والثانية: ذكر الشَّيخ أبو محمد أنه ينبغي أن يقع عليه اسم الخف حتى لو لف على قدمه قطعة أدم وشده بالرباط لم يجز المسح عليه؛ لأن اللَّف لا يقوى، ولا يتأتَّى التردُّد ومتابعة المشي عليه فإن فُرِضَ ربط قوى فمثل ذلك يعسر إزالته وإعادته على هيئته مع استيفاز المسافر فلا يحصل الارْتِفَاق المقصود بالمسح، فيتبع مورد النّص وهو الخُفّ.
الثالثة: أن يمنع نَشَفُ الماء ووصوله إلى الرّجل فلو لم يمنع الخف المَنْسُوخ والذي لا صَفَاقَة له فهل يجوز المسح عليه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، لأن الغالب من الخِفاف أن تمنع النّفوذ فينصرف إليها نصوص المسح ويبقى الغسل واجباً فيما عداها.
والثاني: يجوز كما لو تخرَّقت ظهارة الخف وبطانته من موضعين غير متوازيين يجوز المسح عليه مع نفوذ الماء واختار إمام الحرمين هذا الوجه وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط" ولذلك حذف هذا الشرط من أصله هاهنا لكن ظاهر المذهب الأول 1.
قال الغزالي: فَرْعٌ الْجُرْمُوقُ الضَّعِيفُ فَوْقَ الخُفِّ لاَ يُمْسَحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا لَمْ يَجُزِ (م ح) المَسْحُ عَلَيْهِ أَيْضاً فِي الْجَدِيد بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُدخِلَ اليَدَ بَيْنَهُمَا فَيَمْسَحَ عَلَى الأسْفَلِ.
قال الرافعي: الجُرْمُوق هو الذي يلبس فوق الخف وإنما يلبس غالباً لشدّة البرد فإذا لبس جرموقين فوق الخُفَّين أو خفين فوق الخفين 2 فلا يخلو من أربع أحوال:
إحداها: أن يكون الأسفل بحيث لا يمسح عليه [لضعف أو تخرق والأعلى بحيث يمرح عليه] 3 فالمسح على الأعلى والأسفل والحالة هذه كالجَوْرَبِ واللّفافة.
والثانية: أن يكون الأمر بالعكس من ذلك فيمسح على الأسفل القوي وما فوقه كخرقة تُلَفُّ على الخف فلو مسح على الأعلى فوصل البلل إلى الأسفل فإن قصد المسح على الأسفل جاز وكذا لو قصد المسح عليهما جاز، وبلغوا قصد المسح على الأعلى.
وفيه وجه أنه إذا قصدهما لم يعتد بالمسح، وإن قصد المسح على الأعلى الضَّعيف لم يجزه، وإن لم يقصد شيئاً بل كان على نِيَّته الأولى وقصد المسح في الجملة ففيه وجهان:
أظهرهما: الجواز؛ لأنه قصد إسقاط فرض الرجل بالمسح، وقد وصل الماء إليه فكفى.
الحالة الثالثة: ألا يكون واحد منهما بحيث يمسح عليه فلا يخفى تعذر المسح.
الرابعة: أن يكون كل واحد منهما بحيث يمسح عليه، فهل يجوز المسح على الأعلى؟ فيه قولان:
قال: في "القديم" و"الإملاء" يجوز وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمزني؛ لأن المسح على الخُفِّ جوز رفقاً وتخفيفاً، وهذا المعنى موجود في الجرموق فإن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه عند كل وضوء.
وقال في الجديد: لا يجوز 1 وهو أشهر الروايتين عن مالك؛ لأن الأصل غسل الرّجلين والمسح رخصة وردت في الخُفِّ والحاجة إلى لبسه أهم وأعم فلا يلحق به الجرموق، فإن فرعنا على القديم وجوزنا المسح على الجرموق فكيف السبيل في ذلك: ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان:
أظهرها: أن الجُرْمُوق بدل عن الخف والخف بدل عن الرجل؛ لأنه يستر الخف ستر الخف للرجل ويشق نزعه كما يشق نزع الخف فأقيم مقامه.
وثانيها: أن الأسفل كاللفافة والخف هو الأعلى.
لأنا إذا جوزنا المسح عليه فقد جعلناه أصلاً في رخصة المسح.
وثالثها: أن الأعلى والأسفل معاً بمثابة خف واحد فالأعلى كالظّهارة والأسفل كالبطانة ويتفرع على هذه المعاني مسائل.
منها: لو لبسهما جميعاً وهو على كمال الطَّهارة، له أن يمسح على الأعلى على هذا القول، وهل له أن يمسح على الأسفل 2 بأن يخل اليد بينهما؟ فيه وجهان:
إن قلنا: الأعلى بدل الأسفل، يجوز، كما لو غسل الرجل في الخف، وإن قلنا: الأسفل كاللفافة، أو هما كطاقتي خف واحد، فلا.
