لنا أنه بيع مسترد بزوائده المُتَّصلة والمُنْفصِلة فلا يثبت الملك فيه للمشتري، كما لو أشترى بدم أو ميتة.
إذ تَقَرَّرَ ذلك فعلى المُشْتَرِي رَدُّ المقبوض بالبيع الفاسد ومؤنة رده كالمَغْصُوب، ولا يجوز حبسه لاسترداد الثمن، ولا يتقدم به على الغُرَمَاء خلافاً لأبي حنيفة في المسألتين.
وحكى القاضي ابن كَجٍّ مثله وجهاً عن الإصْطَخْري، ونقل القاضي حسين عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- جواز الحبس، والَظاهر الأول، ويلزمه أُجْرة المِثْل للمدة التي كان في يد سواء استوفى المنفعة أو تلفت تحت يده أو بقيت في يده، فعليه أَرْشُ النُّقْصان، وإن تلف فعليه قيمته أكثر ما كانت من يوم القبض إلى يوم التَّلف كالمغصوب؛ لأنه مخاطب كل لحظة من جهة الشرع برده.
وفيه وجه آخر: أنه تعتبر قيمته يوم التَّلَف كالعَارِيَة.
وعن الصَّيْدَلاَنِيّ، وغيره حكاية وجه ثالث: أنه يعتبر قيمته يوم القبض، وقد يعبر عن هذا الخلاف بالأقوال.
وما حدث في يده من الزوائد المُنْفصلة كالولد والثَّمرة، والمُتّصلة كتعلّم الحِرْفة، والسِّمن مضمون عليه كزوائد المغصوب وفيه وجه: أنه لا يضمن الزيادة عند التلف.
ولو أَنْفق على العبد المبيع مدة لم يرجع بها على البائع، إن كان عالماً بفساد البيع، فإن كان جاهلاً فعن الصَّبْعَرِي أنه على وجهين:
ولو كان المبيع جَارِية فَوَطِئَهَا المشتري، فإن كانا جاهلين فلا حَدَّ ويجب المَهْر، وإن كانا عالمين وجب الحَدّ.
وإن اشتراها بميتة أو دم أو خمر أو بشرط فاسد لم يجب لاختلاف العلماء كالوَطْءِ في النِّكَاح بلا ولي ونحوه.
قال الإمام: ويجوز أن يقال: يجب الحد، لأن أبا حنيفة لا يبيح الوطء، وإن كان يثبت الملك بخلاف الوَطْء في النكاح بلا ولي.
وإذا لم يجب الحَدّ يجب المَهْر، ولا عبرة بالإذن الذي يتضمنه التمليك الفاسد، وإن كانت بِكراً وجب مع مهر البِكْر أرْش البكارة.
أما: مَهْر البكر فللاستمتاع بها.
وأما الأَرْش فَلإتْلاف ذلك الجزء.
ولو استولدها فالولد حُرٌّ للشُّبْهَة، وعليه قيمته إن خرج حيّاً باعتبار يوم الوضع، وتستقر القيمة عليه بخلاف ما لو اشترى جارية واستولدها، فخرجت مستحقّة يغرم قيمة
الولد ويرجع على البائع لأنه غره، ثم الجارية لا تصير أم ولد في الحال، فإن ملكها يوماً من الدهر ففيه قولان: وإن دخل على الأم نقض بالحمل، أو الوضع وجب الأرش، وإن خرج الولد ميتاً فلا قيمة، لكن إن سقط بجناية جان وجبت الغرّة على عَاقِلَةِ الجَانِي، وعلى المشتري أقلّ الأمرين من قيمة الولد يوم الولادة والغُرّة، ويطالب به المالك من شاء من الجاني والمشتري، ولو ماتت في الطَّلْق لزمه قيمتها، وكذلك لو وطئ أَمَةَ الغَيْر بالشُّبهة فأحبلها فماتت في الطَّلْق، وهذه الصورة وأخواتها مذكورة في "باب الرَّهْن" في الكتاب، وسنقف على شرحها إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
ولو اشترى شيئاً فاسداً ثم باعه من آخر، فهو كالغاصب يبيع المغصوب، فإن حصل في يد الثاني فعليه رده إلى المالك، فإن تلف في يده نظر إن كانت قيمته في يديهما سواء، أو كانت في الثاني أكثر رجع المالك بالجميع على من شاء منهما، والقرار على الثاني لحصول التلف في يده، وإن كانت القيمة في يد الأول أكثر، فضمان النقصان على الأول، يرجع به على أيهما شاء، والقرار على الثَّاني لحصول التَّلَفِ في يده، وكل نقص حدث في يد الأوَّل لا يكون الثَّاني مطالباً به، وكل نقص حدث في يد الثَّاني يكون الأول مطالباً به ويرجع على الثاني، وكذلك حكم أُجْرة المِثْل والله أعلم هنا.
قال الغزالي: وَلاَ يَنْقَلِبُ العَقْدُ صَحِيحاً، بِخِلاَفِ الشَّرْطِ وإنْ كَانَ فِي المَجْلِسِ (ح)، وَلاَ يَصِحُّ شَرْطُ أَجَلٍ (ح) وَخِيَارٍ وَزِيَادةِ ثَمَنٍ (ح) وَمثَمَّنٍ بَعْدَ لُزُومِ العَقْدِ، وَالأقْيَسُ مَنْعُهُ أَيْضاً في حَالَةِ الجَوَازِ.
قال الرافعي: هذه البقية تشتمل على مسألتين:
إحداهما: لو فسد البَيْع بشرط فاسد ثم حذفا الشرط لم ينقلب العقد صحيحاً، سواء كان الحَذْف في المجلس أو بعده.
وعن أبي حنيفة أنه إن كان الحَذْف في المجلس انعقد صحيحاً، ولنا مثله وجه نذكره بما فيه في "كتاب السّلم" -إن شاء الله تعالى-.
واحتج الأصحاب بأن العَقْد الفاسد لا عبرة به، فلا يكون لمجلسه حكم بخلاف العقد الصحيح.
الثانية: لو زاد في الثَّمن أو المثمن، أو زاد شرط الخيار أو الأجل، أو قدرهما نظر إن كان ذلك بعد لزوم العقد لم يلتحق بالعقد؛ لأن زيادة الثَّمن لو التحقت بالعقد، لوجبت على الشَّفيع كأصل الثَّمن ولا يجب، وكذا الحكم عندنا في رأس المَال السلم والمسلم فيه والصَّداق وغيرها، وكذا الحَطُّ عندنا لا يلتحق بالعَقْد، حتى يأخذ الشفيع
بما سمى في العقد لا بما بقي بعد الحَطْ.
وعند أبي حنيفة: الزيادة في المثمّن والصَّدَاق ورأس المال السّلم تلزم، وكذا في الثَّمن إن كان باقياً، وإن كان تالفاً فله مع أصحابه اختلاف فيه، ولا يثبت في المسلم فيه على المشهور، وشرط الأجل يلتحق بالعَقْد في الثمن والأجرة والصداق وسائر الأعواض، قال: وأما الحطُّ فإن الحط نقص يلتحق بالعقد دون حَطِّ الكل.
وإن كانت هذه الإِلْحَاقات قبل لزوم العقد، فإن كانت في مجلس العقد أوْ فِي زمان الخيار المشروط ففيه أوجه:
أحدها: أنها لا تلتحق لتمام العقد كما بعد اللّزوم، وهذا أقيس عند صاحب الكتاب، وفي "التتمة" أنه الصحيح.
والثاني عن أبي زيد والقَفَّال: أنها تلتحق في خيار المجلس دون خيار الشَّرْط؛ لأن مجلس العقد كنفس العقد، ألا ترى أنه يصلح لتعيين رأس مال السلم والعوض في عقد الصرف بخلاف زمان الخيار المشروط؟
وأصحهما عند الأكثرين: أنها تلتحق إمَّا في مجلس العقد فلما ذكرنا، وإمَّا في زمان الخيار المشروط فلأنه في معناه من حيث إن العقد غير مستقر بعد، والزيادة قد يحتاج إليها لتقرير العَقْد، فإن زيادة العوض من أحدهما، تدعو الآخر إلى إمضاء العقد، ويؤيد هذا الوجه أن الشافعي -رضي الله عنه- نص في كتاب "السلم"؛ أنه لو أطلق السلم ثم ذكر الأجل قبل التَّفريق صح ولزم، ثم هذا الجواب مطلق أم هو مخصوص ببعض الأقوال في الملك في زمن الخيار؟
اختار العراقيون أنه مطلق، وحكوا عن أبي علي الطَّبَرِي أنه مفرع على قولنا: إن الملك في زمان الخِيَار للبائع.
فأما إذا قلنا: إنه للمشتري، أو قلنا: إنه موقوف وأمضينا العقد لم يلتحق بما بعد اللزوم.
وإن قلنا: إنه موقوف واتفق الفسخ فَلْيَلْتَحِقْ ويرتفع بارتفاع العقد، وهذا ما اختاره الشَّيْخ أبو علي، ووجهه بأنَّا إذا قلنا: إن الملك للمشتري فالزيادة في الثمن لا يقابلها شيء من المثمن، وكذا الأجل والخيار لا يقابلهما شيء من العوض، وحينئذ يمتنع الحكم بلزومهما وهو تابعه صاحب "التهذيب" وغيره على ما اختاره.
وإذا قلنا: إنها تلتحق، فالزيادة تجب على الشَّفيع كما تجب على المشتري، وفي الحطِّ قبل اللزوم مثل هذا الخلاف، فإن التحق بالعقد انحطَّ عن الشفيع أيضاً، وعلى هذا الوجه ما يلتحق بالعقد من الشروط الفاسدة قبل انقضاء الخيار بمثابة ما لو اقترنت
بالعقد في إفساده، وإن حطّ جميع الثمن كان كما لو باع بلا ثمن -والله أعلم-.
قال الغزالي: القِسْمُ الثَّانِي مِنَ المَنَاهِي مَا لاَ يدُلُّ عَلَى الفَسَادِ وَهُوَ كُلُّ مَا نُهِيَ عَنْهُ لِمجَاوَرَةِ ضَرَرِ إيَّاهُ دُونَ خَلَلِ فِي نَفْسه، وَمِنْهُ النَّهْيُ عَنِ الاحْتِكَارِ، 1 وَالتَّسْعِيرِ.
قال الرافعي: أما ترجمة القسم فقد مرَّ ما فيها في أول الباب.
وأما: فِقْهُ الفَصْل فمسألتان:
إحداهما: الاحتكار مَنْهِيٌّ عنه ثم هو مكروه أو محرَّم.
قال بعض الأصحاب: إنه مكروه.
والأصح: التحريم؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطئٌ" 2 أَيْ: آثِمٌ.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الجَالِبُ مَرْزَوقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ" 3.
وروي أيضاً "مَنِ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللهِ وَبَرِئَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ" 4. والاحتكار: أن يشتري ذو الثروة الطعام في وقت الغلاء، ولا يدعه للضُّعَفاء ويحبسه ليبيعه منهم بأكثر عند اشْتِدَاد حاجاتهم.
ولا بَأْس بالشِّرَاء في وقت الرُّخص ليبيع في وقت الغلاء ولا أن يشتري في وقت الغلاء لنفقة نفسه وعياله، ثم لو فضل شيء فيبيعه في وقت الغلاء، ولا بأن يمسك غَلَّة ضَيْعَته ليبيع في وقت الغلاء، ولكن الأولى أن يبيع ما فضل عن كفايته، وهل يكون إمساكه مكروهاً؟ ذكروا فيه وجهين، وتحريم الاحتكار يختص بالأَقْوات، ومنها التَّمر والزَّبيب ولا يعم جميع الأطعمة.
الثانية: لا ينبغي للإمام أن يُسَعِّر "رُوِيَ أَنَّ السِّعْرَ غَلاَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ: سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ المُسَعِّرُ الْقَابضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ ألْقَى رَبِّي، وَلَيْسَ أحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلمَةٍ بدَمٍ وَلاَ مَالٍ".
وهل يجوز ذلك؟ إنْ كان في وقت الرُّخص فلا، وإن كان في وقت الغلاء فوجهان؟
أحدهما، وبه قال مالك: يجوز رِفْقاً بالضُّعفاء.
وأصحهما: أنه لا يجوز تَمْكيناً للنَّاس من التَّصرف في أموالهم؛ ولأنهم قد يمتنعون بسبب ذلك عن البيع فيشتد الأمر.
وعن أبي إسحاق: أنه لو كان يجلب الطَّعَام إلى البَلَدِ فالتَّسعير حرام، وإن كان يزرع بها وهو عند الغلاء فيها فلا يحرم.
وحيث جوزنا التَّسْعير فذلك في الأَطْعمة، ويلتحق بها عَلَف الدَّوَاب في أظهر القولين.
وإذا سَعَّر الإمام عليه فخالف استحق التَّعْزِير، وفي صحة البيع وجهان منقولان في "التتمة".
قال الغزالي: وإنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهُوَ أَنْ يَتَرَبَّصَ بِسِلْعَتِهِ اِلَي أَنْ يُغَالَي في ثَمَنِهَا فَيَفُوتَ الرِّزقُ وَالرِّبْحُ عَلَى النَّاسِ.
قال الرافعي: عن جابر وأبي هريرة -رضي الله عنهما- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَبعِ حاضِرٌ لِبَادٍ" 1.
وصورته: أن يحمل البَدَوِي 2 أو القُرَوِيّ متاعه إلى البلد، ويريد بيعه بسعر اليوم ليرجع إلى موضعه، ولا يلتزم مُؤْنَة الإقامة، فيأتيه البلدي ويقول: ضع متاعك عندي وارجع لأبيعه لك على التَّدريج بأغلى من هذا السعر.
وهو مأثوم به بشروط:
أحدها: أن يكون عالماً بورود النَّهْي فيه، وهذا شرط يعم جميع المَنَاهي.
وثانيها: أن يظهر من ذلك المتاع سعة في البلد، فإن لم يظهر إما لكبر البلد وقلة ذلك الطعام، أو لعموم وجوده أو رخص السعر فيه، ففيه وجهان:
أوفقهما لمطلق الخبر: أنه يحرم.
والثَّاني: لا؛ لأن المَعْنَى المُحَرَّم تفويت الرّفق والرِّبْح على النَّاس، وهذا المعنى لم يوجد هاهنا.
وثالثها: أن يكون المَتَاع المَجْلُوب مما تعمّ الحاجة إليه كالقُوت والأَقِط وسائر أطعمة القُرئ.
