العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 163-202

........................ = رضي الله عنه-؟.
وأما المعقول: فأولاً: قاسوا البيع على النكاح بجامع أن كلاً منهما عقد معاوضة، والنكاح ينعقد لازماً، فكذا البيع والبيع أما يحتاج إلى التروي يحتاج إليه النكاح أيضاً.
وثانياً: قالوا في جواز الفسخ من أحدهما استقلالاً بموجب الخيار جواز إبطال حق الآخر حق يده على ملكه الذي آل إليه بمقتضى العقد من غير رضاه، وهو غير جائز شرعاً إذ لا ينزع من أحد حقه قهراً عنه.
هذا وقد احتج المالكية بأنه عمل أهل المدينة على خلاف موجب أحاديث خيار المجلس، وهي أحاديث لا تخرج عن كونها أحاديث آحاد، وعمل أهل المدينة يقدم عليها؛ لأن الأخذ بعملهم أثبت من الأخذ بأحاديث الآحاد، إذ عملهم بمنزلة سنة عملية منقولة بطريق التواتر في بلد هي مهبط الوحي ومنتدى أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
فإجماعهم على العمل بخلاف حديث لا يكون إلا وقد ثبت لديهم ما ينسخه إذا كان صريح الدلالة.
فكيف والأحاديث الدالة على ثبوت خيار المجلس تحتمل التأويل فهي إما منسوخة وإما محمولة على وجه غير الذي تحملونها عليه.
وقد اعترض على الجمهور من قبل الفريق الآخر بأن أحاديث: "المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" لا تدل على دعواكم إلا إذا كان المراد بالمتبايعين فيها من تمت بينهما عقدة البيع بالإيجاب والقبول، وهذا ما لا نسلمه لكم، بل المراد بهما المتشاغلان بالبيع المتساومان فيه.
فإن دفعتم بأن الوصف حينئذ يكون مجازاً فيهما؛ لأنه مشتق من البيع، والبيع لا يكون إلا بتمام الصيغة، والمتشاغلان لم يتم البيع بينهما بعد، ولا يصار إلى المجاز إلا بعد تعذر إرادة الحقيقة، وهي غير متعذرة هنا قلنا في جواب هذا الدفع بل إطلاقه على المتشاغلين هو الحقيقة، وعلى من تم بينهما البيع مجاز.
أما الأول فلأنه إطلاق للوصف حال الاتصاف، وهو حقيقة باتفاق، وأما الثاني فلأنه إطلاق للوصف بعد إنقضاء الإتصاف وهو مجاز على المذهب المنصور.
وعند إيجاب أحدهما قبل قبول الآخر يصدق عليهما أنهما متشاغلان بالبيع فليكن هذا هو المراد من المتبايعين ويكون الخيار الثابت لهما حينئذ هو خيار القبول.
على معنى أن للقابل أن يقبل البيع بعد إيجاب الموجب، وأن يروه وأن للموجب أن ينقض إيجابه، قبل قبول القابل وأن يظل متمسكاً به حتى يقبل.
فإن دفعتم دفعاً آخر بأن حمل الحديث على خيار القبول يجعله عديم الجدوى عارياً من الفائدة؛ لأن كل أحد يفهم هذا المعنى الذي حملتم عليه الحديث فليست هناك حاجة إلى النص عليه ممن نزه عن لفظ الحديث وسقطه.
قلنا في الجواب بل الفائدة ههنا محققة وهي دفع توهم أنه إذا أوجب أحدهما البيع فقد لزم الآخر ولو لم يقبل بسبب التراضي الحاصل قبل الإيجاب.
وعلى ما اخترنا من أن الحديث محمول على خيار القبول يكون المراد من التفرق الذي جعل غاية للخيار هو تفرق الأقوال لا الأبدان كما تزعمون، وليس هذا القول منا قولاً جزافاً بدون ما دليل يؤيده أو سناد يعتمد عليه بل الدليل بأيدينا قوي متين من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ وقوله -صلى الله عليه وسلم-: " افْتَرَقَت بَنُو إِسْرَائِيلِ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسبعِينَ فِرْقَةً وَستَفْتَرِق أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعينَ فِرْقَةً" إذ المراد من التفرق فيهما التفرق في الاعتقاد، ومثل هذا فاشٍ في الصرف واللغة، والأصل في الإطلاق هو الحقيقة وتفرق الأقوال بأن يقول العاقد الآخر بعد إيجاب الأول: لا أقبل البيع أو لا أشتري، أو بأن =

........................ = يرجع الموجب في إيجابه قبل قبول القابل، فيبطل خيار القبول حينئذ فإن أبيتم إلا أن يكون التفرق في الحديث مراداً منه التفرق بالأبدان سلمناه لكم، ومنعنا أن يكون هذا حجة لكم على أن عقدة البيع قد تمت بالإيجاب والقبول؛ لأن التفرق بالأبدان متصور قبل القبول أيضاً بأن يذهب القابل بمد إيجاب الموجب ذهاباً وإلا على الإعراض عن البيع أو يفعل الموجب مثل ذلك قبل القبول فينقطع خيار القبول به أيضاً وهو مذهبنا.
فإن قلتم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: اخْتَرْ" يدل على أن الاختيار بعد البيع؛ لأن معنى اختر اختر إمضاء البيع أو فسخه فكذلكَ التفرق الحقيقة وفي قصة أبي برزة ما يدل عليه؛ لأن البيع كان قد تم بينهما.
وقد ظهر من هذه الأحاديث أن الخيار ثابت لهما بعد البيع إلى أن يتفرقا بأبدانهما، أو يخير أحدهما صاحبه.
وهذا هو معنى خيار المجلس.
وأما المعقول -فهو أن الحاجة داعية إلى شرع هذا الخيار، لأن الإنسان قد يندفع إلى البيع تحت تأثير رغبة ملحة، أو خوف فوات فرصة فيغالي في الثمن إن كان مشترياً ويتساهل فيه إن كان بائعاً، وبعد أن يحصل له ويرتاح باله تعاوده الفكرة فيرى غبنه فيود لو تخلص منه.
فشرع خيار المجلس موفر على العاقد هذه الرغبة، وموافق للمصلحة العامة لا سيما ومجلس العقد عهد محلاً للمداولات والمشاورات والأخذ والرد في أمر البيع.
وحجة الحنفية: والمالكية هي الكتاب والأثر والمعقول أما الكتاب: فأولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أباح الله تعالى الأكل من مال الغير بمد حظر بطريق التجارة عن تراض، وهي تصدق بمجرد الإيجاب القبول ما داما ناشئين عن اختيار وإرادة حرة غير مقيدة.
ومن المعلوم أنه لو ثبت لهما الخيار بالعقد لما أبيح لهما الأكل بمجرد العقد لحق الآخر في الفسخ، فدلت إباحة الأكل بمجرد العقد على أنه ينعقد لازماً.
والتجارة هي تقليب المال بالبيع والشراء.
فالعقد لا يكون عقداً واجب الوفاء حتى يتم ركناه الصيغة والتفرق، وكذلك البيع والتجارة لا يكونان بيعاً وتجارة معتداً بهما شرعاً، ويترتب عليهما نقل الملك وحل الأكل وجواز التصرف إلا بالصيغة والتفرق.
قال ابن حزم وهو يناقش أدلة الحنفية في صدد احتجاجهم لمذهبهم بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ "الذي أتانا بهذه الآية هو الذي من عنده تدري ما هي التجارة المباحة لنا مما حرم علينا، وما هو التراضي الناقل للملك من التراضي الذي لا ينقل الملك، ولولاه لم نعرف شيئاً من ذلك.
وهو الذي أخبرنا أن العقد ليس بيعاً ولا هو تجارة، ولا هو تراضياً ولا ينقل ملكاً إلا حين يستضيف إليه التفرق عن موضعهما أو التخيير فهذا هو البيع والتجارة".
وبمثل هذا أجاب عن احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ والذي حمل الظاهرية على أن يجعلوا التفرق داخلاً في عقدة البيع وغيره هو مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "كُلُّ بيْعَيْنِ لاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا" حيث نفى البيع قبل التفرق، فتكون حقيقة الشرعية معدومة قبله.
وأما غير الظاهرية فهذه الآيات والأحايث -وإن كانت مطلقة وعامة شاملة لكل عقد وبيع وتجارة- إلا أنها مقيدة أو مخصصة بالأحاديث التي ذكروا الاثبات خيار المجلس جمعاً بين الأدلة، فيكون المراد من العقود والتجارات والبيوع العقود والتجارات والبيوع اللازمة، ولا تكون كذلك حتى يكون التفرق بالأبدان عن مجلس =

........................ = العقد أو اختيار البيع.
قال المثبتون لخيار المجلس: وهذه الأحاديث التي ذكرنا ظاهرة فيه بل تكاد وتكون نصوصاً قاطعة واصفة، ولكنكم تعسفتم في تأويلها، وحملتموها على غير محملها، خروجاً بالكلم عن مواضعه، فاضطررتمونا بهذا إلى منازلتكم في معركة الحق فيها في جانبنا واضح قوي.
والظاهر من صنيعكم أيها المانعون بأحاديث خيار المجلس هذا الصنيع، وتأويلها مثل هذا التأويل الذي إليه تذهبون، أنكم لما وجدتم سندها بالغاً من الصحة مبلغاً شأوه بعيد على من رام أن يجرحه أو يجد فيه مغمز الغامز أردتم أن تجرحوها من جهة المتن والدراية.
فقلتم مرة أحاديث مضطربة لروايتها بروايات مختلفة فيها زيادة، وفيها نقص، ولعمرُ الله ما سلمت لكم هذه الدعوى، فإن القدر الذي به يثبت خيار المجلس قد اتفقت عليه كل الأحاديث، وما في بعضها من زيادة فهي زيادة لا تضر.
ومرة أخرى حملتموها على غير محملها قاطعين بذلك طوراً وظانين طوراً آخر.
ذهبتم هذا المذهب الصعب لكي توهموا عدم صلاحية هذه الأحاديث المقطوع بصحتها البالغة حد الشهرة، لتقييد إطلاق الآيات التي احتججتم بها لنفي خيار المجلس.
وقولكم: إن المراد من المتبايعين في الحديث المتشاغلان بالبيع لا من تم البيع ببنهما، وإن هذا الإطلاق إطلاق حقيقي؛ لأنه إطلاق للوصف حال الاتصاف، ولأنه يفهم من قول القائل -زيد وعمرو هناك يتبايعان- أنهما يتشاوران في البيع، ويتراوضان فيه على جهة التبادر، وهي أمارة الحقيقة قولكم هذا باطل مناف للصرف واللغة.
أما منافاته للعرف فظاهر؛ لأن العرف يفرق بين المتبايعين، وبين المتشاغلين بالبيع المتساومين فيه، وأما أنتم فلم تفرقوا؛ وجعلتم الكل شيئاً واحداً.
وأما منافاته للغة؛ فلأنكم تزعمون أن إطلاق المتبايعين على المتشاغلين حقيقة؛ لأنه إطلاق للوصف حال الاتصاف، وهذا منكم مغالطة ظاهرة؛ لأن هذا الوصف مشتق من البيع، والبيع حقيقته مركبة من ركنين: الإيجاب والقبول، فما دام لم يوجد القبول لم توجد حقيقة البيع فيكون إطلاق المتبايعين على المتساومين حينئذ إطلاقاً للوصف قبل الاتصاف، وهو مجاز باتفاق.
يقول الإمام الشافعي -رضي الله عنه-: وقد حمل بعض الناس الحديث على التفرق في الكلام، وهذا محال لا يجوز في اللسان إنما يكونان قبل التساوم غير متساومين، ثم يكونان متساومين قبل التبايع، ثم يكونان بعد التساوم متبايعين، وناهيك بالشافعي حجة في اللغة وثقة في النقل.
ثم لو سلم لكم أن إطلاق المتبايع على التساوم حقيقة لكان هذا اللفظ -المتبايعان- مجازاً من وجه آخر، لأن الثابت قبل قبول القابل بائع واحد لا بائعان، فلو جاريناكم وسلمنا لكم كذلك أن إطلاق هذا الوصف على من تم بينهما البيع مجاز، لكان مجازنا خيراً من مجازكم، وأولى منه بأن يحمل الحديث عليه؛ لأنه مجاز مشهور.
وقد حاول الكمال أن يجعل إطلاق المتبايعين على المتشاغلين بالبيع بعد صدور الإيجاب وقبل القبول من قبيل الإطلاق الحقيقي لا المجازي، فقال ما معناه لأن البيع من المواضع التي تصدق الحقيقة فيها بوجود جزء من معنى اللفظ، لعدم تصور اجتماع أجزاء في الوجود دفعة واحدة، لأنه من المصادر السيالة التي تنقضي أجزاؤها أولاً بأول، وإلا تصدق الحقيقة بوجود جزء منها لم توجد لها حقائق البتة، وهذا ما يأباه العقل واللغة والعرف.
وذلك لأن البيع هو الإيجاب والقبول، ولا يتصور اجتماعهما معاً، فإذا أوجب البيع أحدهما، ولم يقبل الآخر بعد يقال وجدت حقيقة الببع، وحيث وجدت =

......................... = الحقيقة صدق على كل من المتشاغلين أنه بائع حينئذ.
نظير ذلك المخبر لا حقيقة له إلا حال النطق بالخبر، لأنها حال المباشرة وأجزاؤه لا تقوم به دفعة واحدة لتصدق حقيقته حال قيام المعنى بل على التعاقب.
"وهذا في يقيني قياس مع الفارق؛ لأن البيع مثل الأخبار الأول حقيقته ربط القبول بالإيجاب، والثاني حقيقته ربط الخبر بالمبتدأ والبائع مثل المخبر.
فكما لا يسمى المتكلم بالمبتدأ مخبراً لعدم وجود الربط بعد.
كذلك لا يسمى الموجب بائعاً لعدم الربط.
ولكنه إذا شرع في التكلم بالخبر سمي مخبراً لوجود الربط الذي هو حقيقة الأخبار.
كذلك إذا شرع القابل في القبول سمي بائعاً؛ لوجود حقيقة البيع، وهي ربط القبول بالإيجاب وسمي الموجب أيضاً بائعاً حينئذ؛ لتنزيل كلاميهما منزلة كلام واحد.
قلنا أن نختار أن حقيقة البيع إنما هي في حال قبول القابل فقط، وأن إطلاق البائع على كل منهما قبله وبعده مجاز لا يقال إن تصور خيار القبول حينئذ ممكن بأن يرجع الموجب أو القابل في حال النطق بالقبول عن قوله.
لأنا نقول مثل هذا البعيد جداً لو جازه زمن النطق بالقبول، فلا تحمل عليه أحاديث خيار المجلس.
بقي أن يقال ما دمنا قد اخترنا أن إطلاق البائع على كل منهما بعد البيع وقبله مجاز، فما المرجح لأن يراد من المتبايعين في الحديث من ثم البيع بينهما حتى يكون محمولاً على خيار المجلس ولماذا لم يكن الأمر بالعكس بأن يراد منهما من لم يتم البيع بينهما ولكنهما يتشاغلان به حتى يكون الحديث محمولاً على خيار القبول؟ لأنا نقول المرجح موجود؛ لأن المجاز الأول مشهور بخلاف الثاني والمشهور مقدم على غير المشهور بل الصاحبان من الحنفية يقدمانه على الحقيقة غير المستعملة".
"بقي قول الكمال إنه يفهم بطريق التباد من قولنا زيد وعمرو هناك يتبايعان أنهما يتشاغلان بالبيع، ويتراوضان فيه والتبادر أمارة الحقيقة.
قلنا ألا نسلم أن التبادر دائماً أمارة الحقيقة، وإنما هذا عند التجرد عن القرائن.
فإنه قد يتبادر المعنى المجازي لقرينة دالة عليه.
والتبادر هنا نشأ عن القرينة الحالية.
لأن حالة المباشرة التي من أجلها يطلق لفظ البائع على كل منهما حقيقة حالة يسيرة جداً هي حالة النطق بالقبول، وزمنها لا يسع مجيء المتكلم من عند البائعين، وتكليمه المخاطب بهذا القول.
فبالضرورة يفهم من قوله -هناك يتبايعان- أنهما يتراوضان فيه" بعد هذا التحقيق الذي تنهار له كل اعتراضات الحنفية والمالكية على الجمهور في استدلالهم بأحاديث الخيار على أن المراد منه خيار المجلس -نرجع إلى ما كنا فيه من دحض اعتراضاتهم تفصيلاً من قبل الجمهور.
قلتم أيها المنكرون لخيار المجلس حين أوردنا عليكم أن حمل الحديث على خيار القبول يجعله عديم الجدوى؛ لأن كل واحد يعرف بالعادة والعرف أن العاقدين ما دام لم يوجد القبول هما بالخيار إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه.
قلتم بل الفائدة محققة، وهي دفع توهم أن القابل ملزم بالبيع بمجرد إيجاب الموجب للرضا السابق.
وهذا توهم لا أصل له؛ لأن عرف الناس في المعاملة على خلافه ولو فرض حصول هذا التوهم عند بعض الناس فهو من قبيل النادر جداً، ولا يحصل إلا لمن جهل العرف والعادة، وإذا جهلهما فهو بالحديث أشد جهلاً.
وقلتم أن المراد بالتفرق تفرق الأقوال.
وضربتم لذلك الأمثال زاعمين أنه يطلق حقيقة عليه أيضاً.
وكيف نسلم لكلم ذلك؟ وأهل اللغة الموثوق بنقلهم ومعرفتهم باللسان يفرقون بين افترق وتفرق؛ فالأولى في الأقوال، والثانية في الأبدان.
وعلى ذلك يكون استعمال كل منهما موضع الأخرى مجازاً.
فإن =

