العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 236-275

نقله إلى العضو الممسوح من غيره، نظر إن نقله من عضو ليس هو محل التّيمم 1، فيجوز، كما لو نقله من الأرض، أو من بدن غيره، وهذا ما أراد بقوله: "وإن نقله من سائر أعضائه" وإن نقله من يده إلى وجهه أو بالعكس، فوجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه منقول من محل الفرض فأشبه ما لو نقل من أعلى الوجه إلى أسفله، أو من الساعد إلى الكتف.
وأظهرهما: يجوز 2، لأنه منقول من غير العضو الممسوح به فصار كالمنقول من الرَّأسِ والظَّهر، وهذا في غير تُرَاب التَّيمم، فأما لو مسح وجهه بتُرَاب كثير، ثم أخذه ليمسح به اليد زاد النَّظر في استعمال المستعمل وقد سبق ذلك، وَلو تمعَّك في التراب، فوصل إلى وجهه ويديه بهذا الطريق، نظر إن كان معذوراً جاز نص عليه، وإلا فوجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لم ينقل التراب إلى أعضاء التّيمم إنما نقل العضو إليه، وادعى المسعودي أن هذا ظاهر المذهب.
وأصحهما: عند الأكثرين الجواز، لأن القَصْدَ إلى التراب قد تحقق بهذا الطريق، وهو المطلوب، ولو سَفَتِ الريح تراباً على كمه، فمسح به وجهه جاز على أصح الوجهين، وكذا لو أخذ التّراب من الهواء للمسح 3 حالة إثارة الرِّيح إياه.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ فَلَوْ نُوَي رَفْعَ الحَدَثِ لَمْ يَجُزْ، وَأَكْمَلُهُ أنْ يَنْوِيَ استِبَاحَةَ الفَرْضِ وَالنَّفْلِ جَمِيعًا أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ مُطْلقًا فَتَكْفِيهِ (و) فَلَوْ نَويَ اسْتِبَاحَةَ الفَرْضِ جَازَ النَّقْلَ أَيضًا بالتَّبَعَيِة عَلىَ الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ فِي جَوَازِهِ عدَ وَقْتِ تِلْكَ الفَرِيضَةِ أَوْ قَبْلَ فِعْلِهَا خِلاَفٌ مَشْهُورٌ، وَلَوْ نَوَى النَّفْلَ فَفِي جَوَازِ الفَرْضِ بِهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ مُنِعَ فَفِي جَوَازِ النَّفْلِ وَجْهَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّفْلِ كَالتَّابعِ فَلاَ يُفْرَدُ، وَلَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضَيْنِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ لِفَرْضِ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: النِّيَّةُ واجبة في التيمُّمِ، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ لِلمَرْءِ مِنْ عَمَلِهِ إِلاَّ مَا نَوَاهُ" 4، وقد ذكرناه في صحَّة الوضوء إذا نوى أحد أمور ثلاثة، فبين في التيمُّم حكمها الأول رفع الحدث، وهل يجوز التيمم بهذه النية؟ فيه وجهان:

أحدهما: نعم؛ لأن التَّيمم يرفع الحدث في حقِّ الفريضة الواحدة، والنوافل؛ لأنها مستباحة به، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" 1 ولأن رفع الحدث يتضمن اسْتِبَاحَةَ الصَّلاةَ، فقصد رفع الحدث يتضمن قصد الاستباحة، ويحكى هذا الوجه عن ابن سريح، وجعله ابن خيران قولاً للشافعي -رضي الله عنه-، وأصحهما وهو المذكور في الكتاب، أنه لا يجوز؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، ألا ترى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعمرو بن العاص وقد تيمم للجنابة من شدة البرد: "يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحَابِكَ، وَأَنْتَ جُنُبٌ، فَقَالَ عَمرُو: إِنِّي سَمِعْتُ الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ 2﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 3 فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلَمْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ شَيْئاً" 4 سمَّاه جنباً بعد التَّيمُّم؛ ولأنه لو رفع الحدث 5 لما بطل، إلا بعروض الحدث، ولما تأثر برؤية الماء، وإذا لم يرفع الحدث لم يجز التّيمم بصحة بنية رفعه، كما لو قصد شيئاً آخر لا يفيده التّيمم، ولو تيمم الجنب بنية رفع الجنابة، فهو على هذا الخلاف.
الثاني: استباحة الصلاة وغيرها مما لا يباح إلا بالطَّهارة، وإذا تيمم بنية استباحة الصلاة مثلاً، فله أربعة أحوال: أحدها: أن يقصد استباحة نوعيها الفرض والنفل، وأخطرهما بالبال فيصح تيممه، لأنه قد تعرض لمقصود التّيمم، وتباح له الفريضة بهذا التّيمم، وكذلك النافلة قبل الفريضة وبعدها، حكى عن نصه في رواية البويطي، وفي وجه ليس له التنفل بعد خروج وقت الفريضة، وإنما يخرج هذا الوجه إذا كانت الفريضة المَنْوِيِّة معينة، وهل يشترط تعينها بصفاتها أم يكفي نية مطلق الفريضة؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط، ويروى ذلك عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة 6، وبه قال أبو القاسم الصيمري، واختاره الشيخ أبو علي؛ لأنه لا بد من نية الفريضة ليستبيحها، فلا بد من تعيُّنِهَا، ألا ترى أن في نيَّةِ الصلاة لما وجب التَّعرض للفريضة وجب تعينها.

وأصحهما: عند الأكثرين أنه لا يشترط؛ لأنه لا يحتاج (في الطهارة) إلى تعيين الحدث الذي ينوي رفعه فكذلك لا يحتاج إلى تعين ما ينوى استباحته، وعلى هذا إذا أطلق صلّى أية فريضة شاء، ولو عين واحدة جاز له أن يصلِّي غيرها.
الحالة الثانية: أن ينوي الفريضة، ولا تخطر له النَّافلة فتباح الفريضة له بشرط التعيين، أو دونه كما سبق، لأنه نَوَاها، وللمرء من عمله ما نواه، وحكم المَنْذُورَةِ حكم المكتوبات الخمس، وإذا استباح الفريضة بهذا التّيمم فهل له أن يتنفَّلَ به قبل فعل الفريضة، فيه قولان: أصحهما: نعم؛ لأن النَّوافل تبع الفرائض، فإذا صلحت طهارته للفريضة التي هي الأصل فللنوافل أولى.
والثاني: لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النوافل تؤدي بالتيمم تبعاً للفرائض، فإنها طهارة ضرورة، ولا ضرورة في الإتيان بالنَّوافل، والتابع لا يتقدم على المتبوع، وهل ينتفل بعد الفريضة؟ فيه طريقان: أصحهما: القطع أنه ينتفل، لأنه إذا قدم الفريضة فقد حافظ على قضيَّة التَّبعية، وهي تقديم المتبوع وتأخير التَّابع.
والثاني: وهو اختيار القفال، وفيما حكاه الشَّيخ أبو محمد طرد القولين، ووجه المنع أنه لم يَنْوِ غير الفريضة، فلا يباح له غيرها، فإن جوَّزنا له التَّنَفُّلَ بعد الفريضة بذلك ما دام وقت الفريضة باقياً إن عينها، فإذا خرج فهل يَجُوزُ له أن يَتَنَفَّلَ بذلك التيمّم، فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لأنه إذا جاز له التنفل وجب ألا يفترق الحال فيه بين ما قبل انقضاء الوقت، وما بعده، كما في الوضوء.
والثاني: لأنقطاع التَّبعية بانقضاء الوقت ومن قال بالطريقة الثانية في أنه هل يتنفل بعد الفريضة وطرد القولين انتظم منه أن يقول إذا تيمم للفرض، فهل له أن يتنفل؟ فيه قولان، إن قلنا: نعم، فذلك بعد فعل الفريضة، وقبل خروج وقته، أما قبل فعله، فهل له ذلك؟ قولان وبعد خروج الوقت وجهان، وكلام صاحب الكتاب إلى هذا الإيراد أقرب، فقوله: "جاز النفل أيضاً بالتبعية على الصحيح" أي من القولين وقوله: "خلاف مشهور" يعني به قولين فيما قبل فعل الفريضة، ووجهين فيما بعد وقتها، وهذا كله فيما إذا لم يقصد عدداً من الفرض، بل قصد نوع الفرض أو فريضة واحدة، أما إذا تيمم لفائتتين، أو منذورتين، فهل يصح تيممه، فيه وجهان: أصحهما: نعم، لأنه نوى للواحدة وزاد فلغت الزيادة وعمل الأصل.

والثاني: لا، لأنه نوى ما لا يباح بالتيمم الواحد ففسدت نيته، وصار كما لو لم ينو أصلاً، وقرب إمام الحرمين الوجهين ههنا من الوجهين فيما إذا نوى المتوضئ استباحة صلاة دون غيرها، لأنه يقتصر النية على الصلاة الواحدة مخالف حكم الوضوء، كما أن المتيمم بنية الزيادة مخالف حكمه، وإذا عين فريضة فيشترط أن تكون عليه حتى لو تيمم لفائته ظنها عليه، ولم تكن عليه فائتة أصلاً، أو تيمم لفائتة ظهر ثم بان أن التي عليه عصر، لم يصح تيممه، لأن استباحة الفريضة لازمة، وإن لم يجب التعيين وإن عين وأخطأ لم يصح كما إذا عين الإمام في الصلاة وأخطأ بخلاف مثله في الوضوء، لأن نية الاستباحة غير لازمة في الوضوء من أصلها، فلا يضر الخطأ فيها كما لو عين المصلى اليوم وأخطأ 1. الحالة الثالثة: أن ينوي النفل، ولم يخطر له الفرض، فهل يباح له الفرض بهذا التيمم؟ فيه قولان: أصحهما: لا، لأن الفرض هو الأصل، والنفل تبع فلا يجعل المتبوع تابعاً.
والثاني: نعم، لأنه نوى بطهارته ما يفتقر إلى الطهارة، فأشبه ما لو توضأ للنافلة، وعن أبي الحسين بن القطان أنه لا يختلف القول في أنه لا يباح الفرض به، فهذا طريق آخر جازم، فإن قلنا: يباح له الفريضة فالنافلة أولى، وإن قلنا: لا تباح الفريضة ففي النافلة وجهان: أصحهما: أنها تباح، لأنه نواها بطهارته، والتيمم صالح للفرض إذا نواه فللنفل أولى.
والثاني: لا يباح، لأن النفل تابع، والتيمم طهارة ضرورة، فلا يجعل مقصداً به، ومن قال بهذا الوجه فقد قال بأن هذا التّيمم لا يصح أصلاً، ولو نوى بتيممه حمل المصحف، أو سجود التلاوة، أو الشكر، أو نوى الجنب الاعتكاف، وقراءة القرآن، فهو كما لو نوى بتيممه صلاة النفل، ففي جواز الفريضة له قولان، وإذا منعنا ففي جواز ما نواه وجهان، ولو تيمم لصلاة الجنازة فهو كما لو تيمم للنافلة على أظهر الوجهين؛ لأنها وإن تعيَّنت عليه فهي كالنَّافلة 2 من حيث إنها لا تنحصر، وهي غير متوجّهة نحوه على التَّعيين، ويتصور سُقُوطها بفعل الغير بخلاف المكتوبات، ولو نوت الحائض استباحة الوطء، صح تيممها على أصح الوجهين؛ لأنه مما يفتقر إلى الطَّهَارة لكنه يكون كالتَّيمم للنَّافلة.

الحالة الرابعة: أن يقصد نفس الصلاة من غير تعرض للفرض والنفل، ففيه وجهان: أحدهما: أنه كما لو نوى الفرض، والنَّفل جميعاً، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال: أو استباحة الصَّلاَة مطلقًا فيكفيه، وهو قياس قول الحليمي فيما حكاه أبو الحسن العبادي، وقطع به إمام الحرمين -رحمهم الله-؛ لأن الصَّلاةَ اسم جنس يتناول الفرض والنَّفل جميعاً، فأشبه ما لو تعرَّض لهما في نِيَّتهِ.
والثاني: أنه كما لو نوى النفل وحده؛ لأن مطلق اسم الصَّلاة محمول عليه، والفرض يحتاج إلى تخصيصه بالنية، ألا ترى أنه لو لم تحرم الصلاة مطلقاً انعقدت صلاته نفلاً، وهذا الوجه أظهر، ولم يذكر أصحابنا العراقيون غيره، وهو المنقول عن القَفَّال، فهذا تمام الأحوال الأربع، وهي بأسرها مذكورة في الكتاب 1. الأمر الثالث: لو نوى فريضة التَّيمم، أو إقامة التَّيمم المفروض، ففيه وجهان: أحدهما: يصح تيمّمه كما يصح الوضوء بهذه النّية.
وأصحهما: أنه لا يصح؛ لأن التَّيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يصلح مقصداً بخلاف الوضوء، ولهذا يستحب تجديد الوضوء دون التّيمم.
واعلم أنه كما لا يجوز أن تتأخر النية في الوضوء عن أول فعل مفروض كذلك لا يجوز في التّيمم 2. وأوّل أفعاله المفروضة نقل التراب، ولو قارنته النّية، وعزبت قبل مسح شيء من الوجه، فهل يجوز؟ وجهان: أحدهما: نعم، كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء، وعزبت بعده.
وأظهرهما: وهو الَّذِي ذكره في التَّهذيب، أنه لا يجوز، لأن النَّفل وإن كان واجباً إلا أنه ليس بِرُكْنٍ مقصود في نفسه، بخلاف غسل الوجه في الوضوء، ولو تقدمت النّية على أول فعل مفروض فهو كمثله في الوضوء.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) أَنْ يَسْتَوعِبَ (ح) وَجْهَهُ بَالْمَسْحِ وَلاَ يَلْزَمُهُ إِيصالُ التُّرَابِ اِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ وَإِنْ خَفَّتْ.
قال الرافعي: [قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ 3 4] يجب استيعاب الوجه بالمسح بالتراب خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يجوز أن يترك من ظاهر الوجه دون الرُّبع، حكاه الصَّيدلاني من أصحابنا وعن أبي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، أنه إذا مسح أكثر وجهه أَجْزَأَهُ.

لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ" 1، ومن لم يستوعب صح أن يقال ما مسح وجهه، إنما مسح بعض الوجه، وأيضاً فإنه عضو وهو محل الفرض في الطَّهَارتين يجب استيعابه في الوضوء، فيجب في التَّيمم، ولا يجب إيصال التراب إلى مَنَابتِ الشُّعور خفيفة كانت، أو كثيفة، عامة كانت أو نادرة، كِلِحْيَةِ المرأة؛ لأن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ مَسَحَ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ" 2، وَبالضَّربة الواحدة لا يصل التراب إلى مَنَابِتِ الشّعور.
وفيه وجه أنه يجب إيصال التُّراب إلى ما تحت الشعور [التي يجب إيصال الماء إليها، إعطاء للبدل حكم الأصل، والفرق ظاهر لِعُسْرِ إيصال التراب إلى منابت الشعور] 3 وهل يجب مسح ظاهر المسترسل من اللّحية الخارج عن حد الوجه؟ فيه قولان، كما في الوضوء.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) مَسْحُ اليَدَيْنِ اِلَى المِرْفَقَيْنِ (م) فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِوَجْهِهِ وَلاَ يَنْزعُ خَاتَمَهُ وَلاَ يُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ وَيَنْزغُ وَيُفَرِّجُ فِي الضَّرَبةِ الثَّانِيَةِ وَيمْسَحَ اِلَى المِرْفَقَيْنِ وَلاَ يُغْفِلُ شَيْئاً.
قال الرافعي: يجب استيعاب اليدين إلى المِرْفَقَيْنِ وبالمسح في التَّيمم، كما يجب الاستيعاب بالغسل في الوضوء لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ" 4 والذِّراع اسم لِلسَّاعد إلى المرفق وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَربَةٌ لِلْوَجْهِ،

وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ" 1. وقال مالك وأحمد: يمسح يده إلى الكُوَعَيْنِ، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعمار: "يَكْفِيكَ ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ" 2. ونقل مثل هذا عن "القديم" للشافعي -رضي الله عنه- وأنكر الشيخ أبو حامد 3 وطائفة، ذلك، وسواء ثبت أم لا، فالمذهب الأول، واعلم أنه قد تكرر لفظ الضَّرْبَتَيْنِ في الأخبار، فجرى طائفة من الأصحاب على الظاهر وقالوا: لا يجوز أن ينقص منهما، ويجوز أن يزيد فقد لا يتأتى له الاستيعاب بالضربتين.
وقال آخرون: الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين، سواء كان بضربة، أو أكثر، وهذا أصح، نعم يستحب ألاَّ يزيد، ولا ينقص، وحكى القاضي ابن كج عن بعض أصحابنا أنه يستحب أن يضرب ضربة للوجه، وأخرى لليد اليمنى، وأخرى لليسرى، والمشهور الأول 4 وصورة الضرب غير معيَّنة، بل لو كان التراب ناعماً فوضع اليد عليه وعلق الغُبَار بيده كفى، ثم إذا أخذ التراب بدأ في مسح الوجه بأعلاه، ومسح اليدين بأن يضع أصابع يده اليسرى سوى الإبهام على ظهور الأصابع 5 اليمنى سوى الإبهام، بحيث لا تخرج أَنَامِلُ اليُمْنَى عَنْ مسْبَحَةِ اليُسْرَى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغت الكُوعَ ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بَطْنِ الذِّراع، فيمرها عليه، وإبهامه منصوبة، فإذا بلغ الكوع مسح إبهامه ببطنها ظهر إبهامه اليمنى، ثم يضع أصابع اليمنى على اليسرى، فيمسحها كذلك، وهذه الكيفية محبوبة على المشهور، وقد زعم بعضهم أنها منقولة من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال الصيدلاني: إنها غير واجبة، ولا سنة، وهو قضية كلام أكثر الشَّارحين للمختصر.
قالوا: إنما ذكر الشّافعي -رضي الله عنه- هذه الكيفية رداً على مالك -رضي الله عنه-، حيث قال: بالضَّرْبة الواحدة لا يتأتى المسح إلى المرفقين، وهذا يشعر بأنها غير محبوبة، ولا مقصودة في نفسها، وهل يفرق أصابعه في الضربتين؟.
أما في الثَّانية فنعم، وأما في الأولى فقد روى المازني التَّفريق أيضاً، واختلف

الأصحاب فيه، فغلطه قوم، منهم القفال.
وقالوا: لا يفرق في الضربة الأولى؛ لأنها لمسح الوجه، ولا يمسح الوجه بما بين الأصابع، وما لم يمسح الوجه لا يدخل وقت مسح اليدين، حتى يقدر الاحْتِسَاب به على اليدين، فلا فائدة في التفريق.
وأما في الضربة الثانية دخل وقت مسح اليدين فيفرق حتى يستغنى عن إيصال التُّراب إليها مما على الكَفِّ، وصوّبه آخرون، وقالوا: فائدته زيادة تأثير الضرب في إثارة الغُبَارِ لاختلاف موضع الأصابع إذا كانت مفرقة، وهذا أصح، أما القائلون بالأول اختلفوا في أنه هل يجوز أن يفرق في الضربة الأولى؟.
فقال الأكثرون: نعم إذ ليس فيه إلا حُصُول تراب غير مستعمل بين أصابِعِهِ فإن لم يفرق في الضَّرْبة الثَّانية كفاه هذا التُّراب لها، وإن فرق حصل فوقه تراب آخر غير مستعمل بين أصابعه فيقع المجموع عن الفرض، وقال الأقلون، ومنهم القَفَّال: لا يجوز ذلك، ولا يصح تيمُّمه لو فعل؛ لأن فرض ما بين الأصابع لا يتأتى بالضَّربة الأولى، لوجوب التَّرتيب، وحصول ذلك الغُبَار، ولمنع وصول الثاني ولصوقه بالمحل.
ومن قال بالأول قال: الغبار الأول لا يمنع وصول الثاني، أو لا يمنع الوصول المعتبر، ولهذا لو غشيه غبار في تَقَلُّبهِ في السَّفَرِ، ثم تيمَّم، يصح تيممه، ولا يكلف نفض التراب أولاً، ثم إذا فرق في الضَّربتين وجوزنا ذلك، أو فرق في الضَّربة الثَّانية وحدها، فيستحب تخليل الأصابع بعد مسح اليدين على الهيئة المذكورة احتياطاً، ولو لم يفرق فيهما، أو فرق في الأولى وحدها، وجب التخليل [آخرًا؛ لأن] 1 ما وصل إليه قبل مسح الوجه غير معتد به، ثم يمسح بعد ذلك إحدى الرَّاحلتين بالأخرى، وهو واجب، أو مُسْتَحَبٌّ فيه خلاف مبني على أن فرض الكفين هل يتأتَّى بضربهما على التُّراب، أم لا؟ وفيه وجهان: منهم من قال لا؛ لأنه لو تأدَّى فرضهما حينئذ لما صلح الغبار الحاصل عليهما لموضع آخر؛ لأنه يصير بالانفصال عنه مستعملاً، ومنهم من قال وهو الأصح: نعم؛ لأنه وصل الطّهور إلى محل الطَّهَارة بعد النِّيّة، ودخول وقت طهارة ذلك المحلّ، فعلى هذا المسح آخراً مستحب وعلى الأول 2 هو واجب، هذا ما يتعلّق بهذه الهيئة.
والقدر الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين، كيف ما كان، ولا يشترط أن يكون المسح باليد؛ بل لو مسح وجهه بِخِرْقَةٍ أو خشبة عليها تراب جاز، ولا يشترط الإمرار على أصح الوجهين كما ذكرنا في مسح الرأس، ولا يشترط أيضاً أَلاَّ يرفع عن العضو الممسوح حتى يستوعبه في أصح الوجهين:

والثَّاني: يشترط؛ لأن التراب الباقي بالفصل يصير مستعملاً، فلا يصح تيمُّمه بالمردود حتى يأخذ ترابًا جديداً، ومن قال بالأول أجاب بأنا إذا قلنا: إن المستعمل هو اللاَّصق بالعضو، والباقي غير مستعمل بحال.
وإن قلنا: إن المتنافر مستعمل قائماً يثبت حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية، وأعرض المتيمم عنه؛ لأن في إيصال التراب إلى الأعضاء عسراً سِيَّماً مع رعاية الاقْتِصَارِ على الضَّرْبَتَيْنِ، فيعذر في رفع اليد وردها، كما يعذر في التَّقَاذُفِ الَّذي يغلب في الماء، ولا يحكم باستعمال المتقاذف -والله أعلم-.
ونعود إلى لفظ الكتاب في نَزْعِ الخَاتِمِ، وَتَفْرِيجِ الأصَابع.
قال: "فيضرب ضربة واحدة لوجهه، ولا ينزع خاتمه، ولا يفرج أصابعه"، وقد يوجد في بعض النسخ: "وينزع خاتمه، ولا يفرج أصابعه"، فعلى الأول المراد أنه لا يجب نَزْعُ الخاتم؛ لأن المقصود من الضربة الأولى مسح الوجه دون اليدين، وقد ذكرنا أن المَسْحَ لو كان بخرقة، ونحوها، جاز فعليه مَسْحُ بعض الوجه بما على الخاتم، وليس المراد أنه لا يجوز النَّزْع 1، فإنه لا صائر إليه ولا وجه له بل يستحبُّ النزع ليكون مسح جميع الوجه باليد اتباعاً للسّنة.
وقوله: "ولا يفرج أصابعه"، يمكن أن يراد به أنه لا يجوز التَّفرِيجُ ذهاباً إلى ما صار إليه القَفَّال، ومن وافقه، لكنه لم يرد ذلك، لأنه نقل كلام القَفَّال في "الوسيط" واستبعده، وإنما أراد أنه لا يجب التَّفريج، وأنه لا يستحب، أو أنه يستحب ألا يفرج، فإن أراد الاحتمال الأول فلا كلام فيه، وإن أراد غيره فليكن مُعْلَمًا بالواو لما ذكرنا من رواية المازني، وتصحيح الأصحاب لها، وبينا أنه ظاهر المذهب، وأما من روى في الكتاب "وينزع خاتمه"، فذلك ظاهر، والمراد الاستحباب على ما سبق.
قال الغزالي: (السَّابعُ) التَّرْتِيبُ كَمَا فِي الوُضُوءِ.
قال الرافعي: التَّرتِيبُ مُعْتَبَرٌ بين الوجه واليدين، كما في الوضوء، وتركه ناسياً حكمه على ما سبق في الوضوء، ولا يشترط الترتيب في أخذ التُّرَاب للعضوين على أصح الوجهين، حتى لو ضرب يديه على الأرض معاً وتمكن من مسح الوجه بيمينه، ومن مسح يمينه بيساره جاز؛ لأن الركن الأصلي هو المسح، وأخذ التراب ونقله وسيلة إليه، فلا يعتبر فيه ترتيب.
"خاتمتان":

إحداهما: قال جماعة من الأصحاب: أركان التَّيمم وفروضه خمسة، وحذفوا الركن الأول والثاني من السَّبعة التي عدها في الكتاب، والذي فعلوه أولى.
أما الركن الأول، فلأنه ما ساقه إلا للكلام في التراب المتيمم به، ولو حسن عد التُراب ركناَ في التَّيمم؛ لحسن عد الماء ركناً في الوضوء، والغسل.
وأما الركن الثاني، فلأن القصد داخل في النفل، فإنه إذا نقل التراب على الوجه الذي سبق، وقد نوى التيمم كان قاصداً إلى التُّراب لا محالة، وحذف بعضهم النفل أيضاً فاقتصر على أربعة والأكثرون عدوه ركناً، وبنوا عليه أنه لو أحدث بعد أخذ التُّرَاب، وقبل أن يمسح به الوجه يبطل ما فعله، وعليه الأخذ ثانياً، كما لو غسل في الوضوء وجهه، ثم أحدث، بخلاف ما إذا أخذ كفاً من الماء، ليغسل بها وجهه، فأحدث، ثم غسل الوجه، جاز؛ لأن القصد إلى الماء، ونقله لا يجب، وقياس ذلك أنه لا يضر عذوب النيّة بعد اقترانها بأخذ التراب، وهو وجه قدمناه.
لكن الأصح أنه لا بد من الاستصحاب إلى مسح بعض الوجه لما سبق، وإذا يممه غيره بإذنه، وهو عاجز أو قادر، وجوزناه، وأحدث أحدهما بعد الضرب، وأْخذ التراب، وقبل المسح، فقد ذكر القاضي في فتاويه أنه لا يضر ذلك؛ لأن الأذن لا يأخذ 1 حتى يبطل بحدثه، وحدث المأذون لا يؤثر في طهارة غيره، وهذا مشكل، بل ينبغي أن يبطل الأخذ بحدث الإذن، كما لو كان يتيمَّم بنفسه، ولهذا لو أحدث بعد مسح الوجه يبطل، ولا نقول إنه لم يمسح حتى يبطل بحدثه، ولو ضرب يده على بَشْرَةِ امرأة أجنبية عليها تراب، فإن كان كثيراً يمنع تلاقي البشرتين فلا بأس، وإن كان قليلاً لا يجوز، لأن اللمس حدث، والحدث إذا قارن فعل الطهارة منع الاعتداد به، وفرق في التَّتمة بين أن يضرب اليد عليها في الضَّرْبَةِ الأولى، أو في الثانية، وقال: الأخذ للوجه صحيح، فإذا ضرب اليد عليها في المرّة الثانية بطل مسح الوجه، لأنه حدث طرأ في أثناء التَّيمم، والأول هو الوجه، فإن النفل من الأركان، فمقارنة الحدث له، كمقارنته لغسل الوجه في الوضوء، وهكذا أطلق القاضي في الفتاوى، وزاد بعضهم في الأركان طلب الماء وليس ذلك من نفس التيمم، فان المريض يتيمم كالمسافر، والطلب مخصوص بالمسافر، وما يختص به بعض المتيممين لا يكون من نفس مطلق التَّيمم.
الثانية: لم يفرد في الكتاب السُّنن بالذكر كما فعل في الوضوء وللتيمم سنن منها ما صار مذكوراً في كيفية مسح الوجه واليدين، ومنها التَّسْمِية، وتقديم اليمنى على اليسرى، ومنها إمرار التُّرَابِ على العضد، ذكره في التَّهذيب وغيره أنه مستحب، ونازع

بعضهم فيه، ومنها المُوَالاَةَ، وفيها قولان، كما في الوضوء، ويعتبر هاهنا مدة الجَفَافِ لو كان المستعمل ماء، هذا إذا اعتبرنا، ثم الجفاف.
وحكى أبو عبد الله الحناطي هاهنا طريقة أخرى جازمة بأنها لا تشترط في التَّيمم.
وذكر القاضي ابن كج طريقة ثالثة جازمة بالاشتراط.
ومنها تخفيف التُّراب المأخوذ إذا كان كثيراً بنفض اليدين.
ومنها أَلاَّ يرفع اليد عن العضو الممسوح حتى يتم مسحه، ومنها إلاَّ يُكَرِّرَ المسح، وفيه وجه ضعيف (1). قال الغزالي:

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أحْكَامِ التَّيَمُّمِ

وَهِيَ ثَلاثَةٌ: (الأَوَّلُ) أنَّهُ يَبْطُلُ بِرُؤْيَةِ المَاءِ قَبْلَ الشُّرُوع فِي الصَّلاَةِ وَلاَ تَبْطُلُ الصَّلاَةُ (ح ز) بَعْدَ الشُّرُوع فِيهَا وَتَبْطُلُ بِظَنِّ وُجُودِ المَاءِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَكِنَّ المُصَلِّيَ إِذَا رَأَى المَاءَ، فَالأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقْلِبَ فَرْضَهُ نَفْلاً عَلَى وَجْهٍ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى وَجْهٍ، وأنْ يَخْرُجُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهٍ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الوُضُوءِ، وَفِي وَجْهٍ يَلزَمُهُ المُضِيُّ وَلاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كانَ فِي نَافِلَةٍ بَطُلَتْ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنَ الخُرُوجِ وَهُوَ بَعِيدٌ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ فِي رَكْعَاتِ النَّافِلَةِ فَفِى جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ذكرنا أنَّ هذا الباب مسوق لبيان فائدة التَّيمم، وهي التي تباح به، فتكلَّم في ثلاثة أمور: في أنه إلى ما أبيح؟ وفي أنه ماذا يبيح؟ وفي أن ما يبيحه إذا أتى به هل يستغني عن القضاء، أم لا؟.1

أما الأوَّلُ فَلاَ شَكَّ في أن التَّيمم يبطل بعروض الحدث، كالوضوء، ويختصُّ هو بالبطلان بعروض القدرة على استعمال الماء، فجعل كلام الحكم الأول فيه.
واعلم أن التَّيَمُّمَ على قسمين: أحدهما: ما يرخص فيه مع وجدان الماء، كتيمُّم المريض.
والثاني: ما يكون بسبب إِعْوَازِ الماء، أو الحاجة إليه أو الخوف من الاسْتِقَاءِ، وما أشبه ذلك.
فالأول لا يتأثر برؤية الماء، وطلوع الرَّكْبِ بحال.
وأمَّا الثَّاني: فيتأثَرُ بذلك، وجملته أن ننظر إن رأْى الماء خارج الصَّلاَةِ، يبطل تيمُّمه لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي ذَرٍّ -رضي الله عنه-: "إِذَا وَجَدْتَ المَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ" 1، وكذا لو لم يتيقّن الظّفر بالماء، لكن ظنه كما لو طلع عليه ركب، أو أَطْبَقَتْ بِالقُربِ منه غَمَامَةٌ أو توهمه كما إذا تخيَّلَ سَرَاباً ماء؛ لأنه يجب عليه الطَّلب عند حدوث هذه العَوَارِض، وقد ذكرنا أنه إذا وجب الطَّلَبُ بطل التيمم، وإنما يبطل التَّيمم في هذه الصور، بشرط أن لا يقارن هذه العوارض مانع آخر من استعمال الماء، فلو قارنها مانع لم يبطل التَّيمم، [لأنه يجوز التَّيمم] 2 ابتداء، فأولى أن يدفع البطلان دواماً، وذلك كما إذا وجد ماء، وهو محتاج إليه لِسَقْيِهِ أو وجده في قعر بئر، وهو عند العثور عليه عالم بتعذر الاسْتِقَاءِ، أو قال إنسان أودعني فلان ماء، وهو حين يسمع يعرف غيبة المودع، وما أشبه ذلك، وإن أرى الماء في الصَّلاة فلا يخلو إما أن تكون الصلاة مغنية عن القضاء، أو لا تكون فإن لم تكن مغنية عن القضاء كما إذا تيمَّم الحاضر لعدم الماء، وشرع في الصَّلاة، ثم رأى الماء في صلاته، فهل تبطل صلاته وتيممه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنه شرع في الصَّلاة بطهور أمر باستعماله، فيتمها محافظة على حرمتها، ثم يتوضأ ويعيد.
وأصحهما: نعم، لأنَّ الحاضر تلزمه الإعادة إذا وجد الماء بعد الفراغ، فإذا وجده في أثناء الصَّلاة فليشتغل بالإعادة، وإن كانت مغنية عن القضاء، فظاهر المذهب المنصوص أنه لا يبطل تيمُّمه، ولا صلاته وأشار المزني إلى تخريج قول أنهما يبطلان، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، وساعد بن سريج المزني على التخريج.

وقال: "المُسْتَحَاضَةُ إذا انقطع دمها في الصلاة تبطل 1 صلاتها"، فليكن المتيمِّم برؤية الماء كذلك؛ لأن الضَّرورة قد ارتفعت في الصُّورَتَيْنِ، وجعل المسألتين 2 على قولين بالنَّقْلِ والتَّخْرِيج، وجه الأول أنه لو طلع عليه رَكْبٌ لا يبطل تيممه، فكذلك إذا رأى الماء وتيقَّن وجوده، لأنهما متلازمان، ألا ترى أنه قبل الشروع يبطل بهما، وبعد الفراغ لا يبطل، لا بهذا ولا بذاك، وأيضاً لما شرع في الصَّلاة فقد تلبَّس بالمقصود، ووجدان الأصْلِ بعد التَّلَبُّسِ بمقصود البدل لا يبطل حكم البدل، كما لو شرع في الصيام، ثم وجد الرَّقَبة، وأيضاً فإنَّ إحْبَاطَ الصَّلاَة عليه أشد ضرراً من تكليفه شراء الماء بالزيادة على ثمن المثل، بقدر يسير، فإذا لم يجب ذلك، فاستعمال الماء هاهنا أولى، ألا يجب لحرمة الصَّلاَةِ.
ووجه الثاني ظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَأَمْسِسَّهُ جِلْدَكَ" 3 وأيضاً فإن المعتدَّة بالشُّهور لو حاضت في أثنائها تنتقل إلى الإقراء، فكذلك هاهنا والفرق بين المتيمّم والمُسْتَحَاضَة نذكره في أحكام المستحاضة إن شاء الله تعالى، ويتعلق بالمذهب المنصوص، ويتفرع عليه أمور: أحدها: أنه يستثنى عنه ما لو شرع في الصَّلاة، وهو مسافر، ثم نوى الإقامة فيها بعد وجدان الماء، ففي بطلان صلاته وجهان: أصحُّهما: البطلان تغليباً لحكم الإقامة، وهما كَالوَجْهَيْنِ فيما إذا كان مقيماً، ورأى الماء في صلاته، ولو شرع المسافر في الصَّلاة بالتَّيمم، ونوى القصر، ثم وجد الماء في الصَّلاة، ونوى الإتمام بعده بطلت صلاته أيضاً في أصح الوجهين، لأن تيمَّمه صح لهذه الصلاة المقصورة، وقد التزم الآن زيادة ركعتين.
والثَّاني: لو كان في صلاة فريضة فهل يجوز له أن يخرج منها ليتوضأ؟ فيه ثلاثة أوجه: أظهرهما: نعم، وهل هو أولى؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، ليخرج من الخلاف فإن من العلماء من حرم عليه الاستمرار، ولأنه لو وجد الرَّقَبَةَ في أثناء الصيام، فالأفضل أن يعدل إلى التَّحْرير، فكذلك هاهنا.
والثاني: الأولى الاستمرار؛ لأن الخروج إبطال للعمل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعمَالَكُمْ﴾ 4 حكى الوجهين هكذا الشيخ أو حامد، وطبقته وعن الشيخ أبي محمد، والقاضي الحسين أن الخروج المطلق ليس بأولى لا محالة، لكن الخلاف في

أن الأولى أن يقلب فرضه نفلاً ويسلم عن ركعتين أو الأولى أن يتم الفريضة، فمن صائر إلى الأول صيانة للعبادة عن الإبطال، وأداء الفريضة بأكمل الطهارتين، ومن صائر إلى الثَّاني محافظة على حرمة الفريضة.
والوجه الثاني: في أصل المَسْأَلَةِ أنه لا يجوز الإعراض عن الفريضة بحال؛ لأن الإعراض عن الفريضة إبطال للفريضة.
والثالث: ذكره إمام الحرمين أنه يفرق بين أن يضيق الوقت فلا يجوز الخروج؛ لأنه إن لم يكن في الصَّلاة تعيَّن عليه البدار حينئذ، فإذا كان فيها يمتنع الخروج، وإن لم يضيق الوقت فله الخروج؛ لأن الوجوب في أوَّل الوقت موسع والشُّروع لا يلزم شيئاً، وهذا التَّفْصِيلُ عنده لا يختص بالمتيمِّم، بل مُطَّرد في كل مصل 1. الثالث: إذا لم يخرج منها، وأتم الفريضة فكما تمت بطل تيممه وإن كان الماء الذي ظَفَرَ به باقياً بحاله، حتى حكى القاضي الروياني عن والده أنه لا يسلم التَّسليمة الثانية 2. لأن التسليمة الأولى تمَّت الصلاة وبطل التّيمم، وإن لم يكن ذلك الماء باقياً، ولم يعرفه المصلِّي حتى فرغ، فكذلك وإن عرف فواته وهو بعد في الصلاة، فهل يبطل تيممه إذا فرغ؟ وجهان: قال صاحب "التلخيص": يبطل 3 وبه قال الشيخ أبو حامد؛ لأن التيمم يبطل بوجدان الماء، إلا في الصلاة التي هو فيها لحرمتها.
وقال آخرون، منهم القَفَّال: لا يبطل، حتى يجوز له التَّنفل به؛ لأنه حين الفراغ غير واجد للماء، ولا متوهم للوجدان 4. الرَّابع: لو رأى الماء وهو في صلاة نافلة، ففي بطلانها وجهان: أصحهما: لا تبطل كالفريضة.
والثاني: أنها تبطل؛ لأن حرمتها قاصرة عن حرمة الفريضة؛ ألا يرى أنها لا تلزم

بالشُّروع، والفريضة تلزم، وهذا الوجه حكاه إمام الحرمين -قَدَّس الله روحه- عن ابن سريج -رحمه الله- فعلى الأولى الأصح، لو كان قد شرع فيها من غير تعيين عدد في نِيَّته لم يزد على ركعتين نص عليه؛ لأن الأولى في النَّوافل أن تكون مَثْنَى مَثْنَى، فليسلم عن ركعتين، وليصل بالوضوء.
وعن القاضي الحسين أن له أن يَزِيدَ ما شاء، وإن كان قد نوى رَكْعَةً أو ركعتين فلا يزيد على ما نوى؛ لأنَّ الزيادة كافتتاح نافلة بعد وجود الماء، ألا ترى أنه يفتقر الزِّيادة إلى قصد جديد.
وعن القفال: أنه يجوز أن يزيد ما شاء؛ لأن حرمة تلك الصلاة باقية ما لم يسلم، بخلاف ما لو سلم، وأراد افْتِتَاح نافلة أخرى، ولو نوى عدداً فوق الركعتين، ثم رأى الماء، فهل يستوفي ما نواه أم يجب الاقتصار على ركعتين؟ فيه وجهان: أظهرهما: أن له أن يستوفي ما نواه؛ لأن إحرامه انعقد لذلك العدد، فأشبه المكتوبة المقدرة، وعلى هذا ففي جواز الزيادة على المنوي الوجهان المذكوران، في جواز الزيادة على الركعتين إذا نواهما، وأصل هذه المسألة 1 أن المُصَلِّي مستقل من زيادة الركعات، ونقصانها في النَّوافل المطلقة كيف شاء، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذا وقفت على ما ذكرنا فعد إلى ألفاظ الكتاب واعلم أن قوله: "أنه يبطل برؤية الماء قبل الشروع في الصَّلاَةِ 2، وإن كان مطلقاً مشروط بشرطين: أحدهما: أن يكون ذلك التَّيمم غير تيمم المريض، ونحوه.
والثاني: اْلا يقارن رؤية الماء مانع، يرخص في ابْتِدَاء التَّيمم على ما بيناهما.
وقوله: "ولا تبطل برؤْية الماء بعد الشُّروع فيها"، مقيد بما إذا كانت الصلاة مغنية عن القضاء، وإلا فهي باطلة على الأصح، ولا بد من اسْتِثْنَاءِ الصورتين المذكورتين من قبل أيضاً.
وقوله: "ولكن المصلّي إذا رأى الماء" لا يتعلق بقوله: "ويبطل بظن وجود الماء قبل الشروع" وإن كان مذكوراً عقيبه؛ بل بقوله: "لا تبطل بعد الشّروع فيها"، والوجوه الثلاثة التي ذكرها في أن الأولى ماذا، كلها مبنية على أنه يجوز له الخروج، وترك الفريضة، والذي يقابله قوله: "وفي وجه يلزمه المضي، ولا يجوز الخروج"، وليس في الجمع بين هاتين العِبَارَتَيْنِ سوى الإيضاح، وقوله: "وعلى هذا لو كان في نافلة بطلت"، لأنها غير مانعة، يعني به أَنَّا إذا قلنا بوجوب المضي في الفريضة، إنَّما نقول به لحرمة الفريضة، وليس لِلنَّافلة حرمة ما نعمة من الخروج، فتبطل.