فأما ما لا يحتاج إليه إلا نادراً فلا يدخل تحت النهي، قاله في "التهذيب".
ورابعها: أن يعرض الحَضَرِي ذلك على البَدَوِي ويدعوه إليه.
فأما إذا الْتَمس البدوي منه بيعه تدريجاً، أو قصد الإقامة في البلد ليبيعه كذلك، فسأل البدوي تفويضه إليه فلا بأس به؛ لأنه لم يضر بالناس، ولاسبيل إلى مَنْعِ المالك عنه، لما فيه من الإضرار به.
ولو أن البَدَوِي اسْتَشَار الحَضَري فيما فيه حظه، فهل يرشده إلى الادِّخار والبيع على التدريج؟
حكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الطيب بن سلمة، وأبي إسحاق المَرُوزِيّ: أنه يجب عليه إرشاده إليه بذلاً للنصيحة.
وعن أبي حَفْص بْنِ الوَكِيل: أنه لا يرشده إليه توسيعاً على الناس.
ثم لو باع الحَضَرِي لِلْبَدَوِي عند اجتماع شرائط التحريم صح البيع وإن أثم، واحتج الشَّافعي -رضي الله عنه- بما روي في بعض الروايات أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في آخر الخبر: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ عزَّ وَجَلَّ بَعْضُهْمْ مِنْ بَعْضٍ".
ولولا صحة البيع، لما كان في فعله تفويت على الناس.
قال الغزالي: وإنْ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ وَيَكْذِبَ في سِعْرِ سِلْعَتِهِمْ فَيَشْتَرِيَهَا رَخِيصاً فَلِلْبَائِعِ الخِيَارُ إِذَا عَرَفَ كَذِبَهُ؛ لأَنَّهُ تَغرِيرٌ.
قال الرافعي: روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ"، وفي رواية "فَمَنْ تَلَقَّاهَا فَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ بَعْدَ أَنْ يَقْدُمَ السُّوقَ" 1.
وصورته أن يتلقى الإنسان طائفة 1 يحملون متاعاً إلى البلد فيشتريه منهم قبل قدوم البلد ومعرفة سعره، فيأثم إن كان عارفاً بالخبر قاصداً لتلقي الرُّكْبَان، لكن البيع صحيح، ولا خيار لهم قبل أن يقدموا ويعرفوا السِّعْر، وبعده يثبت الخِيَار إن كان الشِّرَاء بأرخص من سعر البلد، سواء أخبر كاذباً أو لم يخبر، وإن كان الشِّرَاء بسعر البلد، أو أكثر ففي ثبوت الخِيَار وجهان:
أحدهما: يثبت وبه قال الإصْطَخري وابن الوَكِيل لظاهر الخبر.
وأصحهما: لا يثبت؛ لأنه لم يوجد تَغْرِيرٌ وَخِيَانَة، وأجرى الوجهان فيما إذا ابتدأ الباعة والتمسوا منه الشراء عن علم منهم بسعر البلد أو غير علم.
ولو لم يقصد التَّلقي، بل خرج لشغل آخر من اصْطياد وغيره، فرآهم مقبلين فاشترى منهم شيئاً، فهل يعصى؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يَتَلَقَّ.
وأظهرهما عند الأكثرين: نعم لشمول المعنى فعلى الأول لا خيار لهم وإن كانوا مَغْبُونِين.
وقيل: إن أخبر عن السِّعر كاذباً ثبت الخيار، وحيث ثَبَتَ الخِيَار في هذه الصورة، فهو على الفور كخيار العيب أو يمتد ثلاثة أيام، فيه وجهان كما في خيار التَّصْرِية.
أصحهما: أولهما.
ولو تلقى الرُّكْبَان، وباع منهم ما يقصدون شراءه في البلد، فهل هو كالتّلقي للشراء؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن النَّهي إِنَّما ورد عن الشِّرَاء.
والثَّاني: نعم؛ لما فيه من الاسْتِبْداد بالرِّفق الحاصل منهم.
وعن مالك: أن البَيْع باطل في صورة تَلَقِّي الرُّكبان، وكذلك بيع الحَاضر للبادي.
فيجوز أنْ يعلّم الفصلان بالميم إشارة إليه، وبمثله قال أحمد في بيع الحاضر للبادي.
وإذا تأملت ما أوردناه عرفت أن قوله في الكتاب: "ويكذب في سعر سلعتهم" ليس بشرط في ثبوت الخيار.
-والله أعلم-.
قال الغزالي: وَنَهيٌ عَنِ السَّوْمِ عَلَى السَّوْمِ، وَهُوَ بَعْدَ قَرَارِ الثَّمَنِ وَقَبْلَ العَقْدِ، وَنَهْيٌ
عَنِ البَيْعِ عَلَى البَيْعِ، وَهُوَ بَعْدَ العَقْدِ وَقَبْلَ اللُّزوُمِ، وَنَهْيٌ عَنِ النَّجَشِ، وَهُوَ أَنْ يَرْفَع قِيمَةَ السِّلْعَةِ وَهُوَ غَيْرُ رَاغِبٍ فِيهَا لِيَخْدَع المُشْتَرِيَ بالتَّرْغِيبِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل الكلام في ثلاثة من المَنَاهي في البيع:
أحدها: روي عن ابْن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهم- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَسُومُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" 1.
وصورته: أن يأخذ شيئاً ليشتريه، فيجيء غيره إليه ويقول: ردَّه حتى أبيع منك خيراً منه بأرخص، أو يقول لمالكه: استرده لأشتريه منك بأكثر، وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن.
فأما ما يطاف به فيمن يزيد وطلبه طالب، فلغيره الدخول عليه والزيادة في الثمن.
روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَادَى عَلَى قَدَحٍ، وَجَلَسَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: هُمَا عَلَيَّ بِدِرْهَم، ثُمَّ قَالَ آخَرُهُمَا عَلَيَّ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَالَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "هُمَا لَكَ بِدِرْهَمَيْنِ" 2.
وإنما يحرم إذا حصل التَّرَاضي صريحاً، فإن جرى ما يدل على الرِّضَا، ففي تحريم السَّوْم على سَوْم الغَيْرِ وجهان كالقولين في تحريم الخِطْبة في نظيره.
والجديد: أنه لا يحرم.
وهل السكوت من أدلة الرِّضا إذا لم يقترن به ما يشعر بالإنكار.
فأما في الخطبة فنعم.
وأما هاهنا قال الأكثرون: لا.
بل هو كالتَّصريح بالرد، وعن بعضهم: أنه كما في الخِطْبة حتى يخرج علي الخلاف.
وثانيها: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يَبعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ" 3.
وصورته: أن يشتري الرجل شيئاً، فيدعوه غيره إلى الفَسْخ ليبيعه خيراً منه
بأرخص، وفي معناه الشراء على الشراء، وهو أن يدعو البائع إلى الفسخ ليشتريه منه بأكثر.
ولا شك أن ذلك إنَّمَا يكون عند إمكان الفسخ.
ثم الشافعي -رضي الله عنه- صوره فيما إذا كان المُتَبَايعان في مجلس العقد بعد، وعليه جرى كثير من الشارحين، ونقلوا عن أبي حنيفة أن المراد من البيع على البيع هو السَّوْم؛ لأن عنده خيار المجلس لا يثبت، فلا يتصور البيع على البيع.
وقال قائلون: مُدَّة الخِيَار المشروط كزمان المجلس، وهذا هو الوجه.
وقوله في الكتاب: "وقيل: اللزوم" يبطل الخيارين جميعاً.
وشرط القاضي ابن كَجٍّ لتحريم البيع على البيع شرطاً، وهو أن لا يكون المشتري مَغْبُوناً غبناً مفرطاً، فإن كان فله أن يعرفه ويبيع على بيعه، لأنه ضرب من النَّصيحة.
قالوا: ولو أَذِنَ البائع في البيع على بيعه، ارتفع التحريم خلافاً لبعض الأصحاب.
وثالثها: عن ابن عمر "أَنْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ النَّجَشِ" 1.
وصورته: أن يزيد في ثمن السِّلْعة المعروضة للبيع وهو غير راغب فيها ليخدع الناس ويرغبهم فيها فهو محرم؛ لما فيه من الخديعة، لكن لو انخدع إنسان واشتراها صح العقد، ولا خيار له إن لم يكن ما فعله النَّاجش عن مُوَاطَاَة البائع، وإن كان عن مواطأته فوجهان:
أحدهما، وبه قال أبو إسحاق: أنه يثبت الخيار لِلتَّدْلِيس كما في التَّصْرَية.
وأشبههما عند الأئمة، وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا خيار؛ لأن التفريط من جهته حيث اغتَرَّ بقوله ولم يحتط بالبحث عن ثقات أهل الخبرة، وتخالف سورة التَّصرية إذ لا تفريط من المشتري.
وقد حكى صاحب الكتاب هذين الوجهين في فصول خيار النَّقيصة، وجعل وجه ثبوت الخيار أقيس.
ولو قال البائع: أعطيْتُ بهذه السِّلْعة كذا، فصدّقه المشتري واشتراه ثم بَانَ خلافه، فإن ابن الصَّبَّاغ خَرَّج ثبوت الخيار له على هذين الوجهين.
وعن مالك: أن شراء المُنْخَدع في صورة النَّجَش غير صحيح، وهو رواية عن أحمد ضعيفة.
واعلم: أن الشافعي -رضي الله عنه- أطلق القول في "المختصر" بَتَعْصِية
الناجش، وشرط في تَعْصية من باع على بيع أخيه أن يكون عالماً بالحديث الوارد فيه.
قال الشارحون: السبب فيه أن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أَحَدٍ، ومعلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يكن يعلم هذا الخبر بخصومه، والبيع على بيع الأخ إنما عرف تحريمه من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه مَنْ لا يعرف الخبر 1.
وذكر بعضهم: أن تحريم الخِدَاع يعرف بالعَقْل وإن لم يرد شَرْع.
ولك أن تقول: كما أن النَّجَش خديعة فالبيع على بيع الأخ إضرار، وكما أن تحريم النَّجَش يعرف من الأَلفاظ العامة في تحريم الخِدَاع، فكذلك تحريم البَيْع على البَيْع يعرف من الألفاظ العامة في تحريم الإضرار، وإن لم يعلم الخبر الوارد فيه بخصومه.
وأما الكلام الثاني فليس معتقدنا، ومن قال به فقد يَطْرُدُه في الإِضْرار.
والوجه: توقيف المَعْصِية على مطلق معرفة الحُرْمة، إمَّا من عموم أو من خصوص.
قال الغزالي: وَنَهْيٌ أَنْ تُولَهَ وَالدَةٌ بِوَلَدِهَا وَذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ، فَإِنْ فُرِّق بَيْنَهُمَا بِالبَيْعِ فَفِي فَسَادِ الَبيْعِ قَوْلاَنِ، لأَنَّ التَّسْلَيمَ تَفْرِيقٌ مُحَرَّمٌ فَكَأنَّهُ مُتَعَذِّرٌ.
قال الرافعي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ تُولَهُ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا" 2.
وعن أبي أيوب -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَولَدهَا فَرَّقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 3.
وعن عبادة بن الصَّامت -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الأُمِّ وَوَلَدِهَا، قِيلَ إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلاَمُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ" 4.
فهذه الأخبار ونحوها عَرَّفتنا تحريم التفريق بين الجارية وولدها الصغير بالبيع
والقِسْمة والهِبَة وغيرها، ولا يحرم التّفريق في الْعِتق، ولا في الوصية، فلعل الموت يكون بعد انْقضاء زمان التحريم.
وفي الرد بالعيب اختلاف للأصحاب، وعن الشيخ أبي إسحاق الشِّيْرَازِيّ: أنه لو اشترى جَارِيَة وولدها الصغير، ثم تَفَاسخا البيع في أحدهما جاز، وحكم التّفريق في الرهن مذكور في "كتاب الرَّهْن" 1.
وإذا فرق بينهما بالبيع والهِبَة ففي الصحة قولان: أحدهما: يصح، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن النهي لما فيه من الإضرار لا يحلل في نفس البيع.
وأصحهما: المنع؛ لما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه "فَرَّق بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا فَنَهَاهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ ذَلكَ وَرَدَّ الْبَيْعَ 2 ".
ولأن التسليم تفريق محرم فيكون كالمتعذر، لما مر أن العجز قد يكون حِسِّياً وقد يكون شَرْعياً.
وحكى أبو الفرج البَزَّازُ أن القولين فيما إذا كان التفريق بعد سقي الأم ولدها اللّباء، فأما قبله فلا صحة جزماً؛ لأنه تسبب إلى هلاك الولد، إلى متى يَمْتدُّ تحريم التفريق؟ فيه قولان: أحدهما: إلى البلوغ، وبه قال أبو حنيفة لخبر عبادة.
وأظهرهما: وهو الذي نقله المزني: أنه إلى سنِّ التَّمْيِيز، وهو سبع أو ثمان على التَّقريب، لأنه حينئذ يستغنى عن التَّعَهُّد والحَضَانة، ويقرب من هذا مذهب مالك، فإن عنده يمتد التحريم إلى وقت سقوط الأسنان.
وقوله في الكتاب: "وذلك في الصغر" يوافق القول الأول لفظاً، ويكره التفريق بعد البلوغ، ولكن لو فرق بالبيع أو الهبة صح خلافاً لأحمد.
ولو كانت الأم رقيقة والولد حُرّاً، وبالعكس فلا مَنْعَ من بَيْعِ الرَّقيق ذكره في "التَّتمة"، والتَّفْريق بين البَهِيمة وولدها بعد استغنائه عن اللّبن جائز.
وعن الصَّيْمَرِي حكاية وجه آخر 3.
وهل الجدّة والأب وسائر المحارم كالأم في تحريم التَّفْريق؟ هذه الصُّورة مذكورة
في كتاب السِّير وسنأتي في الشرح عليها -إن شاء الله تعالى - والآن نختم الباب بذكر أنواع أخر ورد النهي عنها.
منها: ما هو مِنَ القسم الأول.
ومنها: ما هو من القسم الثاني، فما هو من القبيل الأول بيع المُحَاقَلَة والمُزَايَنَة وسنذكرهما.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَجَرِ" 1. وفسره أبو عبيدة بما في الرحم.
وقيل: وهو الزِّنَا.