ومنها: لو لبس الأسفل على كمال الطّهارة، ولبس الأغلى على الحدث، ففي جواز المسح على الأعلى وجهان:
إن قلنا: بالمعنى الأول، أو الثاني، فلا، يجوز؛ لأنه مقصود بالمسح، وقد لبسه محدثاً، فلا يمسح عليه كالخف الواحد.
وإن قلنا: بالمعنى الثَّالث، فيجوز، كما لو لبس الخف على الطهارة، ثم أحدث وألصق به طاقة أخرى.
وفي المسألة طريقة أخرى: أنه لا يجوز المسح عليه جزماً، ولو لبس الأسفل كذلك وأحدث ومسح عليه، ثم لبس الجُرْمُوق، فهل يمسح عليه؟ منهم من بناه على
المعاني.
إن قلنا: الجرموق بدل الخف، أو قلنا: إنه كالظهارة، فيجوز.
وإن قلنا: إنه الخف، والأسفل كاللفافة فلا.
وقيل: يبنى الجواز على هذا المعنى الثالث، على أن المسح على الخُفِّ هل يَرفع الحدث أم لا؟.
إن قلنا: يرفع، فيجوز، وإلا فلا؛ لأنه لم يلبس على طهارة قوية.
ومنهم من بني المسألة على هذا الأصل، وقطع النظر عن المعاني الثلاثة، وإذا جوزنا المسح في هذه المسألة على الأعلى، فقد ذكر الشيخ أبو علي: أن ابتداء المدة يكون من حين أحدث أول ما لبس، لا من وقت الحدث بعد لبس الجُرْموقين، لأن كله كاللبس الواحد، يبنى البعض على البعض، وفي جواز المسح على الأسفل الخلاف الذي سبق.
ومنها: لو لبس الأسفل على الحدث، وغسله فيه، ثم لبس الأعلى وهو على طهارة كاملة، فلا يجوز المسح على الأسفل لا محالة، وهل يجوز على الأعلى؟ يبنى على المعاني.
إن قلنا: الأعلى بدل البدل، فلا يجوز؛ لأن الأسفل ليس ممسوحاً عليه، إذا كان ملبوساً على الحدث فلا يصلح للبدلية، وإن قلنا: إنهما كالظهارة والبطانة فكذلك لا يجوز، كما إذا لبس الخف [على الحدث] (1) ثم ألصق به طاقة أخرى، وهو متطهِّر، وإن قلنا: الأسفل كاللّفافة، فله المسح على الأعلى.
ومنها: لو تخرق الأعلى من الرجلين جميعاً، أو نزعهما بعد ما مسح عليه، وبقي الأسفل بحاله.
فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، لم يجب نزع الأسفل؛ لأنَّ حكم الأصل لا يبطل بسقوط البدل؛ لكن لا بد من المَسْحِ على الخفين، كما إذا نزع الخف لا بد من غسل الرجلين، وهل يكفيه ذلك؟ أم يفتقر إلى اسْتِئنَاف الوضوء؟ فيه قولان، كما سنذكره في نزع الخف.
وإن قلنا: إنهما كالظّهارة والبطانة، فلا شيء عليه.
وإن قلنا: الأسفل كاللفافة فينزع الأسفل أيضاً، ويغسل الرّجلين، وفي لزوم الاسْتِئْنَاف قولان، فيحصل من مجموع الاخْتِلاَفات في المسألة خمسة أقوال، لا يلزمه شيء، يلزم المسح على الأسفل، لا غير، يلزم المسح مع استئناف الوضوء [يلزم نزع الخفين وغسل الرجلين، يلزم ذلك مع استئناف الوضوء] (2). ومنها: لو تخرق الأعلى من إحدى الرّجْلين، أو نزعه، فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، فهل يلزمه نزعه من الرجل الأخرى؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما لو نزع أحد الخُفَّيْن يلزمه نزع الثاني، ثم إذا نزع عاد القولان في أنه يكفيه المسح على الأسفلين، أم يحتاج 1 إلى إعادة الوضوء؟ (1)، (2) سقط في (ط).
والثاني: لا يلزم نزع الآخر؛ لأن كل واحدة من الرِّجلين دونها حائل، والفرض فيهما المسح، بخلاف ما إذا نزع أحد الخُفَّين، فإن فرض الرجل المكشوفة حينئذ الغسل، وعلى هذا فيما يلزمه قولان:
أحدهما: المسح على الخف الذي خلع الأعلى من فوقه.
والثاني: استئناف الوضوء، والمسح على ذلك الخف، وعلى الأعلى من الرجل الأخرى.
وإن قلنا: الأعلى والأسفل كطاقتي خف واحد، لم يلزمه شيء.