......................... = أصررتم على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة جاريناكم ملتمسين الترجيح من دليل آخر، والدليل -بحمد الله- بأيدينا سافر قوي من الحديث نفسه، ومن عمل الصحابة، وأقوالهم بينما أنتم ليس لكم من دليل سوى الاستعمال، وهو دليل مشترك بيننا وبينكم، بل نحن أسعد خطابه منكم.
أما دليلنا من الحديث؛ فهو ما ورد في بعض ألفاظ الحديث المروي عن ابن عمر: "وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" ومعنى وجب ثبت ولزم فقد رتب لزوم البيع على التفرق، وهو يدل على أن التفرق بعد البيع، وأنه بالأبدان، لأن التفرق قبل البيع يلزم عدم وجوده لا لزومه.
فكيف والحديث نفسه يصرح بأن التفرق بعد البيع، ولا يكون بعد البيع إلا ويكون بالأبدان ودل قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ" على أن للعاقد فسخ البيع بعد حصوله.
ومما هو صريح في أن التفرق في الحديث مراد منه التفرق بالأبدان ما رواه البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "حَتَّى يَتَفَرَّقَا مِنْ مَكَانِهِمَا".
وأما دليلنا من عمل الصحابة وأقوالهم فهو ما وردت به بعض الروايات الصحيحة: "وكان ابن عمر -رحمه الله- إذا بايع رجلاً فأراد ألا يقيله تام فمشى هنيهة ثم رجع"، وكذلك ما ورد في قصة الرجلين اللذين احتكما إلى أبي برزة من قوله: "ما أراكما افترقتما"، وكان هذا القول من بعد تمام البيع، وهذا وحده كاف في أن يراد منه التفرق بالأبدان، فكيف وهو يعني به هذا المعنى أيضاً؟.. فإن دفعتم بأن هذا فهم لهما في الحديث، ولسنا بملزمين به قلنا، ومن المتفق عليها بيننا أن الصحابي أعلم الناس بما روى لمشاهدته التنزيل، وعلم بالحادثة التي قيل فيها الحديث، فكيف ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة؟ يقول صاحب الفتح: "لا يعلم لابن عمر ولا لأبي برزة مخالف من الصحابة".
وتقولون في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: اخْتَرْ" أي اختر قبول البيع وهذا باطل من وجوه؛ لأن التخيير قسيم التفرق، وهو بعد البَيع كما بينا فكذلك التخيير؛ ولأن أحدهما شامل للبائع والمشتري على البدل، ولا يتأتى هذا إلا في خيار المجلس بخلاف خيار القبول، فإن الذي يمكن أن يصدر منه لفظ اختر هو الموجب وحده؛ ولأنه قد ورد بعض الروايات مصرحاً في التخيير بعد البيع نذكر منها ما روي عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خير أعرابياً بعد البيع" رواه الترمذي وصححه، وإذا فقد وضح -والحمد لله- أن أحاديث الخيار محمولة على خيار المجلس بل لا تحتمل غيره وليست كما تدعون محمولة على خيار القبول.
وأنها لذلك صالحة لتقييد إطلاق الآيات التي استدللتم بها على نفي خيار المجلس، لا سيما ودلالة العموم في هذه الآيات ظنية باتفاق، لأنها مقيدة بأحاديث وآيات أخر دالة على حرمة كثير من المعاملات، ولنرجع بعد كل هذا إلى مناقشة باقي أدلة المنكرين.
أما احتجاجهم بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ" فيسلك به مسلك الآيات، فهو عام مخصوص بأحاديث خيار المجلس.
وأما احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب: "المبَيْعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ... الخ " فعجب عجاب أن تجعلوه دليلاً لكم، وهو دليل لنا عليكم؛ لأن المراد بالإقالة في الحديث إنما هو الفسخ، والدليل على هذا من وجوه: الأول: أنه -عليه الصلاة والسلام- أثبت لكل من البيع والمبتدع الخيار ما لم يتفرقا ثم ذكر الاستقالة، ومعلوم أن من له الخيار غير محتاج إليها، فدل لك على أن المراد بها الفسخ.
=

......................... = الثاني: أنه منع من مفارقة المجلس خشية الاستقالة، وهي غير مختصة به، وإنما المختص به الفسخ فكان هو المراد منها.
الثالث: أن الاستقالة باتفاق لا بد فيها من رضا الطرفين، والنهي عن مفارقة المجلس خشية الاستقالة يدل على أن لصاحبه أن يقبله بدون رضاه، وهذا لا يكون إلا في الخيار فحملت الاستقالة عليه.
وأما استدلالكم بحديث ابن عمر -رضي الله عنه-: "كنا مع النبي في سفر فكنت على بكر صعب لعمر... الحديث" فيرد عليه أنه -وإن لم يحصل تفرق- فمن الجائز أن يكون النبي -صلى الله عليه وسلم- خير عمر، وليس بلازم أن يذكره الراوي، كما أنه لا يذكر الثمن مع أنه لا بد منه هكذا قال بعضهم، وفيما قاله نظر؛ لأن الثمن ركن من أركان البيع فذكر البيع وحده متضمن لذكره، وليس كذلك التخيير.
ولأن هذه القصة لا يخلو أمرها من أن تكون قبل حديث الخيار، فيكون قد نسخها أو بعده، فيكون الخيار معلوماً غير محتاج للنص عليه من الراوي.
وأفضل من هذا أن يقال لو فرض وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يخير عمر، فتصرفه بالهبة بعد البيع لا يدل على نفي خيار المجلس؛ لأنه أنس الرضا من عمر بدليل أنه كان يود أن يهبه البكر بدون مقابل.
وأما قولكم نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر، ومن الغرر أن يثبت لهما خيار لا يعرفان متى ينتهي؛ فمردود بأنه -وإن كان مجهول الأمد- لكن لكل واحد منهما أن يخير صاحبه فيختار إما إمضاء البيع، وإما فسخه.
فما عليه إن كان يريد إمضاءه إلا أن يمشي بضع خطوات فينقطع الخيار، ويلزم البيع الطرفين.
فمثل هذه الجهالة اليسيرة مفتقرة شرعاً؛ لأنها لا تفضي إلى نزاع، ولا توقع في ضرر لا مخرج منه سيما والعادة قاضية بأن مجلس العقد لا يدوم طويلاً، بل هو فترة وجيزة يتفرقان بعدها، فقول أبي حنيفة -رحمه الله- أرأيت لو كانا في سفينة -فهو- فضلاً عن كونه معارضة للحديث بالرأي من الصور النادرة على أن لهما مخرجاً آخر غير التفرق هو التخيير.
وعلى هذا فخيار المجلس يفارق خيار الشرط إذا كان مجهول الأمد؛ لأنه قد يطول فيفضي إلى المضارة والشحناء، وليس في مقدور واحد منهما أن يلزم البيع بفعله في كل حَال كخيار المجلس.
هذا وأما استدلالكم بأثر عمر -رضي الله عنه- البيع صفقة أو خيار -فهو- فضلاً عن كونه لا يعارض الحديث لأنها أحق منه بأن تتبع ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفضلاً عن أن جماهير الصحابة على خلافه، وفضلاً عن كونه غير مروي عنه من طريق تصح، وفضلاً عن كونه روى عنه هو نفسه ما يخالفه -فضلاً عن هذا كله هو غير معارض للحديث بل مؤول بما يوافقه.
فقد أوله ابن حزم بما يوافق مذهبه من أن البيع غير صحيح حتى يكون التفرق أو التخيير حيث أول الصفقة بما تم من البيع بالتفرق، والخيار بما تم منه بالتخيير.
وأوله صاحب المغني من الحنابلة بأن البيع نوعان نوع شرط فيه الخيار، ونوع لم يشرط فيه، وهو الصفقة، وهذا لا ينافي ثبوت خيار المجلس، لأنه يثبت بغير الشرط.
وسماه صفقة لقصر مدة الخيار فيه فكأنه تم بمجرد التصافق.
والآن وقد فرغنا من مناقشة أدلة النافين من الكتاب والسنة، فما علينا ألا أن نناقش أدلتهم من المعقول.
فأولاً: يرد على قياسهم البيع على النكاح بأنه قياس مع الفارق؛ لأن المال غير مقصود في النكاح لذاته بخلاف البيع والمال هو الذي عهد فيه المكايسة والشح لأن البيع ينقل ملك الرقبة، والنكاح لا يبيح إلا ضرباً من الانتفاع، وملك الرقبة أقوى، فالاحتياج فيه إلى التروي =

الجواز على اللزوم بعد ثبوت اللزوم، لكن المواد منه أحد أمرين: أولهما: أنَّ البيع من العقود التي يقتضي وضعها اللُّزُوم ليتمكن كل واحد من المُتَعَاقدين من التصرف فيما أخذه آمنا من نقض صاحبه عليه.
والثَّاني: أن الغالب من حالات البيع اللزوم، والجواز لا يثبت إلاَّ في الأقل، ومن البينات أن المراد من اللُّزوم انفكاكه عن الخيار، ومن الجواز كونه بحال ثبوت الخيار، ثم الخيار على قسمين؛ لأنه إمَّا أن لا يتوقف على فوات شيء بل يتعلق بمجرد التَّشهي، وهذا ما عبر عنه بخيار التَّروي، وإما أن يتوقف على فوات شيء مظنون الحصول، وهذا ما عبر عنه بخيار النَّقِيصة.
أما القسم الأول فقد ذكر في الكتاب أن له سببين، وهو مفرع على قولنا: إن بيع الغائب لا يصح، فإن صححناه أثبتنا خيار الرؤية، ومعلوم أنه لا يتوقَّف على فوات شيء فتصير الأسباب ثلاثة: السبب الأول: كونهما مجتمعين في مجلس العقد، ولكل واحد من المُتَابعين فسخ البيع ما لم يتفرَّقا أو يتخايرا على ما سنفصله، وبه قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا خيار بالمجلس.
= أكثر من النكاح؛ لأن ثبوت الخيار في النكاح بعد العقدة يضع من شأن الرجل والمرأة، ويجرح شعورهما، ويجعلهما كالسلع محلاً للأخذ والرد.
وهذه فروق في نظري غير مؤثرة، ولكنا ذكرناها تبعاً للقوم.
والفرق المؤثر الصحيح في نظري هو أن عقد النكاح من العقود التي لا تدخلها الخيارات باتفاق الخصوم أنفسهم؛ لأنها على خلاف مقتضاها بدليل عدم دخول الإقالة فيها بل وعلى خلاف مقصودها؛ لأن مقصودها الدوام والاستمرار.
فقياس البيع على النكاح باعتبار اللزوم بمجرد العقد ليس بأولى من قياسه عليه باعتبار عدم صحة الإقالة.
فما الذي رجح القياس الأول على الثاني؟.
وثانياً: يرد على قولهم -إن في جواز الفسخ من أحدهما استقلالاً جواز إبطال حق الآخر بدون رضاه- بأن ثبوت الحق إنما هو بالشرع، والشرع نفاه إلى انتهاء الخيار كما قال الكمال وهو منكم.
هذا وأما استدلال المالكية لإجماع أهل المدينة على العمل بخلاف موجب أحاديث خيار المجلس، فهو مبني على أن إجماعهم حجة ولم يوافقهم عليه غيرهم على أن الإجماع لم يسلم لهم فهذا ابن أبي ذئب ممن قال بمشروعية خيار المجلس، وكان يقول يستتاب مالك لمخالفته الحديث.
وما أدري ما هذا الإجماع وعلماء المدينة القدامى كانوا كلهم أو جلهم على القول بخيار المجلس؟ نذكر منهم من الصحابة ابن عمر رأس علماء الصحابة بالمدينة ومن التابعين ابن المسيب كبير فقهاء المدينة من التابعين.
نقل ذلك ابن حزم عن البخاري في طائفة كبيرة من الصحابة والتابعين ينظر فتح القدير (5/ 82).

لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْمُتَابِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلاَّ بَيْعَ الْخِيَارِ".
1 ولنفصل القول فيما يثبت فيه خِيَار المَجْلس من العقود وما لا يثبت، والعقود ضربان: أحدهما: العُقُود الجائزة، إمَّا من الجانبين كالشّركة، والوِكَالَة والقِرَاض والوَدِيعة والعَارِية، أو من أحدهما كالضَّمان والكِتَابة، فلا خِيَار فيهما.
أمَّا الجائزة من الجَانِبين فلأنهما بالخيار فيها أبداً، فلا معنى لخيار المجلس.
وأمَّا الجائزة من أحد الجانبين، فلمثل هذا المعنى في حقِّ مَنْ هي جائزة في حقه، والآخر دخل فيهما موطِّناً نفسه على الغَبْن، ومقصود الخِيَار: أنْ ينظر وَيتروّى ليدفع الغَبْن عن نفسه، وكذا الحكم في الرهن، نعم لو كان الرهن مشروطاً في بيع وأقبض قبل التفريق أمكن فسخ الرهن بأن يفسخ البيع حتى ينفسخ الرهن تبعاً.
وحكى القاضي ابن كج عن بعض الأصحاب وجهاً: أنه يثبت الخيار في الكتابة.
وعن ابن خيران: أنه يثبت في الضَّمَان وهما غريبان.
والضَّربْ الثَّانِي: العقود اللاَّزِمة وهي نوعان: العقود الواردة على العَيْن، والعقود الواردة على المَنْفَعَة.
أما النَّوع الأول: فمنه أنواع البيع كالصَّرف وبيع الطَّعَام بالطَّعَام والسّلم والتَّوْلِية والتَّشْريك وصلح المُعَاوَضَة، فيثبت فيها خِيَار المَجْلس جميعاً لظاهر الخبر، ويستثنى صور: إحداها: إذا باع مال نفسه من ولده أو بالعكس، ففي ثبوت خيار المَجْلِسِ وجهان: أحدهما: لا يثبت؛ لأن الذي ورد في الخبر لفظ "المتبايعين"، وليس هاهنا متبايعان.
وأصحهما: يثبت؛ لأنه أقيم مقام الشخصين في صحة العقد فكذلك في الخيار، ولفظ الخبر ورد على الغالب، فعلى هذا يثبت للمولى خيار وللطفل خيار، والولي نائب عنه، فإن ألزم لنفسه وللطفل لزم، وإن ألزم لنفسه بقي الخِيَار للطِّفْل، فإذا فارق المَجْلس لزم العَقْد في أصَحِّ الوجهين.
والثَّاني: لا يلزم إلا بالإلزام؛ لأنه لا يفارق نفسه، وإن فارق المجلس.