وقيل: للحاملة والزَّان.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْيَانِ" 2 ويقال له: العَرْبُون أيضاً، وصورته: أن يشتري سلعة من غيره، ويدفع إليه دراهم على أنه إن أخذ السّلْعة فهي من الثمن، وإلاَّ فهي للمدفوع إليه مجاناً، وتفسر أيضاً بأن تدفع الدراهم إلى صانع ليعمل له ما يريده من خاتم يصوغه، أو خف يخرزه أو ثوب ينسجه على أنه إن رضيه فالمَدْفُوع من الثمن، وإلاَّ لم يسترده منه وهما متقاربان.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ" 3. وله تفسيران: أحدهما: أن يبيع ثمرة النَّخْل سِنين.
والثَّاني: أن يقول: بعتك هذه السنة على أنه إذا انقضت السَّنة فلا بيع بيننا، فأردُّ أنا الثمن، وترد أنت المبيع.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ" 4. وهو البيع بشرط القرض وقد مر.
ومنها: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الهِرَّةِ" 5.
قال القفال: أراد الهِرّة الوَحْشِيّة، إذ ليس فيها منفعة اسْتِئنَاس ولا غيره.
ومنها: بيع السِّلاح من أهل الحرب لا يصح، لأنه لاَ يُرَاد إلا للقتال، فيكون بيعه منهم تقوية لهم على قتال المسلمين، ويجوز بيع الحديد منهم؛ لأنه لا يتعين لِلسِّلاح.
ومنها: ما روي "أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يُفْرَكَ" 6.
"وَرُوِيَ النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ"، "وَعَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ
الْعَاهَةِ" 1. وسيأتي القول فيها -إن شاء الله تعالى- ومما هو من قبيل القسم الثَّاني بيع الرطب والعنب ممن يتوهم أنه يتخذ منهما النَّبيذ والخمر مكروه 2، وإن تحقَّق فمنهم من قال: مكروه ومنهم من قال: حرام، وعلى التقديرين فلو باع صح 3، خلافاً لمالك، وكذا بيع السِّلاحَ من البُغَاة وقُطَّاع الطريق مكروه لكنه صحيح، ويكره مبايعة من اشتملت يده على الحلال والحرام، سواء كان الحلال أكثر أو بالعكس، ولو بايعه لم يحكم بالفساد 4. وعن مالك أن مبايعة من أكثر ماله حرام باطل.
وليس من المَنَاهي بيع العِيْنَة 5، وهي أن يبيع شيئاً من غيره بثمن مؤجل ويسلمه
......................... = هذين الحديثين حسنان، والحديث يدل على أن العينة محرمة وإلا لما أدخلها في جملة ما استحقوا به العقوبة، وقد جاء عن الأوزاعي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ليأتين على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع وبينهما حريرة، يعني العينة، وجاء عن أنس وابن عباس -رضي الله عنهم-: هذا مما حرمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- يعني المينة، وفي رواية أنه سأل أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن العينة فقال: إن الله لا يخدع هذا مما حرمه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
رواه محمد بن عبد الله الكوفي الحافظ المعروف بمطين في كتاب البيوع، والصحابي إذا قال حرم الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أو أمر الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أو أوجب الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أو قض الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ونحو هذا، فإن حكمه حكم ما لو روي لفظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التحريم والأمر والإيجاب والقضاء ليس في هذا إلا خلاف شاذ لأن رواية الحديث بالمعنى جائزة، وهو أعلم بمعنى ما سمع فلا يقدم أن يقول أمراً وحرم أو نهى إلا بعد أن يثق بذلك واحتمال الوهم مرجوح كاحتمال غلط السمع ونسيان القلب.
وعن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة -رضي الله عنها- هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى فقالت لها أم ولد زيد إني بعت من زيد غلاماً بثمانمائة نسيئة واشتريته بستمائة نقداً، فقالت: أبلغي زيداً أن قد أبطلت جهادك مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا أن تتوب بئس ما اشتريت وبئس ما شريت.
رواه الإمام أحمد وروى حرب الكرماني عن جدة إسرائيل قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة فقالت: يا أُم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد بيعها فابتعتها بستمائة درهم نقداً، فأقبلت عليها وهي غضبى فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب وأفحمت صاحبتنا فلم تتكلم طويلاً، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أُم المؤمنين: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي، فتلت عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
(سورة البقرة، الآية 275). فهذه أحاديث تبين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حرم هذا حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وفي حديث عائشة قطع التحريم وتغليظ له، ولولا أن عند أُم المؤمنين علماً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستحسن أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد لا سيما إن كانت قصدت أن العمل يبطل بالردة، واستحلال مثل هذا كفر لأنه من الربا واستحلال الربا كفر ولكن عذر زيد عليه الرحمة والرضوان أنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا أمرت بإبلاغه، فمن بلغه التحريم وتيقن ذلك لقيام الحجة عنده ثم أصر عليه لزمه هذا وإن لم تكن قصدت هذا بل قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمها ثواب الجهاد فيصير بمنزلة من يعمل حسنة وسيئة بقدرها فكأنه ما عمل شيئاً.
ومعلوم أن هذا لو كان مما يسوغ فيه الاجتهاد لم يكن مأثماً فضلاً عن أن يكون من الكبائر، فلما قطعت بأنه من الكبائر وأمرت بإبلاغه ذلك، علم أنها علمت أن هذا لا يسوغ فيه الاجتهاد، وما ذلك إلا عن علم وإلا فالاجتهاد لا يحرم الاجتهاد، وأيضاً فكون العمل يبطل الجهاد لا يعلم بالاجتهاد، فهؤلاء الصحابة مثل: عائشة وابن عباس وأنس بن مالك أفتوا بتحريم ذلك وغلظوا فيه في أوقات مختلفة ولم يبلغنا أن أحداً من الصحابة بل ولا من التابعين رخص في ذلك بل عامة التابعين من أهل المدينة والكوفة وغيرهم على تحريم ذلك ولا يجوز أن يقال فزيد ابن أرقم عليه الرحمة والرضوان قد فعل هذا لأنه لم يقل إن هذا حلال بل يجوز أن يكون فعله =
إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بأقل من ذلك نقداً، وكذا يجوز أن يبيع بثمن نقداً ويشتري بأكثر منه إلى أجل، سواء قبض الثمن الأول أو لم يقبضه.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رضي الله عنهم-: لا يجوز أنْ يشتري بأقل من ذلك الثَّمن قبل قبضه، وجَوَّز أبو حنيفة أن يشتري بسلعة قيمتها أقل من قدر الثمن.
لنا أنه ثمن يجوز بيع السلعة به من غير بائعها، فيجوز من بائعها كما لو اشتراه بسلعة أو بمثل ذلك الثمن أو أكثر، ولا فرق بين أن يصير بيع العِيْنَة عادة غالبة في البلد، أو لا يصير على المشهور.
وأفتى الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو محمد بأنه: إذا صار عادة صار البيع الثاني كالمشروط في الأول، فيبطلان جميعاً، ولهذا نظائر سنُذْكرها في مواضعها -إن شاء الله تعالى- وليس من المناهي بَيْعُ رِبَاعِ مَكَّة حرسها الله تعالى بل هو جائز.
وعن مالك وأبي حنيفة: أنه لا يجوز.
لنا اتفاق الصحابة فمن بعدهم -رضي الله عنهم- عليه، وليس من المَنَاهي أيضاً بيع المصحف وكتب الحديث.
وعن الصَّيْمَرِي: أن بيع المُصْحَف مكروه قال: وقد قيل إن الثمن يتوجه إلى الدَّقَّتَيْن، لأن كلام الله عز وجل لا يباع، وقيل: إنه بدل من أُجْرَة النَّسْع 1. = جرياً على العادة من غير تأمل فيه ولا اعتقاد.
ولهذا قال بعض السلف: أضعف العلم الرؤية، يعني أن يقول: رأيت فلاناً يفعل كذا، ولعله قد فعله ساهياً، وقال إياس بن معاوية: لا تنظر إلى عمل الفقيه ولكن سله يصدقك، ولهذا لم يذكر عنه أنه أصر على ذلك بعد قول عائشة -رضي الله عنها-، وكثيراً ما يفعل الرجل النبيل الشيء مع ذهوله عما في ضمنه من مفسدة، فإذا نبه انتبه وإذا كان الفعل محتملاً لهذا ولما هو أكثر منه، لم يجز أن ينسب لأجله اعتقاد حل هذا إلى زيد -رضي الله عنه- لا سيما وأُم ولده إنما دخلت على عائشة -رضي الله عنها- مستغيثة وقد رجعت عن هذا العقد إلى رأس مالها فعلم أنهما لم يكونا على بصيرة منه وإن لم يتم العقد بينهما، وقول السائلة لعائشة -رضي الله عنها-: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.
دليل يُبَيِّن أن التغليظ إنما كان لأجل أنه ربا لا لأجل جهالة الأجل، فإن هذه الآية إنما هي في حق الغائب من الربا.
الْبَابُ الرَّابعُ في الفَسَادِ مِنْ جِهَة تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ
قال الغزالي: وَمَهْمَا بَاعَ الرَّجُلُ مِلْكَ نَفْسِهِ وَمِلْكَ غَيْرِهِ فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ في مِلْكِهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ كَانَ مَا بَطُلَ البَيْعُ فِيهِ حُرّاً أَو خَمْراً أَوْ خِنْزِيراً أَوْ مَا لاَ قِيمَةَ لَهُ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْليَ باِلبُطْلاَنِ، وَللْبُطْلاَنِ عِلَّتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ الصِّيْغَةَ مُتَّحِدَةٌ فإذَا فَسَدَتْ فِي بَعْضِ المُقْتَضَيَاتِ لَمْ تَقْبَلِ التَّجَزِّيَ وَالأُخْرَي أَنَّ الثَّمَنِ فِيمَا يَصِحُّ يَصِيرُ مَجْهُولاً، وَعَلَى هَذِهِ العِلَّةِ لاَ يَمْتَنِعُ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ في الرَّهْنِ وَالهِبةَ إِذْ لاَ عِوَضَ فِيهِمَا، وَلاَ في النِّكَاحِ فَإنَّهُ لا يَفْسَدُ بالجَهْلِ بالعِوَضِ.
قال الرافعي: هذا باب التفريع، كثير التَّرَدُّد في قواعد الفقه ولطول تفاريعه لم ير المُزَنِيّ إيداع مسائله في "المختصر"، وبيض ورقة أو ورقتين ليلخصها، أو يقتصر على ذكر أوضح القولين فيها، ثم لم يتفق له ذلك فبقي في النسخ القديمة بعض البَيَاض.
وللقفال وأصحابه تقسيم حَاضر لمسائل الباب في نهاية الحسن، إلاَّ أن إيراد الكتاب لا ينطبق عليه كل الانطباق، والتقسيم المناسب له أن يقال: إذ أجمع بين شَيْئين في صفقة واحدة لم يخل إما أن يجمع بينهما في عقد واحد، أو في عَقْدَيْن مختلفي الحكم.
القسم الأول: أن يجمع بينهما في عقد واحد، فله حالتان:
إحداهما: أن يقع التفريق في الابتداء.
والأخرى: أن تقع في الانتهاء.
فأما في الحالة الأولى: فينظر، إن جمع بين شيئين يمتنع الجمع بينهما من حيث هو جمع فلا يخفى بطلان العقد في الكل كما لو جمع بين أختين في النِّكاح، أو بين = ومنها: النهي عن البيع في المسجد، وسبق تفصيله في الاعتكاف.
ومنها: يكره غبن المسترسل، ويكره بيع العينة، وسبق بيانه.
ومنها: ما قاله صاحب "التلخيص".
قال: نهي عن بيع الماء، وهو محمول على ما إذا أفرد ماء عين أو بئر أو نهر بالبيع فإن باعه مع الأرض، بأن باع أرضاً مع شربها من الماء في نهر أو وادٍ، صح، ودخل الماء في البيع تبعاً.
وكذا إذا كان الماء في إناء، أو حوض أو غيرهما مجتمعاً، فبيعه صحيح مفرداً وتابعاً.
-والله أعلم-] ينظر الروضة (3/ 83).
خمس نسوة 1 وإن لم يكن كذلك، فإما أن يجمع بين شيئين كل واحد منهما قابل لما أورده عليه من العقد، وإما أن لا يكون كذلك، فَإِنْ كان الأول كما لو جمع بين عَيْنَيْن في البيع يصح العقد فيهما، ثم إنْ كان من جنسين كعبد وثوب، أو من جنس واحد، لكنهما مختلفا القيمة كَعَبْدَين وزِّع الثّمن عليهما باعتبار القيمة، وإن كانا مِنْ جنس واحد، وكانا مُتَّفقي القِيمة كَقَفِيزي حِنْطَة واحدة يوزع عليهما باعتبار الأجزاء، وإن كان الثاني: فإما أَنْ لا يكون واحد منهما قابلاً لذلك العقد، كما لو باع خمراً وميتة فلا يخفى حكمه.
وإما أنْ يكون أحدهما قابلاً، فالذي هو غير قابل ضربان:
أحدهما: أن يكون متقوّماً، كما لو باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة، ففي صحة البيع في عبده قولان:
أصحهما 2: وهو اختيار المُزَنِيّ أنه يصح، لأنه باع شيئين مختلفي الحكم، فيأخذ كل واحد منهما حكم نفسه كما لو باع شِقْصاً مشفوعاً وثوباً؛ ثبتت الشّفْعة في الشّقْص دون الثوب، وأيضاً فإن الصَّفْقة إذا اشتملت على صحيح وفاسد، فالعقد صحيح في الصحيح، وقصر الفساد على الفاسد، ومثلوا ذلك بما إذا شهد عَدْل وفاسق، لا يقضي برد الشهادتين ولا بقبولهما، بل تلك مقبولة وهذه مردودة.
ولو قال قائل: قدم زيد وعمرو، وكان قدم زيد دون عمرو لا يقضي بالصدق
فيهما ولا بالكذب فيهما، بل ذلك صدق وهذا كذب.
والثاني: لا يصح لأحد معنيين.
الأول: أن اللَّفْظَة واحدة فلا يتأتَّى تبعيضها، فإما أن يغلب حكم الحرام على الحلال أو بالعكس.
والأول أولى، لأن تصحيح العقد في الحرام يمتنع، وإبطاله في الحلال غير ممتنع.
