العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 43-65

التَّقْدِيرِ الشَّرْعِي؛ لأن التقدير إنما أثبته الشرع في الجِنَايَاتِ، والأعواض تتقسط بعضها على بعض باعتبار القيمة.
ولو اعتبرنا في حقه المقدر، لزمنا أن نقول: إذا قطع الجاني يديه وغرم تمام القِيمَة يرجع البائعُ إلى العَبْدِ مع تمام القِيمَة، أو تمام الثمن، وهذا محالٌ فننتظر فيما انتقص من قيمته بقطع اليدين، ونقول: يضارب البَائِعُ الغرماءَ بمثل نسبته من الثَّمَنِ، ولو قطع إحدى يَدَيْهِ، وغرم نِصْفَ القِيمَةِ، وكان النَّاقِصُ في السوق ثُلُثُ القيمة، يُضَارِبُ البَائِعُ بثلث الثَّمَنِ، ويأخذه، وعلى هَذَا القِيَاسُ.
وإن كان الجَانِي البَائِعُ فهو كما لو كان الجاني أجنبياً، لأن جنايته جناية على ما ليس بِمَمْلُوكَ لَهُ، ولا هو في ضَمَانِهِ.
وإن كان الجَانِي المشتري فطريقان: أظهرهما: عند الإمام: أن جنايته كجناية الأجنبي أيضاً، لأن إتْلاَفَ المُشْتَرِي قَبْضٌ، واسْتيقَاءٌ مِنْه على ما مَرَّ في موضعه، وكأنه صرف جزءاً من المَبِيعِ إِلَى غَرَضِهِ.
والثَّانِي: أن جناية كَجِنَايَةِ البَائِعِ على المبيع قَبْل القَبْضِ، منْ حيث أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْهُ غير مقر في يَدهِ، فعلى هذا يَحْصُل في جنايته قولان: أحدهما: أنها كجناية الأجنبي.
وأصحهما: أنها كالآفة السَّمَاوِيَّةِ، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ولا يَخْطُر بِالْبَالِ أن حق تشبيه جناية المشتري هاهنا بجناية البَائِع قبل القَبْضِ تشبيه جناية البائع هاهنا بجناية المُشْتَرِي، حتى يقال: كأنه استرجع بَعْض البيع، إذ ليس له الفسخ والاسترجاع إلا بعد حَجْرِ الحَاكِمِ عَلَيْهِ، وليس قبل الحَجْرِ حَقُّ ولا ملك.
قال الغزالي: وَإِنْ تَغَيَّر بِفَوَاتِ بَعْضِ المَبِيع كَأَحَدِ العَبْدَيْنِ إِلَى القَائِمِ وَضَارَبَ بِثَمَنِ التَّالِفِ، وَنُقْصَانُ وَزْنِ الزَّيْتِ بالإِغْلاَءِ تَغَيُّرُ صِفَةٍ أُوْ تَلَفُ جُزْءٍ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِىُّ: الضرب الثاني: نقصان ما يقسط الثَّمن عَلَيْهِ، ويصح إفراده بالعَقْدِ، كما لو اشترى عبدين أو ثوبين فتلف أَحَدُهُمَا في يَدِ المُشْتَرِي ثم أفلس، وحجر عليه، فللبائع أن يأخذ البَاقِي بحصَّتِهِ من الثَّمَنِ، ويضارب مع الغُرَمَاء بحِصَّتِهِ عَنِ التَّالِفِ، بل لو بقي جَمِيعُ المَبِيعِ وأراد البائعُ فسخَ البَيْعِ في نصفه مُكِّن منه؛ لأنه أَنْفَعُ لِلْغُرَمَاءِ مِنَ الفَسْخِ في الكُلِّ، فهو كما لو رَجَعَ الأبُ في نصف ما وَهَبَ يجوز، وعن القاضي أَبِي حَامِدٍ، وَأَبِي الحُسَيْنِ أن من الأصحاب من ذكر قولين في أنه إذا أخذ الباقي يأخذه بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، أوَ يأخذه بِجَمِيِع الثَّمَنِ ولا يُضَارِبُ بشَيْءٍ، وذكر الإمام أن أصحاب هذه الطَّرِيقة طردوها في كل مَسْألَةٍ تُضَاهِيهَا، حتى لَوْ بَاعَ سَيْفاً وشقصاً بِمَائَةٍ، يأخذ الشقص بجميع المِائَةِ عَلَى قَوْلٍ، قال: وهذا عِنْدِي قَريبٌ مِن خَرْقِ الإِجمَاعِ.

هذا إذا تلف أحد العبدين ولم يقبض شيئاً من الثمن أما إذا باع عَبْدَيْنِ متساويين في القِيمَةِ بِمِائَة وقبض خمسين، فتلف أَحَدُهُمَا في يَدِ المُشْتَرِي، ثم أفْلَسَ فقولان: القديم: أنه لا رُجوعَ لَهُ إلَى العَيْنِ، بل يضارب بِبَاقِي الثَّمَنِ مع الغُرَمَاء، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:"أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ مَتَاعاً فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الْبَائِعُ منْ ثَمَنِهِ شَيْئاً فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" 1 وإن كان قد اقتضى من ثمنه شيئاً، فهو أسوة الغرماء.
والجديد: أنه يرجع، واحتج له بأن الإِفْلاَسَ سَبَبٌ يعود بِهِ كُلُّ العَيْنِ إليه، فجاز أن يعود بعضُه كالفرقة في النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ يُرَدُّ بِهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ إلى الزَّوْج تَارَةً، وبعضُه أُخْرَى، وأما الحديث فهو مُرْسَل 2، وعلى هذا فيما يرجع؟ نص في "الأَم": أنه يرجع في جَمِيع العَبْدِ البَاقِي بما بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ، وله فيما إذا أصْدَقَهَا أرْبَعِينَ شَاةً، وحَالَ عليها الحَوْلُ، فَأخرجت شَاةً، ثم طلقها قبل الدُّخُولِ قولان: أحدهما: يرجع بأربعينَ شَاةً: وهو قياس نصه هاهنا.
والثاني: أنه يأخذ نِصْفَ المَوْجُودِ، وَنِصْفَ قِيمةِ الشَّاةِ المُخْرَجَةِ، واختلفوا هاهنا على طريقين: أحدهما: تخريج القول الثاني، وطرد القولين هاهنا وعلى هذا.
أحدهما: فأظهرهما: أنه يأخذ جَمِيعَ العَبْدِ البَاقي بِمَا بَقِيَ مِنَ الثَّمَنِ.
ويجعل ما قبضه من الثمن في مقابلة التَّالِف، كما لو رَهَنَ عَبْدَيْنِ بِمِائَةٍ وأخذ خَمْسِين، وتلف أحَدُ العَبْدَيْنِ، كان الآخَرُ مَرْهُوناً بِمَا بَقِيَ مِنَ الدَّيْنِ، والمعنى الجامع: أن له التَّعَلّق بِكُلِّ العَيْنِ إذا بقي كُلُّ الحَقِّ فيثبت له التعلق بِالْبَاقِي مِنَ العَيْنِ للباقي مِنَ الحَقِّ.
والثاني: وهو اختيار المُزَنِي: أنه يأخذ نِصْفَ العَبْدِ البَاقِي بنصف البَاقِي من الثَّمَنِ، ويضارب الغرماء بِنِصْفِهِ؛ لأن الثمن يتوزع على المَبِيعِ بالمقبوض، والبَاقِي يتوزع كُلَّ وَاحِدٍ منهما على العَبْدَيْنِ.

والطريق الثاني: القطع بالمَنْصُوصِ، والفرق بينه وبين الصدَّاق أن الزَّوْجَ إذا لم يرجع إِلَى عَيْنِ الصَّدَاقِ أخذ القِيمَةَ بتَمَامِهَا، والبائع هاهنا لا يأخذ الثَّمَن، بل يحتاج إلى المُضَارَبَة، ولو قبض بَعْضَ الثَّمَنِ، ولم يتلف شَيْءٌ من المبيع، ففي الرُّجُوع القَوْلاَنِ: القديم، والجديد، وعلى الجديد: يرجع إلى المَبيع بِقِسْطِ البَاقِي من الثَّمَنِ، فلو قبض نِصْفَ الثمن رجع في نِصْفِ العَبْدِ المبيع، أو العَبْدَيْنِ المَبِيعَيْنِ.
فرعان: أحدهما: قد ذكره في الكتاب.
إذا أغلى الزيت المبيع حتى ذهب بَعْضُه، ثم أفلس، فَوَجْهَان: أحدهما: أنه كما لو تَعَيَّبَ المبيع، وكان الزَّائِلُ صِفَة التفل، فعلى هذا يرجع إليه ويقنع به.
وأصحهما: أنه بمثابة تَلَفِ بَعْضِ المبيع، كما لو أنضب، فعلى هذا لو ذَهَب نِصْفُه أخذه بِنِصْفِ الثَّمن، وضارب مع الغُرَمَاءِ بالنصف، وإن ذهب ثلثه أخذ بِثُلثَيِ الثمن، وضارب مَعَهُمْ بالثُّلُثِ، ومن قال بالوجه الأول فالشَّرْطُ أن يطرده في إغلاء الغَاصِب الزّيْت المَغْصُوب، وليس له ذِكْرٌ هناك، بل لم يتعرض له المعظم هاهنا واقتصروا على الوجه الثاني، نعم، لو كان مكان الزيت العصير، فقد أجابوا هاهنا وفي الغَصْب بوجهين، وَرَجَّحُوا التسوية بينه وبين الزيت، ووجه الفرق أن الذَّاهِبَ من العصير ماء لا مَالِيَّةَ لَهُ، والذَّاهِبُ من الزيت متمول، وإذا قلنا بالتسوية فلو كان العَصِير المبيع أربعَة أَرْطَالٍ، قيمتها ثَلاَثَةُ دَرَاهِم، فأغْلاَها حَتَّى عادت إلى ثلاثة أرْطَالٍ، فيرجع إلى الباقي، ويضارب بِرُبُعِ الثَّمَنِ للذَّاهِبِ، ولا عبرة بِنُقْصَانِ قِيمَةِ المغلي، كما إذا عادت قيمته إلى دِرْهَمَيْنِ، وإن زادت قيمته بأن صارت أربعة فيبنى على أن الزيادة الحَاصِلة بالصفة أثر أم عين.
إن قلنا: أثر فَازَ البَائِعُ بِمَا زَادَ: وإن قلنا: عين، فعن القَفَّالِ: أن الجواب كذلك، وعن غيره أن المُفْلِسَ يكونُ شَرِيكاً لَهُ بالدراهم الزائدة وإن بقيت القيمة ثلاثة كما كانت فيكون بقاؤها بِحَالِهَا مع نقصان بعض العين؛ لازدياد البَاقِي بالطَّبْخِ، فإن جعلنا هذه الزِّيَادَةَ أثراً فَازَ البَائِعُ، وإن جعلناها عَيْناً فكذلك عند القَفَّالِ، وقال غيره: يكون المفلس شريكاً بثلاثة أرباع دِرْهَمٍ؛ لأن هذا القَدْرُ هُوَ قِسْطُ الرَّطْلِ الذَّاهِبِ، وهو الذي زَادَ بالطَّبْخِ في البَاقِي، هذا مَا يستمر على القَواعِدِ، ولصاحب "التلخيص" في المسألة كلام غَلَّطُوهُ فيه.
الفرع الثاني: لو كان المبيع داراً فانْهَدَمَتْ، ولم يهلك شيء من النقض، فهذا النقصان من قَبِيل الضَّرْبِ الأول كالعمى ونحوه.