وإن قلنا: بالمعنى الثّالث نزع الأسفل من الرجل التي نزع منها الأعلى، أو تخرق، ونزعهما من الثانية، ويغسل الرّجلين، وفي لزوم الاستئناف قولان:
ومنها: لو تخرَّق الأسفل من الرجلين جميعاً لم يضر على المعاني كلها، وإن تخرق من إحداهما، فإن قلنا: الأعلى بدل البدل نزع واحدة من الرْجل الأخرى أيضاً؟ كيلا يكون جامعاً بين البدل والمبدل، كذلك ذكره في التَّهْذِيب وغيره، ولك أن تقول هذا المعنى موجود فيما إذا تخرَّق الأعلى من إحدى الرجلين.
وقد حكوا وجهين في لزوم النزع من الرجل الأخرى، فليحكم بِطَرْدِهِمَا هاهنا ثم إذا نزع 1 فما يلزمه؟ قولان:
أحدهما: الأعلى من فوقه.
والثاني: استئناف الوضوء والمسح عليه وعلى الأعلى الذي تخرق الأسفل تحته، وإن قلنا بالمعنى الثاني، أو الثالث فلا شيء عليه.
ومنها: لو تخرَّق الأعلى والأسفل من الرجلين جميعاً أو من إحداهما لزم نزع الكل على المعاني كلها.
نعم.
إن قلناهما كَطَاقتي خُفٍّ واحد وكان الخرق في موضعين غير متجازيين لم يضر على ما تقدم.
ومنها: لو تخرق الأعلى من رجل والأسفل من الثانية فإن قلنا: إنه بدل البدل نزع الأعلى المتخرق وأعاد المسح على ما تحته وهل يكفي ذلك أم يحتاج إلى اسْتِئْنَاف الوضوء ماسحاً عليه وعلى الأعلى من الرجل الأخرى.
فيه قولان، وإن قلنا: هما كطاقتي خف واحد لم يضر.
وإن قلنا: الأسفل كاللّفافة وجب نزع الكل كما لو تخرق أحد الخفين ثم إذا نزع غسل الرّجلين، وفي استئناف الوضوء قولان: هذا كله تفريع على القديم، وإن فرعنا على الجديد ومنعنا المسح على الجُرْمُوق والخُفّ الأعلى، فان نزع الأعلى ومسح على الأسفل فذاك، وإن أدخل اليد بينهما ومسح على الأسفل فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب نعم، كما لو غسل رجليه وهما في الخف يجوز.
والثاني: لا يجوز؛ لأن المسح ضعيف فلا يجوز إذا كان هناك حائل؛ لانضمام ضعف إلى ضعف، وعلى هذا القول لو تَخَرَّق الخفان تحت الجرموقين نظر، إن كان عند التخرُّق على طهارة لبس الأسفل مسح على الأعلى؛ لأنه صار أصلاً بخروج ما تحته عن أن يمسح عليه، وإن كان محدثاً في تلك الحالة لم يمسح على الأعلى كما لو ابتدأ اللبس على الحدث؛ وإن كان على طَهَارة المسح، وذلك إذا جوزنا إدخال اليد بينهما، والمسح على الأسفل منهما ففي جواز المسح على الأعلى وجهان، كما ذكرنا في التفريع على القديم -والله أعلم-.
ولو لبس الجُرْمُوق في إحدى الرِّجْلين، واقتصر في الأخرى على الخف وأراد المسح على جرموق وخف، فلا شك أنه يمتنع ذلك على الجديد، وعلى القديم يبنى على المعاني الثّلاثة إن قلنا: الجرموق بدل البَدَل لم يجز ذلك؛ لأن إثبات البدل في إحدى الرجلين يمتنع كما يمتنع المسح في إحدى الرجلين والغسل في الأخرى، وقد ذكرنا أنه لو مسح على الجُرْموقين ثم نزع أحدهما لا يلزمه شيء على رأى، ويستدام حكم المسح على جُرْمُوقٍ وخف، والفرق على هذا أن الأمر في الاستدامة أقوى ألا يرى أن اعتراض العدّة والرّدّ في دوام النَكِّاح لا تبطله، بخلاف ما في الابتداء.
وإن قلنا: هما كطاقتي خف يجوز له المسح على الجرموق والخف الآخر، كما لو لبس خُفَّينِ لأحدهما طاقة واحدة وللآخر طَاقَتان.
فإن قلنا: الأسفل كاللّفافة فوجهان:
أحدهما: لا يجوز كما لو لبس خفًّا ولف على الرجل الثَّانية لفافة.