وقوله: "وهو بعيد" يجوز أن يريد به هذا البِنَاء، ووجه البعد فيه أن قضية وجوب المضي لحرمة الفريضة أن يقول بعدم الوجوب، إذا فقدنا تلك الحرمة فَأمَّا أَنْ نقول بِالبُطْلاَنِ فلم؟ وطريق توجيه البطلان أن يقال: رؤية الماء تقتضي البُطْلاَن مطلقاً، خالفناه في الفريضة لزيادة حرمتها كما أشرنا إليه، لكن صاحب الكتاب لم يرد استبعاد البناء، وإنما أراد استبعاد أصل الوجه، وهو بين من كلامه في "الوسيط"، واستقرب بالإضافة إليه التَّردد في زيادة الرَّكعات.
قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ يَجْمَعَ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّم وَاحِدٍ وَيَجمَعَ بَينَ فَرْضٍ وَنَوَافِلَ وَبَيْنَ فَرْضٍ وَمَنذُورَةٍ إِنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ لاَ مَسْلَكَ وَاحِبِهِ، وَبَينَ فَرْضٍ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمَا فَرِيضَةٌ وَيَجْمَع بَيْنَهمَا وَبَيْنَ الطَّوَافِ بِتيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّهُمَا كَالتَّابعِ لَهُ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَةٍ وَصَلاَةِ جَنَازَةٍ، وَلاَ يَقْعُدُ فِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، هَذَا نَصُّهُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: إن تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَلَهَا حُكْمُ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: لَهَا حُكْمُ النَّفْلِ وَلكِنَّ القُعُودَ لاَ يَحْتَمِلُ مَعَ القُدْرَةِ لأَنَّ القِيَامَ أَظْهَرُ أَرْكَانِهَا.
قال الرافعي: لا يؤدِّي بِالتَّيمم الواحد، ممَّا يتوقَّف على الطَّهارة إلا فريضة واحدة، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يؤدي به ما شاء.
وكذلك قال أحمد في رواية، وفي رواية أخرى يتيمَّم لوقت كل صلاة.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ ألاَّ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم إِلاَّ مَكْتُوبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلأْخْرَى" 1. والسُّنَّةُ في كلام الصَّحابي تنصرف إلى سنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 2؛ لأن التَّيمُّم طَهَارة ضرورة، فلا تؤدِّي به فريضتان، ولا فرق

بين أَنْ يَتَّحِدَّ الجنس كصلاتين، أو طوافين، أو يختلف كصلاة، وطواف، ولا فرق في ذلك بين البالغ والصَّبي، وحَكَى القاضي الروياني في الصَّبي هل يجمع بين فريضتين بتيمم واحد؟ وجهين: والصحيح: أنه لا يجمع؛ لأنه وإن لم يكن مكلفاً لكن ما يؤذيه حكمه حكم الفرائض، ألا ترى أنه ينوي بصلاته المفروضة، ولا فرق في المكتوبة بين = كنا لا ننكر أن إطلاق ذلك يصدق مع الواسطة، ولكن العادة أن من له رئيساً معظماً: أمرنا بكذا فإنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو عظيم الصحابة ومرجعهم، والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم، فتصرف إطلاقاتهم إليه -صلى الله عليه وسلم- وما قيل إن الفاعل إذا حذف احتمل النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيره، فلا تثبت شرعاً بالشك، فجوابه أن ظاهر الحال صارف -صلى الله عليه وسلم- كما تقدم تقديره.
وكذلك السنة أصلها في اللغة: الطريقة، ومنه سنن الطريق الذي يمشي فيه، غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته عليه السلام في الشريعة.
كذا قال القرافي في التنقيح، ومما يؤيد أن ذلك في حكم الرفع في السنة، ما رواه البخاري في صحيحه في حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، في قصته مع الحجاج حين قال له: (إن كنت تريد السنة فهجّر بالصلاة) قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته -صلى الله عليه وسلم-؟ فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة - أنهم إذا أطلقوا السنة، لا يريدون بذلك إلا سنة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ومما يؤيد الرفع في (كنا نؤمر) ما رواه الشيخان عن أبي موسى في قصة استئذانه على عمر، ولفظ البخاري: عن أبي موسى قال: استأذنت على عمر ثلاثاً، فلم يؤذن لي، وكأنه كان مشغولاً فرجعت، ففرغ عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ إيذنوا له! قيل: قد رجع! فدعاني، فقلت: (كنا نؤمر بذلك) فقال: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلقت إلى مجلس الأنصار فسألتهم، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، فذهبت بأبي سعيد الخدري فقال عمر: أضفي على هذا من أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ألهاني الصفق بالأسواق؟ يعني الخروج إلى التجارة - زاد مالك في الموطأ (فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أنهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال الشراح: وحينئذ فلا دلالة في طلبه البينة، على أنه لا يحتج بخبر الواحد، بل أراد سد الباب خوفاً من غير أبي موسى، أن يختلق كذباً على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الرغبة والرهبة، وقالوا في الحديث: إن قول الصحابي (كنا نؤمر بكذا) له حكم الرفع.
قال الحافظ في شرح النخبة: وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعاً فلم لا يقولن فيه: قال رسول الله؟ فجوابه: أنهم تركوا الجزم بذلك تورعاً واحتياطاً.
ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً، أخرجاه.
قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنساً رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أي لو قلت: لم أكذب، لأن قوله: من السنة هذا معناه، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى.
انتهى.
أقول: قوله: تورعاً واحتياطاً، هذا يظهر في بعض الوجوه، ومنه ما ذكره وأحسن منه أن يقال: إن قولهم من السنة، أو كنا نؤمر، ونحوهما، هو من التفنن في تبليغ الهدى النبوي، لا سيما وقد يكون الحكم الذي قيل فيه: أمرنا، أو من السنة من سنن الأفعال لا الأقوال، وقد يقولون ذلك إيجازاً، أو لضيق المقام، وكثيرًا ما يجب العالم عن المسائل التي يعلم حديثها المرفوع، ويحفظه بحروفه بقوله: من السنة كذا، لما ذكرنا من الوجوه ولغيرها، وهو ظاهر.
انظر قواعد التحديث (144 - 146).

الفائتة والمؤداة.
وأغرب أبو عبد الله الحناطي فحكى وجهاً أنه يجوز الجمع بين الفوائت، وبين المؤداة، ويجوز أن يجمع المتيمِّم بين فريضة ونوافل، لأن النَّوافل مما لا يمكن المنع منها، وفي تجديد التّيمم لكل واحدة منها حرج عظيم؛ لأنها لا تَنْضبط، وأيضاً فهي إتباع للفرائض بخلاف الفرائض بعضها مع بعض، ثم في الفصل مسائل: إحداها: هل يجمع بين مكتوبة ومنذورة؟ فيه وجهان، وربما قيل قولان: أصحهما: لا؛ لأنها مفروضة متعينة 1 على النَّاذر فأشبهت المكتوبة.
والثاني: نعم؛ لأنها وجبت بعارض، فلا يلحق بالمفروض الأصلي، وهذا الخلاف مبني على أصل [في النَّذْر، وهو أنه يسلك بالمنذور] 2 مسلك واجب الشرع، أو مسلك جائزه وهو أقل ما يتقرب به، وفيه وجهان: فإذا نذر هَدْيًا حمل في قول على شيء من النّعم؛ لأنه الهدى الواجب شرعاً، وعلى قول له أن يقتصر على دَجَاجة وقطعة لحم؛ لأن ذلك مما يتقرب به، وإذا قلنا بهذا القول فيعطى المنذور حكم القُربات التي لا تجب حتى يجوز القعود في الصَّلاة مع القدرة على القيام، ويجوز أداؤها على الرَّاحلة، وإذا قلنا: بالأول لا يجوز، وقول الأصحاب يسلك به مسلك جائز الشرع أي في الأحكام مع وجوب الأصل، وعنوا بجائز الشرع هاهنا القُرْبَاتِ التي جوز تركها، ويجري الخلاف فيما لو جمع بين منذورين.
الثانية: في وجوب ركعتي الطَّواف، قولان يذكران في موضعهما: فإن لم نوجبهما فلا يخفى جواز الجمع بينهما، وبين الطَّواف، وبينهما وبين مكتوبة، وإن أوجبناهما ففي الجمع بينهما وبين الطّواف، وجهان: أحدهما: ويحكى عن ابن سريج: أنه يجوز؛ لأنهما تابعتان للطَّواف، أو كالجزء منه، بمثابة بعض الأشواط.
وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لأن ركعتي الطَّواف عبادة مستقلّة، ولهذا تحتاج إلى نيّة مفردة بخلاف بعض الأشواط، والخلاف في الوجوب مخصوص بركعتي طواف الفرض، أما ركعتا طواف التَّطوع فتطوع، ومنهم من أجرى القولين في ركعتي طواف التَّطوع أيضاً.
وقال: اتفاق الفرض والنَّفل في الشرائط لا ينكر، ألا ترى أن صلاة الفرض والنفل يستويان في اعتبار الطَّهارة وستر العورة، فعلى هذا لو صلّى فريضة بتيمّم، وطاف تطوعاً، هل له أن يصلي به ركعتي الطواف؟ فيه وجهان؛ وفي جواز الجمع بين

الخطبة وصلاة الجمعة بالتَّيمم الواحد وجهان، كالوجهين في الجمع بين الطواف الواجب وركعتيه إذا أوجبناهما؛ لأن الخطبة تابعة للصَّلاة، كالرَّكعتين للطواف، وهذا على قولنا تشترط طهارة الحدث في الخطبة الثالثة، نص في المختصر أنه يجمع بين فريضة وصلاة جنازة، وفي موضع آخر أنه لا يقعد فيها مع القُدْرَةِ على القيام، وأنها لا تؤدى على الرَّاحلة، فهذا يقتضي إلحاقها بالفرائض، والأول يقتضي إِلْحَاقَهَا بالنَّوافل، واختلفوا فيه على ثلاثة طرق: أحدها: أن المسألتين على قولين نقلاً وتخريجاً.
أحدهما: أنها مُلحَقَةٌ بالفرائض، فلا يجوز الجمع، ولا القعود ولا على الراحلة؛ لأنها فرض في الجملة، والفرض بالفرض أشبه منه بالنّفل، وإن اختلفت كيفية الافتراض.
والثاني: أنها ملحقة بالنَّوَافل، فيجوز فعلها على الراحلة، والجمع والقعود؛ لأن فروض 1 الكفايات كالنَّوَافل في جواز التَّرك، وعدم الانحصار.
والطريق الثاني: تنزيل النَّصَّيْنِ على حالتين حيث قال: "يجمع" أراد ما إذا لم يتعيّن عليه، وفي هذه الحالة [له أن يقعد ويؤديها على الرّاحلة، وحيث قاتل: لا يقعد أراد ما إذا تعيَّنت عليه بأن لم يحضر غيره، وفي هذه الحالة] 2 لا يجمع.
والثالث: أن حكمها حكم النَّفْل على الإطلاق إلا أنه لا يسامح بالقعود فيها؛ لأن قوامها بالقيام، إذ ليس فيها ركوع ولا سجود، فإذا قعد فيها بطلت صورتها بالكليَّة، فلا تلحق في هذا الحكم بالنَّوَافل، وهذا تقرير النصين.
وظاهر المذهب جواز الجمع بكل حال، ولو جمع بين صَلاتَي جنازة بتيمُّم واحد ففيه هذا الخلاف، ولو أراد أن يصلي على جنازتين صلاة واحدة، فقد قال بعضهم يبنى ذلك على الخلاف، إن اعتبرنا لكل صلاة تيمماً لم يَجُزْ ذلك، وإلا فيجوز.
وقال صاحب "المعتمد": ينبغي أن يجوز ذلك بكل حال؛ لأنه إذا جاز سقوط الفرضين بصلاة واحدة، جاز الاقتصار على التيمم الواحد.
قال الغزالي: وَمَنْ نَسِيَ صَلاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ يُصَلِّي خَمْسَ صَلَوَاتِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ نَسِيَ صَلاَتيْنِ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتِ بِخَمْسِ تَيَمُّمَاتٍ، وإنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى تَيَمُّمَيْنِ وَأَدَّى بِالتَّيَمُّمِ الأَوَّلِ الأَرْبَعَةَ الأُولَى مِنَ الخَمْسَةِ وَبِالثَّانِي الأرْبَعَةَ الأخِيرَةَ مِنَ الخَمْسَةِ.

قال الرافعي: إذا نسي صلاة من صلوات نظر إن كانت متفقة كما إذا نَسِيَ ظهراً من إسبوع فلا يلزمه إلا ظهر واحدة، ولا أثر للتردُّد في اليوم الذي فاتت منه، ولا يخفى أن يفردها بتيمم، وإن لم تكن متّفقة كما إذا نسي صلاةً من الصَّلَوَات الخمس فيلزمه أن يأتي بالخمس ليخرج عن العهدة بيقين، وعن المزني: أنه يكفيه أربع ركعات، يَنْوِي فيها فائِتَته، ويجلس في الثَّلاث الأخيرة، ويسجد للسهو ويسلم.
وهل يكفيه تيمُّم [واحد للجميع أم يفتقر لكل واحدة إلى تيمم 1؟] فيه وجهان: أحدهما: ويحكى أن ابن 2 سريج: أنه يفتقر لكل صلاة إلى تيمم؛ لأن كل واحدة منها واجبة عليه بعينها فأشبهت الفَائِتَتَيْن، وهذا اختيار الخضري وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب، وبه قال ابن القاصّ 3، وابن الحدّاد أنه يكفيه تيمّم واحد للجميع، لأنها وإن كانت واجبة الفعل، فالمقصود منها واحدة، وما عداها كالوسيلة إليها.
قال الشيخ أبو علي: الوجهان مبنيان على أنه لا يجب تعيين الفريضة المقصودة بالتيمم، فإن أوجبنا التَّعْيين، وجب لكل واحدة تيمم لا محالة 4 ولك أن تقول إنَّما يجب التَّعْيين إذا كانت الفَرِيضةُ مُعَيَّنَة معلومة فأما إذا لم تكن، فيجوز أن يقال: ينوي بتيمُّمهِ ما عليه، ويحتمل منه التردُّد والإبهام، كما يحتمل في كل واحدة من الصَّلَوات، ينوي أنها فائتته، وهو متردد في ذلك، ويجوز أن يعلم قوله: "يصلي خمس صلوات" بالزاي؛ لأن عنده يكفيه صلاة واحدة بالضفة التي تقدمت.
وإن نسي صلاتين من صلوات، نظر إن كانتا مختلفتين، وهي الحالة المرادة في مسألة الكتاب، كما إذا نسي صلاتين من الوَظَائِفِ الخمس، فيجب الإتيان بالخمس لا محالة، وحكم التيمم يبنى

