العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 323-362

وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع أحدهما مُرَابحة؛ لأن التَّوزيع بالقيمة تَخْمين.
ثم في الفَصْل صور: إحداهما: يجب الإخبار عن العيوب الطَّارئة في يده 1 سواء حدث العيب بآفة سماوية أو بجنايته أو بجناية أجنبي؛ لأن المشتري يبني العقد على العقد الأول، ويتوهم بقاء المبيع على ما كان، ولا فرق بين ما ينقص العَيْن وما ينقص القيمة كما في الرد، وعن أبي حنيفة أنه لا يجب الإخبار عن العَيْب الحادث بالآفة السماوية.
ولو اطَّلع على عيب قديم واختار إمساكه ذكره في بيع المُرَابَحَة، ولو تعذَّر رده لعيب حادث وأخذ الأَرْش فإن باعه مُرَابحة بلفظ "قام عليَّ" حطّ الأرش وإنْ باعه بلفظ ما اشتريت ذكر ما جرى به العقد، ويجب أن يذكر أيضاً العيب واسترداد الأرش فإن الأَرْش المستردّ جزء من الثمن.
ولو أخذ أَرْش الجناية ثم باعه، فإنْ باع بلفظ "ما اشتريت" ذكر الثمن، وأخبر بالجناية، وإن باع بلفظ "قام عليَّ" فوجهان: أحدهما: أنه نَازِل منزلة الكسب والزيادات والمبيع قائم عليه بِتَمَام الثمن.
وأصحهما: أنه يحط الأَرْش من الثمن كَأَرْش العيب، والمراد من الأَرْش هاهنا قدر النُّقْصَان لا المأخوذ بتمامة، فإذا قطعت يد العبد وقيمته مائة، فنقص منها ثلاثون يأخذ خمسين، ويحطّ من الثمن ثلاثين لا خمسين، وحكى الإمام وجهاً آخر: أنه يحط جميع المأخوذ من الثمن.
ولو نقص من القيمة أكثر من الأَرْش المقدر حط ما أخذ من الثمن، وأخبر عن قيامه عليه بالباقي، وأنه نقص من قيمته كذا.
الثانية: إذا كان قد اشتراه بَغَبْن، فهل يلزمه الإخبار عنه؟ فيه وجهان: أصحهما: عند الإمام وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يلزم؛ لأنه باع ما اشترى كما اشترى.
والثاني: يلزم، لأن المشتري منه اعتمد على نظره ويعتقد أنه لا يحتمل الغَبْن، فليخبره ليكون على بَصِيْرَة من أمره.
وقضية كلام الأكثرين ترجيح هذا الوجه لأمرين: أحدهما: أنهم قالوا: لو اشتراه بَدِيْن من مماطل وجب الإخبار عنه، لأن الغالب

أنه يشتري من مثله بالزيادة، وقد مرّ ذلك.
والثَّاني: أنهم قالوا: لو اشترى من ابنه الطّفل وجب الإخبار عنه؛ لأن الغالب في مثله الزِّيادة في الثمن نظراً للطِّفل، واحترازاً عن التُّهْمة، فإذا وجب الإخبار عن ظَن الغَبْن؛ فلأنْ يجب عند تعيينه كان أولى، وإن اشتراه من ولده البالغ أَوْ من أبيه، فأصحّ الوجهين باتِّفاق الأئمة أنه لا يجب الإخبار عنه كما لو اشترى من زوجته أو مكاتبه، وفي "الشامل" ما يقتضي تردداً في المُكَاتب، وعند أبي حنيفة وأحمد إذا اشتراه من ابنه أو أبيه وجب الإخبار عنه.
الثالثة: إذا اشتراه بثمن مؤجل وجب الإخبار عنه، لِلتَّفاوت الظاهر بين المؤجّل والمعجّل في المالية، وفي البيان حكاية وجه غريب أنه لا يجب التَّعرض له.
الرَّابعة: لا يجب الإخبار عن وَطْء الثَّيِّب، ولا عن مهرها الذي تأخذه، ولا عن الزيادات المنفصلة كالولد واللبن والصّوف والثمرة، ولو كان حاملاً يوم الشراء، أوْ كان ضَرْعِها لبن أو على ظهرها صومه أو على النَّخْلة طلع فاستوفاها حط بقسطها من الثمن، وهذا في الحَمْل مَبْني على أنه يقابله قسط من الثمن.
قال الغزالي: فَإِنْ كَذَبَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَفِي اسْتِحْقَاقِ حَطِّ قَدْرِ التَّفَاوُتِ قَوْلاَنِ، فإن قُلْنَا: لاَ يُحَطُّ فَلَهُ الخِيَارُ لِكَوْنِهِ مَظْلُوماً بِالتَّلْبِيسِ إلاَّ إِذَا كَانَ عَالِماً بِكَذِبِهِ، وَالأَصَحُّ أَنْ لاَ خِيَارَ لِلبَائِعِ إِنْ قُلْنَا: يُحَطُّ وَلاَ لِلْمُشْتَرِي.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: اشتريته بمائة وباعه مُرَابَحَة، ثم بأن أنه اشتراه بتسعين إما وبإقراره أو بالبينة، فالبيع صحيح على المذهب، لأن غاية ما فيه التَّغْرِيرِ والتَّدْلِيس، وذاك لا يمنع صحة البيع كما لو رَوَّجَ عليه مَعِيباً، وعن رواية القاضي أبي حامد وغيره وجه: أنه لا يصح لكون الثمن مجهولاً عند العقد ويحكى هذا عن مالك.
وإذا قلنا بظاهر المذهب، فلا يخلو كذبه في هذا الإخبار إما أن يكون خيانة أو غَلَطاً، أما في الحالة الأولى فقولان منصوصان في اخْتلاف العراقيين.
أصحهما: وهو المنقول في "المختصر" وبه قال أحمد: أنا نحكم بانْحِطَاط الزيادة، وحصَّتُها من الربح لأنه تمليك باعتبار الثَّمَن الأول، فيحط الزَّائد عليه كما في الشّفعة 1. والثاني وبه قال أبو حنيفة: أنا لا نحكم لأنه سمي ثمناً معلوماً وعقد به العقد

فليجب وإن كان مُلبساً.
وأما في الحالة الثَّانية فالمنصوص القول الأول والثَّاني مخرج من مثله في الحالة الأولى.
التفريع: إنْ حكمنا بالانْحِطَاط فهل للمشتري الخيار؟ نقل المُزَنِيُّ أنه، يثبت، وقال في اختلاف العراقيين: لا يثبت، فمن الأصحاب من قال: في المسألة قولان: أظهرهما: لأنه لا خيار له لأنه قد رضي بأكثر، فَأَوْلى أنْ يرضى بالأقل.
والثاني وبه قال أبو حنيفة: أنه يثبت الخيار لأنه إنْ بان كذبه بالإقرار لم يؤمن كذبه ثانياً وثالثاً، وإنْ بان بالبَيِّنة فقد تخالف الظَّاهر والباطن، وأيضاً فقد يكون له غرض في الشِّرَاء بذلك المبلغ لتَحِلَّة قسم وإِنْقَاذ وَصِيّه ونحوهما، ومنهم مَنْ حمل النص الأول على ما إذا تبيَّن كذب البائع بالبَيِّنة، والثاني على ما إذا تبيَّن بإقراره، والفرق أنه إذا ظهر بالبيّنة خيانته لم تؤمن خيانته من وجه آخر، والإِقْرَار يشعر بالأمانة وبذل النُّصْح.
والطريقة الأولى أظهر.
فإن قلنا: له الخيار فأمسك بما يبقى بعد الحَطّ فهل للبائع الخِيَار فيه وجهان وقيل: قولان: إحداهما: نعم، لأنه لم يسلم له ما سماه في العقد.
وأظهرهما: لا، إذ يبعد أن يصيرَ تَلْبِيسه أو غَلطه سباً لثبوت الخيار له.
ومنهم من خَصَّ الوجهين بصورة الخيانة، وقطع بثبوت الخيار عند الغَلَط، فإن حكمنا بعدم الانْحِطَاط فللمشتري الخيار، لأن البائع قد غَرَّه إلاَّ أنْ يكون عالماً بكذب البائع، فيكون كما لو اشترى معيباً وهو عالم بعيبه، وإذا أثبت الخيار، فلو قال البائع: لا تفسح فإني أحطّ الزيادة عنك، ففي سقوط خياره وجهان، وجميع ما ذكرناه فيما إذا كان المَبِيع باقياً، أما إذا ظهر الحال بعد هلاك المبيع، فإن القاضي المَاوِرْدِيّ ذكر: أنه تَنْحط الخِيَانة، وحصَّتها من الربح قولاً واحداً، والظاهر جريان القَوْلين في الانحطاط، فإنْ قلنا بالانحطاط، فلا خيار للمشتري؛ لأن البائع قد لا يزيد القيمة، فالفسخ ورد القيمة يضر به.
وأما البائع فإنْ لم يثبت له الخيار عند بقاء السِّلْعة، فكذلك هاهنا، وإن أثبتناه ثم ثبت هاهنا، كما لو وجد بالعبد عيباً، والثوب الذي هو عرضه تالف.
وإن قُلْنا: بعدم الانْحِطَاط فهل للمشتري الفسخ، فيه وجهان: أظهرهما: كما لو عرف العيب بعد تلف المبيع، ولكن يرجع بقدر التَّفَاوت وحصّته من الرِّبْح، كما يرجع بأرْش العيب، وعن أبي حنيفة أنه لا يفسخ ولا يرجع بشيء.

ولو كان قد اشتراه بثمن مؤجل وحال، فلم يتبيّن كونه مؤجلاً لم يثبت الأجل في حق المشتري الثَّاني، ولكن له الخيار، وكذلك إذا ترك ذكر شيء آخر مِمَّا يجب ذكره.
وقوله في الكتاب: فإن كذب في شيء من ذلك ففي استحقاق حَطّ قدر التَّفَاوت قولان، يقتضي إثبات الخلاف فيما إذا أخبر عن سلامة المبيع وكان معيباً أو عن حلول الثمن وكان مؤجلاً، كما لو أخبر عن القدر كاذباً، وقد صرح في "الوسيط" بذلك، فيما إذا لم يخبر عن العَيْب فضلاً عن أن يخبر عن السَّلامة كاذباً، ولكن لم أر لغير المُصَنَّف رحمه الله تعرضاً لذلك، فإن ثبت الخلاف فَالسَّبيل على قول الحَطّ النظر إلى القيمة وتقسيط الثَّمن عليها 1 والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ كَذَبَ بِنُقْصَانِ الثَّمَنِ وَصَدَّقَهُ المُشْتَرِي، فَالأصَحُّ أَنْ لاَ تَلْحَقَهُ الزِّيَادة إِذ العَقْدُ لاَ يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَكِنْ لِلبَائِعِ الخِيَارُ إِنْ صَدَّقَهُ المُشْتَرِي، وَإِنْ كَذَّبُه فَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ ودَعْوَاهُ لأَنَّهُ عَلَى نَقِيضِ مَا سَبَقَ مِنْهُ، وَإِنْ ذَكرَ وَجْهاً مُخيّلاً فِي الغَلَطِ فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى رَأَيِ لِبَعْضِ الأَصْحَابِ مُتَّجِه.
قال الرَّافِعِيُّ: تكلمنا فيما إذا كذب المُشْتَري في قدر الثَّمن بالزيادة غلطاَ أو خيانةً، أما إذا كذب بالنقصان بأن قال: كان الثمن أو رأس المال، أو ما قامت به السلعة على مائة، وباع مُرَابَحَة ثم عاد، وقال: غلطت، وإنما هو مائة وعشرة، فننظر إن صدقه المشتري، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح البيع، كما لو غلط بِالزِّيادة.
وأصحّهما عند الإمام وصاحب "التهذيب": أنه لا يصحّ لتعذُّر إمْضَائه، فإنَّ العقد لا يحتمل الزيادة، وأما النقصان فهو معهود بدليل الأَرْش 2. فإن قلنا بالأول، فأصح الوجهين أن الزِّيَادة لا تثبت، ولكن للبائع الخِيار.
والثاني: أنها تثبت مع ربحها، وللمشتري الخيار.
وقوله في الكتاب: (فالأصح أن العقد لا يحتمل الزِّيادة) إلى آخره، أراد به الوجهين الأخيرين المُفرَّعين على وجه الصِّحة، وذلك جواب منه بالصحة، وهو الَّذِي أورده القَاضِي المَاوِرْدِي.
وقوله آخِراً: (إن صدقه المشتري) تَكْرار غير محتاج إليه، فإنه قد تبين ذلك في

التَّصوير أولاً، وإن كذبه المشتري فهذا يفرض على وجهين: أحدهما: أن لا يبين للغلط وجهاً محتملاً، فلا يقبل قوله، ولو أقام عليه بَيِّنة لا تسمع دعواه؛ لأن اعترافه بأن الثمن مائة يكذب قوله الثاني وبينته، فلو زعم أن المشتري عارف بصدقه، والتمس تَحْلِيفه على أنه لا يعرف ذلك، فوجهان في أنه هل يجاب؟ أحدهما: لا يجاب، كما لا تسمع بَيِّنته.
والثاني: يجاب؛ لأنه ربما يقر عند عرض الثَّمَن عليه 1 فعلى هذا إنْ نكل هل ترد اليمين على المدعي؟ فيه وجهان 2 بناء على أن اليَمِيْن المردودة بعد نُكُول المدّعى عليه كالإقرار من جهة المدّعى عليه، أو كالبَيِّنة من جهة المدّعي، وهذا أصل يشرح في موضعه إن شاء الله تعالى.
فعلى الأول يرد، وعلى الثاني لا، ثم إذا قلنا بتحليف المشتري، فإنما يحلف على نفي العلم، فإن حلف أمضى العقد على ما حلف عليه، وإن نكل ورددنا اليمين فالبائع يحلف على القطع، وإذا حلف فللمشتري الخيار بين إِمْضَاء العقد بما حلف عليه، وبين الفسخ كذا أطلقوه، وقضية تنزيله منزلة إقرار المدّعى عليه أن يعود فيه ما ذكرنا في حالة التَّصْديق.
والثاني: أنْ يتبيَّن للغَلَط وجهاً محتملاً مثل أن يقول ما كنت اشتريته بنفسي، وِإنما اشتراه وكيلي وأخبرني أن الثمن مائة فبان خلافه، أو ورد على كتاب منه فَبَان مزوَّراً، أو كتب يقول: راجعت جَرِيدتي فغلطت من ثمن متاع إلى غيره فتسمع دعواه للتَّحْليف؛ لأن بيان هذه الأعذار يحرك ظَنّ صدقه، ومنهم من طرد الخلاف في التَّحْليف.
وسماع البَيِّنة يترتب على التَّحْليف إن قلنا: لا تحليف فالبينة أولى أَلاَّ تُسْمع، وإن قلنا: له التحليف ففي البينة وجهان: والأظهر: أنها تسمع أيضاً.
وقوله في الكتاب: (فلا تسمع بَيّنته ودعواه) جواب على أنه ليس له التَّحليف، وإلاَّ فَالتَّمْكين من التَّحْليف يتضمَّن سماع البَيّنة والإصغاء إليها، وعلى مقابلته قوله: "فتسمع دعواه على رأي" يشعر بسماع البَيِّنَة وجواز التَّحليف، والله أعلم.
فرع: قوله في المرابحة: بعتك بكذا يقتضي أنْ يكون الرِّبْح من جنس الثَّمَن الأول، ولكن يجوز أن يجعل الرَّبْح من غير جنس الأصل، ولو قال: اشتريت بكذا، أو