الثَّانية: لو اشترى من يعتق عليه كأبيه وابنه فَالَّذِي ذكره في الكتاب: أنه لا يثبت فيه خِيَارَ المَجلِس واتبع فيه الإمام، حيث نقل أنْ لا خيار فيه على المَشْهُور؛ لأنه ليس عقد مُغَابَنَة من جهة المشتري؛ لأنه وطن نفسه على الغَبْن المالي.
وأمَّا من جهة البائع فهو وإنْ كان عقد مُغَابَنَة لكن النظر السهونه عتاقة.
ثم حكى الأَوْدنِيّ: أنه يثبت تمسكاً بظاهر قوله: "لَنْ يَجْزِيَ وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلاَّ بِأَنْ يَجِدَهُ مَمْلوكاً فَيَشْتَرَيهُ فَيَعْتِقَهُ" 1. فإنه يقتضي إنشاء إعتاق بعد العقد، والأكثرون بَنَوْا ثبوت الخِيَار في المَسْأَلة على الخِلاَف في أقوال الملك في زمن الخيار فإن قلنا إنه للبائع، فلهما الخيار ولا نحكم بالعتق، حتى يمضي زمان الخيار.
وإن قلنا: إنه موقوف فلهم الخِيَار أيضاً، فإذا أمضينا العَقْد تبيَّن أنه عتق بالشراء.
وإن قلنا: إنَّ الملك للمشتري فلا خيار له ويثبت للبائع، ومتى يعتق؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه لا يحكم بالعِتْق حتى يمضي زمان الخِيَار، ثم يحكم حينئذ بعتقه من يوم الشراء.
والثاني: أنه يعتق في الحال، وعلى هذا هل يبطل خيار البائع؟ فيه وجهان كالوجهين فيما إذا أعتق المُشْتَرِي العبد الأجنبي في زمان الخيار على قولنا: إِنّ الملك له.
قال صاحب "التهذيب": ويحتمل أن يحكم بثبوت الخيار للمشتري أيضاً تفريعاً على أن الملك في زمان الخِيَار له، وأنَّ العبد لا يعتق في الحال؛ لأنه لم يوجد منه الرّضا إلا بأصل العقد، فإذا ما في الكتاب يخالف مقالة الأكثرين؛ لأن الصحيح من أقوال الخيار قول التَّوقف، أو قول انتقال الملك إلى المشتري على ما سيأتي، -إن شاء الله تعالى- وعلى التقدير الأول: يثبت الخيار لهما.
وعلى الثاني: يثبت للبائع، والمذكور في الكتاب نفيه على الإطلاق.
الثالثة: الصّحيح: أن بيع العبد من نفسه جائز، وعلى هذا فهل فيه خيار المجلس؟

قال في الكتاب: لا، وبمثله أجاب في "التتمة"، حيث نزله منزلة الكتابة 1. وذكر أبو الحسن العبادي مع هذا وجهاً آخر: أنه يثبت فيه الخيار، ومال إلى ترجيحه.
الرابعة: ذكروا وجهين في ثبوت الخيار في شراء الجَمْد في شِدَّة الحَرّ، لأنه يتلف بمضي الزمان 2. الخامسة: إنْ صححنا بيع الغائب، ولم نثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية فهذا البيع من صور الاستثناء، وكذا البيع بشرط نفي خيار المجلس إن صححنا البيع والشرط، وقد مرت المسألتان.
هذا هو الكلام في البيع بأنواعه، ولا يثبت خيار المجلس في صلح الحِطَيطَة والإِبْرَاء؛ لأنه شرع فيهما على يقين بأن لا حظَّ له فيهما، ولا في الإِقَالة.
إن قلنا: إنها فسخ.
وإن قلنا: إنها بيع ففيها الخيار، ولا يثبت أيضاً في الحِوَالة إن لم نجعلها معاوضة، وإن جعلناها معاوضة فكذلك في أظهر الوجهين؛ لأنها ليست على قواعد المعاوضات، إذ لو كانت كذلك لبطلت، لأن بيع الدَّيْن بالدَّيْن لا يجوز، ولا يثبت أيضاً في الشُّفْعَة للمشتري، وفي ثبوته للشفيع وجهان: وجه الثبوت: أن سبل الأخذ بالشفعة سبل المعاوضات، أَلاَ تَرَى أنه يثبت فيه الرد بالعيب، والرجوع بالعهدة؟ ووجه المنع: أن المشتري لا خِيَار له، وتخصيص خيار المجلس بأحد الجانبين بعيد، فإن أثبتناه فعن بعضهم أن معناه: أنه بالخِيَار بين الأخذ والتَّرك ما دام في المَجْلس، هذا مع تفريعنا على قول الفور.
وغلّط إمام الحرمين ذلك القائل.
وقال الصحيح: أنه على الفور، ثم له الخيار في نقض الملك ورده، ومن اختار عين ماله المبيع من المفلس لزمه ولا خيار له.
وروى القاضي ابنْ كَجٍّ؛ أن أبا حسن حكى وجهاً: أنه بالخِيار ما دام في المجلس، وهذا شبيه بالخلاف في الشَّفيع، ولا خيار في الوَقْف كما في العِتْق ولا في الهِبَة إن لم يكن فيها ثواب، وإن وهب بشرط الثواب أو مطلقاً.

وقلنا: إنه يقتضي الثواب فوجهان: أظهرهما: أنه لا يثبت، لأنه لا يسمى بَيْعاً والخبر ورد في المُتَبَايعين، ويثبت الخيار في القسمة إن كان فيها رد، وإلاَّ فإن جرت بالإجبار فلا خيار فيها، وإن جرت بالتَّراضي فينبني على أنها بيع إو إفراز حق.
إن قلنا: إفراز حتى لم يثبت.
وإن قلنا: بيع، فكذلك في أصح الوجهين.
وأما النوع الثاني، وهو العقد الوارد على المنفعة: فمنه النكاح، فلا يثبت فيه خيار المجلس للاستغناء عنه بسبق التَّأمل غالباً، ولا يثبت في الصَّدَاق المسمى أيضاً على أصح الوَجْهَيْن؛ لأن المال تبع في النكاح.
والثَّاني: يثبت، فإنَّ الصَّدَاق عقد مستقل، فعلى هذا إن فسخ وجب مَهْر المِثْل، وعلى هذين الوجهين ثبوت خيار المجلس في عوض الخُلْع، ولا مدفع للفُرْقَة بحال.
ومنه: الإِجَارة، وفي ثبوت خيار المجلس فيها وجهان: أحدهما وبه قال الإِصْطَخْري وصاحب "التلخيص": يثبت؛ لأنها مُعَاوَضَة لازمة كالبيع، بل هي ضرب من البيع.
والثاني وبه قال أبو إِسْحَاق وابْنُ خَيْرَان: لا يثبت؛ لأن عقد الإِجَارة مشتمل على الغَرَر؛ لأنه عقد على معدوم والخيار غرر، فلا يضم غَرَر إلى غَرَر، وبالوجه الأول أجاب صاحب الكتاب، ورجحه صاحب "المهذب" وشيخه الكَرْخِيّ.
وذكر الإمام وصاحب "التهذيب" والأكثرون: أن الأصح هو الثاني.
وعن القَفَّال في طائفة: أن الخلاف في إجارة العَيْن.
أما الإجارة على الذمة فيثبت فيها خيار المجلس لا محالة، بناء على أنها مُلْحَقَةٌ بالسلم، حتى أنه يجب فيها قبض البَدَل في المَجْلس.
فإن قلنا بثبوت الخيار في إجارة العين فابتداء المدة يحسب من وقت انقضاء الخِيَار بالتفرق، أَمْ من وقت العقد؟ حكى الإمَامُ فيه خلافاً.
قيل: يحسب من وقت انقضاء الخيار؛ لأن الاحتساب من وقت العقد يعطل المنافع على المُكْتَرِي أو المكري، وعلى هذا لو أراد المكري أن يكريه من غيره في مدة الخيار، قال: لا مجيز له فيما أظن، وإن كان محتملاً في القياس.
والصحيح: أنه يحسب من وقت العَقْد، إذ لو حسب من وقت انقضاء الخيار

لتأخَّر ابتداء مدة الإِجَارة عن العقد، فيكون كإجارة الدَّار السنة القابلة وهي باطلة، وعلى هذا فعلى من تحسب مدة الخيار؟ إن كان قبل تسليم العَيْن إلى المستأجر فهي محسوبة على المكري.
وإن كان بعد التسليم، فوجهان مبنيان على أن المبيع إذا هلك في يد المشتري في زمان الخيار، من ضمان من يكون؟ أصحهما: أنه من ضَمَان المشتري، فعلى هذا هى محسوبة على المُسْتَأجر، وعليه تمام الأجرة.
والثَّاني: أنها من ضَمَان البائع، فعلى هذا يحسب على المكري، ويحطّ من الأُجْرة بقدر ما يقابل تلك المدة.
وأما المساقاة ففي ثبوت خيار المجلس فيها طريقان: أظهرهما: أنه على الخِلاَف المذكور في الإِجَارة.
والثَّاني: القطع بالمنع، لأن الغَرَر فيه أعظم؛ لأن كل واحد من المتعاقدين لا يدري ما يحصل له، فلا يضم إليه غرر آخر.
والمسابقة كالإِجَارة، إن قلنا: إنها لازمة وكالعقود الجائزة، إن قلنا: إنها جائزة.
وقوله: "ولا يثبت فيما لا يسمَّى بَيْعاً"، يجوز إعلامه بالواو للوجوه الصَّائرة إلى ثبوته في الكتَابة والخُلْع، وسائر ما حكينا الخلاف فيه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيَنْقَطِعَ الخِيَارُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ وَتَمَام الرِّضَا، وَبِمُفَارَقَةِ المَجْلِسِ بالبَدَنِ، وَهَلْ يَبْطُلُ بالمَوْتِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، أَصَحُّهُمَا أنَّهُ لاَ يَبْطُلُ كَخِيَارِ الشَّرْطِ (وح) فَيثْبُتُ لِلوَارِثِ، وَلَو فُرِّقَ بَيْنَهُمَا عَلَى إِكْرَاهِ فَفِي بُطْلاَنِ الخِيَار خِلاَفٌ، وَيثْبُتُ عِنْدَ جُنُونِ أَحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِلقَيِّمِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام فيما ينقطع به خِيَار المَجْلس وجملته، أن كل عقد ثبت فيه هذا الخيار فإنه ينقطع بالتَّخَاير، وبأن يتفرَّقا بأبدانهما عن مجلس العَقْد.
أما التخاير: فهو أن يقولا: تخايرنا أو اخترنا إمضاء العقد أو أمضيناه أو أجزناه، أو ألزمناه وما أشبهها.
ولو قال أحدهما: اخترت انقطع خياره، ويبقى خيار الآخر كما في خيار الشَّرْط إذا أسقط أحدهما الخيار.
وفي وجه: لا يبقى خيار الآخر أيضاً؛ لأن الخيار لا يتبعَّض في الثبوت، فلا يتبعض في السقوط.

ولو قال أحدهما لصاحبه: اختر أو خيرتك، فقال الآخر: اخترت انقطع خيارهما جميعاً، وإن سكت لم ينقطع خِياره وينقطع خيار الْقَائِل في أَصَحِّ الوَجْهَيْن؛ لأن قوله: اختر رضا منه باللُّزوم، وقد روي في بعض الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ" 1. ولو قال أحدهما: اخترت، وقال الآخر: فسخت، قدم الفسخ على الإجازة.
ولو تقابضا في المجلس، وتبايعا العوضين بيعاً ثانياً صح البيع الثَّانِي على المشهور، وهو قول ابْنِ سُرَيْجِ؛ لأن البيع الثاني منهما رضاً بلزوم الأول.
وعن صاحب "التقريب": أنه مبني على أن الخيار هل يمنع انتقال الملك؟ إن قلنا: يمنع لم يصح.
ولو تقابضا في عقد الصَّرف، ثم أجازا في المجلس، لزم العقد، وإن أجازاه قبل التقابض فوجهان: أحدهما: أن الإجازة لاغية؛ لأن القبض متعلق بالمجلس، وهو باق فبقي حكمه في الخِيَار.
والثَّاني: أنه يلزم العقد وعليهما التَّقَابض 2، فإن تفرَّقا قبل القَبْض انفسخ العقد، ولا يعصيان إن تفرقا عن تَرَاضٍ، فإن انفرد أحدهما بالمُفَارَقة عصى.
وأما التفرق: فهو أن يتفرَّقا بأبدانهما، فلو أقاما في ذلك المجلس مدة طويلة، أو قاما وتماشياً منازل فهما على خيارهما، هذا هو المذهب 3، ووراءه وجهان:

....................... = احتمالان في المذهبين: الاحتمال الأول: وهو الصحيح في المذهبين أنه يبطل خياره لقوله: "أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ اخْتَرْ" فإنه غاية لثبوت الخيار، وهذا في حق قائله؛ ولأنه بهذا القول قد جعل لصاحبه ما ملكَه من الخيار فصارت بيده عقدة البيع أصالة عن نفسه ونيابة عن صاحبه.
والاحتمال الثاني: عدم بطلان خياره بل يبقى كما هو كأن لم يصدر منه هذا القول -قاسوه على ما لو جعل لزوجته الخيار في الطلاق فلم تختر شيئاً حيث يكون له طلاقها، ولا يسقط حقه منه بمجرد قوله لها اختاري نفسك إن شئت.
وقد أجيب عن هذا القياس بأنه في الطلاق جعل لها مالاً تملك فكان تمليكاً في حقها، فإذا لم تختر شيئاً فلم يوجد القبول الذي لا بد منه في التمليك فيبقى الطلاق على ملك صاحبه لعدم الناقل للملك، وهو العقد المركب من الإيجاب والقبول، ولم يجد سوى الإيجاب من طرف الزوج.
وههنا في البيع كل واحد منهما يملك الخيار فكان جعل الخيار لصاحبه إسقاطاً لحقه منه، والأسقاط لا يحتاج إلى قبول الطرف الثاني هذا في التخيبر بعد البيع، أما التخيير معه كأن تبايعا على أن لا خيار مجلس لهما.
فمذهب الحنابلة -صحة البيع والشرط.
ومذهب الشافعية فيه ثلاثة أوجه؛ وجه بعدم صحة البيع، وهو الأصح في المذهب، ووجه بصحة البيع وبطلان الشرط، وعلى هذا يكون لهما خيار المجلس كما لو لم يشرطا نفيه، ووجه بصحة البيع، والشرط حجة مذهب الحنابلة، والوجه الثالث من مذهب الشافعية هي السنة والمعقول.
أما السنة فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَه فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ" وقوله -عليه الصلاة والسلام-: "إلاَّ أَنْ يَكُونَ البَيْعُ كَائناً عَنْ خِيَارٍ، فَإنْ كَانَ البَيْعُ عَنْ خِيَار وَجَبَ البَيْعُ" حيث رتب لزوم البيع على التبايع على الخيار، والمراد به اختيارهما لزوم البيع لا خيار الشرط، وإلا لتنافى مع قوله -عليه الصلاة والسلام-: "فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ".
وأما المعقول -فمن وجوه: الوجه الأول: قياسه على خيار الشرط جاز إسقاطه في المجلس فجاز إسقاطه في العقد، كذلك خيار المجلس جاز إسقاطه في المجلس فجاز في العقد، لأن ما أثر في المجلس أثر في العقد؛ لكون المجلس حريم العقد، وهذا قياس غريب إذ كيف يجوز قياس ما هو حكم العقد على ما لا يثبت إلا بالشرط.
الوجه الثاني: خيار المجلس جعل رفقاً بهما لتدارك ما قد يلحقهما من غبن، فجاز لهما شرط إسقاطه؛ لأنه حقهما.
الوجه الثالث: قالوا: الخيار في أصله غرر جوز للحاجة فجاز إسقاطه دفعاً للضرر.
وحجة الوجه الأول من مذهب الشافعية -هو القياس.
قالوا: إنه خيار يثبت بعد البيع فلم يجز إسقاطه قبله؛ لأنه إسقاط للشيء قبل تحقق سببه وهو لا يصح.
أصله خيار الشفيع يثبت بالبيع فلم يجز إسقاطه قبله، كما لو قال للمشتري: إشتر ولا شفعة لي، فإنه يجوز له الأخذ بالشفعة لعدم صحة هذا التنازل شرعاً، وإذا كان الشرط غير صحيح، فالبيع غير صحيح كذلك.
ثم قالوا إن الأحاديث التي استدل بها الحنابلة محمولة على ما بعد البيع.
وحجة الوجه الثاني من مذهب الشافعية- هو أن هذا الشرط لا يؤدي إلى الجهل بالعوض أو المعوض فلا يفسد العقد بفساده بل يلغو الشرط ويكون العقد صحيحاً والخيار ثابتاً.
=

أحدهما: قال بعض الأصحاب: لا يزيد الخيار على ثلاثة أيام، لأنها نهاية الخِيَار المشروط شرعاً.
والثاني: أنه لو لم يتفرقا، ولكن شرعا في أمر آخر وأعرضا عمَّا يتعلّق بالعقد = قلنا فيما سبق: إن المراد بالفرقة فرقة الأبدان، فلو أقاما ما شاء الله أن يقيما لم يبرحا مكانهما أو مشيا معاً سوياً فراسخ وأميالاً، فالخيار باق ولكل منهما فسخ البيع أن أراد وهذا أمر متفق عليه، ولا يعول على رأي بعض الشافعية أنه لا ينبغي أن تزيد مدته على ثلاثة أيام كخيار الشرط، أو ألا يشرعا في أمر آخر بعد إعراضاً عن البيع عرفاً، فإنها آراء شاذة في المذهب -فضلاً عن أنها مصادقة لإطلاق الحديث.
وكذلك اتفقوا على أن أحدهما لو فارق المجلس وبقي الآخر فيه أن البيع يلزمهما معاً، وهذا بخلاف الاختيار حيث يلزم البيع المختار وحده.
أما وجه الفرق بينهما فلم أره لأحد.
ولعله هو أن الفرقة تشملهما معاً عرفياً فيما لو فارق أحدهما صاحبه فيصدق عليهما أنهما افترقا، وهذا بخلاف الاختيار لا يكون وصفاً لهما مما لو اختار أحدهما فقط، إنما يكون وصفاً له فاستتبع أثره من لزوم العقد في حقه.
والتفرق قد ورد مطلقاً في الشرع لم يبين له حد يرجع إليه عند الاختلاف، فدل ذلك على أن الشارع أراد ما يتعارفه الناس منه، فما عدوه تفرقا قطع الخيار، وما لم يعدوه لم يقطعه، وقد ضرب الفقهاء لذلك أمثلة كثيرة فيما لو كانا في بيت، أو سوق، أو صحراء، أو في عرض البحر في سفينة، وليس من شأننا استقصاء هذه الأمثلة ما دمنا قد بينا القاعدة التي تدور عليها وترد إليها.
أما هل يجوز: لأحدهما مفارقة صاحبه خشية أن يفسخ البيع؟ فنقول: اتفق الفقهاء على أن أحدهما لو فارق صاحبه لا على هذه النية بل لطارئ من الطوارئ التي تستدعي مفارقة المجلس جاز له ذلك.
بل لو فارق على نية إبرام البيع بدون أن يخاتل صاحبه أو يخادعه يكون موسعاً عليه -إن شاء الله تعالى-.
ولكنهم اختلفوا في المفارقة خشية الفسخ.
فالشافعية والظاهرية على حل ذلك، وهو رواية عن أحمد، وقد استدلوا بما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه-: "بعت من أمير المؤمنين عثمان مالاً بالوادي بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني البيع"، رواه البخاري، وهو صريح في أن المفارقة كانت خشية الرد.
والحنابلة على الصحيح عندهم على أن المفارقة على هذه النية حرام لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "البِيعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتْى يَتَفَرَّقَا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَه" رواه أصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجة، ورواه أحمد، والبيهقي، وحسنه الترمذي، وهو نفي في الحرمة؛ لأنه نفي الحل من صيغ التحريم شرعاً.
وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تلقاه الناس بالقبول، فصار المصير إلى العمل برواية هذه واجباً.
فقول ابن حزم لو صح هذا الحديث لقلنا به، ولكنه لم يصح لا يقدح في العمل بموجبه لتحسين الترمذي له.
وقد ذكر الأثرم عن أحمد أنه ذكر له فعل ابن عمر، وحديث عمرو بن شعيب، فقال -هذا الآن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-.
أما الأولون فقد حملوا حديث عمرو هذا على الاستحباب، وجعلوه من باب الإرشاد، وحسن المعاملة، ولا دليل لهم على هذا ألبتة، وعلى أي حال فالمفارقة خشية الفسخ سواء كانت حلالاً أو حراماً قاطعة للخيار ملزمة للبيع لم يخالف في هذا أحد من الفقهاء الدين قالوا بمشروعية خيار المجلس؟ انتهى كلام شيخنا الشيخ مندور.

وطال الفصل انقطع الخيار، نقلة صاحب "البيان"، ثم الرجوع في التَّفرق إلى العادة، فما يعده الناس تَفَرَّقاً يلزم به العقد، فلو كانا في دار صغيرة، فالتفرق بأن يخرج أحدهما منها أو يصعد السَّطْح، وكذا لو كانا في مَسْجِدٍ صغير أو سَفِينَة صغيرة.. وإن كانت الدَّار كَبِيرة، جعل التَّفرق بأن يخرج أَحَدُهما من البَيْت إلى الصَّحْراء، أو يدخل من الصَّحْن في بيت أو صُفَّة، وإن كانا في صحراء أو سوق فإذا ولى أحدهما ظهره الآخر ومشى قليلاً حصل التفرق، وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- "إِذَا ابْتَاعَ شَيْئاً وَأَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ، قَامَ وَمَشَى قَلِيلاً" 1. وعن الإِصْطَخْرِي: أنه يشترط أن يَبْعد بحيث إذا كلم صاحبه على الاعتياد من غير رفع الصَّوْت لم يسمع، ولا يحصل التَّفرق بأن يرخي بينهما ستر أو يشق بينهما نَهْر، وهل يحصل بأن يبني بينهما جدار من طين أو جصّ؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأنه في مجلس العقد، وألحقه الإمام بما إذا حمل أحدهما وأخرج، وسيأتي الكلام فيه -إن شاء الله تعالى-.
وصَحْن الدار والبيت الواحد إذا تفاحش اتِّسَاعهما كالصَّحراء، ولو تناديا متباعدين وتبايعا، صح البيع، وما حكم الخيار؟ قال الإمام: يحتمل أن يقال: لا خيار؛ لأن التَّفرق الطَّارئ قاطع للخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، ويحتمل أن يقال: يثبت ما داما في مَوْضعهما، وهذا ما أورده المُتَوَلِّي 2. ثم إذا فارق أحدهما موضعه وبطل خِيَاره، هل يبطل خِيَارُ الآخر أو يدوم، إلى أن يفارق مكانه؟ فيه احتمالان للإمام 3. ثم في الفَصْل ثَلاَثُ مسائل: إحداها: إذا مات أحد المتبايعين في مجلس العقد، فقد نصّ في "المختصر" في البيوع: أن الخيار لوارثه، وفي المكاتب: أنه إذا باع ولم يتفرقا حتى مات المكاتب وجب البيع.

وللأصحاب في النصين ثلاثة طرق: أظهرها: أن في الصُّورتين قولين بالنقل والتخريج وبه قال القاضي أبو حامد وأبو إسحاق: أحدهما: أنه يلزم البَيْع؛ لأنه خيار يسقط بمفارقة المَكَان، فبمفارقة الدُّنْيَا أولى.
وأصحهما: أنه لا يلزم، بل يثبت للوارث والسَّيِّد كخِيَار الشرط والعَيْب.
والثاني: القطع بثبوت الخِيَار للوارث والسيد.
وقوله "في المُكَاتب: وجب البيع"، أراد به أنه لا يبطل بموته كالكتابة.
والثَّالث: تقرير النَّصَّين، والفرق أنَّ الوارث خليفة المورث، فيقوم مقامه في الخيار، والسيد ليس خليفة للمُكَاتب، وإنَّمَا يأخذ ما يأخذ بحق الملك، والعبد المَأْذُون إذا باع أو اشترى ومات في المجلس كالمُكَاتب فيجيء فيه هذا الخِلاَف، وكذلك في الوَكِيل بالشِّرَاء إذا مات في المَجْلس، هل للموكل الخِيَار؟ وهذا إذا فرعنا على أن الاعتبار بِمَجْلس الوَكِيلِ في الابْتِدَاء وهو الصحيح، وروى وجه: أن الاعتبار بمجلس الموكل.
التفريع: إنْ لم يثبت الخِيَار للوارث فقد انقطع خيار المَيِّت.
وأما الحي ففي "التهذيب": أن خِيَاره لا ينقطع حتى يفارق ذلك المجلس.
وذكر الإمام تفريعاً على هذا القول: أنه يلزم العَقْد من الجانبين، ويجوز تقدير خلاف فيه لما مر، أن هذا الخيار لا يتبعض في السقوط كما هو في الثبوت 1. وإن قلنا: يثبت الخيار للوارث، فإن كان حاضراً في المجلس امتد الخيار بينه وبين العاقد الآخر، حتى يتفرقا أو يتخايرا.
وإن كان غائباً فله الخيار، إذا وصل الخبر إليه، ثم هو على الفَوْرِ أو يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر إليه، فيه وجهان: وجه الأول: أنَّ المجلس قد انقضى، وإنما أثبتنا له الخِيَار كيلا يعطل حقّاً كان للمورث.
ووجه الثاني: أن الوارث خليفة المورث فليثبت له مثل ما ثبت للمورث، وهذان

الوَجْهَان كالوَجْهَيْن في خِيَار الشرط إذا ورثه الوارث، وكان بلغ الخبر إليه بعد انْقِضاء مدّة الخِيَار، ففي وجه هو على الفور، وفي وجه: يدوم مثل ما كان يدوم للمورث لو لم يمت.
هذا ترتيب الأكثرين، وبنى بَانُون ثبوت الخِيَار للوارث على وَجْهَيْن نقلوهما في كيفية ثبوته للعاقد الباقي: أحدهما: أنَّ له الخيار ما دام في مجلس العقد، فإذا فارقه بطل، فعلى هذا يكون خيار الوَارِث في المجلس الذي يشاهد فيه المبيع ليتأمل ويختار ما فيه الحَظّ.
والثَّاني: أنَّ خياره يتأخَّر إلى أنْ يجتمع مع الوارث في مجلس واحد، فعلى هذا حينئذ يثبت الخيار للوارث 1. فرع: إذا ورثه اثْنَان فصاعداً، وكانوا حضوراً في مجلس العقد، فلهم الخيار إلى أن يفارقوا العاقد الآخر، ولا ينقطع الخيار بمفارقة بعضهم على الأصح.
وإن كانوا غائبين عن المَجْلس، ففي "التتمة": أنا إن قلنا في الوارث الواحد: يثبت الخيار في مجلس مشاهدة المبيع، فلهم الخيار إذا اجتمعوا في مجلس واحد.
وإن قلنا له الخيار إذا اجتمع مع العاقِد، فكذلك لهم الخيار إذا اجتمعوا معه، ومتى فسخ بعضهم وأجاز بعضهم، ففي وجه لا ينفسخ في شيء.
والأصح: أنه ينفسخ في الكُلِّ كالمورث لو فسخ في حياته في البعض، وأجاز في البعض 2. المسألة الثانية: إذا حمل أحد المُتَعَاقدين، وأخرج من المجلس مُكرهاً، نظر إن مُنع من الفسخ أيضاً بأن سُدَّ فوه لم ينقطع خياره على أظهر الطَّرِيْقَين 3، إذ لم يوجد منه ما يدل على الرِّضَا باللزوم.

والثاني: أن في انقطاعه وجهان كالقولين في صورة الموت، وهنا أولى ببقاء الخيار؛ لأن إبطال حقه قهراً مع بقائه بعيد، فإن لم يُمنع من الفسخ فطريقان على العكس: أظهرهما: أنه في انقطاع الخِيَار وجهين: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: ينقطع، لأن سُكُوته عن الفَسْخ مع القدرة رضا بالإِمْضَاء.
وأصحهما: أنه لا ينقطع؛ لأنه مكره في المفارقة وكأنه لا مفارقة، والسكوت عن الفَسْخ لا يبطل الخياركما في المجلس.
الثاني: القطِع بالانقطاع، وهو اختيار الصَّيْدَلاَني، فإن قُلْنَا: ينقطع خياره، انقطع خيار المَاكث أيضاً، وإلا فله التَّصرف بالفَسْخ والإجازة إذا وجد التمكن، وهل هو على الفور؟ فيه ما سبق من الخلاف.
فإن قلنا: لا، وكان مستقرّاً حين زايله الإِكْرَاه في مجلس ابتداء الخِيَار امتد الخيار امتداد ذلك المَجْلس، وإن كان مارّاً فإذا فارق في مروره مكان التَّمكن، انقطع خياره وليس عليه الانْقِلاَب إلى مجلس العقد ليجتمع مع العاقد الآخر إن طال الزمان، وإن لم يطل ففيه احتمال عند الإمام.
وإذا لم يبطل خيار المُخْرَج لم يبطل خيار المَاكث أيضاً، إن منع من الخروج معه، وإن لم يمنع بطل في أصح الوجهين.. ولو ضربا حتى تفرقا بأنفسهما، ففي انقطاع الخيار قولان كما في حنث المكره.
ولو هرب أحدهما لم يتبعه الآخر مع التمكن بطل خيارهما، وإن لم يتمكَّن من متابعته، ففي "التهذيب": أنه يبطل خِيَار الهَارِب دون الآخر 1. المسألة الثالثة: إذا جُن أحد المتعاقدين أو أغمي عليه لم ينقطع الخيار، لكن يقوم وَلِّيُه أو الحاكم مقامه، فيفعل ما فيه الحَظِّ من الفسخ والإجازة.
وفيه وجه مخرج من الموت، أنه ينقطع، وعلى المذهب: لو فارق المجنون مجلس العقد.
قال الإمام: يجوز أن يقال: لا ينقطع الخيار؛ لأن التصرف انقلب إلى القوام عليه، ويعارضه أنه لو كان كذلك لكان المجنون كالموت.
ولو خرس أحد المتعاقدين في المجلس، فإن كانت له إشارة مفهومة أو كتابة، فهو على خياره، وإلاَّ نصب الحاكم نائباً عنه.
وقوله: "في مسألة الموت": فيه قولان يجوز إعلامه بالواو، للطريقين الآخرين.

