العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الاعْتِكَافِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الغزالي: الاعْتِكَاف سُنَّةٌ مؤَكَّدَة لاَ سِيَّمَا في العُشْرِ الأخِير مِنْ رَمَضَانَ لِطَلَبِ لَيْلةِ القَدْرِ، وَهِيَ في أَوْتَارِ العَشْرِ الأخَيرِ، وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ إلَى الحَادِي والعِشْرِينَ، وَقِيلَ: إنَّهَا في جَمِيعِ الشَّهرِ، وَقِيلَ: في جَمِيع السَّنَة، وَلَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ في مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيلَةَ القَدْرِ لَمْ تُطَلَّق إلاَّ إِذَا مَضَتْ سَنَةٌ لِأَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَع بِالشَّكِّ، ويُحْتَمَل أَنْ تَكُونَ في النَصِّفِ الأَوَّلِ.
قال الرافعي: الأصل في الاعتكاف الإجماع، والكتاب، والأخبار.
أما الإجماع فَظَاهِر.
وأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ 1. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 2. وأما الأخبار فسيأتي طرف منها، واَستفتح الكتاب بذكر شيئين: أحدهما: بيان استحباب الاعتكاف، وموضع تأكده.
والثاني: الكلام في لَيْلَة القَدْرِ.
أما الأول فالاعتكاف من الشرائع القديمة، وهوِ مستحب في جميع الأوقات، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن اعْتَكَفَ فَوَاقَ نَاقَةٍ، فَكَأنَّمَا أَعْتَقَ نَسَمَة" 3 وهو في العَشْر الأواخر من رمضَان آكد استحباباً؛ اقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطَلباً لِلَيْلَةِ القَدْرِ.
"كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْتَكِف الْعَشْرَ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ تَعَالَى" 4. واعلم أن استحباب الاعتكاف العشر الأخير مكرر، قد ذكره مرة في "سُنَنِ الصوم".
ومن رغب في المحافظة على هذه السِنة فينبغي أن يدخل المسجد قبل غروب

الجزء: 3 - الصفحة: 249

الشَّمْسِ يوم العشرين، حتى لا يفوته شيء من ليلة الحَادِي والعِشرِين، ويخرج بعد غروب الشمس ليلة العيد، ولو مكث ليلة العيد فيه إلى أن يصلّى فيه العيد، أو يخرج منه إلى المُصَلَّى كان أولى.
وأما الثَّاني.
فاعلم أن ليلة القدر أفضل ليالي السَّنة، خَصَّ الله تعالى بها هذه الأمة، وهي باقية إلى يوم القيامة، وجمهور العُلَماء وفيهم الشَّافعي -رضي الله عنهم- على أنها في العشر الأخير من رمضان، وهي في أوتارها أرْجَى، لِما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوَتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ" 5 ومَيْلُ الشَّافعي -رضي الله عنه- إلى أنها ليلة الحادي والعشرين؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسْطَى مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَاماً، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْرُجُ فِي صَيَحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، قَالَ: قَدْ رَأَيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي صَبيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وَتْرٍ، فَأَفْطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوِّكَفَ الْمَسْجِدُ"، قال أبو سعيد: فَأَبْصَرَت عَينَايَ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- انْصَرَفَ إِلَيْنَا، وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ" 6. وأبدى في بعض المواضع الميل إلى ليلة الثَّالث والعشرينِ، لما روي عن عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه- أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إِنِّي أَكُونَ بِبَادِيَتِي، وإِنِّي أُصَلِّي بِهِمْ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ مِنْ هذَا الشَّهْرِ، أَنْزِلُهَا الْمَسْجِدَ فَأُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَالَ: انْزِلْ فِي لَيْلَةِ ثَلاَثِ وَعِشْرِينَ" 7. وجمع بين الليلتين في "المختصر"، فقال: ويشبه أن يكون في ليلة إحدى وعشرين، أو ثَلاث وعشرين، والمعنى في إخفاء الله تعالى هذه الليلة، حَمْل النَّاس على إحياء جَمِيع ليالي العشر بالعبادة، رجاء إصابتهما، وعلامة هذه اللَّيلة أنها طلقة لاَ حَارة، ولا بَارِدَة، وأن الشَّمس في صبيحتها تطلع بيضاء ليس لها كثير شُعَاعٍ 8، ويستحب أن يُكْثِرَ فيها من قول "اللهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي" 9.