على ما إذا كانت المَنْسِيَّةُ واحدة.
فإن قلنا: يجب ثم خمس تيممات فكذلك هاهنا.
وإن قلنا: ثم يكفي تيمم واحد، فما الَّذي يفعل هاهنا.
قال ابن القاص: يتيمَّم لكل واحدة منها، ويقتصر عليها.
وقال ابن الحداد: يقتصر على تيممين ويزيد في عدد الصلوات فيصلي بالتيمم الأول الفجر والظهر والعصر والمغرب، وبالثاني الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيخرج عن العهدة بيقين؛ لأنه صلّى الظهر والعصر والمغرب مرتين بتيممين، فإن كانت الفائتتان من هذه الثلاث فقد تأدت كل واحدة بتيمم، وإن كانت الفائتتان الفجر والعشاء، فقد تأدّت الفجر بالتيمم الأول، والعشاء بالثاني، وإن كانت الفائتتين إحدى الثلاث، وأخرى الفجر والعشاء، فكذلك ولا شك أن ما ذكره ابن القاص جائز عند ابن الحداد، فيخرج عن العهدة.
والذي ذكره ابن الحداد هل يجوز عند ابن القاص، ظاهر كلامه في "التلخيص" أنه لا يجوز.
وقال الصيدلاني وغيره من الأئمة: لا خلاف بينهما، وكل واحد منهما يجيز ما قاله الآخر، فإن كان الأول التقى كلام ابن القاص، والخضري في هذه الصورة ونظائرها، وإذا كان الثاني انتظم أن يقال: هو مُخَيَّرٌ إن شاء فعل ذلك، وإن شاء فعل هذا، كما ذكره في الكتاب، ويجوز أن يعلم قوله: "إن شاء"، "وإن شاء" بالواو، لظاهر كلامه في التَّلْخِيصِ، وبالزَّاي؛ لأن قياس قوله: "أن لا يلزمه واحد من الأمرين، بل يكفيه صلاتان كما ذكرنا بتيمُّمين، وحكى وجه آخر أنه يتيمم مرتين، ويصلي بكل واحد منهم الصلوات الخمس؛ لأنه للفائتة الواحدة يقضي الخمس بتيمم فَلِلْفَائِتَتَيْنِ يلزمه ضعف ذلك، وهذا أبعد الوجوه عند مشايخ الأصحاب من جهة أنه إذا صلى الأربع بالتيم الأول، فقد علم سقوط إحدى الفَائِتَتَيْنِ عنه، ففعل الخامسة عبث لأنه لا يتأدَّى فرضان بتيمُّم واحد، والمستحسن عندهم ما ذكره ابن الحداد، ولا بد فيه من زيادة في عدد الصَّلَوات، فيجب معرفة ضابط القدر الزّائد، وما يشترط في كيفية أدائها ليخرج عن العهدة، أما الضّابط فهو أن يزيد في عدد المنسي فيه عدداً لا ينقص عما يبقى من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي، وينقسم المجموع صحيحاً على المنسي بيانه في الصُّورَةِ المذكورة المنسي صلاتان، والمنسي فيه خمس يزيد عليه ثلاثة؛ لأنها لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الاثنين، بل يساويه، والمجموع هو ثمانية، ينقسم على الاثنين صحيحاً، ولو أنه أتى بعشر صلوات يجزئه عما ذكرنا في الوجه الآخر، لأنه زاد ما لا ينقص عن الباقي من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي، وينقسم مع الأصل صحيحاً عليه، وأول عدد يزيد عليه ووجد فيه الوصفان المذكوران حصل به الفرض، فإن تكلف عليه زيادة، فاولى أن يجزئه، وأما ما يشترط في كيفية الأداء، فإنه يبتدئ من المنسي

فيه بأية صلاة شاء، ويصلّي بكل تيمم ما تقتضيه القسمة، لكن شرط خروجه عن العهدة بالعدد المذكور أن يترك في كل مرة ما ابتدأ به في المرة التي قبلها، ويأتي في المرة الأخيرة بما بقي من الصَّلَوَات، فلو صلَّى في المثال الذي سبق بالتيمم الأول الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وبالثاني الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، فقد أخل بهذا الشرط إذا لم يترك في المرّة الثانية ما ابتدأ به في المرة الأولى، وإنما ترك ما ختم به في المرّة الأولى فلا يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون ما عليه الظّهر، أو العصر، أو المغرب مع العشاء، فبالتيمم الأول صحّت تلك الصلاة، ولم تصح العشاء، وبالتيمم الثاني لم يُصَلِّ العشاء، فلو صلى العشاء بعد ذلك بالتيمم الثاني، خرج عن العهدة، وقد أشار إلى هذا الشَّرط في الكتاب بقوله: "وأدى بالأول الأربع الأولى من الخمس، وبالثاني الأربع الأخيرة".
ولو نسي ثلاث صلوات من صلوات يوم وليلة، ولم يعرف عينها فعلى طريقة صاحب "التلخيص" يتيمم خمس تيمُّمات، ويصلِّي الخمس، وعلى الوجه الآخر يتيمم ثلاث مرات، ويصلي بكل واحدة منها الخمس، وعلى قول ابن الحداد يقتصر على ثلاث تيممات، ويزيد في عدد الصلوات فيضم إلى الخمس أربعاّ؛ لأن الأربعة لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الثلاثة، بل يزيد عليه، وينقسم المجموع، وهو تسعة صحيحاً على الثلاثة، ولو ضممنا إلى الخمسة اثنين، أو ثلاثة، لما انقسم، ثم يصلّي بالتيمُّم الأوّل الصبح، والظهر، والعصر، وبالثَّاني الظهر، والعصر، والمغرب، وبالثالث العصر، والمغرب، والعشاء، وله غير هذا الترتيب إذا حافظ على الشَّرط المذكور، فلو أَخَلَّ به كما إذا صلّى بالتّيمم الأول العصر، ثم الظهر، ثم الصبح، وبالثاني المغرب، ثم العصر، ثم الظهر، وبالثالث العشاء، ثم المغرب، ثم العصر، لم يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون التي عليه الصّبح، والعشاء، وثالثهما الظهر، أو العصر، فيتأدَّى بالتيمُّم الأول الظهر، أو العصر، ويتأدى بالثالث العشاء، ويبقى الصبح عليه فيحتاج إلى تيمم رابع للصبح، وقس على هذا نظائره، هذا كله فيما إذا نسي صلاتين مختلفتين، أو أكثر.
أما إذا نسي صلاتين متفقتين من صلوات يومين فصاعداً، فعليه أن يأتي بعشر صلوات صبحين، وظهرين، وعصرين، ومغربين، وعشائين، ليخرج عن العهدة بيقين، ويجب لها عشر تيمُّمَات على الوجه المنسوب إلى الخضري، وعند معظم الأصحاب يكفيه تيممان يصلي بكل واحد منهما الصلوات الخمس، ولا يكني هاهنا ثمان صلوات بتيممين، بخلاف ما إذا كانتا مختلفتين؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يأت بالصُّبح إلا مرة واحدة بالتَّيمم الأوَّل، ولا بالعشاء إلا مرة واحدة بالتيمم الثَّاني، ويجوز أن يكون ما عليه صبحين أو عشائين، ولو لم يعلم أن فَائِتَتَيْهِ متِّفِقَتَان، أو مختلفتان أخذ بالأسوأ، وهو أن تكونا متفقتين، فيحتاج إلى عشر صلوات بتيممين، ولا يكفيه الاقتصار على

الثمان، والوجه الذي هو اختيار الخضري لا يخفى -والله أعلم-.
وإن اشتبه الحال على حاج، فلم يدر أترك صلاة فرض أم طواف فرض، أتى بالطَّواف وبالصلوات الخمس بتيمُّم واحد، وعلى وجه الخضري يحتاج إلى ستة تيمُّمات، ولو صلّى منفرداً بتيمم، ثم أدرك جماعة، وأراد إعادتها معهم فإن قلنا: المعادة سنة له أن يعيدها بذلك التّيمم، وإن قلنا: الفرض أحدهما لا بعينه، فهل يجوز فعله بذلك التيمم؟ فيه وجهان، كالوجهين فيما إذا نسي صلاة من الخمس، هل يكفيه لها تيمم واحد؟ والصحيح أنه يَكْفِي ولو صلى الفرض بالتيمم على وجه يحتاج إلى قضائه، كالمربوط على الخشبة، ونحوه، وأراد القضاء بالتيمم فينبني على أن الفرض المعاد، أو الأول أو كلاهما أو أحدهما لا بعينه إن قلنا: الفرض المعاد أو كلاهما افتقر إلى تيمم آخر، وإن قلنا: الفرض الأول، فلا حاجة إلى إعادة التّيمم، وإن قلنا: الفرض أحدهما لا بعينه، فهو على الوجهين السابقين.
قال الغزالي: وَكَذَلِكَ لاَ يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ قَبْلَ دُخُولِ (ح) وَقْتِهَا، وَوَقْتُ صَلاَةِ الخُسُوفِ بِالخُسُوفِ، وَوَقْتُ الاسْتِسْقَاءِ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَوَقْتُ صَلاَةِ المَيِّتِ بِغُسْلِ المَيِّتِ وَالفَائِتَةِ بِتذكّرِها، وَالنَّوافِل الرَّوَاتِبُ لاَ يَتَأَقَّتُ تَيَمَمُّهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ضَحْوَةَ النَّهَارِ فَلَم يُؤَدِّ بِهِ إِلاَّ ظُهْراً بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهرِ ثُم تَذَكَّرَ فَائِتَةً فَأَدَّاهَا بِهِ جَازَ عَلَى الأَصَحَّ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ ضَحْوَةَ وَقُلْنَا: يُسْتَبَاحُ بِهِ الفَرِيضَةُ فَأَدَّى الظُّهْرِ بِهِ فَعَلَى هَذَا الْخِلاَفُ.
قال الرافعي: لا يتيمَّم لصلاة قبل دخول وقتها خلافاً لأبي حنيفة، لنا أنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل دخول الوقت، فلو تيمّم لفريضة قبل دخول وقتها لم يصح للفرض، وهل يصح للنَّفل؟ حكى بعضهم فيه وجهين بناء على أن من أحرم بالظّهر قبل الزوال، هل تنعقد صلاته نفلاً؟ وظاهر المذهب أنه لا يصح تيممه لا للفرض ولا للنفل، وهذا الأصل يطلق إطلاقاً، إلا أنه لا بد من استثناء صورة عنه، وهي ما إذا كان يجمع بين صلاتي الجمع بالتَّيمّم، فإن ظاهر المذهب أن الجمع بين الصَّلاتَيْنِ [بتيممين] 1، جائز وحينئذ إذا قدم الأخيرة فقد تيمَّم لها قبل وقتها الأصلي، ولو تيمم وصلى الظهر، ثم تيمَّم فيضم إليها العصر، فدخل وقت العصر قبل أن يشرع فيها فيبطل الجمع، ولا يصلي بذلك التَّيمم العصر لوقوعه قبل وقتها، وانحلال رابطة الجمع، وكما لا يقدم التَّيمم للمؤداة على

وقتها، لا يقدم التَّيمم للفائتة على وقتها، ووقتها يدخل بتذكرها.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا" 1. وإذا تيمَّم للفريضة في أوَّل الوقت وأخَّرها [إلَى آخِرِ الوقت] 2 جاز، نص عليه؛ لأنه تيمَّم في وقت الحاجة، ولو تيمَّم لفائتة ضحوة النهار، ولم يؤدها حتى زالت الشمس، فأراد أن يصلي به الظهر، هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحُّهما: وبه قال ابن الحداد: يَجُوز؛ لأن التَّيمم قد صح لما قصده وإذا صحَّ التَّيمم لفريضة، جاز له أن يعدل عنها إلى غيرها، كما إذا كانت عليه فائتتان فتيمم لإحداهما، له أن يصلي الأخرى به دون التي تيمم لها.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو زيد، والخضري، لأنه يقدم على وقت الظهر، فلا يؤدي به كما إذا تيمَّم لها قبل وقتها، ولو تيمم للظُّهْرِ في وقتها، ثم تذكر فائتة 3 فأراد أَدَاءَهَا به، فيه طريقان: أحدهما: طرد الوجهين.
والثاني: القطع بالجواز، والفرق أنه إذا تيمَّم لقضاء الفائتة ضحوة فقد تيمّم، والظهر غير واجبة عليه، فلا يصلح تَيمُّمه لها، وهاهنا تيمَّم للظُّهر والفائتة واجبة عليه، لكنه لم يكن عارفاً بوجوبها، وقد سلم الجواز هنا أبو زيد، والخضري.
وقوله في الكتاب في الصُّورة الأولى: "على الأصح" يعني من الوجهين، وفي الصُّورَةِ الثَّانية يجوز أن يريد الأصح من الوجهين جرياً على طريقة طرد الوجهين، وسكوتاً عن الأخرى، ويجوز أن يريد الأصح من الطريقين، وهو قضية كلامه في "الوسيط"، لكن طريقة طرد الخلاف أظهر من جهة النقل، وكل هذا تفريع على أن تعيين الفريضة التي يتيمم لها ليس بشرط، فإن شرطناه لم يصلح التّيمم لغير ما عينه، وجملة ما ذكرناه فيما إذا كانت الصلاة التي يتيمم لها فريضة، أما النافلة فتنقسم إلى مؤقتة، وإلى غيرها، أما المؤقتة فكالرَّواتب التَّابعة للفرائض، وصلاتي العيد، والكسوف، وأَوْقاتها مذكورة في مواضعها، ومنها صلاة الاسْتِسْقَاء، ووقتها اجتماع الناس لها في الصَّحْرَاء، ومنها صلاة الجَنَازَةِ، وبم يدخل وقتها؟ فيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه يدخل بغسل الميت، فإنها حينئذ تباح، وتجزئ.

والثاني: وبه أجاب صاحب الكتاب في الفتاوى: أن يدخل بالموت، فإنه السَّبب المحوج إلى الصلاة، فإن قدم التيمم لهذه النوافل على أوقاتها فالمشهور أنه لا يصح كما في الفرائض؛ لأنه مستغن عن التيمم لها قبل وقتها، وحكى إمام الحرمين فيه وجهين، والفرق أنَّ أَمَرَ النَّوَافِلِ أوسع، ولهذا جاز أداء نوافل كثيرة بتيمم واحد، فصاحب الكتاب ذكر هذا الخلاف في الرَّوَاتب، وهو غير مخصوص بها، وإن تيمَّم لهذه النوافل في أوقاتها جاز له أن يصلِّي النَّافلة التي تيمم لها، وغيرها، وهَلْ تَجُوزُ الفريضة؟ يبنى على القولين اللذين قدمناهما في أنه إذا تيمَّم للنافلة هل يصلِّي به الفريضة؟.
إن قلنا: لا، فلا يجوز، وإن قلنا: نعم، فله ذلك، إن تيمّم للنافلة في وقت تلك الفريضة، ولو تيمم لنافلة ضحوة، ثم دخل وقت الظهر فهل له أن يصلي الظهر به على هذا القول.
فيه الوجهان المذكوران، فيما إذا تيمم لفائتة قبل الزوال، هل يصلي الظهر به.
وقوله: "فيه هذا الخلاف" يعني الوجهين المذكورين دون الطريقين، وإن كان مذكوراً بعد مسألة الطَّريقين، وما ذكرنا من المسائل فيما إذا تيمم للنافلة وحدها، مبني على ظاهر المذهب، وهو أن التيمم لمجرد النافلة صحيح، وفيه وجه قدمناه، وأما غير المؤقتة من النوافل فيتيمم لها متى شاء، إلا في أوقات الكراهية في أظهر الوجهين 1 وأعلم أن الشَّرْح قد يقتضي تغيير مسائل الكتاب عن نَظْمِهَا، وترتيبها وهذا الفصل من ذاك.
قال الغزالي: (الحُكْمُ الثَّالِثُ) فِيمَا يُقْضَى مِنَ الصَّلَوَاتِ المُخْتَلَّةِ، وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ مَا كانَ بِعُذْرٍ (ح) إِذَا وَقَعَ دَامَ فَلاَ قَضَاءَ فِيهِ كَصَلاَةِ المُسْتَحَاضَةِ وَسَلَسِ البَوْلِ وَصَلاَةِ المَرِيضِ قَاعِداً وَمُضْطَجِعاً وَصَلاَةِ المُسَافِرِ بِتَيَمُّمٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ العُذْرُ فِيهِ دَائِمًا نَظَرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ وَجَبَ (و) القَضَاءُ كَمَنْ لاَ يَجِدُ مَاءً وَلاَ تُرَابًا فَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَالمَصْلُوبُ إِذَا صَلَّى بِالإيمَاءِ أَوْ مَنْ عَلَى جُرْحِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَيسْتَثْنَى عَنْهُ صَلاَةُ شِدَّةِ الخَوْفِ، فَإنَّهَا رُخْصَةُ وَإِنْ كانَ لَهَا بَدَلٌ كتَيَمُّمِ المُقِيمِ (و) أَوِ التَيَّمُّمِ لإِلْقَاءِ الجَبِيرَةِ أَوْ تَيَمُّمِ المُسَافِرِ لِشِدَّةِ (ح) البَرْدِ فَفِي القَضَاءِ قَوْلاَنِ.

