع بالزائد، إذا اتحدَ المحلُّ، وذكَرْنَا خلافاً في اشتراط التساوِي في الحَجْم، فلو فُرِضَ شخصانِ لكلِّ واحدٍ منهما أصبعٌ زائدةٌ، فقطع أحدهما زائدةَ الآخر، اقتص منه، إذا حصل شرطه، وكذا لو قطع أحدُهما يد الآخر، ولو قطع شخص معتدلٌ الخِلْقة يدًا عليها أصبعٌ زائدةٌ تُقْطَع يدُه بها، وتؤخذ الحكومةُ للزائِدَةِ، سواءٌ كانتْ معلومةً بعينها أو لم تكُنْ، وإن شاء المجنيُّ عليه، أخَذَ دية اليد وحكومة الأصبع الزائدة، ولو قطع صاحبُ الأصابعِ السِّتِّ يدَ معتدلِ الخلقة، لم تُقْطع يدُه من الكوع إلا أن تكون الأصبع الزائدة نابتة من الذراع، [فلا يمكن القطْع من الكوع]، وإذا تعذَّر القصاص من الكوع، فللمجنيِّ عليه لَقْطُ الخمس الأصليات، وتعود الوجهان في استتباع قصَاصِها حكومةَ الكَفِّ فإن كانتِ الزائدةُ بجنب أصلية؛ بحيث لو قُطِعت الأصليةُ، لسَقطتِ الزائدةُ، فلا تقطع، بل يقتصر على قطع الأربع، ويأخذ دية أصبع، ولو كانت نابتةً على أصبع، وأمكن قطْع بعضها من الأربع، فَعَل كما إذا كانت نابتةً على الأنملة الوسْطَى أصبعٌ، فيُقْطَع الأنملة العلْيا مع الأربع، ويؤخذ ثلُثَا دية أصبُع، هذا إذا كانتْ في الست الزائدة معلومةً بعينها، ووراءه صورتان، هما المذكورتان في الكتاب.
إحداهما: لو كانت الست كلُّها أصليةً؛ بأن قسمت الطبيعة مادَّةَ الأصابع بتقدير العزيز الحكيم بستة أجزاء متساوية في القوَّة والعَمَل بَدَلاً عن القسمة إلى خمْسة أقسام، هذا لفْظ الإِمام، وكلمتا "الطبيعة والمادة" من اصطلاحات القوْم، وإن أسند إلى تقدير الحكيم الخبير، ومِن الأصحاب من عبر عن الغرض بأنَّ الله تعالَى نقص من جرم كلِّ أصبع من الخمس وقُوَّتها شيئاً، وخَلَق منها أصبعاً تساويها في الصورة والقُوَّة، وبالجملة، فإذَا قال أهل البصير: إنها جميعاً أصليةً، ليست فيها زائدةٌ، فللمجنيِّ عليه أن يلقط خمْساً منها على الولاء من أي جانِبٍ شاء هكذا أطلق، ولك أن تقول: إن لم تكنِ الستُّ المفروضةُ على تقطيع الخمس المعهودة وهيئاتها، فهذا قريبٌ، وإن كانتْ على تقطيعها، فمعْلُومٌ أن صورة الإبهام من الخمس تباين صورة سائرها، كان كانتِ الَّتي تشبه الإبهام على الطرَف، فينبغي أن يلقط الخمس من ذلك الجانب، وإن وقعَتْ ثانية، وكانت التي على الطَّرَف كالملحقة بها، فينبغي أن يلقط الخمْس من الجانِب الآخَرِ.
قال الإِمام: ويختلج في النفس أن يُقال: ليس له لقط الخمس؛ لوقوع الست على نَظْمٍ يخالف نظم الخمس المعتدلة، وغموض القطْع منها ثم حقُّه لا يتوفر بقطع الخمس منها؛ لأنها خمسة أسداسِ اليد، ويده مقطوعةٌ [بكمالها] 1، فله مع ذلك سدُسُ الدية، لكن يُحطُّ من السدس شيْءٌ لأن الخمس الملقوطة، كان كانت خمسة أسداس، فهي في صورة الخمس المعتدلة، والأمرُ في قدْر المحطوط مفروضٌ إلى رأْي المجتهد ونَظَرِهِ، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقَطَع الستَّ، قال صاحب "التهذيب": يعزر، ولا شيْء عليه، ولو قلت: يلزمه شيْء، لزيادة الصورة، لم يَبْعُدْ، وهو القدْر المحطوط من سُدُس الدية لواحدة مع قطْع الخمس، ولو قطع صاحبُ الأصابع الستِّ أصبعًا من معتدل، تقطع أصبعه، ويُؤْخَذ ما يفضل به خمس دية اليد على سُدُسِها، وهو بعيرٌ وثُلُثا بَعِيرٍ؛ لأن خمُسَها عشرة، وسدسها ثمانية وثلث، وقياس ما سبق أن يُقال: يحط من قَدْر التفاوتِ شيْء؛ لأن المستوفَى سُدُسٌ في صورة خُمْسٍ، ولو قطع معتدل اليد التي وصفنا أصابِعَها، قطعت يَدَه ويُؤْخَذ منه شيءٌ للزيادة المشاهدة، كذلك حكاه الإِمام وغيره ولو قطَع أصبعاً منْها، لم يقتص؛ لما فيه من استيفاء الخُمُس بالسُّدُس، ولكن يؤخذ منه سدُسُ ديةِ يَدٍ ولو قَطَع أصبعَيْن، قُطِعت منه أصبعٌ ويؤخَذ فضْل ثلث الدية على خمسها، وهي ستة أبعرة وثلثان، ولو قطع ثلاثًا منها قُطِعَتْ منه أصبعان، ويُؤْخَذ من دية اليَدِ فضْلُ النصْف على الخمسين، وهو خمسة أبعرة، ذكره الشيخ إبراهيم المروروذي وغيره، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقطَع بأصبعه المقطوعةِ أصبعاً منها، قال الإِمام: هو عنْدَنَا كَمَنْ قطَع يدًا شلأً، فابتدر المجنيُّ عليه، وقطع بها الصحيحةَ.
الثانية: إذا قال أهل البصر: نعْلَم أن واحدةً منها زائدةٌ، فإن القوَّة لم تقسم اليد إلى أجزاء متساوية، ولكن الزائدةَ ملتبسةٌ علينا، لم يكن للمجنيُ عليه قطْع الخمس؛ لأن الزائدةَ لا تُقْطع بالأصليَّة مع اختلاف المحلِّ، ولا يؤمن أن تكون الزائدةُ إحْدَى المستوفيات، ولو بادرَ، وقطَع خمساً، عُزِّر، ولا شيء عليه [لاحتمال أن] 2 المقطوعاتِ أصلياتٌ، ولا شيء له كان احتمل أن تكون الزائدةُ فيما استوفَى؛ لأنه تَعدَّى بما فعَل، والاحتمالان قائمان، فلا نَجْعَل له شيئاً كما لا نَجْعل عليه شيئاً، ولو بادر، وقَطَع الكلَّ، فعليه الحكومة للزائدة، كان قال أهل البصر: لا نَدْرِي أهي كلها أصلياتٌ، أم خَمْس منْها أصليةٌ، وواحدةٌ زائدةٌ، فلا قصاص أيضاً، ولو قطع جميعَها أو خمساً منه، يعزَّر، ولا شيء له، ولا عليه؛ لأنه إن قَطَع الجميع، فيحتمل أنها أصلياتٌ، وإن قطع خمساً منها، فيحتمل أن تكونَ الأصليات والباقيةُ الزائدةُ [وقوله في الكتاب: "فلا
قصاص خيِفَةٌ من أخذ الزائدة بالأصلية] 1 أي مع اختلاف المحلِّ، فأما إذا لم يختلفِ المحلُّ، فلا يمتنع أخذ الزائدة بالأصلية، على ما مَرَّ، وذلك كما إذا كانَتْ له أربعُ أصابعَ أصليةِ وخامسةٌ زائدةٌ، فقطع يد من أصابعه أصلية، يجوز للمجنيِّ عليه أن يقْطع يده، ويرضى بالزيادة عن الأصليَّة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَسَّمَتِ القُوَّةُ المُدَبِّرَةُ بِإِذْنِ اللهِ -تَعَالَى- أُصْبُعاً وَاحِدَةً بِأرْبعِ أَنَامِلَ مُتَسَاوِيَةٍ قَقَطَعَ صَاحِبُهَا أُنمُلَةً مِنْ مُعْتَدِلَةٍ قَطَعْنَا وَاحِدَةً وَطَالَبْنَاهُ بِمَا بَيْنَ الرُّبُعِ وَالثُّلُثِ، وَإنْ قَطَعَ ثِنْتَيْنِ قَطَعْنَا ثِنْتَيْنِ وَطَالَبْنَاهُ بِمَا بَيْنَ النِّصْفِ وَالثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ قَطَعَ ثَلاثَةَ قَطَعْنَا ثَلاَثَةَ وَطَالَبْنَاة بِمَا بَيْنَ الكُلِّ وَثَلاَثةِ أَرْبَاعٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "ولو قسمت القوة المدبرة بإذن الله تعالى" عبارة اتبع فيها الإِمام حيْثُ قال في تصوير المسألة: "صادَفَتِ القُوَّةُ المُدَبِّرة بإذْن الله تعالى مزيدَ مَادَّةٍ، فزادت في الأصبع قِسْماً"، وهو كما حكيناه عنه في تصوير الأصابع الستِّ، والمقصود أنَّ كلَّ أصبعٍ سوى الإبهام منقسمةٌ فيما أجرى اللهُ تعالَى العادَةَ به ثلاثَ أقسام، وهي الأناملُ الثلاثُ، فلو انقسمتْ على خلاف العادَة أصبع بأربعِ أناملَ، فلها حالتان.
إحداهما: وهي المذكورة في الكتاب أنْ تكون الأربعُ أصليةً عند أهل النظر، وقد يستدلُّ عليه بأن تكُون غيْر مُفْرطةِ الطُّول بل قريبة من الاعتدال، وتناسب سائر [الأصابع]، فإذا قطَع صاحبُها أنملةً من معتدلٍ، فيقطع منه أنملة، لكنَّ حقَّ المجنيِّ عليه لا تتأدِّى بها على التمام؛ لأن أنملته رُبُع الأصبعِ، وأنملةُ المجني عليه ثُلُثٌ، فيُطالَبُ بما بين الربع والثلثِ من دية أصبع، وهو خمسة أسداس بِغيرِ؛ لأن [ثلثا] دية الأصبع ثلاثةٌ وثلثٌ، وربُعُها اثنانِ ونصْف، ويقال: إن القفَّال حكى هذه الصورة عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وإن قَطَع أنملتين، قطعنا منه أنملتين، وأنملتَاهُ نصْف أصبعه، وأنملتا المجنيِّ عليه ثلثا أصبعه، فيُطَالَب بما بين نصْف دية أصبع وثلثها، وهو بعير وثُلثَا بعيرِ، وإن قطع أصبع معتدل بتمامها، فهل يقطع أصبعه بها؟ نقل صاحب "التهذيب" فيه وجهين:
أحدهما: نَعم، وهو الذي أورده القاضي الرويانيُّ، وصاحب الكتاب في "الوسيط" و [هو الذي] صحَّحه الأمام، لأنه لا تفاوُتَ في أصْلِ الخِلْقة، وإنما التفاوتُ في كيفية الانقسامِ وعدد الأقسام، ويدُلُّ على المقابلة بين الأصبَعيْنِ جَعْل كلِّ أنملةٍ منها مقابلةً بربع ما يقابل به أصبع المعتدل.
وأصحُّهما: عند صاحب "التهذيب": المنع؛ للزيادة في عدد الأنامل، كما لا تقطع اليد التي [فيها] ستُّ أصابع بيد المعتدل؛ للزيادة في عدد الأصابع، وقد يُؤَيَّد ذلك بنصِّ تقدَّم في الأصبع الزائدة، أنه إذا كانت لها ثلاثةُ مفاصِلَ، لا تقطع بالتي لها مَفْصِلان، وعلى هذا يقطع منه ثلاث أنامل، هي ثلاثة أرباع حقِّه، ويطالب بالتفاوت بيْن جميع الدية، وثلاث أرْبَاعها، وهو بعيران ونصْفٌ، ولو بادر المجنيُّ عليه، وقطع أصبعه عُزِّر، ولا شيْء عليه.
وقوله في الكتاب: "وإن قطع ثلاثاً قطعنا ثلاثةً" جواب على ما رجَّحه صاحب "التهذيب" لأن قطع الثلاث من المعتَدِل هو قطْع الأصبع كلّها، وليُعْلَم بالواو؛ للوجْه الآخر على أن الأشبه أنه لم يَقْصِد الجوابَ بما ذكَره؛ لأنه لم يذْكُره في "الوسيط" ولا اختاره الإِمام وإنَّما وقع عن غفلةً.
ولو قطع معتدلٌ أنملةَ مَنْ له هذه الأصبع، لم تقطع أنملته، ولكن تُؤْخَذ منه رُبُع دية أصبع، ولو قطع أنملتين، فللمجنيِّ عليه أن يقطع منه أنملةً، ويأخذ ما بين ثلُث الدية ونصْفها، وهو بعيرٌ وثلثان، ولو قطَع ثلاثَ أناملَ، فله أن يقطع أنملتَيْن، ويأخذ ما بين الثلثين، وثلاثة أرباع، وهو خمسة أسداس بعير، ولم يذكروا هَاهُنَا أنه يُحَطُّ من المضموم إلى الأنملة المقطوعة شيْءٌ؛ لأنها ربع في صورة ثلث، كما [فعلوا] في مسألة الأصابع السِّتِّ، ولو قطع الأصبع بتمامه، قُطِعت أصبعه ولم يلزمه شيْء آخر، ذكره الإِمام والقاضي الرويانيُّ.
والحالة الثانية: أن تكون الأنملةُ العلْيا زائدةً خارجة عن أصْلِ الخلقة فلو قطع صاحبها أصبُعَ معتدلٍ، لم تقطع أصبعه؛ لما فيها من الزيادة 1، وأُخِذَت منه الدية ولو قَطَعَها معتدلٌ، قُطِعَتْ أصبعه، وأُخِذَت منه حكومة للزائدة، وتختَلِفُ الحكومة بأن تكُون الزائدةُ ساقطةَ العمل أو منقادَة له، ولو قطع المعتدلُ أنملة منْها، فلا قصاص؛ لأن الأصلية لا تُؤخَذ بالزائدة، وتجب الحكومة، ولو قطع منه أنملتين، قطعت منه أنملة، وأخذت الحكومة [للزائدة] 2، ولو قطع ثلاثاً، قطعت منه أنملتان، وأخذ الحكومة.
فرُوعٌ: إذا كان لأنملته طرفانِ؛ أحدهما أصليٌّ عاملٌ، والآخر زائدٌ غير عاملٍ، ففي الأصلي القصاصُ والأرشُ الكاملُ، وفي الزائِدِ الحكومةُ، ولو قطع صاحبُها أنملةً معتدلةً، قُطِع منه الطرف الأصليُّ، إن أمكن إفرادُه بالقَطْع، وإن كانا عاملَيْن مشتدين قال الإِمام: الأمر فيهما قريبَ من القول في الأصابع الستَّة الأصليات، كان قطع معتدلٌ أحد
الطرفيْن، لم تُقْطع أنملتُه، وإن قطَعَهما جميعاً، قُطِعت أنملته، ولزمه لزيادةِ الخِلْقة شيْءٌ وإن قطع صاحبها أنملةً معتدلةً، لم يقطع طرفا أنملته، ويقطع أحدهما، ويتخير فيه المقتص، ويؤْخَذ منه نصف الأرش محطوطاً منه شيْء؛ لأن المقطوع نصْف في صورة الكُلِّ، وجميع هذا فيما إذا نبت طرفا تلْك الأنملةِ عَلَى رأس الأنملة الوُسْطَى، فلو لقى رأسها عَظْم، ثم انشعب الطرفان مِنْ ذلك العَظْم، فإن لبم يكنْ مفْصِل بين العظْم، وبينهما فليس ذلك موضع القصاص، وإن كان لكلِّ طرفٍ مِفْصل هناك، فالعَظْم الحائل بين الشعبتين، والأنملة الوسْطَى أنملة أخرَى، فهي أصبعٌ لها أربع أَنَامِل، والعليا منها ذاتُ طرفَيْن، هكذا رتَّب الإِمام الفَرْعَ، وهو أحسن ترتيب فيه، وأصلُ الفرْع منصوصٌ في "المختصر" وإذا كان على الساعِد كَفَّان، أو على الساق قَدَمانِ، فالحكَم كما في أنملتين على رأْس الأصبع، وسنعود إلى ذلك "في الديات" إن شاء الله تعالى.