بعتك به، وربح درهم على كل عشرة، فالربح يكون من نَقْد البلد لإطْلاقه الدرهم، والأصل مثل الثمن سواء كان من نقد البلد أو غيره.
فرع: لو اتّهَب بغير عوض لم يجز بيعه مرابحة، إلاَّ أن يبين القيمة ويبيع بها مُرَابَحَة، وإن اتّهب بشرط الثواب ذكره، وباع به مرابحة، وإذا أَجَّر داراً بِعَبْد أو نكحت على عبد، أو خَالَعَ زوجته عليه، أو صالح من الدَّم عليه لم يجز بيع العَبد مُرَابَحَةً بلفظ الشراء، ويجوز بلفظ قام علي ويذكر في الإجارة أجرة مثل الدار، وفي النكاح والخُلْع مَهْر المِثْل، وفي الصُّلْح عن الدم الدِّيَة.
واعلم أن الأئمة أطبقوا على تصوير المُرَابَحة فيما إذا قال: بعت بما اشتريت وربح كذا، أو بما قام علي، ولم يذكروا فيه خلافاً، وفيما إذا أَوْصَى لإنسان بنصيب ابنه ذكروا وجهاً: أنه لا يصح إذا قال: بمثل نصيب ابني فَكَأَنهم اقتصروا هاهنا على إيراد ما هو الأصح، وإلاَّ فلا فرق بين البابين 1. قال الغزالي: القِسْمُ الثَّالِثُ مَا يُطْلَقُ فِي المَبِيعِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ: الأَوَّلُ: لَفْظُ الأَرْضِ وَفِي مَعْنَاهَا العَرْصَةُ وَالسَّاحَةُ وَالبُقْعَةُ، وَلاَ تَنْدَرجُ تَحْتَهَا الأَشْجَارُ وَالبِنَاءُ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، إِلا إِذَا قَالَ: بعْتُ الأَرْضَ (و) بِمَا فِيهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: ذكر في هذا القسم ألفاظاً تمس الحاجة إلى معرفة ما يندرج فيها، وما لا يَنْدرج منها: الأرض والعَرْصَة والسَّاحَة والبُقْعَة، فإذا قال: بعتك هذه الأرض، وكان فيها أبنية وأشجار نظر، إن قال: دون ما فيها من البناء والشجر لم تدخل هي في البيع، وإن قال: بعتكها بما فيها دخلت الأبنية والأشجار، وكذا لو قال: بِعْتُكها بحقوقها على المشهور وحكى الإمام وجهاً: أنها لا تدخل وحقوق الأرض الممر، ومجرى الماء وما أشبههما، وإن أطلق فنصه هاهناه: أنها تدخل، ونص فيما لو رهن الأرض، وأطلق أنها لا تدخل، وللأصحاب فيها طرق: أحدها: أن فيهما قولين بالنَّقْل والتَّخريج: وجه الدخول: أنها للدوام والثبات في الأرض فأشبهت أجزاء الأرض، ولهذا يلحق بها في الأخذ بالشفعة.
ووجه المنع: خروجها عن مُسَمى الأرض.
والثاني: تقرير النصيبين، والفرق أن البيع قوي لإزالة الملك، فيستتبع الشجر والبناء، والرهن بخلافه، ولهذا يكون النَّمَاء الحادث مِنْ أصل المبيع للمشتري، ولم يكن النَّمَاء الحادث من أصل المَرْهُون مرهوناً، والثالث: ويحكى عن ابن سريج: القطع

بعدم الدّخُول في البَيْع والرهن جميعاً، ونصه هاهنا محمول على ما إذا قال بحقوقها، وكذا الحكم في الرهن ولو قال بحقوقها، وما الأظهر من هذا الخلاف.
ذكر صاحب الكتاب أن الأصح منها أنها لا تدخل اقتداء بإمام الحرمين، ولا شك أنه أوضح في المعنى؛ لكن عامة الأصحاب رحمهم الله على أن ظاهر المذهب دخولها، ورأوا أصح الطرق تقرير النصين، والله أعلم.
قال الغزالي: وَأُصُولُ البُقُولِ كَالأَشْجَارِ، وَالزُّرُوعِ لاَ تَنْدَرج قُطَعْاً، وَلاَ البَذْرُ وَإِنْ كَانَ كَامِناً، وَالأَصَحُّ أَنَّها لاَ تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ الأَرْضِ كَمَا لَوْ باَع دَاراً مَشْحُونَةَ بِأَمْتِعةٍ، نَعَمْ إِنْ جَهِلَ المُشْتَرِي فَلَهُ الخيَارُ لِتَضَرُّرِهِ بِتَعْطِيلِ المَنْفَعَةِ، وَالأَصَحُّ أنَّهُ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ المُشْتَرِي (ح) وَيَدِهِ بِالتَّسْلِيم إِلَيْهِ وإنْ تَعَذَّر انْتِفَاعُهُ سَبَب الزَّرْعِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: إحداهما: الزرع ضربان: الأول: ما لا تؤخذ ثمرته وفائدته مرة بعد أخرى، وإنما يؤخذ دفعة واحدة كالحِنْطة والشعير، فلا يدخل في مطلق بيع الأرض؛ لأنه ليس للثبات والدوام، وكان كنقولات الدار، ويصح بيع الأرض، وإن كانت مزروعة على أصح الطريقين كما لو باع داراً مَشْحُونة بأمتعة، ولا يخرج على الخلاف في بيع الدار المستأجرة؛ لأن يد المستأجر حائلة ثم.
ومنهم من خَرَّجه على القولين.
قال الجمهور: لو كان في معنى تلك الصُّورة لوجب أن يقطع بالفساد، لأن مدة بقاء الزَّرْع مجهولة، وإذا قلنا بالصحيح فللمشتري الخيار، إن كان جاهلاً بالحال بأن كانت رؤية الأرض سابقة على البيع، وإن كان عالماً فلا خيار له، وهل نحكم بِصَيْرُورة الأرض في يد المشتري، ودخولها في ضمانه إذا خلّى البائع بينه وبينها؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأنها مشغولة بملك البائع كما ذكرنا فيما إذا كانت الدَّار المبيعة مَشْحُونة بأمتعة البائع فيما قبل.
وأظهرهما: نعم، لحصول التسليم في الرَّقبة وهي المبيعة، ويخالف صورة الاستشهاد؛ لأن التفريغ ثم فنأت في الحال، على أنَّ الإمام أورد في تلك الصورة وجهاً أيضاً، وادّعى أنه ظاهر المذهب.
وإذا كان في الأرض جَزَر أو فِجْل أو سَلقٌ أو ثَوْم ولو لم يدخل في بيع الأرض، كالحِنْطة والشَّعير، وكل زرع لا يدخل في البيع لا يدخل، وإن قال: بِعْت الأرض بحقوقها، يحكى ذلك عن الشيخ أبي حامد، ورأيته لمنصور التَّميمي في المُسْتعمل

أيضاً، ولا يؤمر البائع بقطع الزرع الذي يَبْقَى له في الحال بل له إبقاؤه إلى أَوَانِ الحَصَاد خلافاً لأبي حنيفة، وعند وقت الحصاد يؤمر بالقَطْع والتفريغ، وعليه تَسْوية الأرض وقلع العروق التي يضر بقاؤها بالأرض كعروق الذُّرة تشبيهاً بما إذا كان في الدَّار أمتعة لا يتسع لها باب الدار ينقض، وعلى البائع ضمانه.
الضَّرْب الثَّاني: ما تؤخذ ثمرته وفائدته مرة بعد أخرى في سنتين أَو أكثر، كالكُرْسُف الحِجَازِيّ والنَّرْجس والبَنَفْسَج، فالظَّاهر من ثمارها عند بيع الأرض يبقى للبائع، وفي دخول الأصول الخلاف الذي سبق في الأشجار، وفي النَّرْجس والبَنَفْسَج وجه: أنهما من الضرب الأول.
وما يُجَزّ مراراً كالقَتِّ والقَصَبِ والهِنْدِبَاءِ 1 وَالنِّعْنَاع والكَرَفْسِ والطَّرْخُونِ 2، تبقى جزّتها الظَّاهرة عند البيع للبائع، وفي دخول الأصول الخلاف.
وعن الشيخ أبي محمد القطع بأنها تدخل في بيع الأرض؛ لأنها كَامِنة فيها نازلة منزلة أجزائها بخلاف الأشجار، فيجوز أن نعلّم لذلك قوله في الكتاب: "وأصول البقول كالأشجار" بالواو، وإذا قلنا بدخولها فليشترط على البائع قَطع الجَزّة الظاهرة؛ لأنها تزيد ويشتبه المبيع يغيره ولا فرق بين أن يكون ما ظهر بالغًا أَوَان الجَزّ أو لا يكون.
قال في "التتمة": إِلاَّ القَصَبَ فإنه لا يكلف بقطعه، إلاَّ أن يكون ما ظهر قدراً ينتفع به، ولو كان في الأرض أشجار، حلاف ما يقطع من وجه الأرض فهي كالقَصَبِ.
الثانية: لو كانت الأرض المبيعة مَبْذُورة، ففي البذر الكامل مثل التَّفْصِيل المذكور في الزروع فالبَذْر الذي لا ثَبَات لنباته، ويؤخذ دفعة واحدة لا يدخل في بيع الأَرْض، ويبقى إلى أَوَانِ الحَصَاد، وللمشتري الخِيار أن كان جاهلاً به، فإن تركه البائع له سقط خياره، وعليه القبول، ولو قال: آخذه وأفرغ الأرض سقط خياره أيضاً، إنْ أمكن ذلك في زمان يسير.
والبذْر الذي يدوم نباته كَنَوَى النَّخْل والجَوْز واللَّوْز وبذر الكُرَّات، ونحوه من البقول حَكمه في الدخول تحت بيع الأرض حكم الأشجار، وجميع ما ذكرنا في المسألتين مفروض فيما إذا أطلق بيع الأرض، فأما إذا باعها مع الزرع، أو البذر فإنا نورده في خلال اللفظ السادس، إن شاء الله تعالى.

قال الغزالي: وَالحِجَارَةُ إنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةَ فِي الأَرْضِ انْدَرَجَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْفُونَةً فَلاَ، وعَلَى البَائِعِ النَّقْلُ وَالتَّفْرِيغُ وَتَسْوِيَةُ الحَفْرِ، فَإِنْ كَانَتْ تتعيب بِهِ الأَرْضُ أَوْ تَتَعَطَّلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ في مُدَّةِ النَّقْلِ فَلَهُ الخِيَارُ عِنْدَ الجَهْلِ، فَإِنْ أَجَازَ فَالأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ طَلَبَ أُجْرَةِ المنفعةِ فِي هَذِهِ المُدَّةِ، وَفِي مُدَّةِ بَقَاءِ الزَّرْعِ، وَكَذَلِكَ لَهُ طَلَبُ أَرْشِ التَّعَيُّبِ، فَإِنْ تَرَكَ البَائِعُ الحِجَارَةَ بَطُلَ خِيَارُ المُشْتَرِي، لأَنَّهُ غَيْرُ مُتَضَرِّرِ بِالبَقَاءِ، ثُمَّ لاَ يِمْلِكُهُ بِمُجَرَّدِ الأِعْرَاضِ (و) إِلاَّ إِذَا جَرَى لَفْظُ الهِبَةِ وَشَرْطُهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: الحِجَارة إن كانت مخلوقة في الأَرْض، أو مثبتة دخلت في بيع الأرض.
وإن كانت تضر بالزَّرع والغَرْس، فقد ذكرنا في عِدَاد العيوب أنه عيب إذا كانت الأرض مما تقصد لذلك وفيه وجه: أنه ليس بعيب، وإنما هو فَوَات فَضِيلة، وإن كانت مدفونة فيها لم تدخل في البيع كالكنوز والأقمشة في الدار، ثم لا يخلو.
إما: أن يكون المشتري عالماً بالحال، أو جاهلاً.
فإن كان عالماً فلا خيار له في فسخ العقد، وإنْ تضرَّر بقلع البائع، وله إجبار البائع على القلع والنقل تفريغاً لملكه بخلاف الزَّرْع فإن له أمداً ينتظر، ولا أُجْرة للمشتري في مدة القَلْع والنَّقل، وإن طالت كما لو اشترى داراً فيها أَقْمشة، وهو عالم بها لا أُجْرَة له في مدة النَّقْل والتَّفريغ، ويجب على البائع إذا نقل تسوية الأرض.
وإن كان جاهلاً فللحجارة مع الأرض أربعة أحوال: الحالة الأولى: أن لا يكون في قَلْعها ولا في تركها ضرر فأن لم يحوج النَّقل وتسوية الأرض إلى مدّة لمثلها أجرة، ولم تنقص الأرض بها فللبائع النقل، وعليه تسوية الأرض، ولا خيار للمشتري، وله إجبار البَائع على النَّقْل، وحكى الإمام وجهاً: أنه لا يجبر والخِيَرَة للبائع، والمذهب الأول.
الحالة الثانية: أن لا يكون في قَلْعِها ضرر ويكون في تركها ضرر، فيؤمر البائع بالنقل، ولا خيار للمشتري كما لو اشترى دارًا فلحق سَقْفها خلل يسير يمكن تداركه في الحال، أو كانت مُنْسدّة البَالُوعَة فقال البائع: أنا أصلحه وأتقنها فلا خيار للمشتري.
الثالثة: أنْ يكون القلع والتَّرْك جميعاً مُضِرّين، فللمشتري الخيار سواء جهل أصل الأحجار، أو كون قَلْعها مضرًا، ولا يسقط خياره بأن يترك البائع الأحجار لما في نقلها من الضَّرر وهل يسقط بأن يقول للمشتري: لا تفسخ لأغرم لك أجرة المثل لمدة النقل؟ فيه وجهان عن رواية صاحب "التقريب".
أصحهما: لا، كما لو قال البائع: لا نفسخ البيع بالعيب لأغرم لك الأرش ثم إنْ

اختار المشتري البيع فعلى البائع النقل وتسوية الأرض سواء كان النقل قبل القبض أو بعده، وهل تجب أجرة المثل لمدة النقل إن كان النقل قبل القبض فيبني على أن جناية البائع قبل القبض كآفةٍ سماوية أو كجناية الأجنبي.
إن قلنا: بالأول لم تجب وإن قلنا بالثاني فهو كما لو نقل بعد القَبْض، وإن كان النَّقْل بعد القبض فوجهان.
أصحهما: عند الشيخ أبي حامد: أنها لا تجب؛ لأن إجازته رضا بتلف المَنْفَعة في مدة النَّقْل.
وأصحهما: على ما يقتضيه كلام الأكثرين وبه قال أبو إسحاق: أنها تجب كما لو جنى على المبيع بعد القبض عليه ضمانه، وقد يختصر فيقال: في وجوب الأجرة ثلاثة أوجه: ثالثها وهو الأظهر: الفرق بين أن يكون النَّقل قبل القبض فلا تجب، أو بعده فتجب، ويجري مثل هذا الخلاف في وجوب الأَرْش، لو بقي في الأرض بعد التَّسْوية نقصان وعيب وفي مأخذ الخِلاَف في الأَرْش ولزوم التَّسْوية مزيد كلام مذكور في الغَصْب.
الرابعة: أن يكون في قَلْعها ضرر، ولا يكون في تركها ضرر، فللمشتري الخيار، فإنْ أجاز ففي الأُجْرة والأَرْش ما مرّ، ولا يسقط خِياره بأن يقول للبائع: اقْلع واغرم الأجرة، أو أرش النقص كذا قاله في "التهذيب"، ويجيء فيه مثل الخلاف المذكور في الحالة الثالثة، ولو رَضِيَ بترك الأحجار في الأرض سقط خيار المشتري إبقاء للعقد، ثم ينظر إن اقتصر على قوله: تركتها إلى المُشْتري فهو تمليك، أو مجرد إعراض لقطع الخُصُومة، فيه وجهان كالوَجْهَين في ترك النَّقْل على الدَّابة المردودة بالعيب.
أحدهما: أنه تمليك ليكون سقوط الخيار في مُقابلة ملك حاصل.
وأظهرهما: وهو الذي ذكره في الكتاب: أنه قطع للخصومة لا غير.
فإن قلنا بالأول: فلو قلعها المشتري يوماً فهي له، ولو أراد البائع الرجوع فيها لم يكن له وإن قلنا بالثاني فهي للبائع، ولو أراد الرجوع قال الأكثرون: له ذلك ويعود خيار المشتري.
وقال الإمام: لا رجوع ويلزمه الوفاء بالترك، وإن قال: وهبتها منك، فإن رآها من قبل واجتمعت شرائط الهِبَة حصل الملك، ومنهم من طرد الخلاف؛ لأنه لا يَبْغي حقيقة الهبة وإنما يقصد دفع الفسخ، وإن لم تجتمع شرائط الهبة، ففي صحتها للضرورة وجهان، إن صححناها ففي إفادة المِلْك ما ذكرنا في لفظ الترك.
واعلم أن جميع ما ذكرنا فيما إذا كانت الأرض بيضاء، أما إذا كان فيها غِرَاس فينظر إن كانت حاصلة يوم البيع واشتراها مع الأرض، فنقصان الأشجار وتَعيُّبها بالإحجار، كتعيُّب الأرض في إثبات الخيار وسائر الأحكام، وإن أحدثها المشتري بعد