قال الرافعي: التَّيمم قد يكون بحيث يغنى الصلاة المؤداة به عن القضاء، وقد يكون بحيث لا يغنى، والغرض الأعظم في هذا الموضع بيان ذلك، ثم اختلط به القول في الصَّلوات المشتملة على غير ذلك من وجوه الخَلَلِ ما الَّتي تقضى وما التي لا تقضى لاندراج الكُلِّ تحت ضابط واحد، قال الأصحاب الأَعْذَارُ ضربان: عام، ونادر.
فأما العام: فيسقط القضاء، لأن إيجابه مع عموم العذر يفضي إلى عموم المَشَقَّة.
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 1، ولهذا المعنى جعلنا الحَيْضَ مسقطاً للقضاء، وعدواً في هذا القسم صوراً.
منها: صلاة المسافر بالتيمم لعدم الماء، فلا إعادة عليه إذا وجد الماء في الوقت، ولا قضاء إذا وجده بعده "روي أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءُ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيَّباً وَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الْوَقْتِ، وَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءُ وَالصَّلاةَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فَذَكَرَا لَهُ ذلِكَ فَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَكَ الأَجرُ مَرَّتَيْنِ، وَلِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتكَ صَلاَتُكَ" 2. والمعنى فيه أن فَقدَ الماء في الأسفار عذر عام، وسنبين من بعد أن الحكم غير منوط بالسفر، بل الموضع الذي يغلب فيه فقد الماء، وإنما لا يقضي المسافر بشرط ألا يكون سفره سفر معصية، أمَّا لو كان سفر معصية وتيمم وصلَّى، ففي القضاء وجهان: أحدهما: لا يقضي، لأنَّا إذا أوجبنا عليه التّيمم، فقد صار عزيمة في حقه بخلاف القصر، والفطر، ونحوهما، فإنها لا تجب.
وأظهرهما: أنه يجب، لأنه وإن كان واجباً فسقوط الفرض به رخصة، فلا يناط بسفر المعصية.
وحكى الحناطي مع هذا الخلاف وجهاً آخر، أنه لا يتيمم أصلاً، وهل يشترط لعدم القضاء أن يكون السَّفر طويلاً، فيه قولان: أصحهما: لا، والقصير كالطويل في هذا الحكم.
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ 3 الآية، واسم السفر يقع على

الطَّويل والقصير، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-:"أنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْجَرْفِ 1: فَلَمَّا بَلَغَ المَرْبَدَ تَيَمَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يُعِدْ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ".
والثَّانِي: أنه يقضي في السَّفر القصير، لأنه يلحق بالحضر، في امتناع القصر والفطر، فكذلك في حكم القضاء، ومنهم من قطع بالأول، ولم يثبت الثاني قولاً للشَّافعي -رضي الله عنه- قال إمام الحرمين -رضي الله عنه-: وفي هذه الصورة مزيد مع عموم العذر، وهو أنه وإن اختل الوضوء فقد أثبت الشرع عنه بدلاً، وهو التَّيمم فقام مقام المبدل وهذا المعنى يسقط القضاء على قول، وإن كان العُذْرُ نادراً على ما سنذكره من بعد، ولا فرق في نفي القضاء بين أن يكون تيممه عن جنابة، أو عن حدث، ولو كان مع المسافر ماء، لكنه يحتاج إليه للشُّرب، أو عجز عن تناول الماء للخوف من سبُع، أو ظالم، أو لفقدان آلة الاسْتِقَاء، فتيمم وصلى، فكذلك لا إعادة عليه.
ومنها: ما إذا تيمَّم لمرض مانع من استعمال الماء.
ومنها: المرض المُحْوِجُ إلى القعود، أو الاضطجاع في الصلاة، فإن المرض على الجملة من الأعذار العامة، فيسقط القضاء.
وأما العذر النَّادر فعلى ضربين: نادر إذا وقع دام غالباً، ونادر إذا وقع لم يدم غالباً.
أما الذي يدوم غالباً، فيسقط القضاء أيضاً لما يلحق صاحبه من المشقة الشديدة، وذلك كالاسْتَحَاضَةِ، وسلس البول، والمَذْي، والجُرْح السائل، واسترخاء المَقْعَدَةِ، دوام خروج الحدث منه، ولا فرق في هذا القسم بين أن يكون عن الصفة لِفَائِتَةٍ بدل، أو لا يكون، فإن المستحاضة وإن كانت تتوضَّأ لكل صلاة فريضة، لكن ليس للنَّجَاسات الدَّائمة إزالة، ولا بدل عنها.
وأما الذي لا يدوم غالباً، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون مع الخَلَلِ الحاصل بدل مشروع عن الفائت.
والثاني: ألا يكون معه بدل، فإن لم يكن معه بدل، وجب القضاء لِنُذُور العُذْرِ، وفوات الصفة المطلوبة، لا إلى بدل، وذكر في الكتاب لهذا القسم صوراً.
منها: ما إذا لم يجد ماء، ولا ترابًا، فصلى، وقد يفرض فقدهما جميعاً في حق المحبوس في موضع لا يجد واحداً منهما، أو في موضع لا يجد إلا تراباً نجساً، أو فيما إذا كانت الأرض متوحِّلة، ولم يقدر على تَجْفيف الطين، فإذا 2 اتفق ذلك ببعض هذه الأسباب، أو غيرها، فهل يجب عليه الصلاة؟.
قال في القديم: لا تجب، لأنه لا يجب عليه الإعادة، وإن صلى فلو أوجبناه

لالزمناه ظهرين.
وقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ ظُهْرَانِ فِي يَوْمٍ" 1 نعم، يستحب ذلك لحرمة الوقت، والجديد: الصحيح أنه تجب عليه الصلاة في الوقت، لأنه استطاع الإتيان بأفعال الصَّلاة، وإن عجز عن الطَّهارة.
وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ" 2، وصار كما إذا عجز عن ستر العُوْرَة، لا يترك الصَّلاة بسببه.
ومنهم من نقل القول القديم في الحرمة.
وقال: يحرم عليه أن يصلي كالحائض، وبه قال أبو حنيفة، وإذا صلّى في الوقت امْتِثَالاً لما أمرناه به وجوباً، أو ندياً فظاهر المذهب وجوب الإعادة؛ لأن هذا عذر نادر لا دوام له.
وحكى بعض الأصحاب فيه قولين، وهذا العادم وإن أمر بالصلاة، والحالة هذه لا يجوز له حمل المصحف، وقراءة القرآن إن كان جنبًا، وإن كانت حائضًا فليس للزَّوج غِشْيَانُهَا، ولو قدر على أحد الطّهورين في خلال الصَّلاة بطلت صلاته.
ومنها المربوط على الخشبة، ومن شد وثاقه على الأرض يُصَلِّي على حسب حاله بالإِيمَاءِ، ثم يعيد لأنه عذر نادر، بخلاف المريض يصلي بالإِيماء، ولا يعيد؛ لأن عذر المَرض يعم.
وقال الصيدلاني: إن كان مستقبل القِبْلَة فلا إعادة عليه، كالمريض يصلي بالإيماء وعلى جنب، وإن لم يكن يلزمه الإعادة قال: وكذا الغريق يتعلق بعُودٍ، ويصلي بالإيماء، ويعيد إذا كان إلى غير القبلة، وذكر في "التهذيب" نحواً من هذا في مسألة الغريق 3 فقال: لا يعيد ما صلى إلى القبلة بالايماء، وما صلى إلى غير القبلة فيه قولان: أحدهما: لا يعيد أيضاً، كما لو صلى بالإيماء إلى القبلة.
وأصحهما: أنه يعيد بخلاف ما لو صلى بالإيماء، لأن حكم الإيماء أخفُّ، من ترك القبلة، ألا ترى أن المريض يصلي بالإيماء ولا يعيد، وإذا لم يجد من يُحَوِّلُه إلى القبلة يصلي إلى غيرها ويعيد.
أما مسألة المربوط فلم يذكر فيها هذا التَّفصيل، وحكم بوجوب الإعادة، وبه قال إمام الحرمين -قدس الله روحه-.
ومنها: إذا كان على بَدَنِهِ

جراحة عليها دم، وخاف من غسله التَّلف، صلى وأعاد، وإن كانت على أعضاء الوضوء تيمم، وصلى وأعاد، فإن هذا الخَلَلَ ليس له بدل، والعذر نادر غير دائم.
وفي القديم: قول أنه لا يعيد، وبه قال أبو حنيفة، والمزني، وكذلك الخلاف فيما إذا كان محبوساً في مكان نجس، وصلى على النجاسة، هل يعيد أم لا؟ والقول القديم مطرد في كل صلاة، وجبت في الوقت، وإن كانت مختلة وهو اختيار المزني.
والضرب الثاني أن يكون مع الخلل الحاصل بدل مشروع يعدل إليه، ففي وجوب القضاء خلاف نفصله في صور هذا القسم.
منها المقيم إذا تيمّم لعدم الماء فصلى 1، فظاهر المذهب أنه يجب عليه القضاء؛ لأن عدم الماء في موضع الإقامة 2 نادر، وإذا اتفق لا يدوم غالباً، فإن أهل ذلك الموضع يتبادرون إلى الإصلاح، والإثباط، فلا يصلح عذراً دافعاً لِلْقَضَاء، والبدل المعدول إليه يقام مقام الأصل في جواز الإتيان بالصلاة، حتى لا يخلو الوَقْت عن وظيفته.
وفي القديم، وهو اختيار المزني، أنه لا إعادة عليه؛ لأنه بالمقدور.
عليه.
واعلم أن وجوب القضاء على المقيم إذا قلنا: بظاهر المذهب ليس لعلة الإقامة، بل لأن فقد الماء في موضع الإقامة نادر، وكذلك عدم الوجوب في السفر ليس لأنه مسافر، بل لأن الفقد في السفر مما يعم، ويغلب حتى لو أقام الرجل في مَفَازَةٍ، أو موضع يعدم فيه الماء غالباً، وطالت إقامته فيه يتيمَّم، ويصلّي، ولا يعيد.
وفي مثله قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر، وكان يقيم بالرَّبَذَةِ 3، ويفقد الماء أياماً: فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 4 فقال: التُّرَابُ كَافِيكَ وَلَوْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ" 5. ولو دخل المسافر في طريقه بلد، أو قرية، وعدم الماء، وتيمم، وصلى أعاد على أظهر الوجهين، فإن كان حكم السفر باقياً، نظر إلى ندرة العدم في ذلك الموضع، وإذا عرفت ذلك فقول الأصحاب: المقيم يقضي، والمسافر لا يقضي، جار على الغالب من حال السَّفر، والإقامة، والحقيقة وما بينا.
ومنها: التَّيمم لإلقاء الجبِيْرَة، وجملته أنه إذا كان به عذر يمنع من استعمال الماء في بعض محل الطهارة دون بعض فغسل المقدور عليه، وتيمّم وصلّى، هل يجزئه ذلك أم يلزمه القضاء عند زوال العذر؟ ننظر إن لم يكن على محل العذر ساتر من جبيرة، أو لصوق فيجزئه، ولا قضاء عليه؛ لأنه لو وجد

تجرّد التيمم لشيء من العلل، والأمراض لما كان عليه إعادة، فإذا انضم إلى التيمم غسل بعض الأعضاء كان أولى، أن لا تجبل عليه الإعادة، وإن كان على محل الأعضاء ساتر، فنظر إن ألقاه على الطهارة، ففي القضاء قولان: أحدهما: يجب لأنه عذر نادر غير دائم.
وأظهرهما: أنه لا يجب، لحديث جابر في الشّجوج، كما تقدم، ولم يأمره النّبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعادة مع الحاجة إلى البيان؛ ولأن المسح على الخف يغني عن الإعادة مع أنه لا ضرورة إليه، فالمسح على الجَبيرَةِ أولى لمكان الضرورة، وإن إلقاه لا على غير الطهارة، فعليه النزع، إن أمكن، ولا يجوز المسح عليه كما سبق، وإن تعذر النَّزع، مسح وصلى للضرورة، وهل يعيد؟ فيه طريقان: أظهرهما: نعم، لفوات شرط الوضع على الطَّهارة.
والثاني: طرد القولين فيه، وذكر بعضهم أنه إنْ وضع على الطَّهارة فلا يعيد في القديم قولاً واحداً، وفي الجديد: قولان: وإن لم يضع على الطهارة فيعيد في الجديد قولاً واحداً، وفي القديم: قولان، ولا فرق في جَرَيَانِ الخلاف في الإعادة بين أن نقول بوجوب التّيمم مع غسل المقدور عليه، وبين أن لا نوجب التيمم، ويجوز الاقْتِصَار على الغسل، وقد بينا الخلاف فيه في موضعه.
وعن أبي حفص ابن الوكيل 1 أن الخلاف في الإعادة على قولنا: إنه لا يتيمم، أما إذا قلنا: بوجوب التيمم فلا إعادة بلا خلاف، وهذا كله فيما إذا كانت الجَبِيرَة، أو اللَّصُوقُ على غير محل التيمم، فأما إذا كان على محل التيمم وجبت الإعادة لا محالة، لنقصان البدل والمبدل جميعاً كذلك ذكره ابن الصباغ في "الشامل"، وأبو سعيد المتولي في "التتمة".
ومنها التيمم لشدة البرد، فإن اتفق ذلك في السّفر، ففي إعادة الصَّلاة المؤداة به قولان: أحدهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن عمرو بن العاص تيمّم بسبب البرد في غزوة "ذات السَّلاَسل"، وصلى وحكى ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يأمره بالإعادة.
وأصحهما: أنها تجب؛ لأن البرد وإن لم يكن شيئاً نادراً، لكن العجز عما يسخن به الماء، وعن ثياب يدفأ بها مع ذلك نادر، وإن اتفق فإنه لا يدوم، فلا يسقط الإعادة وإن اتَّفَقَ في الحضر، فالمشهور وجوب الإعادة.

