ولا فرق بين أن يجهل كلتا الصُّبْرَتين أو إحديهما.
روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نهَى عَنْ بَيعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لاَ يَعْلَمُ مَكِيلَهَا بِالْكَيلِ المُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ" 1.
ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة بتلك الصُّبْرَة مكايلة أو كيلاً بكيل، أو هذه الدراهم بتلك موازنة، أو وزناً بوزن، فإن كَالاً أَوْ وَزَنَا وخرجتا متساويتين صح العقد، وإلا فقولان.
قال في "التهذيب":
أصحهما: البطلان، لأنه قابل الجملة بالجملة، وهما متفاوتتان.
والثاني: أنه يصح في الكبيرة بقدر ما يقابل الصَّغِيرة لمقابلته صَاعاً بِصَاع، ولمشتريها الخيار إذا لم يسلم له جميعها، وحيث قلنا بالصحة فلو تفرقا بعد تقابض الجملتين وقبل الكيل والوزن فهل يبطل العقد؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، لوجود التَّقَابض في المجلس
والثاني: نعم، لبقاء العلقة بينهما.
ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة بكَيْلها من صُبْرتك وصُبْرته صغيرة وصُبْرة المخاطب كبيرة صح لحصول المماثلة بين العِوَضين، ثم إنْ كَالاَ في المجلس وتقابضا تَمَّ العقد، وما زاد من الكبيرة لصاحبها، وإن تَقَابضا الجُمْلَتَيْن وتفرَّقا قبل الكيل فعلى ما سبق من الوجهين.
ولو باع صُبْرَة حِنْطة بصبرة شعير جُزافاً جاز، ولو باعها بها صَاعاً بصاع أو بصاعين فالحكم كما لو كانتا من جنس واحد.
وقوله في الكتاب: "وما لم يثبت فيه نقل فالوزن أَخْصَر" أي: فيتعين ذلك وإيراد الكتاب يقتضي ترجيح هذا الوجه.
وقوله: "وقيل: الكيل جائز" ظاهره يقتضي تجويز الكَيْل مع تجويز الوزن، وحينئذ يكون هذا الوجه وجه التخيير لكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد وجه تَعْيين الكيل، وذلك بين من التَّوْجيه 2.
وقوله: "وما لا يُقَدَّرُ كالبَطِّيخ فلا خلاص فيه عن الرِّبَا... " إلى آخره جواب على
القول المانع من بيع بعضه ببعض في حالة الرطوبة، وليكن معلماً بالواو؛ للقول الآخر.
وقوله: "فيوزن" يجوز إعلامه بالواو؛ لأن المعنى فيباع وَزْناً.
وقد حكينا وجهاً: أنه لا يباع في حالة الجَفَاف أيضاً.
قال الغزالي: وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ الهَرَوِيّ (ح) بالهَرَوِيّ، وَلاَ بِأحَدِ التِّبْرَيْنِ عَلَى الخُلُوصِ، وَلاَ بَيْعُ مُدٍّ وَدِرهَمٍ (ح) بِمُدٍّ وَدِرهَمٍ لِأَنَّ حَقِيقَةَ المُمَاثَلَةِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَلَوْ رَاطَلَ مِائَتَي دِينَارٍ وَسَطٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ عِتْقٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ رَدِيْءٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ مَا فِي أَحَدِ الجَانِبَيْنِ إِذَا وُزِّعَ عَلَى مَا فِي الجَانِبِ الثَّانِي بِاعْتِبَارِ القِيمَةِ أَفْضَى إلَى المُفَاضَلَةِ إِذْ لاَ تُعْلَمُ المفَاضَلَةُ إلاَّ بِتَقْدِيرِ القِيمَةِ، وَالتَّقْوِيمُ تَخْمِينٌ وَجَهْلٌ لاَ يُفِيدُ مَعْرِفَةً في الرِّبَا، فَمَهْمَا اشْتَمَلَتِ الصَّفْقَةُ عَلَى مَالِ الرِّبَا مِنَ الجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الجِنْسُ فِي أَحَدِ الجَانِبَيْنِ، أَوْ فِي كِلاً الجَانِبَيْنِ، أَوِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ (ح).
قال الرَّافِعِيّ: مقصود الفصل بيان القاعدة المعروفة بـ "مُدّ عَجْوَة" ثم يتصل بها ما يناسبها والقدر الذي تشترك فيه مسائل الفصل أن تَشْتَمل الصَّفقة على مال الرِّبَا من الجانبين، ويختلف مع ذلك أحد العِوَضَين أو كلاهما جنساً أو نوعاً أو صفة، ثم لا يخلو إما أن يكون مال الربا من الجانبين من جنس واحد أو من جنسين.
القسم الأول: أن يكون مال الربا من الجانبين من جنس واحد، وفيه تقع القاعدة المقصودة.
فمن صوره أن يختلف الجنس من الطرفين، أو من أحدهما كما إذا باع مُدّ عَجْوة ودرهماً بمُدّ عَجْوة، ودرهمْ أو بمُدَّي عَجْوة، أو بدرهمين، أو باع صاع حِنْطة وصاع شعير بصاع حِنْطة وصاع شعير أو بِصَاعَي حِنْطَة، أو صاعي شعير.
ومن صوره أن يختلف النَّوع والصِّفة من الطريقين أو أحدهما كما إذا باع مُدّ عَجْوة ومُدّ صَيْحَانِيّ 1 بمدي عجوة أو بمدي صَيْحَانِيّ، أو بمدي عجوة أو بمدي صيحاني، أو باع مائة دينار جيد ومائة دينار رديء، بمائتي دينار جيد أو رديء أو وسط أو مائة جيدة ومائة رديئة، فلا يصح البيع في شيء من هذه الصور ونظائرها.
لما روي عن فضالة بن عبيد قال: "أُتِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلاَدَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ تُبَاعُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلاَدَةِ فَنُزعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الذَّهَبِ وَزْناً بِوَزْنٍ.
ويروى أنه قال: "لاَ يُبَاعُ مِثْلُ هذَا حَتَّى يُفْصَلَ وَيُمَيَّزَ" 1.
والمعنى: أن قضية العقد إذا اشتمل أحد طرفيه على ماليين مختلفين وزع مال الطرف الآخر عليهما باعتبار القيمة، وذلك يوجب المفاضلة أو الجهل بالمماثلة.
أما إن قضيته ما ذكرنا فلأنه لو باع شِقْصاً من عقار وسيفاً بألف، وزع عليهما الألف باعتبار القيمة حتى إذا كانت قيمة الشّقص مائة، وقيمة السيف خمسين يأخذ الشَّفيع الشّقْص بثلثي الألف، وأيضاً فلو اشترى شيئين بألف فوجد بأحدهما عيباً، وأراد رده وحده بالعيب يرده بما يخصه من الألف إذا وزع عليهما باعتبار قيمتها، وكذلك لو خرج أحدهما مستحقّاً وأجاز المبيع في الآخر يجيزه بما يخصُّه من الألف باعتبار القيمة.
وأما أنه يلزم منه أحد الأمرين، فلأنه إذا باع مداً ودرهماً بمدّين، فإما أَنْ تكون قيمة المدّ الذي هو مع الدرهم أكثر من درهم أو أقل أو درهماً، فإن كان أكثر مثل أن يكون قيمته درهمين، فيكون المد ثلثي ما في هذا الطرف، فيقابله ثلثا المدين من الطَّرف الآخر، فيصير كأنه قابل مدّاً بمدّ وثلث، وإن كان أقل مثل أن يكون قيمته نصف درهم، فيكون المدّ ثلث ما في هذا الطرف، فيقابله ثلث المُدَّين من الطرف الآخر، فيصير كأنه قابل مداً بثلثي مدّ.
وإن كان قيمته درهماً فلا تظهر المُفَاضلة، والحالة هذه لكن المماثلة فيها تستند إلى التَّقْويم، والتقويم تَخْمين قد يكون صواباً وقد يكون خطأ، والمماثلة المعتبرة في الربا هي المماثلة الحقيقية، وهذه الطريقة مطردة فيما إذا باع مداً ودرهماً بمد ودرهم، لأن المدين من الجانبين إن اختلفت قيمتهما مثل إِن كان مد زيدٍ يساوي درهمين ومد عَمْروٍ يساوي درهماً، فمد زَيْد ثلثا ما في هذا الطرف يقابله من الطرف الآخر ثلثا مدّ وثلثا درهم، ويبقى ثلث مد وثلث درهم في مقابلة درهم، فإذا وزعنا صار ثلث مد في مقابلة نصف درهم، لأن قيمة مد عَمْرو درهم، وثلث درهم في مقابلة نصف درهم، فتظهر المفاضلة.
وإن لم تختلف قيمتها لم تظهر المفاضلة، لكن المماثلة تخمين على ما مَرَّ.
واعترض الإمام على هذه الطريقة بأن العَقْد لا يقتضي في وضعه توزيعاً مفصلاً، بل مقتضاه مقابلة الجُمْلة بالجملة، أو مقابلة الجزء الشَّائع ممَّا في أحد الشِّقَّين بمثله مما في الشق الآخر بأن يقابل ثلث المد، وثلث الدرهم بما يقابل ثلث المدين، يعني إذا باع مداً ودرهماً بمدين، ولا ضرورة إلى تَكَلُّف توزيع يؤدي إلى التفاضل، وإنما يصار إلى التوزيع المفصل في مسألة الشُّفْعة لضرورة الشُّفْعة.
قال: والمعتمد عني في التَّعليل أنا تعبَّدنا بالمماثلة تحقيقاً.
وإذا باع مدّاً ودرهماً بمدين، لم تتحقق المماثلة فيفسد العقد.
ولناصريها أن يقولوا: أليس قد ثَبَتَ التوزيع المفصل في مسألة الشفعة؟ ولولا كونه قضية للعقد لكان ضم السَّيف إلى الشِّقْص من الأسباب الدَّافِعَة للشُّفْعة، فإنها قَدْ تندفع بأسباب وعوارض.
وأما قوله: "إنا تعبدنا بتحقيق المماثلة".
فللخصم أن يقول: تعبدنا بتحقيق المماثلة، فيما إذا تمحضت مقابلة شيء منها بجنسه أو على الإطلاق، إن قلت بالثاني فممنوع، وإن قلت بالأول فسلم، لكنه ليس صورة المسألة، فهذا نقل المذهب المشهور وتوجيهه.
ومن الأصحاب من صحَّح العقد فيما إذا باع مد عجوة ودرهماً بمد عجوة ودرهم، والدِّرهمان من ضَرْب واحد، والمدان من شَجَرة واحدة، وفيما إذا باع صاع حِنْطة وصاعَ شعير بمثلهما وصاعا الحِنطة من صُبْرَة واحدة، وصاعا الشعير كذلك مع العلم باتحاد القيمة.
ويحكى هذا عن القَاضِي أبي الطَّيِّب الطَّبَرِي والقاضي الحسين وذكر الرُّوياني في "البحر": أنه المذهب وغلط من قال غيره.
ومن صور هذا الأصل: أن يبيع ديناراً صحيحاً وديناراً مكسوراً بدينار صحيح وآخر مكسَّر أو بصحيحين أو بمكسَّرين، إذا كانت قيمة المكسَّر دون قيمة الصحيح.
وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه: أن صفة الصِّحَّة في محل المُسَامحة، ثم الأئمة أطلقوا القول بالبطلان في حكايتهم عن المذهب المشهور.
وذكر أبو سعيد المُتَوَلِّي: أنه إذا باع مدّاً ودرهماً بمدين، يبطل العقد في المدّ المضموم إلى الدرهم، وفيما يقابله من المدَّين، وهل يبطل في الدرهم وما يقابله من المدَّين؟
فيه قَوْلاَ تَفْرِيقِ الصَّفقة، وعلى هذا قياس ما لو باعهما بدرهمين، أو باع صاع حِنْطة وصاع شعير بصاعي حِنْطَة أو صاعي شعير، ويمكن أن يكون كلام من أطلق محمولاً على ما فصّله.
ولو كان الجيد مخلوطاً بالرديء، فباع صاعاً منه بمثله أو بِجَيِّد أو رديء جاز لأن التوزيع إنما يكون عند تمييز أحد العوضين بالآخر.
أما إذا لم يتميز فهو كما لو باع صاعاً وسطاً بِجَيِّد أو رديء.
واعلم: أن صورة البطلان مفروضة فيما إذا قابل جملة ما في أحد الطرفين بجملة ما في الطرف الآخر.
وأما عند التفصيل كما إذا تبايعا مدّ عَجْوة ودرهماً بمد ودرهم، وجعلا المدّ في مقابلة المدّ والدِّرهم في مقابلة الدِّرهم أو جعلا المدَّ في مقابلة الدرهم والدرهم في مقابلة المدّ، فيجوز ذلك بمثابة صنفين متباينين.
القسم الثاني ولم يذكره في الكتاب: أن يكون مال الربا من الطرفين من جنسين، وفي الطرفين أو أحدهما شيئاً آخر، فينظر إن اختلف العِوَضَان في علة الربا، فيجوز كما إذا باع ديناراً أو درهماً، بصاع حِنْطة أو صاع شَعِير.
وإن اتفقا، فإن كان التَّقَابض شرطاً في جميع العوض جاز أيضاً، كما لو باع صَاعَ حِنْطَة وصاع شعير بصاعي تمر أو صاع تمر وصاع ملح، وإن كان التَّقابض شرطاً في البعض كما لو باع صاع حِنْطة ودرهماً بصاعي شعير، ففيه قولاً الجمع بين مختلفي الحكم؛ لأن ما يقابل الدرهم من الشعير لا يشترط فيه التقابض، وما يقابل الحِنْطة منه يشترط فيه التقابض.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "ولا يصح بيع الهَرَوِيّ بالهَرَوِيّ"، الهرويّ: نقد فيه ذهب وفضة، فيبيع بعضه ببعض بيع ذهب وفضة بذهب وفضة.
وقوله: "لأن حقيقة المماثلة غير معلومة" وجهه ما ذكرناه في "المُرَاطَلَة" من بعد.