الجزء: 3 - الصفحة: 250

وعند مالك: هي في العشر، ولا ترجيح لِبَعْضِ اللَّيالي على البعض.
وعند أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- هي ليلة السَّابعِ والعِشْرِين، وهذا الذي ذكروه لا ينافي قوله في الكتاب: (وهي في أوتار العشر الأخير) فلا نعلمه بعلاماتهم، ولكن يجوز أن نعلمه بالحاء، لأنه روي عنه أنها محتملة في جَمِيع السَّنة، وروي في جميع الشّهر، والروايتان مستنبطتان مما نقل عنه أنه لو قال لزوجته: "أول يوم من رمضان أنت قال ليلة القدر" لا تطلق إلا مثل ذلك اليوم من السَّنة الأخرى.
وعن ابن خزيمة من أصحابنا: أن ليلة القَدْرِ منقولةٌ في ليالي العَشْرِ تُنْقَلُ في كل سنة إلى ليلة جمعاً بين الأخبار، وقوله: (وقيل: إنها في جميع الشهر) يشعر بأنه وجه للأصحاب، وقوله: (ولذلك لو قال لزوجته في منتصف شهر رمضان أنت طالق ليلة القدر لم تطلق إلا إذا مضت سنة) يشعر بأن المسألة مجزوم بها موجهة للوجه المنقول، وقد حكى في "الوسيط" المسألة هكذا عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- وكل واحد من نقل الوجه وتوجيهه محل التَّوقف.
أما النقل فلأنك لا تكاد تجد رواية احتمالها في جميع ليالي الشَّهر، عن الأصحاب في شيء من كتب المذهب 10. وأما التوجيه، فلأن ما أجاب به في مسألة الطَّلاق يخالف ما نقله الأئمة، فإنهم قالوا: إذا قال لامرأته: أنت طالق ليلةَ القَدْرِ فإن قاله قبل شَهْرِ رمضان، أو في رمضان قبل مُضِىِّ شَيْءٍ من ليالي العشر طلقت بانقضاء الليالي العشر، وإن قاله بعد مُضِيّ بعض لياليها لم تطلق إلى مُضِيِّ سنة، هكذا نقل الشَّيخ أبو إِسْحَاق في "المهذب"، والإمام وغيرهما، ولم تر اعتبار مضي سنة في المسألة المذكورة إلا في كتب صاحب الكتاب.
وقوله: (إن الطلاق لا يقع بالشك، لكنه يقع بالظن الغالب).
قال إمام الحرمين: الشافعي -رضي الله عنه- متردد في ليالي العَشْرِ، ويميل إلى بعضها ميلاً ضَعِيفاً، وانحصارها في العشر ثابت عنده بالظَّنِّ القَوِيِّ، وإن لم يكن مقطوعاً به، والطَّلاق يناط وقوعه بالمَذاهب المَظْنُونَةِ.
-والله أعلم-.

الجزء: 3 - الصفحة: 251

قال الغزالي: وَفي الْكِتَاب ثَلاَثَةُ فُصُولٍ.

الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ

وَهِيَ أَرْبَعَةٌ الأَوَّلُ: الاعْتِكافُ وَهُوَ عَبَارَةٌ عَنِ اللُّبْثِ فِي المَسْجِدِ سَاعَةً مَعَ الكَفِّ عَنِ الجِمَاعِ، وهَلْ يُشْتَرَطُ الكَفُّ عَنْ مُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ؟ فِيه قَوْلاَن، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح وم) اللُّبْثُ يَوْماً وَلاَ يَكْفِي العُبُورُ.
قال الرافعي: مقصود الفَصْل الأول: الكلام في أركان الاعتكاف، وهي فيما عدها أربعة: الاعتكاف، والنية، والمعتكِف، والمعتَكف.