الشراء، فينتظر إنْ أحدثها عالماً بالأحجار فللبائع قَلْعُها، وليس عليه ضمان نقصان الغِرَاس، وإن أحدثها جاهلاً، ففي ثبوت الخيار وجهان: وجه الثبوت أنَّ الضرر ناشئ من إيداعه الأحجار في الأرض.
والأصح أنه لا يثبت لرجوع الضَّرر إلى غير المبيع، فإن كانت الأرض تنقص بالأحجار أيضاً نظر إن لم يورث الغَرْس وقلع المغروس نقصاناً في الأرض فله القلع والفسخ، وإن أورث الغراس أو القلع نقصاناً فلا خيار في الفسخ، إذ لا يجوز له رد المبيع ناقصاً ولكن يأخذ الأرض وإذا قلع البائع الأحجار فانتقص الغِراس فعليه أَرْش النقص بلا خلاف، ولو كان فوق الأحجار زرع إمَّا للبائع أو للمشتري، ففي "التهذيب" أنه يترك إلى أَوَانِ الحصاد؛ لأن له غاية منتظرة بخلاف الغِرَاس، ومنهم من سوَّى بينه وبين الغراس 1. إذا تقرر فقه الفصل فالحاجة بعده إلى معرفة ما ذكر في الكتاب، وإحلال كل شيء محله.
أما قوله: (وعلى البائع النقل والتفريغ وتسوية الحفر) فاعلم أن الجمع بين النقل والتَّفْريغ ضرب إِيْضاح، إلا فنقل الحِجَارة عن الموضع دون التَّفريغ مُحَال، ثم الكلام مجري على إطلاقه في صورة العلم باشتمال الأرض على الأحجار المدفونة، وكذا في صورة الجهل حيث لا يثبت الخيار، وحيث ثبت فكذلك إن أجاز المشتري.
وأما إذا فسخ فلا يخفى أنه لا يكلف بالنَّقل وتسوية الحفر، ثم تكلم الإمام في أنهم لِمَ أوجبوا تسوية الحفر على البائع، وعلى الغاصب إذا حفر في الأرض المغصوبة، ولم يوجبوا على من هدم الجدار أن يعيده، وإنما أوجبوا الأَرْش.
وأجاب عنه بأن طمّ 2 الحفيرة لا يكاد يتفاوت، وهيئات الأبنية تختلف وتتفاوت فيشبه ذلك بذوات الأمثال، وهذا بذوات القيم، حتى لو رفع لِبنَة أو لِبَنَتَيْنِ من رأس الجِدار، وأمكن الرد من غير اختلاف في الهيئة كان ذلك كَطَمّ الحُفَيرة فهذا ما ذكره، وفي وجوب الإعادة على هادم الجِدَار خلاف يذكره في كتاب الصلح إن شاء الله تعالى.
وقوله: (فله الخِيَار عند الجَهْل) محمول على الحالة الثالثة والرابعة فأما في الأولى والثانية فقد عرفت أنه لا خيار.

وقوله: (فالأظهر أن له طلب أجرة المنفعة في هذه المدة، وفي مدة بقاء الزرع).
أما أجرة مدة النقل فقد تكلمنا فيها، وبيَّنا أن الأظهر الفرق بين أن يكون النقل قبل القبض أو بعده، وأما في مدة بقاء الزَّرع فوجهان عن رواية صاحب "التقريب" الذي أورده المعظم: أنه لا تجب الأُجْرة، وتقع تلك المدة مُسْتَثْناة كما لو باع داراً مشحونة بأقمشة لا يستحق المشتري الأجرة لمدة التفريغ.
والثاني: وهو الأظهر عند صاحب الكتاب: أنها تجب، ولفظ المنفعة في قوله: "أجرة المنفعة" في قوله حشو لا يضر إسقاطه إذ ليس الأجرة إلاَّ عوض المنفعة.
وقوله: (فإن ترك البائع الحجارة بطل خيار المشتري) مُصور في الحالة الرابعة لا غير؛ لأنه لا خيار للمشتري في الأولى والثانية حتى يفرض سقوطه.
وأما في الثالثة، فقد ذكرنا أن ترك الحجارة لا يسقط الخيار.
وقوله: (لأنه غير متضرر بالبقاء) فيه إشارة إلى التَّصوير في الحالة المذكورة.
وقوله: (ثم لا يملكه بمجرد الإعراض معلّم بالواو).
وقوله: (إلاَّ إذا جرى لفظ الهِبَة) استثناء منقطع، ويجوز أن يعلم قوله: (وشرطها) بالواو، للوجه الذي ذكرناه في أنه لا تعتبر اجتماع الشروط.
قال الغزالي: اللَّفْظُ الثَّانِي: البَاغُ وَفِي مَعْنَاهُ البُسْتَانُ، وَهوَ مُسْتَتْبعٌ لِلأَشْجَارِ، وَلاَ يَتَنَاوَلُ البِنَاءَ عَلَى الأَظْهَرِ، وَأَمَّا اسْمُ القَرَيةِ وَالدَّسْكَرَةِ (3) يَتَنَاوَلُ البنَاءَ وَالشَّجَر.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: بعتك هذا الباغ والبُسْتَان دخل في البيع الأرض والأشجار والحائط، وفي دخول البناء الذي فيه ما سبق في دخوله تحت الأرض، وفي العَرِيْش الذي توضع عليه القُضْبَان تردّد للشيخ أبي محمد، والظاهر عند الإمام دخوله، وذكروا أن لفظ الكَرْم كلفظ البُسْتَان، ولكن العادة في نَواحينا إخراج الحائط عن مسمَّى الكرم، وإدخاله في مسمَّى البُسْتَان، ولا يبعد أن يكون الحكم على ما استمر الاصْطِلاح به.
ولو قال: هذه الدار بستان دخلت الأبنية والأشجار جميعاً.
ولو قال: هذا الحائط بستان، أو هذه المحطوطة دخل الحَائِط المُحِيط وما فيه من الأشجار، وفي البناء الخلاف السابق، هكذا ذكره في "التهذيب"، ولا يتّضح في لفظ المحطوة فرق بين الأبنية والأشجار فليدخلا، أو ليكونا على الخلاف.
ولو قال: بعتك هذه القرينة دخل في البيع الأبنية والسَّاحات التي تُحيط بها الصُّور، وفي الأشجار التي وسطها الخلاف، اختيار الإمام وصاحب الكتاب دخولها بخلاف اختيارهما في لفظ الأرض.

وأما المزارع فلا تدخل في البيع، أَلاَ ترى أنه لو حلف لا يدخل القرية لم يَحْنَث بدخوله المزارع؟ ولو قال: بعتكها بحُقُوقها لم تدخل أيضاً، بل لا بد من نَصّ على المزارع، وفي "النهاية" أنها تدخل إذا قال: بحقوقها وهما غريبان.
1 قال الغزالي: اللَّفْظُ الثَّالِثُ الدَّارُ وَلاَ يَنْدَرجُ تَحْتَهُ المنْقُولاَت إلاَّ مِفْتَاحَ البَابِ اسْتَثنَاهُ صَاحِبُ "التَّلْخِيصِ"، وَيَنْدَرجُ تَحْتَهُ الثَّوابِتُ وَمَا أُثْبِتَ مِنْ مَرَافِقِ الدَّارِ لِلبَقَاء كَالأبْوَابِ وَالمَغَالِيقِ، وَفِي الأَشْجَارِ وَحَجَرِ الرَّحَا وَالأَجَانَاتِ المُثْبَتَةِ خِلاَفٌ، وَفِي مَعْنَاهَا الرُّفُوفُ، وَالسَّلاَلِيمُ المُثْبَتَة بِالمَسَامِيرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: بعتك هذه الدار دخل في المبيع الأرض والأبنية على تنوعها حتى يدخل الحَمّام المَعْدُود من مَرَافقها، وحكي عن نصه أن الحمام لا يدخل، وحملوه على حمّامات الحِجَاز، وهي بيوت من خَشَبٍ تنقل، ولو كان في وَسَطِها أشجار ففي دُخولها ما سبق في دخُولها تحت بيع الأرض، ونقل الإمام في دخولها ثلاثة أوجه: ثالثها: الفرق بين أن يكثر بحيث يجوز تسمية الدّار بستاناً فلا يدخل في لفظ الدار وبين أن لا تكون كذلك فتدخل.
وأما الآلات في الدَّار فهي على ثلاثة أجزاء: أحدهما: المنقو لات كالدَّلو والبَكَرة والرّشَا والمَجَارِف والسّرُر والرّفُوف الموضوعة على الأوتاد، والسَّلاَلِيم التي لم تسمّر ولم تُطَين، والأَقْفَال والكُنُوز والدّفَايِن، فلا يدخل شيء منها في البيع، نعم في مفتاح المِغْلاَق المثبت وجهان: أحدهما: أنه كسائر المَنْقُولات.
وأصحهما: ويحكى عن صاحب "التلخيص": أنه يدخل؛ لأنه من توابع المِغْلاَق المثبت، وفي ألواح الدَّكَاكين مثل هذين الوجهين لأنها أبواب لها، وإن كانت تنقل وتردد في الفَوْقَاني من حجر الرَّحَى مثل هذين الوجهين إن أدخلنا التَّحْتَاني، والأصح: الدخول.
والثاني: ما أثبت تتمة للدار ليدوم فيها ويبقى كالسُّقُوف والأبواب المَنْصُوبة، وما عليها من المَغَالِيق والحَلَق والسَّلاَسِل والضَّبَّات تدخل في البَيْع؛ فإنها مَعْدُودة من أجزاء الدَّار.
الثَّالث: ما أثبت على غير هذا الوجه كالرُّفُوف والدّنَان والأجَانَات المُثْبتة والسَّلاَلِيم المُسَمَّرة والأَوتَاد المُثَبَّتَة في الأرض والجُدْرَان، والتَّحْتَاني من حجر الرَّحَى،

وخشب القَصّار، ومَعجن الخَبَّاز، ففي جميع ذلك وجهان: أصحهما: أنها تدخل لثباتها واتصالها.
والثَّاني: لا تدخل لأنها إنما أثبتت لِسُهُولة الارْتِفَاق بها، كي لا تَتَزَعْزَع وتتحرك عند الاستعمال.
وأشار الإمام إلى القطع بدخول الحَجَرَين في بيع الطَّاحونة، وبدخول الأجَانَات المُثَبَّتَة إذا باع باسم المدبغة والمصبغة، وأنَّ الخلاف في دخولها تحت بيع الدَّار وفي "التتمة" أن أصل الخلاف في هذه المسائل الخلاف، في تجويز الصلاة إلى العصا المَغْرُوزَة في سطح الكَعْبة، إن جوزنا فقد عددناها من البناء فتدخل، وإلاَّ فلا، وهذا يقتضي التَّسْوِية بين اسم الدَّار والمدبغة 1. قوله في الكتاب: "ويندرج تحته الثوابت، وما أثبت من مرافق الدار" كأنه يعني بالثَّوَابت ما هو ثابت في نفسه من غير إثبات، أو ما هو من ضرورات الدار، وبما أثبت من المرافق ما سواها.
فروع: أحدها: لا يدخل مَسِيل الماء في بيع الأرض، وكذا لا يدخل فيه شربها من القَنَاة، أو النَّهْر المملوكين إلاَّ أنْ يشرط أو يقول بحقوقها، وحكى أبو عاصم العبادي وجهاً: أنه يكفي ذكر الحقوق.
وإذا كان في الدَّارِ المبيعة بئر ماء دخلت في المبيع، والماء الحاصل في البئر لا يدخل، أما إذا لم نجعله مملوكاً فظاهر وأما إذا جعلناه مملوكاً فلأنه نَمَاء ظاهر، فأشبه الثمار المُؤَبَّرة، وفي "النَّهَاية" حكاية وجه: أنه يدخل إذا جعلناه مملوكاً، وينزل منزلة الثمار التي لم تؤَبَّر؛ لأنه العرف فيه، وإن شرط دخوله في البيع صَحَّ على قولنا: إنَّ الماء مملوك بل لا يصح البيع دون هذا الشرط، وإلاَّ اختلط ماء المُشْتَري بماء البائع وانفسخ البيع 2، وذكر الخلاف في الماء، وتفاريعه مؤخر إلى إحياء الموات.
والثاني: لو كان في الأرْض أو الدَّار معدن ظاهر، كالنّفْط والمِلْح والغَازِ والكِبْرِيت فهو كالماء وإن كان باطناً كالذَّهب والفِضَّة دخل في البيع، إلاَّ أنه لا يجوز بيع ما فيه معدن الذَّهَب بالذهب من جهة الرِّبَا، وفي بيعه بالفضة قولان للجمع في الصَّفْقَة الواحدة بين البَيْع والصَّرف.