والثاني: أنَّ الثَّمن المسمى يتوزَّع عليهما باعتبار القيمة، ولا يدرى حصة كل واحد منهما عند العقد، فيكون الثمن مجهولاً، وصار كما لو قال: بعتك عبدي هذا بما يقابله من الألف إذا وزع عليه، وعلى عبد فلان فإنه لا يصح، وهاتان العِلّتَان على ما حكاه أكثر النَّاقلين منسوبة إلى الأَصْحَاب، ولهم خلاف في أَنَّ العلة أيهما ورواهما القاضي ابن كَجّ عن الشَّافعي -رضي الله عنه-، وقال: له قولان في أن العِلَّة هذه أم هذه.
والضرب الثاني: أَلاَّ يكون متقوماً، وهو على نوعين:
أحدهما: أن يتأتى تقدير التَّقْويم فيه من غير فرض تغيير في الخِلْقة، كما لو باع حرّاً وعبداً، فإن الحر غير متقوم، لكن يمكن تقدير القيمة فيه من غير تغيير في الخِلقة، ففي صحة البيع في العبد طريقان:
أحدهما: القَطْعُ بالفساد؛ لأن المضموم إلى العَبْد ليس من جنس المَبِيْعَات، ولأنا سنذكر في التَّفريع الحاجة إلى التوزيع، والتوزيع هاهنا يحوج إلى تقدير شيء في الموزع عليه، وهو غير موجود فيه.
وأصحهما: طرد القولين.
قال الإمام: ولو قلنا: في صحة البيع قولان مرتبان على ما إذا باع عبداً مملوكاً والآخر مغصوباً لأفاد ما ذكرنا من نقل الطَّريقتين، وهكذا كل ترتيب، ونقل عن شيخه أن القولين على الطريقة الثانية فيما إذا كان المشتري جاهلاً بحقيقة الحال، فإن كان عالماً فالوجه القطع بالبطلان، كما لو قال: بعتك عبدي بما يخصُّه من الألف إذا وزع عليه وعلى عبد فلان، ولو باع عبده ومكاتبه أو أمته أو أم ولده فليس ذلك كما لو باع عبداً وحرّاً بل هو من صور الضَّرب الأول؛ لأن المُكَاتب وأم الولد مُتَقومان بالإتْلاف.
والنوع الثاني أن لا يتأتى تقدير التقويم فيه من غير فرض تغيير في الخِلْقة، كما لو باع خلاًّ وخمرة، أو مُذَكاَّة وميتة، أو شَاة وخِنْزِيراً، ففي صحة البيع في الخَلِّ والمذكاة والشاة خلاف مرتَّب على الخلاف في العَبْد والحر، والفساد هاهنا أولى لأن تقدير
القِيْمَة غير ممكن هاهنا إلاَّ بفرض تغيير الخلقة، وحينئذ لا يكون المقوّم هو المذكور في العقد.
وقال أبو حنيفة: العقد فاسد في الكل في الضرب الثاني، وأما في الضرب الأول فيصح في الحلال ويتوقف في المَضْمُوم إليه على الإجازة.
وصحح مالك البيع في الحلال في الضَّرْبَيْن جميعاً، وعن أحمد روايتان كقولي الشَّافعي -رضي الله عنه-.
ولو رهن عبده وعبد غيره من إنسان، أو وهبهما منه، أو رهن عبداً أو حراً، أو وهبهما هل يصح الرهن والهبة في المملوك؟
يترتب ذلك على البيع إن صححنا ثمَّ، فكذلك هاهنا إلا ففيه قولان مبنيان على العِلَّتَين إنْ علَّلنا بامتناع تَجْزئة العَقْد الواحد فلا يصح وإنْ عَلَّلنا بِجَهَالة العوض يصح، إذ لا عوض هاهنا حتى يفرض الجهل فيه، وعلى هذا الترتيب ما إذا زوج منه مسلمة ومجوسية، أو أخته وأجنبيته، لأن جهالة العِوَض لا تمنع صِحَّة النكاح.
وقوله في الكتاب أحدهما: "أن الصفقة مُتَّحدة"، وفي بعض النسخ "أن الصيغة متحدة" وكلاهما مستقيم، وزاد الإمام في هذه العلّة قَيْداً، فقال: العقد مُتَّحد في نفسه، فإذا تَطَرَّق الفساد إليه، وجب أن لا ينقسم، إذ لم يبين على الغَلَبة والسَّرَيان، وقصد به الاحتراز عن العِتْق والطَّلاَق وما في معناهما.
قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرى عَبْدَيْنِ وَانْفَسَخَ العَقْدُ فِي أحدِهِمَا بالتَّلَفِ قَبْلَ القَبْضِ أَوْ بِسَبَبِ يُوجِبُ الفَسْخَ فَفِي الانْفِسَاخِ في البَاقِي قَوْلاً تَفْرِيق الصَّفْقَةِ، وَأَوْلَى بِأَن لاَ يَنْفَسِخَ في البَاقِي.
قال الرافعي: الحالة الثَّانية: أن يقع التفريق في الانتهاء وهو على ضربين:
أحدهما: أن لا يكون اختيارياً، كما لو اشترى عبدين ثم قَبْلَ أن يقبضهما تلف أحدهما، فإن العقد ينفسخ فيه، وهل ينفسخ في الثاني؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولين فيما لو جمع بين مملوك وغير مملوك تسوية بين الفساد المقرون بالعقد والفساد الطارئ قبل القبض، كما يسوّى في العَيْبِ بين المَقْرُون بالعقد وبين الطَّارئ قبل القبض، وهذا قد حكاه القَاضِي عن أبي إِسْحاقَ المَرُوزِي.
وأصحهما: القطع بعدم الانْفِسَاخ في الثَّاني؛ لأن الانفساخ طرأ بعد العقد فلا يتأثر به الآخر، كما لو نكح أختين دفعة واحدة، ثم ارتفع نكاح إحداهما بِرِدَّة أوْ رِضَاع لا يرتفع نكاح الأخرى، وأيضاً فإن علة الفساد إما الجمع بين الحلال والحرام، وإما
جَهَالة الثمن، ولم يوجد الجمع بين الحلال والحرام، والثمن ثابت كلّه في الابتداء، والسقوط الطارئ لا يؤثر في الانفساخ، كما لو خرج المبيع معيباً وتعذّر الرد لبعض الأسباب والثمن غير مقبوض، فيسقط بعضه على سبيل الأرش، ولا يلزم منه فساد العقد، والطريقان جاريان فيما إذا تفرَّقا في السّلم، وبعض رأس المال غير مقبوض أو في الصّرف، وبعض العِوض غير مقبوض وانفسخ العقد في غير المقبوض، هل ينفسخ في الباقي؟
هذا إذا تلف أحدهما في يد البائع قبل أن يقبضهما، فإما إذا قبض أحدهما وتلف الآخر في يد البائع، ترتب الخلاف في انْفِسَاخ العقد في المقبوض على الصُّورة السَّابقة، وهذه أولى بعدم الانفساخ لتأكُّد العقد في المقبوض بانتقال الضَّمَان فيه إلى المشتري، هذا إذا كان المقبوض باقياً في يد المشتري، فإن تلف في يده ثم تلف الآخر في يد البائع، فالقول بالانفساخ أَضْعَف لتلف المقبوض على ضمانه، وإذا قلنا بعدم الانفساخ فهل له الفسخ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم.
وترد قيمته.
والثاني: لا، وعليه حصَّته من الثَّمن، ولو اكْتَرى داراً مدَّة وسكنها بعض المدة، ثم انْهَدَمَت الدَّار انفسخ العَقْد في المستقبل، وهل ينفسخ في الماضي؟ يخرج على الخلاف في المقبوض التالف في يد المشتري.
فإن قلنا: لا ينفسخ، فهل له الفسخ؟ فيه الوجهان:
فإن قلنا: ليس له ذلك فعليه من المسمى ما يقابل الماضي.
وإن قلنا: له الفسخ فعليه أجرة المِثْل للماضي، ولو انقطع بعض المسلم فيه عند المحل، والباقي مقبوض أو غير مقبوض، وقلنا: لو انقطع الكُلّ ينفسخ العقد فيه انفسخ في المنقطع، وفي الباقي الخلاف المذكور فيما إذا تلف أحد الشَّيئين قبل قَبْضهما، وإذا قلنا: لا ينفسخ فله الفسخ، فإن أجاز فعليه حِصَّتُه مِنْ رأس المال لا غير.
وإن قلنا: لو انْقطع الكُل لم ينفسخ العقد، فالمسلم بالخيار إن شاء فسخ العقد في الكل، وَإِنْ شَاءَ أَجَازه في الكُلِّ، وهل له الفسخ في القدر المنقطع والإجازة في الباقي؟
فيه قولان بناء على الخلاف الذي سنذكره في الضرب الثاني.
الضرب الثاني: أَنْ يكون اختيارياً، كما لو اشترى عبدين صفقة واحدة، ثم وجد بأحدهما عيباً فهل له إفراده بالرَّد؟
جزم الشَّيخ أبو حامد في "التَّعليق" بأنه ليس له ذلك.
والمشهور: أنه على قولين وبنوهما على جواز تفريق الصَّفقة إن جوزنا تجويز الإفراد وإلا فلا، وقياس هذا البناء أن يكون قول التَّجويز أظهر، ولكن صرح كثير من الصَّائرين إلى جواز التفريق بأن منع الإقرار أصح، واحْتَجّوا له بأن الصَّفقة وقعت مجتمعة ولا ضرورة إلى تفريقها فلا تفرق، والقولان مفروضان في العبدين، وفي كل شيئين لا يتَّصل منفعة أحدهما بالآخر، فأما في زوجي الخُفِّ ومِصْرَاعَي الباب، فلا سبيل إلى إفراد المعيب بالرد بحال، وارتكب بعضهم طرد القولين فيه، ولا فرق على القولين 1 بين أن ينفق ذلك بعد القبض أو قبله.
وعن أبي حنيفة: أنه لا يجوز إفراد المَعِيب بالرَّد قبل القبض ويجوز بعده إِلاَّ أنْ تتصل منفعة أحدهما بالآخر، فإن لم نُجَوِّز الإفراد، فلو قال: رددت المعيب هل يكون هذا ردّاً لها؟ عن الشَّيخ أبي علي رواية وجهين فيه:
أصحهما: لا، بل هو لغو 2، ولو رضي البائع بإفراده جاز في أصح الوجهين وإن جَوَّزنا الإفراد، فإن ردَّه استرد قسطه من الثَّمن، ولا يسترد الجميع إذ لو صرنا إليه لأخلينا بعض المَبِيع عن المقابل، وعلى هذا القول لو أراد رد السّليم والمعيب معه فله ذلك أيضاً.
وفيه وجه ضعيف، ولو وجد العيب بالعبدين معاد وأراد إفراد أحدهما بالرد جرى القولان.
ولو تلف أحد العبدين أو باعه ووجد في الباقي عيباً، ففي إفراده قولان مرتبان، وهذه الصورة أولى بالجَوَاز لتعذر رَدُّهما جميعاً 3.
فإن قلنا: يجوز الإفراد رد الباقي واستردّ من الثمن حصّته، وسبيل التَّوْزيع تقدير
العبدين سليمين وتقويمهما، ويقسط الثمن المسمى على القيمتين، فلو اختلفا في قيمة التَّالف فادعى المشتري ما يقتضي زيادة الواجب على ما اعترف به البائع فقولان:
أصحهما: وقد نص عليه في "اختلاف العراقيين": أنَّ القول قول البائع مع يمينه؛ لأنه ملك جميع الثمن بالبيع، فلا رجوع عليه إِلاَّ بما اعترف به.
والثاني: أن القول قول المشتري؛ لأنه تلف في يده، فأشبه الغاصب مع المالك إذا اختلفا في القيمة؛ لأن القول قول الغاصب الذي حصل الهلاك في يده.
وإن قلنا: لا يجوز الإفراد فوجهان، ويقال: قولان:
أحدهما: أنه يضم قيمة التالف إلى الباقي ويردهما ويفسخ العقد، وهذا اختيار القاضي أبي الطيب، واحتج له بأن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "أمَرَ في المُصَرَّاةِ برَدِّ الشَّاةِ، وَبَدَلِ اللَّبَنِ الْهَالِكِ" 1.
فعلى هذا لو اختلفا في قيمة التالف، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه حصل التلف في يده وهو الغارم.
وروي في "التتمة" وجهاً آخر: أن القول قول البائع، لأن المشتري يريد إزالة ملكه عن الثمن المملوك.
وأصحهما: أنه لا يصح له، ولكنه يرجع بأَرْش العيب، لأن الهلاك أعظم من العيب، ولو حدث عنده عيب ولم يتمكّن من الرد، فعلى هذا لو اختلفا في قيمة التَّالف عاد القولان السابقان؛ لأنه في الصُّورتين يرد بعض الثَّمن، إلاَّ أنه على ذلك القول يرد حصّة الباقي، وعلى هذا القول يرد أَرْش العيب، والنظر في قيمة التَّالف إلى يوم العقد، أو يوم القَبْض فيه مثل الخِلاَف الَّذِي سيأتي في اعتبار القيمة لمعرفة أَرْش العيب القديم.
وإذا عرفت ما ذكرنا لم يخف عليك أن قوله في الكتاب: "ولو اشترى عبدين وانفسخ العقد في أحدهما بالتلف قبل القبض" إشارة إلى الحالة الأولى.
قوله: "أو بسبب يوجب الفسخ" يمكن حمله على الحالة الثانية، وهو الأقرب إلى اللفظ، ويمكن حمله على سائر الصور المذكورة في الحالة الأولى نحو الصرف والسلم، وتأول لفظ الفسخ والله أعلم.
قال الغزالي: وَالأَصَحُّ أَنَّ الفَسَادَ مَقْصُورٌ عَلَى الفَاسِدِ إِلاَّ إِذَا صَارَ ثَمَنُ مَا يَصِحُّ العَقْدُ عَلَيْهِ مَجْهولاً حَتَّى لَوْ بَاعَ عَبْداً لَه نِصْفهُ صَحَّ في نَصِيبِهِ إِذْ حِصَّتُهُ نِصْفُ الثَّمَنِ،
وَكَذا بَيْعُ جُمْلَةِ الثِّمَارِ وَفيهَا عُشْرُ الصَّدَقَةِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ بَاعَ أَرْبَعِينَ شَاةٌ وَفِيهَا الزَّكَاةُ إِذْ حِصَّةُ البَاقِي مَجْهُولَةٌ.