وقوله: "ولو راطل مائتي" لفظ الشافعي -رضي الله عنه- فمعناه إذاً قوله: "ولا يصح بيع الهَرَوِيّ" معلّم بالحاء، وكذا قوله في مسألة المُرَاطَلَة لم يجز؛ لأن عند أبي حنيفة يصح البيع فيهما، وفي جميع الصور التي ذكرناها، حتى قال: لو باع قرطاساً وديناراً فيه بمائة دينار يصح، وقوله: "لم يجز" معلم بالألف أيضاً، لأن عند أحمد لا يضر اختلاف النوع والصفة بعد اتحاد الجنس، وبالواو لأن صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا مثله، وأيضاً فإن الإمام رأى الصِّحَّة في مسألة المُرَاطَلَة.
هذا مع تنصيصه على أنه رَأْيٌ رآه خارج عن مذهب الشافعي -رضي الله عنه- وأصحابه.
وقوله: "تخمين وجهل" أراد بالجهل هاهنا عدم العلم، وإلا فالجهل معناه المشهور هو الجزم، يكون الشيء على خلاف ما هو عليه ضد الظَّن والتَّخمين، فلا يكون الشيء تخميناً وجهلاً بذلك المعنى:
وقوله: "فمهما اشتملت الصفقة... " إلى آخره محمول على الجنس الواحد، وتقديره مهما اشتملت الصفقة على الجنس واحد من أقوال الربا، وإلا انتقض الضَّابط بما إذا باع ذهباً وفضة بحِنْطة أو بحنطة وشعير، وبما إذا باع حنطة وشعيراً بتمر أو بتمر ومِلْح.
ثم لنختم الفصل بِسَرْد صور فنقول إذا باع صاع حِنْطَة بصاع حِنْطة، وفيهما أو في أحدهما فصل وهو عقد التَّبْن أو زُوَان؛ وهو حب أسودُ رَقِيقٌ يكون في الحِنْطة، لم يجز؛ لأنه يأخذ شيئاً في المكيال، فإن كان في أحدهما لزم التَّفاضل، وإن كان فيهما لزم الجهل بالتماثل، وكذا لو كان فيهما أو في أحدهما مَدَراً وحبات شعير.
وضبط الإمام المنع بأن يكون الخَلِيطُ قدراً، لو "ميَّز بَانَ على المِكْيال".
فأما ما لا يبين على المكيال إذا مُيز، فلا مبالاة به.
وإن كان فيهما أو في أحدهما دِقَاق تبن أو قليل تُرَاب لم يضر؛ لأن ذلك لم يدخل في تَضَاعف الحِنْطة ولا يظهر في المكيال، بخلاف ما إذا باع موزوناً بجنسه، وفيهما أو في أحدهما قليل تراب حيث لا يجوز؛ لأنه يؤثر في الوزن كم كان.
ولو باع حنطة بشعير، وفي كل واحد منهما أو أحدهما حبَّات من الآخر يَسِيرة صح البيع؛ وإن كثرت فلا.
قال الإمام: وليس المعتبر كونه بحيث يؤثر في المكيال ولا كونه متمولاً.
أما التأثير في المِكيال، فلأن المماثلة غير مرعية عند اختلاف الجنس، وأما التمول، فلأنه مفرداً غير مقصود، فالمعتبر أن يكون الشعير الذي خالطته الحنطة قدراً يقصد تمييزه ليستعمل شعيراً وكذا بالعكس.
ولو باع داراً بذهب فظهر فيها معدن الذهب، فهل يصح البيع؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كبيع دار مُوِّهت بالذهب تمويهاً يحصل منه شيء بذهب.
وأصحهما: نعم؛ لأنه بائع بالإضافة إلى مقصود الدار.
ولو باع داراً فيها بئر ماء [بدار فيها بئر] ماء، وفرعنا على أن الماء ربوي، ففي صحة البيع وجهان: أصحهما: الصحة لما ذكرنا من معنى التبعية 1.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي في الحَالَةِ الَّتِي تُعْتَبَرُ المُمَاثَلَة فِيهَا، وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ فَقَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ فَقِيلَ: نَعَمْ فَقَالَ: فَلاَ إِذًا، فَنَبَّهُ عَلَى أَنَّ المُمَاثَلَةَ تُرَاعَى حَالَةَ الجَفَافِ وَهُوَ حَالُ كَمَالِ الشَّيْءِ، وَلاَ خَلاَص فِي المُمَاثَلَةِ قَبْلَهُ فَلاَ يَجْوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ (م ح ز) وَلاَ بَالتَّمْرِ، وَكَذَا العِنَبُ (ح)، وَكُلُّ فَاكِهَةٍ (و) كَمَالُهَا فِي جَفَافِهَا وَهُوَ حَالَة الادْخَارِ.
قال الرافعي: أموال الربا تنقسم إلى ما يتغير من حال إلى حال وإلى ما لا يتغير، والَّتِي تتغيَّر منها تعتبر المماثلة في بيع الجنس بالجنس منها في أكمل أحوالها، فمن المتغيرات الفواكه، فتعتبر المماثلة في المُتَجَانسين منها حالة الجَفَاف، ولا يغني التَّمَاثل في غير تلك الحالة.
روي عن سعد بن أبي وقاص أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن بيع الرُّطَب بالتمر فقال: "أَيَنقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبَسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلاَ إِذاً" 1.
ويروى "فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ"، أشار النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "أَيْنَقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبَسَ؟ " إلى أن المماثلة عند الجفاف تعتبر، ونبَّه به على علة فساد بيع الرطب بالتمر، وإلا فنقصان الرطب إذا جف أوضح من أن يبحث أو يسأل عنه.
إذا تقرر ذلك فلا يجوز بيع الرُّطَب بالتَّمْر ولا بالرطب.
أما بالتمر فليقين التفاوت عند الجفاف.
وأما بالرطب فللجهل بالمماثلة؛ لأنه لا يعرف قدر النُّقصان منهما، وقد يكون قدر الناقص من أحدهما أكثر من الآخر، وكذا لا يجوز العِنَبِ بالعنب وبالزبيب، وكذا كل ثمرة لها حالة الجَفَاف كالتِّين والمِشْمش والخوخ والبَطِّيخُ والكُمَّثْرَى الذين يفلقان والإجاصُ والرُّمَّان الحَامِض، لا يباع رطبها برطبها ولا بيابسها، ويجوز بيع الحديث بالَعَتِيق، إلاَّ أن تبقى النَّدَاوة في الجديد، بحيث يظهر أثر زوالها في المكيال.
وأما ما ليس له حالة جفاف كالعنب الذي لا يتزبب، والرطب الذي لا يتتمَّر، والبطيخ والكمثري الذين لا يفلقان والرُّمَّان الحلو والبَاذِنْجَان والقَرْع والبُقُول، ففي بيع بعضها ببعض قولان ذكرناهما من قبل.
وعند أبي حنيفة: يجوز بيع الرطب بالتمر وبالرطب وكذا في نظائره، وساعدنا مالك وأحمد على منع بيع الرطب بالتمر، وساعدا أبا حنيفة على تجويز بيع الرُّطَب بالرُّطب وبه قال المُزَنِّي.
ويستثنى عن بيع الرطب بالتمر صورة العَرَايا، وهي مذكورة من بعد.
قوله: "وكذا كل فاكهة كمالها بعد جفافها"، يجوز إعلامه بالواو؛ لأن الإمام حكى وَجْهاً في المشْمِش والخوخ، وما لا يعم تجفيفه عموم تجفيف الرطب؛ أنه يجوز بيع بعضها ببعض في حال الرطوبة، لأن رطوبتها أكمل أحوالها، والتَّجْفيف في حكم النادر.
وأما ما أجراه من لفظ "الادِّخَار فإن طائفة من الأصحاب ذكروه وآخرون أعرضوا عنه، ولا شك أنه غير معتبر لحالة التماثل في جميع الربويات، ألا ترى أن اللبن لا يدخر، ويباع بعضه ببعض؟ فمن أعرض عنه فذاك، ومن أطلقه أراد اعتباره في الفَوَاكِه والحبوب لا في جميع الربويات فاعرف ذلك.
قال الغزالي: وَادِّخَارُ الحَبِّ إِذَا بَقِيَ حَبًّا فَلاَ يُدَّخَرُ الدَّقِيقُ (ح وم) وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، وَلاَ الحِنْطَةُ المَقْلِيَّةُ وَالمَبْلُولَةُ، وَيُدَّخَرُ السَّمْسِمُ وَالدُّهْنُ وَالزَّبِيبُ وَالخَلُّ، وَكَمَالُ مَنْفَعَةِ اللَّبَنِ أَنْ يَكُونَ لَبَناً أَوْ سَمْناً أَوْ مَخِيضاً دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ سَائِرِ أَحْوالِهِ، وَكَذَا كُلُّ مَعْرُوضٍ علَى النَّارِ مِنْ دبْسِ أَوْ لَحْمِ فَلاَ كَمَالَ فِيهِ، وَمَا عُرِضَ لِلتَّمْييز كَالعَسَلِ فَهُوَ علَى الكَمَالِ، وَإذَا نُزِعَ النَّوَى مِنَ التَّمْرِ بَطُلَ (و) كَمَالُهُ، بِخِلاَفِ العَظْمِ إِذَا نُزِعَ مِنَ اللَّحْمِ إِذْ لَيْسَ في إِبْقَائِهِ صَلاحٌ لاِدْخَارِهِ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل:
إحداها: لِلْحِنْطة ونحوها من الحبوب حالتان:
إحداهما: مَا قبل التنقية من القِشْر والتِّبْن، وسيأتي حكم بيعها فيهما -إن شاء الله تعالى-.
والثانية: ما بعدها فيجوز بيع بعضها ببعض ما بقيت على هيئتها بشرط تَنَاهي جَفَافها، فإذا بطلت تلك الهيئة فقد خرجت عن حالة الكمال، فلا يجوز بيع الحِنْطة بشيء مما يتخذ منها من المَطْعُومات كالدَّقِيق والسُّوَيْق والخُبز والنِّشَا، ولا بما فيه شيء مما يتخذ من الحِنْطة كالمصل ففيه الدَّقيق والفَالُوذَج ففيه النِّشَا.
وكذا لا يجوز بيع هذه الأشياء بعضها ببعض لخروجها عن حالة الكمال، وعدم العلم بالمماثلة، ولو كان العوضان على حالة الكمال هذا ما يفتى به من المذهب.
ونقل الحسين وهو المعروف بـ"الكَرَابِيِسيّ" عن أبي عبد الله: تَجْوِيز بيع الحِنْطَة بالدَّقيق، فمنهم من جعله قولاً آخر للشَّافعي -رضي الله عنه-، وبه قال أبو الطَّيب بن سلمة، ووجهه بأن الدقيق نفس الحنطة، إلاَّ أَنَّ أجزاءها قد تفرقت، فأشبه بيع حِنْطَة صغيرة الحَبَّات بحِنْطَة كبيرة الحَبّات، وعلى هذا فالمِعْيار الكيل.
ومنهم من لم يثبته قولاً، وقال: أراد بأبي عبد الله مالكاً -رضي الله عنه- وأحمد.
وجعل الإمام منقول الكَرَابِيسيّ شيئاً آخر: وهو أن الدقيق مع الحِنْطَة جنسان، حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، ويشبه أن يكون هو منفرداً بهذه الرواية.
وحكى البُوَيطي والمُزَنِي في "المنثور" قولاً: أنه يجوز بيع الدقيق بالدقيق، وإن
امتنع بيعه بالحنطة، كما يجوز بيع الدهن بالدهن، وإن امتنع بيعه بالسِّمسم.
وفي بيع الخبز الجاف المدقوق بمثله قول: أنه يجوز لإمكان كيله والأَمْن من التفاضل فيه وهذا رواه الشيخ أبو حامد والعراقيون عن رواية حرملة، والشيخ أبو عاصم العبادي وآخرون عن رواية ابن مِقْلاَص.
ورد الإمام رواية ابن مِقْلاَص إلى شيء آخر، وهو تجويز بيع الْحِنطة بالسُّوَيق، وجعلهما جنسين:
وقال مالك -رضي الله عنه-: يجوز بيع الحنطة بالدقيق، وبه قال أحمد في أظهر الرِّوايتين، إلاَّ أن مالكاً يعتبر الكيل، وأحمد يجوز الكيل والوزن.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الدقيق بالدقيق بشرط تساويهما في النُّعومة والخشونة، ولا يجوز بيع الحنطة المَقْلِية بالمَقْلِية ولا بغيرها لتغيرها عن هيئتها واختلاف الحبات في التأثر بالنار، ولا بيع الحِنْطة المبلولة بالمَبْلُولة ولا بغيرها لما في المَبْلُولة من الانْتِفاخ والتَّجافي، فإن جفت لم يجز أيضاً لتفاوت جنسها عند الجفاف، وإذا منع مجرد البل بيع البعض بالبعض، فالتي نُحِّيت قشرتها بعد البَلِّ بالتَّبريس أولى أن لا يباع بعضها ببعض.
قال الإمام: في الجَارُوسِ عندي احتمال إذا نجيت قِشْرَتها، وكما أن المَبْلُولة مجاوزة حالة الكمال، فالتي لم يتم جفافها غير واصلة إلى حالة الكمال، وإن أفركت وأخرجت من السَّنابل.
ويجوز بيع الحِنْطة وَمَا يتخذ منها من المَطْعُومات بالنّخَالة، لأنها ليست مال الربا، وكذا بيع المُسَوَّسة بالمُسَوسة إذا لم يبق فيهما شيء من اللّب قاله في "النهاية".
الثانية: السِّمْسم وغيره من الحبوب الَّتِي يتخذ منها الأدهان على حالة الكمال ما دامت على هيئتها كالأقوات فلا يجوز بيع طَحينها بِطَحْينها كبيع الدَّقيق بالدقيق.
والدهن المستخرج منها على حالة الكمال أيضاً، حتى يجوز بيع بعضها ببعض متماثلاً.
وفيه وجه: أن بيع الدُّهن بالدُّهن لا يجوز؛ لأن الدهن لا يستخرج إلا بعد طرح حلاوة أو ملح على الطّحين، فيلتحق بصورة مدّ عَجْوة، والمذهب الأول.