وأصحهما: الجواز، لأنه إنما ينزل منزلة اللّفافة إذا كان مستوراً، فأما إذا كان بادياً فهو مستقل بنفسه بدل عن الرجل بخلاف ما لو نزع أحد الجرموقين يجب نزع الكل على ذلك التقدير؛ لأنه يلبس الجرموق، والمسح عليه صار الأسفل لفافة -والله أعلم-.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ المَسْحِ وَأَقَلُّهُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ مِمَّا يُوَازِي مَحَلَّ الفَرْضِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الأَسْفَلِ فَظَاهِرُ النَّصِّ مَنْعُهُ، وَأَمَّا الأكْمَلُ فَأَنْ يَمْسَحَ عَلَى أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ، وَأَمَّا الغُسْلُ وَالتَّكرَارُ فَمَكْرُوهَانِ، وَاسْتِيعَابُ الجَمِيعِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية المسح يتعلّق بالأقل والأكمل، فأما الأقل فيكفي في قدره ما ينطلق عليه اسم المسح خلافاً لأبي حنيفة، حيث قدر الأقل بثلاثة أصابع من أصابع اليد.
ولأحمد حيث أوجب مسح أكثر الخف.
لنا أن النصوص متعرضة لمطلق المسح، وإذا أتى بما وقع عليه اسم المسح فقد
مسح، وهذا كما ذكرنا في مسح الرأس، ثم لا بد وأن يكون محل المسح ما يوازي محل الفرض من الرّجل، إذ المسح بدل عن الغسل، وهل جميع ذلك محل المسح؟ أم لا؟ لا كلام في أن ما يحازي غير الأَخْمُصَيْن وَالعَقِبَيْن محل له، وأما ما يحازي الأخمصين وهو أسفل الخف ففي جواز الاقْتِصَار على مسحه ثلاثة طرق:
أظهرها: أن فيه قولين:
أظهرهما: أنه لا يجوز؛ لأن الرخص يجب فيها الاتباع، ولم يؤثر الاقتصار على الأسفل.
قال أصحاب هذه الطريقة: وهذا هو المراد فيما رواه المزني في "المختصر"؛ أنه إن مسح باطن الخف وترك الظاهر، وأعاد.
والثاني: وهو مخرج أنه يجوز؛ لأنه محاذ لمحل الفرض كالأعلى، وعبر بعضهم عن هذا الخلاف بالوجهين:
والطريق الثاني: القَطْعُ بالجواز، ثم من الصَّائرين إليه من غلط المزني، وزعم أن ما رواه لا يعرف الشافعي في شيء من كتبه.
ومنهم من قال: أراد بالباطن الداخل، لا الأسفل.
والطريق الثالث: القطع بالمنع، وأما عقب الخف ففيه وجهان أنه ثم منهم من رتب العَقِبَ على الأسفل، وقال: العقب أولى بالجواز لأنه ظاهر يرى والأسفل لا يرى في أغلب الأحوال فأشبه الدّاخل.
ومنهم من قال العقب أولى بالمنع إذ لم يرد له ذكر أصلاً ومسح الأسفل مع الأعلى منقول: وإن لم ينقل الاقتصار عليه.
وتنبه بعد هذا الأمور على ألفاظ الكتاب:
أحدها: قوله: "فإن اقتصر على الأسفل" بعد قوله: "مما يوازي محل الفرض" كالمنقطع عنه، ولو قال، لكن لو اقتصر أو نعم لو اقتصر، وما أشبه ذلك كان أولى ليشعر باستثنائه مما يوازي محل الفرض.
الثاني: قوله: "فظاهر النص منعه" جواب على طريقة القولين؛ لأن هذا الكلام إنما يطلق غالباً حيث يكون، ثم قول آخر، مخرج الثالث، ظاهر كلامه يقتضي تَجْوِيز المسح على عقب الخف؛ لأنه قال: أقله ما ينطلق عليه الاسم مما يوازي محل الفرض، ولم يخرج عنه إلا أسفل الخف وموضع العقب مما يوازي محل الفرض وليس هو من أسفل الخف لكن الأظهر عند الأكثرين أنه لا يجوز الاقتصار عليه، كالأسفل، وأما الأكمل فهو أن يمسح أعلى الخف وأسفله، خلافاً لأبي حنيفة، وأحمد حيث قالا: لا يمسح الأسفل.
لنا ما روي عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-
مَسَح أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ" 1. والأولى أن يضع كفه اليسرى تحت العقب، واليمنى على ظهور الأصابع، ويمر اليسرى إلى أطراف الأصابع من أسفل، واليمنى إلى الساق، تروى هذه الكيفية ابن عمر -رضي الله عنهما- 2.
وقوله: "إلا أن يكون على أسفله نجاسة" استثناء لم يذكره في "الوسيط"، ولا تعرض له الأكثرون، وفيه إشعار بالعفو عن النجاسة التي تكون على الخف، ولا شك أنه إن كان عند المسح على أسفل خفه نجاسة فلا يمسح عليه؛ لأن المسح يزيد فيها، وأما إشعاره بالعفو والقول في أنه كيف يصلي فيه، أيتعين إزالة النجاسة عنه بالماء كما في سائر المواضع؟ أم يكفي دلكه بالأرض فسيأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى، وهل يستحب مسح عقب الخف؟ فيه قولان: وقيل وجهان:
أصحهما: نعم، كسائر أجزاء الخف من الأعلى والأسفل.