ولو هلك بعضه بإحراق أو غيره فهو من الضرب الثاني هكذا أطلقوه، ولك أن تقول: وجب أن يطرد فيه الخِلاَف الذي ذكرناه في تلف سَقْفِ الدَّارِ المَبِيعَةِ قبل القبض، أنه كالتعيب أو تلف أحد العبدين.
قال الغزالي: أَمَّا التَّغَيُّرُ بِالزِّيَادَةِ فَالمُتَّصِلَةُ من كُلِّ وَجْهٍ لاَ حُكْمَ لَهَا بَلْ تُسَلَّمُ لِلبَائِعِ مَجَّاناً، وَالمُنْفَصِلَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالوَلَدِ لاَ يَرْجِعُ فِيهِ وَلَكِنْ إنْ كَانَ صَغِيراً فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْذُلَ قِيمَةَ الوَلَدِ حَذَراً مِنَ التَّفْرِيقِ، فَإِنْ أَبى بَطُلَ حَقُّهُ عَلَى رَأَى مَنْ رَأَيِ الرُّجُوعَ (و)، وَبِيعَتِ الأُمُّ وَالوَلَدُ عَلَى رَأْيِ، وَصُرِفَ إِلَيْهِ نَصِيبُ الأُمِّ عَلَى الخُصُوصِ، وَإذَا تَفَرَّخَ البَيْضُ المُشْتَرَي أَوْ نَبَتَ البِذْرُ بِالزِّرَاعَةِ فَقَدْ فَاتَ المَبِيعُ عَلَى الأظْهَرِ (و) وَهَذَا مَوْجُودٌ جَدِيدٌ.
قال الرِّافِعِيُّ: القسم الثاني: التغير بالزِّيَادَةِ، وهي نوعان: أحدهما: الزيادَةُ الحَاصِلَةُ لأمْرٍ خَارِجٍ، وهي على ثلاثة أضرب: أحدها: المُتَّصِلَة منْ كُلِّ وَجْهِ كالسِّمَنْ، وتعلم الحِرْفة، وكِبَرِ الشَّجَرَةِ، فلا عبرة بها، وللبائع الرّجُوع من غير أن يلتزم بالزيادة شيئاً، وعلى هذا حكم هذه الزيادة في جميع الأبْوَاب إلا في الصَّدَاقِ، فإن الزَّوْجَ لا يرجع إذا طَلَّقَ قبل الدُّخُولِ إلى النِّصْفِ الزائد إلا بِرِضَى المَرْأةِ، وسبب مفارقة سَائِرِ الأصُولِ يُذْكَرُ هُنَاكَ.
والثَّانِي: الزيادة المنفصلة من كل وَجْهٍ كثمرة الشَّجَرَةِ واللبن والولد، فيرجع في الأَصْلِ، وتسلم الزوائد للمُفْلِس، نعم، لو كان الولدُ صَغِيراً فوجهان: أحدهما: أنه إن بذل قيمة الولد أخذه مع الأم، وإلَّا ضَارَبَ بِالثَّمَنِ، وبطل حَقُّه مِنَ الرُّجُوعِ؛ لامتناع التفريق.
وأصحهما: أنه إن بذل قيمتَهُ فَذَاكَ، وإلا بيعَا معاً، وصرف ما يخص الأم إلى البائع، وما يخص الولدَ إِلى المُفْلَس، وهاهنا مباحثة وهي: أنا ذكرنا وجهين فيما إذا وجد الأم مِعَيبة وهناك وَلَدٌ صَغيرٌ، أنه يترك الرّد وينتقل إلى الأرش، ويحتمل التفريق للضَّرورة، وفيما إذا رهن الأم دون الولد أنهما يباعان معاً، ويحرم التَّفْرِيق، ولم يذكروا فيما نحن فيه احتمال التفريق، وإنما احتالوا في دُفْعِهِ، فيجوز أن يقال: يجيء وجه في التفريق هاهنا أيضاً، لكنهم لم يذكروه اقتصاراً على الأَصَحِّ، ويجوز أن يفرق بأن مَالَ المُفْلِسِ كُلَّه مَصْرُوفٌ إلى الغُرَمَاءِ، فلا وجه لاحتمال التفريق مع إمكان المحافظة على جَانِبِ الرَّاجِعِ، وكون ملك المفلس مزالاً من الأَوَّلِ 1، ولو كان المبيع بذراً فزرعه

المشتري ونبت، أو بيضة فتفرخت في يَدِهِ، ثم أفلس فوجهان: أحدهما: أنه ليس له الرُّجوع إِلَيْهِ؛ لأن المبيع قد هَلَكَ، وهذا شَيْءٌ جديد له اسم جديد.
والثاني: يرجع؛ لأنه حَدَثَ منْ عَيْنِ مَالِهِ، أو هو عَيْنُ مَالِهِ اكتسب هيئةً أُخْرَى، فصار كالوَدِيّ 1 إذا صار نَخْلاً.
والوجه الأول هو اختيار صَاحِبِ الكِتَاب، وبه قال القاضيان ابْنُ كِجٍّ، وأبو الطَّيِّب، والأصح عند أصْحَابِنَا العراقيين، وصاحب"التهذيب" الوجه الثاني، وسترى في كتاب الغصب ما يؤيده، ويجري مثل هذا الخِلاَف في العَصِير إِذَا تَخَمَّرَ في يَدِ المُشْتَرِي ثم تَخَلَّل.
ولو اشترى زرعاً أخضر مع الأرض ففلس وقد اشتد الحَبُّ فقد قيل: بِطَرْدِ الوَجْهَيْنِ، وقيل: بالقطع بالرجوع.
واعلم أنا إذا قلنا: بثبوت الرجوع في هذه الصورة، جعلنا هذه التغييرات من القسم الذي نَحْنُ فيه، وإذا لم نقل بثبوته جعلنا هذه التغييرات خارجةً عن الأقسام المَذْكُورَةِ.
والتقسيم الحاوي لها أن يقال: التغيير ينقسم إلى ما يقلب المبيع عما هو عليه ويجدد اسماً ومسمى، وإلى غيره، وفيه تقع الأقسام المَذْكُورة.
قال الغزالي: وَإِنْ كَانَتِ الجَارِيَةُ المَبِيعَةُ حَامِلاً فَوَلَدَتْ قَبْلَ الرُّجُوعِ فَفِي تَعَلُّقِ الرُّجُوعِ بِهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ حَبَلَتْ بَعْدَ البَيْعِ فَالصَّحِيحُ تَعَدِّي الرُّجُوعِ إلَى الجَنِينِ، وَحُكْمُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ التَّأَبِيرِ حُكْمُ الجَنِينِ وَأَوْلَى بِالاسْتِقْلاَلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الضرب الثالث: الزيادة المتصلة مِنْ وَجْهٍ دون وجه كالحمل، ووجه اتصاله ظاهر، ووجه انفصاله استقلاله وانفراده بالحياة والمَوْتِ، وكثير من الأحكام.
وجملة القول فيه: أنه إن حدث الحَمْلُ بعد الشِّرَاء وانفصل قَبْلَ الرجوع، فحكم الولد مَا مَرَّ في الفصل السابق، وإن كانت حاملاً عند الشِّرَاءِ وعند الرجوع جميعاً فَهُوَ كالسِّمَنِ، ويرجع البَائِعُ فيها حَامِلاً، وإن كانت حاملاً عند الشِّرَاء وولدت قَبْلَ الرجوع ففي تعدي الرّجوع إلى الوَلَدِ قولان، بناهما الأصحاب على الخلاف في أن الحَمْلَ هل يُعْرَف أم لا؟ = الرَّهْن وقالوا: ليس هو بصحيح إذا لا ضرورة وفرقوا بما سبق فمحصل أن دعوى الإمام الرافعي ليست بمقبولة.
ينظر الروضة 3/ 394.

إن قلنا: نعم، وهو الأصح، رجع كما لو اشترى شيئين.
وإن قلنا: لا، بقي الولد للمفلس، وربما وجه قول التعدي بأن الولد كان موجوداً عند العقد، ملكه المشتري بالعقد، فوجب أن يرجع إلى البَائع بالرّجوع، وقول المنع: بأنه ما لم ينفصل تابع ملحق بالأعْضَاءِ، فكذلك تبع في البيع، أما عِنْدَ الرجوع فهو شَخْصٌ مستقل بنفسه فيفرد بالحكم، وكأنه وجد حين استقل، وإن كانت حائِلاً عند الشراء حاملاً عند الرجوع، فقولان مُوَجَّهَانِ بطريقين: أشهرهما: البناء على أن الحَمْلَ هل يعرف؟ إن قلنا: لا، أخذها حاملاً.
هان قلنا: نعم، ففي "التهذيب" وجه: أنه لا رجوع له، ويضارب مع الغُرَمَاءِ بالثمن والأصح: أنه له الرجوع في الأم، ولا حق له في الوَلَدِ، كما لو كان منفصلاً.
والثاني: توجيه تعدي الرجوع إلى الولد لأن العمل يتبع الجارية حَالَ البَيْعِ، فكذلك في حَالِ الرجوع، وتوجيه المنبع: لأن البائع يرجع إلى مَا كَان عِنْدَ البَيْعِ، أو حدث فيه من الزيادات المُتَّصِلَة، ولم يكن الحَمْلُ موجوداً، ولا سبيل إلى غيره من الزيادات المنفصلة، لاستقلاله وانفراده بكثير من الأحْكَام، ثم قضية المأخذ الأول: أن يكون الأصح اختصاص الرجوع بالأُمّ؛ لأن الأصَحَّ: أنَ الحملَ يُعْرَف، وكذلك ذكر بعض شَارِحي"المفتاح"، إلا أن الأكثرين مَالُوا إلى تَرْجْيحِ القَوْلِ الآخر، كما رُجَّحَهُ صَاحِبُ الكِتَاب، وذكروا أنه المَنْصوص، فليوجه بالمَأْخَذِ الثَّانِي، إذا قلنا باختصاص الرجوع بالأم، فقد ذكر الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ أنه يرجع فيها قبل الوضع، فإذا ولدت فالوَلَدُ لِلْمُفْلِسِ، وقال الصَّيْدَلاَنِيُّ وغَيْرُهُ: يصبر إلى انفصال الولد، ولا يرجع في الحَالِ، ثم الاحتراز عن التفريق بَيْنَ الأم والولد طريقة مَا مر 1. واعلم أن استتار الثمرة بالأكمة وظهورها بالتَّأْبِيرِ قريبان من استتار الجنين وظهوره بالانفصال، وفيها الأحوال الأربع المذكورة في الجنين: أولها: أن يشتري نخيلاً عليها ثمرة غير مُؤَبَّرة، وكانت عِنْدَ الرجوع غير مُؤَبَّرَة.