وعن أبي الحسن بن القطّان أنه يبنى ذلك على السفر، إن قلنا: يعيد في السَّفر ففي الحضر أولى، وإن قلنا: لا يعيد، ثم ففي الحضر قولان، ونعود إلى ما يتعلق من هذه المسائل بألفاظ الكتاب، ونظمه خاصة.
اعلم أنه أهمل التقسيم الأول الذي حكيناه عن الأصحاب، حيث قالوا: "العذر ينقسم إلى عام ونادر"، ثم قالوا: النَّادر ينقسم إلى دائم، وغير دائم، واقتصر على تقسيم العذر إلى دائم إذا وقع، وإلى غير دائم، ويدخل العام، والنادر في كل واحد من هذين القسمين، إلا أن دوام الوقوع ليس بشرط في قسم العام، بل هو مسقط للقضاء دَام، أو لم يدم، أَلاَ ترى أن حاجة المسافر إلى ما عنده من الماء لِلشُّرْبِ مُسْقِطٌ للقضاء؛ لأنه يعم، ولا يظهر فيها الدوام، والاستمرار بل عدم الماء في السَّفَر ممَّا لا يدوم أيضاً غالباً، فإنه إنْ فقد الماء في مرحلة وجده في المرحلة الأخرى، وإذا كان كذلك فِلِمُضَايق أن يضايق في عدة صلاة المسافر بالتيمم على موجب التقسيم الذي ذكره من القسم الأول، وللمضايقة وجوه أخر، لا نطول بذكرها.
وأما قوله: "فان لم يكن لها بدل، وجب القضاء"، ينبغي أن يعلم بالواو والزاي، لما ذكرنا من القول الذي اختاره المزني.
وقوله: "فصلى فيمن لم يجد ماء، ولا تراباً" بالحاء والواو لمذهب أبي حنيفة، والقول الموافق له كما سبق.
وقوله: "والمصلوب إذا صلى بالايماء" المراد منه المربوط على الخشبة، وليعلم بالواو لما ذكرنا في شَرْحِ المَسْألَةِ.
بقي أن يقال: لم عدّها من قسم ما لا بدل له؟ وهلا جعل الإيماء بدلاً عن الركوع، والسجود؟.
والجواب أن المعنى بالبدل في هذا المقام الشيء المضبوط الذي يعدل إليه العاجزون كلهم، كالتَّيمم مع الوضوء، والإيماء ليس كذلك، بل يختلف بالأحوال، والأشخاص، وله درجات متفاوتة ينتقل المعذور من كل واحدة إلى ما يليها، بحسب الإمكان.
وأما قوله: "ويستثنى عنه صلاة شدة الخوف" فليس المراد الاستثناء من الصورة الأخيرة، هي ما إذا صلّى، وعلى جرحه نجاسة وجدها، بل المراد الاستثناء من أصل هذا القسم، وهو ندور العذر، وعدم البدل، وذلك في الصلاة حالة المسابقة اختلالاً ظاهراً في الأفعال، والأركان، ويحتمل أيضاً كثرة الأفعال، وتلطُّخ السلاح بالدّم، على تفصيل يأتي في موضعه، وليس لها بدل، وإنما احتمل ذلك رخصة بالنص.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 1، ونازع إمام الحَرَمَيْنِ -قدس الله روحه- في كون القتال والنَّجَاسة من الأعذار النادرة، وقال: هو كثير الوقوع في حق

المقاتلة، فعلى هذا صلاة شدّة الخوف غير مستثناة عن هذا القسم.
وقوله: "أو التيمم لإلقاء الجَبِيرَةِ" مطلق لم يفرق بين أن يكون الوضع، والإلقاء على الطّهارة، أولاً [فإن كان على الطهارة فهو] 1 جواب على طريقة ترك القولين في الحالتين، وفي عدّه مسألة الجبيرة من الأعذار التي لا تدوم كلام.
فإن القاضي أبا المحاسن الروياني قال: هي ملحقة بالنادر الذي يدوم، وذكر كثيرون من الأصحاب أن الكثير من جملة الأعذار العامة، وعلى هذا فلا اعتبار بكونه دائماً، أو غير دائم، ولا يستبعدن قولهم: إنه عام فإنه لا يعني بالعموم في هذا الباب، سوى الكثرة، والكَسْرِ؟ والانخلاع كثير ليس بنادر.
وأما قوله: أو تيمم المسافر لشدّة البرد" فَالتَّخصيص بالمسافر يشير إلى أنه لو كان مقيماً وتيمّم لشدة البرد قضى بلا خلاف، وهو الظَّاهر كما تقدم.
قال الغزالي: وَالعَاجِزُ عَنِ السُّتْرَةِ فِي كَيْفِيَّةِ صَلاِتهِ ثَلاَثةُ أوْجُهٍ، فِي وَجْهٍ لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بَلْ يُومِئُ حَذَراً مِنْ كَشْفِ العَوْرَةِ، وَفِي وَجْهِ يُتِمُّ، وَفِي وَجْهٍ يَتَخَيَّرُ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُتِمُّ فَيَقْضِي لِنُدُورِ العُذْرِ وَعَدَمِ البَدَلِ وَإنْ قُلْنَا: يُتِمُّ فَالأَظْهَرُ أنَّهُ لاَ يَقْضِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَ السَّتْرِ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: العاجز عن ستر العورة إذا صلّى عارياً، هل يقضي؟ يبنى ذلك على أنه كيف يصلي، وفيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني: أنه يصلى قاعداً ليكون أقرب إلى التستر، وأبعد عن الهيئة المستنكرة في الصَّلاة، وعلى هذا هل يتم الركوع والسجود أم يقتصر على الإيماء وإدنا الجبهة من الأرض؟ فيه قولان: وأصحهما: أنه يصلّي قائماً، ويتم الركوع والسجود، فإن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه، كيف والقيام والرُّكوع والسُّجود أركان للصلاة، وستر العورة من الشرائط، وإنما اعتبرت الشرائط زينة وكمالاً للأركان، فلا يجوز ترك الأركان لها، هذا نقل المعظم، وهو الظاهر.
وحكى إمام الحرمين بدل القولين، وجهين، ووجهاً ثالثاً، أنه يتخير لتعارض الأمرين، ولزوم أحد الاختلالين، وصاحب الكتاب تابع الإمام فحكى في المسألة ثلاثة أوجه، والمَرْوِيُّ عن أبي حنيفة، وأحمد التَّخْيِيرُ، كما ذكر في الوجه الثالث، فليكن

الوجهان الأولان معلمين بعلامتهما، والخلاف في هذه المسألة يجري في صور.
منها: إذا كان محبوساً في موضع نجس، ولو سجد لسجد على نجاسة، هل يتم السجود أم يقتصر على الإيماء؟ وإذا وجد ثوباً طاهراً لو فرشه لبقي عارياً، ولو لبسه لصلى على نجاسة، ماذا يفعل؟ فيه الخلاف، وإذا وجد العريان ثوباً نجساً، هل يصلي فيه أم يصلي عارياً؟ فيه الخلاف، وإذا عرف ذلك فإن قلنا، في مسألة العاري: إنه لا تتم الأركان، فيقضي على ظاهر المذهب، لندور العذر، وعدم البدل، كمن لم يجد ماء ولا تراباً، فصلى، وفيه الخلاف المذكور في تلك الصورة ونظائرها.
وإن قلنا: تتم الأركان، فهل يقضي؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن العذر نادر، وليس له دوام ولا بدل.
وأظهرهما: لا، ووجهوه بشيئين: أحدهما: أن وجوب السِّتر لا يختص بالصّلاة، فاختلاله لا يقتضي وجوب الإعادة، لكن سياق هذا أن لا يجب القضاء، وإن ترك السّتر مع القدرة كالاحتراز عن المكث في العَرصة 1 المَغْصُوبة لما لم تكن من خاصية الصلاة لم يقتض اختلاله وجوب القضاء، وإن صلى فيه عمداً، وهذا مذهب مالك.
والثاني: أن العري عذر عام، أو نادر إذا اتفق دام فلا توجب القضاء، والطبع لا ينقاد لكونه العري بهذه الصفة، وأطلق قوم من شيوخ الأصحاب كصاحب "التقريب" القول ينفي الإعادة، وهو جواب منهم على ظاهر المذهب، ولا فرق في نفي الإعادة بين أن يكون العاري في الحضر، أو في السّفر، بخلاف المتيمم، لعدم الماء، والفرق أن الثوب في مظنة الضّنّة 2 فقد لا يبذل، وإن كان في الحضر والماء بخلافه، وكل ما ذكرناه فيما إذا اتفق العُري في ناحية لا يعتاد أهلها العُري، فأما إذا صلى عارياً في قوم يعتادون العري، فلا قضاء عليه إذا تحول واكتسى، لعموم العذر، وشيوعه عندهم، لذلك فصل الشيخ أبو محمد.
وذكر إمام الحرمين أنه ساعده عليه كثير من الأصحاب، وهو الذي أورده صاحب الكتاب في "الوسيط" قال إمام الحرمين: والوجه اقطع بأن الذين يعتادون العُرى يتمُّون الركوع والسّجود، فإنهم يتصرفون في أمورهم عراة، فيصلون كذلك، ولا يقضون وجهاً

واحداً، واعلم أنَّ هذا التَّفصيل إنما ينتظم على قول من يعدّ العُرْيَ من الأعذار النادرة، ليصير باعتيادهم ذلك عاماً، فأما من عَدَّهُ من الأعذار العامة على الإطلاق يتجه أن لا يفرق بينهم، وبين غيرهم، -والله أعلم- (1).

بَابُ المَسْحِ عَلَى الْخَفَّيْنِ

قال الغزالي: (وَالنَّظَرُ فِي شُرُوطِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ)، وَلَهُ شَرْطَانِ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَلْبَسَ الخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ مَائِيَّةٍ كَامِلَةٍ قَوِيَّةٍ، فَلَوْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ لَمْ يَصِحَّ لُبْسُهُ حَتَّى يَغْسِلَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَبْتَدِئَ اللُّبْسَ، وَكَذَا لَو صَبَّ المَاءَ فِي الخُفِّ (ح) بَعْدَ لُبْسِهِ عَلَى الحَدَثِ،1

قال الرافعي: عن أبي بكرة أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْهِ أن يمسح عليهما 1. وعن صفوان بن عَسَّال قال: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كنا مسافرين أو سفراً، ألا ننزع خِفَافَنَا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جَنَابَةٍ لكن من غَائِطٍ أو بَوْلٍ أو نَوْمٍ 2، والأحاديث في باب المسح كثيرة، ومن شرط المسح على الخفِّ أن يلبسه، وهو متطهِّر، وعند أبي حنيفة لا يشترط تقديم الطَّهَارة على اللّبس، وإنما المعتبر أن يطرأ الحدث بعد اللبس على طهارة كاملة.
لنا حديث أبي بكرة، وعن المغيرة بن شعبة قال: "سَكَبْتُ الوضوء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما انتهيت إلى رجليه أهويت إلى الخفين لأنزعهما، فقال: دع الخُفَّيْنِ، فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ" 3، علل جواز المسح بطهارتهما عند اللّبس، وإذا كانتا طاهرتين كانت سائر الأعضاء طاهرة؛ لأن التَّرتيب واجب، وغسل الرجل آخر الأركان، ويترتب على هذا الأصل، ما لو غسل إحدى الرجلين، وأدخلها الخُفَّ، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخف، لم يجز المسح عليهما، إذا أحدث؛ لأن أول اللبس تقدم على تمام الطَّهَارة، وإذا كانت الطّهارة شرطاً للبس، يجب تقدمها بكمالها على اللبس، كلما يشترط تقدمها على الصلاة، فلو نزع ما لبسه أولاً، وأعاد اللّبس، وهو على طهارته جاز المسح إذا أحدث لكمال الطهارة حين اللبس المعاد، والآخر ملبوس على كمال الطَّهارة، فقد تحقَّق الشَّرْط فيهما جميعاً.
وعن ابن سريج أنه إذا نزع الأول، وجب نزع الثاني أيضاً، ويستأنف لبسهما ليجوز له المسح؛ لأن حكم كل واحد منهما مرتبط بالآخر، أَلاَ ترى أن نزع أحدهما بعد الحدث يوجب نزع الثاني، ولو لبس الخُفَّين قبل أن يغسل رجليه، ثم صبّ فيهما الماء حتى انغسلتا، لم يجز له المسح، وإن تم وضوءه بما فعل؛ لأنه لبسهما قبل كمال الطَّهارة فإن نزعهما ثم لبسهما فله المسح، إذا أحدث، وعند أبي حنيفة، والمزني له المسح في الصورتين، ولا حاجة إلى النَّزْع.