قال الرافعي: أدرج في الفصل صوراً تتفرع على عِلَّتي قول الفساد من قولي التَّفْريق: منها: لو باع شيئاً يتوزع الثَّمَن على أجزائه بعضه له وبعضه لغيره، كما لو باع عبداً له نصفه، أو صاع حِنْطَة له نصفه، أو صاعي حنطة أحدهما له، والآخر لغيره صفقة واحدة، ترتب ذلك على ما لو باع عبدين أحدهما له والآخر لغيره، إن صححنا فيما يملكه فكذلك هاهنا، وإلا فقولان:
إن علَّلنا بالجمع بين الحلال والحرام لم يصح، وإنْ علَّلنا بجهالة الثَّمَن صح؛ لأن حِصَّة المملوك هَاهُنَا معلومة.
ومنها: لو باع جملة الثِّمَار وفيها عُشر الصدقة، فهل يصح البيع في قدر الزكاة؟ قد بينه في "باب الزكاة".
فإن قلنا: لا يصح، فالترتيب في الباقي، كما ذكرنا.
فيما لو باع عبداً له نصفه؛ لأن توزيع الثَّمن على ما له بيعه وما ليس له معلوم على التفصيل.
ومنها: لو باع أربعين شاة وفيها قدر الزكاة، وفرعنا على امتناع البيع في قدر الزكاة، فالترتيب في الباقي كما مر فيما لو باع عبده وعبد غيره.
ومما يتفرع على هاتين العلَّتين لو ملك زيد عبداً، وعمرو عبداً، فباعهما صفقة واحدة بثمن واحد، ففي صحة العقد قولان، وكذا لو باع من رجلين عبدين له هذا من هذا، وهذا من هذا بثمن واحد، إن عللنا بالجمع بين الحلال والحرام صح، وإن علَّلنا بِجَهَالة العوض لم يصح؛ لأن حصَّة كل واحد منهما مجهولة 1.
ومنها: قال في "التتمة": لو باع عبده وعبد غيره، وسمى لكل واحد منهما ثمناً، فقال بعتك هذا بمائة وهذا بخمسين، إن عللنا باجتماع الحلال والحرام فسد العقد، وإن عللنا بجهالة الثمن صح في عبده.
ولكن أن تقول: سنذكر أن تفصيل الثَّمَن مِنْ أسباب تعدد العقد، وإذا تعدد وجب القضاء بالصحة على التعليلين.
إذا تقرر ذلك فاعْلَم: أنَّ قوله: "والأصح أن الفساد مقصور على الفاسد... " إلى آخره توسط بين القولين، وترجيح لقول الصحة في المملوك إذا كان المبيع ممَّا يتوزع الثمن على أجزائه، ولقول الفساد فيما إذا كان المبيع مما يتوزع الثمن على قيمته، وهذا قد اختاره صاحب الكتاب في آخرين، لكن الأكثرين لم يفرقوا بين الحالتين ورجحوا الصحة على الإطلاق -والله أعلم-.
قال الغزالي: ثُمَّ مَهْمَا قَضَيْنَا بِالصِّحَّةِ فَلِلْمُشْتَرِي الخِيَارُ إِذْ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ جَمِيعَ مَا اشْتَرَاهُ، وَيَأْخُذُ البَاقِي إِنْ أَجَازَ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ عَلَى أَصَحِّ القَوْلَيْنِ لاَ بِكُلِّ الثَّمَنِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل: التفريع على قولي تفريق الصَّفقة من أصلهما، والرأي أن نفرد كل مرتبة بالذكر، فنقول: إذا باع ماله ومال غيره صفقة واحدة وصححنا البيع في ماله نظر، إن كان المشتري جاهلاً بالحال فله الخيار؛ لأنه دخل في العقد على أن يسلم له كل المبيع ولم يسلم، فإن أجاز فكم يلزمه من الثمن؟ فيه قولان:
أحدهما: جميعه.
لأنه لَغَا ذكر المضموم إلى ماله، فيقع جميع الثمن في مقابلة ما صح العقد فيه.
وأصحهما وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يلزم إِلاَّ حصَّة المملوك من الثمن إذا وزع على القيمتين؛ لأنه أوقع الثَّمَن في مقابلتهما جميعاً، فلا يلزم في مقابلة أحدهما إلا قسطه، وما موضع القولين؟
قال قائلون: موضعهما أن يكون المبيع مما يتقسَّط الثَّمَن على قيمته، فإن كان مما يتقسط على أجزائه على ما مر نظائره، فالواجب قسط المملوك من الثمن قولاً واحداً، والفرق أن المصير إلى التقسيط هاهنا لا يورث جهالة في الثمن عند العقد وثَمَّ بخلافه، ومنهم من طرد القولين وهو الأظهر، لأن الشافعي -رضي الله عنه- نصّ على قولين فيما إذا باع الثِّمَار بعد وجوب العشر فيها، وأفسدنا البيع في قدر الزكاة دون غيره، أن الواجب جميع الثمن أو حصته.
فإن قلنا: الواجب جميع الثمن فلا خيار للبائع إذا ظفر بما ابتغاه.
وإن قلنا: الواجب القسط فوجهان:
أحدهما: أن له الخيار إذا لم يسلم له جميع الثمن.
وأصحهما: أنه لا خيار له؛ لأن التفريط من حيث باع ما لا يملكه وطمع في
ثمنه، وإن كان المشتري عالماً بِالحَالِ فلا خيار له، أما لو إشترى معيباً وهو عالم بعيبه، وكم يلزمه من الثَّمَن فيه القولان كما لو كان جاهلاً وأجاز، وقطع قاطعون بوجوب الجميع هاهنا؛ لأنه التزمه عالماً بأن بعض المذكور لا يقبل العقد.
ولو باع عبداً وحرّاً أو خلاًّ وخمراً أو مُذَكَّاة وَمَيْتَة، أو شاة وخنزيراً وصححنا العقد فيما يقبله، وكان المشتري جاهلاً بالحال وأجاز، أو عالماً ففيما يلزمه من الثمن طريقان:
أحدهما: القطع بوجوب جميع الثَّمن، لأن ما لا قيمة له لا يمكن التوزيع على قيمته، ويحكى هذا عن صاحب "التلخيص".
وأصحهما: طرد القولين.
فإن قلنا: الواجب قسط من الثمن فكيف تعتبر هذه الأشياء في التوزيع، فيه وجهان:
أصحهما: عند المصنف أنه ينظر إلى قيمتها عند من يرى لها قيمة.
والثاني: أنه يقدر الخمر خلاً، ويوزع عليهما باعتبار الأجزاء، وتقدر المَيْتَة مُذَكَّاة، والخنزير شاة، وتوزَّع عليهما باعتبار القيمة.
ومنهم من قال: يقدر الخمر عصيراً، والخنزير بقرة 1.
ولو نكح مُسْلمة ومَجُوسِيّة في عقد واحد وصححنا نكاح المسلمة.
فالصحيح المشهور: أنه لا يلزم جميع المسمى للمسلمة بلا خلاف، لأنا إذا أثبتنا الجميع في البيع أثبتنا الخِيَار أيضاً وهاهنا لا خيار، فإيجاب الجميع إجحاف ولا مدفع له.
وعن رواية الشيخ أبي علي قول: أنه يلزم لها جميع المسمى، لكن له الخيار في رد المسمى والرجوع إلى مهر المِثْل.
قال الإمام: وهذا لا يدفع الضرر، فإن مهر المِثْل قد يكون مثل المسمى أو أكثر، وما الذي يلزم إذا قلنا بالصحيح؟ فيه قولان:
أظهرهما: مَهْر المِثل.
وثانيهما: قِسْطُها من المسمى إذا وزع على مهر مثلها ومهر مثل المَجُوسِية.
ولو اشترى عبدين وتلف أحدهما قبل القبض وانفسخ العقد فيه، وقلنا: لا ينفسخ في الباقي فله الخيار فيه فإن أجاز فالواجب قسطه من الثمن؛ لأن الثمن وجب في مقابلتهما في الابتداء، فلا ينصرف إلى أحدهما في الدوام.
وعن أبي إسحاق المَرُوزِي طرد القولين فيه.
فرع: لو باع شيئاً من مال الرِّبا بجنسه، ثم خرج بعض أحد العِوَضين مستحقّاً، وصححنا العقد في الباقي وأجاز، فالواجب حِصَّته بلا خلاف؛ لأن ال
فصل
بينهما حرام.
لو باع معلوماً ومجهولاً لم يصح البيع في المجهول، وفي المعلوم يبنى على ما لو كانا معلومين وأحدهما لغيره.
وإن قلنا: لا يصح فيما له لم يصح هاهنا في المعلوم.
وإن قلنا: يصح ففيه قولان مبنيان على أنه كم يلزمه من الثمن؟
ثم إن قلنا: الجميع صح، ولزمه هاهنا أيضاً جميع الثَّمن.
وإن قلنا: حصَّته من الثمن لم يصح هاهنا لتعذُّر التوزيع.
ومنهم من حكى قولاً: أنه يصح وله الخيار، فإنْ أجاز لزمه جميع الثمن، واعلم: أن لصاحب "التَّلْخيص" والشارحين لكلامه تخريج مسائل دَوْرية على القول تفريق الصفقة، لم أوثر إخلاء هذا المجموع عن طرف منها فعقدت له فصلاً.
" فصل"
قال صاحب "التلخيص" في "التلخيص" في القول الذي يرى تفريق الصَّفْقَة: يقع للشَّافعي -رضي الله عنه- مسائل من الدور، من ذلك: لوْ باع مريض قَفِيزَ حِنْطَة بقفيز حنطة، وكان قفيز المريض يساوي عشرين، وقفيز الصَّحيح يساوي عشرة، ومات المريض ولا مال له غيره، ففيها قولان:
أحدهما: أن البَيْع باطل.
والآخر: أن البَيْع جائز في ثلثي قفيز بثلثي قفيز ويبطل في الثُّلث، ولكل واحد منهما الخِيَار في إبطال البَيْع.
وفيه قول آخر: أنه لا خيار لهما فيه، هذا لفظه.
وإنما صور في الجنس الواحد من مال الرِّبَا لتجتمع أشكال الدّور والرِّبَا.
وأول ما يجب معرفته في المسألة وأخواتها أن مُحَابَاة المريض مرض الموت في البيع والشراء نازلة منزلة هِبَتِه وسائر تَبَرُّعَاته في الاعتبار من الثلث، فإن زادت على
الثُّلث ولم تجز الورثة ما زاد، كما لو باع عبداً يساوي ثلاثين بعشرة، ولا مال له غيره يرتدُّ البيع في بعض المَبِيع، وما الحُكْم في الباقي؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بصحَّة البيع فيه؛ لأنه نفذ في الكل ظاهر، والرد في البعض تَدَارُكٌ حادث، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، ووجهه بأن المُحَابَاة في المَرَض وصية، والوصية تقبل من الغَرَر ما لا يقبله غيرها.
وأظهرهما عند أكثرهم: أنه على قولي تفريق الصَّفْقة.
وإذ قلنا بصحة البيع في الباقي، ففي كيفيتها قولان: ويقال وجهان:
أحدهما: أن البيع يصحُّ في القدر الذي يحتمله الثُّلث، والقدر الذي يوازي الثَّمن بجميع الثَّمن ويبطل في الباقي؛ لأنه اجتمع للمشتري معاوضة ومحاباة فوجب أن يجمع بينهما، فعلى هذا يصح العقد في ثلثي العبد بالعشرة، ويبقى مع الورثة ثلث العبد وقيمته والثمن وهو عشرة، وذلك مثل المُحَاباة وهي عشرة، ولا تدور المسألة على هذا القول.
والثَّاني: أنه إذا ارتدَّ البيع في بعض المَبِيع، وجب أن يرتد إلى المُشْتري ما يقابله من الثمن.
فعلى هذا تدور المَسْألة؛ لأن ما ينفذ فيه البَيْع يخرج من التَّركة، وما يقابله من الثمن يدخل فيها، ومعلوم أنَّ ما ينفذ فيه البيع يزيد بزيادة التَّركة وينقص بنقصانها، فيزيد المبيع بحسب زيادة التركة، وتزيد التركة بحسب زيادة المقابل الداخل، ويزيد المقابل الداخل بحسب زيادة المبيع وهذا دور، ويتوصل إلى معرفة المقصود بطرق:
منها: أن ينظر إلى ثلث المال وينسبه إلى قدر المُحَابَاة، ويجيز البيع في المبيع بمثل نسبة الثلث من المحاباة فنقول في هذه الصور:
ثلث المال عشرة، والمحاباة عشرون، والعشرة نصف العشرين، فيصح البيع في نصف العبد، وقيمته خمسة عشر بنصف الثمن وهو خمسة، كأنه اشْتَرى سدسه بخمسة، وثلثه وصية له تبقى مع الورثة نصف العبد وهو خمسة عشر، والثَّمنُ خمسة فالمبلغ عشرون، وذلك مثل المحاباة، وتحكى هذه الطريقة عن محمد بن الحسن.
ومنها: طريقة الجبر يقول: صح البيع في شَيْءٍ من العبد، وقابله من الثمن مثل ثلث ذلك الشيء، لأن الثّمن مثل ثلث العبد، وبقي في يد الورثة عبد إلا شيء، لكن بعض النقصان انجبر بثلث الشيء العائد، فالباقي عندهم عبد إلا ثلثي شيء، وثلثا شيء قدر المحاباة، وعبد إلاَّ ثلثي شيء، مثل وإذا كان عبد إلاَّ ثلثي شيء مثلي ثلثي شيء، وكان عديلاً لشيء وثلث شيء، فإذا أجبرنا العبد بثلثي شيء، وزدنا علي عديله مثل ذلك كان العبد عديلاً لِلشَّيئين، فعرفنا أن الشيء الَّذِي نفذ فيه البيع نصف العبد، ولا أطنب لإيراد سائر الطرق كطريقة الخطأ بين الدينار والدرهم وغيرهما في هذا الموضع.
فإن قلت: ما حال الخلاف الذي ذكرتم أنهما قولان لِلشَّافعي -رضي الله عنه- أو وجهان للأصحاب وأيهما كان؟ فما الأظهر منهما؟ الجواب:
أما الأول فإنَّ الإِمَام قال: ما أراهما منصوصين، ولكنهما مستخرجان من معاني كلام الشافعي -رضي الله عنه- لكن القَفَّال والأستاذ أبا منصور البغدادي وغيرهما ذكروا أنَّ الأول منصوص عليه، والثَّاني مخرج لابن سريج.