ويجوز أن يكون للشيء حالتا كمال، أَلاَ ترى أن الزَّبيب والخَلَّ كلاهما على حالة الكمال مع أن أصلهما العنب؟ وكذلك العصير على حالة الكمال في أصح الوجهين، حتى يجوز بيع عصير العنب بعصير العنب، وعصير الرطب بعصير الرطب، والمعيار فيه، وفي الدهن الكيل.
ويجوز بيع الكُسْب بالكُسْب أيضاً إن لم يكن فيه خلط، فإن كان فيه خلط لم
يَجُز، والأدهان المطيبة كدهن الوَرْد والبَنَفْسج والنيلوفر كلها مستخرجة من السِّمسم، فإذا فرعنا على جريان الربا فيها جاز بيع بعضها ببعض، إن ربَّى السمسم فيها ثم استخرج دهنه، وإن استخرج الدهن ثم طرح أوراقها فيه لم يجز، لأن اختلاطها به يمنع معرفة التماثل.
وعصير الرُّمان والتُّفاح وسائر الأثمار كعصير الرطب والعنب، وكذا عصير قَصَبِ السكر، ويجوز بيع خَلِّ الرُّطَب بَخلِّ الرطب وخل العنب بخَل العنب، لأنه على هيئة الادِّخار، والمعيار فيه الكيل، ولا يجوز بيع خَلِّ الزَّبيب بمثله ولا بيع خل التمر بمثله، لما فيهما من الماء، وأنه يمنع معرفة التماثل بين الخلين.
وكذا لا يجوز بيع خل العنب بخل الزبيب، ولا خل الرطب بخل التمر؛ لأن في أحد الطرفين ماء فيلزم التفاضل بين الخلين.
ولا يجوز أيضاً بيع خل الزبيب بخل التمر، إذا فرعنا على أن الماء ربوي، لأن في الطرفين ماء، والمماثلة بين الجانبين غير معلومة 1.
ويجوز بيع خَلِّ الزبيب بخل الرطب، وخل التمر بخلِّ العنب، لأن الماء في أحد الطرفين، والمماثلة بين الخَلَّين غير معتبرة تفريعاً على الصحيح، في أنهما جنسان.
الثالثة: اللَّبن حالة الكمال يباع بعضه ببعض بخلاف الرطب، لأن اللبن يؤكل على هَيْئَته في الأكثر، ومعظم منافعه تفوت بِفَوات تلك الهيئة.
وأما الرطب فما يؤكل منه في الحال يعد عجالة تَفَكُّه، والمقصود الأعظم اقتناؤه قوتاً، فجعل حال كمال كل واحد منهما ما يليق به، وحكم الرَّائِبِ والحامض والخَاثِرِ منه ما لم يكن مَغْلياً حكم الحَلِيب في الحال حتى يباع البعض منهما بالبعض أو بالحَلِيب، ولا نظر إلى أن الشَّيء إذا خَثَر كان أَثْقَل، وما يحويه المكيال من الخاثِر يزيد في الوزن على الرَّقيق من جنسه؛ لأن المعيار في اللَّبن الكيل نص عليه الجمهور.
وإذا حصل الاستواء في الكيل فلا مبالاة بتفاوت الوزن، كما في الحِنْطة الصلبة مع الرخوة، وفي كلام الإمام ما يقتضي تجويز الكيل والوزن جميعاً.
ويجوز بيع السَّمن بالسَّمن أيضاً؛ لأنه يدّخر ولا يتأثّر بالنَّار تأثر انعقاد ونقصان، وإنما يعرض على النَّار لِلتَّصْفية، فالمعيار فيه الكَيْل إن كان ذائباً والوزن إن كان جامداً،
قاله في "التهذيب"، وهو متوسط بين وجهين أطلقهما العراقيون.
فحكوا عن المنصوص: أنه يوزن، وعن أبي إسحاق: أنه يكال، ويجوز بيع المَخيض بالمَخِيض إذا لم يكن فيهما ماء، ومال المُتَوَلِّي إلى المنع، لأنه ليس على حالة الادخار، ولا على حال كمال المنفعة، فليكن كبيع الدقيق بالدقيق، ولا يجوز بيع الأَقِط بالأَقِط والمَصْل بالمَصْل والجُبْن بالجُبْن لتأثرها بالنَّار ولأنها لا تخلو عن مخالطة شيء، فالملح خليط الأقط، والدقيق خليط المصل، والانْفَحَة خليط الجبن، وهل يجوز بيع الزُّبْد بالزُّبْد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كبيع السَّمن بالسَّمن.
وأصحهما: لا، لأن الزُّبد لا يخلو عن قليل مَخِيض، وأنه يمنع معرفة المُمَاثلة، وعلى هذا لا يجوز بيعه بالسَّمْن لتحقُّق المفاضلة، ولا يجوز بيع اللَّبَن بكل ما يتخذ منه من السَّمن والمَخِيض وغيرهما كبيع الحِنْطة بما يتخذ منها.
وقوله في الكتاب: "وكمال منفعة اللبن أن يكون لبناً أو سمناً أو مخيضاً، لا يمكن إجراؤه على ظاهره، لأنه ليس كونه لبناً كمال منفعته، وإنما هو حال منفعته، ولو طرح لفظ "المنفعة" وقال: حال كمال اللبن: أن يكون لبناً أو مخيضاً أو سمناً لكان أولى، ويجوز إعلام قوله: "دون ما عداه من أحواله" بالواو للوجه المذكور في الزبد.
الرابعة: المعروض من مال الرِّبا على النَّار ضربان:
أحدهما: المعروض للعقد والطَّبخ كالدِّبْس واللَّحم المَشْوِي، وفي جواز بيع الدِّبْس بمثله وجهان:
أحدهما: يجوز، لإمكان ادِّخاره، ولتأثير النار فيه غاية يعرفها أهل البَصَر.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجوز، لأن النار تأخذ بعض العصير فيصير دِبْساً، وقدر المأخوذ منه يختلف اختلافاً بيناً، فلا ندري المُمَاثلة بين أجزاء العَصِير، وفي بيع السكر بالسكر، والفاسد بالفاسد، واللَّباء باللَّباء وجهان كما في الدِّبْس.
ولا يجوز بيع قصب السكر بقصب السكر ولا بالسكر كبيع الرطب بالرطب والتمر بالتمر.
وأَمَّا اللحم إذا بيع بجنسه، فإن كانا طَرِبين أو أحدهما لم يجز، لأن معظم منافع اللحم تنتفي بعد التقديد فهو كالرطب والعنب.
وعن ابن سُرَيج: أنه يجوز كبيع اللبن باللبن، وإن كانا مُقَددين جاز، إلا أن يكون فيهما أو في أحدهما من المِلْح ما يظهر في الوزن.
قال الأئمة: ويشترط أن يتناهى جَفَافه بخلاف التمر يباع الحديث منه بالحديث وبالعَتِيق؛ لأنه مكيل وأثر الرُّطُوبة الباقية لا تظهر في المِكْيال، واللحم موزون وأثر
الرُّطُوبة يظهر في المِيْزَان، هذا إذا لم يكن اللَّحْم مطبوخاً أو مشوياً.
أما المَطْبُوخ والمَشْوِي فلا يجوز بيعها بمثلها ولا بالنَّي لما ذكرنا من اختلاف تأثير النار.
وعن أَبِي حَنيفَة: يجوز بيع المَطْبُوخ بالنَّي متماثلاً.
وعن مالك: تجويزه متماثلاً ومتفاضلاً.
الضَّرب الثاني: المعروض للتمييز والتنقية فهو على حالة الكمال يجوز بيع بعضه ببعض كالسمن على ما مر، وكالذهب والفضة يعرضان على النار لتمييز الغِشّ، وفي العسل المصفَّى بالنار وجهان:
أحدهما: أنه خارج عن الكمال، لأن النَّار قد تعقد أجزاءه.
وأظهرهما وهو المذكور في الكتاب: أنه على الكمال؛ لأن المقصود من عرضه تمييز الشَّمع عنه، ونار التمييز لينة لا تؤثر في التَّعقيد أشبه المصفَّى بالمشمش، ولا يجوز بيع الشُّهْد بالشُّهْد؛ لأن الشَّمع يمنع معرفة التَّماثل بين العَسَلَين، ولا بالعسل لظهور التَّفاضل، ويجوز بيع الشَّمع بالعَسَل وبالشّهد بلا حجر؛ لأن الشمع ليس من أموال الربا، ومعيار السَاوي في العَسَل على ما ذكرناه في السَّمْن.
الخامسة: التَّمْر إذا نزع منه النَّوَى بطل كماله لأنه يبطل ادِّخَاره، ويتسارع إليه الفساد فلا يجوز بيع منزوع النَّوَى بمثله ولا بغير المَنْزُوع، وقيل: يجوز بيع المنزوع بمثله، لأن النَّوَى ليس من جنس التَّمر فلا يضر فصله عنه، وإنما لم يشترط ذلك لما فيه من المَشَقة.
وحكى الإمام الخلاف في بيع المنزوع بالمنزوع أيضاً ومفلَّق المِشمش والخُوخ ونحوهما لا يبطل كمالها بننرع النَّوَى في أصح الوَجْهين؛ لأن الغالب في تَجْفِيفها نزع النَّوى، ولا يبطل كمال اللَّحم بنزع العَظْم، لأنه لا يتعلَّق صلاح ببقائه، وهل يشترط النزع في جواز بيع بعضه ببعض؟ فيه وجهان:
أظهرهما عند الأكثرين: نعم، وبه قال أبو إسحاق.
والثاني ويحكى عن الإِصْطَخْري: أنه يسامح به، وعلى هذا يجوز بيع لَحْم الفَخِذ بالجَنب، ولا نظر إلى تفاوت أقدار العظام كتفاوت النَّوَى.
هذا شرح مسائل الفصل وما يناسبها، وإذا نظرت في هذا الطرف عرفت أن النظر في حالة الكمال إلى أمرين في الأكثر:
أحدهما: كون الشيء بحيث يتهيَّأ لأكثر الانتفاعات المطلوبة منه.
والثاني: كونه على هيئة الادِّخار لكنهما لا يعتبران جميعاً، فإن اللبن ليس بمدخر، والسمن ليس بمتهيء الانْتِفَاعات المَطْلُوبة من اللبن، وكل واحد من المعنيين غير مكتفى به أيضاً، لأن الثمار التي لا تدخر تتهيَّأ لأكثر الانْتِفَاعات المطلوبة منها، والدقيق مدَّخر وليس على حالة الكمال على ما سبق، ولا تساعدني عبارة ضابطة، كما
أحب في تفسير الكمال، فإن ظفرت بها ألحقتها بهذا الموضع وبالله التوفيق.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ في مَعْنَى الجِنْسِيَّةِ، وَالأَدِقَّةُ وَالأَلْبَانُ وَالخُلُولُ وَالأَدْهَانُ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلاَفِ أُصُولها، وفي لُحْومِ الحَيَوَانَاتِ قَوْلاَنِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ لِتَفَاوُتِ المَعْنى وَإِنْ اتَّفَقَ الاسْمُ، وَأَعْضَاءُ الحَيَوانِ الوَاحِدِ كَالكِرْشِ وَالكَبِدِ وَالشَّحْمِ أَجْنَاسٌ عَلَى الأَظْهَرِ إِنْ جَعَلْنَا اللَّحْمَ أَجْنَاساً، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ (ح و) اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ علَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِلْنَّهِي عَنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ دُهْنِ السِّمْسِمِ بالسِّمْسِمِ، وَلاَ بَيْعُ السَّمْنِ بِاللَّبَنِ وَإِنْ جَازَ بَيْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ.
قال الرافعي: عرفت في صدر الباب أن بيع المال الربوي بجنسه مشروط برعاية المُمَاثلة وبغير جنسه غير مشروط بها، والتجانس والاخْتِلاَف قد يظهر، فلا يحتاج إلى التَّنْصيص عليه، وقد يقع في محل الإِشْكال والاشتباه، وموضوع الطرف بيان مواضع الاشتباه، وفيه مسألتان:
إحداهما: اختلف قول الشافعي -رضي الله عنه- في أن لحوم الحَيَوَان جنس أو جنسان: فأحد القولين: أنها جنس واحد؛ لأنها مشتركة في الاسم الذي لا يقع بعده التَّمييز إلاَّ بالإضافة، فأشبهت أنواع الرُّطَب والعنب، وتخالف الثمار المختلفة، فإنها وإن اشتركت في اسم الثَّمرة لكنها تمتاز بأسمائها الخاصة.
وأصحهما وبه قال أبو حنيفة والمزني: أنها أجناس مختلفة لأنها فروع أصول مختلفة، فأشبهت الأدقّة والأَخْبَاز.
وعن مالك: أن اللحوم ثلاثة أجناس: الطُّيور، والدَّوابُ أهَلِيّها وَوَحْشِيّها، والبَحْريات.
وبه قال أحمد في أحد الروايتين وعنه روايتان أخرتان كالقولين.
التفريع: إن جعلناها جنساً واحداً، فلا فرق بين لحوم الحيوانات البَريّة أهليها ووحشيها، وكذا لحوم البحريات جنس واحد، وفي لحوم البَرِيّات مع البَحْرِيّات وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو علي الطَّبَرِي والشيخ أبو حامد: أنهما جنسان، وكذلك لو حَلَفَ أن لا يأكل اللَّحم لا يَحْنَث بلحوم الحِيْتان.
والثاني: أنهما جنس واحد لشمول الاسم.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ 1، وهذا هو اختيار القاضي أبي
الطَّيب ابن الصَّبَّاغ، وهو الذي أورده في "التهذيب".