وئانيها: أن يشتريها ولاَ ثِمَارَ عليها غَيْر مؤبرة ثم كانت لها ثمار عِنْدَ الرُّجُوعِ مؤبرة أو مدركة أو مجذوذة، فالحُكْمُ فِيهَا كما ذكرنا في الحَمْلِ.
وثالثها: إذا كانت ثَمَرَتْهَا عِنْدَ الشَّرَاءِ غَيْرَ مؤبرة، وعند الرجوع مؤبرة، فطريقان: أحدُهُمَا: أن أَخْذَ البَائِع الثمرة على القولين في أَخْذِ الوَلَدِ إذَا كَانَتْ حَامِلاً عند البَيْعِ ووضعت قبل الرجوع.
والثاني: القطع بأنه يأخذ الثمرة؛ لأنها وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَتِرَةً فهي مشاهدة موثوق بها، قابلةٌ للإفراد بالبيع، فكانت أحد مقصودي العقد، فيرجع فيها رجوعه في النخيل، وإن شِئْتَ عَبَّرْتَ عن الطريقين بأنا إن قلنا: يأخذ الولد فالثَّمَرةُ أوْلَى بالإِخْذِ، وإلا فالقَوْلاَنِ.
وَرَابِعُهَا: إذا كانت النَّخْلَةُ حَائِلاً عند الشِّراء، فأطلعت عِنْدَ المُشْتَرِي، ثم جاء وَقْتُ الرُّجُوع وهي غير مُوبَّرَةٍ فقولان.
رواية الربيع: أنه لا يأخذ الطَّلع؛ لأنه يَصِح إفراده بالبيع، فلا يجعل تَبَعاً كالثمار المُؤَبَّرَةِ.
ورواية المُزَنِيّ، وحرملة: أنه يأخذه مع النَّخِيلِ؛ لأنه تبع في البَيْعِ، فكذلك في الفَسْخِ، وفيه طَرِيقَةٌ أُخْرَى قَاطِعَةٌ: بأنه لا يأخذ الطَّلْعُ؛ لما ذكرنا من الوُثوقِ به واستقلاله، قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وعلى هذا القِيَاس أمر الثَّمرة التي لم تُؤَبَّر، فحيث أزال المِلْك باختياره بعوض استتبع مَا لَمْ يؤبر من الثّمار، وإن زَال قهراً بعِوَضٍ فهو كما في الشفعة، والرَدِّ بالعَيْبِ، فالاستتباع عَلَى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ.
وإن زَال لا بعوض اختياراً أو قهراً كما في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ، ففيه القَوْلاَنِ.
وقوله في الكتاب: (وحكم الثمرة قبل التأبير حكم الجنين وأولى بالاستقلال) يشير إلى طريقة القَطْعِ في الثمار تارة بالإثْبَات، وأخرى بالنَّفْي كما بيناه، وحكم سَائِرِ الثَّمَارِ وما يلتحق مِنْهَا بالمؤبر، وما يَلْتَحِق بغير المُؤَبَّرَةِ قد اتضح في البَيْعِ، ويتفرع على منقول المُزَنِي، وهو الأظْهَر: أنه لو جرى التَّأْبير وفسخ البائع البيع ثم قال البائع: فسخت قبل التأبير والثَّمار لي، وقال المُفْلِسُ: بل بعده، فالقول قول المُفْلِسِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأن الأَصْلَ عدم الفَسْخ حِينَئِذٍ، وبقاء الثَّمَارِ لَهُ، وعن أبي الحُسَيْنِ: أن بعضهم ذَكَر قولاً آخر: أن القولَ قولُ الَبَائِع؛ لأنه أعرف بتصرفه 1، وقال المَسْعُودِيُّ: يخرج قول أن

المفلس يقبل قوله من غير يمين، بناء على أن النكول ورد اليمين كالإقرار، وأنه لو أَقَرَّ لما قُبِلَ إِقْرَرُةُ، والمذهب الأول، وإنما يحلف على نفي العِلْم بِسَبْقِ الفَسْخِ على التأبير، لا على نفي السَّبْقِ 1. فإن حلف بَقِيَت الثَّمارُ لَهُ، وإن نَكَلَ فَهَلْ لِلْغرَمَاءِ أن يُحْلِفُوا، فيه الخلاف المَذْكُور فيما إذا ادعى المفلس ديناً عَلَى غَيْرِهِ وأقام شاهداً ولم يحلف معه هل يحلف الغرماء؟ فإن قلنا: لا يَحْلِفون وهو الأصح أو قلنا: يَحْلِفُون فنكلوا، عرضت اليمين على البَائِع، فإن نَكَل فهو أَحَّقُّ كما لو حلف المُفْلس، وإن حَلَفَ فإن جَعَلْنَا اليمين المَرْدُودَةَ بَعْدَ النُّكُولِ كَالْبَيِّنَةِ، فالثَّمَارُ لَهُ وإن جعلناه كَالإقْرَارِ فيخرج على القَوْلَيْنِ في قبول إقرار المُفْلِس في مزاحمة المقر له للغُرَمَاءِ، فإن لم يقبله صرف الثمار إلى الغُرَمَاءِ كَسَائِرِ الأمْوَالِ، فإن فضل شَيْءٌ أَخَذَهُ البَائِعُ بِحَلِفِهِ.
هَذَا إِذَا كَذَّبَ الغُرَمَاءُ البائع كما كذبه المفلس، وإن صَدَّقُوه لم يقبل إقرارهم على المُفْلِسِ، بل إذا حلف بَقِيَتِ الثَّمَارُ لَه وليس لهم المُطَالَبَةُ بقسمتها؛ لأنهم يَزْعَمُونَ أنها ليست مِلْكاً لَهُ، وليس له التَّصَرُّف فِيهَا؛ لمكان الحَجْرِ، واحتمال أن يكون له غَرِيمٌ آخر.
نعم، له إجبارهم على أَخْذِهَا إن كانت مِنْ جنس حُقُوقِهِمْ، أو إبراء ذمته عن ذلك القَدْرِ عَلَى ظَاهِرِ المذْهَبِ، كما لو جاء المكاتب بالنجم فقال السيد: إنه مَغْصُوبٌ، فيقال له: خذه أو أبرئه عنه، وفيه وجه أنهم لا يجبرون على أَخْذِهَا، بِخِلاَفِ المُكَاتَب؛ لأنه يَخَافُ العودَ إِلَى الرِّق، لو لم يؤخذ منه، وليس على المفلس كَثِيرُ ضَرَرٍ، فَإذا أجبروا على أَخْذِهَا فأخذوها، فللبائع أخذها منهم لإقرارهم، وإن لم يجبروا وأقسم سَائِر أمواله فله طَلَبُ فَكَّ الحَجْرِ، إذا قلنا: إنه لا يرتفع بنفسه، ولو كانت من غير جِنْس حقوقهم فبيعت وصرف ثمنها إليهم تفريعاً على الإجْبَارِ، لم يتمكن البَائِعُ من أخذه منهم لأنهم لم يُقِرُّوا له بالثَّمَنِ، وعليهم رَدُّهُ عَلَى المُشْتَرِي، فإن لم يأخذه فَهُوَ مَالٌ ضَائِعٌ 2، ولو كان في المصدقين عَدْلاَن شهدَا لِلْبَائِع على صيغة الشَّهَادَةِ وشرطها، أو عدل واحد وحلَفَ البَائِعُ معه قُبِلَت الشَّهَادة، وقضى لهَ، هكذا أَطْلَقَ الشَّافعي -رضي الله عنه- وعامة الأَصْحَاب، وأحسن بعض الشُّيُوخِ الشَّارِحِين "للمختصر" فحمله على ما إذا شهِدَ الشُّهُودُ قَبْلَ تَصْدِيقِ البَائِعِ.