ولو [صادفنا] أصبعاً، ليست لها سوى أنملتان، وهي تناسب سائر الأصابع في الطول، فللإمام فيه احتمالان.
أحدهما: أنها ليستْ أصبعاً تامَّةً، وإنما هي أنملتان؛ لأن طول الأنامل لا يقتضي مزيدًا؛ ألا ترَى أن ذات الأنامل لو طالَتْ أناملُها لو لم تزد لها حكومة بالطُّول، ولم يكن الطُولُ كأنملة زائدة.
وأظهرهما: أنها أصبع تامَّةٌ، لكنها ذات قسمين، كما أنه إذا كانتْ فيها أربع أنامل كانت أصبعاً ذات أربعة أقسام، ولو فُرِضَت أصبعٌ لا مَفْصِل لها، قال الإِمام: الأظهر عندي نقصانُ شَيْء من الدية؛ لأن الانثناء، إذا زال بالكلية، سقَط مُعْظَم منافِع الأصبع، وقد ينجر هذا الكلام إلى أن يقتص أصبع السليم بها، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ الأُنْمُلَةَ الوُسْطَى مِمَّنْ لاَ عُلْيَا لَهُ وَجَبَ القِصَاصُ وَتَعَذَّرَ الاسْتِيفَاءُ، فَإنْ سَقَطَتْ عُلْيَا الجَانِي بِآفَةٍ أَوْ جِنَايَة اسْتُوفِيَتِ الوُسْطَى، وَهَلْ يُطَالَبُ فِي الحَالِ بأَرْشٍ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ المَجْنُونَ إِذَا ثَبَتَ لَهُ القِصَاصُ هَلْ يُطَالَبُ لَهُ بأَرْشٍ لِلْحَيْلُولَةِ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ يُطَالَبُ، وَفِي الصَّبِيِّ لاَ يُطَالَبُ فَقِيلَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا نَفْيًا وَاِثْبَاتًا تَخْرِيجًا، وَفِي طَلَبِ الأَرْش لِأَجْلِ الحَيْلُولَةِ بِعُذْرٍ الحَمْلِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ؛ عَلَى الصَّبيِّ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يُطَالَبَ لِأَنَّ أَمَدَ الحَمْلِ قَرِيبٌ فَتَوَقُّعُ سُقُوطِ العُلْيَا بِآفَةٍ كتَوَقُّعِ المَجْنُونِ الإِفَاقَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: رجلٌ سليمُ اليدِ، قطع الأنملة الوسطَى ممن هو فاقدُ الأنملة العليا، فلا سبيل إلى القِصاص مَعَ بقاء الأنملةِ العلْيَا، فإن سقطَتْ هي بآفة أو جنايةٍ، حصلت القُدرةُ على القصاص من الوسْطَى، فيقتص وفي "الشامل": أن أبا حنيفة قال: لا قصَاصَ في الوسطى إذا تعذَّر الاستيفاء في حال الجناية.
لنا: أن امتناع القصاص كان لاتصالِ محلِّ الجناية بغيره، فإذا زال الاتصالُ، استُوفِيَ القصاصُ، كالحامل إذا وضعتِ الحَمْلَ.
فإن صبر المجنيُّ عليه إلى أن يمكن الاقتصاص أو عفا وطلب الأرش، فذاك وقد حُكِيَ عن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- ما يناظرُه، قال: لو قطع كفًّا لا أصابع لها، وليَدِ القاطعِ أصابعُ، قلْنا للمجنيِّ عليه: لا يمكنُكَ القصاص في الكفِّ، لأجل الأصابع، فإن اخترت، فاعف، وإلا فاصبر، فلعل أصابع الجاني تذهب، فتأخذ كفه بكفك، ولو بادر المجنيُّ عليه، فقَطَع الوسطَى مع العليا، فقد تَعدَّى، وعليه أرش العليا، وإن أراد طلَبَ الأرْش في الحال للحيلولة، فهل له ذلك؟ فيه وجهان، وقد يُعبَّر عن الخلاف بأن أخْذ المال هل يكون عَفْواً عن القصاصِ، وقد يقال إذا أخذ المال، ثم سقطَتِ العليا، هل يردُّه وَيسْتوفِيَ القصاص؟ قال الإِمام: وكلُّ ذلك راجِعٌ إلى أن الحيلولةَ في القصاص، هل يثبت الرجوعَ إلى المال؟ وشبه الوجهين بالوجهين في أن من أتلف حنطة، وغُرِّم القيمة لإعواز المِثْل، ثم وجد المثْلَ، هل يرد القيمة، ويطالب بالمثل؟ ويالوجهين في أنَّ مَنْ أخذ أرش العَيْب القديم؛ امتنع الرد بالعَيْب الحادث، ثم زال العَيْبُ الحادثُ، هل له أن يرد المبيعَ والأرْشَ، ويستردَّ الثمَنَ؟ وبنى الإِمام وصاحب الكتاب الخلافَ في أنه هل يطالب بأرش الوسطَى في الحال، على أنه إذا ثبت القصاصُ لصبيٍّ أو مجنونٍ، هل لوليِّهما طَلَبُ المالِ في الحالِ؟ وإذا ثبت المّصاص على حاملٍ، هل تُطَالَبُ؛ في الحال بالمالِ؟ فعن نصِّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه لو قُتِلَ إنسانٌ، ووارثُهُ مجنونٌ، يجوز لوليه أخذُ الدية، وعن نصه -رضي الله عنه- فيما إذا ثبت القصاص لصبيٍّ: أن وليَّه لا يأخُذ المال، فجرى جَارُونَ على النَّصيْن، والفَرْق أن الجنون ليستْ له غايةٌ منتظرةٌ، فلو لم نُجَوِّز أخْذَ المال، ولا سبيل إلى استيفاء القصاص، كان ذلك قريبًا من التعطيل، والصبيُّ له غاية منتظرةٌ، وهو البلوغ، وعن بعْضِهم: التصرُّف فيهما، والتخريج من كل واحدٍ منهما في الآخَر، ولو ثبَتَ القِصاصُ على حاملٍ، فعن الصيدلانىِّ: أن في طلب المستحق الديَةَ في الحال مِثْلَ الخلافِ المذكورِ في أن وَليِّ الصبيِّ هل يَطْلُبُ؛ لأن لوضع العمل أمدًا يُنْتظَرُ، كما لزوال الصِبا.
فإذا عُرِفَ ذلك، فزوال العلْيا في مسألة الأُنْملُةِ يشبه بمسألة الجنون؛ لأنه ليس له غاية منتظرةٌ كإفاقة المجنون، والظاهرُ عنْد الأئمة أنه ليس له أخْذُ المال، إذا لم يعْفُ وقالوا: إن أخْذه الديةَ عفْوٌ عن القصاص، والظاهر في المجنونِ أن لوليِّه أخْذَ المال، ولكن لا على الإطلاق، كان حكى الإِمام النصَّ في المجنون مطلقاً، وكذا ذكره القاضي الرويانيُّ عن رواية أبي إسحاق الخرَّاط، بل يشترط أن يكون فقيراً، فإن كان غنياً، فالظاهر أنه لا تُؤْخَذ، وفي الصبيِّ الفقيرِ الظاهرُ أنه لا يَأْخُذ، وقطعوا به فيما إذا كان غنيّاً، أو كان له قريبٌ يُنْفِق عليه، وقد سبق هذا كلُّه في اللقيط، إذا ثبت له القصاصُ
في الطَّرَف وفي الحامل أيضاً الظاهرُ أنها لا تُطالَبُ بالدية، ولو كانتِ العليا مستَحقَّةَ القَطْعِ بالقصاص فتوقع القصاص في الوسْطَى بين التوقع في صورة المجنون والتوقع في صورة الصبيِّ والحمْل؛ لأن استيفاء القصاصِ يُرْتَقَب ويُنْتظر بخلاف الإفاقة من المجنون، لكن ليس له أمدٌ معلومٌ بخلاف زوال الصبا ووضع الحَمْل، والذي رجَّحوه، وإن كانت العليا مستَحَقَّةً بالقصاص؛ أنه لا يطالبه بأرْشِ الوسطَى من غير عفْوٍ، ومن صور استحقاق العلْيا بالقصاص ما نَصَّ عليه في "المختصر" وهو أن تقطع الأنملةَ العلْيا منْ إنسانٍ، والوسْطَى من آخر، وهو فاقدٌ للعليا، فلصاحب العلْيا القصاص فيها أولاً، وإن كان قطعه لاحقاً، فإن جاء طالبا للقصاص، اقتص ويُمَكَّنُ مُستحِقُّ القصاصِ من الوسطى استيفائه، قال أبو بكر الطوسي: ولو اتفقا على وضْع الحديدة على مفْصِل الوسطَىئ، واستوفيا الأنملتَيْنِ بقطعةٍ واحدةٍ، جاز وقد هَوَّنَا الأمر علَيْه، وإن لم يطلب صاحب العلْيا القصاصَ، صبر صاحب الوسطَى، أو عفا كما ذكرناه.
وقوله في الكتاب: "فإن سقطت علْيا الجانِي بآفة أو جناية استُوفِيَتِ الوسطَى" ليُرَقَّمْ بالحاء؛ لما سبق، وبالواو؛ ولأن الشيخ أبا محمَّد في آخرين حَكَوْا أن القفَّال تردَّد في استيفاء 1 الوسطَى، وأن أكثر ميْلِهِ إلى أنَّها لا تستوفى؛ لأن الجناية جرَتْ، والقصاص غير ممكنٍ حالة جريانها، وأنه لو كانتِ العليا مستحَقَّةً بالقصاصِ عند الجناية على الوسطَى، فليس ذلك موْضِعَ ذلك التردُّد، ولأن المستَحقَّة كالملقوطة.
وقوله: "هل يُطَالَبَ له بأرش للحيلولة" أي هل يُطالَبُ الجانِي، وكذلك هو في بعض النسخ.
وقوله: "لأن أمد الحمل قريب" هذا يختلف؛ فقد يكون الباقي من مدَّة الحمل أكْبَرَ مِنَ الباقِي من مدة الصبيِّ إلا أن يريد أن مدَّة الحَمْل أقصرُ من مدة الصِّبَا.
فرْعٌ: قطع الأنملة العليا من أُصْبُع إنسان، والعليا والوسطى من تلْك الأصبع من آخر، نُظِرَ إن سبق قطع الأنملتين، فلِمَقطوع الأنملتين أن يقتصَّ، ويأخذ الآخرُ أرْشَ العليا، وإن سبق قطْعُ الأنملة، فلصاحبها أن يقتص، ثم الآخر يتخيَّر بين أن يقطع الوسطَى، ويأخذ دية العليا، وبين أن يعفو، ويأخذ دية الأنملتين ولو بادَرَ صاحبُ الأنملتين، فقطعهما، كان مستوفياً لحقِّه، ويأخُذ الآخر ديةَ العلْيا من الجانِي، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوْ قَدَّ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ بِنِصْفَيْنِ فَادَّعَى مَوْتَةُ فَالأَصْلُ عَدَمُ القِصَاصِ مِنْ جَانِبِهِ وَاسْتِمْرَارُ الحَيَاةِ مِنْ جَانِبِ المَلْفُوفِ فَيُخَرَّجُ التَّصْدِيقُ عَلَى تَقَابُلِ
الأَصْلَيْنِ، وَلَوِ ادَّعَى نُقْصَانَ يَدِ المَجْنيِّ عَلَيْهِ بِأصْبُعٍ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلٍ إذِ الأَصْلُ عَدَمُ القَصَاصِ، وَقَوْلُ المَجْنِيِّ فِي قَوْلٍ إذِ الأَصْلُ السَّلاَمَةُ، وَفِي الثَّالِثِ يُفَرَّقُ بَيْنَ العُضْوِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ فَيُصَدَّقُ المَجْنِيُّ فِي العُضْوِ البَاطِنِ لِعُسْرِ البَيِّنَةِ، وَالبَاطِنُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ شَرْعَاً عَلَى رَأْيِ، وَمُرُوءَةً عَلَى رَأْيٍ، وَفِي الرَّابعِ يُفْرَقُ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ نَفْيَ السَّلاَمَةِ أَصْلاً، أَوْ زَوَالَهَا طَارِئاً، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ فَقالَ وَلِيُّ الدَّمِ: مَاتَ بَعْدَ الاِنْدِمَالِ وَعَلَيْكَ دِيَتَانِ وَقَالَ الجَانِي: بَلْ قَبْلَ الانْدِمَالِ فَإنْ كَانَ الظَّاهِرُ يُصَدَّقُ أَحَدُهُمَا صُدِّقَ وَإِلاَّ فَهُوَ خَارجٌ (و) عَلَى تَقَابُلِ الأَصْلَيْنِ إذِ الأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ جَانِبٍ وَعَدَمُ التَّدَاخُلِ مِنْ جَانِبٍ، وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ مُوْضِحَتَيْن فَقَالَ الجَانِي: رَفَعْتُ الحَاجِزَ قَبْلَ الانْدِمَالِ وَعَلَيَّ أَرْشٌ وَاحِدٌ وَقَالَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ: بَلْ بَعْدَهُ وَعَلَيْكَ ثَلاَثة أُرُوشٍ وَاقْتَضَى الحَالُ تَحْلِيفَ المَجْنِيِّ فَحَلَفَ ثَبَتَ الأَرْشَانِ، وَفِي الثَّالِثِ وَجْهَانِ، وَجْة قَوْلِنَا لاَ يَثْبُتُ أَنَّ اليَمِينَ إنَّمَا يَصْلُحُ لِنَفْيِ التَّدَاخُلِ لاَ لإِثْبَاتِ مَالٍ عَلَى غَيْرِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه مسائلُ في الاختلافاتِ الواقعةِ، بيْن الجانِي والمجنيِّ عليه أو وليِّه منها لو قدَّ ملفوفاً في ثوْبٍ بنصفَيْن، وقال: إنه كان مَيَّتَاً، وادَّعَى الوليُّ أنه كان حيّاً، فمَنِ المصدق منهما باليمين؟ فيه قولان:
أحدهما: أن المصدَّق الجانِي؛ لأن الأصل براءة ذمته عن القصاص.
وأظهرهما: ويحكى عن رواية الربيع: أن المصدَّق [ولي] 1 المجنيِّ عليه؛ لأن الأصل استمرارُ الحياة، وأيضاً، فإنه كان مضموناً، والأصل استمرار تلك الحالة فأشبه إذا قَتَلَ مَنْ عُهِدَ مسلماً، وادعى رِدَّته، وعن بعض الأصحاب: أن يُفْرَق بين أن يكون ملفوفاً على صورة الكفن، وبين أن يكون ملفوفاً في ثياب الأحياء، قال الإِمام: وهذا لا أصل له، ويجري القولان فيما لو هَدَم عليه بيتاً، وادعى أنه كان ميتاً، وأنكر الولي.
وسواء قلْنا: إن القول قولُ الجانِي أو الوليِّ، فلو أقام الوليُّ بيِّنة على حياته [عمل] بها، ويجُوز أن يُصدَّق الشخص تارةً بالبينة، وتارة باليمين، كالمودع في دعْوَى الردِّ، وللشهود أن يَشْهَدُوا عَلَى الحياة، إذا كان قد رأَوهُ يتلفف في الثوب، ويدخل
البيت وإن لم يتيقنوا حياته حالة النقد والانهدام استصحاباً لما كان، ولكن لا يجوز أن يَقْتَصِروا على أنهم أَوْ يدخل البيت، ويتلفف في الثوب قاله صاحب "التهذيب" 1 وغيره.
ولو قتل إنساناً، وادعى رقَّهُ، وأنه ليس عليه إلا القيمة، وقال قريبه: بل كان حرّاً فعن النص أن القول قول القريب، وأنه لو قَذَفَ امرأة، وادعى رقَّها، وأنكرتْ، فالقول قولُ القاذِفِ، وفيهما طريقان:
أحدهما: تقرير النصَّيْن، وفرق بأنا إذا لم نوجِبِ الحدَّ، نوجب التعزير، والتعزير زاجر أيضاً، وأما في القتل فهذا لم نُوجبِ القصاصَ، لم نوجب ما يصلح زاجراً.
وأظهرهما: أن فيهما قولَيْن:
أحدهما: يُصدَّق الجاني؛ لأن الأصل عدمُ القصاص.
والأظهر: تصديق القريبِ؛ لأن الغالب والظاهر الحرية ولذلك يُحْكَم بحرية اللَّقيطِ المجْهول الحال.