الثالث: باع داراً في طريق غير نافذ دخل حريمها في البيع، وفي دخول الأشجار الخلاف الذي سبق، وإن كان في طريق نافذ لم يدخل الحَريم، والأَشْجَار في البيع، بل لا حريم لمثل هذه الدَّار، على ما سنذكر في إحياء الموات إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: اللَّفْظُ الرَّابعُ: العَبْدُ وَلاَ يَتَنَاوَلُ مَالَ العَبْدِ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يُمْلَكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَفِي ثِيَابِه الَّتي عَلَيْهِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يَنْدَرجُ سَاتِرُ العَوْرَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالوَجْهُ الصَّحِيحُ تَحْكيمُ العُرْفِ.
قال الرَّافِعِيُّ: العبد إذا ملَّكَه السيّد، مالاً هل يملكه؟ فيه قولان يذكران بتوجيهما في باب معاملات العَبِيد.
إذا عرف ذلك فلو ملكه سيده مالاً ثم باعه، وشرط المال ثم باعه وشرط المال لنفسَه فلا كلام وإن أطلق بيعه لم يتبعه المال أيضاً.
أما إذا قلنا: إنه لا يملك فظاهر.
وأما إذا قلنا إنه يملك فلأن اللَّفظ لا يتناول المال، وهو بسبيل من الرجوع فيه، وكان ترك التَّعَرُّض للمال رجوعاً.
وإن باعه مع المال.
فإن قلنا: إنه لا يملك ما ملكه اعتبر فيه شرائط المبيع حتى لو كان مجهولاً أو غائباً لم يصح البيع، وكذا لو كان ديناً، والثمن دين وكذا لو كان ذهباً، والثمن ذهباً، ولو كان ذهباً والثمن فضة أو بالعكس، فعلى قولاً الجمع بين البيع والصَّرف.
وإن قلنا: إنه يملك فقد نصّ أن المال ينتقل إلى المشتري مع العبد، وأنه لا بَأْسَ بكونه مجهولاً أو غائباً، ويحتمل ذلك عن أبي سعيد الإصْطَخْري أن المال تابع، وقد يحتمل في التابع ما لا يحتمل في الأصل أَلاَ ترى أن الجهل في الحمل واللّبن التابعين محتمل؟ وكذا الجهل بحقوق الدار.
وعن ابن سُرَيْج وأبي إسحاق أنَّ المال ليس بمبيع لا أصلاً ولا تبعاً، ولكن شرطه للمبتاع كتبعية له على العبد كما كان فللمشتري انتزاعه عنه، كما كان للبائع الانتزاع منه فعلى هذا لو كان المال رَبَوِيًا، والثمن من جنسه فلا بأس، وعلى الأول لا يجوز ذلك ولا يحتمل الرِّبَا في التابع كما في الأصل، وأصحّ المعنيين عند الأصحاب الثاني.
هذه إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: الثياب 1 التي على العبد، هل تدخل في بيعه؟ فيه وجهان: أحدهما: الاقتصار على اللَّفظ كما أن السَّرْج لا يدخل في بيع الدَّابة.

والثاني: تدخل، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أن ما عليه من الثياب تدخل اعتباراً بالعرف، وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: يدخل ساتر العَوْرة دون غيره.
وقوله في الكتاب: (والوجه الصحيح تحكيم العرف) ربما يشعر بوجه رابع، لكن المنقول ليس إلاَّ الوجوه الثلاثة، فهو إذن ترجيح لوجه دخول ما عليه من الثياب، لكن صاحب "التهذيب" وغيره رجَّحوا الوجه الصَّائر إلى أن شيئاً منها لا يدخل في البيع، وكذا قالوا في عِذَارِ الدَّابة.
وأما نعلها فيدخل، وكذا بُرَةُ 1 الناقة إلا أن يكون من ذهب أو فضة 2. قال الغزالي: اللَّفْظُ الخَامِسُ: الشَّجَرُ وَيَنْدَرج تَحْتَهُ الأَغْصَانُ وَالأَوْرَاقُ حَتَّى وَرَقُ الفِرْصَادِ عَلَى الأَصَحِّ وَكذَا العُرُوقُ، وَيسْتَحِقُّ الإِبْقَاء مَغَرُوساً، وَلاَ يَسْتَحِقُّ المَغْرَسَ عَلَى الأَصَحِّ مِنَ القَوْلَيْن، وَلَكنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهَا لِلإِبْقَاءِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: إحداهما: أغصان الشجرة تدخل في مطلق بيعها لأنها معدودة من أجزاء الشجرة، نعم لا يدخل الغُصْن اليابس في بيع الشجرة الرطبة؛ لأن العادة فيه القَطْع كما في الثمار.
قال في "التهذيب": ويحتمل أن يدخل كالصُّوف على ظهر الغَنم، وتدخل العَروق أيضاً في مطلق بيع الشَّجرة، وكذلك الأوراق إلاَّ أن شجرة الفِرْصَاد 3 إذا بيعت في الربيع، وقد خرجت أوراقها ففي دخولها تحت البيع وجهان: أصحهما: انها تدخل كما في غير وقت الربيع وكما في سائر الأشجار.
وقال: أبو إسحاق انها لا تدخل لأنها كثمار سائر الأَشْجار، وفي أوراق شجر النَّبق ذكر طريقين في "التتمة" أظهرهما: أنها كأوراق غيرها من الأَشْجَار.
والثاني: أنها كأوراق الفِرْصَاد، لأنها تلتقط ليغسل بها الرَّأس.

الثانية: لو باع شجرة يابسة نابتة فعمى المشتري تفريغ الأرض عنها للعادة.
قال في "التتمة" فلو شرط إبقاءها فسد البيع، كما لو اشترى الثَّمرة بعد التَّأْبِير وشرط عدم القطع عند الجُذَاذ، ولو باعها بشرط القطع أو القلع جاز، وتدخل العُرُوَق في البيع عند شرط القلع، ولا تدخل عند شرط القطع بل تقطع عن وجه الأرض، وإن كانت الشَّجرة رطبة فباعها بشرط الإِبْقَاء أو شرط القلع اتبع الشَّرط ولو أطلق جاز الإِبْقَاء أيضاً للعادة كما لو اشترى بناء يستحق إبقاءه وهل يدخل المغرس في البيع؟ وجهان.
وقال الإمام وصاحب الكتاب رحمهما الله: قولان: أحدهما ويحكى عن أبي حنيفة: نعم؛ لأنه يستحق منفعته لا إلى غاية، وذلك لا يكون إلاَّ على سبيل المِلْك، ولا وجه لتملكه إلاّ دخوله في المبيع.
وأصحهما: لا لأن اسم الشجرة لا يتناوله، وقد يستحق غير المالك المنفعة لا إلى غاية كما لو أعار جِدَاره ليضع الجذع عليه، فعلى الوجه الأول لو انْقلعت الشجرة أو قَلْعها المالك، كان له أن يَغْرس بدلها، وله أن يبيع الغرس، وعلى الثاني ليس له ذلك، ويجري الخلاف فيما لو اشترى أرضاً، وشرط البائع لنفسه شجرة منها أن المغرس يبقى له أيضاً أم لا والله أعلم.
قال الغزالي: وإنْ كَانَ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ لَمْ يَنْدَرجْ تَحْتَهُ، وَغَيْرُ المُؤَبَّرَةِ تَنْدَرجُ (ح)، وَفِي مَعْنَى المُؤَبَّرَةِ كُلُّ ثَمَرَةٍ بَارِزَةٍ ظَهَرَتْ لِلنَّاظِرِينَ، وَإذَا تَأَبَّرَ بَعْضُ الثَّمَارِ حُكِمَ بانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ فِي الكُلِّ نَظَراً إِلَى وَقْتِ التَّأْبِيرِ لِعُسْرِ تَتَبُّعِ العَنَاقِيدِ، هَذَا إِذَا اتَّحَدَ النَّوْعُ وَشَمِلَت الصَّفْقَةُ، فَإِن اخْتَلَفَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَفَيهِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيان أن الثمرة متى تندرج في بيع الشجرة؟ ومتى لا تندرج؟ والأصل في الباب ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بَاعَ نَخْلَةٌ بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا للْبَائِعِ، إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" 1. وروي أن رجلاً ابتاع نخلاً من آخر، واختلفا: فقال المبتاع: أنا أبَّرته بعدما ابتعت، وقال البائع أنا أبَّرته من قبل البيع فتحاكما إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- فقضى بالثَّمرة لمن أبَّر منهما 2 وأول ما يحتاج إلى معرفته تفسير التَّأْبير.
اعلم أن النخيل فُحُول وإِنَاث، ومعظم المقصود من طلع الفُحُول استصلاح الإناث بها، والذي يبدو منها أولاً أُكَمَة صغيرة، ثم تكبر وتطول حتى تصير كآذان

الحُمُر، فإذا كبرت تشققت فتظهر العَنَاقِيد في أَوْسَاطها، فبذر فيها طلع الفُحُول الحاصل من رطبها أجود، فالتَّشْقيق وذرْ طلع الفُحُول فيها هو التَّأْبير، وقد يسمى تلقيحاً أيضاً، ثم الأكثرون يسمون الكِمَام الخارج أكله طَلْعاً، والإمام خصّ اسم الطَّلْع بما يظهر من النُّور على العنقود عند تشقُّق الكِمَام، ثم المتعهدون للنَّخِيل لا يؤبِّرون جميع الأَكَمَة، ولكن يكتفون بتأبير البعض، والباقي ينشق بنفسه، وينبت ريح الفُحُول إليه، وقيل قد لا يؤبّر في الحائط شيء، وتتشقق الأكمة بنفسها إذ كبرت، إلا أن رطبه لا يجيء جيداً، وكذلك الخارج من الفُحُول ينشق بنفسه ولا يشقق غالباً.
إذا تقرر ذلك، فإذا باع نخلة عليها ثمرة، وشرطاها للبائع لم تندرج في بيع النخلة، وإن شرطاها للمشتري اندرجت، وإن أطلقا وهي مسألة الكتاب نظر إنْ كانت مؤبَّرة لم تندرج في البيع، وكذا لو لم تؤبّر وتشقّقت الأَكَمة بنفسها اعتباراً لظهور المقصود، وإن لم تؤَبّر ولا تشققت هي اندرجت في البيع، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: تبقى الثمار للبائع أُبِّرت أو لم تُؤَبَّر.
لنا ما سبق من الخبر، وأيضاً فإن لها حالة كُمُون وظهور بأصل الخِلْقة، فيتبع الأصل في حالة الكمون اعتباراً بحال البهيمة والجَارِية، ولو باع الفحول من النّخيل بعد تشقُّق طلعها لم يندرج الطَّلْع في البيع، وإن لم يتشقق فوجهان: أظهرهما: الاندراج كما في طلع الإِنَاث.
والثاني: أنه لا يندرج، لأن طلع الفحل يؤكل على هَيْئَتِه، ويطلب لِتَلْقيح الإناث به، وليس له غاية مُنْتظرة بعد ذلك، فكان ظهوره كظهور ثمرة لا قِشْرَ لها، بخلاف طلع الإناث فإنه يعني بثمرته فاعتبر ظهورها.
ثم الكلام في أمرين: أحدهما: ما عدا النخيل من الأشجار أقسام: أولها: ما يفصل منه الورق كشجر الفِرْصَاد، وقد ذكرنا حكمه.
قال في "البيان" وشجر الحنَّاء ونحوه، يجوز أن تلحق بشجر الفِرْصَاد، ويجوز أن يقال: إذا ظهر ورقه فهي للبائع بلا خلاف؛ لأنه لا ثمرة لها سوى الورق، ولِلْفرْصَاد ثمرة مأكولة.
وثانيها: ما يقصد منه الورد، وهو على ضربين: أحدهما: ما يخرج في كِمَام ثم ينفتح كالورد الأحمر، فإذا بيع أصله بعد خروجه وتفتحه فهو للبائع، كطَلْع النخل المتشقق، وإن بيع بعد خروجه وقبل تفتحه، فهو للمشتري كالطَّلْع قبل التشقق، وعن الشيخ أبي حامد أنه يكون للبائع أيضاً.

والثاني: ما يخرج ورده ظاهراً كاليَاسَمِيْن، فإن خرج ورده فهو للبائع وإلا فللمشتري.
وثالثها: ما يقصد منه الثمرة، وهو على ضربين: أحدهما: ما تخرج ثمرته بارزة بلا قِشْر ولا كِمَام، كالتِّين فهو كاليَاسَمِين، وألحق العِنَب بالتِّيْن، وإن كان لكل حَبَّة منه قِشْر لطيف، يتشقَّق ويخرج منها نَوْر لطيف؛ لأن مثل ذلك موجود في ثمر النَّخل بعد التَّأْبير، ولا عبرة به.
والثاني: ما لا يكون كذلك، وهو على ضربين: أحدهما: ما تخرج ثمرته في نَوْر، ثم يتناثر النَّوْر، فتبرز الثَّمرة بلا حائل كالمِشْمِش 1 والتُّفَّاح والكُمِّثْري وما أشبهها، فإن باع الأصل قبل انْعِقَاد الثَّمرة فإنها تنعقد على ملك المشتري وإن كان النَّوْر قد خرج، وإنْ باعه قبل الانعقاد، وتناثر النَّوْر فهي للبائع وإن باعه بعد الانْعِقَاد قبل تَنَاثُر النَّوْر فوجهان: أحدهما: أنها للمشتري تنزيلاً للاستتار بِالنَّوْر منزلة اسْتِتَار ثمر النَّخْل بالكِمَام.
والثَّاني: أنها للبائع تنزيلاً لها منزلة استتارها بعد التَّأَبير بالقِشْر الأبيض، وهذا أرجح عند أبي القاسم الكرخي، وصاحب "التهذيب" لكن الأول هو المحكي عن نصه في البُويطي، وعن أبي إسحاق، واختاره ابن الصباغ والقاضي الروياني، والله أعلم.
والثاني: ما يبقى له حائل على الثمرة المقصودة، وله ضربان: أحدهما: ما له قِشْرَة واحدة كالرُّمَّان.
فإذا بيع أصله، وقد ظهر الرُّمَّان بقشرهِ فهو للبائع، ولا اعتبار بقشرهِ لأن إبقاءه من مصلحته، وإن لم تظهر فالذي يظهر يكون للمشتري.
والثَّاني: ما له قشرتان كالجَوْز واللَّوْز والفُسْتُق والرَّانِج، فإنْ باعها قبل خروجها فإنها تخرج على ملك المشتري، وإن باعها بعد الخروج فتبقى على ملك البائع، ولا يعتبر في ذلك تشقُّق القِشْرة العليا، على أصح الوجهين.
والثاني: يعتبر، وبه قال الشيخ أبو حامد وطبقته.
واعلم أن أشجار الضَّرْبين الأخيرين منها ما يخرج ثمره في قشرهِ من غَيْر نور كالجَوْز والفُسْتُق.
ومنها: ما يخرج في نَوْر ثم يَتَنَاثر عنه كالرُّمَّان واللَّوْز، وما ذكرنا من الحكم فيما

إذا بيع الأصل بعد تَنَاثُر النَّوْر عنه، فإن بيع قبله عاد فيه الكلام السابق.
فرع: الكُرْسُف وهو القُطْن نوعان: أحدهما: ما له ساقٌ تبقى سنين، وتثمر كل سنة، وهو كُرْسُف الحجاز والبصرة والشَّام، فهو كالنَّخْل إِنْ بيع أصله قبل خروج الجوزق أو بعده وقبل تَشَقُّقه، فالحاصل لِلْمُشْتري وإنْ بيع بعد التَّشقق فهو للبائع.
والثاني: ما لا يبقى أكثر من سنة فهو كالزرع، فإن باعه قبل خروج الجوزق أو بعده، وقبل تكامل القطن فلا بد من شرط القطع، ثم إن لم يتفق القطع حتى خرج الجوزق، فهو للمشتري لحدوثه من عين ملكه.
في "التهذيب": وإنْ باعه بعد تَكَامُل القطن، فإن تشقق الجوزق صح البيع مطلقاً، ودخل القطن في البيع بخلاف الثمرة المُؤَبَّرة، لا تدخل في بيع الشَّجرة، لأن الشَّجرة مقصودة لثمار سائر الأَعْوام، ولا مقصودها هنا سوى الثَّمرة المَوْجُودة، وإن لم يَتَشَقَّق لم يجز البيع في أصح الوَجْهَين؛ لأن المقصود مستتر بما ليس من صلاحه، بخلاف الجَوْز واللَّوْز في القِشْرة السُّفلى.
الأمر الثاني: لا يشترط لبقاء الثَّمرة على ملك البَائِع التَّأْبير في كل كِمَام وعُنْقُود لما في تتبع ذلك من العسر بل إذا باع نخلة أبو بعض طَلْعها بقي الكُل للبائع، وجعل غير المُؤَبّر تابعاً للمؤبر، وذلك أَوْلى من أن يعكس، فيجعل المؤبر تابعاً لغير المُؤَبّر؛ لأن المُؤَبَّر ظاهر وإتباع الباطن الظاهر أولى، كما أنّ باطن الصُّبْرَة تبع لظاهرها في الرؤية، ولأن الباطن سائر إلى الظهور بخلاف العكس.
ولو باع نخلات طلع بعضها مُؤِبَّر وطلع البعض غير مؤبر، فلها حالتان: إحداهما: أن يكون في بُسْتَان واحد، فينظر إن اتَّحد النوع، وباعها صفقة واحدة، فالحكم كما في النَّخْلَة الواحدة، إذا أبَّر بعض ثمرها دون بعض، وإن أفرد ما لم يؤبر طلعه فوجهان: أحدهما: أنه يبقى للبائع، وأيضاً لدخول وقت التأبير، والاكتفاء به عن نفس التأبير.
وأصحهما: أنه يكون للمشتري، لأنه ليس في المبيع شيء مُؤَبَّر، حتى يجعل غير المؤبر تبعاً له، فيبقى تبعاً للأصل، وإن اختلف النوع فوجهان: أحدهما، وبه قال ابن خيران: أن غير المُؤَبَّر يكون للمشتري والمؤبر للبائع؛ لأن لاختلاف النوع تأثيراً بينا، في اختلاف الأيدي وقت التأبير.
وأصحهما: أنّ الكل يبقى للبائع كما لو اتحد النوع دفعاً لضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة.