الأول: الاعتكاف

: وهو عبارة عن المقام في اللّغة، يقال عكف واعتكف، أي: أقام.
وأما في الشريعة: فقد فسره في الكتاب باللُّبْثِ في المَسْجِد ساعة مع الكَفِّ عن الجِمَاع، وفيه اعتبار أمور: أحدها: اللُّبْث وقد حكى الإمام -رحمه الله- في اعتباره وجهين: أظهرهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لا بُدَّ منه؛ لأن لفظ العكوف مشعر به.
والثاني: أنه يكفي مجرد الحُضُور، كما يكفي الحضور بعرفة في تحقيق ركن الحَجّ.
ثم فرع على الوجهين فقال: إن اكتفينا بالحضور حصل الاعتكاف بالعُبُورِ حتى لو دخل من باب وخرج من باب ونوى فقد اعتكف، وإن اعتبرنا اللُّبْثَ لم يكف ما يكفي في الطمأنينة في أركان الصَّلاة، بل لا بد وأن يزيد عليه بما يسمى إقامةً وعكوفاً، ولا يعتبر السّكون، بل يصح اعتكافه قاعداً، وقائماً ومتردداً في أرْجَاء المسجد، ولا يقدر اللُّبْثُ بزمان، حتى لو نذر اعتكاف سَاعَةً انعقد، ولو نقدر اعتكافاً مطلقاً خرج عن عهدة النذر بأن يعتكف لَحْظَة، واستحب الشافعي -رضي الله عنه- أن يعتكف يوماً، وذلك للخروج من الخلاف، فإن مالكاً وأبا حنيفة -رحمه الله- لا يجوزان اعتكاف أقلّ مِنْ يوم، ونقل الصَّيْدَلاَنِي وَجْهاً: أنه لا بد من مُكْثٍ يَوْماً، أو ما يدنو من يوم 11؛ لأن ما دون ذلك معتاد في الحاجات التي تعنُّ في المَسَاجد، فلا تَصْلَح للقربة، وقد عرفت مما ذكرنا أن قوله: (ولا يشترط اللُّبْث يوماً) ينبغي أن يرقم بالميم والحاء والواو.
وقوله: (ولا يكفي العبور) بالواو، ويجوز أن يرقم به لفظ "اللُّبْث" أيضاً في قوله: (وهو عبارة عن اللبث) ولا يخفى أن قوله: (ساعة) ليس المراد منه الواحدة من السَّاعات التي يقسم اليوم والليلة عَلَيْهَا، ولا سبيل إلى حملة على اللّحظة وإن لطفت؛ لما ذكر الأئمة أنه لا بُد وأن يزيد على زَمَانِ الطمأنينة، ولأنه لو حمل على هذا المعنى

الجزء: 3 - الصفحة: 252

لضاع، وأغنى لفظ (اللبث) عنه، فإذاً هُوَ محمولٌ على القدر الذي يثبت اسم العكوف والإقامة فيه.
والثاني: كونه في المسجد، وهذا سيأتي شرحه في الركن الرابع.
والثالث: الكَفّ عَنِ الجِمَاع، فلا يجوز للمعتكف الجِمَاع، ولا سائر المباشرات بالشَّهْوَة، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 12. ولو جامع بَطَل اعْتِكَافه، سَواءٌ جامع في المِسْجد أو جامع حين خرج لقضاء الحاجة 13 إذا كان ذاكراً للاعتكاف عالماً بتحريم الجِمَاع، وهذا هو المراد من لفظ الكتاب، وإن أطلق الكف عن الجماع، فأما إذا جامع ناسياً للاعتكاف، أو جاهلاً بالتحريم، فهو كنظيره في الصَّوْمِ.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- يفسد الاعتكاف بجماع النَّاسِي، ولا فرق بين جِمَاعٍ وَجِمَاعٍ، وروى المُزَنِي عن نَصِّه في بعض المواضع: أنه لا يفسد الاعتكاف من الوطء إلا ما يوجب الحَدّ، فقال الإمام: قضية هذا ألاَّ يفسد بإتيان البهيمة، إذا لم توجب به الحَدَّ، وكذلك بالإتيان في غَيْرِ المأتى، والمذهب الأول 14. ولو لمس أو قبل بشهوة أو باشر فيما دُوَنَ الفرج مُتَعَمِّداً، فهل يفسد اعتكافه؟ فيه طريقان: أظهرهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: ويروى عن "الإملاء": أنها تفسده؛ لأنها مباشرة محرمة في الاعتكاف، فأشبهت الجِمَاع.
والثَّانِي: ويروي عن "الأم" أنها لا تفسده؛ لأنها مباشرة لا تبطل الحَج، فلا تبطل الاعتكاف كالقبلة بغير شهوة.
والثاني: القطع بأنها لا تفسد، حكاه الشَّيْخَان أبُو مُحَمَّد، والمَسْعُودِي، والمشهور طريقة القولين، وما موضعهما؟ فيه ثلاثة طرق: أحدها: أن القولين فيما إذا أنزل، فأما إذا لم ينزل لم يَبْطل الاعتكاف بلا خلاف كَالصَّوْمِ.
وثانيها: أن القولين فيما إِذَا لَمْ يُنْزِلَ، أما إذا أَنْزَلَ بَطَلَ اعتكافه بلا خِلاف، لخروجه عن أهلية الاعتكاف بالجنابة.