والثاني: لا؛ لأن السنة ما جاءت به؛ ولأنه موضع ثقيل، وبه قوام الخُفِّ، فإدامة المسح عليه تفسده، ومنهم من قطع بالاستحباب، ونفى الخلاف فيه، ثم مسح الأعلى والأسفل وإن كان محبوباً، لكن استيعاب الكل ليس بسنة مَسَحَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى خُفِّهِ خُطُوطاً مِنَ الْمَاءِ" 3.
وحكى عن تعليق القاضي: أنه يستحب الاستيعاب كما في مسح الرأس، وأما قوله: "الغسل وَالتَّكرار مكروهان" فإنما يكره الغسل؛ لأنه تعييب للخُفِّ بلا فائدة، وكذلك التَّكرار يوجب ضعف الخف وفساده وهذا المسح رخصة مبنية على التَّخْفيف.
ولك أن تعلم قوله: "فمكروهان" بالواو، وأما في الغُسْلَ، فلأن القول بالكراهة مبني على أن الغسل جائز قائم مقام المسح في صحة الوضوء، وفيه وجه: أن الغسل لا يجزئ كما ذكرنا في مسح الرَّأس إلا أنه مكروه، وأما في التَّكْرار فلأن القاضي أبا القاسم بن كج حكى وجهاً أنه يستحب فيه التَّكرار ثلاثاً، كما في مسح الرَّأْس 1.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ وَهوَ إِبَاحَةُ الصَّلاَة إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ أَوْ نَزْعِ الخُفِّ، وَمُدّتُهُ لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (م و) وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاَثةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ الحَدَثِ فَلَوْ لَبِسَ المُقِيمُ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الحَدَثِ أَتَمَّ مُدَّةَ المُسَافِرِينَ، وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ فِي الحَضَرِ، فَإِنْ مَسَحَ فِي الحَضَرِ (ح ز) ثُمَّ سافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ المُقِيمِينَ (ح) تَغْلِيباً لِلإِقَامَةِ، وَلَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ لَمْ يَزِدْ (ز) عَلَى مُدَّةِ المُقِيمِينَ وَلَوْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَنُقِضَت المُدَّة أَوْ مَسَحَ فِي الحَضَرِ، فَالأَصْلُ وُجُوبُ الغَسْلِ وَلاَ يُتْرَكُ مَعَ الشَّكِّ.
قال الرافعي: يباح بالوضوء الذي مسح فيه على الخُفَّين الصلاة وسائر ما يفتقر إلى الطَّهارة ومد صاحب الكتاب ذلك إلى إحدى غايتين إما قضاء مدة المسح وإما نزع الخف وفي معناه تفرقه فأما الغاية الأولى وهي مضي المدة فتعرف بمعرفة مدته، وهل يتقدر المسح بمدة أم لا؟ فيه قولان قال: في القديم: لا.
وبه قال مالك لما روى عن خزيمة قال: "رَخَّصَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لِلْمُسَافِرِ أن = المهذب": هذا الحديث ضعيف، روى عن علي مرفوعاً، وعن الحسن -يعني البصري- قال: من السنة أن يمسح على الخفين خطوطاً، وقال في "التنقيح": قول إمام الحرمين: إنه صحيح، غلط فاحش، لم نجده من حديث علي، لكن روى ابن أبي شيبة أثر الحسن المذكور.
وروي أيضاً من حديث المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بال ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني انظر إلى أصابعه -صلى الله عليه وسلم- على الخفين، ورواه البيهقي من طريق الحسن عن المغيرة بنحوه، وهو منقطع.
انظر التلخيص (1/ 160 - 161).
يمسح ثَلاَثَةَ أيام وَلَيَالِيهِنَّ لَوِ اسْتَزَدْنَاهُ 1 لَزَادَنَا" 2 وعن أبي بن عمارة وكان ممن صلَّى إلى القبلتين قال: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: يَوْماً، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ، قُلْتُ: وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: نَعَمْ وَمَا شِئْتَ" 3.
وقال في الجديد: وهو المذكور في الكتاب يتقدر في حقِّ المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن، لحديث صفوان بن عَسّال كما سبق، وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم-: "جَعَلَ الْمَسْحَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ" 4. ويتفرع على الجديد مسائل:
إحداهما: يعتبر ابتداء المدة في حق المسافر والمقيم جميعاً من وقت الحدث بعد اللّبث خلافاً لأحمد حيث قال: في ما رواه أصحابنا: يعتبر من وقت المسح والذي رأيته لأصحابه أنه يعتبر من وقت الحدث كما ذكرنا ونسبوا الاعتبار من وقت المسح إلى داود.