أو بعده، وقلنا: إنهم لا يجبرون على أَخْذِ الثَّمارِ، وإلا فهم يدفعون بالشَّهَادة ضرر أخذها، وضياعها عليهم بِأَخْذِ البَائِعِ.
ولو صدَّق بَعْضُ الغرماء البائعَ وكَذَّبَه بعضهم، فللمفلس تخصيص المكذبين بالثَّمَارِ، ولو أراد بعضهم قسمتها على الكُلِّ فوجهان.
قال أبو إسحاق -رحمه الله- له ذلك، كما لو صَدَّقُوهُ جَمِيعاً، وقال الأكثرون: لا؛ لأن من صدق البائع يتضرر بالأخْذ؛ لأن البَائِع يتضرر بأخذ ما أخذه منه، والمُفْلِس لا يتضرر بأن لا يصرف إليه لإمكان الصَّرْفِ إلى المكذبين، بخلاف ما إذا صَدَّقَهُ الكُلِّ.
وإذا صرف إلى المكذبين ولم يف بحقوقهم، فيضاربون المصدقين في سَائِرِ الأموال ببقية ديونهم، مؤاخذةً لهم بزعمهم، أو بجميع ديونهم؛ لأن زعم المُصَّدِّقين أن سائر ديون المكذبين لم تَتَأَدَّ، وفيه وَجْهَانِ: أظهرهما: وهو المنصوص أولهما، وجميع مَا ذَكَرْنَاه فيما إذا كذَّب المُفْلسُ البَائِعَ، أما إذا صَدَّقه، نظر إن صدقه الغرماء أيضاً قُضِيَ له، وإن كَذَّبُوه وزعموا أنه أقر عن مواطأة جرت بينهما، فعلى القولين فيما إذا أَقَرَّ بعين مال أو بِدَيْنٍ لغيره، وإن قلنا: لا يقبل، فللبائعِ تحليفُ الغرماء، قيل: إنهم لا يعرفون فسخه على التأبير، ومنهم من قال: هو على القولين السَّابقين في أن الغرماء هَلْ يحلفون؟ والأول أصح؛ لأن اليمين هاهنا توجهت عليهم ابتداء، وثم ينوبون عن المُفْلِس، واليمين لا تَجْرِي فيها النِّيابة 1. النظر في انْفِصَالِ الجَنِين، وفي ظهور الثَّمَارِ بالتأبير إلى حال الرجوع دُونَ الحَجْرِ؛ لأن ملك المفلس بَاقٍ إلى أن يرجع البائع.
قال الغزالي: وَلَوْ بَقِيَتِ الثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي فَعَلَى البَائِعِ إِبْقَاؤُهَا إِلى الجِدَادِ، وَكَذَا إِبْقَاءُ زَرْعِهِ مِنْ غَيْر أُجْرَةٍ (و)، وَحَيْثُ يَثْبُتُ الرُّجُوعُ في الثَّمَارِ فَلَو كَانَتْ قَدْ تَلِفَتْ فَرَجَعَ فِي الشَّجَرَةِ فَيُطَالَبُ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَنِ بِطَرِيقِ المُضَارَبَةِ، وَيُعْرَفُ قَدْرُهُ بِاعْتِبَارِ أَقَلِّ (و) القِيمَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ العَقْدِ إِلَى يَوْم القَبْضِ؛ لأنَّ مَا نَقَصَ قَبْلَ القَبْضِ لَمْ يَدْخُلْ في ضَمَانِ المُشْتَرِي، وَيُعْتَبَرُ لِلشَّجَرَةِ أَكْثَرُ القِيمَتَيْنِ عَلَى الأَظْهَر (و) تَقْلِيلاً لِلْوَاجِبِ عَلَى المُشْتَرِي.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفَصْلِ مسألتان: إحداهما: مهما رَجَعَ البَائِعُ في الأَشْجَارِ المبيعة، وبقيت الثَّمَارُ للمشتري، إما

لحدوثها بَعْدَ، أو لظهورِهَا قبل الرجوع، أو على أحد القولين في الحَالَةِ الثَّالِثَةِ، والرَّابِعَةِ، فليس له قَطْعُهَا، بل عليه إبقاء الثَّمَرَة إلى الجذاذ، وكذا لو رجع في الأَرْضِ المَبِيعَةِ، وهي مزروعة بزرع المُشْتَرِي ترك الزَّرع إلى الحَصَادِ؛ لأنه لم يتعد بالزَّرْعِ حتى يقلع زرعه، وهذا كما إذا اشْتَرَى أرضاً مزروعة ليس لِلْمُشْتَرِي أن يُكَلِّف البَائِعَ قَلْعَ الزَّرْع، ثم إذا بقي الزَّرْعُ أبقاه بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، بخلاف ما إذا اكترى أرضاً وزرع فيها المكتَري، ثم أفلس وفسخ المُكْرِي الإِجَارَةَ، حيث قلنا: يترك الزَّرْع إلى الحصاد بأجْرَةِ المِثْلِ.
والفرق مِنْ وَجْهَيْنِ: أشهرهما: أن المستأجر دخل في الإِجَارة على أن يضمن للبائِعِ المنافع، فألزمناه بدلها، والمشتري دَخَل في الشِّرَاء على أن تحصل له المنافع بِلاَ عَوَضٍ، فلم يحسن إِلْزَامه بدلها، (وأوفقههما): أن مورد البيع الرَّقَبة، وأنها يَحْصُل له بالفَسْخِ، وإن لم يأخذ الأُجْرَة، ومورد الإِجَارَة المَنَافِعِ، فإِذا لم يتمكن من استيفائها ولم يمكن من أخذ بدلها خلا الفسخ عن الفَائِدَةِ، ولم يعد إليه حقّه، وعن صاحب "التقريب": أن ابْنَ سُرَيْجٍ خرج قولاً، أن للبائع طلب أجرة المِثْلِ لمدة بقاء الزرع، كما لو بني المشتري أو غرس، كان للبائغ الإبقاء بالأجْرَة كما سيأتي إن شاء الله -تعالى- ثم الكلام فيهما إذا طلب الغرماء أو المُفْلِس القطع قَبْلَ الجذَاذِ، وقبل الحصَادِ، على مَا مَرَّ في فَصْلِ الإجَارَةِ.
الثانية: إذا ثبت الرّجوع في الثَّمَار، إما بالتَّصْرِيحِ ببيعها مع الأشْجَارِ، وهي مُؤَبَّرَةٌ على أحد القولين، في الحالة الثالثة، والرابعة، ثم تلفت الثمار بجائحة أو بأكل المشتري ثم أفلس فالبائع يأخذ الأشْجَارَ بحصتها من الثَّمَنِ، ويضارب مع الغرماء بحصة الثمار، وسبيل التوزيع أن تُقَوَّم الأشْجَار وعليها الثّمار، فيقال: قيمتها مائة، وتقوَّم وَحْدَها، فيقال: قيمتها تِسْعُون، فيضارب بِعُشْرِ الثَّمَنِ، فإن اتفق في قيمتها انخفاض وارتفاع فالاعتبار في قِيمَةِ الثَّمَارِ بالأقلِّ من قيمتها يوم العقد ويوم القبض؛ لأنها إن كانت يوم القَبْضِ أقل فما نقص قبله من ضمان البَائِعِ فلا يحسب على المُشْتَرِي، وإن كانت يوم العقد أقلّ فالزيادة حصلت في ملك المُشْتَرِي وتلفت فلا تعلق لِلْبَائِعِ بها.
نعم، لو كانت العين باقية رجع فيها متابعة للأَصْلِ، وعن صاحب "التقريب": أن بعضهم قال: باعتبار قيمة يوم القَبْضِ واحتسب الزيادة لِلْبَائِعِ بعد التَّلَفِ كما أنها لو بقيت العين لَحَصَلت له، وهذا ظاهر نصه في "المختصر" إلا أنَ الجمهور حملوه على ما إذا كانت قيمة يوم القَبْضِ أقل، أو لم تختلف القيمة فبنوا إضافتها إلى هذا اليوم، أو إلى هذا اليَوْم.
وأما الأَشْجَار ففيها وَجْهان: أظهرهما عند صاحب الكتاب وهو الذي أورده

الصَّيْدَلاَنِيّ، وغيره: أن الاعتبار فيها بأكثر القيمتين؛ لأن المبيع بَيْنَ العقد والقبض من ضَمَانِ البَائِعِ، فنقصانه عليه وزيادته لِلمُشْتَرِي، ففيما يأخذه البَائِع يعتبر الأكثر ليكون النقصان محسوباً عليه، كما أن فيما يبقى للمشتري أو يضارب البائع بثمنه يعتبر الأقل ليكون النقصان محسوباً عليه.
والثاني: وهو الذي نقله صاحب "التهذيب"، و"التتمة": أن الاعتبار بقيمة يَوْمِ العَقْدِ، سواء كانت أكثر القيمتين أو أقلهما، أما إذا كانت أكثرهما فكما ذكرنا في الوجه الأول.
وأما إذا كانت أقلهما فلأن ما زاد بعد ذلك من جُمْلَة الزِّيَادَاتِ المُتّصِلة، وعين الأشجار بَاقِية، فيفوز بها البَائِع، ولا تحسب عليه، قال الإمام: ولصاحب الوجه الأول أن يقول: نعم البائع يفوز، ولكن يبعد أن يفوز بِهَا، وَهِيَ حادثة في مِلْكِ غَيْرِهِ، ثم لا يحسبها من المَبِيع، فإذا فاز بها فليقدر كلها وجدت يوم البيع، ولنبين اختلاف قيمة الأشْجَارِ والثمار بالتمثيل، فنقول: كانت قيمة الشجرة يوم البيع عشرة، وقيمة الثَّمَرَةِ خمسة، فلو لم تختلف القِيمَة لأخذ الشجرة بثلثي الثمن، وضارب للثمرة بالثلث، ولو زادت قيمة الثمرة فكانت عَشرة يومَ القَبْضِ، فكما لو كانت القيمة بحالها على الشُهُورِ، وعلى الوجه البعيد يُضَارِب بنِصْفِ الثَّمَنِ، ولو نقصت فكانت يوم القبض درهمين ونصفاً يضارب بخمس الثمن، ولو زادت قيمة الشجرة أو نقصت فالحكم على الوجه الثَّاني كما لو بقيت بحالها، وعلى الأول كذلك إن نقصت، وإن زادت فَكَانت خمسة عشر فيضارب بربع الثمن، ثم ذيل الإمام المسألة بكلامين مستفادين: أحدهما: إذا اعتبرنا في الثمار أقل القيمتين، فإن كانَتَا متساويتين، ولكن وقع بينهما نقصان، نظر إن كان بمجرد انخفاض السُّوق فلا عبرة به، وإن كان لعيب طرأ وزال، فكذلك على الظَّاهِرِ، كما أنه يسقط بِزَوَالِهِ حق الرد، وإن لم يزل العَيْب، لكن عادت قيمته إلى ما كان بارتفاع السّوق، قال: والذي أراه أن في هذه الصّورة تعتبر قيمة يوم العيب دون البَيْعِ والقبض؛ لأن النقصانَ الحَاصِل من ضمان البائع والارتفاع بعده في مِلْكِ المُشْتَرِي لا يصلح جابراً له.
والثاني: إذا اعتبرنا فيِ الأشْجَارِ أكثر القيمتين فلو كانت قيمة الشجرة يوم العقد مِائَة، ويوم القبض [مائة] خمْسِين ويوم رجوع البَائِع مائتين، فالوجه القطع باعتبار المائتين، ولو كانت قيمتها يوم العقد ويوم القبض ما ذكرنا، ويوم الرجوع مائة اعتبرنا يوم الرجوع على أن ما طرأ من زيادة وزال ليس ثابتاً يوم العَقْدِ حتى نقول إنه وقت المقابلة لا يوم أخذ البائع حتى يحسب عليه، ولك أن تقول: هذا إن استقام في طرف الزيادة تخريجاً على ما سبق أن ما فاز به البائع من الزيادات الحادثة عند المشتري يقدر كالموجود عند البيع، فلا يستقيم في طرف النقصان، لأن النّقصان الحَاصِل في يد