وإن جعلناها أجناساً، فحيوان البَرِّ مَعَ حيوان البَحْرِ جنسان، ثم الأَهْلِيَّات من حيوان البَرِّ جنس، والوَحْشِيَّات جنس، ثم لكل واحد من القسمين أجناس، فلحوم الإبل على اختلاف أنواعها جنس واحد، ولحوم البقر والجَوامِيس وغيرها جنس واحد، ولحوم الغنم ضَأْنُها ومَعِزُها جنس، والبقر الوَحْشِي جنس، والظِّبَاء جنس، وفي الظِّبَاء مع الإبل تردد للشيخ أبي محمد واستقرار جوابه على أنهما كالضَّأْن والمعز، وأما الطُّيور والعَصَافير على اختلاف أنواعها جنس، والبطوط جنس، وعن الربيع أن الحمام بالمعنى المتقدم في الحج وهو ما عب، وهدر جنس، فيدخل فيه القُمْرِيُّ والدّبْسِيّ والفَاخِتَة، وهذا اختيار جماعة منهم الإمام وصاحب "التهذيب"، واستبعده أصحابنا العراقيون، وجعلوا كل واحد منهما جنساً برأسه، والسُّمُوك من حيوان البحر جنس، وفي غَنم الماء وَبَقرِه وغيرهما مع السُّمُوك، وكذا في بعضها مع بعض قولان:
أصحهما: أنها أجناس كَحَيَوانات البر، وهل الجراد من جنس اللحوم؟
فيه وجهان: إن قلنا: نعم، فهو من البَرِّيات أو البَحْرِيات فيه وجهان 1.
وفي أعضاء الحيوان الواحد كالكِرْشِ والكَبِدِ والطّحَال والقَلْب، والرِّئَةُ طريقان:
أشهرهما: أنا إن قلنا: إن اللحوم أجناس، فهذه أولى لاختلاف أسمائها وصفاتها.
وإن قلنا: إنها جنس واحد ففيها وجهان، لأن من حلف أن لا يأكل اللحم، لا يَحْنَث يأكل هذه الأشياء على الصحيح، وهذا كالخلاف في أن لحم السمك جنس برأسه أو هو من جنس سائر اللحوم؛ لأن من حَلَفَ أن لا يأكل اللحم لا يَحْنَث بأكل السَّمك.
والثاني عن القَفَّال: أنا إنْ جعلناها جنساً واحداً فهذه الأشياء مجانسة لها، وإن جعلناها أجناساً فوجهان لاتِّحاد الحيوان، وصار كلحم الطَير وشحمه.
وقوله في الكتاب: "أجناس على الأظهر"، إن جعلنا اللحوم أجناساً إلى هذه الطَّريقة أقرب، ولو قال: "وإن لم نجعل اللحوم أجناساً"، لكان ذلك للطّريقة الأولى، وكيف ما قدرت التَّرتيب فظاهر المذهب أنها أجناس، والمخ جنس آخر، وكذلك الجِلْد 2 وشَحْم الظَّهر مع شَحْم البَطْن جنسان، وسِنَام البعير معهما جنس آخر، والرَّأْس والأَكَارع من جنس اللحم، وفي الأَكَارع احتمال عند الإمام.
وأما الأَدِقّة والخُلُول والأَدْهَان فهي أجناس مختلفة على المَشْهور؛ لأنها أصول فروع مختلفة وهي من أموال الربا، فأجرى عليها حكم أصولها بخلاف اللحم فإن أصولها وهي الحيوانات ليست رَبَوية، وكذا عصير العِنَب مع عصير الرُّطَب جنسان وَدِبْسَهُما كذلك، وفي الأَدِقَّة حكاية قول عن "أمالي حرملة".
أنها جنس واحد، وأبعد منه وجه ذكروه في الخُلُول والأَدْهَان، ويجري مثله في عصير العنب مع عصير الرطب.
وأما الألبان ففيها طريقان:
أظهرهما: عند الأكثرين: أنها على قولين كما في اللَّحمين، فعلى الأصح يجوز بَيْعُ لبن الغَنَمِ بلبن البقر متفاضلاً، وبيع أحدهما بما يتخذ من الآخر، ولبن الضَّأن والمعز جنس واحد، ولبن الوَعْلِ مع المعز الأهلي جنسان اعتباراً بالأصول.
والطريق الثاني: وهو قضية إيراد الكتاب: القطع بأنها أجناس مختلفة، والفرق أن الأصول التي حصل اللَّبن منها باقية بحالها وهي مختلفة، فيدام حكمها على الفُروع بخلاف أصول اللَّحم.
وَبُيُوض الطُّيور أجناس إن جعلنا اللَّحوم أجناساً، وإن جعلناها جنساً واحداً، فهي أجناس أيضاً على أصح الوجهين.
والزَّيت المعروف مع زَيْت الفِجْل جنسان، وهو دهن يتخذ من بزْرِ الفِجْل، يسمى زَيْتَاً لأنه يصلح لبعض ما يصلح له الزَّيت المعروف.
ومنهم من قال: حكمهما حكم اللَّحمين، والتمر المعروف مع الهِنْدي جنسان.
وعن ابن القَطَّان وجه: أنهما جنس واحد.
وفي البَطِّيخ المعروف مع الهِنْدي وجهان أيضاً، وكذا في القِثَّاء مع الخِيَار 1.
والبُقُول كالهِنْدِبا والنّعنَع وغيرهما أجناس، إذا قلنا: بِجَرَيان الربا فيها، ودهن السِّمْسم وكُسْبه جنسان، كالمخيض والسَّمن، وفي عصير العنب مع خلِّه وجهان:
أظهرهما: أنهما جنسان لإفراط التَّفاوت في الاسم والصِّفة والمقصود، وفي السكر والفَانِيذ وجهان أيضاً:
أظهرهما: أنهما جنسان لاختلاف قصبهما، والسكر والنبات والطَّبْرزد جنس واحد، والسكر الأحمر وهو القَوَالِبُ عكر الأبيض ومن قصبه، وسع ذلك ففي التجانس تردد للأئمة لمخالفتهما في الصفة.
قال الإمام: ولعل الأظهر: أنه جنس من السُّكر.
المسألة الثانية: بيع اللحم بالحيوان المأكول من جنسه باطل وهو قول مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة والمُزنِيّ.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ" 1.
وإن باعه بحيوان مأكول لا من جنسه، كما لو باع لحم الشَّاة بالبقرة، فيبنى على أن اللحمين جنس أو أجناس.
إن قلنا: إنهما جنس فهو باطل أيضاً.
وإن قلنا: أجناس، فقولان:
أحدهما: وبه قال مالك وأحمد: أنه صحيح، كما لو باع اللَّحم باللَّحم.
وأصحهما: أنه باطل لعموم الخبر.
روي أن جَزُوراً نحرت على عهد أبي بكر -رضي الله عنه- فجاء رجل بعِنَاق وقال: اعْطُوني جزءاً بهذه العِنَاق، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: لا يصلح هذا.
وإن باعه بحيوان غير مأكول كعبد أو حمار ففيه قولان:
أصحهما عند القَفَّال: المنع لظاهر الخبر.
والثاني: الجواز؛ لأن سبب المنع بيع مال الربا بأصله المشتمل عليه، ولم يوجد ذلك هاهنا وفي بيع الشَّحْم والألْيَة والطّحَال والقَلْب والكِلْية والرِّئة بالحيوان وجهان، وكذا في بيع السّنَام بالأبل.
أحدهما: يجوز؛ لأن النَّهي ورد في بيع اللَّحم بالحيوان.
وأصحهما: المنع، لأنه في معناه، وعلى هذا الخلاف بيع الجِلْد بالحيوان إن لم يكن مَدْبوغاً، وإن كان مدبوغاً فلا منع، وعلى الوجهين أيضاً بيع لحم السَّمك بالشَّاة، ولا يجوز بيع دُهْن السِّمْسم ولا كُسْبه بالسمسم، ولا ببيع دهن الجُوز بلب الجُوز، ولا بيع السَّمن باللَّبن، كما لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، وبيع دقيق الحِنْطة بالحنطة.
وذكر الإمام هاهنا إشكالاً وطريق حله.
أما الإشكال، فهو: أن السِّمْسم جنس في نفسه لا أنه دُهن وكُسْب، واللبن جنس في نفسه لا أنه سمن ومَخِيض، ولهذا جاز بيع السِّمْسم بالسِّمْسم، واللبن باللبن، وإن كان لا يجوز بيع الدهن والكسب بالدهن والكسب، وبيع السمن والمَخِيض بالسَّمن
والمخيض، وإذا كان جنساً برأسه وجب أن يجوز بيع السمسم بالدهن، كما جاز بيع السِّمْسم بالسِّمسم.
وأما الحل: هو أنه إذا قُوبل السِّمسم بالسِّمْسم، واللّبن باللبن، فالعِوَضَان متجانسان في صفتهما الناجزة، فلا ضرورة إلى تفريق الأجزاء وتصوير ما يكون حينئذ، وإذا قوبل السِّمْسم بالدهن، فلا يمكننا جعل السِّمْسم مخالفاً للدهن، مع اشتمال السِّمسم على الدُّهن، وإذا ارتفعت المُخَالفة جاءت المُجَانسة، ولا شك أن مجانستهما في الدُّهْنِية فنضطر إلى اعتبارها، وإذا اعتبرناها كان ذلك بيع دهن وكسب بدهن.
قوله في الكتاب: "إن جاز بيع كل واحد منهما بجنسه"، إشارة إلى هذا الإِشْكَال، ويجوز بيع الجُوز بالجُوز واللُّوز باللُّوز، ولا بأس بما عليهما من القِشْر؛ لأن الصلاح يتعلق به، ثم المعيار في الجُوز الوَزْن، لأنه أكبر من التَّمر، وفي اللوز الكيل، ويجوز أيضاً بيع لُب الجوز ولب اللوز بلب اللّوز لأنه أكبر.
وفيه وجه: أنه لا يجوز بيع اللّب باللّب.
لخروجه عن حالة الادِّخار، وبهذا أجاب في "التتمة".
وحكى القاضي ابن كَجٍّ عن نص الشافعي -رضي الله عنه-: أنه لا يجوز بيع الجُوز بالجوز، واللوز باللوز، مع القِشْر، وبيع البيض بالبيض، كبيع الجوز بالجوز، فيجوز على الظاهر، وإن كان في القِشْر، والمعيار فيه الوزن، ويجوز بيع لبن الشَّاة بغير اللّبُون من الشَّاة، وكذا باللّبُون إذا لم يكن في ضَرْعها لبن، إن جرى البَيع عقيب الحلب، وإن كان في ضَرْعها لبن لم يجز؛ لأن اللبن في الضرع يأخذ قِسْطاً من الثمن، ألا ترى أنه وجب التمر في مقابلته في المصَرَّاة؟ وكذا لو باع شاة في ضَرْعها لبن بشاة في ضَرْعها لبن كما لو باع حيواناً ولبناً بحيوان ولبن.
وعن أبي الطَّيِّب ابن سَلَمة: أنه يجوز كبيع السِّمْسم بالسِّمسم، وبيع البيض بالدَّجَاجة كبيع اللبن بالشَّاة، ولو باع لبن الشاة ببقرة في ضَرْعها لبن.
فإن قلنا: الألبان جنس واحد لم يجز.
وإن قلنا: إنها أجناس فقولان للجمع بين مختلفي الحكم، فإن ما يقابل اللبن من اللبن يشترط فيه التَّقابض، وما يقابله من الحَيَوان لا يشترط فيه التقابض -والله أعلم-.
فرع: الربا يجري في دار الحرب جريانه في دار الإسلام؛ لأن النصوص الواردة فيه مطلقة.
وبه قال مالك وأحمد.
وعن أبي حنيفة: أن الربا في دار الحرب إنما يجري بين المسلمين المهاجرين،
فأما بين حَرْبِيين وبين مسلمين لم يهاجرا أو أحدهما، فلا ربا -والله أعلم-.
الْبَابُ الثَّالِثُ في الفَسَادِ مِنْ جِهَةِ النَّهْي
قال الغزالي: وَالمَنَاهِي قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ العَقْدِ وَذَلِكَ كَنَهْيهِ عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوَانِ (ح) وَبَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَبَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُجْرِيَ فِيهِ الصِّيعَانُ، وَبيْعِ الكَاليءِ بالكَاليءِ، وَبَيْعِ الغَرَرِ، وَبَيْعِ الكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، وَبَيْعِ عَسَبِ الفَحْلِ وَهُوَ نُطْفَتُهُ.
قال الرافعي: مقصود الباب عدد البياعات التي ورد فيها نهي خاص، والتَّرجمة تقتضي انقسام الفساد إلى ما يكون للنهي وإلى ما يكون لغيره، لكن يمكن أن يقال: لإفساد إلا للنَّهي، فإن الربا الذي أفرده بالذّكر منهى عنه أيضاً، وكذا تفريق الصَّفقة إذا منعنا عنه، وكل فاسد منهى عنه إِمَّا نهي خاص وإما نهي عام.
ثم ما ورد فيه النهي من البيوع قد يحكم بفساده قضية للنهي وهو الأغلب وقد لا يحكم، وهو حيث يقارن البيع ما يعرف عود النهي إليه كالمنع عن البيع حالة النّدَاء، فإنا نعلم أن المنع غير متوجّه نحو خصوص البيع، وإنما هو متوجّه نحو ترك الجمعة حتى لو تركها بسبب آخر فقد ارتكب المنهي، ولو باع في غير تلك الحالة لم يُصَادِفْه نَهْي.
القسم الأول: ما حكم فيه بالفساد وهو أنواع:
فمنها: بيع اللَّحم بالحَيَوان وقد مر.
ومنها: بيع ما لم يقبض وبيع الطعام حتى يجري فيه الصَّاعان، وبيع الكَالئ بالكالئ وسنشرحها من بعد -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: بيع الغَرَر 1.
فمنه بيع ما لم يقدرعلى تسليمه وقد سبق.
ومنه أن يبيع مال الغير.
"ومنْهُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، رُوِي أَنَّ النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْهُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ" 2.
وله تفسيران:
أحدهما: أن يبيع ما هو غائب عنه.
والثاني: أن يبيع ما لا يملكه ليشتريه فيسلِّمه.
ومنها: بيع الكلب والخِنْزِيرِ، وقد تقدم ذكره في شرط طهارة المبيع.
ومنها ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ" 1.
وروي أنه "نَهَى عَنْ ثَمَنِ عَسْبِ الْفِحْلِ" 2.