ومنْها قطع طَرَفِ إنسانِ، واختلفا في سلامته، فادَّعَى الجاني نقصاناً، كالشلل في الذكَر واليد والرَّجْل أو نقصان الأصبع فيهما أو الخَرَس في اللسان أو العَمَى في الحدقة، وأنكر المجنيُّ عليه، فالقول قول المجنيِّ عليه، والتصويرُ فيما إذا اختلفا في أن الأنثيين كانتا مرضوضَتَيْنِ أم لا، ونصَّ في "الديات" وإذا اختلفا في سلامة الذَّكَر؛ أن القول قولُ الجانِي، وكذلك إذا اختلفا في شَلَل اليد، وللأصحاب طرق:
أظهرها: ويُحْكَى عن أبي إسحاق وَأَبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطبري، والقاضي أبي حامد وابن القَطَّان: أنه إن كان العضْو ظاهراً؛ كاليد والرِّجْل واللسان والعين، فالمصدق الجاني، إن أنكر أصل السلامة؛ لأن الأصل أنه لا قصاص؛ ولأنه لم يفوت ما يدعيه المجنيُّ عليه والمجنيُّ عليه متمكن من إقامة البينة على السلامة التي تدعيها؛ لظهور العضو، وإن اتفقا على أنه كان سليماً، وادعَى الجاني حدوثَ النقصانِ والشَّلَلِ، فقولان:
أحدهما: أن الجواب كذلك لأن الأصل البراءة عن القصاص.
وأظهرهما: أن المصدَّق المجنيُّ عليه؛ لأن الأصل استمرار السلامة التي كانت، وإن كان العضْو باطناً، كالذكر والأنثيين، فقولان، سواءٌ أنكر الجانِي أصْل السلامة أو سَلَّمه وادعى زوالها:
أصحُّهما: تصديق المجنيِّ عليه؛ لأن الأعضاء الباطنة لا يُطَّلَع عليها، فيعسر إقامة البينة على سلاَمَتِها.
والثاني: طرْدُ القولَيْن في الأعضاء الظاهرة والباطنة، ويُحْكَى هذا عن ابن الوكيل، وطَرَدَهما في إنكار أصل السلامة، وفي تسليمه ودعْوَى الزوال، ووَجْهُ تصديقِ المجنيِّ عليه مع إنكار الجانِي أصْلَ السلامة، بأن الغالب السلامة؛ ولذلك [أثبتنا] الرد بالعيب في البيع.
والثالث: القطع في الأعضاء الظاهرة بتصديق الجاني، وفي الباطنة بتصديق المجنيِّ عليه، والفَرْقُ أن الظاهر يُطَّلَع عليه وتعرف سلامته، فيمكن إقامة البينة عليها، بخلاف الباطن؛ ولذلك قلْنا: إنه لو علَّق طلاق امرأته على الدُّخُول وسائر الأفعال الظاهرة وادعَتْ حصولها لا تصدق فيه، ولو علَّق على الحيض، فادعته صُدِّقَتْ.
والرابع: عن أبي الطيب بن سلمة: أنه إن أنكر الجانِي أصلَ السلامة، فهو المصدَّق بلا خلاف، وإن سلَّم السلامة وادَّعَى حدوث النقصان، فالمصدَّق المجنيُّ عليه بلا خلاف، ويُخرَّج من الطرق عند الاختصَار أقوالٌ، كما في الكتاب جمعها صاحب "التهذيب".
أحدُها: تصديقُ الجانِي على الإطلاق وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: تصديق المجنيِّ عليه على الإطلاق، وبه قال أحمد.
والثالث: الفرْق بين العضو الباطِنِ والظاهر.
والرابع: الفرْق بين أن يُنْكر السلامة أصلاً، وبيْن أن يعترف بها، ويدعي زوالها، فإن اقتصرت على الجوابِ الظاهِرِ، ولم تتعرض للخلافِ، قلْت: المصدَّق المجنيُّ عليه، إلا في العضْوِ الظاهر عند إنكار أصل السلامة.
وليعرف بعد هذا أمور:
أحدهما: ما المعْنِيُّ بالظاهر والباطن اللَّذَيْنِ أطلقناهما؟ قال الإِمام: تلقيت من كلام الأصحاب فيه وجهَيْن:
أحدهما: أن الباطِنَ ما يجب ستْرُه عنِ الأعْيُن، وهو العورة والظاهر ما عدا ذلك، وأَلْيَقُهما وبفقه الفصْل: أن الباطن ما يُعْتاد ستْرهُ إقامةً للمروءة، والظاهر ما لا يُسْتَر غَالباً؛ وذلك لأن الفَرْقَ بيْن النوعيْن مبنيٌّ على عُسْر إقامة الشهادة وسهولتها، وما يستر غالباً لا يُطَّلَع على حاله، فيعسر إقامة الشهادة فيه، وعن بعض التعاليق أن الوجهَيْن متولدان من لفْظ الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- حيث قال فيما إذا اختلفا في سلامة الأنثيين: إن القول قول المجنيِّ عليه؛ لأن هذا مغيَّبٌ عن أنظار الناس، ولا يجوز كشْفُه لهم، فاعتبر بعضهم المعنَى الأول، وآخرون الثانِيَ.
والثاني: إذا صدَّقنا الجانِيَ، فيحتاج المجنيُّ عليه إلى إقامة البينة على السلامة،
وكيف يقيمها؟ قال ابن الصبَّاغ وغيره: يُبنى ذلك على القولَيْن فيما إذا اعترفا بأصْل السلامة، وادعى الجاني زوالَهَا فإن صدَّقْنا الجَانِيَ، فيحتاج المجني عليه إلى أن يقيم البينة عَلَى السلامة عند الجناية، ويستغْنَى عن اليمين، فإن أقامها على أنَّه كان سليماً فتسمع أيضاً، ولكن يَحْلِف مع هذه البينة لجَوَازِ حدُوث الخَلَلِ والشَّلَل.
والأصحُّ عند القاضي الرويانيِّ وغيره: أنَّه يكْفِي قولُ الشهود؛ إنه كان صحيحاً، ولا يشترط التعرض لوقْت الجناية، ويجوز الشهادةُ على سلامة العيْن، إذا رآه يتبع بصره الشيْء زماناً طويلاً ويتوقى المهالك، ولا يجوز بأن يراه وَيُتْبع بصَرَه الشيْءَ الزمانَ اليسير؛ لأن ذَلِكَ قد يوجَدُ من الأعْمَى، وكذلك تجوزُ الشهادةُ على سلامة اليد والذَّكَر برؤية الانقباضِ والانبساطِ.
والثالث: في تعليقِ الشيخِ أبي حامِدٍ وغيره: أن القَوليْن فيما إذا ادَّعى الجانِي زوالَ السلامة التي كانت منصوصان في "الأم" وذهب جماعةٌ إلى أنهما مخرَّجان من القولَيْن في "مسألة الملفوف"، وأنهما متفقان على أصْل الحياة هناك، وعَكَس الإِمام القضيَّةَ؛ فجَعَل الخلافَ في "مسألة الملفوف" مبنيّاً على الخلاف في هذه الصورة.
والرابع: إذا اختلفا في أصْل العضو، فعن بعضهم إطلاقُ الخلافِ في أن المصدَّق أيُّهما؟ واستدرك الإِمام وقال: مَنْ أنكَرَ أصل العضو أنكر الجناية، فيقطع بتصديقه وإنما موضع الخلاف ما إذا اتفقا على أصْل العضْو والجناية عليه، واختلفا في حال العضْو صحةً وشللاً وعمًى وإبصاراً، ومِنْ هذا القبيل ما إذا قَطَع الكف، واختلفا في نقصان أصبع، وليس منه ما إذا ادَّعَى المجنيُّ عليه أنهُ قطَعَ الذَّكَر والأنثييْن، وقال الجاني: لم أقطَعْ إلا أحدهما؛ لأن الأصبع جزءٌ من العضْو الذي وردَتِ الجناية عليه، وقطْع الكفِّ قَطْع الأصبع، بخلاف الذَّكَر والأنثيين.
ومنها: لو قطَع يدَيْه ورجلَيْه، فمات، واختلف الجاني والوليُّ، فقال الجاني: مات بالسراية، فعلَّى دية، وقال الوليُّ: بل مات بعد الاندمال، فعليك ديتان فيُنْظَر؛ إن لم يمكنْ الاندمال في مثل تلْك المدة؛ لقصر الزمان؛ كيوم ويومين، فالقولُ قول الجانِي بلا يمين، وفي تعليق الشيخ أبي حامد: أنه يحْلِف؛ لجواز أن يكون الموت بسببٍ حادثٍ؛ كَلسْعِ حَيَّةٍ، وشُرْبِ سُمٍّ مذفَّفٍ، ولم يستحسن ما ذكره؛ لأن تنازعهما في الاندمال والسبب الآخر لم يَجْرِ له ذكْرٌ، حتى ينفي، وإنما يجري التحليف بحسب الدعْوَى والإنكار، وإن أمكن الاندمال في تلْك المدَّة، فقد فصل فيه تفصيلان:
أحدهما: ذكر جماعة، منْهم ابن الصباغ والقاضي الرويانيُّ: أنه، إن مضتْ مدَّةٌ طويلةٌ لا يمكن أن تبقى الجراحةُ فيها غير مندملة، فالقول قول الوليِّ بلا يمين، وإن أمكن الاندمال وعدمه في تلْك المدة، فالقول قوله مع اليمين، ويشبه أن يقالَ: ليس
لمدَّة الاندمال ضبْطٌ، وقد تبقى الجراحةُ سنين كثيرة، والشخصُ ضمن بسَبَبِهَا إلى أن يَمُوت منْها، فينبغي إلاَّ يكُون التصديقُ عند إمكان الاندمال، إلا باليمين، وهكذا ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
والثاني: قال الإِمام: إن أمكن الاندمالُ، لكنه كان بعيداً، وكان الظاهر خلافَه، فالقولُ قول الجانِي؛ بناءً على ظاهِرِ الحالِ، وادعَى وفَاقَ الأصحاب فيه، والذي يوجَدُ للأكثرين أن المصدَّق الوليُّ، وربَّما قطَعُوا به وعن أبي الطيِّب بن سلمة تخريجُ قولٍ من "مسألة الملفوف" أو من الصورة المذكورة مِنْ بَعْدُ: أنه يصدَّق الجانِي؛ لأن ما يقوله محتَمَلٌ، والأصل براءة الذمة، وعلى هذا ينطبقُ قوله في الكتاب، فهو خارج على تَقَابُل الأصلَيْن إلى آخره، ويجوز إعلامه بالواو؛ لقَطْع مَنْ قطع بتصديق الوليِّ.
ولو اختلفا في مضيِّ زمان الاندمال، فالمصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل أنه لم يمْض، ولو قال الجانِي ماتَ بالسراية، أو قتلتُه قبل الاندمال، وادعَى الوليُّ أنه مات بسببٍ آخَر؛ بأن قال: قتل نفسه أو قتله آخر أو شرب سُمّاً مُوحِياً، فوجهان:
أحدهما: أن المصدَّق الجاني؛ لأن ما يقوله محتملٌ والأصل براءة الذمة، ويُحْكَى هذا عن أبي إسحاق.
وأظهرهما: وبه قال أبو عليٍّ الطبريُّ، أنه يصدَّق الوليُّ؛ لأن الأصل بقاء الديتين الواجبتين بالجنايتين، والأصل عدَمُ السبب الآخر، ولو اقتصر الوليُّ على أنه ماتَ بسببٍ آخَر، ولم يعينه، فعن الصيدلانيِّ: أنه لا يلتفت إلى قوله إن قَصُر الزمان، ولم يمكن فيه الاندمال؛ لأن تَرْك التعين يُشْعِر بأنه لا سَبَبَ، وأن مراده دعوى الاندمال، وإن أمكن الاندمال، فإن صدَّقناه بيمينه، ولم نُحْوِجه إلى البينة قبل قوله، وحلَف على أنه ماتَ بسبَبٍ غير الجناية، وإن لم نُصدِّقْه وأحوجناه إلى البينة، فلا بد من التعيين؛ لتصوُّر إقامة البينة، قال الإِمام: ولاَ يَبْعُد التخريج على الوجهَيْن، وإن لم يُمْكن الاندمالُ، فلو اتفقا على أن الجانِيَ قتله، ولكن قال: قتلته قبل الاندمال، فعَلَيَّ ديةٌ وقال الوليُّ: بل بعده، فعليكَ ثلاثُ دياتٍ، والزمان يحتمل الاندمال، فيصدَّق الوليُّ في بقاء الديتين، والجاني في نفي الثالثة، ويجيء وجهٌ أنه يصدَّق الجاني على الإطلاق.
ولو قطَع إحْدَى يديه ومات، فقال الجاني: مات بسبب آخَرِ مِنْ قَتْلِ أو شُرْبِ موح، وليس عليَّ إلا نصْفُ دية.
وقال الوليُّ: مات بالسراية، وعليكَ ديةٌ تامةٌ، فوجهان قال في "التهذيب": أصحهما: أن القول قولُ الوليِّ؛ لأن الأصل أنَّه لم يوجَدْ سببٌ آخر.
والثاني: يصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل براءة ذمته، ولو قال الجانِي: مات بعْدَ
الاندمالِ، وليس عليَّ إلا نصفُ الدية، وقال الوليُّ: مات بالسراية، والزمان زمانٌ محتملٌ للاندمال، فالظاهر أن المصدَّق الجاني؛ لأن الأصْل براءة الذمَّةِ، ولم يَثْبت ما يوجب الديَة، بخلاف قطع اليدين والرجلين المُوجِب لديتين، وفيه وجه أنه يصدَّق الوليُّ؛ لأن الأصل بقاءُ الجناية وسرايتها، ولو اختلفا في مضيِّ زمان الإمكان، فالمصدَّق الوليُّ، إذِ الأصلُ أنه لم يمض، ولو قتله الجاني بعْد القطْع، وقال: قتلته قبل الاندمال، فعليَّ ديةٌ، وقال الولي: بل بعده، وعليك دية ونصْفٌ، فالمصدَّق الجاني.
ولو جرحه بقَطْع يد أو غيره، فمات، فقال الجاني: جاء آخر، فحز رقبته، ليس عليَّ قصاص النفس، وقال الوليُّ: بل مات بسراية جراحتك، ففي المصدَّق منهما وجهان.
أظهرهما: أن المصدَّق الوليُّ، وعن الداركيِّ: القطْعُ، وبه لو قال الجاني: مات بعد الاندمال، وقال الولي: بل بالسراية، قال الإِمام: إنْ طالتِ المدَّةُ، وكان الظاهرُ الاندمالَ، صدِّق الجاني بيمينه؛ لأن الأصل أنْ لا قصاصَ، ولم يظهر ما يوجِبه، وهو الجرح السارِي بخلاف ما إذا تنازَعَا بعْد قطع اليَدَيْن والرِّجلَيْن، فإنَّ موجب الديتين قد وجد هناك، وإن قَصُر الزمان وبعد احتمال الاندمال، فالمصدَّق الوليُّ، وعن القاضي أبي الطيِّب نقْل قولَيْن مطلقَيْن، مهما كانت [المدة] محتملة الاندمال، في قوْلٍ يُصدَّق الوليُّ لأن الأصل بقاء أثر الجناية وفي قول: الجاني؛ لأن الأصل براءة الذمة 1، وإن لم تحتملِ المدةُ الاندمالَ، قال فيصدَّق الوليُّ بلا يمين، وإن لم تحتمل بقاء الجرح، فيُصدَّق الجاني بلا يمين، وحيث صدَّقنا من يدعي الاندمالَ، فلو أقام الآخَرُ بيِّنة على أن المجْروح لم يزل، ضمناً متألماً من الجراحة، حتى مات، قَوِيَ جانبُه ورجَعْنا إلى تصديقه كذلك حكاه الإِمام وغيره.
ومنْها: أوْضَحَ رأْسَه موضحتين، ثم رفع الحاجز بينهما، واختلفا، فقال الجانِي: رفعتُه قبل الاندمال، فليس عليَّ إلا أرشٌ واحدٌ وقال المجنيُّ عليه: بل بعده، وعليك أرشُ ثلاثِ موضحاتٍ، قال الأئمة: إن قَصُر الزمان، صدِّق الجاني بيمينه، وإن طال، صدِّق المجنيُّ عليه بيمينه، كما سبق نظيره، وإذا حلَف المجنيُّ عليه، ثبت الأرشان، وهل يثبت الثالث؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه ثبت رفْع الحاجز باعترافه، وثَبَت الاندمال بيمين المجنيِّ عليه فقد حصَلَتْ مُوضِحَةٌ ثالثةٌ.