وقوله: "كخيار الشرط" معلّم -بالحاء والألف- لأن عند أبي حنيفة وأحمد خِيَار الشَّرط غير موروث، وبالواو أيضاً؛ لأن عن صاحب "التقريب": أن بعض أئمتنا خرج قولاً من خيار المجلس في خيار الشرط: أنه لا يورث.
وقوله: "ويثبت عند جنون أحد المتعاقدين"، معلَّم بالواو لما مر.
قال الغزالي: وَلَوْ تَنَازَعَا في جَرَيَانِ التَّفَرُّقِ، فَالأَصْلُ عَدَمُهُ، ومَنْ يَدَّعِيهِ يُطَالَبُ بِالبَيِّنَةِ، وَلَوْ تنَازَعَا في الفَسْخِ بَعْدَ الاتِّفَاقِ عَلَى التَّفَرُّقِ، فَالأَصْلُ عَدَمْ الفَسْخِ (و).
قال الرافعي: في الفصل صورتان هَيِّنتا الخطب.
إحداهما: لو جاء المُتَعَاقِدَان معاً، فقال أحدهما: تفرقنا بعد البيع، وأنه قد لزم، وأنكر الثَّاني التفرق وأراد الفسخ، فالقول قول الثاني مع يمينه؛ لأن الأصل دوام الاجْتِمَاع، وعلى من يدعي خلافه البينة 1. ولك أن تقول: هذا بين إن قصرت المُدَّة، ولكنها إن طالت فدوام الاجتماع خلاف الظاهر، وإن كان على وفاق الأصل، فلا يبعد تخريجه على الخلاف المشهور في تعارض الأصل والظاهر، والأصحاب لم يفرقوا بين الحالين.
الثَّانية: اتَّفقا على التَّفرق، وقال أحدهما: فسخت قبله وأنكر الآخر، فالقول قول الآخر مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الفسخ، وعلى المدعي البينة، هذا هو الظاهر، وبه أجاب في الكتاب.
وعن صاحب "التقريب": أن القول قول من يدعي الفسخ؛ لأنه أعرف بتصرفه.
ولو اتفقا على عدم التفرق وتنازعا هكذا.
ففي "التهذيب": أن دعوى مدعي الفسخ فسخ.
قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّانِي: الشَّرْطُ قَالَ عَلَيهِ السَّلاَمُ لِحِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ وَكَانَ يُخْدَعُ في البُيُوعِ: إِذَا بَايَعتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ، وَاشْتِرَاطُ الخِيَارِ ثَلاَثةَ أَيَّامٍ، وَلاَ يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ (م)، وَلاَ التَّقْدِيرُ بِمُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ، وَلاَ الإِبْهَامُ في أَحَدِ العَبْدَينِ.
قال الرافعي: الأصل في خيار الشَّرْط الإجماع، وما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- "إذَا

بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خِلاَبَةَ" 1. وروي أنَّ ذلك الرجل كان حبان بن منقذ 2 أصابته أمة في رأسه، فكان يخدع في البيع، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لاَ خِلاَبَةَ، وَجَعَلَ الْخِيَارَ ثَلاَثاً" وفي رواية، "وَجَعَلَ لَهُ بِذَلِكَ الخِيَارَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ".
وفي رواية "قُلْ: لاَ خِلاَبَةَ وَلَكَ الْخِيَارُ ثَلاَثاً" 3. وهذه الروايات كلها في كتب الفقة، ولا تلقى في مشهورات كتب الحديث سوى الرواية المقتصرة على قوله: "لاَ خِلاَبَةَ".
وهذه الكلمة في الشرع عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثاً 4، فإذا أطلقاها عالمين

......................... = الثاني وإن احتمل هذين التأويلين إلا أنه في الثاني أظهر بخلاف النص الأول؛ فهو في الأول منهما أظهر فهذان نصان متعاكسان في حد ذاتهما، وإن كانا من حيث السياق لا يحتملان إلا المعنى الأول وإلا لما جعلهما ابن حزم من جملة أخصامه.
ويقول النووي: "فرع في مذاهب العلماء في شرط الخيار، وهو جائز بالإجماع واختلفوا في ضبطه فمذهبنا أنه يجوز ثلاثة أيام فما دونها، وبه قال أبو حنيفة، وعبد الله بن شبرمة وهذا النقل يؤخذ منه أن ابن شبرمة موافق للجمهور يمكن تلخيص المهم من أدلة ابن حزم من عرض كلامه الذي صال فيه على الفقهاء جميعاً بلسان لاذع وطعن جارح فيما يأتي: الدليل الأول: البيع مع اشتراط الخيار باطل لبطلان هذا الشرط؛ لأنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وكل شرط شأنه كذلك فهو باطل بنص قوله -عليه الصلاة والسلام-: "مَا بَالُ أَقْوَام يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كتَاب اللهِ.
مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإنْ اشْتَرَطَهُ مَائَة مَرَّةٍ، وَإِنْ كَانَ مَائَةَ شَرْطٍ.
كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ.
وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ" والحديث -وإن لم يتعرض إلا لكتابَ الله- إلا أن سنة رسوله مثله؛ لأن الله أمر بطاعته في كتابه فمن أطاعه فكأنما أطاع الله.
ويلاحظ هنا أن ابن حزم ينكر أشد إنكار الأدلة التي ساقها الجمهور تأييداً لمشروعية اشتراط الخيار.
الدليل الثاني: ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ يَفْتَرِقُ بَيْعَانِ إلاَّ عَنْ تَرَاضٍ" وهذا حديث مرسل كما يعترف ابن حزم نفسه، ولكنه يقول: إن القوم يفتخرون باتباع المرسل، والاحتجاج به، وسع ذلك فقد خالفوا هذا الحديث؛ لأن اشتراط الخيار لا يكون منه الرضا بالبيع، وكل من قال بجواز اشتراطه جوز للعاقد أن يفارق صاحبه مع بقاء الخيار فيكون الافتراق لا عن تراض.
الدليل الثالث: يزعم ابن حزم أنه لا يكون هناك بيع إلا ويعقبه انتقال ملك ولا بد.
فيقال لهؤلاء القوم.
هل ينتقل الملك في زمن الخيار أم لا ينتقل؟ فإن قالوا: لا.
فهو عن قولنا.
إن هذا البيع غير صحيح.
لأنه لا معنى لصحته إلا استتباع آثاره.
وإن قالوا: نعم.
فلم الخيار، وقد تم البيع وانتقل الملك؟ وإن قالوا ينعقد في حق من ليس له الخيار ولا ينعقد في حق من له الخيار.
قيل لهم هذا تخيلط؛ لأنه لا يكون هناك بيع إلا وهناك بائع ومبتاع وقد اقتصرتم على أحدهما.
الدليل الرابع: قياس البيع على النكاح يجامع أن كلاً منهما عقد معاوضة لازم.
والنكاح لا يجوز فيه اشتراط الخيار، وهذا أمر مجمع عليه، فكذلك يجب أن يكون البيع.
وهذا دليل يورده ابن حزم على الجمهور إلزاماً لأنه غير قائل بالقياس.
هذا هو أهم ما يؤخذ من أدلة ابن حزم على إبطاله البيع الذي اشترط فيه الخيار.
وله غير هذه الأدلة.
آثرنا تركه إما لوضوح بطلانه.
وإما لأنه يؤخذ عليه لا له.
وهناك أدلة غير هذه أيضاً تذكرها كتب الخلاف ناسية لها إلى من قال بعدم جواز اشتراط الخيار في البيع.
نذكرها تتميماً للبحث وإيفاء لحقه.
نلخصها فيما يلي: أولاً: البيع مع اشتراط الخيار غرر.
وقد نهى الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن بيع الغرر.
أما وجه الغرر فيه؛ فلأنه لا يدري أيتم البيع أم ينقص؟ ولا متى يتم؟ وهذه جهالة فاحشة لا =

......................... = تحتملها عقود المعاوضات المالية.
ولأن البيع مع اشتراط الخيار في قوة المعلق، كأنه قال بعتك هذا الشيء إن أخذت إمضاء البيع، وتعليق البيع يبطله؛ لأنه لا يدري متى ينعقد؟ ولا أينعقد أم لا؟ وهذه مخاطرة بالأموال تشبه القمار.
ثانياً: شرط الخيار مخالف لمقتضى العقد.
لأن مقتضاه اللزوم، وشرط الخيار يجعله غير لازم.
وكل شرط يخالف مقتضى العقد فهو باطل!!! هذه هي أدلة المانعين لاشتراط الخيار في البيع عرضنا لها عوضاً موجزاً سريعاً.
فإما أدلة المجوزين -وهم جماهير العلماء- فإنهم استدلوا بأدلة من السنة والمعقول.
أما أدلتهم من السنة: فتنحصر في أربعة أحاديث: الحديث الأول: ما رواه عبد الرازق في مصنفه من حديث أبان بن أبي عباس عن أنس -رضي اله عنه-: "أن رجلاً اشترى من رجل بعيراً واشترط عليه الخيار أربعة أيام.
فأبطل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البيع وقال: "الخِيَارُ ثَلاثَةُ أيَّامٍ" وهذا حديث صريح في جواز اشتراط الخيار في البيع، وأنه إلى ثلاثة أيام.
الحديث الثاني: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "الخِيَارُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ" أخرجه الدارقطني في سننه من طريق أحمد بن عبد الله بن ميسرة.
الحديث الثالث: ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ" حديث صحيح.
ووجه الاستدلال به على المطلوب هو أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- استثنى من لزوم البيع في حال الافتراق البيع الذي عقد على الخيار.
وهذا هو البيع مع اشتراط الخيار.
الحديث الرابع: وهو أعظم ما عول عليه القوم في هذا المقام فما روي أن حبان بن منقذ بن عمرو الأنصاري كان يغبن في البياعات، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خُلاَبَةَ، وَلِي الخِيَارُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ" روي هذا الحديث بهذا اللفظ في كتب كثير من الحنفية كفتح القدير والزيلعي والمبسوط.
وهذه الرواية أصرح روايات هذا الحديث الذي روي بألفاظ كثيرة، من حيث يريد الفقهاء أن يستدلوا بها على مشروعية خيار الشرط، ولذا آثرنا ذكرها دون غيرها.
وجه الاستدلال بهذا الحديث على المطلوب هو أمره -عليه الصلاة والسلام- لحبان أن يشترط الخيار لنفسه، ليدفع عنها الغبن الذي يلحقه من جراء انخداعه في البياعات، إذا ما تبين له ذلك فيما بعد بفسخة البيع واسترداده الثمن إن كان قد دفعة.
وأما المعقول: فهو أن الحاجة قد تدعو إلى هذا النوع من البيوع -أعني اليع مع شرط الخيار-.
إما لأن العاقد غير خبير بالسوق أو بالسلعة فيحتاج إلى شرط الخيار لنفسه أو لغيره ممن يرى فيه الكفاءة ويثق في ذمته ونصحه ليدفع عن نفسه مغبة الغبن والخديعة.
وإما لأنه يريد أن يختبر المبيع حتى يرى ما إذا كان يحقق الغرض الذي ابتاعه من أجله؟.
وإما لأنه يريد أن يعرضه على صديق له أو قريب يهمه أن يكون راضياً عن السلعة.
وهكذا من الأغراض الوجيهة التي لا يمكن للعاقد إن يقطع برأي حاكم فيها حين العقد، ويحتاج أن يتروى فيها، ويتثبت غاية التثبت حتى يكون الرضا قائماً على أساس قوي، وركن متين من العلم الصحيح، فيشترط الخيار حتى إذا لم يعجبه فسخ البيع وتخلص من لزومه له.
وفي مثل هذا بقول صاحب =

......................... = المبسوط: "إذا كان بعض العقود يجوز للحاجة كالإجارة فجواز خيار الشرط أولى" ولعل وجه قول صاحب المبسوط هذا هو أن الإجارة كالبيع بل هي في حقيقة الأمر نوع منه؛ لأنها بيع المنفعة، وإن اختصت بأحكام خاصة والمبيع في البيع يشترط فيه أن يكون مقدور التسليم.
والمنفعة في الإجارة ليست كذلك؛ لأنها معدومة في الحال فهي غير مقدورة التسليم، وحتى هي في المستقبل لا توجد إلاَّ شيئاً شيئاً.
ولكنها مع هذا جوزت للجاجة الداعية إليها؛ لأنه ليس كل واحد قادراً على تملك العين فلو لم تجز لتعطلت منافع الناس وشق عليهم هذا الأمر.
فإذا كان بعض العقود التي هي الأصل يجوز للحاجة فأولى أن يجوز شرط الخيار للحاجة؛ لأنه وصف للعقد يمنع من لزومه والوصف كالفرع.
وأنه يتسامح في الفروع ما لا يتسامح في الأصول.
هذا وقد أغرب بعض العلماء على ما لهم من تجلة واحترام فقال بأن شرط الخيار أمر مجمع على جوازه حتى جعله النووي أقوى ما يستدل به في هذا المقام.
ويرد على ابن حزم من حيث الدليل الأول القائل.
شرط الخيار شرط ليس في كتاب الله، وكل شرط كذلك فهو باطل.
بأن المراد ليس في كتاب الله ما يخالفه بدليل قوله فيما بعد: "قضاء الله أحق وشرط الله أوثق" فإن أبيت ذلك وحملت الكلام على ظاهره فلا نسلم لك أن هذا الشرط ليس في كتاب الله.
كيف وهو في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنة رسوله ككتابه باعترافك أنت؟ فإن زعمت أنها لا تثبت مشروعية خيار الشرط لضعف بعضها، ولعدم دلالة البعض الآخر قلنا لك، إذا فقد انتقل النزاع بيننا وبينك إلى الأحاديث هل تدل أو لا تدل؟ فإن رأيت أنت أنها لا تدل فنحن نرى أنها تدل.
فدع هذا الدليل بمعزل وخصه معنا في هذه الأحاديث.
سلمنا لك أن هذه الأحاديث لا تدل على مشروعية خيار الشرط، فماذا تريد بقولك شرط الخيار شرط ليس في كتاب الله؟ أتعني ليس فيه بخصوصه أم ليلى.
فيه بعمومه؟ إن عنيت الأول.
قلنا لك نعم.
فكان ماذا؟ أتزعم وكل شرط ليس في كتاب الله بخصوصه فهو باطل؟ فمن أين لك هذا؟ والحديث نفسه لا يدل على ما ذكرت فهذه دعوى عريضة تحتاج إلى البرهان، ولن تجد إليه سبيلاً.
وإن عنيت الثاني.
قلنا لك: لا.
لأنه في كتاب الله بهذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ والبيع مع اشتراط الخيار عقد يجب الوفاء به ولكن في حدود الشرط أي أنه يجب على من لا خيار له من العاقدين أن يوفر على العاقد الآخر حقه الذي اكتسبه بشرط الخيار؛ لأن هذا الشرط يعتبر كذلك عقداً إذ لا بد فيه من نراضي الطرفين عليه كالعقود.
ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلاَّ شَرْطاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً" وشرط الخيار لم يحل حراماً، ولم يحرم حلالاً، فيكون واجب الوفاء، ولا يكون كذلك إلا إذا كان صحيحاً معتبراً شرعاً.
ومن حيث الدليل الثاني "لا يفترق بيعان إلا عن تراض" قولك فيه النهي عن بقاء الخيار بعد التفرق مسلم، والمراد به خيار المجلس، فإن زعمت أن الحديث عام، قلنا هو مخصوص بأحاديث خيار الشرط جمعاً بين الأدلة.
ومن حيث الدليل الثالث القائل: لا يكون بيع إلا ويكون معه نقل ملك ولا بد الخ.
نقول له: نختار أن الملك لا ينتقل ولا يلزمه عدم صحة البيع كما تزعم، بل يكون العقد صحيحاً، ويتأخر الملك لوجود المانع، وهو خيار الشرط ومن المعلوم أن المانع لا يبطل المقتضى، ولا يسلبه سببيتة بدليل أنه إذا زال عمل المقتضى عمله.
أو تختار أنه ينتقل وقولك لا فائدة إذا من الخيار غير =