وهذه رواية الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، قال في "الصحاح": العَسْب: الذي يؤخذ على ضِرَاب الفَحْل 3 وعَسب الفَحْل أيضاً: ضِرَابه، ويقال: ماؤه، فهذه ثلاثة مَعَان.
والثَّالث: هو الَّذي أطلقه في الكتاب.
والثَّاني: هو المشهور في الفِقْهيات، ثم ليس المراد من الخبر في الرواية الأولى الضِّرَاب، فإن نفس الضِّرَاب لا يتعلَّق به نهي ولا منع من الإيذاء أيضاً، بل الإعارة للضراب محبوبة، ولكن الثمن المذكور في الرواية الثانية مُضْمَر فيه هكذا قالوه.
ويجوز أن يحمل العَسْب على الكِرَاء على ما هو أحد المعاني، فيكون نهياً عن إِجَارَة الفَحْل للضِّراب، ويستغنى عن الإِضْمَار وأما على الرواية الثانية فالمفسّرون للعَسْب بالضِّرَاب ذكروا أنَّ المراد من الثَّمن الكِرَاء، وقد يسمى الكِرَا ثَمَناً مجازاً، ويجوز أن يفسر العَسْب بالماء، ويقال: هذا نهي عن بيعه، والحاصل: أن بَذْل المال للضِّرَاب ممتنع بطريق البيع؛ لأن ماءه غير متقوم، ولا معلوم، ولا مقدور على تسليمه.
وأما بطريق الاستئجار: ففيه وجهان قد ذكرهما في الكتاب في "باب الإجارة".
أصحهما: المنع 4 أيضاً وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن فعل الضّرَاب غير مقدور عليه للمالك بل يتعلق باختيار الفَعْل.
والثَّاني وبه قال ابن أبي هريرة ويحكى عن مالك: أنه يجوز كالاسْتِئْجَار لِتَلْقِيح
النَّخل، ويجوز أن يعطي صاحب الأُنْثَى صاحب الفحل شيئاً، على سبيل الهدية خلافاً لأحمد -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَحَبَلِ الحَبَلَةِ وَهُوَ نِتَاجُ النِّتَاجِ، وَالمَلاَقِيح وَهِيَ مَا فِي بُطُونِ الأُمَّهاتِ، وَالمَضَامِين وَهِيَ مَا فِي أَصْلاَبِ الفُحُولِ.
قال الرافعي: ما روي عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ" 1 وحبل 2 الحبلة هو نِتَاج النِّتَاج، ثم ذكروا للخبر تفسيرين:
أحدهما: أن يبيع الشيء إلى أن ينتج نِتَاج هذه الدَّابة.
والثاني: أن يبيع نِتَاج النِّتاج نفسه.
والأول: هو تفسير ابن عمر، وبه أخذ الشَّافعي -رضي الله عنه-.
والثاني: تفسير أبي عبيد وأهل اللُّغَة، وكلا البيعين باطل.
أما الأول: فلأنه بيع إلى أجل مجهول.
وأما الثاني: فلأنه بيع ما ليس بمملوك ولا معلوم ولا مقدور على تَسْلِيمه.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَلاَقيحِ وَالْمَضَامِينِ" 3.
فالملاقيح: ما في بُطُون الأُمّهَات من الأجِنّة، الواحدة ملقوحة من قولهم: لُقحت، كالمَجْنون من جُنَّ، والمَحْمُوم من حُمَّ، والمَضَامِينُ: ما في أَصْلاَب الفُحُول، سمي بذلك لأن الله -تعالى- ضَمَّنها فيها، وكانوا في الجَاهِلية يبيعون ما في بطن النَّاقة، وما يحصل من ضِرَاب الفَحْل في عام أو أعوام، وسبب بطلانهما من جهة المعنى بين 4...
قال الغزالي: وَبَيْعِ المُلاَمَسَةِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّمْسَ بَيْعاً، وَالمُنَابَذَة بِأَنْ يَجْعَلَ النَّبْذَ بَيْعاً، وَرَمْي الحَصَاةِ وَهُوَ أَنْ يُعَيِّنَ لِلبَيْعِ مَا تَقَعُ الحَصَاةُ عَلَيْهِ، وَبَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ فَيَقُولُ: بِعْتُ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً أَوْ بِأَلْفٍ نَقْداً فخُذْ بأيِّهِما شِئْتَ.
قال الرافعي: ومنها: ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعِ المُلاَمَسَةِ، وَالْمُنَاَبَذَة" 1.
وللملامسة تأويلان:
أحدهما: إنْ أتي بثوب مَطْوي أو في ظلمة فيلمسه المُسْتام، فيقول صاحب الثوب: بِعْتك هذا بكذا، بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، ولا خيار لك إذا رأيته، وهو تأويل الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وهذا البيع باطل.
أما إذا أبطلنا بيع الغائب فظاهر.
وأما إذا صححناه فلاشْتِرَاط قيام اللَّمْس مقام النَّظر.
قال الإمام: ويتطرّق إلى هذا احتمال من جهة أن من اشترى شيئاً على شرط نفي خيار الرؤية، ففي صحة الشرط خلاف فلا يمتنع أن يكون هذا على ذلك الخلاف، وبهذا الاحتمال أجاب أبو سعد المُتَوَلِّي في كتابه.
الثاني: وهو المذكور في الكتاب: أن يجعل نفس اللَّمْس بيعاً، ومثَّله الإمام بأن يقول صاحب الثوب لطالبه: إذا لمست ثوبي فهو مبيع منك بكذا، وهو باطل لما فيه من التَّعْليق والعُدُول عن الصِّيغة الشَّرْعية، وذكر في "التتمة": أن هذا في حكم المعاطاة.
والثَّالث: أن يبيعه شيئاً على أنه متى لمسه فقد وجب البيع وسقط خيار المجلس وغيره، وهو فاسد للشرط الفاسد.
وأما بيع المُنَابَذَة فله تَأْويلات:
أحدها: أن يجعل النَّبذ بيعاً، فيقول أحدهما للآخر: أَنْبذ إليك ثوبي، وتنبذ إليّ ثوبك على أن كل واحد مبيع بالآخر، أو يقول: أَنْبذ إليك ثوبي بعَشْرة، وتَنْبذ إليَّ ثوبك فيكون النَّبْذ بيعاً، وهذا تأويل الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر"، وهو المذكور في الكتاب، ووجه بطلان العقد: اختلال الصيغة.
قال الأئمة: ويجيء فيه الخلاف المذكور في المُعَاطاة؛ فإن المنابذة مع قرينة البيع هي المُعَاطاة بعينها.
والثاني: أن يقول: بِعْتُك هذا بكذا على أني إذا نَبَذْتُه إليك فقد وجب البيع، وحكمه ما مر في الملامسة.
والثالث: أن المراد منه نبذ الحَصَاة، وسنفسره.
ومنها: ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نهى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ" 1. وله تأويلات:
أحدها: أن يقول: بعتك ثوباً من هذه الأثواب وارْمِ بهذه الحَصَاة فعلى أيهما وقعت فهو المبيع، أو يقول: ارْمِ بهذه الحَصَاة، فعلى أي موضع بَلَغَت من الأرض يكون مبيحاً منك.
والثاني: أن يقول: بعتك هذا بكذا على أنك بالخِيَار إلى أن أرمي بهذه الحَصَاة.
والثالث: أن يجعلا نفس الرَّمي بيعاً، فيقول البائع: إذا رميت بهذه الحَصَاة فهذا الثوب مبيع منك بعشرة، والبيع باطل في الصور الثلاث.
أما في الأولى فللجهل بالمبيع.
وأما في الثانية فلكون الخِيَار مجهولاً.
وأما في الثالثة فلاختلال الصِّيغة.
ومنها ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أيضاً أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ 2 ".
وله تأويلان مذكوران في "المختصر":
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقداً أو بألفين إلى نسيئة، فخُذ بأيهما شئت أو شئت أنا، فهذا العقد باطل للجهل بالعوض، كما لو قال: بعتك هذا العبد أو هذه الجَارِية بكذا، ولو قال: بعتك بألف أو بألفين إلى سنة، أو قال: بعتك نصف هذا العبد بألف ونصفه بألفين صح البيع، ولو قال: بعتك هذا العبد بألف نصفه بستمائة لم يصح؛ لأن ابتداء السلام يقتضي توزيع الثَّمن على المُثَمَّن بِالسَّوِية وآخره يناقضه، هكذا نقله صاحب "التهذيب" حكماً وتعليلاً.
والثَّاني: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا، أو اشْتَرِ مني داري بكذا فهو باطل؛ لأنه بيع وشرط، هذا وسنذكر المعنى في بطلانه على الأثر -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، فَلَوْ بَاعَ بشَرْطِ قَرْضٍ، أَوْ بِشَرْطِ بَيْعٍ أخر، أَوْ شَرَطَ عَلَى بَائِعِ الزَّرْعِ أَنْ يَحْصُدَهُ (و)، أَوْ كَانَ مِمَّا يَبْقَى عُلْقَةً بَعْدَ العَقْدِ يَثْبُتُ نِزَاعٌ بِسَبَبِهَا لَمْ يَجُزْ.
قال الرافعي: ومن البيوع التي ورد النَّهي عنها البَيْع المشروط.
روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ" 1.
قال حجَّة الإِسْلام: مطلق الخبر يقتضي امتناع كل شرط في البيع لكن المفهوم من تعليله أنه إذا انضمَّ الشرط إلى البيع بقيت علقته بعد العقد.
يثور بسببها منازعة، وقد يفضي ذلك إلى فوات مقصود العقد، فحيث تفقد هذه العلّة تستثنيه عن الخبر، ولذلك يتثنى عنه شروطاً ورد في تصحيحها نصوص.
اعلم: أن الشرط في العقد ينقسم إلى فَاسِدٍ وَإِلى صحيح، فالفاسد منه يفسد العقد أيضاً على المذهب، وفيه شيء سنورده من بعد -إن شاء الله تعالى-، والفصل يشتمل على أمثلة من الشروط الفاسدة، ثم يليه بيان الشروط الصحيحة.
فمن الشروط الفاسدة: إذا باع عبده بألف بشرط أن يبيعه داره أو يشتري منه داره، أو بشرط أن يقرضه عشرة لم يصح، لأنه جعل الألف ورفق العقد الثاني ثمناً، واشتراط العقد الثاني ثمناً، واشتراط العقد الثاني فاسد فبطل بعض الثمن، وليس له قيمة معلومة حتى يفرض التوزيع عليه وعلى الباقي، وإذا أتيا بالبيع الثاني نظر إِنْ كانا يعلمان بطلان الأول صح وإلاَّ فلا لأنهما يأتيان به على حكم الشرط الفاسد، هكذا نقله صاحب "التهذيب" وغيره والقياس صحته، وبه قطع الإمام، وحكاه عن شيخه في "كتاب الرهن" 2.
ولو اشترى زرعاً واشترط على بائعه أن يحصِدُه، ففيه ثلاث طرق:
أحدها: وبه قال أبو إسحاق: أن هذا التَّصرف شراء للزرع، واستئجار للبائع على الحصاد، فيجيء فيه القولان فيما لو جمع بين صَفْقَتَين مختلفي الحكم؛ وهذا هو اختيار ابن الصَّبَّاغ.
والثاني: أن شرط الحَصَاد باطل قولاً واحداً؛ لأنه شرط عملاً فيما لم يملكه،
فأشبه ما لو استأجره لِخِيَاطة ثوب لم يملكه، وفي صحة البيع قَوْلاً تفريق الصفقة.
والثالث وهو الأصح: أنهما باطلان.
أما شرط العمل فلما ذكرنا، وأيضاً فلأنه شرط ينافي قضية العقد؛ لأن قضية العقد كون القطع على المشتري.
وأما البيع فلأن الشرط إذا فسد فسد البيع، وكذا الحكم لو أفرد الشراء بعوض والاستئجار بعوض، فقال: اشْتَريتُ هذا الزرع بعشرة على أن تُحصده بدرهم؛ لأنه جعل الإجارة شرطاً في البيع، فهو في معنى بيعتين في بيعة وفي التأويل.
الثاني ولو قال: اشتريت هذا الزرع واستأجرتك على حصاده بعشرة، فقال: بعت، وأجرت ففيه طريقان:
أحدهما: أنهما على القولين في الجمع بين مختلفي الحكم.
والثاني: أن الإِجَارة باطلة قولاً واحداً.
ثم إذا فسدت الإجارة، ففي فساد البيع قولاً تفريق الصفقة.
ولو قال: اشتريت هذا الزرع بعشرة واستأجرتك لتحصده بدرهم صح الشراء، ولا تصح الإجارة؛ لأنه استأجره على العمل فيما لم يملكه، ونظائر مسألة الزرع يقاس بها، كما إذا اشترى ثوباً، وشرط عليه صبغه أو خياطته، أو لبناً وشرط عليه طَبْخه، أو نعلاً على أن ينعل به دابته، أو عبداً رضيعاً على أن يتم إِرضاعه، أو متاعاً على أن يحمله إلى بيت والبائع يعرف بيته، فإن لم يعرف بطل البيع لا محالة، ولو اشترى حطباً على ظهر بهيمة مطلقاً فيصح العقد، ويسلمه إليه في موضعه أم لا يصح حتى يشترط تسليمه إليه في موضعه؛ لأن العادة قد تقتضي حمله إلى داره؟
حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين 1 -والله أعلم-.
قال الغزالي: إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ اسْتُثْنِيَتْ بِالنُّصُوصِ (أَحَدُهَا) شَرْطُ الأَجَلِ المَعْلُومِ وَالثَّانِي شَرْطُ الخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَالثَّالِثُ شَرْطُ وَثيقَةِ الثَّمَنِ بالرَّهْنِ بَعْدَ تَعْيين المَرْهُونِ، وَبالكَفِيلِ بَعْدَ تَعْيينِهِ، وَبالشَّهَادَةِ وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعْيينُ، وَمَهْمَا تَعَذَّر الوَفَاءُ بالرَّهْنِ المَشْرُوطِ أَوْ وَجَهٍ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ فَسْخُ العَقْدِ.