لنا أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث ولا معنى لوقت العبادة سوى الزمان الذي يجوز فعلها فيه كوقت الصَّلاة وغيره وغاية ما يمكن فعله بالمسح من الصَّلوات المؤدَّاة على التَّوالي ست عشرة إذا لم يجمع وإن جمع فيتصور أن يؤدي به سبع عشرة صلاة وذلك في حالة عدم الجمع مثل أن يحدث بعد طلوع الفجر بقدر ما يسع صلاة الفجر وقد بقي إلى طلوع الشمس ما يسعها أيضاً فيتوضأ ويمسح على خُفَّيه ويصلّي الفجر، ويصلّي باقي صلوات اليوم والليلة بالمسح، وكذلك صلوات اليوم الثاني والثالث ويصلّي الفجر في اليوم الرابع قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الأول
فتلك ست عشرة وفي حالة الجمع مثل أن يحدث بعد الزَّوال بقدر ما يسع صلاة الظهر والعصر، وقد بقي من وقت الظهر ما يسعهما، أيضاً فصلاّهما بالمسح وكذا ما بعدهما من الصلوات إلى أن يدخل وقت الزوَال في اليوم الرابع فيصلي بالجمع الظهر والعصر قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الأول فيكون قد صَلَّى أربع صلوات من صلوات اليوم الأول وعشراً من صلوات اليوم الثَّاني والثَّالث ثلاث صلوات من صلوات اليوم الرابع فجملتها سبع عشرة، وغاية ما يصلّي المقيم بالمسح من صلوات الوقت ست صلوات إن لم يجمع وسبع إن جمع، بعذر مطر ولا يخفى تصويره مما ذكرنا في المسافر.
الثانية: إنما يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن بشرطين:
أحدهما: أن يكون سَفَرُهُ طويلاً، أما السفر القصير فهو كالإقامة.
والثاني: ألا يكون سفر معصية فإن كان سفر معية لم يمسح ثلاثة أيام ولياليهن كما لا يترخَّص بالقصر والإفطار، وهل يمسح يوماً وليلة؟ فيه وجهان مذكوران في باب صلاة المسافرين في الكتاب وسنشرحهما ثم ويجريان في أن العاصي بالإقامة كالعَبْدِ المأمور بالسفر إذا أقام عل يمسح يوماً وليلة أم لا.
الثالثة: لو لبس الخف في الحضر ثم سافر وأحدث في السَّفَرِ فله أن يمسح مسح المسافرين وكذلك لو أحدث في الحضر ثم سافر وابتدأ المسح في السفر خلافاً للمزني حيث قال في هذه الصورة: يمسح مسح المقيمين، لأن ابتداء المدة وقع في الحضر.
لنا أن أول المسح أول العبادة، فإذا وقع في السَّفَر أقيمت العبادة كما تقدم في السفر ولا نظر إلى دخول الوقت في الحضر ألا ترى أنه لو سافر بعد دخول وقت الصلاة كان له القصر على الصَّحيح ولا فرق بين أن يخرج وقت الصلاة بعد ما أحدث في الحضر وبين ألا يكون كذلك.
قال أبو إسحاق المروزي: إذا مضى الوقت في الحضر ولم يصل ثم سافر مسح مسح المقيمين، لأنه عاص بإخراج الصلاة عن الوقت ولا رخصة للعاصي.
والأول: أصح، كما لو فاتتة صلاة في الحضر له أن يقضيها بالتيمم في السفر.
وليكن قوله في الكتاب: "وكذا لو أحدث في الحضر" معلماً بالزّاي لمذهب المزني وبالواو للتفصيل الذي رويناه عن أبي إسحاق.
ولو ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين ولا يزيد عليه، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يمسح مسح المسافرين إلا أن يتم اليوم والليلة قبل مفارقة العمران.
وعن أحمد روايتان:
إحداهما: مثل مذهبنا.
والثانية: أنه يمسح مسح المسافر.
لنا أنه عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فيغلب حكم الحضر كما لو كان مقيماً في أحد طرفي صلاته لا يجوز له القصر.
واعلم أن الاعتبار في المسح بتمامه حتى لو تَوَضَّأَ في الحَضَرِ، ومسح على أحد الخفين ثم سافر ومسح على الآخر، كان له أن يمسح مسح المُسَافرين؛ لأنه لم يتم المسح في الحضر 1 ولو ابتدأ المسح في السَّفَرِ ثم صار مقيماً نظر إن أقام بعد تمام يوم وليلة لم يمسح، بل ينزع ويستأنف اللبس ويجزئه ما مضى، وإن زاد على يوم وليلة وإن أقام قبل تمام يوم وليلة فله أن يتم يوماً وليلة مسح المقيمين.