الحالة الثانية: أن يكون في بستانين فحيث قلنا في البستان الواحد، إن كل واحد من المُؤَبَّر وغير المؤبر يفرد بحكمه فهاهنا أَوْلى، وحيث قلنا بأن غير المؤبر يتبع المؤبر فهاهنا وجهان: أصحهما: أن كل بستان يفرد بحكمه، والفرق أن لاختلاف البِقَاع تأثيراً في وقت التَّأبير، وأيضاً فإنه يلزم في البُسْتان الواحد ضَرَرُ اختلاف الأيدي، وسوء المُشَاركة، ولأن للخطة الواحدة من التَّأثِير في الجمع ما ليس للخُطَّتَين، أَلاَ تَرَى أن خطة المسجد تجمع بين [الإمام والمأموم] 1، وإن اختلف البناء وتباعدت المَسَافة بينهما، ولا فرق بين أن يكون البستانان متلاصقين أو متباعدين.
فروع: أحدهما: إذا باع نخلة وبقيت الثمرة له، ثم خرج طَلْع آخر من تلك النَّخْلة أو من نخلة أخرى، حيث يقتضي الحال اشتراكهما في الحال ففيه وجهان: أصحهما: أن الطَّلْع الجديد للبائع أيضاً، لأنه من ثمرة العام.
وقال ابن أبي هريرة: إنه للمشتري، لأنه حدث من ملكه بعد البيع.
الثاني: لو جمع في صفقة واحدة بين فحول النخل وإناثها، كما لو جمع بين نوعين من الإناث.
الثَّالث: قال في "التهذيب": تشقق بعض الجَوْزَق من الكُرْسُف كتشقق الكل وما تشقق من الورد يبقى للبائع، وما لم يتشقق يكون للمشتري، وإنْ كانا على شجرة واحدة ولا يتبع البعض البعض، بخلاف ثمر النخل، لأن المتشقق لا يقطع بل يترك إلى إدراك الكل، وما تشقق من الورد يُجْتَنى ولا يترك إلى تشقُّق الباقي، وذكر أيضاً أن التِّين والعِنَب إن ظهر بعضه دون بعض، فما ظهر يكون للبائع، وما لم يظهر يكون للمشتري، وهذه الصورة الأخيرة محل التوقف، والله أعلم.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وغير المؤبر يندرج) يحتاج إلى قيد آخر، وهو أن لا يتشقق بنفسه إذ لو تشقق لما اندرج، وإن لم يؤبّر على أنّ بعضهم، فسر التَّأَبير بما يدخل فيه التشقيق والتشقق، فعلى ذلك الاصطلاح يستمر الكلام على ظاهره.
وقوله: (كل ثمرة بارزة ظهرت للناظرين) أي إما في ابتداء الوجود كالتِّين، أَو بالتَّفتح كالوَرْد، أو بالخروج من النَّوْر على التفصيل السابق.
وقوله: (نظراً إلى وقت التأبير) هذا التوجيه يقتضي أن يكون أحد البستانين تابعاً

للآخر لدخول وقت التأبير، لكن الظاهر خلافهُ على ما مَرَّ، فهو إذاً محمول على نخيل البُسْتَان الواحد، وفي قوله: (هذا إذا اتحد النوع، وشملت الصفقة) مثل هذا الكلام المعني وإن اتَّحد البستان، إلاَّ أن يجاب بالوجه الآخر والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِمُشْتَرِي الأَشْجَارِ أَنْ يُكَلِّفَ قَطْعَ الثِّمَارِ، بَلْ لَهُ (ح) الإِبْقَاءُ إِلَى أَوَانِ القِطَافِ لِلعُرّفِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَسْقِيَ الأشجار إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَضَرَّرُ صَاحِبُهُ، وإنْ تَقَابَلَ الضَّرَرَانِ فَأيُّهُمَا أَوْلَى بِهِ؟، فِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: أصَحُّهَا: أَنَّ المُشْتَرِيَ أَوْلَى إِذَا الْتَزَمَ البَائِعُ سَلاَمَةَ الأشجار لَهُ، وفِي الثَّالث: يَتَسَاوَيَانِ فَيُفْسَخُ العَقْدُ لِتَعذُّرِ الإِمْضَاءِ إِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا، وَمَهْمَا لَمْ يَتَضَرَّرِ الثِّمَارُ بِالسَّقْي وَتَضَرَّرَ الشَّجَرُ بِتَرْكِ السَّقْي فَعَلَى البَائِعِ السَّقْيُ أَو القَطْعُ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل صور: إحداها: إذا باع الشَّجرة، وبقيت الثَّمرة للبائع، فإن شرط القَطْع في الحال لزمه القطع، وإنْ أطلق فليس للمشتري أنْ يكلفه القطع في الحال، بل له الإبقاء إلى أوان الجُذَاذ في النَّخل، والقِطَاف في العنب، وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة: يلزمه القطع في الحال، ولو شرط الإبقاء فسد.
لنا: أن مطلق العقد محمول على المعتاد، والمعتاد في الثمار الإبقاء، حتى لو كانت الثمرة من نوع يعتاد قطعها قبل النضج يكلف القطع، وإذا جاء وقت الجُذَاذ لا يمكن من أنْ يأخذها على التَّدْريج، ولا يؤخر إلى نِهَاية النُّضْج.
واعلم: أنه حكي اختلاف القول في جواز إبقاء الثَّمَار في صورتين: إحداهما: لو تعذر السَّقْى لانقطاع الماء، وعظم ضرر النَّخِيل بإبقاء الثمار، ففيه قولان منقولان عن "الأم".
قال أبو القاسم الكرخي: أصحهما: أنه له الإبقاء دفعاً للضَّرر عن المشتري.
الثانية: لو أصاب الثَّمَار آفة، ولم يكن في إبقائها فائدة، هل له الإبقاء؟ عن رواية صاحب "التقريب" فيه قولان: الصورة الثانية: سقي الثّمار عند الحاجة على البائع، وعلى المشتري تَمْكينه من دخول البُسْتَان ليسقي فإن لم يأتمنه نَصَّب الحاكم أميناً للسَّقي، ومُؤْنَته على البائع، وإذا كان السَّقْي ينفع الثِّمَار والأشجار معاً، فلكل واحد من البَائِع والمشتري السَّقْى، وليس للآخر منعه، وإن كان بضربهما معاً فليس لأحدهما السَّقي، إلاَّ يرضا الآخر 1، وإن أضر بالثمار ونفع الأشجار، فأراد المشتري أن يسقي، ونازعه البائع فوجهان:

قال ابن أبي هريرة: للمشتري السَّقي، ولا يبالي برضا البائع، لأنه قد رضي به حين أقدم على هذا العقد، وقال أبو إسحاق: يفسخ العقد لتعذر إمضائه إلاَّ بإضرار أحدهما، فإن سامح أحدهما الآخر أقر، وهذا أظهر، وإن أضر بالأشجار ونفع الثمار، وتنازعا جرى الوجهان، فعند ابن أبي هريرة للبائع السَّقي.
وقول أبي إسحاق لا يختلف فهذا ما نقله الجمهور، واقتصروا عليه.
وحكى الإمام وصاحب الكتاب في الصورتين ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجاب المشتري إلى مطلوبه، لأنه التزم سَلاَمَة الأشجار للبائع.
وثانيها: أن يجاب البائع لاستحقاقه إبقاء الثمار.
والثالث: يتساويان، وترجيح الوجه الأول مما لم أرَه إلا لصاحب الكتاب.
ولو كان السَّقْي يضر بأحدهما، وترك السَّقْي يمنع حصول زيادة في جانب الثاني، ففي الْتِحاقه بتقابل الضَّرر احتمالان عند الإمام.
الصورة الثالثة: لو لم يسق البائع، وتضرَّر المشتري ببقاء الثمار لامتصاصها رطوبة الأشجار، أجبر على السقي أو القطع فإن تعذَّر السقي لانقطاع الماء فيه القولان السابقان 1. قال الغزالي: اللَّفْظُ السَّادِسُ: بَيْعُ الثِّمَارِ وَمُوجِبُ إِطْلاَقِهِ اسْتِحْقَاقُ الإبْقاءِ إِلَى القِطَاف، فَإنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاحَ صَحَّ بِكُلِّ حَالٍ، وَمُوجِبُ الإِطْلاَقِ التَّبِعِيَّةُ (ح)، وَإنْ كَانَ قَبْلَهُ بَطُلَ (ح) إلاَّ بِشَرْطِ القَطْعِ؛ لأَنَّهَا تَتَعَرَّضُ لِلعَاهَاتِ فَلاَ يُوثَقُ بِالقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ إِلَى القِطَاف، وَقَدْ نَهِى عليه السلام عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ العَاهَةِ، وَلَوِ اشْتَرَاهَا صَاحِبُ الشَّجَرَةِ فَلاَ يَجِبُ شَرْطُ القَطْعِ (و)، وَلَوْ بَاعَ الشَّجَرَةَ وَبَقِيَتِ الثِّمَارُ لَهُ لَمْ يَجِبْ شَرْطُ القَطْعِ؛ لأَنَّ المَبِيع هُوَ الشَّجَرُ وَلاَ خَوْفَ فِيهِ، وَلَوْ بَاعَ الشَّجَرَةَ مَعَ الثَّمَرَةِ فَلاَ يُشْتَرَطُ القَطْعُ لِفَقْدِ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، وَلَوِ اطَّرَدَ عُرْفُ قَوْمٍ بِقَطْعِ الثِّمَارِ فَفِي إِلْحَاقِ العُرْف الخَاصِّ بِالعَامِّ خِلافٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد ذكرنا في اللفظ الخامس حكم بيع الأشجار دون التعرض للثمار، والغرض الآن الكلام في بيع الثمار دون التَّعرض للأشجار، وهي إمَّا أنْ تباع بعد بُدُوِّ الصَّلاحَ، أو قبله.

الحالة الأولى: إذا بيعت بعد بُدُوّ الصَّلاح جاز مطلقاً، وبشرط إبقائها إلى وقت الجُذَاذ، وبشرط القَطْع سواء كانت الأصول للبائع أو للمشتري أو لغيرهما.
لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" 1. والحكم بعد الغاية، يخالف الحُكْم قبلها.
ثم عند الإِطْلاق يجوز الإبقاء إلى أوان الجُذَاذ للعرف، وشرط التبعية تصريح بما هو من مقتضياتَ العقد، وساعدنا مالك وأحمد على ما ذكرناه.
وعند أبي حنيفة لا يجوز البيع بشرط الإبقاء، ويلزم القطع في الحال في صورة الإطلاق، ولا يجوز أن يبيع الثمار بعد بدون الصلاح مع ما يحدث بعدها خلافاً لمالك.
الحالة الثانية: إذا بيعت قبل بُدُوِّ صلاحها فإما أن تُباع مفردة عن الأشجار أو معها.
الحالة الأولى: أن تباع مفردة عن الأشجار، فالأشجار تصور على وجهين: أحدهما: أن تكون للبائع أو لغير المتعاقدين، فلا يجوز بَيْع الثمار مطلقاً ولا بشرط الإبقاء، ويجوز بشرط القَطْع.
أما الجواز بشرط القطع فمجمع عليه، وأما إنه لا يجوز مطلقاً وبشرط الإبقاء، فلما سبق من الخير، فإن ظاهره يمنع من مطلق البيع، المَشْرُوط بالقَطْع إجماعاً فيعمل به فيما عداه، والمعنى الفارق بين ما بعد بُدُوِّ الصلاح وقبله، أنَّ الثمار بعد بدو الصَّلاَح تَأْمَنُ من العَاهَاتِ والجَوَائِح غالباً لكبرها وغلظ نَوَاها وقبل بدو الصَّلاح تسرع إليها العَاهَات لضعفها، فإذا تلفتَ لم يَبْقَ شيء في مقابلة الثمن، وكان ذلك من قبل أَكْل المال بالبَاطِل وإلى هذا المعنى أشار باللَّفظ المروي في الكتاب، وهو أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَةِ" 2. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أرأيت إذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيه" 3. فأما إذا شرط القطع، فيتبين أن غرضه هو الحصْرم والبَلَح وأنه حاصل، هذا هو المعنى المشهور، وحكى الإمام مع ذلك معنى آخر عن بعض الأصحاب، وهو أن الثمار قبل بُدُوِّ الصَّلاَح تَكْبُرُ أجزاؤها كبراً ظاهراً، وتلك الأجزاء من أجزاء الشجرة

امتصاصها رطوبتها، فيتعذر الإبقاء لذلك، كما يتعذر البيع بشرط أن يأكل العبد المبيع من مال البائع، وساعدنا مالك وأحمد على قولنا.
وقال أبو حنيفة: لا يصح البيع بشرط الإبقاء ويصح مطلقاً، ويؤمر بقطعهِ في الحال وهذا ذهاب إلى أن مقتضى الإطلاق القطع، إذ به يحصل التَّسليم.
وعندنا مقتضى الإطلاق الإبقاء بناء على العادة العامة، كما تنزل الدَّرَاهم المطلقة في العقد على النَّقْد الغالب، فالإِجارة المطلقة على المَنَازِل المَعْهُودَة في الطَّرِيق، والتَّسْليم يجب بحسب العَادَة، أَلاَ تَرَى أنه لو باع داراً فيها أمتعة كثيرة لا يلزمه نقلها في جنح الليل، ولا أن يجمع كل حمال في البلد لتعجيل التَّسليم، ولكن ينقل على العادة.
ثم هاهنا فروع: أحدها: وقد ذكره في الكتاب لو كان في البلاد الشديدة البرد كُرُوم لا تنتهي ثمارها إلى الحَلاَوة، واعتاد أهلها قطع الحصرم ففي بيعها وجهان عن القفال: أنه يصح من غير شرط القطع تنزيلاً لعادتهم الخاصة منزل العادات العامة، وقد ذكرنا أن العَقْد المطلق محمول على المعتاد، فيكون القَطْع المعهود كالمشروط، وامتنع الأكثرون من ذلك، ولم يروا تواطؤ قوم مخصوصين بمثابة العادات العامة، وهذا الخلاف يجري فيما لو جرت عادة قوم بِانْتِفَاع المرتهن بالمرهون، حتى تنزل عَادتهم على رأي منزلة شرط الانْتِفاع، ويحكم بفساد الرهن، وأشار إِمام الحَرَمين -رحمه الله- إلى تخريج ذلك على مسألة السِّر والعَلاَنية.
الثّاني: إذا باع بشرط القَطْع وجب الوفاء به، ولو تَرَاضيا على التّرك فلا بأس، وكان بدو الصلاح ككبر العبد الصَّغير، وعن أحمد أنه يبطل البيع وتعود الثمرة إلى البائع.
الثَّالث: قال في "التتمة": إنما يجوز البَيْع بشرط القطع 1 إذا كان المقطوع منتفعاً به كالحِصْرِم واللَّوْز ونحوهما.
فأما ما لا منفعة فيه كالجَوْز والكُمثري، فلا يجوز بيعه بِشَرْط القطع.
الوجه الثاني: أن تكون الأشْجَار للمشتري، مثل أنْ يبيع الشَّجرة من إنسان بعد ظهور الثَّمرة، وتبقى الثمرة له على ما مر، ثم يبيع الثمرة من مالك الشجرة، أو يوصي بالثمرة لإنسان، ثم يبيع المُوصي له الثَّمَرة من الوَارِث، فهل يشترط القطع؟ فيه وجهان:

أصحهما عند الجمهور: نعم لشمول الخبر والمعنى، فإن المبيع هو الثمرة، ولو تلفت لم يَبْقَ في مقابلة الثمر شيء، ولكن يجوز له الإبقاء، ولا يلزمه الوفاء بالشرط هاهنا إذ لا معنى لتكليفه قطع ثماره من أشجاره.
والثاني: وهو الذي أورده في الكتاب أنه لا حاجة إلى شَرْط القطع، لأنه يجمعها ملك مالك واحد، فأشبه ما لو اشتراهما معاً، وسيأتي ذلك، ولو باع الشجرة وعليها ثمرة مؤبرة فبقيت للبائع، فلا حاجة إلى شرط القَطْع لأن المبيع هو الشَّجرة، وهي غير متعرّضة للعَاهَات، والثمار مملوكة له بحكم الدوام، ولو كانت الثمرة غير مؤبّرة فاستثناها لنفسه، فهل يجب القطع؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأن الثمار والحالة هذه مندرجة لولا الاستثناء، فكان كملك مبتدأ.
وأصحهما: أنه لا يجب لأنه في الحقيقة استدامة ملك، فعلى هذا له الإبقاء إلى وقت الجُذَاذ، ولو صرح بشرط الإِبْقَاء جاز، وعلى الأول لا يجوز 1. الحالة الثانية: أن تباع الثمار مع الأشجار، فيجوز من غير شرط القَطْع، بل لا يجوز شرط القطع فيه 2، أما إنه يجوز من غير شرط القَطْع فلما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ بَاعَ نَخْلَةً بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ".
جواز شرط الثَّمرة للمبتاع مع الأصل مطلقاً.
والمعنى فيه أن الثمرة هاهنا تتبع الأصل، والأصل غير متعرّض للعاهة، وقد يحتمل في الشيء إذا كان تابعاً ما لا يحتمل فيه إذا أفرد بالتَّصرف، كالحمل في البطن واللَّبن في الضَّرْع، وأما إنه لا يجوز شرط القطع فيه فَلِمَا فيه من الحجر عليه في ملكه.

ثم نتكلم في عبارات الكتاب.
وقوله: "بكل حال" معلّم بالحاء؛ لأنه يتناول البيع بشرط التَّبعية، وقد سبق أن أبا حنيفة لا يجوزه.
قوله: (وموجب الإطلاق التبعية) مستغنى عنه لأن في قوله: (وموجب إطلاقه استحقاق الإبقاء على القطَاف) ما يغني عنه، ثم هو مُعَلَّم بالحاء، وكذا قوله: (بطل إلاَّ بشرط القطع) لما مر.
وقوله: "لأنها تتعرض للعاهات، فلا يوثق بالقدرة على التسليم إلى القطاف)، أراد به أن تمام التسليم إنما يحصل بالقطَف، وهو يعرض الجَوَائح والآفات قبل ذلك، فالقدرة على التسليم إذًا غير موثوق بها لكن في كون الأمر كذلك مزيد كلام ستعرفه في مسألة الجوائح، وما بعدها إن شاء الله تعالى.
وقوله: (لفقد العلة المذكورة) أراد به أن تمام التَّسْليم هاهنا يحصل بالتَّخلية، ولا يتوقف على القطَاف لكون الأُصول مملوكة له.
وقوله: (ففي إلحاق العرف الخامس بالعام خلاف) ليس فيه تصريح بحكم المسألة، لكن فيه إشارة إلى مأخذها، معناه في الاستغناء عن شرط القَطْع، خلاف وجه الاستغناء حمل المطلق على القطع المعهود، كما يحمل المطلق على الإبقاء المعهود، ذهاباً إلى أن المعهود بالعرف الخَاصّ كالمعهود العام.
قال الغزالي: ثُمَّ اتَّفَقُوا علَى أَنَّ وَقْتَ بُدُوِّ الصَّلاحَ كَافٍ (ح) كَمَا فِي التَّأبِيرِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الجِنْسِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغي أَنْ يَتَّحِدَ النَّوْعُ وَالبُسْتَانُ وَالمِلْكُ، وَالصَّفْقَةُ، فَلَوِ اخْتَلَفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَصَلاحُ الثِّمَارِ بِأَنْ يَطِيبَ أَكْلُهَا وَيَأْخُذَ النَّاسُ فِي الأَكْلِ وَذَلِكَ بِظُهُورِ مَبَادِي الحَلاَوَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل قَاعِدَتَان لا بد من معرفتهما في الباب: الأولى: لا يشترط للاستغناء عن شرط القطع بُدُوِّ الصلاح في كل عنقود، بل إذا باع ثمار شجرة بَدَا الصَّلاح في بعضها صح من غير شرط القطع، ولو باع ثمار أشجار بدا الصَّلاحَ في بعضها، نظر إن اختلف الجنس لم يعتبر بدو الصَّلاحَ في أحد الجِنْسَين حكم الجنس الآخر، حتى لو باع الرطب والعنب صفقة واحدة، ولم يَبْدُ الصَّلاح في أحدهما وجب شرط القَطْع فيه، وإن اتَّحد الجِنْس فالنَّظر في اتِّحاد النوع واختلافه، وبتقدير الاتِّحاد فالنظر في اتحاد البُسْتَان وتعدده، وبتقدير الاتحاد فالنظر في بيعها صفقة واحدة، وإفراد ما لم يَبْدُ الصَّلاحَ فيه بالبَيْع وحكم الأَقْسَام على ما مر في البَابَيْن بلا فلاق حتى أن الأصح أنه لا يبيعه عند الإِفْرَاد، وأنه لا أثر لاختلاف النوع، وأنه لا يتبع بُسْتان بستاناً، وبهذا قال أحمد، وعن مالك أنَّ البُسْتَان يتبع البستان إذا تجاورا، وربما نقل عنه الضَّبط ببساتين البلدة الواحدة، هذه إحدى القاعدتين.

بقي قوله: "والملك" اعلم أن المصنف -رحمه الله- حكى خلافاً في اشتراط اتِّحَاد المِلْك، ورُبَّما يشير إليه كلام الإمام ولا بُدَّ من البَحْث عن موضعه وكيفيته، فنقول: إذا بَدَا الصَّلاحَ في ملك غيره، ولم يبد في ملكه لم يخل: إما أن يكونا في بستان واحد، أو في بستانين.
فإن كانا في بستان واحد، وباع ملكه فقد ذكرنا وجهين، فيما لو كان الكل ملكه، وأفرد ما لم يبد في الصَّلاحَ بالبيع وهل يعطى له حكم ما بَدَا فيه الصَّلاحَ حتى يستغنى فيه عن شَرْط القَطْع أم لا؟ وهو المراد من الخلاف في اعتبار اتِّحَاد الصَّفقة، فإن ثبت الخِلاَف في اعتبار اتِّحَاد الملك والحالة هذه، فسبيله أن يقال: أحد الوجهين أن الحكم، كما لو كان ما بدا فيه الصلاح ملكه، فيطرد الوجهان.
والثاني: القطع بالمنع، وإن كانا في بُسْتَانين فقد نقل الإمام القطع بأنه لا عِبْرَة به، ولا نظر إلى بُدُوِّ الصلاح في بستان غير البائع، لكنا إذا لم نفرق فيما بدا فيه الصَّلاحَ من ذلك البُسْتَان، ولم يدخل في البَيْع بين أنْ يكون ملك البائع أو ملك غيره، فقياسه أن لا يفرق فيما بدا فيه الصَّلاَح في بستان آخر أيضاً إذا لم يشترط اتحاد البستان، والله أعلم.
ثم حيث ثبت الخلاف في اعتبار اتِّحاد الملك هاهنا فهو جائز في التَّأْبير أيضاً، وإن لم يجر ذكره ثم، والظاهر أنه غير معتبر في الموضعين.
والثانية: بُدُوِّ الصلاح في الثمار بظهور النِّضْج ومبادئ الحلاوة، وزوال 1 العُفُوصَة أو الحُمُوضة المُفْرَطين، وذلك فيما لا يتلون بأن يتمَوَّه ويلين وفيما يتلوّن بأن يحمر أو يصفر أو يسود.
"نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَزْهَى، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا تَزْهَى؟ قال: حتى تَحْمَرَّ أَوْ تَصْفَرَّ" 2. واعلم أن هذه الأوصاف، وإن كان يعرف بها بُدُوِّ الصلاح في الثِّمَار، لكنها ليست ولا واحد منها بشرط في تفسير بُدُوِّ الصلاح، لأن القِثَّاء لا يفرض فيه نُضْجٌ ولا حَلاَوَة، وليس فيه عُفُوصَة ولا حُمُوضَة حتى تزول، بل يُسْتَطاب أكله في الصغر كما يستطاب في الكِبَر، ولذلك قال في الكتاب: "بأن يطيب أكلها ويأخذ الناس في الأكل"، فاعتبر مع طيب الأكل أخذ الناس فيه، وذلك في القِثَّاء بأن يكبر بحيث يجتنى في الغالب ويؤكل، وفي الصغر تؤكل على سبيل النُّدُور، وأيضاً فإن بُدُوّ الصَّلاح في الزرع يحصل عند اشْتِدَاد الحَب، ولا يفرض فيه عَفُوصة ولا حموضة، ولا نُضْج وحلاوة على أن اعتبار الأكل غير معتبر في تفسير مطلق بُدُوِّ الصَّلاح أيضاً، لأن صاحب

"التهذيب" ذكر أن بيع أوراق الفِرْصَاد، قبل تناهيها لا يجوز إلاَّ أنْ يشترط القطع وبعده يجوز مطلقاً، ويشترط القطع، فجعل تناهي الورق صلاحاً له وأنه غير مأكول.
إذا تقرر ذلك، فلو قال قائل: بدو الصَّلاحَ في هذه الأشياء صَيْرُورَتها إلى الصِّفَة الَّتِي تطلب غالباً لكونها على تلك الصِّفَة لكان قد ذكر عبارة شاملة، والله أعلم.
قال الغزالي: وَبَيْعُ البطِّيخِ إِنْ كَانَ مَعَ الأُصُولِ يَتَقَيَّدُ (و) بِشَرْطِ القَطْعِ قَبْلَ الصَّلاَحِ إِلاَّ إِذَا بِيعَ مَع الأَرْضِ، وَبَيْعُ أُصُولِ البَقْلِ لاَ يُتَقَيَّدُ بِهِ إِذْ لاَ يتعَرَّضُ لِلآفَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: بيع البطيخ قبل بُدُوِّ صلاحه لا يجوز من غير شَرْط القَطْع، وإنْ بدا الصلاح في كله أو بعضه نظر: إنْ كان يخاف خروج غيره، فلا بد من شَرْط القَطْعِ أيضاً؛ لأنه إذا وجب شرطه خوفاً من الجَائِحَة الَّتِي الغالب فيها العدم، فلأن يجب خوفاً من الاختلاط الذي الغالب فيه الوجود كان أولى، فإن شرط القَطْع ثم لم يتفق حتى خرج غيره، واختلط المبيع بغير المبيع ففي انفساخ البيع قولان نذكرهما في نظائرهما.
وإن كان لا يخاف خروج غيره جاز بيعه من غير شرط القَطْع، هذا إذا أفرد البَطِّيخ بالبيع ووراءه حالتان: إحداهما: لو أفرد أصوله بالبيع، ذكر العراقيون وغيرهم أنه يَجُوزُ ولا حاجة إلى شرط القَطْع إذا لم يخف الاختلاط كبيع الزَّرْع الَّذِي اشتاد حَبُّه ثم الحمل الموجود يبقى للبائع، وما يحدث بعده يكون للمشتري، وإن خِيفَ اختلاط الحملين فلا بد من شرط القطع، فإن شرط ولم يتفق القطع حتى وقع الاخْتلاط، ففيه طريقان سنذكرهما في نَظِيْرِهما.
ولو باع قبل خروج الحمل، فلا بد من شرط القَطْع أو القَلْع كالزَّرع الأخضر، وإذَا اشترطه ثم اتفق بقاؤه حتى خرج الحمل، فهو للمشتري.
الثَّانية: لو باع البَطِّيخ مع أصوله، فجواب الإمام وصاحب الكتاب أنه لا بُدَّ من شرط القَطْع بخلاف ما إذا باع الثَّمرة مع الشَّجرة؛ لأن الشجرة غير متعرّضة للجَائِحَة، والبطيخ مع أصولها متعرّضة لها، فلو باعها مع الأرض استغنى عن شرط القطع، وكأن الأرض هاهنا كالأشجار ثم.
وقضية ما نقلناه فِي بَيْع الأُصُول وحدها، إذا لم يَخْف الاختلاط أنه لا حاجة إلى شرط القطع، فليعلّم قوله: (يتقيد (و) بشرط القطع) بالواو لذلك، وقوله: (وبيع أصول البقل) إلى آخره منازع فيه أيضاً، وساذكره في الفصل التالي لهذا والبَاذِنْجَان، وشجرة كالبَطِّيخ في الأحوال الثلاث.
فرع لابن الحَدَّاد: لو باع نِصْفَ الثِّمَار على رُؤوس الأَشْجَار مَشَاعاً قبل بُدُوِّ الصلاح، لم يصح وعَلَّلوه بأنَّ البيع والحالة هذه يفتقر إلى شرط القطع، ولا يمكن قطع النّصف إلاَّ بقطع الكُلِّ فتضرر البائع بِنُقْصان غير المبيع أشبه ما إذا باع نصفاً معيناً من