واعلم أنَّ الاعتبار فيما ذكرنا بحالة استقرار القَدَمَيْنِ في مقرّهما من الخُف، حتى لو أدخل الرجلين في ساق الخف قبل أن يغسلهما، وغسلهما في الساق، ثم أدخلهما موضع القدم جاز له المسح؛ لأنه حين استقرتا في مقرّهما على كمال الطهارة، ولو ابتدأ اللّبس، وهو متطهر، ثم أحدث قبل أن وصلت الرجل إلى قدم الخف، لم يَجُزِ المسح، نص عليه في الأم، وذكر فيه أنه إذا مسح على الخُفَّيْنِ بشرطه، ثم أزال قدمه من مقرها، ولم يظهر من محل الفرض شيء، فلا يبطل المسح، وقياس الأول أن يبطل، لكن الفرق إن الأصل عدم المسح، فلا يباح إلا باللّبس التَّام، وإذا مسح فالأصل استمرار الجواز، ولا يبطل إلا بالنَّزع التام.
ونقل القاضي أبو حامد، أنه يبطل المسح في الصورة الثانية، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري، كما أنه في الابتداء لا يمسح، وفي الصورة الأولى إيضاحه، أنه يجوز المسح إذا ابتدأ اللبس على طهارة، ثم أحدث قبل أن تستقر الرجلان في موضعهما.
وفرض القاضي حسين المسألة، فيما إذا أحدث وقد أدخل بعض قدمه في مقرها، والباقي في ساق الخف.
وقال: اختلفوا في صورتي الابتداء والانتهاء، في أن حكم البعض هل هو حكم الكل أم لا.
وقوله في الكتاب: "على طهارة تامة قوية" لفظ التامة معلم بالحاء والزاي، لما حكيناه، واحترز به عما إذا غسل إحدى رجليه، وأدخلها الخف، ثم الثانية، وأدخلها الخُفِّ، وعما إذا لبسهما ثم صب الماء في الخف حتى انغسلتا ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى قيد التمام، لأن من لم يغسل رجليه، أو إحداهما ينتظم أن يقال: إنه ليس على الطَّهارة، وأما قيد "القوة" فالغرض منه الاحتراز عن طهارة المستحاضة، وما في معناها.
قال الغزالي: وَالْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا لَبِسَتْ عَلَى وُضُوئِهَا لَمْ تَمْسَحْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ طَهَارَتِهَا، وَوُضُوءُ المَجْرُوحِ إِذَا تَيَمَّمِ لِأَجْلِ الجِرَاحَةِ كَوُضُوءِ المُسْتَحَاضَةِ ثُمَّ إِنْ جَوَّزْنَا فَلاَ تَسْتَفِيدُ بِطَهَارَةِ المَسْحِ إلاَّ مَا كانَ يَحِلُّ لَهَا لَوْ بَقِيَتْ طَهَارَتُهَا الأُوْلَى، وَهُوَ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ وَنَوَافِلُ.
قال الرافعي: إذا توضَّأَتِ المُسْتَحَاضة، ولبست الخفين، ثم أحدثت حدثًا غير حدث الاستحاضة، فهل لها أن تمسح على الخف؟ فيه وجهان، نسبهما الشيخ أبو علي إلى تخريج ابن سريج: أحدهما: لا، لأن وضوءها ضعيف ناقص 1، وإنما يجوز المسح بعد طهارة

قوية؛ لأنه ضعيف، فلا يحتمل انضمام ضعف إلى ضعف.
وأصحهما: الجواز، ويروى أن أبا بكر الفارسي حكاه عن نص الشافعي -رضي الله عنه- في عيون المسائل، ووجهه أنها تحتاج إلى اللبس والارتفاق 1 به كغيرها، وأيضاً فإنها تستفيد الصَّلاة بطهارتها، وتستفيد المسح أيضاً، وموضع الوجهين ما إذا لم يقطع دمها قبل أن تمسح، فأما إذا انقطع دمها قبل المَسْحِ، وشفيت نزعت، وأَتَتْ بطهارة كاملة بلا خلاف؛ لأن الطهارة التي ترتب المسح عليها قد زالت بالشّفاء الطارئ، فيمتنح ترتيب المسح عليها، وطرد بعضهم الوجهين هاهنا أيضاً، وجعل انقطاع دمها بمثابة الحدث الطارئ، والمشهور الأول، ثم إذا جوزنا المسح، نظر إن أحدثت قبل أن تصلّي فريضة بطهارتها، مسحت وصلت فريضة، ونوافل، وإن أحدثت بعد ما صلّت فريضة مسحت، ولم تصل به إلاّ النوافل، لأن ما تستفيد بطهارتها فريضة ونوافل، فلا تستفيد بالمسح المترتِّب عليها أكثر من ذلك، ولا يجوز لها استيفاء مدة المسح، بل إذا مسحت وصلت فريضة ونوافل، أو نوافل على اختلاف الحالتين، ثم أرادت قضاء فائته، أو دخل وقت فريضة أخرى، وجب نزع الخف، والوضوء الكامل لتلك الفريضة، وكذلك لو أحدثت حدثاً غير حدث الاستِحَاضة بعد أَنْ صلَّت فريضة ونوافل بالمسح.
وحكى عن تعليق أبي حامد أن لها أن تستوفي مدة المسح، إما يوماً وليلة، وإما ثلاثة أيام ولياليهن، لكن عند كل صلاة فريضة تعيد الطَّهَارة، وتمسح على الخف.
وقال إمام الحرمين في كلامه إلى هذا من جهة المعنى، وقطع بنفيه نقلاً، وفي معنى طهارة المستحاضة، طهارة سلس البول، وكل من به حدث دائم، وكذلك الوضوء المضموم إليه التَّيمم بسبب جراحة، أو انكسار، فيجري فيها الخلاف المذكور في المستحاضة بالاتفاق 2، وإما محض التَّيمم، فهل يستفاد به جواز المسح؟ ننظر إن كان سببه إعْوَاز الماء [فلا، بل إذا وجد الماء] 3 لزمه النزع والوضوء الكامل.
وعن ابن سريج أنه يجوز المسح لفريضة ونوافل، كما ذكرنا في المُسْتَحَاضَة؛ لأن التيمم يبيح الصَّلاة أيضاً فيبيح المسح.
والصحيح: الأول بخلاف طهارة المُسْتَحَاضة؛ لأن التَّيمم طهارة تفيد وتبيح عند الضرورة، ولا ضرورة بعد وِجْدان الماء، فلا سبيل إلى ترتيب المسح عليه، وطهارة المستحاضة لا تتأثر بوجدان الماء، كطهارة غيرها، وإن كان سبب التّيمم شيئاً آخر سوى إعواز الماء، فهو كطهارة المُسْتَحَاضة في جواز ترتيب المسح عليه، فإنه لا يتأثَّر بوجدان

الماء، لكنه ضعيف لا يرفع الحدث كطهارتها، ولا يخفى بعد هذا الشَّرْحِ معنى قوله: "إن جوزنا فلا تستفيد بالمسح إلا ما كان يحل لها" إلى آخره، لكن ظاهر لفظه لا يتناول إلا ما إذا أحدثت قبل أن تُصلِّي الفريضة بطهارتها، فإنها حينئذ تَحِلُّ لها فريضة ونوافل، لو بقيت طهارتها الأولى، أما إذا أحدثت بعد أن تصلي الفريضة، فلا يحل لها، لو بقيت تلك الطهارة إلا النّوافل، والوافي بحكم الحَالَتَيْنِ على النظم الذي ذكره أن يقال في آخره، وهو فريضة واحدة، ونوافل أو نوافل.
قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ المَلْبُوسُ سَاِترًا قَوِيًّا حَلاَلاً فَإِنْ تَخَرَّقَ أَوْ كَانَ دُونَ الكَعْبَيْنِ لَمْ يَكُنْ سَاتِرًا وَالمَشْقُوقُ القَدَمِ الَّذِي يُشَدُّ مَحَلُّ الشَّقِّ مِنْهُ بِشَرَجٍ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالقَوِيُّ مَا يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ فِي المَنَازِل، لاَ كَالجَوْرَبِ وَاللِّفَافِ وَجَوْرَبِ الصُّوفِيَّةِ، وَالمَغضُوبُ (و) لاَ يَجُوزُ الَمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ المَسْحَ لِحَاجَةِ الاسْتِدَامَةِ وَهُوَ مَأمُورٌ بِالنَّزْعِ.
قال الرافعي: اعتبر في الملبوس ثلاثة أمور: أحدها: أن يكون ساترًا لمحل فَرْضِ الغسل من الرِّجْلَيْنِ، فلو كان دون الكعبين لم يَجُزِ المسح عليه؛ لأن فرض الظاهر الغسل، وفرض المستور المسح، ولا صائر إلى الجمع بينهما، فيغلب حكم الغسل، فإنه الأصل، ولهذا لو لبس أحد الخُفَّيْنِ لم يَجُزِ المسح له، ولو كان الخُفُّ مُتَخَرِّقًا.
ففيه قولان: القديمِ وبه قال مالك: إنه يجوز المسح عليه ما لم يتفاحش الخرق، لأنه مما يغلب في الأسْفَارِ، حيث يتعذَّر الإصلاح، والخرز فالقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة، فوجب أن يسامح، وعلى هذا فما حد الفاحش منه.
قال الأكثرون: ما دام يتماسك في الرجل، ويتأتى المشي عليه، فهو ليس بفاحش، وقال في "الإفصاح": حده ألا يبطل اسم الخُفِّ، والقول الجديد: أنه لا يجوز المسح عليه قليلاً كان التَخَرُّق، أو كثيراً، لأن بعض محل الفرض غير مستور، ومواضع الخرز التي تَنْسَدُّ بالخيوط أو ينضم لا عبرة بها، فإن لم تكن كذلك، وظهر منها شيء لم يَجُزِ المسح أيضاً، ولو تخرقت الظّهارة 1 وحدها، أو البِطَانَة وحدها جاز المسح؛ إن كان ما بقي صَفِيقاً، وإلا فلا يجوز في أظهر الوجهين، وعلى هذا يقاس ما إذا تخرَّقَ من الظّهارة موضع، ومن البطانة موضع لا يحاذيه، والخف المشقوق القدم إذا شد منه محل الشق بالشَّرج إن كان يظهر منه شيء، مع الشد فلا يجوز المسح عليه، وإن لم يظهر منه شيء فَوَجْهَان:

أحدهما: لا يجوز أيضاً، كما لو لف قطعة أدم على القدم وشَدَّها، لا يجوز المسح عليها.
وأظهرهما: ونقله الشيخ أبو محمد عن نصّه، أنه يجوز لحصول الستر به، وارتفاق المشي فيه، فلو فتح الشرج بطل المسح، وإن لم يظهر شيء؛ لأنه إذا مشى فيه ظهر.
وليكن قوله في الكتاب: "فلو تخرّق" معلماً بالواو والميم، لما ذكرنا، وبالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة إن كان الخرق بحيث يبين منه قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل، لم يَجُزِ المسح عليه، وإن كان أقل جاز.
الثاني: أن يكون قوياً، والمراد منه كونه بحيث يمكن متابعة المشي عليه، لا فرسخاً ولا مرحلة؛ بل قدر ما يحتاج المسافر إليه من التردّد في حَوَائِجِهِ، عند الحطّ والتّرحال، فلا يجوز المسح على اللَّفائف، والجَوَارب المُتَّخذة من الصُّوف، واللّبد 1؛ لأنه لا يمكن المشي عليها، ويسهل نزعها، ولبسها بلا حاجة إلى إدامتها في الرّجل؛ ولأنها لا تمنع نفوذ الماء إلى الرجل، ولا بُدَّ من شيء مانع على الأصح، كما سيأتي، وكذلك الجوارب المُتَّخذة من الجلد التي تلبس مع الكعب، وهي جورب الصُّوفية، لا يجوز المسح عليها، حتى تكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها، وتمنع نفوذ الماء، إن اعتبرنا ذلك، إما لصفاقتها، أو لتجليد القدمين، والنعل على الأسفل أو الإلصاق بالكعب، وحكى بعضهم أنها وإن كانت صفيقة ففي اشتراط تجليد القدمين قولان: وعند أبي حنيفة لا يجوز المسح على الجوربين، وإن كانا صفيقين حتى يكونا مجلدين أو منعلين وخالفه صاحباه فهذا إذا تَعَذَّر المَشْيُ فيه لضعف الملبوس في نفسه.
ولو تعذر المشي فيه لِسِعَتِهِ المُفرطة أو لثقله أو لِضِيْقِه ففي جواز المسح عليه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه في نفسه صالح للمشي عليه ألا ترى أنه لو لبسه غيره لارتفق به.
وأصحهما: لا يجوز، لأنه لا حاجة له في إِدَامَةِ مثل هذا الخف في الرِّجل ولا فائدة له فيه، ولو تعذَّر المشي فيه لثقله أو غلظه كما إذا اتخذ خفاً من خَشَبٍ أو حديد وهو بحيث لا يمكن المشي عليه، فلا يجوز المسح عليه، كما لو تعذَّر المشي فيه لضعفه وكذلك لو كان المتخذ من الخشب محدد الرأس لا يثبت مستقراً على الأرض ولو كان المتخذ من الخشب والحديد لطيفاً يتأتى المشي فيه جاز المسح عليه.

هذا قضية ما ذكره الجمهور تصريحاً وتلويحاً.
وذكر إمام الحرمين وصاحب الكتاب في "الوسيط": أنه يجوز المسح على الخف من الحديد وإن عسر المشي فيه، فإن ذلك ليس لضعف الملبوس وإنما هو لضعف اللابس ولا نظر إلى أحوال اللابسين فإنه لا ينضبط.
الثالث: أن يكون حلالاً فالخف المغصوب والمسروق في جواز المسح عليه وجهان: قال صاحب "التلخيص": لا يجوز، لأن المسح عليه لحاجة الاستدامة وهو مأمور بالنزع والرَّفْض ولأن لبسه معصية والمسح رخصة والرُّخْصُ لا تُنَاطُ بالمعاصي.
وقال أبو علي الطبري: والأكثرون يجوز كالوضوء بالماء المغصوب والصلاة في الثوب المغصوب.
ولو اتخذ من الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ خفًّا فجواز المسح عليه على أحد 1 الوجهين، وإيراد صاحب "التهذيب" يشعر بالمنع جزماً والأول أقرب ولعلك تقول أول كلام صاحب الكتاب يقتضي اشتراط الحل جزماً حيث.
قال: الشرط الثاني أن يكون الملبوس ساتراً قوياً حلالاً وبالآخرة 2 ذكر وجهين في المسح على الخُفّ المغصوب ثم الأظهر منهما في المذهب جواز المسح عليه فينحذف القيد الثالث عن درجة الاعتبار ولا يلائم آخر الكلام أوله، فاعلم أن الضَّوابط في المَذْهَب تذكر كالتَّرَاجم لما قيل باعتباره وفاقاً أو خلاقاً، والاعتماد على ما يذكر من التفصيل آخرًا وكثيرًا ما ينحذف بعض القيود على الأظهر إلا أنه يذكر لمعرفة الخلاف، لكن هاهنا صورة أخرى تقتضي التَّعرض لهذا القيد واعتباره، وإن جوَّزنا المسح على الخف المغصوب والمسروق وهي ما إذا اتَّخذ خُفًّا من جلد الكَلْبِ أو جلد الميتة قبل الدِّبَاغ فهذا الجلد لنجاسة عينه لا يحل استعماله في البدن باللبس وغيره على أصح القولين، وقد نص في الأمِّ على أنه لا يجوز المسح عليه، لأنه لا يمكن الصَّلاَة فيه، وفائدة المسح وإن لم تنحصر في الصَّلاَة إلا أن المقصود الأصلي الصَّلاة وما عداها فالتَّابع لها وأيضاً فإن الخُفَّ بدل عن الرجل ولو كانت الرجل نجسة لم تغسل عن الوضوء ما لم تطهر عن النجاسة فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين ولا يعود الخلاف في هذه الصورة.
واعلم أنه يعتبر في الملبوس وراء الصفات الثلاث المذكورة في الكتاب صفات أخر: إحداها: أَنْ لا يتعذَّر المشي عليه بسبب السّعة المفرطة أو الضّيق المفرط أو بسبب الثقل أو الاحتداد كما سبق.

جارٍ التحميل