.........................1234 = صحيح.
بل هنا الفائدة محققة؛ لأن الملك وإن انتقل به عندنا فإنه ينتقل لا على سبيل اللزوم بل على الجواز.
فتكون فائدة الخيار حينئذ هي جواز فسخ البيع إن لم يوافق رغبة العاقد، وهي فائدة جليلة.
والذي لبس الأمر عليك ظنك أن الملك إذا انتقل انتقل على اللزوم وفي هذا ننازعك.
ومن حيث الدليل الرابع قياس البيع على النكاح فهو قياس مع الفارق من جملة وجوه:

.........................1234 = بن ميسرة وقد ضعفه الدارقطني.
وقال ابن حبان.
لا يحل الاحتجاج به.
ولذا فأغلب العلماء على عدم الاعتداد بهما في أدلة خيار الشرط.
ومن حيث الحديث الثالث: "المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ" فهو إنما يدل للجمهور لو كان قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إلاَّ بَيْعُ الخِيَارِ" مستثنى من لزوم البيع في حال التفرق، كما ذهب إلى هذا فريق منهم.
أما إذا كان مستثنى من ثبوت الخيار للمتبايعين مدة عدم افتراقهما عن مجلس العقد، فهو بعيد كل البعد عن الاحتجاج به لهذا المذهب.
إذ يكون معنى الحديث على هذا أن الخيار الثابت بالعقد ينتهي بأحد الشيئين؛ إما بالتفرق عن مجلس البيع؛ وإما باختيار البيع في أثناء قيام المجلس المذكور.
والحديث أما يحتمل الوجه الذي ذكروه يحتمل هذا الوجه أيضاً، وكان يكفينا هذا في عدم صلاحية الحديث للاحتجاج به على مشروعية خيار الشرط.
فكيف والتأويل الذي ذكرناه هو الموافق لأحاديث أخر في معناه نذكر منها هذا الحديث: "المُتَبَايِعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ: اخْتَرْ" وربما قال: "أَوْ يَكُونَ بَيْعَ الخِيَارِ" فقد بينت هذه الرواية أن المراد بقوله: "بَيْع الخِيَارِ" هو أن يقول أحدهما لصاحبه اختر، لا سيما وجميع روايات هذا الحديث الصحيحة قد وردت من طريق ابن عمر -رضي الله عنه-.
ومن حيث الحديث الرابع: وهو قوله -عليه الصلاة والسلام- لحبان بن منقذ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خُلاَبَةَ وَليَ الخِيَارُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ"، فقد ورد هذا الحديث بروايات كثيرة، نكتفي منها بذكر أربع روايات تجمع شتيتها:

......................... = الحديث ثم قال: وهو لا يمس المطلوب".
وأما الرواية الثانية: فهي -وإن ذكر فيها الخيار ومدته- فقد ذكرا لا على سبيل الشرط وإنما لبيان مدة الخيار الذي استفيد من قوله -عليه الصلاة والسلام-: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لاَ خُلاَبَةَ" فتكون مدة هذا الخيار خيار الغبن مقدرة شرعاً بثلاثة أيام ولهذا تكون هذه الرواية بمنأى عن إثبات شرط الخيار كالأولى لأنها بيان لها.
وأما الرواية الثالثة: فيحتمل أن يكون -ولك الخيار ثلاثاً- جملة مستأنفة ذكرت لبيان مدة خيار الغبن شرعًا، فتكون كالرواية الثانية من حيث المعنى، وهذا هو المتبادر ويحتمل أن يكون عطفاً على: "لاَ خُلاَبَةَ" فيكون مأموراً بهذين القولين أعني أنه يجب عليه -ليكون له حق فسخ البيع- أن يشترط عدم الخلابة، وأنه بالخيار ثلاثة أيام -وهذه الرواية تدل على المطلوب من هذا الوجه بتعسف.
ولكن لما كان التأويل الأول هو الموافق للرواية الثانية الصريحة فيه، وجب أن يكون هو المتعين.
لا سيما والحديث بجميع رواياته قيل في واقعة واحدة.
وأما الرواية الرابعة: فصريحة في اشتراط الخيار ومدته ولكن هذه الرواية لم تذكر في كتب الحديث، ولذلك يقول الشوكاني: "قال ابن الصلاح.
وأما رواية الاشتراط فمنكرة لا أصل لها" وبمثل هذا قال النووي في المجموع ناسباً هذه الرواية إلى الوسيط وبعض كتب الفقه وإذ ظهر أمر هذه الرواية من الضعف والتهافت أصبحنا في حل من إهدارها وعدم التعويل عليها.
ثم هي -على فرض التسليم بصحتها جدلاً- لا تدل على جواز شرط الخيار في البيع إلا إذا تقدمه شرط عدم الخلابة أيضاً؛ لأنه مأمور بالقولين معاً.
وشاء عليه.
إذا ظهر له غبن رد وإلا فلا.
مع أن شرط الخيار الذي قال بجوازه الجمهور لا يشترط فيه تقدم شرط عدم الخلابة.
وله مع ذلك.
الرد، ولو لم يكن هناك غبن نعم قد يمكن أن يقال: إن شرط عدم الخلابة إنما هو تصريح بحكمة مشروعية اشتراط الخيار.
ومن المعلوم المقرر أن الحكمة لا يلزم طردها في جميع أفراد موضوعها، وإذا فيصح شرط الخيار بدون لا خلابة مثلاً.
وله أن يرد المبيع ولو لم يكن هناك غبن لما بينا أن الحكمة لا يلزم طردها ولكن مثل هذا اعتساف للكلام، وخروج به عن مواضعه فضلاً عن أنه مبني على رواية ضعيفة لا أصل لها.
ولكن من أين أخذ الفقهاء هذه الرواية، وأمرها ما ذكرنا لعلهم أخذوها من الرواية الثالثة من الروايات الأربع التي ذكرنا مؤولين لها التأويل الثاني الذي شرحناه إذ هو موافق لهذه الرواية في المعنى.
هذا وأما الكلام على سند هذا الحديث -بجميع رواياته التي صرح فيها بالخيار ومدته-، وأنه من رواية رجل مدلس-، أو أن هذا الحديث خاص بذلك الرجل الذي قيل في شأنه-، فنرى أن له موضعاً هو به أليق، وهو خيار الغبن.
وأما المعقول: هذا ما يرد على الجمهور من حيث الأحاديث التي أيدوا بها مذهبهم.
وأما المعقول الذي ذكروه لتبرير جواز شرط الخيار -وهو أن الحاجة قد تدعو إليه- فيكفي في دفعه أنه شرط يخالف مقتضى العقد كما يدعون، وما هذا شأنه يجب رده لا اعتباره.
وقياسه على الإجارة لا يصح، لأنه قد ورد النص بجوازها.
فإن قيل وقد ورد النص بجواز شرط الخيار.
قلنا أين هو وقد رأيتم مبلغ ما ذكرتم؟ على أن هذا يطرح المعقول جانباً ويجعل الكلام دائراً حول النصوص فحسب!!! اهـ كلام شيخنا الشيخ مندور.

بمعناها كان كالتَّصْريح بالاشْتراط، وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار، وإن علم البائع دون المشتري، ففيه وجهان عن ابن القَطَّان: أحدهما: لا يثبت لعدم التَّرَاضي.
والثاني 1 يثبت لظاهر قوله:"قُلْ لاَ خِلاَبَةَ، وَلَكَ الْخُيَارُ ثَلاَثاً".
وأما اللفظة المروية في الكتاب، وهي قوله: "وَلِيَ الْخِيَارُ ثَلاتة أَيَّامٍ"، فلا تكاد توجد في كتب الحديث ولا الفقة، نعم في شرح "مختصر الجويني" للموفق بن طاهر "قُلْ: لاَ خِلاَبَةَ وَاشْتَرِطْ الْخِيَارَ ثَلاَثاً"، وهما متقاربان.
إذا عرفت ذلك ففي الفصل ثلاث صور: إحداها: لا يجوز شرط الخِيَار أكثر من ثلاثة أيّام ولو زاد فسد العقد؛ لأن الخيار غرر، فلا يزاد على ما ورد به الخبر.
وقال مالك: تجوز الزيادة بحسب الحاجة حتى لو اشترى ضَيْعَة يحتاج النَّظر فيها إلى شهر فصاعداً يجوز شرطه.
وعن أحمد: تَجْوِيز الزِّيَادة من غير تَحْدِيد، ويجوز شرط ما دون الثَّلاَث بطريق الأَوْلَى، لكن ولو كان المَبِيع مِمَّا يتسارع إليه الفَسَاد فيبطل البيع أو يصح، ويباع عند الإِشْرَاف على الفساد، ويقام ثمنه مقامه.
حكى "يحيى اليمن" عن بعض من لقيه فيه وجهين 2. وقال مالك: إن كان المبيع مِمَّا يعرف حاله بالنَّظَر ساعة أو يوماً لم تَجُزِ الزيادة، ويشترط أن تكون المُدَّة مُتَّصلة بالعقد حتى لو شرطا خيار ثلاثة، فما دونها من آخر الشهر أو متى شاء، أو شرطا خيار الغد دون اليوم فسد العقد؛ لأنه إذا تراخت المدة عن العقد لزم، وإذا لزم لم يعد جائزاً، ولهذا لو شرطا خيار الثلاثة ثم أسقط اليوم الأول، سقط الكل.
الثانية: لا يجوز شرط الخِيَار مطلقاً، ولا تقديره بمدة مجهولة، ويفسد العقد به خلافاً لمالك، حيث قال: يصح، ويحمل على ما تقتضيه العادة فيه، لنا القياس على الأجل.
ولو شرطا الخيار إلى وقت طلوع الشمس من الغد جاز، ولو قالا: إلى طلوعها.

فعن الزبيري: أنه لا يجوز؛ لأن السماء قد تكون متغيّمة فلا تطلع وهذا بعيد، فإن التَّغيم إنما يمنع من الإشراق واتِّصال الشعاع لا من الطلوع، وفي الغروب لا فرق بين أن يقولا: إلى الغروب، أو إلى وقت الغروب بالاتفاق 1. ولو تبايعا نهاراً بشرط الخِيَار إلى اللَّيل أو بالعكس لم يدخل فيه الليل والنهار، كما لو باع شيئاً إلى رمضان لا يدخل رمضان في الأجل.
وقال أبو حنيفة: يدخل اللَّيل والنهار.
الثَّالثة: لو باع عبدين بشرط الخِيَار في أحدهما لا على التعيين فسد العقد، كما لو باع أحدهما لا على التعيين.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يجوز في العبدين والثَّوبين والثَّلاثة، ولا يجوز في الأربعة وما زاد، كما قال في البيع، ولو شرطا الخِيَار في أحدهما على التَّعيين، ففيه قولاً الجمع بين مختلفي الحكم، وكذا لو شرطا في أحدهما خيار يوم، وفي الآخر خيار يومين، فإن صحَّحنا البيع ثبت الخيار فيما شرط، وكما لو شرط فيهما ثم أراد الفسخ في أحدهما، فعلى قولي تفريق الصَّفقة في الرد بالعيب.
ولو اشترى اثنان شيئاً من واحداً صفقة واحدة بشرط الخيار، فلأحدهما الفسخ في نصيبه، كما في الرَّد بالعيب، ولو شرط لأحدهما الخيار دون الآخر، ففي صحة البيع قولان: الأصح: الصحة.
فرع: ابتاع على شرط أنه إن لم ينقده الثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، أو باع على شرط أنه إن رد الثمن في ثلاثة أيام فلا بيع بينهما فهذا شرط فاسد، كما إذا تبايعا على شرط أنه إنْ قدم زيد اليوم فلا بيع بينهما.
وعن أبي إسحاق: أنه يصح العقد، والمذكور في الصورة الأولى شرط الخيار للمشتري، وفي الثانية شرطه للبائع -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ عِنْدَ الاِطْلاَقِ مِنْ وَقْتِ العَقْدِ لاَ مِنْ وَقْتِ التَّفَرُّقِ عَلَى الأَصَحِّ، وَلاَ يتوَقَّفُ الفَسْخُ بِهِ عَلَى حُضُور (ح) الخَصْمِ وَقَضَاءِ القَاضِي (ح).
قال الرافعي: إذا تبايعا بشرط الخِيَار ثلاثة فما دونها، فابتداء المُدَّة مِنْ وَقْت العَقْد أو التفرق فيه وجهان: أصحهما: من وقت العقد، وبه قال ابن الحَدَّاد لأن ثبوته بالشرط، والشرط وجد في العقد.

والثاني: من وقت التَّفرق أوالتَّخاير، ونقل الإمام عمن صار إليه تعليلين: أحدهما: أن الخِيَارين متماثلان، المِثْلان لا يجتمعان.
والثاني: أن الظاهر، أن الشَّارط يبغي بالشَّرط إثبات ما لولا الشرط لما ثبت، وخيار المجلس ثابت وإن لم يوجد الشَّرط فيكون المقصود ما بعده.
ولك أن تقول: أما الأول فليس الخِيَار إلاَّ واحداً، لكن له جهتان: المجلس والشرط، وذلك لا بعد فيه، كما أنه قد يثبت الخِيَارُ بجهة الخلف والعيب معه.
وأما الثَّاني: فتنزيل الشرط على ما ذكره يورث الجَهَالة؛ لأن وقت التَّفرق مجهول.
والوجهان على ما روى الشيخ أبو علي وغيره مطَّردان في الأجل لكن بالترتيب، إن جعلنا الخيار من وقت العقد فالأجل أولى، وإلاَّ فوجهان، والفرق أن الأجل لا يثبت إلاَّ بالشَّرط، فالنظر فيه إلى وقت الشَّرْط، والخيار قد يثبت من غير شرط، فمقصود الشَّرْط إثبات ما لولاه لما ثبت، وأيضاً فإنَّ الأجل وإن شارك الخيار في منع المطالبة بالثَّمن لكنه يخالفه من وجوه، واجتماع المختلفين غير مستنكر.
التفريع: إن قلنا بالأول، فإذا انقضت المدة وهما مصطحبان بعد، انقطع خيار الشَّرْط، وبقي خِيَار المجلس، وإن تَفَرَّقا والمدة باقية فالحكم بالعكس، ولو أسقطا أحد الخِيَارين لم يسقط الآخر، ولو قالا: ألزمنا العقد وأسقطنا الخيار مطلقاً سقطا، ولو شرطا الاحتساب من وقت التفرق بطل الشرط والعقد؛ لأنه مجهول.
وعن رواية صاحب "التقريب" وجه: أنهما صحيحان.
وإن قلنا بالوجه الثاني، فإذا تفرقا انقطع خيار المَجْلس، واستؤنف خِيَار الشَّرط، ولو أسقطا الخيار قبل التفرق بطل خيار المجلس، ولا يبطل الآخر في أصح الوجهين؛ لأنه غير ثابت بعد، ولو شرطا الاحتساب من وقت العَقْدِ فوجهان: أصحهما: صحَّة العقد والشَّرط، وبناهما الإمام على التعليلين السابقين، إن علّلنا باجتماع الخِيَارين بطلا، وإلاَّ صحا؛ لأن التَّصريح بالاحتساب من العقد يبين أنه ما أراد بالشرط ما بعد التفرق، ولو شرط الخيار بعد العقد وقبل التفرق، وقلنا بثبوته فالحكم على الوجه الثاني لا يختلف.
وعلى الأول فالاحتساب من وقت الشرط لا من وقت العقد ولا من وقت التفرق، هذا شرح إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: لمن له خيار الشَّرط من المتعاقدين فسخ العقد حضر صاحبه أو غاب، وبه قال مالك وأحمد.