المشتري كعيب حدث في المَبيع، وإذا رجع البائع إلى العَيْنِ المبيعة لزمه القناعة بها، ولا يطالب المُشْتَرِي للعيب بِشَيْءٍ والله تعالى أعلم.
وينبغي أن تعرف أن سبيل التوزيع في كل صُورة تلف فيها أحد الشيئين المبيعين، واختلفت القيمة وأراد الرجوع إلى البَاقِي على ما ذكرنا في الأشجار والثِّمَارِ بِلاَ فَرْقٍ.
قال الغزالي: أَمَّا الزِّيَادَةُ المُلْتَحَقَةُ بِالمَبِيع من خَارجٍ يُنْظَرُ إنْ كَانَ عَيْناً مَحْضاً كَمَا لَوْ بَنَى المُشْتَرِي أَوْ غَرَسَ فَعَلَى ثَلاَثةِ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ فَاقِدُ عَيْنِ مَالِهِ، وَالثَّانِي: أنَّهُ يُبَاعُ الكُلُّ فَيُوَزَّعُ بِهِ عَلَى نِسْبَةِ القِيمَةِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى العَيْنِ وَتَخَيُّرُ فِي الغِرَاسِ بَيْنَ أن يَبْذُلَ قِيمَتَهُ وَبَيْنَ أن يَغْرَمَ أَرْشَ النُّقْصَانِ أَوْ يَبْقَى بأُجْرَةٍ.
قال الرَافِعِىُّ: النوع الثاني: من الزِّيادات هي الملتحقة بالمبيع من خارج، وتنقسم إلى عين محضة، وإلى صفة محضة، وإلى ما يتركب منهما.
القسم الأول: العين المحضة، ولها ضربان: أحدهما: أن تكون قَابلَةً للتمييز عَنِ المَبِيع، كما إذا اشْتَرى أرْضاً فغرس فِيها أو بني، ثم أفلس قبل تَوْفِيه الثَّمَنِ.
واعلم أن منقول المُصنِّف، وشيخه في المسألة يخالف منقول جُمْهُور الأَصْحَاب على طبقاتهم، فنذكر منقولهم الذي عليه الاعتماد، ثم نعود إلى ما نقلاه، قال الأصحاب: إذا اختار البائع الرجوع في الأَرْضِ نظر إن اتفق الغرماء والمُفْلس على القلع وتفريغ الأرْضِ وتسليمها بيضاء رجع فيها، وهم يستقلون بالقلع، وليس له أن يلزمهم أخذ قيمة الغراس، والبناء ليتملكها مع الأَرْض، وإذا قلعوا الغراس والبناء وجب تسوية الحَفْر من مَالِ المفلس، فإن حدث في الأَرْض نقصٌ بالقَلْع وجب أَرْشُ النَّقْص في مَالِه، ويضارب البائع به، أو يقدم على سَائِر الديون.
في"المهذب" و"التهذيب": أنه يقدّم؛ لأنه لتخليص مَاله وإصلاحه، وذكر الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أنه يضارب مع الغُرَماء، وإن قال المُفْلِس: يقلع، وقال الغُرَمَاء: يأخذ القيمة من البَائِع ليتملكه، أو بالعكس أو وقع هذا الاختلاف بين الغرماء.
قال القاضي ابْنُ كِجٍّ: يجاب مَنْ فِي قوله المَصْلَحة، وإن امتنعوا جميعاً من القَلْع لم يجبروا عَلَيْهِ، لأنه حين بني وغرس لم يكن متعدياً، وحينئذ ينظر: إن رجع على أنَ يتملك البناء والغِرَاس مع الأرض بقيمتها، أو يقلع وَيَغْرم أَرْشَ النقص فله ذلك؛ لأن الضَّرَرَ يندفع عن الجانبين بِكُلِّ واحدٍ من الطريقين، والاختيار فيهما إليه، ولَيْسَ للمُفلِسِ والغرماء الامتناع من القَبُولِ؛ لأن مال المُفْلِسِ مُعَرَّضٌ للبيع، فلا يختلف غرضهم بين أن يتملكه البائع، أو يشتريه أجْنَبِيٌّ، ويخالف هذا ما إذا زرع المشتري الأرض، وأفلس

ورجع البَائِع في الأَرْضِ حيث لا يتمكن من تملك الزرع بالقيمة، ولا من القلع وغرامة الأَرْشِ، لأن للزَّرْعِ أمداً ينتظر، يسهل انتظاره، والغراس والبناء للتأبيد، وإن أراد الرجوع في الأرض وَحْدَها وإبقاء البناء والغراس للمفلس والغرماء نقل المُزَني أن له الرجوع، وأنه قال في موضع آخر: لا يرجع، وللأصحاب طريقان: أصحهما: وبه قال المُزَنِي وابْنُ سُرَيْجٍ وأبو إسحاق: أن في المَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: أحدهما: وهو اختيار المُزَنِي أن له أن يرجع كما لو صبغ الثَّوبَ المشتري ثم أفلس يَرْجع البَائِعُ في الثوب، ويكون المُفْلِسُ شريكاً معه بالصَّبْغِ.
وأصحهما: المنعِ، لما فيه من الضَّرَرِ، فإن الغِرَاس بِلاَ أَرْضٍ والبناء بِلاَ مقر ولا ممر ناقص القيمة والرجوع إنما يثبت لِدَفْعِ الضَّرَرِ بخلاف مَسْأَلَةِ الصَّبْغِ، فإن الصبغ كالصَّفَة التَّابِعَةِ لِلثَّوْبِ.
والثاني: تنزيل النِّصَّيْنِ على حَالَيْنِ، وله طريقان: عن القاضي أَبي حَامِدٍ في آخرين: أنه قال: حيث يرجع أراد أما إذا كانت الأرض كثيرة القيمة، والبناء والغراس مستحقرين بالإضافة إليها، وحيث قال: لا يرجع أراد مَا إِذَا كانت الأرضُ مستحقرة بالإضافة إليهما، والمعنى في الطريقين اتباع الأقل للأكثر، ومنهم من قال: حيث قال: يرجع أراد مَا إِذَا رجع في البَيَاضِ المتخلل بين الأبنية، والأَشْجَار، وضارب للباقي بقسطه من الثمن يمكن منه لأنه ترك بعض حَقِّه في العين، فإذا فرعنا على طريقة القولين، فإن قلنا: ليس له الرجوع في الأَرْضِ، وإبقاء البِنَاءِ والغراس للمفلس، فالبائع يترك الِرجوع وَيُضَارِب مع الغُرَمَاءِ بالثمن، أَو يعود إلىَ بذل قيمتهما، أو قلعهما مع غرامة أرْشِ النقص، وإن مَكَّنَّاهُ منه فوافق البائع الغرماء، وباع الأرض معهم حتى بَاعُوا البناء والغراس فذاك، وطريق التوزيع ما بيناه في الرَّهْنِ، وإن أَبَى فَهَلْ يخير؟ فيه قولان: أحدهما: نعم كما في مسألة الصَّبْغِ.
وأصحهما: لا؛ لأن إفراد البِنَاءِ والغِرَاسِ بالبيع مُتَأَتِّ بخلاف الصَّبْغِ، وإذا لم يوافقهم فباعوا البِنَاء والغِرَاس بقي للبائع ولاية التَّمَلُّك بالقيمة، والقلع مع غَرَامَةِ الأَرْشِ، وللمشتري الخيار في البيع إن كان جاهلاً بحال ما اشتراه، ذكره الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره، هذه طريقة الجمهور، وأما الإمام: فإن محصول ما ذكره في المَسْأَلَةِ أربعة أقوال: أحدها: أنه فاقد عَينِ مَالِهِ، ولا رُجوعَ بِحَالٍ؛ لأن الرجوع في الأَرْضِ ينقص قيمة البِنَاء والغِرَاس.

والثاني: أن الأَرضَ والبناء يباعان معاً دفعاً للخُسْرَانِ عن المفلس كما يفعل بالثَّوْبِ المصبوغ.
والثالث: أنه يرجع في الأَرْضِ ويتخير بين ثلاث خِصَالٍ، تملك البناء والغِرَاس بالقيمة، أو قلعهما مع غرامة أَرْشِ النقصان أو إبقاؤهما بأجره المثل يأخذها من مِلْكَيْهِمَا، وإذا عين واحدة من هذه الخِصَال فاختار المفلس والغرماء غيرها، أو امتنعوا من الكل فوجهان في أنه يرجع إلى الأَرْضِ ويقلع مجاناً، أو يجبرون على ما عينه؟ والرَّابعُ: حكاه عن رواية العراقيين: أنه إن كانت قيمة البِنَاء أكثر فالبائع فَاقِد عَيْنِ مَالِهِ، وإن كانت قيمة الأرض أكثر فَوَاجدٌ، وتابعه صَاحِبُ الكتاب وغيره من أصْحَابِهِ، واقتصروا على الأقوال الثلاثة الأُولى، وأنت إذا تَأَمَّلْتَ هذا الكلام بعد وقوفك على المذهب المعتمد، وتصفحك عن كتب علمائنا ورأيت ما بَيْنَهُما من المخالفة الصَّريحة قضيت منه العجب، وقلت: ليت شعري من أين أخذت هذه الأقوال؟ ثم حفظت لسانك استعمالاً للأدب.
والله أعلم.
وبه التوفيق.
فرع: اشترى الأرضَ من رَجُلٍ، والغراسَ من آخر، وغرسها فيها ثم أفلس، فلكل واحد منهما الرجوع إلى عَيْنِ ماله، ثم إذا رَجَعَا فإن أراد صاحب الغراس البيع مُكِّن منه، وعليه تسوية الحَفْرِ وأرش نقص الأرض إن نقصت، وإن أراده صَاحِب الأرض فكذلك إن ضَمن أرش النَّقْص، وإلا فوجهان: أحدهما: المنع؛ لأنه غرس بحق فلا يقلع من غير غرامة، كما لو كان للمُفْلِس.
والثاني: الجواز؛ لأنه باع الغراس مقلوعاً فيأخذها كذلك.
قال الغزالي: فَإِنْ لَمْ تَقْبَلِ الزِّيَادَةُ التَّمْيِيزَ كَمَا لَوْ خَلَطَ مَكِيلَةَ زَيْتٍ بِمَكِيلَةٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ أَرْدَأ مِنْهُ رَجَعَ (و) البَائِعُ إلَى مَكِيلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنْ خَلَطَ بِأَجْوَدَ فَهُوَ فَاقِدٌ عَلَى قَوْلٍ، وَيُبَاعُ عَلَى قَوْلٍ وَيُوَزَّعُ عَلَى نِسْبَةِ القِيمَةِ، وَعَلَى قَوْلٍ يُقَسَّمُ المَكِيلُ عَلَى نِسْبَةِ القِيمَةِ، وَالفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَرْدَإِ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ نُقْصَانِ الصِّفَةِ يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ عَيْناً فِي حَقِّ البَائِعِ فَيُقَالُ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَقْنَعَ بَالمَبِيعِ بِعَيْبٍ أَوْ تُضَارِبَ، وَتَضْيِيعُ جَانِبِ المُشْتَرِي لاَ وَجْهَ لَهُ هَذَا هُوَ النَّصُّ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ التَّسْوِيَةُ.
قال الرَّافِعِيُّ: الضرب الثاني: ألا تكون الزيادة قابلةً للتمييز كخلط ذوات الأمثال بعضها ببعض، فإذا اشترى صَاعَ حِنْطَةٍ، وخلطه بصاع حنطة، أو مكيلة زَيْتٍ، وخلطه بمكيلة زَيْت، ثم أفلس، نظر إن كان المخلوطُ به مثل المبيع فللبائع الفَسْح، وتملك مكيلته من المخلوط، وطلب القِسْمة، فإن طلب البيع فهل يُجَاب إليه؟ فيه وجهان:

أصحهما: لا، كما لا يتمكن الشُّرَكاء من أن يطالب بَعْضُهُمْ بعضاً بالبيع.
والثاني: نعم؛ لأنه لا يصل بالقسمة إلى عين حقه، وبالبيع يصل إلى بَدَلِ حقه، وقد يكون له غرض فيه فيباع الكُلّ، ويصرف نصف الثَّمن إليه، وإن كان المخلوط أردأ من المَبِيع فله الفَسْخُ، والرجوع إلى حَقِّه من المَخْلُوط أيضاً، ولكن في كيفيته وجهان نقلهما العِرَاقيون، وتابعهم صاحب "التهذيب".
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: إن المكيلتين تباعان، ويقسم الثَّمن بينهما على قَدْرِ القيمتين؛ لأنه إن أخذ مكيلة منه نَقَص حَقُّه، وإن أخذ أكثر من مَكِيلَةِ لزم الرِّبا، فعلى هذا لو كان المَبِيعُ يساوي دِرْهَمَيْنِ، والمخلوط به دِرْهماً قسم الثَّمن بينهما أثلاثاً.
وأصحهما: أنه ليس له إلا أخْذ مكيلة منه، والمضاربة مع الغرماء بالثمن؛ لأنه نقصان حَصَلَ في البيع فأشبة تعيب العبد والثوب.
وإن كان المخلوط به أجود فقولان: أحدهما وهو اختيار المزني: أن له الفَسْخَ، والرجوع إلى حَقِّه من المخلوط، كالخلط بالمثل والأردأ، وأيضاً فإنه لو اشترى ثوباً وصبغه، أو سويقاً فَلَتَّةُ لا ينقطع حق الرجوع فكذلك هاهنا.
وأصحهما: أنه لا رجوع، وليس له إلا المضاربة بالثمن؛ لأن الرجوع إلى عين المبيع متعذر هاهنا حقيقة وحكماً.
أما حقيقة فللاختلاط.
وأما حكماً فلأن في هذا الخلط لا يُمكَّن من المطالبة بالقسمة بأخذ مكيلة من المخلوط؛ لما فيه من الإصرار بصاحب الأَجْوَدِ، بخلاف ما إذا كان الخلط بالمثل والأردأ، فإن المطالبة بالقسمة جائزة والمأخوذ بمثابة الأول حكماً.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه- في تقرير هذا القول: ولا يشبه -يعني ما نحن فيه- الثوب يصبغ ولا السويق يُلَت؛ لأن عين ماله فيه زيادة، والذائب إذا اختلط انقلب حتى لا يوجد عين ماله، ومعناه أن الاختلاط إذا حَصَل لم تكن الإشارة إلى شَيْءٍ من المخلوط، بأنه المبيع، فكأنه هَلَك بخلاف الثَّوْبِ المصبوغ، والسويق المَلْتُوث، ومن هذا الفرق خرج مخرجون في الخَلْطِ بالمثل والأردأ قولاً آخر: أنّه ينقطع به حق الرجوع، وأيد ذلك بأن الحنطة المبيعة لو انهالت عليها حنطة أخرى قبل القَبْضِ ينفسخ العقد على قول، تنزيلاً له منزلة التَّلف، والأظهر: القطع بأن الخَلْط بالمثل والأردأ لا يمنع الرجوع على ما سبق، ويفارق اختلاط المبيع قبل القبض؛ لأن المِلْكَ غير مستقر، فلا يبعد تأثره بما لا يتأثر به الملك المُسْتَقر.
وإذا فرعنا في الخلط بالأجود على قول الرجوع ففي كيفيته قولان:

أصحهما: أنه يكون شريكاً كما في صَبْغِ الثوب.
والثاني: عن رواية الربيع والبويطي: أن نفس المكيلتين يقسم بينهما باعتبار القِيمة، فإذا كانت المكيلة المبيعة تُسَاوِي درهماً، والمخلُوطُ بها دِرْهَمَيْن أخذ من المكيلتين ثلثي مكيلة وربما يخرج هذا الخِلاَف على أن القسمة بيع أو إفراز حَقٍّ.
إن قلنا: بالأول ولم يقسم عين الزَّيْتِ، لما في هذه القسمة من مقابلة مكيلة بثلثي مكيلة.
وإن قلنا بالثاني: فيجوز كأنه أخذ بعض حقه وترك بعضه، ومن الأصحاب من ينقل بَدَل القولين الآخرين وجهين، وينسب الأول إلى أبي إسحاق، وإذا ترك الترتيب والتنزيل حصل في الخلط بالأجود ثلاثة أقوال كما ذكر في الكِتَاب.
أصحها: أنه فاقد عين ماله.
والثاني: أنه يرجع فيباع الكُلّ، ويوزع على نسبة القيمتين.
والثالث: أنه يقسم المكيلتان على نسبة القيمتين.
وأما قوله: (ونقل عن ابْنِ سُرَيْجٍ التسوية بين الخلط بالأجود والأردأ) فالسابق إلى الفهم من ظاهره التسوية في طرد الأقوال الثلاثة، وليس المراد ذلك، وإنما المُرَاد التسوية في طَرْدِ القولين الآخرين حتى يقول: إذا ساوى المبيع درهمين والمخلوط به درهماً يباعان على قَوْل، ويكون ثلثَا الثمن للبائع والثلث للمفلس، وفي قول: يقسم.
عين المخلوط، فيصرف ثلثاه إلى البائع، والثلث إلى المُفْلِس، والأول هو الذي قَدَّمْنَا حكايته عن أَبِي إسْحَاقَ ولا أقول: إن القول بكونه فاقداً عين ماله لا مجال له في الخلط بالأردأ، كيف وقد قدمنا أن بعضهم خَرَّجه، ولكن لا تعلق له بابْنِ سُرَيْجٍ، والمنقول عنه في "النهاية" و"الوسيط" ما بيناه.
والفرق بين طرف الأجود حيث نظرنا فيه إلى الفَسْخِ وبين طرف الأَرْدَإِ حيث ألزمناه القناعة بمكيلة من المَخْلُوطِ على ظاهر المَذْهَبِ، واضحٌ في الكتاب ونختم المَسْألة بذكر شيئين: أحدهما: قال الإِمام إذا قلنا: الخلط يلحق المبيع بالمفقود فلو كان أحد الخليطين كثيراً، والآخر قليلاً لا تظهر به زيادة في الحِسِّ، ويقع مثله بين الكيلين فإن كان الكثير للبَائِع، فالوجه لِلْقَطْعِ بكونه واجداً عين ماله، وإن كان الكَثِيرُ للمُشْتَرِي فالظاهر كونه فاقداً.
الثاني: ولو كان المخلوط به من غَيْرِ جنس المبيع كالزيت بالشيرج، فلا فسخ، وهو بمثابة ما لو تَلَفَ المَبِيع، قال الإِمام: وفيه احتمال سيما على قولنا: ببيع المخلوط وقسمة الثمن.

قال الغزالي: وَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَيْنًا مِنْ وَجْهٍ وَوَصْفاً من وَجْهٍ كَمَا لَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ فَإِنْ لَمْ تَزِد قِيمَتُهُ فَلاَ أَثَرَ لَهُ، وَاِن زَادَ فَالمُشْتَرِي شَرِيكٌ (ح) بِذَلِكَ القَدْرِ الَّذِي زَادَ، إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الزِّيَادَةُ أَكْثَرَ من قِيمَةِ الصَّبْغِ فَالزِّيّادَةُ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ صِفَةٌ مَحْضَةٌ، وَفِي الصِّفة المَحْضَةِ فِي طَحْنِ الحِنْطَةِ وَرِيَاضَةِ الدَّابَّةِ وَقِصَارَةِ الثَّوْبِ وَكُلِّ مَا يُسْتَأْجَرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ قَوْلاَنِ، أحَدُهُمَا: أنَّهُ يُسَلَّمُ لِلبَائِعِ فَهُوَ كَالزِّيَادَةِ المُتَّصِلةِ مِنَ السِّمْنِ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِي: أنَّهَا كَالصَّبْغِ، لأَنَّهَا عَمَلٌ مُحْتَرَمٌ مُتَقَوَّمٌ، بِخِلاَف مَا لَوْ صدَرَ مِنَ الغَاصِبِ فإنَّهُ عُدْوَانٌ مَحْضٌ، فَعَلَى هَذَا لِلأَجِيرِ حَقُّ الحَبْسِ، وَلَوْ تَلَفَ الثَّوْبُ في يَدِ القَصَّارِ سَقَطَتْ أُجْرَتُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذا الفصل يشتمل على القسمين البَاقِيين من أقْسَام النَّوْع الثَّاني من الزيادات، وتقديم المُؤَخَّر منهما في لفظ الكتاب أَلْيَق بالشَّرْحِ فنقدمه ونقول: القسم الثاني: الصفة المَحْضَة، فإذا اشترى حنطة فطحنها، أو ثوباً فقصره، أو خاطه بخيوط من نَفْسِ الثوب، ثم أفلس فللبائع الرُّجُوعُ إلى عَيْنِ مَالِهِ، ثم ينظر إن لم تزد قيمته فلا شركة للمفلس فيه، وإن نقصت قِيمَتُهُ فلا شَيْءَ لِلْبَائِع مَعَه، وإن زادت فَقَوْلاَن: أحدهما واختاره المُزَنِي: أن الزيادة بهذه الأعْمَالِ تَجْرِي مجرى الآثار، ولا شَرِكَةَ لِلمُفْلِسِ فيها؛ لأنها صفات تَابِعة حصلت بفعله، فهي كالسَّمَنِ للدابة بالعلف، وكِبَرِ الوَدْيِ بِالسَّقْيِ والتعهد، وأيضاً فإن القصارة تزيل الوسخ، وتكشف عما فيه من البياض، فلا تقتضي الشَّركة كما لو كان المبيع لوزاً فكسره وكشف اللب وزادت به القيمة.
وأصحهما: أنها تجري مَجْرَى الأعيان، ويصير المفلس شريكاً فيها؛ لأنها زيادة حَصَلَتْ بفعل متقوّم مُحْتَرم، فوجب ألا تضيع عليه بخلاف الغَاصِب؛ لأن فعله غير محترم، ويخالف سمن الدَّابة بالعَلَفِ، وكبر الوَدِيِّ بالسقي؛ لأن القصار إذا عمل عمله صَارَ الثوب مقصوراً لا مَحَالة، والسقي والعَلَف يوجدان كثيراً، ولا يحصل السمن والكبر، فكان الأثر فيه غير مَنْسُوب إلى فِعْلِهِ، بل هو محض صُنْعِ الله عَزَّ وَجَلَّ، ولهذا لا يجوز الاستئجار على تَسْمِين الدَّابة، وتكبير الوَدِيِّ، ويجوز الاستئجار على القصارة.
ويجري القولان فيما لو اشترى دقيقاً فخبزه، أو لحماً فَسَوَّاه، أو شَاةً فذبحها، أو أرْضاً فضرب من تربتها لبناً، أو عرصة وآلات البِنَاء فبنى فيها داراً، ثم أفلس، وعن أبي إسحاق أن تعليم العبد القرآن، والحرفة، والكتابة، والشِّعْرَ المباح، ورياضة الدابة لا تلحق بها، ولا تجري مجرى الأعيان قَطْعاً؛ لأنه ليس بيد المعلم ولا الرائض إلا التَّعْلِيم، وقد يجتهد فيه ولا يحصل الغرض، فكان كالتسمين ونحوه، ويحكى هذا عن ابنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ القَطَّانِ أيضاً.