وأما الثَّاني: فإن إيراد كثيرين يميل إلى ترجيح القول الأول وبه قال ابْنُ الحَدَّاد لكن الثَّاني أقوى في المعنى، وهو اختيار أكثر الحساب، وبه قال ابن القاص وابن اللَّبَّان، وتابعهم إمام الحرمين وادَّعى أنه اختيار ابن سريج، لكن في هذه الدَّعْوَى نظر، فإن الأستاذ أبا منصور وغيره نسبوا القول الأول إلى اختيار ابن سريج، -والله أعلم-.
إذا تقرر ذلك عدنا إلى مسألة "التَّلْخيص".
إن قلنا: بالأول فالبيع باطل فيها بلا خلاف؛ لأن مقتضاه صِحَّة البيع في قدر ثلث وهو ستة وثلثان، وفي القدر الذي يقابل من قَفِيزِه قفيز الصحيح وهو نصفه، فيكون خمسة أسداس قفيز في مقابلة قفيز، وذلك ربا.
وإن قلنا: بالثاني صح البيع في ثلثي قفيز المريض بثلثي الصحيح وبطل في الباقي، وقطع قاطعون هاهنا بهذا القول الثاني، كي لا يبطل غرض الميت في الوصية.
قال في "التهذيب": وهو الأصح ووجهه إما على طريقة النِّسْبة، فلأن ثلث مال المريض ستة وثلثان، والمحاباة عشرة، وستة وثلثان ثلثا عشرة، فقلنا بنفوذ البيع في ثلثي القفيز.
وإمَّا على طريق الجبر، فلأن البيع نفذ في شيء وقابله من الثمن مثل نصفه، فإن قفيز الصحيح نصف قفيز المريض وبقي في يد الوَرثة قفيز إلاَّ شيء، لكن يحصل لهم نِصْفُ شَيْء، والباقي عندهم قَفِيز إلاَّ نصف شيء، فنصف شيء هو المُحَاباة، وما في يدهم وهو قَفِيزٌ ناقص بنصف شيء مثلاه، والهاء كناية عن النِّصف، وإذا كان قَفِيزٌ ناقص بنصف شيء مثلي نصف شيء كان عديلاً للشيء الكامل، فإذا جبرنا وقابلنا صار قفيز كامل عديل شيء ونصف شيء، فعرف أن الشيء ثلثا قفيز، وقد عرفت بما ذكرنا أَنَّ القول الثَّاني من القولين اللَّذَيْن أطلقهما صاحب "التلخيص" علام ينبني.
وأما الأول فخرجه على قولنا: إن البيع يصح في قدر الثلث، وما يوازي الثمن بجميع الثمن ظاهر لما فيه من الرّبا، ويجوز أن يكون مبنياً على قولنا: إن الصَّفقة لا تفرق جواباً على طريقة طرد القولين في صور المُحَاباة
وأما قوله: "ولكل واحد منهما الخِيَار في إبطال البَيْع" فهو خطأ في جانب ورثة
المريض باتفاق الأصحاب؛ لأنا لو أثبتنا لهم الخِيَار لأبطلوا المُحَاباة أصلاً ورأساً بفسخ البيع، ولا سبيل إليه لتسليط الشَّرْع إياه على ثلث ماله، وكذا خطاه في قوله: "وفيه قول آخر: أنه لا خيار لهما في جانب المشتري"، لأن تبعيض الصَّفقة على المشتري من موجبات الخيار بكل حال، ولو كانت المسألة بحالها لكن قَفِيز المريض يساوي ثلاثين، وقلنا: بتقسيط الثَّمن صحَّ البَيْع في نصف قَفِيز بنِصف القفيز، ولو كانت بحالها لكن قفيز المريض يساوي أربعين صحَّ البيع في أَرْبَعة أَتْسَاع القفيز، وعليك تخريج الفتوى على الطريقتين، ثم قال صاحب "التلخيص": ولو كان المريض قد أكل القَفِيز الذي أخذ استوت المسائل كلها، فيجوز بيع ثلث قَفِيز بثلث قفيز.
قال الشارحون لكتابه: إذا أَتْلَفَ المريض المحابي القفيز الذي أخذه ثم مات، وفَرَّعنا على القول الذي يجيء عليه الدّور صح البيع في ثلثه بثلث قفيز صاحبه، سواء كانت قيمة قفيز المريض عشرين أو ثلاثين أو أكثر؛ لأن ما أتلفه قد نقص من ماله.
أما ما صَحَّ فيه البَيْع فهو ملكه وقد أتلفه، وأما ما بطل فيه البيع فعليه ضمانه، فينتقص قدر الغُرْم من ماله، ومتى كثرت القيمة كان المصروف إلى الغرم أقل والمحاباة أكثر، ومتى قلت كان المصروف إلى الغرم أكثر والمحاباة أقل، ولنوضح ذلك في صورتين:
إحداهما: إذا كانت قيمة قَفِيز المَرِيض عشرين، وقيمة قفيز الصحيح عشرة، وقد أتلفه المريض فنقول على طريقة النِّسْبة مال المريض عشرون، وقد أتلف عشرة يحطُّها من ماله، فبقي عشرة كأنها كل ماله والمحاباة عشرة، فثلث ماله هو ثلث المحاباة، فيصح البيع في ثلث القَفِيز على القياس الذي مر، وعلى طريقة الجَبْر صح البيع في شيء من قفيز المريض، ورجع إليه مثل نصفه فعند ورثته عشرون إلا نصف شيء، لكنه قد أتلف عشرة فالباقي في أيديهم عشرة إِلاَّ نصف شيء، وذلك مثل نصف شيء فيكون مثل شيء، فإذا جبرنا وقابلنا كانت عشرة مثل شيء ونصف شيء، فالعشرة نصف القفيز فيكون القفيز الكامل مثل ثلاثة أشياء، فالشَّيء ثلث القفيز وامتحانه أَنَّ ثلث قَفِيز المريض ستة وثلثان، وثلث قفيز الصحيح في مقابلته ثلاثة وثلث، فتكون المحاباة بثلاثة وثلث، وقد بقي في يَدِ الوَرَثَةِ ثلثا قفيز، وهو ثلاثة عشر وثلث يؤدِّي منه قيمة ثلثي قفيز الصحيح، وهو ستة وثلثان يبقى في أيديهم ستة وثلثان وهي مثل المُحَاباة.
الثانية: قَفِيز المريض يساوي ثلاثين وباقي المسألة بحالها، فعلى طريقة النسبة نقول: مال المريض ثلاثون وقد أتلف عشرة بحطها من ماله يبقى عشرون كأن كل ماله والمُحَاباة عشرون؛ وثلث ماله هو ثلث المحاباة فيصح البيع في ثلث القَفِيز.
وعلى طريقة الجَبْر نقول: صح البيع في شيء من قفيز المريض، ورجع إليه مثل
ثلثه، والباقي ثلاثون إلا ثلثي شيء، لكنه أتلف عشرة، فالباقي عشرون إلا ثلثي شيء، وذلك مثل ثلثي شيء فيكون مثل شيء وثلث شيء، فإذا جبرنا وقابلنا كان عشرون مثل شيئين، فعرفنا أن الشيء عشرة وهي ثلث الثلاثين، وامتحانه أن ثلث قفيز المريض عشرة، وثلث قفيز الصَّحيح في مقابلة ثلاثة وثلث، فالمحابة بستة وثلثي، وقد بقي في يد الورثة ثلثا قفيز، وهو عشرون يؤدي منه قيمة ثلثي قفيز الصحيح، وهو ستة وثلثان، يبقى في أيديهم ثلاثة عشرة وثلث وهي مثل المحاباة، هذا كله فيما إذا أتلف صاحب القفيز الجيد ما أخذه.
أما إذا أتلف صاحب القَفِيز الرديء ما أخذه ولا مال له سوى قَفِيزه، ففي الصورة الأولى وهي ما إذا كانت قيمة قَفِيزه عشرين، وقيمة قفيز الآخر عشرة يصح البيع في الحال في نصف القَفِيز الجيد وقيمته عشرة، ويحصل للورثة في مقابلته نصف القفيز الرديء وقيمته خمسة، فتبقى المحاباة بخمسة، ولهم نصف الآخر غرامة لما أتلف عليهم، فتحصل لهم عشرة، وهي مثل المحاباة، والباقي في ذمة مُتْلف القَفِيز الجيد، ولا تجوز المُحَاباة في شيء إلاَّ بعد أن يحصل للورثة مثلاه.
وفي الصورة الثانية: وهي ما إذا كانت قيمة قفيزه ثلاثين.
قال الأستاذ أبو منصور: يصح البيع في نصف القفيز الجيد وهي خمسة عشر، والمحاباة ثلثه وهو خمسة، وقد حصل للورثة القفيز الرديء وقيمته عشرة وهي ضعف المحاباة، ويبقى في ذمة المشتري خمسة عشرة، كلما حصل منها شيء جَازَتْ المُحَاباة في مثل ثلثه.
وغلطه إمام الحرمين فيما ذكره من وجهة أنا إذا صححنا البيع في نصف الجيد، فإنما نصححه بنصف الرَّديء وهو خمسة، فتكون المُحَاباة بعشرة لا بخمسة، وإذا كانت المُحَاباة بعشرة فالواجب أن يكون في يد الورثة عشرون، وليس في يدهم إلا عشرة.
فالصواب: أَنْ يقال: يصح البيع في ربع القفيز الجيد، وهو سبعة ونصف بربع الرديء، وهو درهمان ونصف فتكون المُحَاباة بخمسة، وفي أيدي الورثة ضعفها عشرة.
قال صاحب "التلخيص": فإن كانت المسألتان بحالهما، وكانا جميعاً مريضين والقفيزان بحالهما لم يؤكل منهما شيء فاستقالا، فأقال كل واحد منهما صاحبه، فمن أبطل البيع أبطله ومن أجاز البيع أجاز في المسألة الأولى في سبعة أثمان قفيز، وأبطله في ثمن وأجاز الإقالة خمسة أثمان، وأبطلها في ثمنين وفي المسألة الثانية، أجاز البيع في خمسة أثمان، وأبطله في ثلاثة أثمان وأجاز الإقالة في ثلاثة أثمان، وأبطلها في ثمنين.
وقوله: "فإن كانت المسألتان"، أراد بإحدى المسألتين ما إذا كانت قيمة القفيز الجيد عشرين، وبالأخرى ما إذا كانت قيمته ثلاثين، وقيمة الرديء عشرة، والذي ينبغي
أن يعرف في مقدمة هذه الصورة أنه كما تعتبر محاباة المريض في البيع من الثلث، كذلك تعتبر مُحَابَاته الإِقَالَة من الثلث، سواء قدرت الإِقَالة فسخاً أو بيعاً جديداً.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا باع مريض قفيز حنطة يساوي عشرين من مريض بقفيز حنطة يساوي عشرة، ثم تقايلا وماتا من مرضهما، والقفيزان بحالهما، ولا مال لهما سواهما، ولم تجز الورثة ما زاد من مُحَاباتهما على الثلث، فإن منعنا تفريق الصفقة، وقلنا بالتصحيح بجميع الثمن، فلا بيع ولا إقالة.
وإن قلنا: بالتَّصحيح بالقسط، فيدور كل واحد مما نفذ فيه البيع والإقالة على الآخر؛ لأن البيع لا ينفذ إلاَّ في الثلث، والإقالة تزيد ماله، فيزيد ما نفذ فيه البيع، وإذا زاد ذلك زاد مال الثَّاني، فيزيد ما نفذ فيه الإقالة.
فالطريق أن يقال: صح البيع في شيء من القفيز الجيد، ورجع إليه من الثمن نصف ذلك الشَّيء فبقي في يده عشرون إلاَّ نصف شيء، وفي يد الآخر عشرة ونصف شيء، ثم إذا تقايلا فالإقالة إنما تصح في ثلث مال المقيل، فيأخذ ثلاثة عشر وثلث نصف شيء، وهو ثلاثة وثلث وسدس شيء فيضمه إلى مال الأول، وهو عشرون إلاَّ نصف شيء يصير ثلاثة وعشرين وثلثا إلاَّ ثلث شيء وهذا يجب أن يكون مثلي المُحَاباة أولاً، وهو نصف شيء، فيكون ذلك كله مثل شيء، فإذا جبرنا وقابلنا كان ثلاثة وعشرون وثلث مثل شيء وثلث شيء يبسط الشيء، والثلث أثلاثاً يكون أربعة، والشيء ثلاثة أرباعه، فإذا أردنا أن نعرف كم الشيء من ثلاثة وعشرين وثلث انكسر، فسبيلنا أن نصحح السِّهَام بأن نجعل كل عشرة ثلاثة؛ لأن الزائد على العشرين ثلاثة وثلث، وهو ثلث العشرة، وإذا جعلنا كل عشرة ثلاثة أسهم صاروا ثلاثة وثلث سبعة أسهم، فتزيد قسمتها على الأَرْبَعَة، والسبعة لا تنقسم على الأربعة، فنضرب سبعة في أربعة، فيكون ثمانية وعشرين، فالشيء ثلاثة أرباعها وهي إحدى وعشرون، فلما عرفنا ذلك رجعنا إلى الأصل وقلنا: العشرون التي كانت قيمة القفيز صارت أربعة وعشرين؛ لأنا ضَرَبْنَا كل ثلاثة وهي سهام العشرة في أربعة، فصارت اثني عشر، تكون العشرون أربعة وعشرين، وقد صح البيع منهم في إحدى وعشرين، وذلك سبعة أثمان أربعة وعشرون، وإذا عرفنا ذلك وأردنا التصحيح من غير كسر، جعلنا القفيز الجيد ستة عشرة، والقفيز الرديء ثمانية، وقلنا: صح البيع في سَبْعَةِ أثمان الجيد، وهي أربعة عشر بسبعة أثمان الرَّديء وهو سبعة، فتكون المُحَاباة بسبعة، ويبقى في يد بائع الجيد تسعة: سهمان بقيا عنده، وسبعة أخذها عِوَضاً، ويجعل في يد الآخر خمسة عشر؛ لأنه أخذ أربعة عشر، وكان قد بقي في يده سهم، فلما تقابلا نفذت الإقالة في عشرة، وهي خمسة أثمان القَفِيز الجيد بخمسة أثمان القفيز الرديء وهي خمسة، فقد أعطى عشرة وأخذ خمسة،
فالمُحَاباة بخمسة، والحاصل من ذلك كله: المستقر في يد الأول أربعة عشر مثلاً محاباة سبعة، وفي يد الثاني عشرة مثلاً محاباة خمسة، ولو كانت المَسْألة بحالها والقَفِيز الجيد يساوي ثلاثين فنقول: صَحَّ البيع في شيء منه، ورجع إليه من الثمن مثل ثلث ذلك الشيء، فبقي في يده ثلاثون إلاَّ ثلثي شيء، وفي يد الآخر عشرة وثلثا شيء، فإذا تقايلا أخذنا ثلاثة عشر وثلثي شيء، وذلك ثلاثة دراهم وثلث وتسعا شيء يضم إلى مال الأول، فيصير ثلاثة وثلاثين وثلثا إلاَّ أربعة أتساع شيء، وهو مثلا المُحَاباة وهي ثلثا شيء، فيكون مثل شيء وثلث شيء، فإذا جبرنا وقابلنا صار ثلاثة وثلاثون وثلث مثل شيء، وسبعة أتساع شيء، فعلمنا أَنَّ ثلاثة وثلاثين يجب أن تقسم على شيء وسبعة أتساع شيء، فيبسط هذا المبلغ أتساعاً، يكون ستَّة عشر يكون الشيء منه تسعة، والعدد المذكور لا ينقسم على ستة عشر، فنصحح السِّهَام بأن نجعل كل عشرة ثلاثة؛ لأن الزَّائد على الثلاثين، ثلاثة وثلث وذلك ثلث العشرة، وإذا فعلنا ذلك صارت ثلاثة وثلاثون وثلث عشرة أسهم يحتاج إلى قسمتها على ستة عشر، وعشرة لا تنقسم على ستة عشر، لكن بينهما موافقة بالنصف، فنضرب جميع أحدهما في نصف الآخر تكون ثمانين، فنرجع إلى الأصل ونقول: الثلاثون التي كانت قيمة القَفِير صارت اثنين وسبعين، لأَنَّا ضربنا كُلَّ ثلاثة وهي سهام العشرة في ثمانية، فصارت أربعة وعشرين، فتكون الثَّلاَثون اثنين وسبعين، والشيء كان تسعة من ستة عشر صار مضروباً في نصف العشرة وهي خمسة فيكون خمسة وأربعين، وذلك خمسة أثمان اثنين وسبعين، فعرفنا صحة البيع في خمسة أثمان القفيز الجيد.