قال الرافعي: من الشروط الصحيحة في البيع شرط الأجل المعلوم في الثمن.
قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
1
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: أَمَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْروٍ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشاً وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْتَاعَ ظَهْراً إِلَى خُرُوجِ الْمُصَّدَّقِ" 2 وإن كان مجهولاً، كقدوم زيد أو مجيء المطر، وإقباض المبيع فهو فاسد.
وذكر القاضي الرُّويانِيُّ: أنه لو أجل الثمن إلى ألف سنة بطل العقد للعلم بأنه لا يبقى إلى هذه المدة، ويسقط الأجل بالموت كما لو أجَّر ثوباً ألف سنة لا يصح، فعلى هذا يشترط في صحة الأجل مع كونه معلوماً احتمال بقائه إلى المدة المضروبة 3.
ثم موضع الأجل ما إذا كان العوض في الذِّمة، فأما ما ذكره في المبيع أو في الثمن المعين، مثل أن يقول: اشتريت بهذه الدنانير على أن أسلمها في وقت كذا فهذا فاسد؛ لأن الأجل رفق أثبت لتحصيل الحق في المدة والمعين حاصل، ولو حلَّ الأجل فأجَّل البائع المشتري مدة، أو زاد في الأَجَل قبل حُلُول الأجل المَضْروب أولاً، فهو وعد لا يلزم خلافاً لأبي حنيفة فيهما، وساعدنا على أن بدل الإِتْلاف لا يتأجل وإن أجله، وقال مالك -رحمه الله -تعالى: يتأَجَّل.
لو أوصى من له دَيْن حال على إنسان بإمهاله مدة، فعلى ورثته إمهاله تلك المدة، لأن التبرعات بعد الموت 4 تلزم، قاله في "التتمة".
وحكى هو وصاحب "التهذيب" وجهين فيما لو أسقط من عليه الدَّين المؤجل الأجل فهل يسقط حتى يتمكَّن المستحقّ من مطالبته في الحال؟
أصحهما: أنه لا يسقط؛ لأن الأجل صفة تابعة، والصفة لا تفرد بالإسقاط، أَلاَ تَرَى أن مستحق الحِنْطة الجيدة أو الدنانير الصِّحاح لو أسقط صفة الجودة أوالصحة لا تسقط؟
ومنها: شرط الخِيَار ثلاثة أيام على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
ومنها: شرط وَثيقة الثمن بالرَّهْن والكفيل والشهادة فيصح البيع بشرط أن يرهن
المُشْتَري بالثَّمن، أو يتكفل به كفيل أو يشهد عليه، سواء كان الثَّمن حالاً أو مؤجلاً ولا يخفى وجه الحاجة إلى التوفيق بهذه الجهات.
وقد قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ 1.
وكذلك يجوز أن يشرط المشتري على البائع كفيلاً بالعُهْدة، ولا بد من تعيين الرهن والكفيل والمعتبر في الرَّهن المشاهدة أو الصفة، كما يوصف المسلم فيه، وفي الكفيل المشاهدة أو المعرفة بالاسم والنسب، ولا يكفي الوصف بأن يقول رجل موسر ثقة، هذا هو النقل [عن الأصحاب].
ولو قال قائل: الاكتفاء بالصِّفة أولى من الاكتفاء بمشاهدة من لا يعرف حاله لم يكن ببعيد، وهل يشترط التعيين في شرط الإشْهاد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في الرَّهن والكفيل.
وأصحهما: لا، وهو المذكور في الكتاب؛ لأن المطلوب في الشُّهُود العدالة لإثبات الحق عند الحاجة بخلاف الرهن والكفيل، فإن الأغراض فيهما تتفاوت، ولصاحب الوجه الأول أن يقول: وقد يكون بعض العدول أوجه، وقوله: "أسرع قبولاً فيتفاوت الغرض في أعيانهم أيضاً" وادعى الإمام القطع بالوجه الثاني، ورد الخلاف إلى أنه لو عين الشّهود هل يتعيَّنون أم لا؟ وهل يجب التعرض لكون المرهون عند المرتهن أو عند عدل؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، بل إن اتفقا على يد المُرْتَهِن أو يبد عدل فذاك، وإلاَّ جعله الحاكم في يد عدل، وليكن المشروط رهنه عند غير المبيع.
أما إذا شرط أن يكون المبيع نفسه رهناً بالثمن لم يصح الرهن؛ لأن المرهون غير مملوك له بَعْدَ وَلاَ المبيع، هكذا أطلقه الجمهور، وأورد الإمام فيه تفصيلاً كما سيأتي، والمطلقون وجهوه بأمور.
منها: أن الثمن إمَّا مؤجل يجوز حبس المبيع لاستيفائه، أو حال فله حبسه لاستيفائه، فلا معنى للحبس بحكم الرهن.
ومنها: تَنَاقُض الأحكام، فإن قضية الرهن كون المال أمانة، وأن يسلم الدَّيْن أوّلاً، وقضية البيع بخلافه.
ومنها: أن فيه استِثْناء منفعة الاسْتِيثَاق، ولا يجوز أن يستثني البائع بعض منافع المبيع لنفسه.
ومنها: قال بعض المتأخرين: المشتري لا يملك رَهْن المبيع، إلاَّ بعد صحة المبيع، فلا تتوقف عليه صحة البيع، كيلا يؤدي إلى الدور، وللنزاع مجال في هذه التوجيهات.
أما الأول: فإن كان الثمن مؤجلاً، لا يجوز حبس المبيع إذا لم يَجْرِ رهن، فإن جرى رهن فهو موضع الكلام، وإن كان حالاً فيجوز أن يتقوى أحد الجنسين بالآخر.
وأما الثاني: فبتقدير الصِّحة يبقى المال مضموناً بحكم البيع استيفاءً لما كان، ويسلم الدين أوَّلاً لإقدامه على الرهن.
وأما الثالث: ففي جواز اسْتِثْنَاء بعض المنافع تفصيل سَنَذكره -إن شاء الله تعالى.
وأما الرابع: فمسلم أنه لا يتوقف صحة البيع على الرهن لكن لا كلام فيه، وإنما الكلام في أنه هل يمنع صحة البيع؟ فهذا كلام المطلقين.
وأما التفصيل: فإن الإمام ذكر أن المسألة مبنية على البَدَاءَة في التسليم بمن.
فإن قلنا: البَدَاءة بالبائع، أو قلنا: يُخَيِّران معاً، أو قلنا لا اختيار ما لم يبتدأ أحدهما فسد البيع؛ لأنه شرط يبطل مقتضى البيع لتضمنه حبس المبيع إلى اسْتِيْفَاء الثمن.
وإن قلنا: البَدَاءَة بالمشتري فوجهان:
أحدهما: أنه يصحُّ هذا الشرط لموافقته مقتضى العقد.
والثاني: لا يصحُّ ويفسد البيع لما سبق من تناقض الأحكام، والأظهر عند صاحب الكتاب هو الوجه الأول، وأنت إذا تَنَبَّهت إلى الأصل المبني عليه عرفت حال هذا البناء قوة وضعفاً.
ولو شرط أن يرهنه بالثمن بعد القبض، ويرده إليه فالبيع باطل أيضاً لبعض المعاني المذكورة.
ولو رهنه بالثمن من غير شرط صح إن كان بعد القبض، وإن كان قبله فلا إن كان الثمن حالاً، لأن الحبس ثابت له، وإن كان مؤجلاً فهو كما لو رهن المبيع قبل القبض بدين آخر، ثم إذا لم يَرْهَن المشتري ما شرطه، أو لم يتكفل الذي عينه فلا إِجْبَار، لكن للبائع الخيار، ولا يقوم رَهْن وكفيل آخر مقام المعين، فإن فسخ فذاك، وإن أجاز فلا خيار للمشتري.
ولو عيَّن شاهدين فامتنعا من تحمل الشَّهادة.
فإن قلنا: لا بد من تعيين الشَّاهدين، فللبائع الخيار أيضاً.
وإن قلنا: لا حاجة إليه أيضاً، فلا.
ولو باع بشرط الرهن فهلك الرهن قبل القبض أو تعيَّب أو وجد به عيباً قديماً، فله الخيار في البيع، وإن تعيب قبل القبض، فلا خيار.
ولو ادَّعى الراهن أنه حدث بعد القبض، وقال المُرْتهن: بل قبله، فالقول قول الراهن اسْتِدَامة للبيع، ولو هلك الرَّهن بعد القَبْضِ أَوْ تعيَّب ثم اطَّلَع على عيب قديم به فلا أَرْش له، وهل له فسخ البيع؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: لا؛ لأن الفسخ إنما يثبت إذا أمكنه رَدُّ الرهن كما أخذ.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "شرط وَثِيقة الثَّمن" لفظ الثمن وإن كان مطلقاً، ولكن المراد منه [ما] إذا كان في الذِّمَّة، فإن الأعيان لا يرهن بها، وفي ضَمَانها تفصيل طويل يذكر في موضعه -إن شاء الله تعالى-، وهذا كما ذكرناه في الأجل.
وقوله: "بعد تعيين المَرْهُون" يجوز إعلامه بالميم والحاء.
أما الميم، فلأن عند مالك -رضي الله عنه- لا يشترط تعيين المرهون بل ينزل المطلق على ما يصلح أن يكون رهناً لمثل ذلك الثمن في العادة.
وأما بالحاء، فلأن عند أبي حنيفة لو قال: رهنتك أحد هذين العَبْدَين جاز، كما ذكره في البيع.
وقوله: "وبالكفيل بعد تعيينه"، يجوز إعلامه بالواو، لأن في كتاب القاضي ابن كَجٍّ: أنه لا حاجة إلى تَعْيِين الكَفيل، وإذا أطلق أقام من شاء ضميناً -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَالرَّابعُ شَرْطُ عِتْقِ العَبْدِ احتُمِلَ لِحَدِيثِ بُرَيْرَةَ، وَالقِيَاسُ إِبْطَالُ الشَّرْطِ، وَقَدْ قِيلَ بِهِ، ثُمَّ لِلبَائِعِ المُطَالَبَةُ بِالعِتْقِ علَى الأَصَحِّ، فَإِنْ أَبى المُشْتَرِي أُجْبِر عَلَيْهِ (و)، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الوَلاَء لَهُ صَحَّ الشَّرْطُ (و) لِدَلالَةِ الخَبَرِ.
قال الرافعي: في بيع الرقيق بشرط العتق قولان:
أحدهما: أنه لا يصح كما لو باعه بشرط أن يبيعه أو يهبه، وبهذا قال أبو حنيفة.
وأصحهما: أنه يصح، وعلى هذا ففي صحة الشرط قولان:
أحدهما وهو ما حكاه العراقيون عن رواية أبي ثور: أنه باطل.
لظاهر ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ" 1. وأصحهما: وبه قال مالك وأحمد في أصح الروايتين: أنه صحيح.
لما روي "أَنَّ عَائِشَةَ -رضي الله عَنْهَا- اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ وَشَرَطَ مَوَالِيَها أَنْ تُعْتِقَهَا، ويكَونَ وَلاَؤُهَا لَهُمْ؛ فَلَمْ يُنْكِرْ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلاَّ شَرْطَ الْوَلَاء وَقَالَ: شَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَالْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 2.
وقوله: "والقياس إبطال الشرط"، أراد مع تصحيح، العقد على ما دل عليه كلامه في "الوسيط".
قال: لأن المصير إلى إبطال العقد مع الحديث لا وجه له، وإن قال قائلون به، وتأويل إذنه في الشرط أنه كان يثق بعائشة -رضي الله عنها- أنها تفي به تَكَرُّما لا أنه لازم.
التفريع: إن صححنا شرط العِتْق فذلك إذا أطلق أو قال: بشرط أن تعتقه عن نفسك.
أما إذا قال: بشرط أن تعتقه عني فهو لاغ 1، ثم العتق المشروط حق من؟ فيه وجهان:
أظهرهما: أنه حق الله عز وجل كالملتزم بالنَّذر.
والثاني: أنه حق البائع، لأن اشتراطه يدل على تعلق غرضه، به والظاهر أنه تسامح في الثمن إذا شرط العتق.
فإن قلنا: إنه حق البائع فله المطالبة به لا محالة.
وإن قلنا: إنه حق الله -تعالى- فوجهان:
أحدهما: أنه ليس له المطالبة به، إذ لا ولاية له في حقوق الله عز وجل.
وأصحهما: أنه ليس له ذلك؛ لأنه ثبت بشرطه وله غرض في تحصيله، وإذا أعتقه المشتري، فقد وفَّي بما الْتَزَم والولاء له.
وإن قلنا: العِتق حق البائع؛ لأنه صدر عن مِلْكه وإن امتنع، فهل يجبر عليه؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:
أصحهما عند المصنف: أنه يجبر عليه.
والثاني: لا، ولكن للبائع الخيار في فسخ البيع، وهما مبنيان على أن العتق حق من؟
إن قلنا: إنه حق الله عز وجل فيجبر عليه.
وإن قلنا: إنه حق البائع، فلا يجبر كما في شرط الرهن والكفيل.
وإذا قلنا: بالإجبار، فهل يخرج على الخلاف في المولى إذا امتنع من الطلاق حتى يعتق القاضي على رأي، أو يحبسه حتى يعتق على رأي أو لا طريق سوى الحبس حتى يعتق؟
أبدى الإمام فيه احتمالين:
والأول: هو المذكور في "التتمة".
قال الإمام: والخلاف في الإجبار لا يبعد طَرْده في شرط الرَّهْن والكفيل من جهة القياس، لكن لم يطرده.
وإذا قلنا: العتق حق للبائع، فلو أسقطه سقط كما لو شرط رهناً أو كفيلاً ثم عفا عنه.
وعن أبي محمد: أن شرط الرهن والكفيل أيضاً لا يفرد بالإِسْقَاط كحق الأجل.
وهل يجوز إِعْتَاق هذا العبد عن الكَفَّارة؟
إن قلنا: إن العتق حق الله عزَّ وجلَّ فلا، كإعتاق المنذور عتقه عن الكفارة.