سيف، وما ذكروه من أن قطع النصف لا يمكن إلاَّ بقطع الكُلِّ إنما يَسْتمر بتقدير دوام الإشَاعَة وامتناع القسمة، أما إذا جَوَّزنا قِسْمَة الثِّمَار في حال الرُّطُوبة بناء على أنها إفراز فيَمكن قطع النِّصف من غير قطع الكل، بأن يقسم أو لا فليكن منع البيع بناءاً على القول بامتناع القسمة لا مطلقاً، وعلى هذا يدل كلام ابْنِ الحَدَّاد.
قال القَاضي أبو الطَّيب وهو الصَّحيح: ولو باع نصفها مع نصف النَّخل صح، وكانت الثمار تابعة، ولو كانت الشجرة لواحد، والثَّمرة لآخر فباع صاحب الثَّمَرة نصفها من صاحب الشجرة فوجهان بناء على الخلاف في اشتراط القَطْع هاهنا ولو كانت الثِّمَار والأشجار مشتركة بين رجلين، فاشترى أحدهما نصيب [صاحبه من الثمرة لم يجز، ولو اشترى نصيب] 1 صاحبه من الثمرة بنصيبه من الشجرة لم يَجُزْ مطلقاً، ويجوز بشرط القَطْع، لأن جملة الثمار تفسير لمشتري الثمرة، وجملة الأشجار للآخر، وعلى مشتري الثمرة قطع الكل؛ لأنه بهذه المُعَاملة التزم قطع النصف المُشْتَرى بِالشَّرط، والتزم تَفْريغ الأَشجار لصاحبه، وبيع الشجرة على أن يفرغها للمشتري جائز، وكذا لو كانت الأَشْجَار لأحدهما والثمرة بينهما، فاشترى صاحب الشجرة نصيب صاحبه من الثمرة بنصف الشجرة على شرط القطع جاز.
قال الغزالي: وَلاَ بُدَّ مِنَ الاحْتِيَاطِ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ الثِّمَارُ بَادِيَةً إلاَّ عَلَى قَوْلِ تَجْوِيزِ بَيْعِ الغَائِبِ، أَوْ فِيمَا صَلاَحُهُ فِي إبْقَائِهِ فِي الكِمَامِ كَالرُّمَّانِ، وَفي اسْتِتَارِ الحِنْطَةِ بِالسُّنْبُلَةِ وَالأُرْزَة بِالقِشْرَةِ وَالبَقِلاَّءِ وَالجَوْزِ بالقِشْرَةِ العُلْيَا خِلاَفٌ (م ح) مَنْشَؤُهُ أَنَّ الصَّلاَحَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِبَقائِهِ فِيها؟ قال الرَّافِعِيُّ: لا يجوز بَيْعُ الزَّرْع الأَخْضَر إلاَّ بشرط القَطْع 2 لما سبق في الثِّمَار، فإنْ باعه مع الأرض جاز تبعاً، وكذا لا يجوز بيع البُقُول في الأرض دون الأرض إلاَّ بشرط القَطْع أو القَلْع سواء كان مما يُجَزُّ مراراً أَوْ لاَ.
يجزّ إلاَّ مرة واحدة، هكذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وهو خلاف قوله في الكتاب: (وبيع أصول البَقل لا يتقيد به) فاعلمه وأعلمه.
ولو باع الزرع بعد اشتداد الحَبِّ، فهو كما لو باع الثِّمار بعد بدو

الصلاح، فلا حاجة إلى شرط القطع، ولكن يشترط ظهور المَقْصُود، فلو باع ثمرة لا كمَام 1 لَهُمَا كالتِّيْن والعِنَب والكُمثري جاز، سواء باعها على الشَّجرة أو على وجه الأرض، ولو باع الشَّعِير أو السُّلْت مع السَّنَابِل جاز بعد الحَصَاد وقبله، لأن الحَيَّات ظاهرة في السُّنْبُلة، ولو كان للثمرة أو كِمَام، لا يزال إلاَّ عند الأكل كالرُّمَّان والعَلَس فكمثل، ما له كِمَامَان يزال أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل، كالجَوْز واللَّوْز، والرَّانج يجوز بيعه في القِشْرَة السُّفْلَى، ولا يجوز في العُلْيَا لا على رأس الشجر، ولا على وجه الأرض لتستر المقصود بما ليس من صلاحه، وفيه قول أنه يجوز ما دام رطباً 2 في القشرة العليا، وبه قال ابن القَاص والاصْطَخْري لتعلّق الصلاح به من حيث أنه يَصُون القِشْرَة السُّفْلى ويحفظ رُطُوبَة اللُّبِّ، وبيع البَاقِلاّء في القشرة العليا على هذا الخلاف، وادعى الإمام أن الأظهر فيه الصِّحة؛ لأن الشّافعي -رضي الله عنه- أمر بعض أعوانه بأنْ يشتري له البَاقِلاّء الرّطب 3. وما لا ترى حَبّاته في السُّنْبُلة كالحِنْطة والعَدَسِ والسِّمْسِم لا يجوز بَيْعُه في السُّنْبُلَة دون السُّنْبُلَة ومعها قولان: والقديم: الجواز لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ" وقد اشتد.
والجديد: لتستر المقصود بما لا يتعلق به الصلاح كبيع تراب الصَّاغَة والكُدْس بعد الدِّبَاسَة وقبل التَّنْقِية والأُرْز كالشَّعِير يباع في السَّنَابل -لأنه يدخر في قِشْره وبهذا قال ابن القَاص وأبو علي الطَّبَرِي، ومنهم من قال: هو كالحِنْطَة.

ولا يجوز بيع الجَزر والثَّوم والبَصَل والفِجْل والسَّلْق في الأرض لتستر المقصود، ويجوز بيع أوراقها الظاهرة بشرط القَطْع، وبيع القَنَّبِيْط في الأرض لظهوره، وكذا نوع من السَّلْجَم، يكون ظاهراً ويجوز بيع اللَّوْز في القِشْرَة العُلْيا قبل انعقاد السُّفلى؛ لأنه مأكول كله كالتُّفَّاح، وهو القول بالمَنْعِ في صور الفَصْل مقطوع به أمْ هو مفرج على قول مَنْعِ بيع الغائب.
ذكر الإمام أنه مفرع عليه أما إذا جوَّزنا بيع الغائب صَحَّ البَيْعُ فيها جميعاً، وعلى هذا جرى في الكتاب، حيث قال: (إلاَّ على قول تجويز بَيْع الغَائِب) وفي "التهذيب": أن المنع في بيع الجَزَر وما معناه في الأرض ليس مبنياً على بيع الغائب؛ لأنه في بيع الغَائِب يمكن رد المبيع بعد رؤيته بصفته، وهاهنا لا يمكن 1، وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد يصح البيع في جميع صورة الفَصْل.
وإذا قلنا بالمنع فلو باع الجَوْزَ مثلاً في القِشْرَة العُلْيَا مع الشجرة أو باع الحِنْطَة في سنبلها مع الأرض فطريقان: أحدهما: أن البيع باطل في الجَوْز والحب، وفي الشجرة والأرض قَوْلاً تفريق الصَّفْقة.
وأصحهما: القَطْع بالمنع في الكل للجهل بأحد المَقْصُودين وتعذر التوزيع.
ولو باع أرضاً مبذورة مع البذر، فقد قيل: يصحُّ البَيْع في البذر تبعاً للأرض، والمذهب بطلان البيع فيه، ثم في الأرض الطريقان، ومن قال بالصحة في الأَرْض لا يذهب إلى التوزيع بل يوجب جميع الثمن بناء على أحد القولين، فيما لو باع ماله ومال غيره، وصححنا البيع في ماله وخيرناه فإنه إذا أجاز يجيز بجميع الثمن، والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّانِي أَن يَحْذَرَ مِنَ الرِّبَا فلَوْ بَاعَ الحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا بِحِنْطَةٍ فَهِيَ المُحَاقَلَةُ (3) (م) المَنْهِيُّ عَنْهَا وَهِيَ رِباً إِذْ لاَ يُمْكِنُ الكَيْلُ فِي السَّنَابِلِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ الرُّطَبَ بِالتَّمْرِ أَيْضًا فَهِيَ المُزَابَنَةُ المَنْهِي عَنْهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: "نَهَى رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ".
2 فالمُحَاقَلَةُ هي بيع الحِنْطَة في سُنْبلها بالحِنْطَة الصَّافية على وجه الأرض.
والمُزَابَنَة: هي بَيْع الرطب على رأس النَّخْل بالتَّمْر على وجه الأرض.
روي عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَة".

فالمُحَاقَلَةُ: أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق من الحِنْطة.
والمُزَابَنَة أن يبيع التمر على رُؤوس النَّخل بما به فرق من تمر فهذا التَّفْسير إن كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- فذاك، وإن كان من الرَّاوي فهو أعرف بتفسير ما رواه 1. والمُحَاقَلَة: مأخوذة من الحَقْل، وهي السَّاحَة الَّتي تزرع، سميت مُحَاقَلَة لتعلّقها بزرع في حَقْل.
والمُزَابَنَة مأخوذة من الزَّبْن، وهو الدَّفع سميت بذلك؛ لأنها مبنية على التَّخْمِين؛ والغَبْن فيها ممَّا يكثر فيريد المَغْبُون دفعه، والغابن إمضاءه فيتدافعان والمعنى أَنَّ كل واحد منهما يبيع مال الرِّبا بجنسه من غير تَحْقيق المساواة في المِعْيَار الشَّرْعي؛ لأن المعيار فيهما الكيل، ولا يمكن كيل الحِنْطة في السَّنَابل، ولا كيل الرّطب على رؤوس النَّخل، والتخمين بالخَوْص لا يغني، كما لو كان كل واحد منهما على وجه الأرض، وفي المُحَاقَلَة شيئان آخران: أحدهما: أنه يبيع الحِنْطة والتَّبْن بالحِنْطة.
والثاني: أن المقصود مُسْتَتر بما ليس من صلاحه، ولو باع الشَّعير في سُنْبُله بالحِنْطَة على وجه الأَرْض، أو الرّطب على رأس النَّخْل بجنس آخر من الثِّمَار على الشجر، أو على وجه الأرض فلا بأس لكن يتقايضان بالتَّسْليم فيما على وجه الأرض، وبالتخلية فيما على الشَّجر، ولو باع الزرع قبل ظُهور الحَبّ بالحب فلا بأس أيضاً، لأن الحَشِيش غير مَطْعُوم.
ويجوز أن يُعَلّم قوله: فهي المحاقلة وقوله: فهي المزابنة بالميم لأن عن مالك أن المُحَاقَلَة هي إِكْتراء الأرْض ببعض ما يخرج منها من الثُّلث أو الربع أو غيرهما.
والمُزَابَنَة هي ضَمَان الصُّبْرَة بقدر معلوم، بأن يقول أَضْمن لك صُيْرَتك بكذا صَاعاً، إن زاد فلي وإن نقص فعلي، ويستثّنى عن المُزَابَنَة ما نذكره على الأَثَر.
قال الغزالي: وَلاَ خَبَرَ فِي التَّخْمِينِ بِالخَرْصِ، إِلاَّ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ (ح) إِذَا بَاعَهَا خَرْصاً بِمَا تَعُوْدُ إِلَيْهِ عَلَى تَقْدِيرِ الجَفَافِ وَهِيَ العَرَايَا (م ح) الَّتِي أَرْخَصَ فِيهَا، وَالأَظْهَرُ: الجَوَازُ فِي قَدْرِ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَمَيْلُ المُزَنِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى تَخْصِيصِ الجَوَازِ بِمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ لِتَرَدُّدِ الرَّاوِي فِيهِ، فَلَوْ زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فِي صَفَقَاتٍ جَازَ (ح)، وَكَذَا إِذَا تَعَدَّدَ المُشْتَرِي وَاتَّحدَ البَائِعُ، وَلَوِ اتَّحَدَ المُشْتَرِي وَتَعدَّدَ البَائِعُ فَفِيهِ

خِلاَفٌ، وَوَجْهُ الفَرْقِ النَّظَرُ إلَى جَانِب مَنْ حَصَّلَ الرُّطَبَ فِي مِلْكِهِ؛ لأَنَّ الرُّطَبَ مَحَلُّ الخَرْصِ الَّذِي هُوَ خِلاَفُ القِيَاسِ، هَذَا فِي الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فَأَمَّا فِي الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَكَذَا فِي غَيْرِ المَحَاويج إِذَا تَعَاطَوا (ح) العَرَايَا.
قال الرَّافِعِيُّ: عن جابر -رضي الله عنه "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ: بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرُيَّةِ" 1. بيع العَرَايا 2 جائز، وهو أن يبيع رطب نخلة أو نَخْلَتَيْن باعتبار الخَرص بقدر كيله من التَّمْر سميت عَرِيّة؛ لأنه عرى أي أفرد نخله أو نخلتين ببيع رطبها 3، وذهب مالك وأبو حَنِيفة إلى أنَّ العَرِيّة أن يفرد نَخْلة أو نخلتين، فيهب ثمرتها لرجل حتى تجتنى كل يوم ثُم تَنْثَرم بدخوله حائطه فعند مالك يشتريها منه بخَرْصِها تَمْراً، ولا يجوز ذلك لغير رَبِّ البُسْتَان، وعند أَبِي حَنِيفَة له أن يستردها منه، ولَه أن يُعْطيه بِخَرْصِهَا تمراً، وساعدنا أحمد على تفسير العَرِيّة إِلاَّ أن عنه رواية أن الرّطب يباع بمثله تمراً.
لنا ما روي عن بن أبي حثمة -رضي الله عنه- "أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْراً يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَباً" 4. ولا تجوز العَرَايَا من غير خَرْصٍ، وسبيل الخَرْص ما ذكرناه في الزَّكَاة، ويجب التَّقَابُضُ في المَجْلس بتسليم التَّمْر إلى البائع بالكَيْل، وتَخْلِيَة البائع بينه وبين النَّخْلَة، وإن كان التَّمر غائباً عنهما أو كانا غائبين عن النَّخْل فأحضراه أو حضر عندها جاز، ثم إن لم يظهر تَفَاوت بين التَّمْر المجعول عوضاً وبين ما في الرطب من التمر بأن أكيل الرطب في الحال فذاك، وإن ظهر تفاوت، نظر إن كان قدر ما يقع بين الكَيْلَين لم يضر وإن كان أكثر فالعَقْد باطل، وفيه وجه أن يَصحّ في الكثير بقدر القليل، ولمشتري الكثير الخيار إذا لم يسلم له الجَمِيع، ويجوز بيع العَرَايا في العِنَب، كما يجوز في الرُّطب وفي سائر الثِّمار قولان: أصحهما: المنع، لأنها متفرقة مستورة بالأوراق، فلا يتأتَّى الخَرْص فيها، وثمرة

النَّخيل والكُروم متدلّية ظاهرة، ثم في الفصل ثلاث مسائلٍ: إحداها: في القدر الذي يجوز فيه بيع العَرَايا، ويجوز بيع العَرَايا فيما دون خمسة أَوْسُق من التمر، ولا يجوز فيما زاد عليها، وفي الخمسة قولان: أحدهما: وهو منقول المزني أنه يجوز لإِطْلاق خبر سهل بن أبي حثمة 1 -رضي الله عنه-.
والثَّاني، وهو مختار المزني: المنع؛ لأن النهي عن المُزَابَنَة معلوم مُحَقَّق، والرُّخْصَة في قدر الخمسة مشكوك فيها، وذلك لأن الشافعي -رضي الله عنه- روي عن مالك عِن داود بن الحُصَين عن أبي سفيان مَوْلَى بن أبي أحمد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- "أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَرْخَصَ فِي بَيْع الْعَرَايَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ -الشَّكُ مِنْ دَاوُدَ 2 - فيستصحب المعلوم المحقق، والقول الأول أظهر عند صاحب الكتاب.
والثَّاني أظهر عند صاحب "التهذيب"، والقاضي الرُّوياني وغيرهما، وهو مذهب أحمد، والقدر الذي يمنع من بيع العَرَايَا فيه، إنما يمنع في الصَّفْقَة الواحدة.
أما لو باع قدراً كبيراً في صفقات فلا منع، وكذا لو باع صفقة واحدة من رجلين، ما يخص كل واحد منهما القدر الجائز خلافاً لأحمد في المسألتين، ولو باع رجلان من واحد فوجهان: أصحهما: أن الحكم كما لو باع واحد من رجلين؛ لأن تعدد الصَّفقة بتعدد البائع أظهر من تعددها بتعدد المشتري، كما ذكرنا في الرد بالعيب.
والثاني، وبه قال صاحب "التلخيص": لا يجوز الزِّيَادة على خمسة أَوْسُقٍ نظراً إلى مشتري الرطب، لأنه محل الخَرْصِ الَّذِي هو خلاف قياس الرَّبويات، فلا ينبغي أن يدخل في مِلْكِهِ أكثر من القدر المحتمل دفعة واحدة، ولو باع رجلان من رجلين صَفْقَةً واحدة لم يجز في أكثر من عشرة أوسق، ويجوز فيما دونها وفي العشرة قولان: الثانية: جميع ما ذكرناه في بيع الرُّطب بالتمر، أما لو باع الرطب على النخل وبالرطب على النخيل] 3 خَرْصاً فيهما، أو بالرطب على وجه الأرض كيلاً فيه ففي جوازه أوجه: أصحها، وبه قال الإِصْطَخْري: لا يجوز؛ لأن الرُّخْصَة إنما تثبت للحاجة إلى