فإن أردنا التَّصْحيح على الاختصار من غير كسر جعلنا القفيز الجيد أربعة وعشرين ليكون القفيز الرديء هو ثلاثة وثمن صحيح، وقلنا: صح البيع في خمسة أثمان الجيد، وهي خمسة عشر بخمسة أثمان الرديء، وهي خمسة تكون المحاباة بعشرة، ويبقى في يد بائع الجيد أربعة عشر، تسعة بقيت عنده، وخمسة أخذها عوضاً، ويجعل في يد الآخر ثمانية عشر؛ لأنه أخذ خمسة عشر، وكان قد بقي عنده ثلاثة، فلما تقايلا نفذت الإقالة في تسعة، وهي ثلاثة أثمان الجيد بثلاثة أثمان الرديء وهي ثلاثة، فقد أعطى تسعة وأخذ ثلاثة تكون المُحَاباة بستة، فيستقر في يد الأول عشرون؛ تسعة أخذها بحكم الإقالة، وأحد عشر هي بقية الثمن، وقد بقيت عنده من أربعة عشر بعد رد الثلاثة، وذلك مثلاً محاباته بستة -والله أعلم-.
وحكى إمام الحرمين عن بعض مَنْ لقيه من أفاضل الحُسَّاب في الصورتين وأخواتهما تمهيد طريقة مبنية على أصول سهلة المأخذ.
منها: أنَّ القَفِيز الجيد في هذه المسائل يعتبر بالأثمان فيقدر ثمانية أسهم، وينسب الرديء إليه باعتبار الأثمان.
ومنها: أن محاباة صاحب الجَيّد لا تبلغ أربعة أثمان قَطُّ، ولا تنقص عن ثلاثة أثمان قط، بل تكون بينهما، فإذا أردت أن تعرف قدرها، فانسب القفيز الرديء إلى الجيد، وخذ مثل تلك النسبة من الثمن الرابع، وإذا أردت أن تعرف ما يصح البيع فيه من القفيز، فانسب الرديء فيه إلى المحاباة في الأصل، وزد مثل تلك النسبة على التبرع، فالمبلغ هو الذي يصح فيه البيع، وإذا أردت أن تعرف ما يصحُّ فيه تبرع المقيل فانظر إلى تبرع بائع الجيد، واضربه في ثلاثة أبدا، وقابل الحاصل من الضَّرب بالقَفِيز الجيد، فما زاد على القفيز فهو تبرعه، فإن أَرَدْتَ أن تعرف ما صحَّت فيه الإِقَالة، فزد على تبرعه بمثل نسبة زيادتك على تَبَرُّع صاحبه، فالمبلغ هو الذي صحت الإقالة فيه.
مثاله في الصورة الأولى: نقول: القَفِيز الجَيَّد ثمانية والرديء أربعة، فالرديء نصف الجيد، فالتبرع في ثلاثة أثمان ونصف ثمن، وإذا نسبنا الرَّديء إِلَى أصل المُحَاباة وجدناه مثله، لأن المحاباة عشرة من عشرين، فنزيد على التبرع مثله يبلغ سبعة أثمان، فهو الذي صح البيع فيه، وإذا أردنا أن نعرف تبرع المقيل ضربنا تبرع الأول في ثلاثة تكون عشرة ونصفاً، وزيادة هذا المبلغ على الثَّمَانية اثنان ونصف، فعرفنا أن تَبَرّعه في ثمنين ونصف، فإن أردنا أن نعرف ما تصحُّ فيه الإقالة زدنا على الثمنين والنصف مثله تكون خمسة أثمان، ولا يخفى تخريج الصورة الأخرى ونحوها على هذه الطَّريقة -والله الموفق.
قال الغزالي: وَأَصَحُّ القَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَو جَمَعَ بَيْنَ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ كَالإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ، أَوِ الأِجَارَةِ وَالبَيْعِ، أَوِ النِّكَاحِ وَالبَيْعِ، مِثْلُ أَنْ يَقُول: زَوَّجْتُكَ جَارِيتِي وَبِعْتُكَ عَبْدِي بدينار، فَالعَقْدُ صَحْيحٌ وَإِن اخْتَلَفَتْ في الدَّوَامِ أَحْكامُهُمَا.
قال الرافعي: ذكرنا في أول الباب: أن الجمع في صَفْقَة واحدة بين شيئين؛ إما أن يكون في عقد واحد، أو في عقدين مختلفي الحكم، وقد فرغنا من القسم الأول.
وأما القسم الثاني: فإذا جمع في صفقة واحدة بين الإِجَارَة والسّلم، أو الإجارة والبيع، ففيه قولان 1:
أحدهما: أنه لا يصح واحد من العقدين، لأنهما مختلفا الحكم، إذ الإجارة والسلم يختلفان في أسباب الفسخ والانفساخ، وكذا الإجارة والبيع يختلفان في الحكم، فإن التَّأقيت شرط في الإِجَارة ومبطل للبيع، وكمال القبض في الإجارة لا يتحقَّق إلا بانقضاء المدة، لأنه قبل ذلك يعرض الانفساخ بخلاف البيع، وإذا اختلفت الأحكام فربما يعرض ما يوجب فسخ أحدهما، فيحتاج إلى التوزيع وتلزم الجَهَالة.
وأصحهما: أنهما جميعاً صحيحان؛ لأن كل واحد منهما قابل للعقد الذي أورده عليه على الانفراد، فالجمع بينهما لا يضر، واختلاف الحكم لا أثر له، ألا ترى أنه لو باع شِقْصاً من دار وثوباً يجوز، وإن اختلفا في حكم الشّفْعة واحتجنا إلى التوزيع بسببه؟.
وصورة الإجارة والسلم: أن يقول: أجرتك هذه الدار سنة، وبعتك كذا سلماً بكذا.
وصورة الإجارة والبيع: أن يقول: بعتك عبدي هذا، وأجرتك داري سنة بكذا، وعلى القولين ما إذا جمع بين بَيْع عين وسلم، أو بيع وصرف وغيره، بأن باع ديناراً أو ثوباً بدراهم لاختلاف الحكم، فإنّ قبض رأس المال شرط في السلم، والتقابض شرط في الصرف، ولا يشترط ذلك في سائر البيوع.
= منجماً على أقساط معلومة بينهما فإنه قد جمع بين إجارة وسلم والمسلم يكون في أجناس وفي جنس إلى آجال ومع ذلك فالنص وطريقة الجمهور صحة الخلع من غير تخريج على القولين لأنه لا يمكن أن يخالع على الإرضاع ثم يخالع على الإطعام المذكور لفوات العصمة بالخلع الأول، فتفريق الخلع غير ممكن وتفريق البيع والإجارة هنا ممكن.
الثالث: أن يكون الاختلاف في الموضوع لا في العارض ليخرج ما لو باع شقصاً ومنقولاً كثوب فإنه يصح قطعاً لأن موضوع العقد فيهما واحد، وإنما جاء الاختلاف من أمر خارج عنه وبه يعلم غلط من أورده على إطلاق الرافعي الاختلاف.
فإنه ليس المراد مطلق الأحكام بل أسباب الفسخ والانفساخ وبأن الدارمي صرح بجريان القولين فيهما كما سبق.
نعم لو اشترى شقصاً مشفوعاً وسيفاً والمشتري باعهما قبل أخذ الشفيع بالشفعة كان في بيعه القولان كما قاله الإمام لأن بيعه يشتمل على ما ينتقض وما لا ينتقض، وينبغي تنزيل إطلاق الدارمي على هذه الصورة وهو أولى.
الرابع: أن لا يكون مع الاختلاف اتفاق في الأثر الذي يترتب عليه المقصود ليخرج بذلك ما إذا خلط ألفين له بألف لغيره وشاركه على أحدهما وفارضه على الآخر فإنه يصح قطعاً ولا يتخرج على القولين.
الخامس: أن لا يكون أحد العقدين غير متأثر بفساد عوضه ليخرج الجميع بين النكاح والبيع فإن النكاح يصح قطعاً على المشهور.
السادس: أن يكون المخاطب بالعقدين أهلاً لهما في الجملة ليخرج ما إذا كاتب عبده وباعه شيئاً بعوض مقسط بقسطين فصاعداً، فإن البيع باطل.
والكتابة تصح على المذهب فيهما وإنما قلنا في الجملة ليخرج بذلك مسألة المزج في الرهن فإنهما يصحان لتأهل المتعاقدين لهما في الجملة لأن الرهن من مصالح البيع والقرض فاغتفر من وجه كما يغتفر شرطه بخلاف البيع مع الكتابة.
ولو جمع بين البَيْع والنِّكاح، بأن قال: زوجتك جاريتي هذه، وبعتك عبدي هذا بكذا، والمخاطب ممن يحل له نكاح الأمة، أو قال: زوجتك ابنتي وبعتك عبدها، وهي صغيرة أو كبيرة وكَّلته بالبيع صح النكاح بلا خلاف، وفي البيع والمسمى في النكاح القولان، إن صححنا وزع المسمى على قيمة المبيع ومهر مثل المرأة، وإلاَّ وجب في النكاح مهر المثل.
ولو جمع بين البيع والكتابة، بأن قال لعبده: كاتبتك على نجمين وبعتك عبدي، هذا جميعاً بألف، فإن حكمنا بالبطلان في الصورة السابقة فهاهنا أولى، وإلاَّ فالبيع باطل، إذ ليس للسيد البيع منه قبل أداء النجوم، وفي الكتابة قولان.
واعلم: أن من الأصحاب من لا يعد هذا الفصل من صور تفريق الصفقة، لأنا في قول نبطل العقدين جميعاً، وفي قول نصححهما جميعاً، فلا تفريق -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَتتعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بتَعَدُّدِ البَائِعِ، وَبِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ مثل أَنْ يَقُولَ: بِعْتُ هَذَا بِدِرْهَمٍ وَهَذَا بِدِينَارٍ، وَهَلْ تَتَعَدَّدُ بَتعَدُّدِ المُشْتَرِي؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: لما كان محل القولين في مسائل الباب ما إذا اتحدت الصَّفقة دون ما إذا تعددت، حتى لو باع ماله في صفقة واحدة ومال غيره في صفقة أخرى صحت الأولى بلا خلاف، وجب النظر في أنها متى تتحدد؟ ومتى تتعدد؟ فإذا سمى لكل واحد من الشيئين ثمناً مفصلاً، فقال: بعتك هذا بكذا وهذا بكذا، وقبل المشتري كذلك على التفصيل، فهما عقدان متعددان، ولو جمع المشتري في القبول فقال: قبلت فيهما فكذلك على المذهب؛ لأن القبول يترتب على الإيجاب، فإذا وقع ذلك مفرقاً فكذلك القبول.
وقيل: إن لم نجوز تفريق الصفقة لم يجز الجمع في القبول.
وتتعدد الصَّفقة أيضاً بتعدُّد البَائع، وإن اتَّحد المشتري والمعقود عليه كما إذا باع رجلان عبداً من رجل صفقة واحدة، وهل تتعدد بتعدد المشتري، مثل أن يشتري رجلان عبداً من واحد؟ فيه قولان: أصحهما: نعم، كما في طرف البائع.
والثاني: لا؛ لأن المشتري يبني على الإيجاب السابق، فالنظر إلى من صدر منه الإيجاب، والقولان على ما ذكر الإمام مأخوذان من قولين يأتي ذكرهما في أن المُشْتريين إذا وجدا بالعبد عيباً، وأراد أحدهما إفراد نصيبه بالرد، هل له ذلك؟ إن قلنا: نعم، عددنا الصفقة، وإلاّ فلا، وللتعدد والاتحاد وراء ما نحن فيه آثار أخر.
منها: أنا إذا حكمنا بالتعدد، فوفى أحد المشتريين نصيبه من الثمن، وجب على البائع تسليم قسطه من المبيع كما يسلم المشاع، وإنْ حكمنا بالاتِّحاد لم يجب تسليم شيء إلى أحدهما، وإن وفي جميع ما عليه حتى يوفى الآخر لثبوت حَقِّ الجنس للبائع،
كما لو اتَّحد المشتري ووفى بعض الثمن لا يسلم إليه قسط من المبيع، على أن فيه وجهاً: أن يسلم إليه القسط إذا كان المبيع مما يقبل القسمة ومنها: أنا إذا قلنا: بالتَّعدد، فلو خاطب واحد رجلين فقال: بعت منكما هذا العَبْدَ بألف، وقبل أحدهما نصفه بخمسمائةِ، ففي صحته وجهان:
أحدهما: يصح؛ لأنه في حكم صَفْقَتَين.