وإن قلنا: إنه حق البائع فكذلك إن لم يسقط حقه، وإن أسقطه جاز على أصح الوجهين.
والثاني: لا يجوز، لأن البيع بشرط العِتْق لا يخلو عن مُحَاباة، فكأنه أخذ على العِتْق عوضاً، ويجوز له الاستخدام والوَطْء، والأكساب الحاصلة 1 له، ولو قتل كانت القيمة له، ولا يكلف صَرْفها إلى عبد آخر ليعتقه، وليس له أن يبيعه من غيره، ويشترط العِتْق عليه في أصح الوجهين؛ لأن العِتْق مستحق عليه فليس له نقله إلى غيره، هل يجزي إِيْلاَد الجَارِية عن الإعتاق؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا، بل عليه أن يعتقها.
ولو مات العبد قبل أن يعتقه ففيه أوجه:
أظهرها: أنه ليس عليه إلا الثّمن المسمى؛ لأنه لم يلتزم غيره.
والثاني: أن عليه مع ذلك قدر التَّفاوت بين ثمن مثله مشتري مطلقاً، وثمن مثله
مشتري بشرط العتق، ومنهم من زَادَ في هذا الوجه أنه يعرف قدر التَّفَاوت هكذا، ويجب عليه مثل نسيته من الثَّمن المسمى.
والثالث: أنَّ البائع بالخيار إن شاء أجاز العَقْد ولا شيء له، وإن شاء فسخ البيع ورد ما أخذ من الثمن، ويرجع بقيمة العقد عليه.
وحكى بعضهم بدل هذا الوجه: أنه ينفسخ العقد لتعذُّر إِمْضَائه، إذ لا سبيل إلى إيجاب شيء على المُشْتَري من غير تَفْويت ولا إلزام ولا إلى الاكتفاء بالمسمى، فإن البائع لم يَرْضَ به إلاَّ بشرط العتق، وهذه الوجوه مُفَرَّعة على أن العِتْق للبائع، أو هي مطردة، سواء قلنا: إنه للبائع أو لله تعالى -فيه رأيان [للإمام]:
أظهرهما: الثاني 1. ولو اشترى عبداً بشرط أن يدبره أو يُكَاتبه أو يعتقه بعد شهر أو سنة، أو داراً بشرط أن يجعلها وقفاً، ففي هذه الشروط وجهان:
أصحهما: أنها ليست كشرط العِتْق بل يبطل البيع بها، وجميع ما ذكرناه في شرط العِتْق مفروض فيما إذا لم يتعرض للولاء، فأما إذا شرط مع العتق كون الوَلاَء للبائع ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يبطل البيع، لأن شرط الولاء تغيير ظاهر لِمُقْتَضَى العقد لتضمنه نقل الملك إلى البائع، وارتفاع العقد.
والثاني: أنه يصح لحديث بريرة، فإن عائشة -رضي الله عنها- أخبرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن مواليها لا يبيعونها إلا بشرط أن يكون الولاء 2 لهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اشْتَرِي وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ"، أَذِنَ في الشِّراء بهذا الشرط، وهو لا يأذن في باطل، وعلى هذا ففي صحة الشرط قولان نقلهما الإمام:
أحدهما: أنه لا يصح.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "خَطَبَ بعَدَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَام يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَالْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 3.
والثاني: أنه يصح؛ لأنه إذن في اشتراط الوَلاَء، وهو لا يأذن في باطل، وهذا هو الذي أورده صاحب الكتاب.
واعلم: أنه خلاف ما اتَّفَق عليه جمهور الأَصْحَاب، فإنهم أَطْبَقوا على أن شرط الوَلاَء يفسد البيع، وحكوا قولاً ضعيفاً على خلافه عن رواية الِإصْطَخري أو تخريجه، ثم على ذلك القول الضعيف قضوا بفساد الشرط، وقصروا الصِّحة على العقد، ولا تكاد تجد حكاية الخلاف في صحّة الشَّرط بعد تصحيح العقد، إلاَّ للإمام -رحمه الله تعالى- وفي حديث بريرة إِشْكال أفسدنا العقد أو صححناه، وأفسدنا الشرط أو صححناه.
أما إذا أفسدنا العقد أو الشرط فلإذنه في الشراء واشتراط الولاء، وأما إذا صححناهما فلخطبته بعد ذلك وإنكاره على هذا الشرط.
وكيف يجوز أن يأذن في شراء الشيء ثم ينكر عليه ويبطله، إلاَّ أن الصَّائرين إلى الفساد لم يثبتوا الإذن في شرط الولاء، وقالوا: إن هشاماً تفرَّد به ولم يتابعه سائر الرواة عليه، فيحمل على وهم وقع له، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يأذن فيما لا يجوز، وبتقدير الثبوت فقد تكلموا عليه مِنْ وجوه لا نطول بذكرها.
وأما من صححهما قال: إنه نهَاهم عن الإِتْيان بمثل هذه الشروط، ولما جرت أنكر عليهم لارتكابهم ما نهاهم عنه، لكنه صححه وقد ينهي عن الشيء ثم يصححه.
ولو جرى البيع بشرط الولاء دون شرط العتق بأن قال: بعتكه بشرط أن يكون الولاء إلي إن أعتقته يوماً من الدهر.
فقد ذكر في "التتمة": أن العقد هاهنا باطل بلا خلاف، إذ لم يشترط العتق حتى يحصل الولاء تبعاً له.
ولو اشترى أَبَاهْ أو ابنه بشرط أن يعتقه.
فعن القاضي حسين: أن العقد باطل لتعذر الوفاء بهذا الشرط، فإنه يعتق عليه قبل أن يعتقه 1 -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسُ أَنْ يَشْتَرِط مَا لاَ يَبْقَى عُلْقة كَكُلِّ شَرْطٍ يُوَافِقُ العَقْدَ مِنَ القَبْضِ وَجَوَازَ الانْتِفَاعِ، أَوْ مَا لاَ يَتَعَلَّقُ به غَرَضٌ كَشَرْطِهِ أَنْ لاَ يَأْكُلُ إِلاَّ الهَرِيسَةَ، وَهَذَا اسْتُثْنِي بِالقِيَاسِ، وَكَذَلِكَ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ خَبَّازاً أَوْ كَاتِباً وَكُلُّ وَصْفٍ مَقْصُودٍ.
قال الرافعي: غرض الفصل التَّعرض لأقسام الشُّروط الَّتِي لا تفسد العقد بعد ما
تقدم ذكره، والأصحاب قد ضبطوا صحيح الشروط وفاسدها في تفسير هو كالترجمة، والتفاصيل مذكورة في مواضعها، قالوا: الشرط ينقسم إلى ما يقتضيه مطلق العقد، إلى ما لا يقتضيه، فالأول كالقبض وجواز الانتفاع والرد بالعيب ونحوها، فلا يضر التعرُّض لها ولا ينفع.
والثاني: ينقسم إلى ما يتعلّق بمصلحة العَقْد وإلى ما لا يَتَعَلَّق، فالأول قد يتعلق بالثمن كَشَرْط الرَّهْن والكفيل، وقد يتعلّق بالمثمن كشرط أن يكون العبد خَبَّازاً أو كاتباً، وقد يتعلّق بالطَّرفين كشرط الخَباز، فهذه الشُّروط لا تفسد العَقْد وتصح في نفسها.
والثاني: ينقسم إلى ما لا يتعلّق به غرض يورث تنافساً وتنازعاً، وإلى ما لا يتعلق، فالأول كشرط أن لا يأكل إلا الهَرِيسَة 1، أَوْ لا يلبس إلا الخَزَّ وما أشبه ذلك، هذا لا يفسد العقد وَيَلْغُو في نفسه، هكذا قاله صاحب الكتاب وشيخه.
لكن في "التتمة": أنه لو شرط ما يقتضي إلزام ما ليس بلازم، كما لو باع بشرط أن يصلِّي النوافل، أو يصوم شهراً غير رمضان، أو يصلي الفرائض في أول أوقاتها يفسد العقد؛ لأنه أوجب ما ليس بواجب، وقضية هذا فساد العقد في مسألة الهَرِيسَة والخَزِّ أيضاً.
والثاني: كشرطه أن لا يقبض ما اشتراه، ولا يتصرف فيه بالبيع والوَطْءِ ونحوهما، وكشرط بيع آخر أو قرض وكشرطه أن لا خسارة عليه في ثمنه، يعني لو باعه وخسر في
ثمنه ضمن له النُّقْصان، فهذه الشَّرَائط وأشباهها فاسدة مفسدة للبيع، إلاَّ شرط العِتْق كما مر.
وقوله في الكتاب: "وهذا استثنى بالقياس"، أراد به ما سبق أن المفهوم من نهيه عن بيع وشرط دفع محذور المُنَازعة الثائرة من الاشْتِراط والعلقة الباقية بينهما بسببه، وهذا المعنى مقصود في هذه الصورة.
وأما ما يوافق مقتضى العَقْد فهو ثابت، ذكر أو لم يذكر.
وأما ما لا يتعلق به غرض فلا يتنازعان في مثله غالباً.
وأما شرط الكتابة والخبر وسائر الأوصاف المقصودة، فإنها لا تتعلق بإنشاء أمر في المستقبل، بل هي أمور حاضرة ناجزة، والظاهر أن الشَّارط لا يلتزمها إلاَّ وهي حاصلة، فإذًا هذه الشرائط وإن كانت مستثناة عن صورة اللفظ لكنها منطبقة على المَعْنَى المفهوم منه.
قال الغزالي: فَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ حَامِلاً فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ لَبُوناً، فَالأَصَحُّ أَنَّهُ كَشَرْطِ الكِتَابَه.
قال الرافعي: إِحْدَى مَسْألتي الفصل: أن يبيع جارية أو دابة بشرط أن تكون حاملاً، وتقدم عليها أن بيع الحمل لا يجوز لا من مالك الأم ولا من غيره لما مر في النهي عن بيع المَلاَقِيح، فإنه غير معلوم ولا مَقْدور.
ولو باع حاملاً مطلقاً دخل الحمل 1 في البيع تبعاً، وهل يقابله قسط من الثمن؟ فيه خلاف نذكره في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
ولو باع الحامل واستثنى حملها، ففي صحة البيع وجهان منقولان في "النهاية":
أحدهما: أنه يصح، كما لو باع الشَّجَرة، واستثنى الثَّمرة قبل بُدُوِّ الصَّلاحَ.
وأصحهما: وبه أجاب الجمهور: أنه لا يصح؛ لأن الحمل لا يجوز إفراده بالعقد، فلا يجوز استثناؤه كأعضاء الحيوان، ولو كانت الأم لواحد والحمل لآخر، فهل لمالك الأم بيعها من مالك الحمل أو غيره؟ فيه وجهان، وكذا لو باع جارية حاملاً بِحُرٍّ.
الذي ذكره المعظم: أنه لا يصح؛ لأن الحمل لا يدخل في البيع، فكأنه استثناه.
والثَّاني وهو اختيار الإمام وصاحب الكتاب: أنه يصح، ويكون الحمل مُسْتَثْنى شرعاً.
إذا تقرر ذلك فلو باع جارية أو دابة بشرط أنها حامل، ففي صحة البيع قولان، ويقال: وجهان مبنيان على أن الحمل هل يعلم أم لا؟
فإن قلنا: لا، لم يصح شرطه.
وإن قلنا: نعم، صح، وهو الأصح، وخص بعضهم الخلاف بغير الآدَمِي، وقطع بالصِّحة في الجواري لأن الحمل في الجَواري عَيْب، فاشتراط الحمل إعلام بالعَيْب، فتصير كما لو باعها على أنها آبِقَة أو سَارِقة، ولو قال: بعتك هذه الدَّابة وحملها، ففي صحة العقد وجهان.
عن أبي زيد: أنه يصح؛ لأنه داخل في العقد عند الإطلاق، فلا يضر التَّنصيص عليه، كما لو قال: بعتك هذا الجِدَار وأَسَاسَه.
والأصح: وبه قال ابن الحَدَّاد والشيخ أبو علي: أنه لا يصح؛ لأنه جعل المَجْهول مبيعاً مع العلوم، وما لا يجوز بيعه وحده لا يجوز بيعه مقصوداً مع غيره بخلاف ما إذا باع بشرط أنها حامل، فإنه جعل الحَامِلية وصفاً تَابِعَاً، وهذا الخلاف يجري فيما إذا قال: بعتك هذه الشَّاة وما في ضرعها من اللبن.
وفي قوله: بعتك هذه الجُبَّة وحَشْوَهَا طريقان 1: منهم من طرد الخلاف، ومنهم من قطع بالجَوَاز؛ لأن الحَشْوَ داخل في الجُبَّةَ مسمى فذكره ذِكْرُ ما دخل في اللفظ، فلا يدل التنصيص عليه، والحمل غير داخل في مسمى الشاة فَذِكْرُه ذِكْرُ الشيء المجهول مع المعلوم.
وإذا قلنا بالبطلان في هذه الصورة، فقد قال الشيخ أبو علي في بيع الظّهَارة والبِطَانَة: في صورة الجُبَّةَ قَوْلاً تفريق الصَّفقة، وفي صورة الدابة يبطل البيع في الكُل.
والفرق أن الحشو يمكن معرفة قيمته عند العقد، والحمل واللبن لا يمكن معرفتهما حينئذ فيتعذر التوزيع.
قال الإمام: وهذا حسن؛ لكننا نُجْرِي قَوْلَي التَّفريق حيث يتعذَّر التوزيع، كما لو باع شاة وخنزيراً، أو باع حاملاً وشرط وضعها لرأس الشَّهر ونحوه لم يصح البَيْع قولاً واحداً، لأنه غير مقدور عليه قاله في "الشامل".
وبيض الطير كحمل الجارية والدابة في جميع ذلك.
والمسألة الثانية: لو باع شاة بشرط أنها لَبُون، ففيه طريقان:
أحدهما: أنها على الخلاف في البيع بشرط الحَمْل.
والثاني: القطع بصحة البيع.