وقال المزني كل يوم وليلة في السفر مقابل بثلث يوم وليلة في الحضر، فإن مسح يوماً وليلة في السفر ثم أقام، فله ثلثا يوم وليلة.
وإن مسح يومين وليلتين ثم أقام فله ثلثا يوم وليلة.
لنا تغليب جانب الحَضَرِ كما تقدم.
الرابعة: لو شك في انقضاء مدة المسح: أما المقيم في مدة المقيمين أو المسافر في مدة المسافرين وجب عليه غسل الرجلين وتعذر المسح.
قال صاحب "التلخيص": هذا مما يستثنى عن قولنا: اليقين لا يترك بالشك؟ لأن جواز المسح يقين وانقضاء المدّة مشكوك فيه، أجاب الأصحاب بأن قالوا: لا بل هذا أخذ باليقين، لأن الأصل وجوب غسل الرّجلين والمسح رخصة منوطة بشرائط فإذا شك في المدة فقد شك في بعض الشّرائط فيعود، إلى الأصل وهذا كما لو توضَّأت المستحاضة ثم شكت في انقطاع دمها.
قال الشافعي -رضي الله عنه-: لا تُصَلِّي حتى تتوضأ ولا نقول: الأصل سَيَلاَنُ الدم بل نقول: الأصل أن من أحدث توضأ وإنما جَوَّزَ لها الصلاة للضرورة فإذا شكت في بقاء الضرورة عادت إلى الأصل.
وكذلك لو دخل المسافر بعض البلاد، ولم يدر أنه البلد الذي قصده، أم غيره فلا يقصر؛ لأن الأصل وجوب الأربع وقد شَكَّ في شرط القصر وهو السَّفر.
ولو شك المسافر في أن ابتداء مسحه كان في الحضر أو في السّفر لا يزيد على مدة المقيمين أخذاً بالأصل المقتضي لوجوب الغسل فلو مسح في اليوم الثاني على الشَّكِّ وصلى ثم زال الشّك في اليوم الثالث وعلم أنه ابتدأ المسح في السَّفَرِ فعليه إعادة صلوات اليوم الثاني؛ لأنه صلاها على الشك ويجوز أن يصلي بالمسح في اليوم الثالث ثم إن كان على مسح اليوم الأول ولم يحدث في اليوم الثاني له أن يصلي في اليوم الثَّالث بذلك المسح، وإن كان قد أحدث في اليوم الثَّاني لكنه مسح على الشك وجب عليه إعادة المسح لصلوات اليوم الثَّاني، وفي وجوب استئناف الوضوء قولان.
ويجوز له أن يعيد صلوات اليوم الثَّاني بالمسح في اليوم الثَّالث، ذكر كل ذلك في "التَّهْذِيب" وقال ابن الصباغ في الشامل: يجب إعادة الصلوات لكن يجزئه المسح مع الشك، والأول أظهر هذا تمام الكلام في إحدى الغَايَتَيْنِ.
قال الغزالي: وَمَهْمَا نَزَع الخُفَّيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَيَجِبُ غَسْلُ القَدَمَيْنِ، وَأَمَّا الاسْتِئْنَافُ فَلاَ يَجِبُ إِن قُلْنَا: إِن المَسْحَ لاَ يَرْفَعُ الحَدَثَ وَإِنْ قُلْنَا: يَرفَعُ وَجَبَ لِأَنَّهُ فِي عَوْدِهِ لاَ يَتَجَزَّأُ.
قال الرافعي: الغاية الثّانية نزع الخفين أو أحدهما، ومهما اتّفق ذلك وهو على طهارة لزم غسل الرِّجْلَيْنِ سواء كان عند انقضاء المدة أو قبلها، وهل يجب استئناف الوضوء؟ فيه قولان:
أحدهما: يجب وبه قال أحمد:
وأصحهما: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني، واختلف الأصحاب في أن القولين مستقلان بنفسهما أو هما مبنيان على أصل آخر: منهم من قال: هما مستقلان ووجه قول الاكتفاء بغسل الرّجلين بأن المسح بدل زال حكمه بظهور محل مبدله فيرجع إلى المبدل وهو الغسل كالمتيمّم يرى الماء.
ووجه قول الاستئّناف بأن قال: عبادة بطل بعضها فيبطل كلها كالصَّلاة.
ومنهم من قال: هما مبنيان على أصل واختلفوا فيه على ثَلاَثَةِ طرق.
أحدهما: أنهما مبنيان على القولين في تفريق الوضوء إن جوزنا كفى غسلهما وإلا وجب الاستئناف، ويحكى هذا عن ابن سريج وأبي إسحاق لكن زيفه الجمهور، من وجوه منها أنه لا خلاف في جواز التفريق في الوُضُوء على الجديد ونص في مواضع من الجديد على وجوب الاستئناف هاهنا، ومنها: أن قولي التَّفريق يَخْتَصَّان فالتفريق الكثير
فأَمَّا اليسير منه فهو جائز بلا خلاف ولا سائر إلى الفرق فيما نحن فيه، ومنها أن التَّفْرِيق بالعُذْرِ جائز والعذر موجود هاهنا.