وقال أبو حنيفة -رحمه الله- ليس له الفَسْخ إلاَّ بحضور صاحبه.
لنا: أنه أحد طرفي الخِيَار فلا يتوقف على حضور المتعاقدين كالإجازة، وأيضاً فإنه إذا لم يفتقر في رفع العَقْد إلى صاحبه، وجب أن لا يفتقر إلى حضوره، كما لو طلق زوجته ولا يفتقر نفوذ هذا الفَسْخ إلى الحاكم، لأنه فسخ متفق على ثبوته بخلاف الفسخ بالعُنَّة فإنه مختلف فيه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيثْبُتُ خِيَارُ الشَّرْطِ في كُلِّ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ مِمَّا هُوَ بَيْعٌ، إِلاَّ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ وَمَا يَسْتَعقِبُ العِتْقَ مِنَ البُيُوعِ.
قال الرافعي: غرض الفصل بيان ما يثبت فيه خيار الشَّرط من العقود وما لا يثبت.
والقول الجملي فيه: أنه مع خيار المجلس يتلازمان في الأغلب لكن خيار المجلس أسرع وأولى ثبوتاً من خيار الشرط؛ لأن زمان المجلس أقصر غالباً فربما انفكَّا لذلك، فإن أردت التَّفْصيل فراجع ما سبق في خيار المجلس.
واعلم: أنهما متقاربان في صور الخلاف والوفاق، إلا أن البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصَّرف وبيع الطعام بالطَّعام، أو القبض في أحد العوضين كالسلم لا يجوز شرط الخِيَار فيها، وإن ثَبَتَ خِيَار المجلس؛ لأن ما يشترط فيه القبض لا يحتمل فيه التَّأجيل، والخيار أعظم غَرَراً من الأجل؛ لأنه مانع من الملك أو من لزومه فهو أولى بأن لا يحتمل، وأيضاً فالمقصود من اعتبار القَبْض أن يتفرقا، ولا علقة بينهما تحرزاً من الرِّبا أو من بيع الكَالِئ بالكَالِئ ولو أثبتنا الخيار لبقيت العَلَقة بينهما بعد التَّفرق، إلاَّ أن خيار الشَّرط لا يثبت في الشّفْعة بلا خلاف، وكذا في الحِوَالة على ما حكاه العراقيون مع نقلهم الخلاف في خيار المجلس.
قال الإمام: ولا أعرف فرقاً بين الخيارين، إلاَّ أن الوجه الغريب المذكور في خيار المجلس للبائع من المفلس لم يطرد هاهنا، إلاَّ أن في الهِبَة بشرط الثَّوَاب طريقة عن القاضي أبي الطَّيب قاطعة بنفي خِيَار الشرط، وإلاّ أن في الإجارة أيضاً طريقة مثل ذلك.
أما في إجارة العين فلما في هذا الخيار من زيادة تعطُّل المنفعة.
وأما في الإجارة على الذمة فبناء على تنزيلها منزلة السّلم، وحكم شرط الخيار مذكور في كتاب الصداق.
وقوله في الكتاب: "وما يستعقب العتق من البيوع"، لا بد من إعلامه بالواو، والقول فيه على ما ذكرنا في خيار المجلس ولم يستثن في لفظ الكتاب بيع الطعام بالطعام ولا بد منه -والله أعلم-.

قال الغزالي: ثُمَّ إِنْ كَانَ الخِيَارُ لِلبَائِعِ وَحْدَهُ فَالمَبِيعُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ لِلمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَالمِلْكُ مُنْتَقلٌ (وح) إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا فَثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) أنَّهُ مَوْقُوفٌ فَإنِ اسْتَقَر العَقْدُ تَبَيَّنَ زَوَالَ المِلْكِ بِنَفْسِ العَقْدِ، وَإنْ فُسِخَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلِ المِلْكُ وَلَمْ يَتِمَّ السَّبَبُ، وَالكَسْبُ وَالنِّتَاجُ وَالوَطْءُ وَالاسْتِيلاَدُ وَالعِتْقُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الطَّوَارِئِ فُرُوعُ المِلْكِ فَيَنْتَظرُ آخِرُ الأَمْرِ وَمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ آخِراً يُقَدَّرُ وُجُودُهُ أَوَّلاً (و).
قال الرافعي: تقدم على فقه الفصل مقدمة، وهي أن الخيار إما أن يشرط لأحد المتعاقدين أو لكليهما أو لغيرهما، فإن شرط لأحدهما أو لهما فهو جائز.
إما للمشتري، فلحديث حِبان.
وإما للبائع أولهما.
فبالقياس عليه والإجماع، ويجوز أن يشرط لأحدهما خيار يوم، وللآخر خيار يومين أوثلاثة، وإن شرط لغيرهما فذلك الغير إما أجنبي، أو الموكل الذي وقع العقد له، فإن كان أجنبياً فقولان: أحدهما: أنه يفسد العقد والشَّرط، لأنه خيار يتعلَّق بالعقد، فيختص بالمتعاقدين كخيار العَيْب.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رضي الله عنهم- أنهما صحيحان، لأنه خيار يثبت بالشرط للحاجة، وقد تدعو الحاجة إلى شرطه للأجنبي لكونه أعرف بحال المعقود عليه، ويجري القولان في بيع العبد بشرط الخيار للعبد، ولا فرق على القولين بين أن يشرطا أو أحدهما الخيار لشخص واحد، وبين أن يشترط هذا الخيار لواحد، وهذا للآخر.
وإذا قلنا: بالأصح، ففي ثبوت الخيار لمن شرط أيضاً قولان أو وجهان: أصحهما، وهو ظاهر نصه في الصرف: أنه لا يثبت اقتصاراً على الشرط، كما إذا شرط لأحدهما لا يثبت للآخر.
والثاني: يثبت، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وعللوه بمعنيين: أحدهما: أن شرط الخيار للأجنبي يشعر باستيفاء الشَّارط الخيرة لنفسه لطريق الأولى.
والثاني: أنه يستحيل ثبوت الخيار لغير المتعاقدين لا على سبيل النيابة، وخرج الإمام عليهما ما لو شرطا الخيار للأجنبي دونهما، فعلى المعنى الأول يختص بالأجنبي، وعلى الثاني لا يختص ويفسد الشرط، فإن لم يثبت الخيار للعاقد مع الأجنبي، فمات الأجنبي في زمان الخيار، ثبت الآن له في أصَحِّ الوَجْهَيْن [كذا] قاله في "التهذيب".
فإن أثبتا الخيار للعاقد مع الأجنبي، فلكل واحد منهما الاستقلال بالفسخ، ولو

فسخ أحدهما وأجاز الآخر فالفسخ أولى، ولو اشترى شيئاً على أن يؤامر فلاناً، فيأتي بما يآمره به من الفسخ والإجازة، فالمنقول عن نَصِّه في "الإملاء" على مسائل مالك: أنه يجوز وليس له الرد حتى يقول: استأمرته فأمرني بالفسخ 1، وتكلموا فيه من وجهين: أحدهما: أنه وإذا شرط أن يقول: استأمرته؟ قال الدين خصُّوا الخيار المشروط للأجنبي به: هذا جواب على المذهب على الذي قلناه ومؤيد له.
وقال الآخرون: إنه مذكور احتياطاً.
والثاني: أنه أطلق في التصوير شرط المؤامرة، فهل يحتمل ذلك؟ الصحيح: أنه لا يحتمل، واللفظ محمول على ما إذا قيد المؤامرة بالثَّلاث فما دونها.
وقيل: يحتمل الإطلاق والزيادة على الثلاث كما في خيار الرؤية.
وأما إذا كان ذلك الغير هو الموكل ثبت الخيار للموكل دونه.
واعلم: أن الوكيل بالبيع والشراء له شرط الخِيَار للموكل في أظهر الوجهين؛ لأن ذلك لا يضره وطرد الشيخ أبو علي الوجهين في شرط الخِيَار لنفسه أيضاً، وليس للوكيل بالبيع شرط الخيار للمشتري، ولا للوكيل بالشِّراء شرط الخيار للبائع، فإن خالف بطل العقد، وإذا شرط الخِيَار لنفسه وجوزناه أو أذن فيه صريحاً ثبت له الخيار، ولا يفعل إلاَّ ما فيه الحظ للموكل؛ لأنه مؤتمن بخلاف الأجنبي المشروط له الخيار لا يلزمه رعاية الحَظّ هكذا ذكروه، وَلنَاظِرٍ أن يجعل الخيار له ائتماناً، وهو أظهر إذا جعلناه نائباً عن العاقد، ثم هل يثبت الخيار للموكل معه في هذه الصورة؟ فيه الخلاف المذكور فيما إذا شرط للأجنبي، هل يثبت للعاقد؟ وحكى الإمام فيما إذا أطلق الوكيل شرط الخيار بالإذن المطلق من الموكل ثلاثة أوجه: أن الخيار يثبت للوكيل، أو للموكل، أَوْ لَهُما 2.

إذا قررت المقدمة فللشافعي -رضي الله عنه- ثلاثة أقوال في أن الملك في البيع في زمان الخيار لمن هو؟ أحدها وبه قال أحمد: أنه للمشتري؛ لأن البيع قد تَمَّ بالإيجاب والقبول، فثبوت الخِيَار فيه لا يمنع الملك كخِيَار العيب، وعلى هذا فالملك في الثَّمَن للبائع.
والثاني وبه قال مالك: أنه باق للبائع لنفوذ تصرفاته، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا".
وعلى هذا فالملك في الثمن للمشتري.
والثَّالث: أنه موقوف فَإِنْ تم البيع، بَانَ حصول الملك للمشتري من وقت البيع، وإلا بَانَ أن ملك البائع لم يزل وكذا يتوقف في الثمن، ووجهه: أن البَيْع سبب الزوال، إلاَّ أن شرط الخِيَار يشعر بأنه لم يرض بعد بالزَّوَال جزماً، فوجب أن يتربَّص وينتظر عاقبة الأمر، وفي موضع الأقوال طرق: أحدها: أن الخلاف فيما إذا كان الخِيَار لهما، إما بالشرط أو في خيار المجلس.
أما إذا كان لأحدهما فهو المالك للمبيع لنفوذ تصرّفه فيه.
ويحكى هذا عن صاحب "التقريب"، وهو قريب مما أورده في الكتاب.
والثاني: أنه لا خلاف في المسألة، ولكن إن كان الخيار للبائع فالملك له، وإن كان للمشتري فهو له، وإن كان لهما فهو موقوف، وتنزل الأقوال على هذه الأحوال وهو اختيار القاضي الرُّوياني في "الحلية".
والثالث: طرد الأقوال في الأحوال، وهو أظهر عند عامة الأصحاب منهم العراقيون والحَلِيمِيّ، وإذا جرت الأقوال فما الأظهر منها؟ قال الشيخ أبو حامد ومن نَحَا نَحْوَه: الأظهر أن الملك للمشتري، وبه قال الإمام.
وقال الآخرون: الأظهر: الوقف، وبه قال صاحب "التهذيب"، والأشبه: توسط ذكره جماعة، وهو: أنه إنْ كان الخيار للبائع، فالأظهر: بقاء الملك له، وإن كان للمشتري فالأظهر: انتقاله إليه، وإن كان لهما فالأَظْهَر: الوقف، وعلى هذا تَتَفَاوَتَ الأَحْوال من الأقوال، لا في تخصيص الخلاف ببعضها.
وقال أَبو حنيفة: إن كان الخِيَار لهما أو للبائع فالملك للبائع، وإن كان للمشتري زال ملك البائع، ولم يحصل لِلْمُشْتري.
التفريع لهذه الأقوال فروع كثيرة الانْشعاب: منها ما يورد في سائر الأبواب، ومنها ما يختص بهذا الموضع، وصاحب الكتاب

أشار إلى بعض صور: منها: كسب العبد والجارية المبيعين في زمان الخيار، فإن تم المبيع بينهما فهو للمشتري، إن قلنا: الملك له أو موقوف.
فإن قلنا: الملك للبائع، فوجهان قال الجمهور: الكَسْب له؛ لأنه للمالك حين حصوله.
وعن أبي علي الطبري: أنه للمشتري؛ لأن سبب مِلْكه موجود أولاً، وقد استقر عليه آخراً فيكتفي به، وإن فسخ البيع فهو للبائع، إن قلنا: الملك للبائع أو موقوف.
لأن قلنا: للمشتري، فوجهان: أصحهما: أنه له، وعن أبي إسحاق: أنه للبائع نظراً إلى المال، وبنى صاحب "التتمة" الوجهين على أن الفسخ رفع للعقد من حينه، أو من أصله.
إن قلنا بالأول فهو للمشتري.
وإن قلنا بالثاني فللبائع، وفي معنى الكسب اللّبن والبيض والثمرة ومَهْر الجارية إذا وطئت بالشُّبْهِة.
ومنها: النِّتاج، فإن فرض حدوث الولد وانفصاله، في زمان الخيار لامتداد " المجلس فهو كالكسب، وإن أو كانت البهيمة أو الجارية حاملاً عند البيع، وولدت في زمان الخيار، فيبنى على أن الحمل هل يأخذ قسطاً من الثمن؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن الحَمْل كالجزء منها، فأشبه سائر الأعضاء، فعلى هذا.
هو كالكسب وبلا فرق.
وأصحهما: نعم، كما لو بيع بعد الانفصال مع الأم، فعلى هذا الحمل مع الأم كعينين تباعان معاً، فإن فسخ البيع فهما للبائع، وإلاَّ فللمشتري.
ومنها: العتق، وهو مؤخر في لفظ الكتاب لكن تقديمه أليق بالشرح.
فنقول: إذا كان المبيع رقيقاً فأعتقه البائع، في زمان الخيار المشروط لهما أو للبائع نفذ إعتاقه على كل حال، أما إذا كان المِلْك له فظاهر، وأما على غير هذا القول؛ فلأنه بسبيل من الفَسْخ، والإعتاق يتضمَّن الفَسْخ فينقل المِلك إليه قبيله وإن أعتقه المشتري.
فإن قلنا: الملك للبائع لم ينفذ إن فسخ البيع، وإن تم فكذلك في أصح الوجهين.
والثاني: ينفذ اعتباراً بالمال.
وإن قلنا بالوقف، فالعتق موقوف أيضاً، إن تم العقد بَانَ وإلاَّ فلا.
وإن قلنا: إن الملك للمشتري، ففي نفوذ العِتْق وجهان: أصحهما: وهو ظاهر النص: أنه لا ينفذ، صيانة لحق البائع عن الإبطال.
وعن ابن سُرَيْجٍ: أنه ينفذ لمصادفته الملك.
ثم اختلفوا فمن مطلق نقل النفوذ عنه، ومن فارق بين أن يكون موسراً فينفذ وبين أن يكون معسراً فلا ينفذ، كما في الرهن.