الجزء: 3 - الصفحة: 253

وثالثها -وهو الأظهر-: طرد القولين في الحالين، والفرق على أحد القولين فيما أذا لم ينزل بين الاعتكاف والصَّوم، أن هذه الاستمتاعات في الاعتكاف محرمة لعينها، وفي الصَّوم ليست محرمة لعينها، بل لخوف الإنزال، ولهذا يرخص فيها لمن لا تحرك القِبْلَة شَهْوَته.
وإذا اختصرت الخلاف في المسألة قُلْت فيها ثلاثة أقوال أو وجوه: أحدها: أنها لا تُفْسِد الاعتكاف، أنزل أو لم ينزل.
والثَّاني: تفسده، أنزل أو لم ينزل، وبه قال مالك.
والثَّالث -وبه قال أبو حنيفة والمزني وأصحاب أحمد-: أن ما أنزل منها أفسد الاعتكاف، وما لا فَلاَ، والمفهوم من كلام الأصْحَاب بعد الفَحْصِ أن هذا القول أرجح، وإليه مَيْلُ أَبِي إِسْحَاقَ المَرُوزِي، وإن استبعده صاَحب "المهذب" ومن تابعه.
أما القول بالفساد عند الانزال فقد أطبق الجمهور على أنه أصَح.
وأما المنع عند عدم الإِنْزَال فقد نَصَّ على ترجيحه المُحَامِلِيّ، والشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، والقاضي الرّوَيانِي، وغيرهم -رحمهم الله- وإيانا، والاستمناء باليد مرتب على ما إذا لَمَسَ فأنزل.
إن قلنا: إنه لا يبطل الاعتكاف، فهذا أولى وإن قلنا يبطله، ففيه وَجْهَان، والفرق كمال الاستمتاع والالتذاذ، ثم باصطكاك البشرتين.
ولا بأس للمعتكف بأن يُقَبِّلْ على سبيل الشَّفَقَةِ والإكْرَام، ولا بأن يلمس بغير شهوة: "وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُدْنِي رَأسَهُ لِتُرَجِّلَهُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- وَهُوَ مُعْتَكِفٌ" 15. قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرِطُ تَرْكُ التَّطَّيُّبِ وَتَرْكُ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ (م و) وَتَرْكُ الأكْلِ (م ح) بَلْ يَصَحُّ الاعْتِكافُ مِنْ غَيْرَ صَوْم، فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِماً لَزَمه كِلاَهُمَا، وَفِي لُزُومِ الجَمْع قَوْلاَنَ، وَلَو نَذَرَ أَنْ يُعْتَكِفَ مُصَلِّياً أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفاً لَمْ يَلْزَمِ الْجَمْعِ.
قال الرافعي: تَرْكُ التطيب لَيْسَ بِشَرْط في الاعتكاف، بل للمعتكف أن يتطيب كما له أن يرجل الرأس، ويتزوج، وَيُزَوِّج بخلاف المُحْرِم، وله أن يتزين يلبس الثِّيَاب إذ لم ينقل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غَيَّر ثيابه للاعْتِكَاف.
وعن أحمد أنه يستحب تَرْكُ التطيب، والتزين بِرَفِيع الثِّيَاب، ويجوز له أن يأمر بإصلاح مَعَاشه، وتعهد ضياعه، وأن يبيع ويَشْتَري، ويخيط وَيكْتُب، وما أشبه ذلك، ولا يكره شيء من هذه الأعمال إذا لم تكثر سِيَّمَا إذا وقع في مَحَلِّ الحاجة، وإن أكثر أو قعد يحترف بالخياطة ونحوها كُرِه، ولكن لا يبطل