والأصح وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وصاحب "التلخيص"، والقاضي أبُو حَامِدٍ: أنها من صور القولين؛ لأنها أعمال يجوز الاستئجار عليها، ومقابلتها بالعوض، وضبط صور القولين أن يصنع بالمبيع ما يجوز الاستئجار عليه، فيظهر به أثر فيه، وإنما اعتبرنا ظهور الأثر فيه؛ لأن حفظ الدابة وسياستها عمل يجوز الاستئجار عليه، ولا تثبت به الشركة؛ لأنه لا يظهر بسببه أثر على الدَّابة، ثم الأثر تارة يكون صِفَة محسوسة كالطَّحْنِ والقصارة، وتارة يكون من قبيل الأخلاق كالتعليم والرياضة، إذا عرفت القولين ومحلهما.
فإن قلنا بالأول: أخذ البائع المبيع وفاز بزيادته.
وإن قلنا بالثاني: فيباع، ويكون لِلْمُفْلِس من الثَّمن بنسبة ما زَادَ في قيمته.
مثاله: قيمة الثَّوْبِ خمسة وبلغت بالقصارة سِتّة، يكون للمفلس سدس الثَّمن، فلو ارتفعت القيمة بالسّوق أو انخفضت فالزيادة والنقصان بينهما على قَدْرِ هذه النسبة، ولو ارتفعت قيمةُ الثوب دُونَ القصارة بأن صَارَ مثل ذلك الثوب لا يؤخذ غَيْر مقصور إلا بِسِتَّةِ، ويشتري مقصوراً بسبعه فليس للمُفْلِس إلا سُبُع الثَّمن، والزيادة حَصَلت في الثوب، ولو زادت قيمة القصارة دُونَ الثَّوْبِ بأن كان مثل هذا الثوب يشتري مقصوراً بسبعة، ويؤخذ غير مقصور بخمسة فللمفلس سُبْعَان من الثمن، وعلى هذا القياس.
ويجوز للبائع أن يمسك المبيع ويمنع من بيعه، ويبذل للمفلس مَا زَادَ بسبب الأعمال، كذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره، كما أنه يبذل قيمة الغِرَاس والبناء، ومنع في "التتمة" منه، لأن الصفة لا تقابل بِعِوَضٍ 1. وأما قوله: (فعلى هذا للأجير حق الحبس) إلى آخره فهو إشارة إلى فرعين لا تعلق لهما بالمفلس، أحدهما: إذا استأجر للقصارة، أو الطَّحن فعمل الأجير عمله هل له حبس الثوب المقصور والدقيق لاستيفاء الأجرة؟ فإن قلنا: القصارة وما في معناها أثار فلا.
وإن قلنا: إنها أعيان فَنَعَمْ، كما أن البائع يحبس المبيع لاستيفاء الثمن، وهذا ما اختاره الأكثرون 2.

واحتجوا به للقول الثاني موهمين كونه مجزوماً به.
والثَّاني: إذا تمم القصار والطحان العمل وتلف محل العَمَل في يَدِهِ.
فإن قلنا: بالأول استحق الأجرة، وكأنه وقع مسلماً بالفراغ.
وإن قلنا: بالثاني لم يستحق؛ لأنه تلف قبل التسليم، كما يسقط الثمن بتلف المبيع في يَدِ البَائِعِ، وهذا الفرع قد أعاده في الكتاب في باب الإِجَارَةِ.
القسم الثالث: ما هو عَيْنٌ من وَجْهِ وصِفَةٌ مِنْ وَجْهٍ كصبغ الثوب وَلَتِّ السويق وما أشبههما، فإذا اشترى ثوباً وصبغه ثم أفلس، نظر إن لم ترد القيمة بالصبغ أو نقصت، فالحكم على مَا مَرَّ في القِسْمِ الثاني، وإن زادت فإما أن تزيد بقدر قيمة الصبغ أو أقل أو أكثر.
الحالة الأولى: أن يزيد بقدر قيمة الصبغ كما إذا كان الثوب يساوي أربعة، والصّبغ درهمين وكانت قيمته مصبوغاً ستة، فللبائع أن يفسخ البيع في الثوب، ويكون المفلس شريكاً بالصّبغ فيباع، ويكون الثمن بينهما أثلاثاً، وكيف تنزل الشّركة بينهما؟ أنقول كل الثوب لِلْبَائع، وكل الصَّبغ للمفلس، كما لو غرس الأرض أو نقول يشتركان فيهما جميعاً بالأثلاث لتعذر التمييز كما في خلط الزيت؟ حكى صاحب "التهذيب" فيه وجهين: الحالة الثانية: أن تكون الزيادة أقل من قيمة الصبغ، كما إذاكانت قيمته مصبوغاً خمسة، فالنقصان محال على الصبغ، لأنه هالك في الثوب والثوبُ قائمٌ بحاله، إذا بيع قُسِّم الثمن بينهما أخماساً، أربعة أخماسٍ للبائع، وخمسُهُ لِلْمُفْلِس.
الحالة الثالثة: أن تكون الزيادة أكثر من قيمة الصَّبْغِ، كما إذا كانت قيمته مصبوغاً مائة، فما زاد على قيمتها إنما زاد بصنعة الصَّبْغِ، فيبنى على أن القصارة ونحوها من الأَعْمَالِ آثار أم أعيان؟ إن قلنا: أنها أعيان فالزيادة بالصبغ للمفلس، وذلك مثل قِيمة الثوب، فيجعل الثمن بينهما نصفين.
وإن قلنا: إنها آثار، فقد حكى الإمام أن الشيخ أبَا عَلِيّ ذكر في "الشرح" أن البائع يفوز بها على ما هو سبيل الزيادات المتصلة، وحينئذٍ يكون الثَّمَنُ بينهما أرباعاً، ثلاثة أرباع للبائع، والرّبُعُ للمفلس، قال: وكنت أود أن نقص أثر الصفة على الثَّوْبِ والصبغ حتى يجعل الثمن بينهما أثلاثاً، فيكون ثلثاه للبائع، والثُّلُثُ للمفلس؛ لأن الصفة اتصلت بالثوب والصبغ جميعاً، وهذا الذي قلناه هو الذي أورده الشَّيْخُ في "شرح الفروع" وصاحب "التهذيب" والأكثرون، وفي كتاب ابْنِ كِجٍّ نقل الوجهين معاً.

ولو ارتفعت القيمة بعد الصبغ فبلغت سِتَّةَ عشر مثلاً، أو وجد من اشتراه بهذا المبلغ، ففي كيفية القِسْمة هذه الوجوه الثلاثة، والربح بكل حال يقسم بحسب قسمة الأصل.
وإذا عرف القدر الذي يستحقه المفلس من الثمن، فإن شاء البائع تسليمه ليخلص له الثوب مصبوغاً فله ذلك، ومنع صاحب "التتمة" منه كما ذكرنا في القسم الثاني هذا كله فيما إذا صبغ الثوب المشتري بصبغ مِنْ عنده، أما إذا اشترى ثوباً وصبغاً من إنسان وصبغه به ثم أفلس فللبائع فسخ البيع والرجوع إليهما، إلا أن تكون القيمةُ بعد الصبغ كقيمة الثوب قبل الصبغ أو دونها، فيكون فاقد للصبغ، وإن زادت القيمة بأن كانت قيمة الثوب أربعة، وقيمة الصبغ درهمين، والثوب مصبوغاً يساوي ثمانية، فعلى الخلاف في أن الصباغات آثار أم أعيان؟ إن قلنا: بالأول أخذهما ولا شركة للمفلس.
وإن قلنا: بالثاني فالمفلس شريكٌ بالرُّبُعِ.
ولو اشترى الثوب من واحد بأربعة وهي قيمته، والصبغ من آخر بدرهمين وهما قيمته وصبغه به، وأراد البَائِعَانِ الرجوع، فإن كان الثوب مصبوغاً لا يساوي أكثر من أربعة فصاحب الصبغ فاقدُ مَالِهِ، وصاحب الثوب واجد مَالِهِ بِكَمَالِه، إِن لم ينقص عَنْ أربعة، وناقصا إن لم يبلغ.
وإن كانت قيمته بعد الصّبغ ثمانية.
فإن قلنا: إن الأعمال آثار فالشركة بين البائعين، كما هي بين البائع والمُفْلِس إذا صبغه بصنع نفسه؛ تفريعاً على هذا القول.
وإن قلنا: أعيان فنصف الثمن لبائع الثَّوْبِ، وربعه للمفلس.
ولو اشترى صبغاً وصبغ به ثوباً كان له، فللبائع الرجوع إن زادت قيمته مصبوغاً على ما كانت قَبْلَ الصّبغ، وإلا فهو فَاقِدٌ، وإذا رجع فالقول في الشركة بينهما على مَا مر 1. واعلم أن جميع ما ذكرناه في القسمين مفروض فيما إذا بَاشَرَ المفلس القصارة والصبغ