فإن قلنا: لا ينفذ، فاختار البائع الإجازة، ففي الحكم بنفوذه الآن وجهان: إن قلنا: ينفذ فمن وقت الإجازة أو الإعتاق وجهان: أظهرهما: أولهما.
وإن قلنا بوجه ابن سريج ففي بطلان خيار البائع وجهان: أحدهما: يبطل، وليس له إلاَّ الثمن.
وأظهرهما: لا يبطل، ولكن لا يرد العِتْق بل وإذا فسخ أخذ قيمة العبد كما في نظيره من الرَّدِّ بالعيب، هذا إذا كان الخِيَار لهما أو للبائع، أمّا إذا كان الخيار للمشتري نفذ إعتاقه على جَمِيعِ الأقوال؛ لأنه إمَّا مصادف لِلْملِك أو إجازة، وليس فيه إبطال حق الغير، وإن أعتقه البائع.
فإن قلنا: إن المِلْك للمشتري لم ينفذ تم البيع أو فسخ، ويجيء فيما لو فسخ الوجه الناظر إلى المآل.
وإن قلنا بالوقف، لم ينفذ إن تم البيع وإلاَّ نفذ.
وإن قلنا: إنه للبائع، فإن اتفق الفسخ فهو نافذ، وإلاَّ فقد أعتق ملكه الذي تعلق به حق لازم، فهو كإعتاق الراهن.
ومنها: الوطء، فإن كان الخيَار لهما أو للبائع، فالكلام في وَطْء البَائع ثم في وَطْء المشتري، ومنها وطء البائع، ففي حلِّه طرق: أحدها: أنا إنْ جعلنا المِلْك له فهو حلال، وإلاَّ فوجهان: وجه الحل: أنه يتضمن الفسخ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وفي ذلك عود الملك إليه معه أو قبيله.
والثاني: أنا إن لم نجعل الملك له فهو حرام، وإن جعلناه له فوجهان، وجه التحريم ضعف الملك.
والثالث: عن الشيخ أبي محمد: القطع بالحل على الإطلاق، والظاهر من هذا أكله: الحل إن جعلنا الملك له، والتحريم إن لم نجعله له، ولا مهر عليه بحال.
وأما وطء المشتري فهو حرام، أما إن لم يثبت الملك له فظاهر، وأما إنْ أثبتناه فهو ضعيف كملك المكاتب، ولكن لا حَدَّ عليه على الأقوال لوجود الملك أو لشبهه الملك، وهل يلزمه المهر إن تم البيع بينهما؟ فلا، إن قلنا: الملك للمشتري أو موقوف.

وإن قلنا: إنه للبائع وجب المهر له.
وعن أبي إسحاق: أنه لا يجب نظراً إلى المآل، وإن فسخ البيع وجب المهر للبائع.
إن قلنا: الملك له أو موقوف.
وإن قلنا: إنه للمشتري، فلا مهر عليه في أصح الوجهين.
ولو أولدها فالولد حُرّ ونسيب على الأقوال، وهل يثبت الاستيلاد؟ إن قلنا: الملك للبائع فلا، ثم إن تَمَّ البيع أو ملكها بعد ذلك، ففي ثبوته حينئذ قولان كالقولين إذا وطئ جَارِية الغير بالشبهة ثم ملكها، وعلى الوجه الناظر إلى المال إذا تم البيع نفذ الاسْتِيْلاَد بلا خلاف، وعلى قول الوَقْف إن تم البيع بَانَ ثبوت الاستيلاد وإلاَّ فلا، فلو ملكها يوماً عاد القولان: وعلى قولنا: إن الملك للمشتري ففي ثبوت الاستيلاد الخلاف المذكور في العتق، فإن لم يثبت في الحال وتم البيع بَانَ ثبوته.
ثم رتب الأئمة الخِلاَف في الاسْتِيلاد على الخلاف في العِتْق، واختلفوا في كيفيته، فَمَنْ صائر إلى أن الاستيلاد أولى بالثبوت، ومن عاكس لذلك، ووجههما مذكور في الكتاب في "الرّهن".
قال الإمام: ولا يبعد الحكم باستوائهما لتعارض الجهتين، والقول في وجوب قيمة الولد على المشتري كالقول في المهر.
نعم، إن جعلنا الملك للبائع وفرضنا تمام البيع، فللوجه الناظر إلى المآل مأخذ آخر، وهو القول بأن الحمل لا يعرف، أما إذا كان الخيار للمشتري وحده، فحكم حل الوطء كما مر في حل الوطء للبائع إذا كان الخيار له أو لهما، وأما البائع فيحرم عليه الوطء هاهنا، ولو وطئ فالقول في وجوب المهر وثبوت الاسْتِيلاد ووجوب القيمة كما ذكرنا في طرق المشتري إذا كان الخيار لهما أو للبائع، هذا شرح الفروع المذكورة في الكتاب وَقَدَاءَها فروع: أحدها: إذا تلف المَبِيع بآفَةٍ سماوية في زمان الخيار، نظر إن كان قبل القبض انفسخ البيع بلا شك، وإن كان بعده وقلنا: الملك للبائع انفسخ أيضاً؛ لأنا نحكم بالانْفِسَاخ عند بقاء يده، فعند بقاء ملكه أولى فيستردّ الثمن ويغرم للبائع القيمة، ويجيء في القيمة المَعْرُوفَة الخلاف المذكور في كيفية غرامة المُسْتَعِير والمُسْتَام.
وإن قلنا إن الملك للمشتري أو موقوف فوجهان أو قولان: أحدهما: أنه ينفسخ أيضاً لحصول الهَلاَك قبل استقرار العَقْد.
وأصحهما: أنه لا ينفسخ لدخوله في ضمان المُشْتري بالقبض، ولا أثر لولاية الفسخ كما في خيار العيب.

وإن قلنا بالانفساخ فعلى المشتري القيمة، قال الإمام: وهاهنا يقطع باعتبار قيمة يوم التلف؛ لأن الملك قبل ذلك للمشتري، وإنما يقدر انتقاله إليه قُبَيل التَّلَف، وإن قلنا: بعده الانفساخ، فهل ينقطع الخيار؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما ينقطع خيار الرد بالعيب بتلف المبيع.
وأصحهما: لا، كما لا يمتنع التَّحَالُف بتلف المبيع ويخالف الرَّد بالعيب؛ لأن الضَّرَر ثم يندفع بالأرْشِ.
فإن قلنا بالأول استقر العَقْد ولزم الثمن.
وإن قلنا بالثاني، فإن تَمَّ العقد لزم الثمن، وإلاَّ وجبت القِيْمَة على المشتري.
واسترد الثمن، فإنْ تنازعا في تعيين القيمة، فالقول قول المشتري، وعن بعض الأصحاب طريقة أخرى في المَسْأَلة وهي، القطع بعدم الانفساخ.
وإن قلنا: إن الملك للبائع وذكروا تفريعاً عليه، أنه لو لم ينفسخ حتى انقضى زمان الخيار، فعلى البائع رد الثمن، وعلى المشتري القيمة؛ لأن المبيع تلف على ملك البائع، فلا يبقى الثمن على ملكه.
قال الإمام: وهذا الخليط ظاهر.
الثاني: لو قبض المشتري المبيع في زمان الخِيَار، وأْتلفه متلف قبل انقضائه إن قلنا: إنَّ الملك للبائع، انفسخ البيع كما في صورة التَّلف؛ لأن نقل الملك بعد الهَلاَك لا يمكن.
فإن قلنا: إنه للمشتري أو موقوف نظر إن أتلفه أجنبي فيبنى على أن لو تلف.
إنْ قلنا: ينفسخ العقد ثم، فهذا كإتلاف الأجنبي المَبِيع قبل القبض، وسيأتي حكمه -إن شاء الله تعالى- وإن قلنا: لا ينفسخ، وهو الأصح فكذلك هاهنا، وعلى الأجنبي القيمة والخِيَار بحاله، فإن تَمَّ البيع فهي لِلْمُشْتَري إلاَّ فللبائع، ولو أَتْلفه المشتري استقر الثمن عليه، فإن أتلفه في يد البَائِعِ وجعلنا إتلافه قبضاً، فهو كَمَا لَوْ تلف في يده، وإن أتلفه البائع في يد المشتري.
ففي "التتمة": يبنى على أن إتلافه كإتلاف الأجنبي أو كالتلف بآفة سماوية، وستعرف الخلاف فيه.
والثالث: لو تلف بعض المبيع في زمان الخِيَار بعد القبض، كما لو اشترى عبدين فمات أحدهما، ففي الانفساخ فيما تلف الخِلاَف السَّابق إن انفسخ جاء في الانفساخ في الباقي قَوْلاً تفريق الصفقة، وإن لم ينفسخ بقي خياره في الباقي إن قلنا: بجواز ردّ أحد العبدين، إذا اشتراهما بشرط الخيار، وإلاَّ ففي بقاء الخِيار في الباقي الوجهان، وإذا بقي الخيار فيه وفسخ رَدَّه مع قيمة الهالك.

فرع: إذَا قبض المبيع في زمان الخِيَار ثم أودعه عند البائع فتلف في يده، كَمَا لَوْ تلف في يد الَمشتري حتى إذا فرعنا على أن الملك للبائع ينفسخ البيع، ويسترد المشتري الثمن ويغرم القيمة، حكاه الإمام عن الصيدلاني؛ ثم أبدى في وجوب القيمة احتمالاً لحصول التلف بعد العود إلى يد المالك.
واعلم: أنه لا يجب على البائع تسليم المبيع، ولا على المشتري تسليم الثمن في زمان الخيار، ولو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره، ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده، وله استرداد المدفوع وقيل ليس لَهُ اسْترداده، وله أخذ ما عند صاحبه دون رضاه، كما لو كان التسليم بعد لزوم المبيع.
الرابع: لو اشترى زوجته بشرط الخِيَار ثم خاطبها بالطَّلاق في زمان الخيار؛ فإن تم العقد بينهما وقلنا: إن الملك للمشتري أو موقوف لم يقع الطلاق، وإن قلنا: إنه للبائع وقع.
وإن فسخ وقلنا: إنه للبائع أو موقوف وقع.
وإن قلنا: للمشترى فوجهان 1 عن رواية الصَّيْمَرِي، وليس له الوَطْء في زمان الخِيَار، لأنه لا يدري أَيَطَأُ بالملك أو بالزوجية؟ هكذا حكى عن نصه، وفيه وجه آخر.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب.
فقوله: "فالمبيع باق على ملكه معلَّم بالألف".
وقوله: "على الأصح" يمكن أن يريد به الأصح من الطريقين ويمكن أن يريد به الأصَحّ من الأقوال، وعلى التقدير الثاني يجوز إِعلامه بالواو للطريقة النافية للخلاف.
وقوله: "فالملك منتقل إليه" مُعلّم بالحاء والميم، والواو.
وقوله: "فثلاثة أقوال" بالواو.
وقوله: "موقوف" بالحاء والميم والألف، ووجه ذلك كله ما مر.
وقوله: "فينتظر آخر الأمر... " إلى آخره عبارة أجراها على قول الوقف، ومعناها أن ما يستقر عليه العقد آخراً من الفسخ والإمضاء يقدر وجوده في الابتداء، فإن فسخ قدرنا أنه لم يجر بينهما عقداً، وإنْ أمضى قدرناه من الابتداء، هذا ما ينطبق اللفظ عليه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيَحْصُلُ الفَسْخُ بِوَطْءِ البَائِعِ (و) وَبَيْعِهِ وَعِتْقِهِ وَهِبَتِهِ مَعَ القَبْضِ وَإِنْ

كَانَ مِنْ وَلَدِهِ، وَلاَ تَحْصُلُ الإجَازَةُ (و) بسُكُوتِهِ علَى وَطْءِ المُشْتَرِي، وَمَا جَعَلْنَاهُ فَسْخاً مِنَ البَائِعِ فَهُوَ إِجَازَةٌ (و) مِنَ المُشْتَرِي إِنْ وُجِدَ، وَكَذَا الإِجَارَة وَالتَّزْوِيجُ في مَعْنَى البَيْعِ (و) مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالعَرْضُ عَلَى البَيْعِ وَالإِذْنُ فِيهِ لاَ يَقْطَعُ خِيَار البَائِعِ.
قال الرافعي: لا يخفى فيما تحصل به الإجازة من الألفاظ، وما لا يحصل به الفسخ، كقول البائع: فسخت البيع، واسترجعت المبيع، ورددت الثمن.
وعن الصيمري: أن قول البائع في زمان الخيار: لا أبيع حتى يزيد في الثمن، وقول المشتري: لا أفعل اختياراً للفسخ، وكذا قول المشتري: لا أشتري حتى تنقص لي من الثمن، وقول البائع: لا أفعل، وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل، وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال، ثم في الفصل صور.
أحدها: إذا كان للبائع خيار فوطئه في زمان الخيار فسخ لإشعاره باختياره الإمساك ويخالف الرَّجْعَة لا تحصل بالوطء؛ لأن الرَّجْعَة لتدارك النِّكاح، وابتداء النكاح لا يحصل بالفعل، فكذا تداركه، والفسخ هاهنا لتدارك مِلْك اليمين، وابتداؤه يحصل تارة بالقول، وأخرى بالفعل، وهو السَّبْي فكذا تَدَارُكه جاز أنْ يحصل بالفعل.
وحكى الإمَامُ عَنْ بَعضِ الخلافيين وجهاً: أن وطء البائع ليس بفسخ تخريجاً من الخلاف في أن الوطء هل يكون تعييناً للمملوكة والمنكوحة عند إبهام العتق والطَّلاَق؟ وروى القاضي ابن كج وجهاً: أنه إنما يكون فسخاً إذا نوى به الفسخ، وعلى المذهب لو قَبَّلَ أو باشر فيما دون الفَرْج بِشَهْوة هل يكون فسخاً؟ فيه وجهان: قال أبو إسحاق: نعم، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب"، وبمثله أجاب في الاستخدام وركوب الدابة.
لكن الأظهر في المذهب: أنهما لا يتضمَّنان الفسخ.
الثانية: إعتاق البَائع إن كان له الخيار فسخ بلا خلاف، وفي بيعه وجهان: أحدهما: ليس بفسخ لأن الأصل بقاء العَقْد فيستصحب إلى أن يوجد الفَسْخ صريحاً وإنما جعلنا العِتْق فسخاً لقوته.
وأصحهما: أنه فسخ؛ لدلاته على ظهور النَّدم، وعلى هذا ففي صِحَّة البيع المأتي به وجهان: أصحهما: صحّته كالعتق.
والثاني: المنع؛ لأن الشيء الواحد لا يحصل به الفسخ.
والعقد جميعاً، كما أن التكبيرة الثانية في الصلاة بنية الشروع يخرج بها من الصلاة فلا يشرع بها في الصلاة، ويجري هذا الخلاف في الإجارة والتزويج وكذا في الرَّهْن والهِبَة إن اتَّصَل بهما القبض، ولا فرق بين أنْ يهب ممن لا يتمكَّن من الرُّجُوع في هبته، وَبَيْنَ أَنْ يهب ممن يتمكن

جارٍ التحميل