وأصحهما: أنه لا يصح؛ لأن الإيجاب وقع جملة، وأنه يقتضي جوابهما جميعاً.
ويجري الوجهان فيما لو قال مالكاً عبد لرجل: بِعْنَا منك هذا العبد بألف، فقبل نصيب أحدهما يعينه بخمسمائة، وقد يعرض للناظر تخريج خلاف في تعدد الصَّفقة بتعدد البائع من وجهين ذكروهما، فيما إذا باع رجلان عبداً مشتركاً بينهما من إنسان، هل لأحدهما أن ينفرد بأخذ شيء من الثمن؟ أحدهما وبه قال المُزَنِي: أنه لا ينفرد، ولعلنا نذكرهما بتوجيههما في غير هذا الموضع -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: وَاِذا جَرَى العَقْدُ بِوَكَالَةٍ فَالأَصَحُّ أَنَّ الاعْتِمَادَ علَى المُوَكِّلِ في تَعَدُّدِهِ وَاتِّحَادِهِ.
قال الرافعي: إذا وكَّل رجلان رجلاً بالبيع أو الشراء، وقلنا: إنَّ الصَّفقة تتعدَّد بتعدد المشتري، أو وكل رجل رجلين بالبيع أو الشراء، فالاعتبار في تعدد العقد واتِّحَاده بالعاقد أو المعقود له فيه وجوه:
أحدها وبه أجاب ابن الحَدَّاد: أن الاعتبار بالعاقد؛ لأن الأحكام تتعلق به، ألا ترى أن المعتبر رؤيته دون رؤية الموكل، وخيار المجلس يتعلق به دون الموكل؟
والثَّاني وبه قال أبو زيد والخضري: أن الاعتبار بالمعقود له؛ لأنّ الملك يثبت له وهذا أصح عند صاحب الكتاب، والأول أصح عند الشَّيخ أبي علي والأكثرين.
والثَّالث ويحكى عن أبي إسحاق: أن الاعتبار في طرف البيع بالمعقود له، وفي طرف الشراء بالعاقد، والفرق أن العقد يتم في جانب المشراي بالمباشر دون المعقود له، ألا ترى أن المعقود له لو أنكر كون المباشر مأذوناً وقع العقد عن المباشر، وفي جانب البيع لا يتم بالمباشر، حتى لو جحد المعقود له الإذن بطلا البيع.
قال الإمام: وهذا الفرق فيما إذا كان التوكيل بالشِّرَاء في الذِّمة.
فإما إذ وكله بشراء عبد بثوب له معين، فهو كالتَّوكيل بالبيع.
والرابع: ذكره في "التتمة": أن الاعتبار في جانب الشراء بالموكل، وفي البيع بهما جميعاً، فأيهما تعدد، تعدد العقد، ووجه أن العقد يتعدد بتعدد الموكل في حق الشفيع، ولا يتعدد بتعدد الوكيل، حتى لو اشترى الواحد شِقْصاً لاثنين، كان للشفيع أن يأخذ
حِصَّة أحدهما، وبالعكس لو اشترى وكيلان شِقْصاً لواحد لم يَجُزْ للشفيع أخذ بعضه، وفي جانب البيع حكم تعدُّد الوكيل والموكل واحد، حتى لو باع وكيل رجلين شِقْصاً من رجل ليس لِلشّفيع أخذ بعضه، وإذا ثبت ما ذكرناه في حكم الشّفعة فكذلك في سائر الأحكام، ويتفرع على هذه الوجوه فروع:
إحداها: لو اشترى شيئاً بوكالة رجلين فخرج معيباً، وقلنا: الاعتبار بالعاقد، فليس لأحد الموكلين إفراد نصيبه بالرد، كما لو اشترى ومات عن ابنين وخرج معيباً، لم يكن لأحدهما إفراد نصيبه بالرد، وهل لأحد الموكلين والابنين أخذ الأَرْش إن وقع اليأس عن رد الآخر بأن رضي به فنعم، وإن لم يقع فكذلك في أصَحِّ الوجهين.
الثاني: لو وكل رجلان رجلاً بِبَيْع عَبْدٍ لهما، أو وكل أَحَدُ الشَّرِيكين صاحبه، فباع الكل ثم خرج معيباً، فعلى الوجه الأول لا يجوز لِلْمُشْتَرِي ردّ نصيب أحدهما، وعلى الوجه الآخر يجوز.
ولو وكل رجل رجلين ببيع عبده فباعاه من رجل، فعلى الأَوَّل يجوز للمشتري رد نصيب أحدهما، وعلى الوجوه الأخرى لا يجوز.
ولو وكَّل رجلان رجلاً بشراء عبد أو وكَّل رجل رجلان بشراء عبد له ولنفسه ففعل، وخرج العبد معيباً فعلى الوجه الأول والثّالث ليس لأحد الموكلين إفراد نصيبه بالرد، وعلى الثاني والرابع يجوز.
وعن القَفَّال: أنه إن علم البائع أنه يشتري لاثنين، فلأحدهما رد نصيبه لرضا البائع بالتَّشْقِيض، وإن جهله البائع فلا.
الثالث: لو وكَّل رجلان رجلاً ببيع عبد، ورجلان رجلاً بشرائه، فتبايع الوكيلان وخرج معيباً.
فعلى الوجه الأول لا يجوز التفريق.
وعلى الوجوه الأخر يجوز.
ولو وكل رجل رجلين ببيع عبد ورجلين آخرين بشرائه، فتبايع الوكلاء.
فعلى الوجه الأول يجوز التفريق.
وعلى الوجوه الأخر لا يجوز -والله أعلم-.
قال الغزالي: النَّظَر
ُ الثَّانِي، (فِي لُزُومِ اتِّحَادِ العَقْدِ وجَوَازِهِ)
وَالأَصْلُ في البَيْعِ اللُّزُومُ وَالخِيَارُ عَارِضٌ، ثُمَّ يَنْقَسِم الخِيَارُ إلَى خِيَارِ التَّروِّي، وَإِلَى خِيَارِ النَّقِيصَةِ، وَخِيَارُ التَّروِّي مَا لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى فَوَاتِ وصَفٍ، وَلَهُ سَبَبَانِ: (أحَدُهُمَا): المَجْلِسُ فَيَثْبُتُ (م ح) خِيَارُ المَجْلِسِ في كُلِّ مُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَمٍ وَصَرْفٍ وَإِجَارَةٍ (ح) إِلاَّ فِيمَا يُسْتَعْقَبُ عِتَاقَةَ كَشِرَاءِ القَرِيبِ وَشِرَاءِ العَبْدِ نَفْسَهُ (و)، وَلاَ يَثْبُتُ فِيمَا لاَ يُسَمَّى بَيْعاً لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: "المُتَبَايعَان بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا".
قال الرافعي: ذكرنا في أول البيع: أنه أدرج كلام الكتاب في خمسة أطراف،
وهذا أَوَانُ الفراغ من الطرف الأول، والشُّروع في الطرف الثاني، وهو الكلام في لزوم العقد وجوازه، ولا نناقش في إبداله لفظ الطرف هاهنا وبعده بالنظر، فالأمر فيه سهل.
وقوله: "الأصل في البيع اللُّزُوم، والخِيَار 1 عارض" ليس المراد منه عروض
........................ = أحدهما البيع فقد لزم في حقه ولو لم يفارق صاحبه.
وإذا فخيار المجلس ينتهي بأحد الشيئين التفرق بالأبدان واختيار البيع.
والذي يؤخذ من هذا التعريف أن كل بيع ينعقد جائزاً فيثبت لكل من العاقدين حق فسخه استقلالاً؛ وأن هذا الجواز ينتهي ويخلفه اللزوم بأحد الشيئين المتقدمين.
وهذا هو مذهب الشافعية والحنابلة وجماهير الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وهو أيضاً مذهب الظاهرية فقد جعلوا لكل من الحاقدين حق فسخ البيع ما دام مجلس العقد قائماً، ولكن على معنى آخر غير الذي ذهب إليه الجمهور.
وهذا المعنى هو أن عقد البيع لا يتم عندهم إلا بالفرق أو التخاير، فما لم يوجد أحدهما فالعقد غير تام بل وغير صحيح فلكل منهما فسخه لذلك.
بينما هو عند الجمهور عقد تام ولكن متصف بصفة الجواز.
ويقابل هذا المذهب -أعني مذهب الجمهور- مذهب الحنفية والمالكية إبراهيم النخعي.
فإنهم يرون أن عقد البيع ينعقد لازماً فليس يجوز لواحد منهما ما دامت صيغة العقد تمت بالإيجاب والقبول أن يفسخ البيع استقلالاً كما هو مذهب الأولين.
حجة الجمهور: هي السنة والمعقول.
أما السنة:
فأولاً: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ" وهذا الحديث قد روِيَ عن ابن عمر بروايات كثيرة نكتفي منها بهذه الرواية -وهذا الحديث متفق عليه.
وثانياً: ما روي عن حكيم بن حزام -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "البَائِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعَهِمَا، وَإِنْ كَذِبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا" متفق عليه كذلك.
وثالثاً: ما روي عن أبي الوضيء قال: غزونا غزوة، فنزلنا، منزلاً، فباع صاحب لنا فرساً بغلام، ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما، فلما أصبحا من الغد قام الرجل إلى فرسه يسرجه فندم، فأتى الرجل وأخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يرفعه إليه.
فقال بيني وبينك أبو برزة صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر، فقالا له هذه القصة.
فقال: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "البَيْعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا" وما أراكما افترقتما -أخرجه أبو داود وابن ماجة مختصراً بدون القصة.
وجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهر حيث جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- للمتبايعين الخيار في البيع بعده إلى التفرق.
لأنهما لا يكونان متبايعين حقيقة إلا وقد وقع بينهما البيع، إذ هو وصف مشتق منه، والبيع حقيقته الإيجاب والقبول، وفي الحديث زيادة انتهاء الخيار بتخيير أحدهما صاحبه، وهي زيادة عدل ثقة فتكون مقبولة.
والمتبادر من التفرق إنما هو التفرق بالأبدان لا بالأقوال، والتبادر من أمارات البيعة، وفي قصة أبي برزة ما يدل عليه؛ لأن البيع كان قد تم بينهما.
وقد ظهر من هذه الأحاديث أن الخيار ثابت لهما بعد البيع إلى أن يتفرقا بأبدانهما أو يخير أحدهما صاحبه.
وهذا هو معنى خيار المجلس.
وأما المعقول -فهو أن الحاجة داعية إلى شرع هذا الخيار، لأن الإنسان قد يندفع إلى البيع تحت تأثير رغبة ملحة، أو خوف فوات فرصة، فيغالي في الثمن إن كان مشترياً ويتساهل فيه إن كان بائعاً، وبعد أن يحصل له ويرتاح باله تعاوده الفكرة فيرى غبنه فيود لو تخلص منه.
فشرع خيار المجلس موفر على العاقد هذه الرغبة، وموافق للمصلحة =
......................... = العامة لا سيما، ومجلس العقد عهد محلاً للمداولات والمشاورات والأخذ والرد في أمر البيع وحجة الحنفية: والمالكية هي الكتاب والأثر والمعقول أما الكتاب:
فأولاً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ أباح الله تعالى الأكل من مال الغير بعد حظره بطريق التجارة عن تراض، وهي تصدق بمجرد الإيجاب القبول ما داما ناشئين عن اختيار وإرادة حرة غير مفيدة.
ومن المعلوم أنه لو ثبت لهما الخيار بالعقد لما أبيح لهما الأكل بمجرد العقد لحق الآخر في الفسخ فدلت إباحة الأكل بمجرد العقد على أنه ينعقد لازماً.
والتجارة هي تقليب المال بالبيع والشراء.
وثانياً: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ والبيع قبل التفرق والتخاير يصدق عليه أنه عقد، وأنه عهد فيكون واجب الوفاء، ولاَ يكون واجب الوفاء إلا حيث كان لازماً إذ لو كان جائزاً يجوز فسخه لم يكن واجب الوفاء.
وثالثاً: قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أمر الله -جل شأنه- بالتوثق بالشهادة على البيع بعده قبل الخيار منعاً للتجاحد والتناكر، وفي هذا ما يدل على أن البيع إذا صدر صدر لازماً، وإلا لم يكن للتوثق بالشهادة من فائدة لجواز فسخ البيع حينئذ.
وأما الأثر:
فأولاً: قوله -صلى الله عليه وسلم-: "المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ" وسلك به في الاستدلال على المطلوب مسلك الآيات الكريمة، فيقال والعقد بمجرد الإيجاب والقبول شرط يلتزمان فيكون واجب الوفاء.
وثانياً: ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" المَبِيعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيْلَه" وهذا دليل على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة، وهي هنا قبل التفرق لأنه منهي عن التفرق قبلها.
ومن المعلوم أن الاستقالة لا تكون إلا في البيع اللازم، فدل ذلك على أن البيع قبل التفرق لازم.
وثالثاً: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: "كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فكنت على بكر صمب لعمر فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر: "بِعْنِيْهِ".
فقال هو لك يا رسول الله.
قال: "بِعْنِيهِ".
فباعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ".
رواه البخاري.
فهذا بيع صحيح من عمر -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يحصل بعد البيع تفرق؛ لأن الركب كان مندفعاً سوياً، كما أنه لم يحصل اختيار وإلا لذكر، وقد وهبه الرسول لابن عمر بعد البيع فوراً فدل صنيعه هذا على أن البيع ينعقد لازماً لا خيار فيه، وإلا لما وهبه له قبل انقضاء الخيار؛ لأن التصرف في المبيع أثناء الخيار غير جائز كما هي دعواكم.
رابعاً: قالوا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر، ومن الغرر أن يثبت لهما خيار بعد البيع إلى التفرق، وهو غير معلوم متى يكون؟ فيكون خياراً مجهول المدة فيفسد البيع كجهالة المدة في شرط الخيار].
خامساً: ما روي عن عمر -رضي الله عنه- قال: "البيع صفقة أو خيار" قسم عمر البيع قسمين: بيع صفقة وبيع خيار، ومن الضرورة أن بيع الصفقة غير بيع الخيار؛ لأنه قسيمه فيكون هناك بيع فيه خيار، وبيع لا خيار فيه هو الذي عبر عنه بالصفقة.
وأنتم أيها القوم الدين أثبتم خيار المجلس، أثبتموه في كل بيع، فأين هو البيع الذي لا خيار فيه والذي أشار إليه عمر - =