وأصحُّهما: أنه (1) لا يَثْبُت، وتصدَّق فيه الجاني؛ لأنه يقول: رفَعت الحاجز، حتَّى لا يلْزَمُني أرشان، بل يعود الأوَّلان إلى واحِدٍ، فإن لم يُقْبَل قوله في الاتحاد، وجَب أن لا يُقْبل في الثالث الذي لم يَنْصُت موجِبهُ، ولو وجدْنا الحاجز بينهما مرتفعاً، وقال الجاني: رفعْتُه أنا أو ارتفع بالسراية، وقال المجنيُّ عليه: بل رفعه آخر أو رفعتُه أنا، فالظاهر تصديق المجنيِّ عليه؛ لأن المُوضِحَتَيْنِ توجبان أرشَيْنِ، والظاهر بثبوتِهِما واستمرارهما، ولو كان الموجود موضحة واحدةً، وقال الجاني: هكذا أوضحْتُ، وقال المجنيُّ عليه: أوضحْتُ موضحتين، وأنا رفعتُ الحاجز بينهما، فالقولُ قول الجاني؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولم يوجد ما يقتضي وجوبَ (2) الزيادة.
وقوله في الكتاب: "فيُخَرَّج التصديق على تَقَابُلِ الأصلَيْن" يعني "فيه قولان" ونحوه قوله: "فهو خارج على تقابل الأصلَيْن".
وهذا تمام الكلام في الفنِّ الأوَّل.
الفَنُّ الثَّانِي في حُكْمِ القِصَاصِ الوَاجِبِ
وَفِيهِ بَابَانِ:
البَابُ الأَوَّلُ فِي الاسْتِيفَاءِ
وَفِيهِ ثَلاثَةُ فُصُولٍ:
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الأَوَّلُ فِيمَنْ لَهُ وِلاَيَةُ الاسْتِيفَاءِ
فَإنْ كَانَ القَتِيلُ وَاحِداً فَهوَ لِكُلِّ الوَرَثَةِ عَلَى فرَائِضِ الله تَعَالَى فَإنْ كَانَ فِيهِمْ مَجْنُونٌ أَوْ صَغِيرٌ انْتُظِرَ (ح م) تَكْلِيفُهُ، وإنْ كَانَ فِيهِمْ غَائِبٌ انْتُظِرَ حُضُورُهُ، فَإنْ تَزَاحَمُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ فَلِغَيْرِهِ مَنْعُهُ مِنْ أَصْلِ الاسْتِيفَاءِ، وَيَدْخُلُ فِي القُرْعَةِ المَرْأَةُ وَالعَاجِزُ عَلَى أَحدِ الوَجْهَيْنِ لِيَسْتَنِيبَ إِنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ.12
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت في أول الجِرَاحِ وقُوعَ الكلام في فَنَّيْنِ:
أحدهما: في موجِبِ القِصَاصِ.
والثَّانِي: في حُكْمِهِ بعْد الوجوب، وهو الذي نَخُوضُ فيه، وإذا وجب القصاصُ، فأما أن يُسْتَوْفَى أو يُترَك ويُعْفَى عنه، ففي [الطرفين] بابان: أما الأوَّل، ففيه ثلاثة فصول:
أحدها: فيمن يَلِي الاستيفاء.
والثاني: في كيفية الاستيفاء تعجيلاً وتأخيراً.
والثالث: في طريق الاستيفاء، وحفظِ المماثلة فيه ما أمكن.
أما الفصل الأول، فولاية الاستيفاء للمستحِقِّين، والقصاصُ يستحِقُّه جميع الورثة على فرائض الله تعالى، وحكى ابن الصبَّاغ وجهَيْن آخرَيْنِ للأصحاب:
أحدهما: أنه للعصباتِ خاصَّةً؛ لأن القصاص [لرفع] العارِ، فيختص بهم كولاية النكاح.
والثاني: أنَّه للوارثين بالنَّسَب دون الوارثين بالسَّبَب؛ لأن السبب ينقطع بالموت، والقصاص للتشفِّي فإذا انقطع السبَبُ، فلا حاجة إلى التشفِّي، والمذهبُ المشهورُ الأوَّل، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، ووُجِّه بأن القصاصَ أحدُ بدلي النفْس، فيستحقه جميعُ الورثة، كالدية، وُيروى؛ أن رجلاً قَتَل آخَرَ في عهْدِ عمرَ -رضي الله عنه- فطَالَب أولياؤه بالقَوَد، ثم قالت أخت القتيل، وكانت زوجة القاتِل: قد عَفَوْتُ عن حَقِّي فقال عمر -رضي الله عنه: عَتَقَ 1 الرجُلُ، والأشهر عن مالك أنَّ القصاصَ لا يثبُتُ إلا لِعَصَبات النَّسَب، وعنه رواية أخرى: أنَّه يثبتُ لرجال القرابة، حتى يستحقه الأخ للأمِّ أيضاً ورواية ثالثة: أنه يثبُتُ لرجَال القرابة، والأمُّ من جملة النساء، وإذا قُتِلَ من [ليس] له وارثٌ خاصٌّ، فهل للسلطانِ أن يقْتص من قاتله أو يتعيَّن أخْذُ الدية فيه قولان مذكوران في كتاب "اللقيط" وإن خلَّف بنتاً واحدةً أو جدةً أو أخاً لأم، فإن قلْنا: للسلطان استيفاءُ القصاص، إذا لم يكُنْ وارثٌ، استوفاه مع صاحب الفرض، وإلاَّ فالرجوع إلى الدية، ثم فيه صورتان:
إحداهما: إذا كان بعْضُ الورثة غائباً أو كانَ فيهِمْ صبيٌّ أو مجنونٌ انتظر حضورُ الغائِب أو مراجَعَتُه، وبلوغُ الصبيِّ أو إفاقَةُ المجنون، ولم يَكُنْ للحَاضِرِينَ والبالِغِينَ العُقَلاء الانفرادُ بالاستيفاءِ خلافاً لأبي حنيفة ومالك في الصبيِّ والمجنونِ؛ حيث قالاَ:
لا يُنْتظر بلوغُ هذا، وإفاقة ذلك.
وعن أحمد روايتان، [لنا] أن للصبيِّ والمجنون حقّاً في القصاص؛ ألا ترى أنهما يستحقانه بتقدير الانفراد، وإذا ثَبَت لهما حقُّ القصاص وجب أن لا يفُوتَ عليهما بالاستيفاءِ، كما في حق الغائب، وهذا لأن القصاص للتشفِّي ودرك الثأر، فحقُّه التفويض إلى خيرة المستحق.
وإذا انفرد صبيٌّ أو مجنونٌ باستحقاق القصاص، لم يستوفه الوليُّ، والقيِّم يستوي فيه قصاص النَّفْس والطَّرَف 1 وعند أبي حنيفة: للوليِّ استيفاء [القصاصين] وللوصي استيفاء قصاص الطَّرَف، وسلَّم أن القيَّم لا يستَوْفِي واحداً منهما، وقد سبق في: "باب الحجر" أن الوليَّ لا يستوفي قصاصَ الصبيِّ، ولا يعفُو عنه، ولكن لم يذكر مذهب أبي حنيفة هُنَاك ويجوز أن يُعْلَم قوله في الكتاب هناك: "ولا يستوفي قصاصه" بالحاء.
وأما أن الوليَّ هل يأخذ المال، وهل للمستحِقِّ عند كمال الحالِ، أن يرد المال ويقتص، فقد ذكرناه في باب "الحجر"، وفي "باب اللقيط" ويحبس القاتِلُ إلى أن يبلغ الصبيُّ وبفيق المجنون، ولا يُخَلَّى بالكفيل، فقد يهرب، فيفوت الحق، وكذلك يُحْبَس إلى أن يَقْدُم الغائبُ ضبْطاً لحقِّ القتيل، كما لو وَجَد الحاكمُ مال ميِّت مغصوباً، والوارثُ غائبٌ، فإنه يأخذه حِفْظاً لحقِّ الميت، وذكر ابن الصباغ أنَّ في قصاصِ الطرَف لا يُحْبَسُ الجاني إلى قُدُوم الغائب؛ لأن الحاكم لا ولاية له على الغَائِب المكلف، كما لا يأخذ ماله المغصوب، وفي كلام الإِمام وغيره ما يُنَازع فيه، ويُشْعِر بأنه يأخذ مال الغائِب ويحفظه له، وأن الحاكِمَ يحبس الجانِيَ [في قصاص الطرف] أيضاً، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي أنَّ الشيخ أبا عليٍّ قال: لا يُحْبس القاتل، بل يطلب منه كفيلاً؛ لأن الحَبْس ضمُّ عقوبة إلى القصاص المستَحقِّ عليه، وحمل الحبس في كلام الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- على التوقُّف والانتظار، والمشهورُ الأوَّلُ، قال الأصحاب: وإحياؤه محبوساً أهونُ عليه من استعجال القتل، ولا طريق إلى حفْظ الحقِّ سواه.
الثانية: إذا كان القصاصُ لجماعة، وهم حضور كاملو الحال، فليس لهم أن يجتمعوا على مباشرة قتْله؛ لأن فيه تعذيباً وإهانةً، ولكن يتفقون على واحدٍ يستوفيه أو يوكلون أجنبياً، وإن تزاحموا ورام كلُّ واحد منهم أن يستوفي بنفسه، أقرع بينهم، فمَنْ خرجت القُرعةُ له، تولاه، ولكن بأن الباقين، فلو أخَّرُوا، لم يكن له أن يستوفِيَهُ، ويخالف ما إذا تزاحَمَ الأولياء على التزويج، فأقرع بينهم، لا يحتاج من خرَجَتْ له
القرعة إلى إذْن الآخرين؛ لأن القصاص مبنيٌّ على [الإبراء] 1 والإسقاط ولبعضهم تأخيره كإسقاطه، والنكاحُ لا يجوز تأخيرُهُ حتى أنهم لو امتنعوا جميعاً من التزويج، وعَضَلُوا، يزوِّج القاضي، هذا هو الأظهر، ويُحْكَى عن القفَّال بناءً عليه: أنه لا يُقْرع بينهم في الابتداء، إلا بإذنهم، بخلاف القرعة في القسمة، والقُرْعة بين الأولياء.
وروى الإِمام وغيره وجهاً: أنه لا حاجةَ بعد خروج القرعة إلى إذْنِ الباقين؛ لتظهر فائدة القرعة وإلاّ فاتفاقهم على واحِدٍ مغن عن القرعة، ولا شك في أنه لو منع أحدُهم من خرجَتْ له القرعة من الاستيفاء، لم يكن له الاستيفاء، وهل يدْخُل في القُرْعة مَن يعْجز عن الاستيفاء؛ كالشيوخ والصبيان والنسوة؟ فيه وجهان، وقال القاضي ابن كج وأبو الفرج الزاز: أيضاً قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه صاحبُ حقٍّ، فإن خرجَتْ له القرعة استناب من يقدر عليه.
والثاني: لا لأنه ليس أهلاً للاستيفاء والقرعة إنما تَجْرِي بين المستوين في الأهلية، والأرجحُ الأول عند صاحب "التهذيب".
والثاني: عند القاضي ابن كج وأبي الفرج، والإمام وغيرهم وعن بعض الأصحاب: طريقةٌ قاطعةٌ به، وإذا قلْنا: لا يدخل العاجزُ في القُرْعة، فلو خرجَتْ لقادرٍ، فعجز، أُعِيدت القرعةُ بين الباقين، وإن قلْنا: يدخل، فلا يعاد ولكن يستنيب.
وقوله في الكتاب: "فإن كان القتيل واحداً" بين به أن الذي نذكره الآن فيما إذا لم يَزْدَحِم على القاتل أولياء قتيلَيْنِ أو قَتْلَى، فأما إذا قتل اثنين فصاعداً وأرادَ وَليُّ كلِّ قتيل قتْلَه به، فسيأتي إن شاء الله تعالى مِنْ بَعْدُ.
وقوله: "فهو لكل الورثة" معلم بالميم والواو.
وقوله: "انتظر تكليفه" بالحاء والميم والألف.
وقوله: "فإن تزاحموا أُقْرعَ بينهم" أي تزاحموا على الاستيفاء، والمقصود ما إذا استحَقُّوا القصاص في النفْس بضَرْب الرقبة، وأما في قصاص الطَّرَف، وقصاص النفْس المستحَقِّ بقَطْع الطَّرَف ونحوه، فسيأتي إن شاء الله تعالى.
وقوله: "فلغيره منعه مِنْ أصْل الاستيفاء" أشار بهذه اللفْظة إلى أنَّه ليْسَ له أن يقول لا تستوفي ولكن نقول: لا تستوفِ، وأنا لا أستوفِي أيضاً.
وقوله: "ويدخل في القرعة" إلى آخره [يصح] إعْلاَمُهُ بالواو؛ بطريقة مَنْ قال: "لا يدخل بلا خلاف".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَادَرَ وَاحدٌ فَقَتَلَ فَفِي وُجُوبِ القِصَاصِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ العَفْوِ مِنَ البَعْضِ فَقَولاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ، وَوَجْهُ الإسْقَاطِ شُبْهَةُ خِلاَفِ عُلَمَاءِ المَدِينَةِ فِي إثْبَاتِ الاسْتِبْدَادِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَإِنْ قُلنَا: لاَ قَصَاصَ فَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَيُغَرَّمُ نَصِيبَ البَاقِينَ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لأَنَّ لَهُ حَقّاً فِي المُسْتَوْفَى بِخِلاَفِ الأَجْنَيِيِّ إِذَا قَتَلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المسألة توصف بالإشْكَال والاعتبَاضِ، حتى حكى عن الماسرجسي: أنه قال: سَمِعْت أبا بكر الصيرفيِّ يقول: كرَّرْتها علي نِفْسي ألْفَ مَرَّةٍ حتى تحقَّقتُها، وأول ما يذْكُره أنَّ مَنْ عليه القصاصُ، إذا قَتَله أجنبيٌّ عن القصاص، يلزمه القصاصُ، على ما سَبَقَ ويكون ذلك القصاصُ لورثته لا للَّذِين كانُوا يستحِقُّون القصاصَ عليه؛ لأن القصاصَ للتَّشفِّي ودرك الثأر، ووارثه هو الذي يَحْتَاج إليه.
قال في "التهذيب": ولو عفا ورثته عن القِصَاص على الدِّيَة، فالدية للوارِثِ على الصحيح من المَذْهَب، وفيه وجّه أنها لِمَنْ له القصاصُ، كما إذا قُتِلَ العَبْدُ المَرهُون، تكون قيمته مرهونَةً.
وأما المستحِقُّون للقصاص، فليس لبعضهم الانفرادُ بقَتْله، كما لا ينفرد باستيفاء تمام الدية، ولو بادَرَ أحدُ ابْنَيِ المقتولِ الحائِزِينَ، وقَتَل الجانيَ بغَيْر إذْن الآخر، فَيُنْظَر؛ أوقع ذلك قبل عَفو أخيه أو بعْده؟
الحالة الأولى: إذا قتله قبل العَفْو، ففي وجوب القصاص عليه قولان:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمَدُ، واختاره المزنيُّ: أنه لا يجبُ؛ لأحد معنَيَيْنِ.
أظهرهما: أنه صاحب حقٍّ في المستوفَى، وذلك شبهة دارئة للعقوبة؛ ولذلك لا يجب الحدُّ إذا وطئ الجارية المشتركة بيْنَه وبيْن غيره.
وثانيهما: أنَّ مِنَ علماء المدينة مَنْ ذهَب إلى أنه يجُوز لكلِّ واحدٍ من الورثة الانفرادُ باستيفاء القصاص، حتى لو عفا بعْضُهم، كان لمن لم يَعْفُ أن يستوفيه، ويقال: إنه روايةٌ عن مالك، واختلافُ العلماء في إباحةِ الفِعْل شبهةٌ دارئةٌ للعقوبة، ولذلك لا نوجب الحدَّ بالوطء في الأنكحة المخْتَلَفِ فيها.
والثاني: يجب القصاص؛ لأنه استوفَى أكثر من حقِّه، فيلزمه القصاص فيه، كما لو استحق الطرَفَ، فاستوفَى للنفس، وأيضاً، فإن القصاص لهما، فهذا قتله أحدُهما، فكأنه أتلف نصف النفْس متعديّاً، وأنه سبَبٌ يوجب القصاص بدَلِيل ما إذا قتل اثنان واحداً، والقولان فيما إذا كان القاتِلُ عالماً بتحريم القَتْل، فإن جهلَ، فلا قصاص، بلا خلاف، كذلك ذكر في "التهذيب".