والفرق أن شرط الحمل يقتضي وجود الحمل عند العقد وهو غير معلوم، وشرط كونها لَبُوناً لا يقتضي وجود اللبن حينئذ، وإنما هو اشتراط صفة فيها، فكان بمثابة شرط الكتابة والخبر في العقد حتى لو شرط كون اللبن في الضرع كان بمثابة شرط الحمل، وطريقة طرد الخلاف أظهر، لأنه نص في "الأمّ" على قولين في السّلم في الشَّاة اللَّبون، إلاَّ أن قول الصحة هاهنا أَظْهَر منه في المَسْأَلة الأولى.
قوله في الكتاب: "فالأصح أنه كشرط الكتابة"، يجوز أن يريد من الطريقين.
والأولى: أن يريد من القولين جواباً على الطريقة الأولى.
واعلم أن قوله: "كشرط الكتابة" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة: لا يصح البيع بهذا الشرط، ولذا قال في شرط الحمل: "ولو شرط أنها تدر كل يوم كذا رطلاً من اللبن لم يصح البيع"؛ لأن ذلك لا ينضبط ولا يقدر عليه، فصار كما لو شرط في العبد أنه يكتب كل يوم عشرة أوراق.
ولو باع شاة لبوناً واستثنى لبنها، ففي صحة العقد وجهان:
أصحهما: أنه لا يصح، كما لو استثنى الحَمْل في بيع الجَارِية، والكُسْب في بيع السِّمْسم، والحَبّ في بيع القُطْن -والله أعلم-.
وفي الشروط الصحيحة باتفاق أو على اختلاف مسائل أخر نشير إلى بعضها في هذا الموضع على الاختصار:
منها: البيع بشرط البَرَاءة من العيوب.
ومنها: بيع الثِّمَار بشرط القَطْع، وسنشرحهما -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: ما لو باع مَكيلاً أو موزوناً أَو مَذْرُوعاً، بشرط أَنْ يُكَالَ في مِكْيال معين، أو يوزن بميزان معين، أو يُذرع بذراع معين، أو شرط ذلك في الثمن، ففيه خلاف ونورده في السلم -إن شاء الله تعالى- وفي معناه تعيين رجل يتولّى الكيل والوزن.
ومنها: لو باع داراً واستثنى لنفسه سكناها، أو دابة واستثنى ظهرها، نظر إن لم يبيّن مدّة لم يصح العقد، وإن بين ففيه خلاف مذكور في الكتاب في آخر الإِجَارة.
والأصح: أنه يبطل العقد، وذهب أحمد إلى صحته.
ومنها: لو شرط أن لا يسلم المبيع حتى يستوفي الثمن، نظر إن كان مؤجلاً بطل العقد، وإن كان حالاً بني على أن البَدَاءَة في التسليم بمن، فإن جعلنا ذلك من قضايا العقد لم يضر ذكره، وإلاَّ فسد العقد.
ومنها: لو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صَاعاً، فإن أراد هبة صاع أو بيعه من مَوْضِعٍ آخر فهو باطل؛ لأنه شرط عقد في عقد، وإن أراد أنها إن خرجت عشرة آصُعٍ أخذت تسعة دراهم فإن كانت الصيعان مجهولة لم يصح، لأنه لا يدري حصة كل صاع، وإن كانت معلومة صح، فإن كانت عشرة فقد باع صاعاً وتُسعاً بدرهم ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم على أن أنقصك صاعاً، فإن أراد رد صاع إليه فهو فاسد؛ لأنه شرط عقد في عقد، وإن أراد أنها إن خرجت تسعة آصع أخذت عشرة دراهم، فإن كانت الصِّيْعَان مجهولة لم يصح، وإن كانت معلومة صح، وإذا كانت تسعة آصُعٍ فيكون كل صاع بدرهم وتسع.
وعن صاحب "التقريب": أنه لا يصح في صورة العلم أيضاً، لأن العبارة لا تُنْبئ عن المجمل المذكور، ولو قال: بعتك هذه الصُّبْرَة كل صاع بدرهم، على أن أنقصك صاعاً أو أزيدك صاعاً، ولم يبيّن إحدى الجهتين فهو باطل.
ومنها: لو باع قطعة أرض على أنها مائة ذراع، فخرجت دون المائة ففيه قولان:
أحدهما: بطلان البيع؛ لأن قضية قوله: بعتك هذه الأرض أن لا يكون غيرها مبيعاً، وقضية الشرط أن لا تدخل بالزيادة في البيع، فوقع التضاد وتعذّر التصحيح.
وأظهرهما وقطع به قاطعون: أنه صحيح تغليباً للإشارة وتنزيلاً لخلف الشرط في المقدار منزلة خلفه في الصِّفات، وبهذا قال أبو حنيفة، فعلى هذا للمشتري الخيار بين الفسخ والإِجَازة، ولا يسقط خياره بأن يحطّ البائع من الثمن قدر النقصان، وإذا أجاز فيجيز بجميع الثمن قدر النقصان أو بالقسط، فيه قولان كما في تفريق الصفقة، لكن الأظهر هاهنا، أنه يجيز بجميعه؛ لأن المتناول بالإشارة تلك القِطْعَة لا غير، ولو كانت المَسْألة بحالها، وخرجت القطعة أكثر من المائة، ففي صحة البيع قولان أيضاً إن صححناه.
فالمشهور: أن للبائع الخيار، فإن أجاز كانت كلها للمشتري ولا يطالبه للزيادة بشيء.
وفيه وجه آخر اختاره صاحب "التهذيب": أنه لا خيار للبائع، ويصح البيع في الكُلِّ بالثمن المسمى، وينزل شرطه منزلة ما لو شرط كون المبيع مَعِيباً فخرج سليماً لا خيار له.
فعلى المَشْهور لو قال المشتري: لا نفسخ فإني أقنع بالقدر المشروط سابقاً والزيادة لك، فهل يسقط خيار البائع؟ فيه قولان عن رواية صاحب "التقريب" وغيره:
أحدهما: نعم لزوال الغبنة عن البائع.
والثاني: لا، لأن ثبوت حق المشتري على الشُّيُوع يَجُرًّ ضَرراً، وهذا أظهر، وبه قال الإمام.
ورجع ابن سُرَيجٍ الأول في جوابات الجامع الصغير" لمحمد -رحمهما الله تعالى- ولو قال: لا نفسخ حتى أزيدك في الثَّمن لما زاد لم يكن له ذلك، ولم يسقط به خيار البائع بلا خلاف، ويقاس بهذه المسألة ما إذا باع الثوب على أنه عشرة أذرع، أو القطيع على أنه عشرون رأساً، أو الصُّبْرَة على أنها ثلاثون صاعاً، وفرض نقصاناً أو زيادة.
وفرق صاحب "الشامل" بين الصُّبْرَة وغيرها، فروى أن الصُّبْرَة إذا زادت على القدر المشروط يرد الفضل، وإن نقصت وأجاز المشتري يُجيز بالحصة وفيما عداها يُجِيز بجميع الثمن، لأن أجزائها تتساوى فلا يَجُزُّ التوزيع جهالة.
ومنها: لو قال لغيره: مع عبدك من زيد بألف على أن عليَّ خمسمائة، فباعه على هذا الشرط هل يصح البيع؟ فيه قولان لابن سُرَيج:
أظهرهما: لا، لأن الثَّمَن يجب جميعه على المشتري، وهاهنا جعل بعضه على غيره.
والثاني: نعم، ويجب على زيد ألف وعلى الآخر خمسمائة، كما لو قال: ألق متاعك في البَحْر على أن عليّ كذا.
قال الغزالي: وَمَهْمَا فَسَدَتْ هَذِهِ الشَّرَائِطُ فَسَدَ بفَسَادِهَا العَقْدُ، وَالأَصَحُّ أَنَّ شَرْطَ نَفْي خِيَارِ المَجْلِسِ وَالرُّؤْيَةِ فَاسِدٌ.
قال الرافعي: ما يصح من البَيْوع لولا الشرط إذا ضم إليه شرط لم يخل ذلك الشرط، إِمَّا أن يكون صحيحاً أو فاسداً، فإن كان صحيحاً فالعقد صحيح لا محالة، وإن كان فاسدا فلا يخلو، إما أن يكون شيئاً لا يفرد بالعقد، وإما أن يكون شيئاً يفرد بالعقد، فإن كان الأول نظر إن لم يتعلق به غرض يورث تنافساً وتنازعاً، فلا يؤثر ذلك في العقد على ما سبق.
قال الإمام: ومن هذا القبيل ما إذا عين الشُّهود لتوثيق الثمن، وقلنا: إنهم لا يتعينون فلا يفسد به العقد؛ لأنا إذا ألغينا تَعْيين الشُّهود فقد أخرجناه، عن أن يكون من مقاصد العقد، وإن تعلّق به غرض فسد العقد بفساده للنهي عن بيع وشرط 1، ولأنه يفضي إلى المُنَازعة، ولأنه يوجب الجَهْل بالعِوَض، وكل ذلك قد تقدم.
وعن أبي ثَوْرٍ رواية قول: أن فساد الشرط لا يتعدى إلى فساد العقد بحال، لقصّة بريرة، فإنه -صلى الله عليه وسلم- أنكر على الشرط وأبطله ولم يفسد العقد.
وإن كان مما يفرد بعقد كالرهن والكفيل، فهل يفسد البيع بشرطهما على نعت الفساد؟ فيه قولان:
أظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: نعم كسائر الشروط الفاسدة.
والثاني: وبه قال المُزَنِيُّ: لا؛ لأنه يجوز إفراده عن البيع، فلا يوجب فساده فساد البيع كالصداق في النِّكَاح لا يوجب فساده فساد النكاح.
إذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن قوله في الكتاب: "ومهما فسدت هذه الشرائط فسد بفسادها العقد" غير مجرى على إطلاقه.
وأما قوله: "والأصح أن شرط نفي خيار المجلس والرؤية فاسد"، فلا يخفى أنه ليس له كبير تعلّق بهذا الموضع.
ثم فقهه أنه إذا باع شيئاً بشرط نفي خيار المجلس وقبله المشتري، هل يصح هذا الشرط؟ فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنه يصح لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "المُتَبَايعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ" 1.
وأراد البيع الذي يغني عنه الخيار، واستثناه من قوله: "الخيار".
وأصحهما: أنَّه لا يَصِحُّ.
لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَتَخَايَرا" 2.
وهذا ما نص عليه في البُوِيطي والقديم.
وقوله: "إلاَّ بيع الخيار" المراد منه أن يقطعا الخيار بعد العقد وهو التَّخاير، وقيل: أراد إلاَّ بيعاً شرط فيه الخيار، فإن الخيار في ذلك البيع يبقى بعد التفرق، والاستثناء على هذا راجع إلى قوله: "ما لم يتفرقا".
والطريق الثاني: القطع بالقول الثاني، إليه ذهب أبو إسحاق بعدما كان يقول بطريقة القولين.
فإن صححنا الشرط صح البيع ولزم، وإن أفسدنا الشرط، فهل يفسد البيع؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لأنه شرط يُنَافي مقتضى العقد، فأشبه ما إِذَا قال: بِعْتُك بشرط أن لا أسلمه، وإذا سلكت سبيل الاختصار قلت في المسألة ثلاثة أقوال أو وجوه:
أصحهما: فساد الشرط والعقد جميعاً.
ولو شرط نفي خِيَار الرُّؤية على قول صحَّة بيع الغائب، فقد طرد الإمام وصاحب الكتاب فيه الخلاف، والأكثرون قطعوا بأنه فاسد مفسد.
والفرق أنه لم ير المبيع ولا عرف حاله، فنفي الخيار فيه يؤكد الغَرَر، ونفي خيار المجلس لا يمكن غَرَراً بل هو مُخِلٌّ لمقصود العقد، وإنما أثبته الشَّرْع على سبيل التَّخْفيف رفقاً بالمتعاقدين، فجاز أن لا يقدح نفيه.
وقوله في الكتاب: "والأصح أن نفي خيار المجلس" أراد الأصح من الوجوه جواباً على طريقة إِثْبَات الخلاف في الصُّورتين، وهذا الخلاف شبيه بالخلاف في البيع، بشرط البَرَاءة من العيوب وسيأتي من بعد.
ويتفرَّع على هذا الخلاف ما إذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حُرٌّ ثُمَّ باعه بشرط نفي الخيار.
فإن قلنا: البيع باطل أو قلنا: الشرط أيضاً صحيح لم يعتق.
أما على التقدير الأول، فلأن اسم المبيع يقع على الصحيح ولم يوجد.
وأما على الثاني، فلأن ملكه قد زال والعقد قد لزم، ولا سبيل إلى إعتاق ملك الغير.
وإن قلنا: إن العقد صحيح والشرط فاسد عتق لبقاء الخِيَار ونفوذ العِتْق من البائع في زمن الخيار.
وعند أَبِي حَنِيفة، ومالك؛ لا يعتق إلاّ أن يبيع بشرط الخيار، لأن خيار المجلس غير ثابت عندهما.
قال الغزالي: وَالعَقْدُ الفَاسِدُ لاَ يُفِيدُ المِلْكَ (ح) وَإِنْ اتَّصَلَ القَبْضُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةٌ فَوَطِئَهَا وَجَبَ المَهْرُ وَثَبَتَ النَّسَبُ لِلشُّبْهَةِ، وَالوَلَدُ حُرٌّ.
قال الرافعي: إذا اشترى شيئاً شراء فاسداً بشرط فاسد أو بسبب آخر، ثم قبضه لم يملكه بالقبض، ولا ينفذ تصرفه فيه، وبه قال أحمد ومالك.
وقال أبو حنيفة: إن اشترى مَا لاَ قيمة له كالدّم والمَيْتة فالحكم كذلك، فإن اشتراه بشرط فاسد، وبما له قيمة في الجملة كالخَمْر والخِنْزِير، ثم قبض المبيع بإذن البائع ملكه ونفذ تصرفه فيه، لكن للبائع أن يستردّه بجميع زوائده، ولو تلف في يده أو زال ملكه عنه ببيع أو هِبَة أو إِعْتَاق فعليه قيمته، إلاَّ أن يشتري عبداً بشرط العتق، فإنه قال: يفسد العقد، وإذا تلف في يده فعليه الثمن.