وما في معناه بنفسه، أو استأجر أجيراً ووفاه الأجرة قبل التفليس، أما إذا حصلها بأجير ولم يوفه أجرَتُه فسنذكر حُكْمَه في الفَصْل الذي يَلِي هذا الفَصْل إن شاء الله تعالى.
فرع: حكم صبغ الثَّوْبِ كما في البناء والغِرَاس، ولو قال المفلس والغرماء: نقلعه ونغرم نقصان الثوب، قال القاضي ابْنُ كِجٍّ: لهم ذلك.
وقوله في الكتاب عند ذكر الصّبغ: (وإن زاد فالمشتري شريك بذلك القَدْر الذي زاد) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن محل القطع بالشركة ما إذا كان الصّبغ مما يمكن فيه التمييز والاستخلاص، أما إذا لم يمكن التمييز وصار مستهلكاً، فعن القاضي أَبِي حَامِدٍ وجه أنه ينزل منزلة القصارة والطَّحْن، حتى يكون للبائع تبعاً للثوب على أحد القولين.
قال الغزالي: وَلَوْ كانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةً وقِيمَةُ القِصَارَةِ خَمْسَةً والأُجْرَةُ دِرْهَمٌ وَأَفْلَسَ قَبْلَ تَوْفِيَةِ الأُجْرَةِ فَيُقَدَّمُ (و) الأَجِيرُ بِدِرْهَم وَالبَائِعُ بعَشَرَةٍ وَأَرْبَعَةٌ لِلغُرَمَاءِ، وَإِنْ كانَتِ الأُجْرَةِ خَمْسَةً وَقِيمَةُ القِصَارَةِ دِرْهَمٌ اخْتَصَّ الأجَيرُ بِالدِّرْهَمِ الزَّائِدِ وَضَارَبَ بِالإِرْبَعَةِ وَيُقَالُ (و) لِلأَجِيرِ: اقْنَعْ بِمَا وَجَدَتَّهُ مِنَ القِصَارَةِ أوْ ضَارِبْ بِكُلِّ الأُجْرَةِ فَإِنَّ القِصَارَةُ وَإِنْ شُبَّهَتْ بِالصَّبْغ فَلَيْسَتْ عَيناً يُمْكِنُ إيرَادُ الفَسْخِ عَلَيْهَا.
قال الراَّفِعِيُّ: إذا اشترى ثوباً واستأجر قصاراً فقصره ولم يوفِهِ أجرته حتى أفلس.
فإن قلنا: القصارة أثرٌ فليس للأجير إلاَّ المُضَاربة بالأُجْرَة مع الغرماء، وللبائع الرُّجُوع في الثَّوْبِ المَقْصُورِ، ولا شَيْءَ عليه لما زاد، وعن صاحب "التلخيص" أن عليه أجرة القصارة، وكأنه استأجره وغلطه الأصحاب فيه.
وإن قلنا: إنها عين نظر إن لم تزد قيمته مقصوراً على ما كان قبل القصارة فهو فاقد عَيْنِ مَالِهِ، وإن زادت فلكل واحد من البَائِع والأجير الرجوع إلى عَيْنِ مَالِه، فإن كانت قيمة الثَّوب عشرة، والأجرة درهماً، والثوب المقصور يساوي خمسة عشر، رجعا وبيع بخمسة عشر، وصرف منها عشرة إلى البائع، ودرهم إلى الأجير، والباقي للغُرَمَاء.
ولو كانت الأجرة خَمْسة دراهِم، والثوب بعد القصارة يساوي أحد عَشَر، فإن فسخ الأجير الإجارة فعشرة للبائع، ودرهم للأجير، ويضارب مع الغرماء بأربعة، وإن لم يفسخ فعشرة للبائع، ودِرْهم للمُفْلِس، ويضارب مع الغرماء بخمسة.
ولا يخفى من نظم الكتاب أن الجواب في الصورتين مقصور على قَوْلِ العين، وأنهما معطوفتان على قوله من قبل، فعلى هذا للأجير حق الحبس، ولو تلف الثوب في يد القصار سقطت أجرتُه.

وقوله: (ولا يقال للأجير) إلى آخره، إشارةٌ إلى سؤال وجواب مشهورين في هذا المقام.
أما: السؤال فهو أنا إذا جعلنا القصارة عيناً فزادت بِفْعلِهِ خمسة، وجب أن يكون الكُلُّ له، كما لو زاد المبيع زيادة متصلة، وإن كانت أجرته خمسةً، ولم يحصل بفعله إلا دِرْهَم وجب ألا يكون له إلا ذلك؛ لأن من وجد عينَ ماله ناقصةً ليس له إلا القناعة بها والمضاربة مع الغرماء.
والجواب: أنه لا شك في أن القصارة صفة تابعةٌ للثوب، ولا نعني بقولنا: إن القصارة عين أنها في الحقيقة تفرد بالمبيع والأخذ والرد كما يفعل بِسَائِرِ الأَعْيَانِ، ولو كان كذلك جعلنا الغاصب شريكاً للمالك إذا قصر الثَّوب، كما جعلناه شريكاً إذا صبغه، إنما المراد أنها مشبهة بالأعيان مِنْ بعض الوجوه؛ لأن الزيادة الحاصلةَ بها متقومةٌ مقابلة بالعوض، فكما لا تضيع الأعيان على المُفْلِس لا تضيع الأعمالُ عليه، وأما بالإِضَافة إلى الأجير فليست القصارة مَوْرِدَ الإجَارة، حتى يرجع إليها، بل مورد الإجارة فعله المحصل للقصارة، وذلك الفعل يَستحيل الرُّجُوع إليه، فيجعل الحاصل بفعله لاختصاصه به متعلق حقه كالمَرْهُون في حَقِّ المرتهن، أو نقول: هي مملوكة للمفلس مرهونة بحق الأَجِير، ومعلوم أن الرَّهْنَ إذا زادت قيمتُه على الدَّيْنِ لا يأخذ المرتهن منه إلَّا قدر الدَّيْن، وإذا نقصت لا يتأدى به جميعُ الدَّيْنِ.
وأعلم قوله: (يقال للأجير: اقنع) بالواو لأنه حكى في "الوسيط" أن بعض الأصحاب قضى بأنه ليس له إلا القناعة بالقصارة، أو المضاربة على مَا هُو قِيَاسُ الأعيان، ولم أعثر على هذا النَّقْل لغير المصنف، لكن ذكر القاضي ابْنُ كِجٍّ، أن أبا الحُسَيْنِ خرج وجهين: في أنه لو قال الغرماء للقصار: خذ أجرتك ودعنا نكون شركاء، وصاحب هذا الثّوب هل يجبر عليه؟ فإن الأصح الإجبار، وهذا هو القياس على البائع إذا قدمه الغرماء بالثمن، فكان هذا القائل يعطي القصارة حكم الأعيان من كل وجه.
ولو كانت قيمة الثوب المشتري عَشْرة، واستأجر صباغاً فصبغه بصبغ قيمته دِرْهم، وصارت قيمته خمسة عشر، فالأربعة الزائدة على القيمتين حاصلة بصنعة الصبغ، فيعود فيه القولان في أنها أثر أم عين؟ فإذا رجع كُلُّ واحدٍ من البائع والصباغ إلى ماله بيع بخمسة عشرة، وقسم على أحَدَ عَشَر، إن جعلناها أثراً فللبائع عشرة، وللصباغ واحد؛ لأن الزيادة تَابِعَةٌ، وهذا الأصح يطبق على قولنا: إن القصارة مرهونة بحقه، إذ ليس للمرتهن التمسك بغير المرهون إذا أدى حقه بوجه طالبها.
وإن جعلناها عيناً عشرة منها للبائع، ودرهم للصّباغ، وأربعة للمفلس، يأخذها الغُرَمَاء.
ولو كانت المسألة بحالها وبيع بثلاثين لارتفاع السوق، أو للظفر بِرَاغِبٍ، قال ابْنُ الحَدَّادِ: للبائع عشرون، وللصباغ درهمان، وللمفلس ثمانية؛ وقال غيره يقسم الكُلّ

على أحد عشر، عشرة للبائع، وواحد للصباغ، ولا شيء للمشتري، قال الشَّيْخُ أبُو عَلِيّ: الأول جواب على قولنا: أنها عين والثاني: على أنها أثر، وبمثله لو كانت قيمة الثوب عشرة، واستأجر على قصارته بدرهم، وصارت قيمته مقصوراً خمسة عشر، ثم اتفق بيعه بثلاثين، ذكر الشيخان أَبُو مُحَمَّدٍ وَالصَّيْدَلاَنِيُّ وغيرهما تفريعاً على قول العين: أنه يتضاعف حق كل واحد منهم، كما قاله ابْنُ الحَدَّادِ في الصبغ، واستدرك الإمام فقال: ينبغي أن يكون للبائع عشرون، وللمفلس تسعة، وللقصار درهم كما كان، ولا يضعف حقه لما مر أن القصارة غير مستحقة للقصار، وإنما هي مرهونة بحقه، وقد أشار الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ إلى مثل هذا المعنى في مسألة الصَبْغ، واعتذر عنه ابْنُ الصَّبَّاغِ بأنه قال: كأنه باع الصبغ بدرهم، فتوزع الزيادة على الصَّبْغَ والثوب، وهذا العذر قريب وإن لم يكن واضحاً كل الوضوح إذ ليس استئجار الصَّبَّاغِ مجرد شراء الصبغ، فلا مساغ له في القصارة، فأما الاستدراك الذي ذكره الإِمام فيه فقه والله أعلم.
فرع: لو أخفى المديون بَعْضَ ماله ونقص الظَّاهِرُ عن قدر الدّيون فحجر الحاكم عليه، ورجع أصحاب الأمتعة إلى أمتعتهم، وقسم الحاكم ما بقي بين الغرماء ثم بان صنيعه لم ينقص شيء من ذلك؛ لأن لِلْقاضي بيع أموال الممتنع وصرف الثمن إلى ديونه والرجوع إلى عين المال بامتناع المشتري من أداء الثمن فمختلف فيه، فَإذا اتصل به حكم حاكم نُفِّذَ قاله في "التتمة": وفيه توقف لأن القاضي ربما لا يعتقد جواز الرجوع بالامتناع، فكيف يجعل حكمه بناء على ظن آخر حكماً بالرجوع بالامتناع.
فرع: من له الفسخ بالإِفْلاَس، لو ترك الفسخ على مال لم يثبت المال، وهل يبطل حَقِّه من الفَسْخِ إن كانَ جَاهِلاً بجوازه؟ فيه وجهان كما سبق نظيرهما في الرَّدِّ بالعَيْبِ وبالله التوفيق.

جارٍ التحميل