الحالة الثانية: إذا قتلَهُ بعْد عفْو الأخِ، فأما أن يكون عالماً بالعفْو أو لا يكون، إن
كان عالماً، فَيُنْظَر؛ إن لمْ يَحْكُمْ الحاكمُ بسقوط القصاصِ عن الجانِي، ترتب وجوب القصاص على ما إذا قتله قَبْل العَفْو، إن أوجبنا القصاص هناك، فهاهنا أوْلَى، وإن لم نوجِب، فوجهان، ويقال: قولان مبنيان على المعنَيَيْنِ المذكورَيْنِ هناك إنْ علَّلنا بأنه صاحب حقٍّ، فقد سقط الحق هاهنا بالعَفْو، وقتل من لا قصاص عليه [فيلزمه] القصاص، وهو الأصحُّ، وإن علَّلنا بشبهة اختلاف العلماء، فالاختلافُ قائمٌ هاهنا أيضاً، فلا يجب، وإن حكَم الحاكمُ بسقُوطِ القصاصِ عن الجانِي، فعلَيْه القصاصُ قولاً واحداً؛ لارتفاع الشبهة، وامتناع المخالِفِ من المخالفة بعْد حُكْم الحاكم، هكذا أطلقوه، وإن كان جاهلاً بالعَفْو، ترتب على ما إذا كان عالماً، فإن لم نوجب القصاص عند العلْم فعنْد الجهْل أوْلَى، وإن أوجبناه عند العلْم، فهاهنا وجهان أو قَولان بناءً على الخلاف فيما إذا قَتَلَ مَنْ عرفه مرتدّاً وظن أنه لم يُسْلِم، فبان خلافُه، وقد مَرَّ أن الأظْهَر الوجوبُ، ووجّهُ الشبه بين الصورتين أن المقْتُولَ معصومٌ والقاتل جاهلٌ بحاله، غير معذُور في الإقدام عليه، ولو قتله العافي أو عَفَوَا ثم قتَلَه أحدهما، وجب القصاص بلا خلاف.
التفريعُ: إن أوجبنا القصاصَ على الابنِ القاتلِ، وجبت ديةُ الأب في تركة الجاني؛ لأنه إذا وجب القصاصُ، لم يقع قَتلُ الجانِي قصاصاً، كما لو قتله أجَنبيٌّ، وإذا فات القصاص، وجبَتِ الدية، فإن اقتص وارثُ الجانِي مِنَ الابن القاتِلِ، أخذ وارثُ المقتص، والابنُ الآخرُ الديةَ مِنْ تركة الجاني، وكانت بينهما نصفَيْنِ، وإن عفا مجَّاناً أو أطلَقَ العفْو، وقفنا: العفو المُطلَق لا يوجب الدية، أخذها الأخوان، وإن عفَا على الدية أو أطلَقَ، وجعلْنا العفْو المطلَقَ موجباً للدية، فللأخ الذي لم يَقْتُل نصف الدية في تركة الجاني، وللأخِ القاتِل النصْفُ وعليه ديةُ الجانِي بتمامها، ويقع الكلام في التقاصِّ، وقد يصير النصْف بالنصْفِ قصاصاً، ويأخُذ وارثُ الجانِي النصْفَ الأخير، وقد يختلف القدر بأن يكون المقْتُول أولاً رجُلاً والجانِي امرأةً أو مُسْلِماً، والجاني ذميّاً، فتَحْكُم في كل صورة بما يقتضيه الحَال، وإذا قلْنا بالأصحِّ، ولم نوجب القصاصَ على الابن القاتل، فلأخيه نصْفُ الدية؛ لفوات القصاص بغَيْر اختياره، وممن يأْخُذ أخُ القاتِل النصْفَ الذي وجب له؟ فيه قولان:
أحدهما: من أخيه القاتِل؛ لأنه صاحبُ حقٍّ في القصاص، فإذا بادر إلى القتْل، فكأنه استوفَى حقَّ أخيه مع حقِّ نفسه، فصار كما إذا أوْدَعَ إنسانٌ وديعةً، ومات عن اثنيْن، فأخذها أحدهما، وأتلفها، يرجع الآخرُ بضمان نصيبه علَيْه، لا على المُودع.
وأصحُّهما؛ وهو اختيار المزنيِّ: أنه يأخذ مِنْ تركة الجانِي؛ لأن القاتل فيما وراء حقِّه كالأجنبي، ولو قتله أجنبيٌّ، يأخذ الورثة الدية من تركة الجانِي، لا من الأجنبي، فكذلك هاهنا، ويخالف "مسألة الوديعة"؛ لأن الوديعة غير مضمونة على المُودع بحال
حتى لو تَلِفَتْ بآفة، فلا ضمان عليه، ولو أتلفَهَا أجنبيٌّ غرمها للمالك، ونفسُ الجاني مضمونةٌ، حتى لو مات أو قتله أجنبيٌّ، تؤخذ الدية مِنْ تركته، واحتج أبو نصر بن الصَّبَّاغ، لهذا القول؛ بأنه لو كان المقتول أولاً أقلَّ دية من الجانِي؛ بأن كل مسلماً، والجانِي ذميٌّ، فقتله أحدُ ابْنَي المسلم، فالواجب على الابن القاتِل نصْفُ ديةِ الذميِّ، وهو سدُسُ ديةِ المُسْلِم، والثابت لأخي القاتل نصْفُ دية المُسْلِم، فلو قلنا: إنه يأخُذُ حقَّه من أخيه القاتل، لم يمكن أن يأخذ هاهنا نصْفَ دية المُسْلِم، ولا يمكن أن يأخُذَ منْه ومِنْ ورثة الجَانِي؛ لأن أخاه هو الَّذي أتلف جميع حقِّه، وعَلَى هذا القَوْل، فلا رجُوع له على غيره، وعن ابن سُرَيْج فيما حكاه القاضي ابن كج سَماعاً عن أبي الحسين ابن القطَّان عنه قولٌ ثالثٌ مخرَّج: إن الذي لم يَقْتُلُ من الابنين يتخيَّر بَيْنَ أن يأخذ حقَّه من أخيه، وبين أن يأخُذَه من تركة الجاني، وينزلان منزلة الغاصِب والمُتْلِف مِنْ يد الغاصب، وإذا قلنا: إن حقَّ الذي لم يَقْتُل على أخيه، فلو أبرأ أخاه، برئ، ولو أبرأ وارثَ الجانِي، لم يصحَّ؛ لأنه لا حقَّ له عليه، ولو أبرأ وارثَ الجاني القاتل عن الدية، لم يسقط النصْف الذِي يَثْبُت عليه لأخيه، وأما النصْف الثابت للوارث، فيُبْنَى على أن التقاصَّ في الديتَيْن 1 هل يحْصُل بنفس الوجوب، إنْ قلْنا: نعم، فالعفو لغْوٌ، وكما وَجَبَا سَقَطَا، وإن قلْنا: لا يحصُل حتى يتراضيا، فيصح الإبراء، ويسقط ما ثبَتَ للوارِثِ على الابْنِ القاتل، ويبقى للابْنِ القاتِل النصْفُ في تَرِكَةَ الجانِي، فإنْ قلْنا: إنَّ حقَّ الذي لم يَقْتُل في تركة الجانِي لا على أخيه، وهو الأصحُّ، فلوارث الجانِي على الابْن القاتِلِ ديةٌ تامةٌ، وله في تركة الجانِي نصْف الدية، فيقع النصْف في التقاصِّ، ويأخذ وارثُ الجانِي منْه النصْفَ.
وإبراءُ الذي لم يقتل أخاه لاغٍ؛ لأنَّه لا شيْء له عليه، ولو أبرأ وارثَ الجانِي، صَحَّ، ولو أسقط وارثُ الجاني الديةَ عن الابن القاتِلِ، فإن قلْنا: يقع التقاصُّ بنفس الوجوب، فقد سقط النصْفُ بالنصف، كما وَجَبَا، ويؤثِّر الإسقاط في النصْف الآخَرِ، فلا يبقى لأحدهما على الآخر شيْءٌ، وإن قلْنا: لا يقع التقاصُّ إلا بالتراضي، سقَط حقُّ الوارث بإسقاطه، وبقَي للابْنِ القاتِل نصْفُ الديةِ في تركة الجاني، وإذا كان الابن القاتلُ جاهلاً بالتحريم، وجبتِ الديةُ بقَتْله، ويكون في ماله لقَصْده القَتْل أو على عاقلته؛ لأنَّ الجهل بالحال كالخطأ؟ فيه قولان؛ فإن قلنا: في ماله، فالابن الذي لم يَقْتُل يأخذ نصْف الدية من أخيه أو من تركة الجاني فيه القولان وتفريعهما.
وإن قلنا على العاقلة يأخذ الابنان الدية من تركة الجاني في الحال ووارث الجاني
أخذ ديته من عاقلة الابْنِ القاتِل، كما تُؤْخَذ الدية من العواقل، هَذَا تفريع القولَيْن في الحالة الأولى، وهو أن يبادر أحد الابنين إلى قَتْل الجانِي قبل عفْو الآخر، فأما إذا قَتَلَه بعْد عَفْوِهِ، فإن أوجبْنا القصاصَ واقتص وارثُ الجانِي، فلورثة المقتص منه نصْف الدية في تركة الجانِي، والعافي لا شيْء له إن عفا مجاناً، وإن عفا على نصْف الدية، فيعود الخلافُ في أنه ممَّنْ يأخذه، وإن لم يقتص منه الوارِثُ، بل عفا، فيُنْظر في حال العفْوَين وما يَقْتَضِيَانِهِ من وُجُوب المال وَعَدَمِهِ، وإن لم نُوجب القصاص، فإن كان الآخر قد عفا عن الدية أو عفا مطلقاً، وقلْنا بوجوب الدية في العفْو المطلق، فللآخرين دية أبيهما وعلى الأخ القاتل دية الجاني، فيقع ماله، وما عليه في التقاص، والآخَرُ يأخذُ النصْف منْه أو من تركة الجانِي؟ فيه الخلاف، وإن عَفَا مجَّاناً أو أطْلَق، وقلْنا إنه لا يوجَب المَالُ، فلا شيء له، وللأخ القاتل نصْفُ دية أبيه من تركة الجانِي، وعليه تمامُ دية الجاني، على ما تبيَّن.
واعلم أن ما ذكرنا في المسألة من صور الوقُوع في خلاف التقاصِّ كذلك أطلقه الأئمة، لكنه لا يصفُو عن التوقُّف والتردُّد من جهة أن مَوْضِع الخلاف في التقاصِّ ما إذا تساوَى الديتان.
في الجنس والصفة، حتى لا يَجْرِيَ فيما إذا كان أحدُهُما حالاً، والآخر مؤجَّلاً أو كانا مختلفَيْنِ في قَدْر الأجل، وهاهنا أحد الديتين تثبت في ذمة الابن القاتل لوارث الجاني، والآخر يتعلَّق بتركة الجاني، ولا يثبت في ذمَّة الوارث، وهذا الاختلاف أشدُّ من الاختلاف في قدْر الأجَلِ 1.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا إذا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً قُتِلَ بِأوَّلهِمْ (ح م) وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ، وَإِنْ قَتَلَهُم مَعَاً خُصِّصَ بِالقِصَاصِ مَنْ خَرَجَتِ القُرْعَةُ لَهُ، وَهَلْ يُكْتَفَى بِالعَبْدِ فِي مُقَابَلَةِ الجَمَاعَةِ فِيهِ خِلاَفٌ لأَنَّ حَقَّ الآخَرِينَ يَضِيعُ فِي التَّخْصِيصِ، فَإِنْ تَمَالأَ أَوْلِيَاءُ القَتْلَى وُزِّعَ عَلَيْهِم عَلَى الأَصَحِّ، وَرَجَعَ كُلَّ وَاحدٍ مِنْهُمْ حِصَّةٌ مِنَ الدِّيَةَ، وَقِيلَ: يَكْفِي عَنْ جَمِيعِهِمْ، وَقِيلَ: يُخَصَّصُ بِالقُرْعَةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَجْنُونٌ أَوْ غَائِبٌ فَفِي تَسْلِيطِ الحَاضِرِ وَالعَاقِلِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ خِلاَفٌ، وَلَوْ اجْتَمَعَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ وَالطَّرَفِ قُدِّمَ مُسْتَحِقُّ الطَّرَفِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ مُستَحِقُّ اليَمِينِ وَمُسْتَحِقُّ أصْبُعٍ مِنَ اليَمِينِ أُقْرِعَ بَينَهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الواحدُ، إذا قتل جماعةً، قُتِلَ بواحد، وللباقين الدياتُ، وكذلك لو
قطَع الواحدُ أَطرَافَ جماعةٍ؛ لأنها جناياتٌ، ولو كانت خطأً، لم تتداخل، فعند التعمُّد أولَى وهذا القدْر من المسألة مذكورٌ في الصفات التي يُفْضُل بها القاتلُ القتيل، وحكَيْنا هناك خلافَ مَنْ خالف فيه، ولو رضَي الأولياءُ بأن يُقْتَل بهم جميعاً، وَيرْجِعُوا إلى ما يبْقى لكلِّ واحدٍ من الدية عند [فض] القصاص عليهم، قال الإِمام: لا يُجَابون إلَيْه، لا يختلف المذهب فيه، ثم يُنْظَر؛ إن قتلهم على الترتيب، فيُقْتَل بالأول، وللباقين الدياتُ، فإن عفا وليُّ الأول، قُتِلَ بالثَّاني، وهكذا يُرَاعى الترتيب، وإن لم يَعْفُ وليُّ الأول، ولا اقتص، فلا اعتراض عليه، وليس لوليِّ الثاني أن يَبْتَدِرَ إلى قتله، ولو فعل، عُزِّر، ولا غُرْم عليه، بل يقع قتله قصاصاً عن القصاص المستَحَقِّ له، وينتقل حقُّ الأول إلى الدية، وعنه رواية القاضي الحُسَيْن وجه ضعيفٌ: أنه يُغرَّم للأول ديةَ قتيله، ويأخذ من تركة الجانِي ديةَ قتيل نفسه، وإن كان وليُّ القتيل الأولِ غائباً أو صبيّاً أو مجنوناً، حُبِس القاتلُ إلى أن يَحْضُر وليُّ الأول، أو يكمل حاله، وفي "أبانة الفوراني" قولٌ عن رواية حرملة: أن للثاني أن يقتص، ويصير الحضورُ والكمال مرجِّحاً.
وإن كان قد قتلهم معاً؛ بأن هدَمَ عليهم جداراً أو جرحهم وماتوا معاً، فيُقْرَع بينهم فمَنْ خرجَتْ له القرعة، قُتِل به، ولو خرجَتْ لواحد، فعفا وليُّه أعيدت القُرْعَة بين الباقين، وكذا لو عفا ثان، خرجت القرعةُ له، والمفْهوم من إطلاق أكثرهم؛ أن الإقراع واجبٌ، وعن رواية أبي الفيَّاض وغيره أنَّه مُستحَبٌّ وللإمامِ أن يقتله بمَنْ شاء منهم؛ لثبوت الاستحقاقِ للكلِّ على التساوِي؛ قال القاضي الرويانيُّ: وهو الأصحُّ، وعليه جرى القاضي ابن كج وغيره، وحكَوْا عن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه قال: أحببت أن يقرْعَ بينهم، ولو رضُوا بتقديم واحدٍ بلا قرعة، جاز إِذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهم، فإن بدَا لَهُم، رُدَّوا إلى القرعة، ذكره الإِمام، ولو كان وليُّ بعض القتلَى غائباً [أو صبيّاً أو مجنوناً]، فالقياس الظاهر الانتظارُ، إذا قلنا: لا بد من الإقراع، وفي "الوسيط" عن رواية حرملةَ: أن للحاضر والكامل أنْ يقتص ويكون الحضورُ أو الكمالُ مرجِّحاً للقرعة، فإن أشكل الحالُ، فلم نَدْرِ أَقَتَلَهُمْ دفعةً واحدةً أو عَلَى الترتيب، جُعِل كما لو قتلهم معاً، وأُقْرِع بينهم، فإن أقرّ بسَبْق قتلهم بعْضِهم، اقتص منه [وليه]؛ لأنه أقر على نفْسه بحَقٍّ له.
قال أبو الفرجِ السرخسيُّ: ولوليِّ غيره تحليفُه، إن كذَّبه 1.
وإذا وقع القتْل على الترتيب، وجاء وليُّ الثاني يطْلُب القصاص، ولم يجئْ وليُّ الأول، فعن نص الشافعيِّ -رضي الله عنه- أنه قال: أحْبَبْتُ أن يبْعَثَ الإمامُ إلى وليِّ الأول؛ ليعرف أهو طالِبٌ أم عافٍ، فإن لم يبعثْ، وقتله الثاني، كرهتُه، ولا شيْءَ عليه؛ لأن لكلِّهم عليه حقَّ القَوَد، ويشبه أن تكون الكراهةُ كراهةَ التحريمِ، وإلا فليس القتل بالأول، بمستَحقٍّ وَيدُلُّ عليه ما رُوِي عن "الأم" فقد أساء بدل لفظه في "الكراهة".