تحصيل الرطب، ومالك الرطب مستغنى عنه أو حاجته إليه أدنى فلا يلحق بصورة الرخصة.
والثاني وبه قال ابن خَيْرَان: أنه يجوز لأنه ربما يَشْتَهي ما عند غيره.
والثالث: أنه إن اختلف النوعان جاز، ويحكى هذا عن أبي إسحاق وحكى الشيخ أبو حامد وآخرون عنه تخصيص هذا التَّفصيل بما إذا كان على النخيل، والمنع فيما إذا كان أحدهما على وجه الأرض، والفرق أنه قد يزيد النَّوْع الذي عند صاحبه ويريد أن يأكله رطباً على التدريج، وما على وجه الأرض لا يمكن أن يؤكل رطباً على التَّدْريج، لأنه يفسد أو يجف، ولو باع الرّطب على وجه الأرض بالرّطب على وجه الأرض لم يَجُز؛ لأنه ليس في معنى صورة الرّخْصة من حيث إنّ أحد المعاني فيها أنْ يأكله طريّاً على التَّدْريج، وهذا لا يتحقّق فيما على وجه الأرض، وذكر القَفَّال في شرح "التلخيص": أنه على الخلاف؛ لأنه إذا جاز البيع، وأحدهما أو كلاهما على رأس النَّخْل خَرْصاً، واحتملت الجَهَالة فلأن يجوز مع تحقّق الكيل في الجانبين كان أولى.
الثالثة: فيمن يجوز له بيع العَرَايَا، ويجوز ذلك لِمَحَاوِيج الناس، وفي أغنيائهم قولان: أصحهما: الجواز لإطلاق الألفاظ التي رويناها.
والثَّاني: لا يجوز ذكره في اختلاف الحديث، وبه قال أحمد والمزني، لما روي عن زَيْدِ بْنِ ثابت -رضي الله عنه- "أَنَّهُ سَمَّى رجَالاً مُحْتَاجِينَ مِنَ الأَنْصَارِ شَكَوا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي وَلاَ نَقْدَ بأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَباً يَأْكُلُونَهُ مَعَ النَّاسِ، وَعِنْدَهُم فَضُولُ قُوتِهِمْ مِنَ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ" 1. ومن قال بالأول قال: هذه حكمة شرعية، ثم قال: يعم الحكم كما في الرَّمل والاضْطِياع في الطَّوَاف ونظائرهما، ومنهم من بني الخلاف في هذه المَسَائل على أن الخَرْص أصل بنفسه يقام مقام الكيل أو ليس كذلك، ويتبع مورد النص والله أعلم.
قال الغزالي: وَإِذَا اجْتَاحَتِ الآفَةُ الثِّمَارَ قَبْلَ القِطَافِ وَبَعْدَ التَّخْلِيَةِ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ البَائِعِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَمَيْلُ الجَدِيدِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَمَانِهِ (م)، وَمَا فَاتَ بآفَةِ السَّرِقَةِ لَيْسَ مِنْ ضَمَانِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَيَجِبُ عَلَى البَائِعِ أَنْ يَسْقِيَ الأَشْجَارَ لِتَرْبيَةِ الثِّمَارِ، فَإِنْ

تَرَكَ السَّقْيَ فَفَسَدَتِ الثِّمَارُ فَهِيَ مِنْ ضَمَانِهِ، فَإِنْ لَمْ تَفْسَد بَلْ فَاتَتْ فَفي انْفِسَاخِ العَقْدِ خِلاَفٌ، كَمَا في مَوْتِ العَبْدِ المَقْبُوضِ بِمَرَضٍ تَقَدَّمَ عَلَى القَبْضِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الكلام من هذا الموضع إلى رأس النَّظر الخامس في أحكام الثمار المبيعة على رأس الأشجار، وما يعرض لها من العوارض الجَوَائح، كالحَرّ والجَرَاد والحَرِيق ونحوها وقد قدم إمام الحرمين على بيان حكمها أصلين لا غنى عن معرفتهما، وينفعان في أَثْنَاء المسألة.
أحدهما: أنَّه إِذا بَاعَ الثِّمَار بعد بُدُوِّ الصَّلاحَ، يلزمه سَقْي الأشجار قبل التَّخْلِية وبعدها قدر ما يَنْمُو به الثمار ويسلم عن التَّلَف والفساد 1. واحتج له بأن التَّسْليم واجب عليه، والسَّقْي من تَتِمّة التَّسْليم كالكَيْل في المَكِيْلاَت والوزن في المَوْزُونات، فيكون على البائع فلو شرط كونه على المشتري بطل العقد؛ لأنه على خلاف قضيته.
والثَّاني: أنَّ المشتري يَتَسلَّط على التَّصَرُّف في الثِّمَار بَعْد جريان التَّخْلية من كل وجه.
إذا تقرر ذلك فَلِلْجَوَائِح حالتان: أحدهما: أن تعرض قبل التَّخْلية فهي مِنْ ضمان البائع فإن تلف جميع الثِّمار انْفسخ العقد، ولو تلف بعضها انفسخ فيه، وفي الباقي قَوْلا التفريق.
والثَّانية: أن تعرض بعد التَّخْلية، فينظر إن باعها بعد بدُوِّ الصلاح، ففيه طرق، وأحدها فيه قولان: أحدهما: أن الجَوَائِحَ من ضمان البائع، وبه قال أحمد لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ" 2. وأصحهما وهو الجديد، وبه قال أبو حنيفة: أنها من ضَمَان المشتري؛ لأن القَبْض حصل بالتَّخلية، فصار كما لو هلك بعد القِطَاف، والخبر مَحْمُول على الاسْتِحْبَاب، ويشعر به ما روي "أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ ثَمَرَةً فَأَذْهَبَتْهَا الْجَائِحَةُ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ أَنْ لاَ يَفْعَلَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: تَأَلَّى أن لا يفعل خيراً، فَأُخْبِرَ الْبَائِعُ بِمَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَمَحَ بِهِ لِلْمُبْتَاعِ" 3.

وتأيد القول الأول بالأصل الأول، والثَّاني بالثاني، ولا فرق على القولين بين أن يقُلّ أو يكثر.
وقال مالك: يوضع الثُّلث فَصَاعِداً، ولا يوضع ما دونه.
وإن باع الثِّمَار قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القطع، ولم يقطعها حتى أضاعتها الجائحة، ففيه ثلاثة طرق: أظهرها: أنه على القولين.
والثاني: أنها من ضَمَان المُشْتَري قولاً واحداً لتفريطه بترك القطع، وأيضاً فلأنه لا علقة بينهما إذ لا يجب السَّقْي على البَائِع، والحالة هذه، ويحكى هذا عن القَفَّال.
والثالث: أنها من ضمان البائع قولاً واحداً؛ لأنه إذا شرط القطع كان القبض فيه بالقطع والنقل.
ويتفرَّع على كونها من ضَمَان البَائِع أمور: الأول: أن المحكوم بكونه من ضَمَان البائع ما تلف قبل أوان الجُذَاذ، أما ما تلف بعد أوان الجُذاذ وإمكان النقل ففيه قولان: ويقال وجهان: أحدهما: أَنَّها من ضمان المُشْتَري لتقصيره بالترك.
والثاني: من ضمان البائع أيضاً، لأن التَّسليم لا يتم ما دامت الثِّمَار متصلة بملك البائع، ويشبه أن يكون الأول أرجح.
قال الإمام: وموضع الخلاف ما إذا لم يَكُن التأخير بحيث يعد تقصيراً وتضييعاً كاليوم، واليومين، فإن كان كذلك فلا مَسَاغَ للخلاف.
الثاني: لو تلف بعض الثِّمَار فالحكم على هذا القول كما لو تلف قبل التَّخْلية، ولو عابت الثمار بالجَوَائِح ولم تتلف ثبت الخِيَار على هذا القول كما لو عابت قبل التخلية، وعلى الجديد لا يثبت.
الثالث: لو ضاعت الثمار بِغَصْب أو سرقة فوجهان: أحدهما: أنها من ضمان البائع أيضاً بناء علي أن التسليم لا يتم إلاَّ بالتَّخْلية.
والثاني: أنها من ضمان المشتري لتمكّنه من الاحتراز عنه بنصب الحافظين، وأيضاً فإنّ الرجوع على الجاني بالضَّمَان مُتَيسر، وهذا أصح عند صاحب الكتاب والأكثرين، فمن يقول به يقطع بأن المَغْصُوب والمسروق من ضمان المشتري، والقائل الأول يجعلهما على القولين وهو ما أورده العِرَاقيون 1.

واعلم أن ما ذكرناه من القولين في الآفات السَّمَاوية الَّتِي لا نِسْبَة لها إلى البائع بحال، فأما إذا ترك السَّقي وعرضت في الثمار آفة بسبب العَطَش، فنتكلم أولاً فيما إذا تلفت به ثم فيما إذا تعيّبت، وإن كان ترتيب الكتاب عكسه.
أما: إذا تلفت ففيه طريقان: أحدهما: أن في انفساخ البيع قولين أيضاً، يحكى هذا عن أبي علي الطَّبري.
وأصحهما: القطع بالانفساخ لاستناد هذه الآفة إلى ترك السَّقْي المستحق بالعقد قبل التَّخلية، وما يستند إلى سبب سابق على القبض، قد ينزل منزلة ما لو سَبَق بنفسه، كما ذكرنا في القتل بالردة السابقة، والقطع بالسرقة السابقة، وموت العبد من المرض المتقدم على القبض.
فإن قلنا بعدم الانفساخ فعلى البائع الضمان من القيمة والمِثْل، وإنما يجب ضمان ما تلف ولا ينظر إلى ما كان ينتهي إليه لولا العارض.
وأما إذا فسدت بالتَّعيب فللمشتري الخيار، وإن جعلنا الجَوَائِح من ضمانه.
قال الإمام: لأن الشرع ألزم البائع بتنمية الثمار بالسقي، فالتَّعيب الحادث بترك السَّقي كالعَيْب المتقدم على القبض، ولو أفضى التَّعيب إلى التَّلف، نظر، إن لم يشعر به المشتري حتى تلف عاد الخلاف في الانفساخ ولزم الضَّمان على البائع، إن قلنا بعدم الانفساخ، ولا خيار بعد التلف هكذا ذكره الإمام، وإن شعر به ولم يفسخ حتى تلفت، فيغرم البائع في وجه لعدوانه ولا يغرم في آخر لتقصير المشتري بترك الفسخ مع القدرة عليه.
فرع: لو باع الثمار مع الأشجار، فتلفت الثمار بجَائِحَة قبل التَّخْلية بطل العقد فيها، وفي الأَشْجار قولان: وإن تلفت بعد التَّخْلية فهي من ضمان المشتري قولاً واحداً، لأن العلائق منقطعة هاهنا والثمرة مُتَّصلة بملك المشتري 1. فرع: لو اشترى طعاماً مُكَايلة، وقيضه جُزَافاً فهلك في يده، ففي انْفِسَاخ العقد وجهان: لبقاء علقة الكيل بينهما 2. قال الغزالي: وَإِن بَاعَ القِثَّاءَ أَوْ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ التَّلاحُقُ وَعَسُرَ التَّسْلِيمُ بَطُلَ عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ كَانَ نَادِراً وَاتَّفَقَ ذَلِكَ قَبْلَ القَبْضِ انْفَسَخَ العَقْدُ عَلَى قَوْلٍ، وَلَعَلَّ الأَظْهَرَ أَنَّهُ

يَنْفَسِخُ، وَلَكِنْ لِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ (و) إِنْ لَمْ يَهِبِ البَائعُ مَا تَجَدَّدَ مِنْهُ، فَإِنْ وَهَبَ سَقَطَ خِيَارُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ التخليةِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الجَوَائِحَ مِنْ ضَمَانِهِ فَهُوَ كَمَا قَبْلَ التَّخْلِيَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ومن العوارض اختلاط الثمار المَبِيعة بغيرها لتلاحقها.
أما الاختلاط الذي يبقى معه التمييز فلا اعتبار به.
وأما غيره فإذا باع الثمرة بعد بُدُوِّ الصلاح والشجر يثمر في السّنة مرتين، فينظر إن كان ذلك مما يغلب التّلاحق فيه وعلم أن الحمل الثاني يختلط بالأول، كالتِّين والبَطِّيخ والقِثَّاء والبَاذِنْجَان لم يصح البَيْع إلاَّ بشرط أن يقطع المشتري ثمرته عند خوف الاختلاط.
وفيه قول أو وجه: أنه موقوف إن سمح البائع بما حدث تبين انعقاد البيع، وإلاَّ تبين أنه لم ينعقد من أصله، والأصح الأول لما مر في بيع البَطِّيخ، ثم إذا شرط القَطْع ولم يتفق حتى حصل التَّلاحق والاختلاط، فالحكم كما لو اتفق التَّلاَحق فيما يندر فيه التَّلاَحق، فإنْ كان ما يندر فيه التلاحق، وعلم عدم الاختلاط، أو لم يعلم أنه كيف يكون الحَال فيصح البَيْع مطلقاً، وبشرط القَطْع والتَّبقية، وإن حصل الاخْتِلاط فله حالتان: إحداهما: أنْ يحصل قبل التَّخْلية فقولان: أحدهما: أنه ينفسخ البيع لتعذر تسليم المَبِيع قبل القَبْض.
وأظهرهما: على رأي المصنف، وهو اختيار المزني؛ أنه لا ينفسخ لبقاء عين المبيع، وإمكان إمْضَاء البيع، فعلى هذا يثبت للمشتري الخيار؛ لأنه أعظم من إِبَاقِ العبد المبيع.
وعن صاحب "التقريب" حكاية قول أنه لا خيار أيضاً، وأن الاختلاط قَبْلَ القبض كالاختلاط بعده، والمذهب الأول، ثم إن قال البائع: أسمح بترك الثمرة الجديدة للمشتري، ففي سقوط خياره وجهان: أحدهما: لا يسقط لما في قوله من المِنَّة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يسقط كما سبق في الإعراض عن نَعْل الدَّابة المردودة بالعَيْب، ولو باع الثمرة قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط القَطْع ثم لم يَتَّفق القَطْع حتى حصل الاخْتِلاط جرى القولان في الانفساخ، وهما جاريان فيما إذا باع حِنْطَة فانهال عليها مثلها قبل القبض، وكذا في المَائِعَات ولو اختلط الثوب بأمثاله أو الشاة المَبِيْعة بأمثالها.
فقد قال في "التتمة": المذهب هاهنا انفساخ البيع لأنه يورث الاشتباه وأنه مانع من صحَّة البيع لو فرض في الابتداء، وفي الحِنْطَة غاية ما يلزم الإِشَاعة، وإنها غير مانعة.

جارٍ التحميل