والثاني: أنهما مبنيان على أن بعض الطّهارة هل يختص بالانتقاض أم يتداعى انتقاض البعض إلى انتقاض الكل؟ فيه قولان:
أحدهما: يختص البعض بالانْتِقَاض؛ لأنه لو غسل بعض أعضاء طهارته يرتفع الحدث عنه، وإن لم يرتفع عن الباقي، وإذا جاز أن يَتَبَعَّضَ ارتفاعاً جاز أن بتبعض ثبوتاً فعلى هذا لا يجب الاستئناف.
والثاني: لا يختص البعض بالانتقاض كالصلوات وسائر العبادات فعلى هذا يجب الاستئناف والثَّالث وهو المذكور في الكتاب، وبه قال القَفَّال والشيخ أبو حامد وأْصحابهما أنهما مبنيان على أن المسح على الخفين، هل يرفع الحدث عن الرجلين أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: يرفع؛ لأنه مسح بالماء فأشبه مسح الرأس، ولأنه يجوز الجمع به بين فرضين ولو لم يرفع الحدث لما جاز كالتَّيمم.
والثاني: لا يرفع لأنه لو رفع الحدث لما تقدر بمدة ولا يمتد أثره إلى وجود الحدث فإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث عن الرجل فلا يجب استئناف الوُضُوء؛ لأن الحدث قد ارتفع عن سائر الأعْضَاء إِلا عن الرجلين فإذا غسلهما ارتفع عنهما أيضاً، وكفى.
قال في "التَّتمَّة": وهذا إذا لم يقع تفريق كثير وإن وقع ففيه خلاف التَّفريق، وإن قلنا: إن المسح يرفع الحدث عن الرجل فيجب استئناف الوُضُوء؛ لأن وجوب غسل الرجلين عند النزع يدل على عود الحدث فيهما والحدث، لا يتجَزَّأ في عوده 1.
واعلم أن هذه الطريقة والتي قبلها متقاربتان، ومن يجوز انتقاض بعض الطَّهَارة دون بعض لا يبعد أن يقول بأن الحدث يتجزَّأُ عند العود، ولا يسلم لزوم الاستئناف -والله أعلم- هذا تمام الكلام في الغايتين ولك أن تقول غاية فائدة المسح لا تنحصر في الأمرين المذكورين بل تنتهي بأمرين آخرين.
أحدهما: أن يلزم الماسح غسل جنابة أو كانت امرأة فلزمها غسل حَيْضٍ أو نِفَاسٍ فيجب غسل الرجلين، واستئناف اللّبس بعد ذلك إن أراد المسح.
قال صفوان: كان يأمرنا أن لا ننزع خِفَافَنَا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جَنَابَةٍ والمعنى فيه أن الجنابة لا تتكرر فلا يشق نزع الخف لها.
الثاني: إذا دَمِيَتْ رجله في الخف ولم يمكن غسلها فيه وجب النزع وغسل الدَّم ولا يكون المسح بدلاً عنه وإن أمكن غسلها فيه فغسلها لم يبطل المسح.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ لَبِسَ فَرْدٌ خُفَّهُ لَمْ يَجُزِ المَسْحُ إلاَّ أَنْ تَكُونَ الرِّجْلُ الأخُرَى سَاقِطَةً مِنَ الكَعْبِ.
قال الرافعي: سليم الرجلين إذا لبس أحد الخفين دون الآخر لم يجز المسح عليه لوجهين:
أحدهما: أن المسح إنما جوز للارْتِفَاقِ بلبس الخف لغرض المشي، أو دفع الحَرِّ والبرد وغيرهما، والمعهود في تحصيل هذه الأغراض لبسهما جميعاً، فإذا لم يفعل لزمه الغسل الذي هو الأصل.
والثاني: أن الرجلين بمثابة العضو الواحد وهو مخير فيهما بين الغسل وبين المسح على الخفين، وإذا تخير بين خصلتين في العبادة الواحدة، لم يَجُزْ له التَّوزيع كما في خِصَال الكفارة ولو لم يكن له إلا رجل واحدة إما بأصل الخِلْقة أو بسبب عارض فهي وحدها كالرجلين إن شاء غسلها وإن شاء مسح على سائرها بالشَّرَائط السَّابقة؛ لأنه قد يحتاج إلى اللَّبس أيضاً للمشي عليه مع عصا يتخذها، أو لدفع الحر والبرد ولو بقيت من الرجل الأخرى بقية لم يَجُزِ المسح حتى يواريها بساتر مستجمع لشرائط المسح 1.