ولو قتل جماعةٌ جماعةً، فالقاتلون كالشخْص الواحدِ، إن قتلوهم على الترتيب، قُتِلوا بالأول، وإن قَتَلوهم معاً، أُقرع بينهم، فمَنْ خرجَتِ القرعةُ له قُتِلُوا به، وللباقين الدياتُ في تركاتِ القاتلين، ثم الكلام في فروع.
أحدها: العبْد إذا قتل جماعة أحراراً أو عبيداً، هل يُقْتَل بجميعهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن في تخصيصه يبعضهم تضييع حقِّ الآخرين، ولأن العبْدَ، لو قَتَل جماعةً خطأً، يتضارَبُون في رقبته، فكذلك في القصاص بخلاف الحرِّ، فإنَّ جناياته لا تتداخل، إذا كانت خطأً، فكلذلك في القصاص وهذا ما أورده القاضي ابن كج.
وأصحُّهما: عند الإِمام والقاضي الرويانيِّ وغيرهما: أنه لا يُقْتَل بهم 1 جميعاً، ويكلون بمنزلة الحُرِّ المُعْسِر يُقْتَلُ بواحدٍ، وللباقين الدياتُ في ذمته تلقى الله تعالى بها، فعلى هذا لو قَتَلَهم على الترتيب، يُقْتَل بالأول، وإن قَتَلهم معاً، يقرع بينهم، ويُقْتل بمن خرجَتِ القرعة له، ولو عفا وليُّ القتيل الأول، أو وليُّ من خرجت القرعةُ له على مال، تعلَّق المال برقبته، وللثاني قَتْله، وإن بَطل حقُّ الأول؛ لأن تعلُّق المال لا يَمْنَع القصاص، كما لو جنَى العبدُ المرهونُ، فإن عفا الثاني أيضاً على المال، تعلَّق المالان بالرقبة، ولا يُنْظَر فيه إلى التقدُّم والتأخُّر كما لو أتْلَف مالاً على جماعة في أزمنة مختلفة، وإيرادُ صاحب "التهذيب" يُشْعِر بالقطْع بأنه لا يقتل بهم جميعاً، إذا قتل واحداً بَعْدَ واحد، وتخصيص الوجهين بما إذا قتَلَهم معاً.
والثاني: إذا تَمَالَأَ عليه أولياءُ القتلَى، وقتلوه جميعاً، ففيه ثلاثة أوجه:
أصحُّهما: أن القتْلَ يقَعُ عن جميعهم موزَّعاً عليهم، ويرجع كلُّ واحدٍ منهم إلى ما يقتضيه التوزيعُ من الدية، فإن كانوا ثلاثةً، فقد أخذ كلُّ واحدٍ ثُلُث حقِّه، ولو ثلثا الدية، ووجهُه أن القصاصَ ثابتٌ لكلِّ واحدٍ منهم، وأيهم انفرد به، كان مستوفياً حقَّه كما ذكرنا، فإذا اشتركوا، وقَع عنهم جميعاً.
والثاني: أنه يُقْرع بينهم، ويجعل القتْل واقعاً عمَّن خرجتْ له القرعةُ، وللآخرين الديةُ.
والثالث: حكاه الشيخ أبو محمَّد عن الحليميِّ: أنه يكتفي به عن جميعهم، ولا رجوع إلى الدية [ووُجِّه] بأنه لو قَتَل جماعةٌ واحداً متعدِّين، جعلْنا كلَّ واحد منهم كالمنفرِدِ بالقتل، فكما جعلْنا كلِّ واحدٍ كالمنفرد في الاعتداء، كذلك نجعله كالمنفرد في الاستيفاء.
الثالث: إذا قَتَل رجلاً، وقطَع طَرَفَ آخَرَ، وحضَر المستحِقَّان، فيقطع طرفه أولاً ثم يقتلُ سواءٌ تقدَّم القتْل أو تأخر؛ لأن في القتل على إثْرِ القطع جمعاً بين الحقَّيْنِ، ولو قدَّمْنا قصاص النفْس عنْد تقدُّم القتل، لفَاتَ قصاص الطَّرَف، ولا معْنى لإسْقَاط قصاص مقصودٍ لمجرَّد تقديمٍ وتأخيرٍ، وعن مالك: أنه يكتفَى بالقتل عن القطْع، فإنه يُفَوِّت الطَّرَف ومنافعَهُ، أما تفوت النفْس.
وإن قطَعَ يمين إنسان، ثم قطَع أصبعاً من يمين آخَرَ، وحضَر المستحِقَّان، فيقطع يمينه للأول، وللآخر ديةُ الأصبع، فإن عفا الأولُ، قُطِعت أصبعه للآخر، وإن قُطِع الأصبع أولاً، قُطِعت أصبعه للأول، والثاني يأخذ ديةَ اليَدِ إنْ شاء، وإن شاء، قَطَع ما بقيَ من يد الجاني، وأخذ دية الأصبع، وإنما يراعى التقديم والتأخير هاهنا، بخلاف القطْع مع القتل؛ لأن نقصان الطَّرَف لا يوجب نقصان النفس؛ ألا تَرَى أن بدَلَها لا يختلف، ونقصان الأصبع يوجب نقصان اليد؛ ولذلك يختلف البدَل، هذا ما ذكره الأئمة، والذي أطْلَقَه صاحبُ الكتاب في هذه الصورة: أنه يُقْرَع بينهما ولتحمل على ما إذا وقع القَطْعانِ معاً لا على الترتيب وحينئذٍ، فإن خرجَتِ القرعةُ لصاحب اليمين، فهو كما لو تقدَّم قطعُ اليمين، وإن خرجَتْ لصاحب الأصبع، فهو كما لو تقدَّم قطع الأصبع.
وقوله في الكتاب: "قُتِلَ بأوَّلهم، وللباقين الديات" ليعلَم، بالحاء والميم والألف؛ لما مرَّ من مذاهبهم في نصِّ الموضِع المحالِ عليه، وبالواو؛ لوجهِ نسَبْنَاه إلى رواية الرويانيِّ؛ أنه يُقتَل بجميعهم، ولكَلِّ واحدٍ قسطٌ من الدية، وهذا الوجه قد نقله الفورانيُّ، وأيضاً، ففي البيان أن بعْضَ أصحابنا الخُراسانِيِّين، قال: يُكْتَفَى بقتل الواحد عن الجماعة، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك، ويجوز إعادة العلاماتِ على قوله: "خُصِّصَ بالقصاصِ مَنْ خرجتِ القرعة له".
وقوله: "وُزِّعَ عليهم على الأصحِّ" يعني من الأوجه.
وقوله: "وقيل يَكْفِي عن جميعهم، وقِيلَ: يُخصَّص بالقرعة" هما الوجهان الآخران.
وقوله: "فإن كان فيهم مجنونٌ" إلى آخره، ظاهرٌ في التصوير فيما إذا قتلهم معاً؛
فإنَّ القرعة حينئذ تُسْتعمل، ولكنه لا يختص به، بل يجرِي فيما إذا جرى القَتْل على الترتيب، وفيه صُوَرُ الفورانيِّ كما سبق.
وقوله: "ولو اجتمع مستحِقُّ النَّفْس والطَّرَف" أي مستحقُّ القصاص في النفس والطرف ويجوز أن يُعْلَم قوله: "قُدِّمَ مُستحِقُّ الطَّرَفِ" بالميم؛ لِمَا ذكَرْنا من اكْتِفَائِهِ بالقتل.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: ثُمَّ لاَ يَنْبَغِي لِلمُسْتَحِقِّ أَنْ يَسْتَقِلَّ دُونَ الرَّفْعِ إِلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ فَعَلَ عُزِّرَ وَوَقَعَ المُوقِعُ، وَلِلسُّلْطَانِ أَنْ يُفوِّضَ إلَيْهِ القَتْلَ دُونَ الجَلْدِ في القَذْفِ فَإنَّهُ مُتَفَاوِتٌ وَيُتَّهَمُ فِيهِ، وَفِي القَطْعِ تَرَدُّدٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُرَدِّد الحَدِيدَةَ، وَمَهْمَا أُذِنَ لِلوَليِّ فِي ضَرْبِ الرَّقَبَةِ فَأصَابَ غَيْرَهُ عَمْداً عُزِّرَ وَلَمْ يُعْزَلْ، وَإِنْ أَخْطَأ أُمِرَ بِالاسْتِنَابَةِ لِعَجْزِهِ، وَلَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ مَسْمُومٍ يُفَتِّتُهُ قَبْلَ الدَّفْنِ لَمْ يُمَكَّنْ، وَإِنْ كَانَ يُفَتِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ فَوَجْهَانِ، وَأُجْرَةُ الجَلاَّدِ عَلَى المَقْطُوعِ، وَفِي الحَدِّ عَلَى بَيْتِ المَالِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِبلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ مَنْشَؤُهُمَا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ العُهْدَةِ بِالتَّمْكِينِ أَوِ التَّمْيِيزِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ليْسَ لِمستحِقِّ القصاص استيفاؤُه دون إذْن الإِمام؛ لأنه يحتاج في إثْباتِ القصاص، واستيفائِهِ إلى النَّظَر والاجتهادِ؛ لاختلاف الناس في شرائط الوجُوب، وفي كيفية الاستيفاء، وأيضاً، فإن أمر الدمِ خطيرٌ، فلا وجه لتسليط الآحاد عليه، وأيضاً فإنه عقوبة تَتَعلَّق ببَدَنِ الآدميِّ، فلا بد من مراجعةِ الحاكِم، كحدِّ القذف، وعن أبي إسحاق ومنصورٍ التميميِّ: أن المستحِقَّ يستقل بالاستيفاء، كالأخذ بالشُّفعة وسائر الحقوق، وظاهرُ المذْهَب الأوَّلُ يستوي فيه قصاصُ النفْس والطَّرَف، وإذا استقل به عُزِّرَ، لكن لا غرم عليه، ويعتد به عن القصاص، ولو استقل المقذُوف باستيفاء صور الحدِّ، إما بإذن القادف أو دونه، ففي الاحتساب به وجهان 1، يقاس في أحدهما على القصاص ويفرق في الآخر بأنه لا يتعلَّق بموضع معيَّن، ولا يَهْتَدِي إليه كلُّ أحد، وإذا لم يحتسب به ترك حتى يبرأ ثم يُحَدُّ، ولو مات منه، وجَبَ القصاصُ، إن جلَدَه دون إذنه، وإن كان بإذنه، فلا قصاص، وفي الدية خلافٌ، كما لو قتله بإذنه.
فإذا طلب المستحِقُّ أن يستوفِيَ القصاصَ بنفسه، فإن لم يَرَه أهلاً له؛ كالشيخ والزمن والمرأة، لم يجب أنه يستنيب وإن رآه أهلاً له، فإن كان المطلوبُ قصاصَ النفْسِ، والطَّالبُ الوليُّ، فيفوضه إليه، بخلاف الجَلْد في القذْف، لا يُفَوَّض إلى المقذُوف؛ لأن تفويت النفْس مضبوطٌ والجَلْدَات تَخْتلفُ موْاقعُها، ويتفاوت تأثيرُها في
النفْس، وقد يريد المقذوف في الإيلام للتشفِّي والانتقامِ، والتعزيرُ كحد القذف، وإن كان المطلوبُ قصاصَ الطَّرَف، والطالبُ المجنيُّ عليه، فوجهان:
أحدهما: يفوضه إليه، كقصاص النفْس؛ لأن إبانة الطَّرَف مضبوطةٌ أيضاً.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يردِّد الحديدة، ويزيد في الإيلام، فيَسْرِي.
ويُستحب للإمام أن يُحْضِرَ عدلَيْن 1 متيقظيْنِ، ليشهدا، إن أنكر المقتص الاستيفاءَ، ولا يحتاج إلى القضاء بعلمه بتقدير أن يكون [الترافع] إليه، ويتفحَّص عن حال السيْف، ليكونَ الاقتصاصُ بالصارم لا بالكَالِّ المعذِّب، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذاً قَتَلْتُم فَأَحْسِنوا القتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذبحة" 2 وإذا قتل الجانِي بسيفٍ كالٍّ، فيقتل بالكالِّ أو بالصارِمِ؟ فيه وجهان، أشبههما على ما ذكر القاضي الرويانيُّ وغيره: الأولُ 3، ويُحْكَى الثاني عن "المنهاج" للشيخ أبي محمد، وإذا لم تجوز بالكل فإذا بأن بعْد الاستيفاء بأن السَّيْف كان كالاًّ، عُزِّر المستوفِي.
ويُضبَط الجانِي في قصاص الطرف؛ لئلا يضطربَ، فيؤدِيَ إلى استيفاءِ زيادةٍ، ثم في يقية الفصل صور.
إحداها: إذا أُذِنَ للوَلِيِّ في ضرب الرقبة، فأصاب غيرها، واعترف المُسْتَوْفِي بأنه تَعمَّد، عُزِّر، وكذا لو ادَّعى الخطَأ فيما لا يَقَع الخَطَأُ بمثله، كما إذا ضَرَب على رِجْله أو وسَطِه لظهور كذبه، ولكن لا يمنع من الاستيفاء، ولا يعزل لأنه أهْلٌ له، وإن تَعدَّى بما فَعَل وهذا كما أنه لو جرحه قبل الارتفاع إلى مجْلس الحُكْم، لا يُمْنَع من الاستيفاء، ومنهم مَنْ يحكي وجهاً أو قولاً آخر: أنه ينعزل، ويُؤْمَر بالإنابة؛ لأنه لا يُؤْمَن أن يتعدَّى
ثانياً، ويريد تعذيبه، فلا يسلَّط عليه، ويُنْسَب هذا إلى أبي الحُسَيْن بن القطَّان، وإن ادَّعَى الخطأ فيما يُمْكِن أن يقرع في مثله الخَطَأ، كما لو ضَرَب على الكتف أو الرأْس ممَّا يلي الرقبة، فيحلف ولا يُعزَّر إذا حلف، لكن يعزل؛ لأن الحال يُشْعر بعجزه وخرقه، ويُرْوَى وجْهٌ أو قولٌ: أنه يُعذَّر بالخطأ، ولا يعزل، وذكر الإمامُ مستدرِكاً أن هذا الوجه ينبغي أن يكون مخصوصاً بما إذا لم يتكرَّر منه الخطأ، ولم يظْهر خرقه، وإنْ ظَهَرَ، فليمنع بلا خلاف، [ينبغي] أن يكون الوجه الأظهر، وهو أن يعزل مخصوصاً بمَنْ لم تُعْرَف مهارته في ضَرْب الرقاب، أمَّا الماهِرُ فيه، فينبغي أَلاَّ يعزل بخطأ اتَّفَقَ له، بلا خلاف.
الثانية: أطلق مطْلِقون وجهَيْن في المنْع من استيفاء القصاص بالسيف المسموم، وقالوا، في وجه: لا يُمْنَع؛ لأنه ليس فيه زيادة عقوبة وتفويت.
والأصحُّ أنه يُمْنَع؛ لأنه يُفْسِد البدن، وقد يفضي إلى التقطُّع وعسر الغسل والدفن، والوجهان عنْد الإِمام فيما إذا كان تأثيرُ السُّمِّ في التقطع والتفتت يتأخر عن الدَّفْن، فإن كان يُؤثِّر قبل الدَّفْن، فيمنع منه بلا خلاف لما فيه من هتْك الحرمة، وعلَى هذا جرى صاحب الكتاب، وحيث يمنع، فلو بان بعْد القتل أنَّ الآلة كانتْ مسمومةً، عُزِّر، وفي قصاص الطَّرَف؛ يمنع من المسموم لا محالة، فلو استوفاه بالمسموم، فمات المقتص منه، فلا قصاص؛ لأنه ماتَ مِنْ مستحِقٍّ وغير مستحِقٍّ، ويجب نصْف الدية، ويكون على المستوفِي أو عَلَى عاقلته فيه وجهان:
أشبههما الأوَّل: وفي كتاب القاضي ابن كج ذكر وجْهٍ أنه يجب القصاص.
قال: ولو كان السمُّ مُوحِياً 1 وجَب وجهاً واحداً.
الثالثة: لينصب الإِمام من يقيم الحدَّ ويستوفي القصاص 2 بإذْن المستحقين ويرزقه من خمس خمس الفَيْء والغنيمة المُرْصَد للمصالح، فإن لم يكنْ عنْده مِنْ سهم المصالح شيءٌ أو احتاج إلَيْه لما هو أهم منه، فظاهر المَذْهب أن الأجْرَةَ في الاقتصاص على المقتصِّ منه؛ لأنه مؤنة حقٍّ، يلزمه توفيته فتلزمه تلْك المؤنة، كما تلزم أجرة الكيَّال على البائع، وأجرة وزان الثمن على المشتَرِي، وعن صاحب "التقريب" روايةُ وجهٍ أنها على المقتص، كما أن أجرة نقْلِ الطعام المشتَرَى على المشتَرِي المستَوْفِي، وبهذا قال أبو حنيفة، وروي عن مالك أيضاً، وذكَر أن مأخذ الخلافِ، وهو أن التسليمَ يَحْصُل بالإبانة وتميز العضو عن الجملة أو يكفي فيه التخلية وقرَّب صاحبُ التقريبِ
الخلافَ في المسألة من الخلافِ في أن تسليم الثمار المبيعة على رُؤُوس الأشجار، هل تحصل بالتخلية، وفرق الإِمام بين البابَيْن فقال: اليد جُزْءٌ من الإنسان، والتسليمُ فيها لا يَحْصُل إلا بالفَصْل، وليست الثمار كذلك؛ ألا ترى أن الجانِيَ لو فاتَتْ يدُهُ بعْد التمكين يستقر عليه ضمانُ الجناية بلا خلاف، وإذا اجتاحت الثمار بعد التخلية، فمن ضمان من يكون فيه الخلافُ المشهورُ، والخلافُ الذي يشبهه هذا الخلافُ وجهان ذُكِرَا في أن مؤنة الجَذَّاذ على البائع أو المشتري تفريعاً على أن الجوائح من ضمان البائع، وأما أجرة الجَلاَّد في الحدود، والقاطع في السرقة، فيحصل من المنقول فيها وجهان أيضاً أرجحهما فيما يقتضيه إيرادُ الأكثرين تصريحاً وتعريضاً؛ أنها تَجِبُ على المجلُودِ والسارقِ المقطوعِ أيضاً؛ لأنها من تتمة الحدِّ الواجبِ عليه، وبهذا قال الماسرجسي.
والثاني: أنها في بيت المال؛ لأن الحد ليس حقّاً يستقر في الذمَّة استقرار القصاص، وإنما الحدود سياساتٌ يقوم بها السائسُ؛ للمصلحة العامة، فعليه القيامُ بتوابعها ومؤناتها، ومنهم من خصَّص الإيجاب على بيْت المال، بما إذا لم يكُنْ للجاني مالٌ، وفي كلام الأئمة ما يُفْهِم وُيرْشِد إلى ترتيب الخلافِ في أجرة الجَلاَّد في الحدِّ على الخلاف في القصاص، فإن قلنا: يجب على بيت المال، فأجرة الجلادين في الحدِّ على بيت المال، بطريق الأَوْلَى، فإن قلنا: إنها على المقتص منْه، ففي الحدود تجب على المحدود أو في بيت المال؟ فيه وجهان، والفرْق أن المقتص منه مأمورٌ بالإقرار بالجناية؛ ليستوفى منه موجبها فمؤنة الإيفاء عليه، وفي الجرائم المُوجِبَة للحُدُود، هو مأمورٌ بالستر على نفسه، ونقل جماعة من الأئمة منهم المسعوديُّ والفورانيُّ تولُّدَ الخلاف في الصورتين من ذمَّتيْن نقلوهما عن الشافعيِّ -رضي الله عنه- قالوا: نصَّ في القصاص على أن الأجرةَ على المقْطُوع والمقتول، وفي الحدود على أن الأُجْرة على بيت المال، فقررهما مقرِّرون وتَصرَّف فيهما آخَرُون بالنقل والتخريج، وأثبتوا فيهما قولَيْن.
أحدُهما: الوجوب على الجاني.
والثاني: أنه تجب في القصاص على المستحِقِّ، وفي الحدُود في بيْت المال، وهذه الطريقةُ هي التي أوردَهَا صاحبُ الكتاب، وأجرةُ الجلاَّد في حدِّ القذف كأجرة الاقتصاص، وإذا قلْنا بالوجوب في بيت المال، والتصويرُ فيها إذا لم يكُنْ في بيت المال ما يُمْكِن صرفُه إليه، فيستقرض الإِمام على بيْت المال إلى أن يَجِدَ سَعَة.
قال القاضي الرويانيُّ: أو يستأجر بأُجْرَة مؤجَّلَة أو يستسخِرَ مَنْ يقوم به على ما يَرَاه، والاستئجار قريبٌ، والتسخير بعيد، وبتقدير أن يَجُوز ذلك فيَجُوز أن يأخذ الأجرة ممَّن يراه من الأغنياء، ويستأجر بهالأولو قال الجاني: اقْتَصَّ من نفْسِي، ولا أُؤَدَّي الأجرةَ، فهَلْ يُمكن؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قطع الداركيُّ (1): نعم؛ لحصول التفويت.
وأظهرهما: المنع؛ لأن المقصود التشفِّي، وذلك لا يتم بفِعْلِ الجانِي، وأيضاً، فإنه إذا مستْه الحديدة فترت يداه، ولم يحصُل الزهوق، إلا بأن يعذب نفْسَه تعذيباً شديداً، وهو ممنوعٌ منه، وعلى هذا، فلو قتل نفْسَه أو قطَع طَرَفَاً بإذن المستحِقِّ، ففي الاعتداد به عن القصاصِ وجهان:
أحدهما: لا يعتد به، كما لو جلَد نفْسَه في الزَنا بإذن الإِمام أو في القَذْف بإذْن المقذوف، فإنَّه لا يُسْقِطُ الحد عنه، وكما أنه لو قبض المبيع من نفْسِه بإذن المشتري، لا يُعْتَدُّ به.
والثاني: يُعْتَدُّ لحصول الزُّهُوق، وإبانة العضو، ويخالف الجَلْد؛ فإنه قد لا يؤْلِم نفسه، ويُرى الإيلام فلا يتحقق حصول المطلوب، وفي البيع، المقصودُ إزالةُ يد البَائِع، ولم تزل قال في "التهذيب": ولو قطع السارق نفسه بإذن الإِمام، اعْتُدَّ به عن الحدِّ، وهل يمكنه إذا قال: أقْطَعُ بنفسي؟ فيه وجهان، يحْسُن ترتيبهما على الخلاف في أنَّه هل يُمَكَّن من الاقتصاص من نفسه، والتمكين هاهنا أوْلَى؛ لأن الغرض هاهنا التنكيل، ويَحْصُل ذلك بفعل السارق أو هو أشدُّ، وهناك الغَرَضُ التشفِّي على ما مَرَّ.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي أَنَّ القَصَاصَ عَلَى الفَوْرِ
فلاَ يُؤَخَّرُ (ح) بِاللِّيَاذِ إلَى الحَرَم بَلْ يُقْتَلُ فِيهِ وَيُخْرَجُ عَنِ المَسْجِد الحَرَامِ فَيُقْتَلُ، وَقِيلَ يُقْتَلُ: فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَيُبْسَطُ الأَنْطَاعُ تَعْجِيلاً، وَلَوْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَمَاتَ فَلِلْوَلِيِّ قَطْعُ طَرَفِهِ وَحَزُّ رَقَبَتِهِ عَقِيبَهُ إِنْ شَاءَ، وَلَهُ التَّأْخِيرُ، وَلاَ يُؤَخَّرُ قِصَاصُ الطَّرَفِ لِحَرٍّ مُفْرِطٍ وَلاَ لِمَرْضِ الجَانِي، وَلاَ يُمْنَعُ مِنَ المُوَالاةِ فِي قَطْعِ الأَطْرَافِ قِصَاصاً وَإنْ كَانَ قَدْ قُطِعَ أَطْرَافُهُ بِالجِنَايَةِ مُتَفَرِّقَاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمستحِقِّ القِصَاصِ استيفاؤُه على الفَوْر، إذا أمكن؛ لأنَّ القصاص موجبُ الإتلاف، فيتعجَّل، كقيِّم المُتْلفات، ويتعلَّق بهذه القاعدة صورٌ.
إحداها: مَنْ وجَب عليه القصاصُ، إذا التجأ إلى الحَرَم، جاز استيفاؤه منْه في الحَرَم، سواءٌ كان الواجبُ قصاصَ النفْس أو قصاص الطَّرَف، ومثله يُرْوَى عن مالك، وعند أبي حنيفة: لا يُستَوْفَى قصاص النفس في الحرم، إلا أن ينشئ القتل فيه، ولكن يضيق الأمْر عليه، فلا يكلَّم ولا يُطْعَم، ولا يُعامَل حتى يخرج، فيُقْتل وسَلَّم أنهُ يستَوْفَى قِصاصُ الطَّرَف في الحرم، سواءٌ أنشأ الجنايةَ فيه أو أنشأها خارجَ الحرم، والتجأ إلَيه،1
وعن أحمد: أنه لا يُسْتوفَى من الملتجئ قصاص النفس، ولا قصاصُ الطَّرَف، واحتجَّ الأصحاب على أبي حنيفة بالقياسِ على ما سلَّم، وأيضاً بأنه قَتْلٌ، ولو وقع في الحَرَم، لم يوجب ضماناً، فلا يمنع منه، كقتل الحية والعقْرب، ولو التجأ إلى المسْجد الحرام أو غيره منَ المساجد، فيُخْرَج مِنْه، ويُقْتَل؛ لأن هذا تأخيرٌ يسيرٌ، وفيه صيانة للمسجد، وفيه وجه أنَّه تُبْسطُ الأنطاع، ويُقْتَل في المسْجِد تعجيلاً لتوفية الحقِّ وإقامة الهيبة 1.
الثانية: لو قطع طرفه، فمات بالسراية، فسيأتي أن القصاص يُستوفَى بمثله، فإذا قطع المجنيُّ عليه طرَفَه، فله أن يحز رقبته في الحَالِ، وله أن يُؤخِّر، فإن مات بالسراية، فذاك، وإن لم يمت، حَزَّ رقبته، وذلك؛ لأن المستحَقَّ إزهاق الرَّوح، فإن شاء، عَجَّل، وإن شاء، أَخَّرَ، ويجوز أن يُعْلَم بالحاء قوله: "فللولي قطع طَرَفه" لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الثالثة: لا يُؤَخَّر قصاصُ الطرَف لشدَّة الحرِّ والبرْدِ، ولا يُعْذَر المرض، وإن كان مخطراً، وكذلك الجَلْدِ في القذْف، بخلاف قطع السرقة، والجَلْدِ في حدود الله تعالى؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة، وحقوقُ العبادِ على المضايقة، هكذا أورده صاحب الكتاب، وهو المذكور في "التهذيب" وغيره؛ وفي "جمع الجوامع" للرويانيِّ: أنه نصّ في "الأم" على أنه يُؤَخَّر قصاص الطرَف بهذه 2 الأسباب، ولو قطع من غيره أطرافاً، ووجب فيها القِصاصُ فللمجني عليه أن يقتص على التوالي، سواءٌ قطعها الجاني متفرِّقة أو متوالية؛ لأنها حقوق اجنمعت عليه، وفيه وجه أنه إذا قطَعَها متفرِّقة، يقتص منها كذلك لما في الموالاة من زيادة الخطر، ووجه أنه لا يوالي بينهما، وإن قطَعَها متواليةً، والظاهر الأوَّلُ؛ [لأنها حقوق واجبة في الحال.]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلاَ يُؤَخَّرُ إلاَّ بِعُذْرِ الحَمْلِ عنْدَ ظُهُورِ مَخَايلِهِ، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ دَعْوَاهَا عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ يُؤَخَّرُ إلَى الوَضْعِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ سِوَاهَا مُرْضِعَةً فَإلَى أَنْ يُوجَدَ، وَفِي الحَدِّ يُؤَخَّرُ بَعْدَ الفِطَامِ إلَى أَنْ يَكْفُلَهُ غَيْرُهَا، وَلاَ يُحْبَسُ فِي الحَدِّ، وَلاَ يُتْبَعُ الهَارِبُ، وَيُحْبَسُ فِي القِصَاصِ الحَامِلُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المرأة الحاملُ لا يقام عليها قصاصُ النفس، ولاَ قَصاص الطرَّفِ، ولا حَدُّ القذف ولا حدودُ الله تعالى قَبْل الوضْع؛ لما في إقامتها من هلاك الجنين أو الخَوْف عليْه، والجَنينُ بريْءٌ لا يُهْلَك بجريرة غيره، ولا فرْق بين أن يكون الولَدُ من حلاَلٍ أو حرامٍ، ولا بين أن يحدث بعد وجُوب العقوبة أو قَبلَه، حتى أن المرتدَّة إذا حبلتْ من الزنا، لا تقتل حتى تَضعَ، وإذا وضَعت، فلا تستوفي العقوبة أيضاً، حتى ترضع الولَد اللبأ؛ لأنَّ الولد لا يعيش إلا به، هكذا أطلَقَ المُعْظم حكماً، وتوجيهاً، والقاضي أبو الطيِّب منَع ما ذكروه، وقال: قد تموت المرأةُ في الطَّلْق ويعيش الولَدُ بلَبَن غيرها، ومال إلى أنَّها لا تُمْهَل لإرْضَاع اللِّبأ، وعلَّق الإِمام القول فيه، وقال: إن تُحقِّق أن الولَد لا يعيش دون اللبأ، فيُمْهَل إلى أن ترضعه، واعلم أن ما ذكره القاض من أن الوَلَد قد يعيش دونَه صحيحٌ معلومٌ بالمشاهدة، ولكن يشبه أن المُطْلِقِين أرادوا الغالبَ أو أنَّه لا يَقوَى ولا تشتد بنيته إلا به، على ما بيَّنَّاه في "النفقات"، وحينئذ، فلا يَبعُد أن يقال: مدة إرضاع اللِّبأ مدة يسيرة، فيحتمل تأخيرُ الاسيتفاء فيها؛ لنزول الخطَر عن المولود، يَكْمُل عيْشُه، ثم إذا أرضعته اللبأ، فإن لم يكُنْ هناك مَنْ تُرْضِع، ولا ما يعيش المولودُ به من لَبَنِ بهيمةٍ أو غيره، فعن ابن خيران: أنه يُسْتَوْفَى فيها القصاص، ولا يبالي بذلك، كما لو كان للقاتل عيالٌ يضيعون ظاهراً لو اقتص منْه، والصحيحُ المشهورُ: أنه لا بد من التأخير إلى أن توجد مرضعة، أو ما يعيش به أو ترضعه هي حوَليْن، وتفطمه؛ لأنه إذا وجَب تأخير العقوبة احتياطاً للحَمْل؛ فَلأنْ يجب، وقد تيقنا بالوضع وجودَه وحياته، كان أَوْلَى ولو بادر مستحِقُّ القصاص، والحالةُ هذه، فقتلها، فمات، ففي تعليق الشيخ أبي حامد: أنه قاتلُ عَمْدٍ يلزمه القَوَدُ إلحاقاً بما إذا حَبَس رجلاً في بيتٍ، ومنَعَه الطعام والشراب، وكذلك حكاه القاضي ابن كج عن النصِّ عن الماسرجسي، قال: سمعتُ ابن أبي هريرة، يقول: عليه دية الوَلَدِ، فقلت له: أليس لو غصب طعام رَجُل في البادية أو كُسْوته، فمات جوعاً أو بردًا، لا ضمان عليه، فما الفرق؟ فتوقَّف، فلما عَادَ إلى الدرْس، قال: لا ضمان فيهما جميعاً، وهذا مصيرٌ إلى نفي القصاصِ بطريق الأَوْلَى.
فهذا إذا لم يكن هناك ما يعيش به المولود أصلاً، ووراءه حالتان:
إحداهما: إذا أمكن تربيةُ المولود بمراضعَ يَتناوبْنَ عليه، أو بلبنِ شاةٍ ونحوه، ولم يوجد مرضعة راتبةٌ، فيُستحبُّ للوليِّ أن يَصْبِر لترضعه هي لِئلاَّ يَفسد خلقه ولا يسوء نشوءه بالألبان المختلفة ولبن البهيمة، ولو لم يصبر وطلب القصاص، أُجِيب، وفي المقدور عليه مما تَحْصُل به التربيةُ بلاغٌ.
والثانية: إذا وجد مرضعةً راتبة، وطلب المستحِقُّ القصاص، استَوْفَى، وإذا كان
هناك مراضعُ، وامتنعْنَ، فيجبر الحاكمُ من يرى منْهن بالأجرة 1، والجَلْد في القذف كالقصاص.
وأما الرَّجْم وسائر حدود الله تعالى، فلا تُستَوْفَى وإن وْجِدت مرضعة، بل ترْضِعُه هي، وإذا انقضت مدة الإرضاع، فلا يُستوفَى أيضاً حتى يوجد للطِّفْل كافلٌ، رُوِيَ أن الغامدية أتتْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: "زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَاللهِ، إني لَحُبْلَى، قال: اذْهَبِي، حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْ بالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ، فَقَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدّتُه قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ، فَلَمَّا فَطَمَتْهُ، أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ، وَفِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَت: قَدْ فَطَمْتُهُ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجْلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِرَجْمِهَا" 2 قال الإِمام: والفرق بين القصاص وبين الحدِّ ما تحقّق أن [حدود] الله تعالى تُبْنَى على المساهلة؛ ولذلك يُقْبَل الرجوع عن الإقرار فيها، وحقوقُ الآدميين تُبْنَى على التَّضْييقِ.
وتُحْبَس الحاملُ في القصاص، إلى أن يُمْكِن الاستيفاء، على ما ذكرنا فيما إذا كان في المستحِقِّين صبيٌّ أو غائبٌ وفيما إذا كان عليها الرجْم أو غيره من حدود الله تعالى، الظاهر، وهو المذكور في الكتاب: أنها لا تُحْبَس؛ بدليلِ قصة الغامدية، وحكى الإِمام وجْهاً أنها تُحْبَس كما في القصاص، قال الإِمام: وإطلاق هذا بعيدٌ، والأقرب أن يُقيَّد فيقال: إن ثبت بالبيِّنة، فتحْبَس، أما إذا ثبت بالإقرار، فلا معْنَى للحَبْس، مع أنه يعرض للسقوط بالرجوع عن الإقرار، ومما يحقِّق الفَرْق بين الحدِّ والقصاص أن الهارِبَ في الحدِّ لا يُتْبَع على رأي، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في "الحدود" والهاربُ عن القصاص بخلافه.
وجميعُ ما ذكَرْنا فيما إذا ظهرت مخايلُ العمل ودلالاته بالإقرار، أو بشهادة النسوة، ولو ادعَتِ المرأة أنها حامِلٌ، فهل يُمْتَنَع عنها بمجرَّد دعواها؟ فيه وجهان:
قال الإصطخري: لا؛ لأن الأصل عدَمُ الحمل، فلا تترك إقامة [الحد] الواجب إلا بينة تقوم على ظهور مخايله، وقال الأكثرون، نعم؛ لأن للحمل أماراتٍ تظهرُ وأماراتٍ تخفى، وهي عوارض تجدها الحامل من نفْسها، وتختص بمعرفتها، وهذا النوع يتعذَّر إقامة البينة عليه، فينبغي أن يُقْبَل قولها، كالحيض، ولأن ما تدَّعيه محتملٌ احتمالاً لا بعد فيه، فلا وجه للهُجُوم على ما يُهْلِك الجنين، إن كانَتْ صادقة.
والأوَّل أصحُّ عند صاحب الكتاب، ورجَّح المعظم 3 الثانِيَ، قال الإِمام: ولا
أدري أن الدين اعتمدوا قولَهَا، يأمرون بالصبر إلى انقضاء مدَّة الحَمْل أو إلى ظهور المخايل، والأظهر الثاني، فإن التأخير أربعَ سنين غير ثبت بعيدٌ، وذكر في "الوسيط" أنَّ على الوجْه الأوَّلَ لا يمكن استيفاء القصاص من منكوحة يخالِطُها زوْجها، وهذا إن كان المراد ما إذا ادعت الحَمْلَ، فكذلك، وإن أراد أنه يمنع الاستيفاء لِمجرَّد المخالطة والوطء من غير دعواها الحَمْلَ، فهو ممنوعٌ؛ لأن الأصل عدم الحَمْل، وجاز أن يقال: إنما يُعْدَلُ عن الأصل بشهادة تستندُ إلى الأمارات الظاهرة، أو بقولها المستند إلى الأمارات الخفية.
وقوله في الكتاب: "ولا يُتْبَعُ الهارِب" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لما سيأتي إن شاء الله تعالى في "الحدود".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَادَرَ الوَلِيُّ فَقَتَلَ الحَامِلَ فَغُرَّةُ الجَنِينِ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِذْ لاَ يَتَيَقَّنُ حَيَاةُ الجَنِينِ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَلَو قَتَلَهَا بِتَسْلِيطِ الإمَامِ فَيُحَالُ بِالغُرَّةِ عَلَى الإِمَامِ فِي وَجْهٍ لِتَقْصِيرِهِ فِي التَّسْلِيطِ أَوْ تَرْكِ البَحْثِ، وَعَلَى الوَلِيِّ فِي وَجْهٍ لِمُبَاشَرَتِهِ، وَعَلَيْهِمَا بِالشَّرِكَةِ فِي وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ رَابعٍ يُحَالُ عَلَى الإِمَامِ إنْ كَانَ عَالِماً، فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً فَلاَ، أَمَّا الجَلاَّدُ فلاَ عُهْدَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ جَهْلِهِ بِحَالٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قُتِلَتِ الحاملُ على خلاف ما أمرْنا به، نُظر؛ إن بادر إليه الوليُّ مستقلاً، أَثِمَ، ووجبت غُرَّة الجنين، إن انفصل ميتاً، ويكون على العاقلة على ما هو شأن الغرة؛ لأن الجنين لا يُبَاشَر بالجناية، ولا تُتَيَقَّن حياته؛ فيكون إهلاكه خطأً أو شبه عمد، وإن انفصل متألماً، ومات، وجبت الدية، وإن مكَّنَه الإِمام وأذِنَ له في قتلها، فقتلها، فقد رتب الأصحاب 1 الكلام في ثلاثة فصول:
أحدها: الإثْمُ، وهو تَبَعٌ للعلم، فإن علم الإِمام والوليُّ أنها حاملٌ، أثِمَا جميعاً، وإن علم أحدُهما دون الآخر، اختص الإثْمُ بمن عَلِمَ وإن جَهِلا، فلا إثْمَ.
والثاني: الضمان؛ فإن لم ينفصل الجنينُ، فلا ضمان، وإن انفصل ميتاً، ففيه الغُرَّة والكفارة، وإن انفصل حيّاً متألماً، ومات كذلك، فعليه دية وكفارة؛ لأن الظاهر أن تألمه وموته من موتها، وإن انفصل سليماً، ثم مات، لم يجب فيه شيءٌ؛ لأنه لا يُعْلَم أنه مات بالجناية أم لا.
والثالث: فيمن يَضْمَن، ولا يخلو إما أن يكون الإِمام والوليُّ عالمَيْنِ بالحال، أو جاهلَيْنِ أو كان الإِمام عالماً دون الوليِّ وبالعكس، وهي أربع أحوال:
أحدها: إذا كانا عالمَيْن، فظاهر المذْهب، وهو المنصوص: أن الضمان يتعلَّق بالإمام؛ لأن الاجتهاد والنظر إليه والبحث والاحتياط عليه، وفعل الولي صادر عن رأيه واجتهاده، وهو كالآلة ووراءه وجهان:
أحدهما: وهو اختيار المزنيُّ: أن الضمان على الوليِّ؛ لأنه المباشر، والمباشرةُ أقوَى وأولَى بإحالة الهلاك عليْها، وهذا أرجَحُ عند الإِمام وصاحب الكتاب.
والثاني: وعن رواية أبي علي الطبريِّ وصاحب "التقريب": أن الضمان عليهما بالسوية؛ لأن الولي مباشرٌ، وأمر الإِمام كالمباشرة؛ فيشتركان في الضمان.
والثانية: إذا كانا جاهلَيْنِ، ففيمن عليه الضمانُ الوجوة الثلاثةُ المذكورةُ في الحالة الأولَى وفي تعليق الشيخ أبي حامد القطْع بالأوَّل منها.
والثالثة: إذا كان الإِمام عالماً والوليُّ جاهلاً، فإن أوجبْنا الضمان على الإِمام إذا كانا عالمين فهاهنا أولى وإن أوجبناه هناك على الوليِّ، فهاهنا وجهان يَقْرُبَان من الخلاف فيما إذا أضافَ الغاصبُ بالطعامِ المغصوبِ غيرَهُ، على مَنْ يستقر الضمان؟
والرابعة: إذا كان الوليُّ عالماً، والإمامُ جاهلاً، فالمشهور الصحيحُ أن الضمان على الوليِّ؛ لاجتماع العلْم وقوة المباشرة، وعن صاحب "التقريب" وجّه أنه على الإِمام لتقصيره في البحث، ويخرج مما سقْناه أربعة أوجهٍ، وجوب الضمان على الإِمام مطلقاً، ووجوبه على الوليِّ مطلقاً، والشركة مطلقاً، ووجوبه على الإِمام، إذا كان عالماً أو كانَا معاً جاهلَيْنِ، وعلى الوليِّ، إذا اختص الجَهْل، وهذه الوجوه الجارية هي التي ذكرها في الكتاب، إلا أن لفظ الرابع غير وافٍ بالمقصود والوافي ما ذكرناه.
التفريعُ: حيث أوجبْنا الضمان على الوليِّ، فالغرة على عاقلته، والكفارةُ في ماله وحيثُ أوجبناه على الإِمام، فإن كان عالماً، ذكذلك وإن كان جاهلاً، فعلى القولَيْن في أن ما يَلْزم بخطأ الإِمام في الاجتهاد؛ يكون على عاقلته أم في بيت المال، وسيأتي ذكْرُهما:
أظهرهما: وهو المنصوص هاهنا أنه على عاقلته، وعن أبي الطيِّب بن سلمة، وأبي علي الطبريِّ: القطع به، وإذا قلْنا: إن الغرة أو الدية تكون في بيت المال، ففي الكفَّارة وجهان 1 لقربهما من القربات وبُعْدِها عن التحمُّل، ولو باشر القَتْل نائب الإِمام أو جلادُه دون الوليِّ، فإن كان جاهلاً، فلا ضمان عليه بحال؛ لأنه سيف الإِمام، وليس عليه البحْث عما يأمره [الإِمام] به وإن كان عالماً ففيه خلاف مرتَّبٌ على الخلاف في الوليِّ، إذا كان عالماً وأذنَ له الامامُ، والجلاَّد أولَى بأن لا يَضْمَن؛ لأنه لا يستَوْفِي
لنفسه شيئاً، وإنما يمتثل مأموراً لمنصب الإِمام؛ ولذلك قيل إنه آلة سياسة الإِمام، وأنه لا كفارة عليه، إذا جرى على يده قَتْلٌ بغير حقٍّ، ونقل أبو الفرجِ السرخسيُّ وجهَيْن في أنه هل يعتبر علْمُ الوليِّ والإمامِ والمباشرِ الجلاَّدِ، وقال: أصحُّهما: أنه يعتبر حتى إذا كان عالماً، وهما عالمان يكون الضمان عليهما أثلاثاً، وهذا كلامُنا في ضمان الجَنين.
وأما الأمُّ، فلا يجب ضمانُها؛ لأنها تَلِفَت في حدٍّ أو عقوبة، وجَبَتْ عليها.
قال في "التهذيب": هذا إذا ماتَت من ألم الضَّرْب، فإن ماتَتْ من ألم الولادة تجب ديتُها، وإن ماتَتْ منهما يجب نصف ديتها، وكأن المراد ما إذا ضربها في الحدِّ فَأَفْضَى إلى الإجهاض والولادة، فماتَتْ من الألمَيْنِ أو من أحدهما.
فَرْعٌ: إذا لم يعلم الإِمام بالحمْل، فأذن للوليِّ في القتل، ثم علم، فرجع عن الإذْن ولم يعلَمِ الوليُّ رجوعه، فقتل، فعَلَى مَنِ الضمان؟ يُبْقَى ذلك على ما إذا عفا الموكِّلُ عن القصاص، ولم يعلَمِ الوكيل، وسيأتي، ذَكَره القاضِي ابن كج.
واعلم أنه ليْس المرادُ فيما أطلقْنا من العلْم بالحَمْل، وعدم العلم حقيقةَ العِلْم، وإنما المراد الظنُّ المؤكَّد؛ لظهور مخايله، وعبر عنه الإِمام بأن قال: إن كان عالماً بالحَمْل عِلْمَ مثله.
قَالَ الْغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّالِث فِي كيْفيَّةِ المُمَاَثَلَةِ
وَهِيَ مَرْعيَّةٌ (ح) فَمَنْ قَتَلَ بِالقَطْع أَوْ بِالإحْرَاقِ أَوْ بِالْتَّغْرِيقِ أَوْ بِالتَّخْنِيقِ قُتِلَ بِمِثْلِهِ إلاَّ إِذَا قَتَلَ باللِّوَاطِ وَإيجَارِ الخَمْرِ فَيُقْتَلُ بِالسَّيْفِ مِنْ غَيْرِ إِيْجَارِ، وَقِيلَ: يُوجَرُ خَلاًّ وَيُدَسُّ خَشَبَةً، وَمَهْمَا عَدَلَ المُسْتَحِقُّ إِلَى السَّيْفِ مِنْ غَيْرِهِ مُكِّنَ لأَنَّهُ أَسْهَلُ، فَلَوْ جَوَّعَ الجَانِيَ أَوْ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ بِمِثْلِ تِلْكَ المُدَّةِ أَوْ ضَرَبَهُ بالسِّيَاطِ مِثْلَ تِلْكِ الضَّربَاتِ فَلَم يَمُتْ فَيَزِيدُ فِي الضَّرْبِ وَالتَّجْوِيعِ أَمْ يَعْدِلُ إِلَى السَّيْفِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو لَمْ يَمُتِ الجَانِي بِقَطْع مِثْلِ الأَطْرَافِ المَقْطُوعِ جِنَايَةً فَلاَ يُقْطَعُ طَرَفٌ آخَرُ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ بِمِثْلِ تِلْكَ الجَوَاِئفِ فَهَلْ يُوَالِى بِالجَوَاِئفِ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المماثلة مَرْعِيَّةٌ فِي استيفاء القِصاصِ؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ" 1 ويروى: "أن يَهُودِياً رَضَخَ رَأَسَ جَارِيةٍ بِالْحِجَارَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِرَضْخِ رَأْسِهِ بِالحِجَارَةِ" 2 فإذا قتل إنساناً قتْلاً موجباً إما
بمحدَّد من سيف أو غيره، أو بمثقل أو خَنَقَه أو غَرَّقَه في ماء أو ألقاه في نَارٍ، أو جوَّعه حتى مات أو ألقاه من شاهق، فللولي أن يقتله بمثل ما قتل به، وبه قال مالك، وخالف أبو حنيفة فيه، وقال: يتعيَّن القتْل بالسيْف، واحتج الأصحابُ بما سبق، وأيضاً، فإن المقصود من القصاص أو مِنْ مقاصده التشفِّي، وإنما يكمل التشفِّي إذا قُتِلَ القاتِلُ بمثل ما قَتَل، ويُستثنى عن القاعدة ثلاثُ صوَرٍ:
إحداها: إذا قَتَل بالسِّحْر، يقتصُّ منه بالسيف؛ لأن عمل السْحر مُحرَّمٌ على أن ذلك مما لا ينضبط، وتختلف تأثيراته.
والثانية: إذا قَتَل باللِّواط، ففيه وجه أنه لا يجب القصاصُ؛ لأنه لا يقصد به الإهْلاَك، وإنما يبغي اللذة وقضاءَ الشَّهْوة فإذا أفضى إلى الهَلاَك، كان خطأً أو عمْدَ خطأٍ، والصحيح وجوبُه إذا كان يقتل غالباً بأن لاط بصغير وعلى هذا؛ ففي كيفية استيفاء القصاص وجهان:
أحدهما: ويحكى عن أبي إسحاق والإصطخري: أنه تدس خشبة في دبره قريبة من آلته 1، ويقتل بها تحقيقاً للمماثلة بقَدْر الإمكان.
وأصحُّهما: أنه يقتل بالسَّيف؛ لأنه قَتَل بفعْلٍ محرَّم في نفْسه، فيقتل بالسيف، كما لو قتل بالسِّحْر، قال في "التتمة": وموضع الوجهَيْن ما إذا كان موْتُه متوقَّعاً من المقابلة بمثل ما فعله، أما إذا كان لم يُتوقَّع، وكان موت المجنيِّ عليه لطفولية ونحوها، فلا معنى للمقابلة.
الثالثة: إذا أوجره خمراً، حتى مات، فقد حكى أبو الفرج السرخسي فيه وجهين: أنه لا يتعلَّق به القصاص؛ لأنه لا يقصد به الإهلاك، والصحيح خلافه، وفي كيفية استيفاء القصاص وجهان:
أحدهما: أنَّه يوجَرُ مائعاً آخر من خَلٍّ أو ماء أو شيْء مُرٍّ، والأصح: أنه يُقْتل بالسيف، ولو سقاه البَوْل، حتى مات، فعن القاضي حسين وجهان في أنه يُسقَى مثله أو يكون كالخَمْر، وفرق بين البول والخمر بأن البول يُبَاح للضرورة بخلاف الخَمْر، ولو