الجزء: 3 - الصفحة: 254

اعتكافه.
وعن مالك أنه إذا قعد فيه واشتغل بحرفته يبطل اعتكافه، ونقل عن القديم قول مثله في الاعتكاف المنذور ورواه بعضهم في مطلق الاعتكاف، والمذهب مَا سَبَق؛ لأن ما لا يبطل قليله الاعتكاف لا يبطله كثيره، كَسَائِرِ الأَفْعَال 16، ولو كان يشتغل بقراءة القرآن ودراسة العلم فهو زيادة خَيْرٍ.
وعن أحمد أنه لا يستحب له إلا ذكر الله -تعالى- والصَّلاة، ويجوز له أن يأكل في المَسْجِد، والأولى أن يبسط سفرة ونحوها، لأنه أبلغ في تنظيف المسجد، وله أن يَغْسِل اليد، والأولى غَسْلُهَا في طِسْتٍ.
ونحوها، حتى لا يبتل المسجد فيمنع غيره من الصلاة والجلوس فيه، ولأنه قد يستقذر، فَيُصَان المسجد عنه، ولذا قال في "التهذيب": ويجوز نضح المسجد بالماء المطلق ولا يجوز نضحه بالماء المُسْتَعْمَل 17، وإن كَانَ طاهِراً، لأن النفس قد تعافه، ويجوز الفَصْدُ والحِجَامة 18 فِي المَسْجِد بشرط أن يأمن التلويث، والأولى الاحتراز عنه، وفي البول في الطِّست احتملان، ذكرهما ابن الصَّبَّاغ، والأظهر: المنع، وهو الذي أورده صاحب "التتمة"؛ لأنه قبيح، واللائق بتعظيم المسجد تنزيهه عنه، بخلاف الفَصْدِ وَالْحِجَامة؛ ولهذا لا يمنع من استقبال القبلة، واستدبارها عند الفَصْدِ، ويمنع عِنْدَ قضاء الحَاجَةِ، وليس من شرط الاعتكاف الصّوم بل يصح الاعتكاف في اللَّيل وحده، وفي العيد، وأيام التشريق خلافاً لأبي

الجزء: 3 - الصفحة: 255

حنيفة، ومالك -رحمهما الله- حيث قالا: الصوم شرط فيه، ولا يَصِحّ في العِيد، وأيام التَّشْرِيق، ولا في الليالي المُجَرَّدَة، وعن أحمد رِوَايَتَانِ: أصحهما: مثل مذهبنا.
لنا ما روي أن عمر -رضي الله عنه- سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: أَوْفِ بِنَذْرِكَ" 19. ولو لم يصح الاعتكاف في الليلة المفردة، لما أمره بالوفاء بنَذْرِهِ، ويجوز أن يعلم قوله: (بل يصح الاعتكاف من غير صوم) مع علامات هؤلاء بالواو؛ لأن الشيخ أَبَا محمد وغيره نقلوا عن القديم قولاً مثل مذهبهم.
إذا عرفت ذلك فلو نذر أن يَعْتَكف يوماً هو فيه صَائِم، أو أياماً هو فيها صَائِم لزمه الاعتكاف في أيام الصوم؛ لأن الاعتكاف بالصَّوْمِ أفضل، وإن لم يكن مشروطاً به، فإذا التزمه بالنذر لزمه، كما لو التزم التتابع فيه، وليس له في هذه الصورة إفراد أحدهما عن الآخر بِلاَ خِلاَف، وليست هذه مسألة الكتاب.
ولو اعتكف في رمضان أجزأه؛ لأنه لم يلتزم بهذا النَّذْرِ صوماً، وإنما نذر الاعتكاف على صِفَة، وقد وجدت، ولو نذر أن يَعْتَكِف صائماً، أو يعتكف بصوم لزمه الاعتكاف والصوم جميعاً بِهَذَا النذر، وهل يلزمه الجَمْعُ بينهما؟ فيه وجهان: أحدهما -وبه قال أَبُو عَلِيٍّ الطبَرِيّ-: لا، لأنهما عبادتان مختلفتان، فأشبه مَا إِذَا نذر أن يُصَلّيَ صَائِماً.
وأصحهما -ويحكى عن نَصِّه في "الأم" نعم؛ لما ذكرنا في المسألة السابقة، فلو شرع في الاعتكاف صَائِماً، ثم أفطر لزمه استئناف الصَّوْمِ والاعتكاف على الوجه الثاني، ويكفيه استئناف الصوم على الوجه الأول، ولو نذر اعتكاف أَيامٍ وليالٍ متتابعة صَائماً وجامع ليلًا ففيه هذان الوجهان ولو اعتكف عن نذرة في رمضان أجزأه عن الاعتكاف في الوجه الأول، وعليه الصَّوْم، وعلى الثاني لا يُجْزئه عن الاعتكاف أيضاً، ولو نذر أن يَصُوم معتكفاً ففيه طريقان: أظهرهما: طرد الوجهين.
والثاني: وبه قال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد: القطع بأنه لا يَجِب الجمع، والفرق أن الاعتكاف لا يصلح وَصْفًا لِلصَّوْم، والصَّوْم يَصْلُحُ وَصْفاً للاعتكاف، فإنه من مَنْدُوباته، ولو نذر أن يَعْتَكِفَ مُصَلِّياً، أو يُصَلِّي معتكفَاً لزمه الصَّلاة والاعتكاف، وفي لزوم الجَمْعِ طريقان:

الجزء: 3 - الصفحة: 256

أحدهما: طرد الوجهين.
وأصحهما: القطع بأن لا يجب، والفرق أن الصَّوْم والاعْتِكَاف متقاربان فإن كل وَاحِدٍ منهما كَفٌّ وِإمْسَاك، والصَّلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف، ويخرج على هذين الطريقين ما لو نذر أن يَعْتَكِف مُحْرِماً، فإن لم نوجب الجمع بين الاعتكاف، والصَّلاة، فالقدر الذي يلزمه من الصَّلاة هو القدر الذي يلزمه لو أفرد الصَّلاة بالنذر، وإن أوجبنا الجَمْعَ لزمه ذلك القَدْر فِي يَوْم اعتكافه، ولا يلزمه استيعاب اليوم بالصَّلاة فإن كان نَذَرَ اعتكاف أيام مُصَلِّياً لزمه ذلك الْقَدْرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، هكذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، وأنت بسبيل من أن تقول: ظاهر اللفظ يقتضي الاستيعاب فإنه جعل كونه مصلياً صِفَةً لاعتكافه، وإذا تركنا هَذَا الظَّاهِرِ، فلم نعتبر تكرير القدر الواجب من الصَّلاة في كل يوم، وهلا اكتفى به في جميع المُدَّة، ولو نذر أن يُصَلِّي صلاة يقرأ فيها سُورَة كذا، فعن القَفَّال: أن وجوب الجَمْعِ عَلَى الخِلاَف، في وجوب الجَمْعِ بين الصَّوْمِ والاعتكاف، ووجه لائح.
وقوله: (وفي لزوم الجمع قولان) التعبير عن الخلاف في المسألة بالقولين خلاف إيراد الجمهور.
نعم، ردد الإمام الرواية بين القولين والوجهين.
وقوله: (لم يلزمه الجمع) لا بد من وَسْمِهِ بالواو؛ لما ذكرنا من الخِلاَف في الصُّورتين، والذي أجاب به صاحب الكتاب موافق لما اختراه معظم الأئمة فيما إذا نذر أن يعتكف مُصَلِّياً، ومخالفاَ له فيما إذا نذر أن يصوم معتكفاً، سواء قدرنا جريانه عَلَى طريقة نفي الخلاف، أو اختياره نفي اللزوم مع تسليم الخلاف، فإن الأكثرين طردوا فيها الوجهين، وقالوا: الأظهر لزوم الجَمْعِ.

قال الغزالي

: الثَّانِي: النِّيَّةُ

وَلاَ بُدَّ مِنْهَا فِي الابْتِدَاءِ وَيَسْتَمِرُّ حُكْمُهَا وَإِنْ دَامَ اعْتِكَافُهُ سَنَةً، فَإنْ خَرَجَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهِ فَإِذَا عَادَ لَزَمَهُ اسْتِئنَافُ النِّيَّةِ، أَمَّا إِذَا قَدَّرَ زَمَاناً فِي نِيَّتِهِ كَمَا لَوْ نَوَى أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْراً لَمْ يَلْزَمْهُ إِذَا خَرَجَ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ فِي قَوْلٍ، وَلَزَمَهُ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الخُرُوجِ فِي قَوْلٍ، وَلَزَمَ بِالْخُرُوجِ لِغَيْرِ قَضَاءِ الحَاجَةِ قَرُبَ الزَّمَانُ أَوْ طَالَ فِي قَوْلٍ، وَنيَّةُ الخُرُوجِ عَنِ الاعْتِكَافِ كَنِيَّة الخُرُوجِ عَنْ الصَّوْمِ.
قال الرافعي: لا بد من النية في ابتداء الاعتكاف كما في الصَّلاة، ويجب التَّعَرُّض في المنذور منه للفرضية؛ ليمتاز عن التَّطوع 20، ثم في الرُّكْنِ مسألتان:

الجزء: 3 - الصفحة: 257

إحداهما: إذا نَوى الاعْتِكَاف لم يخل إما أن يُطْلِق، أو يعين بنيته زماناً، فإن أطلق كفاهُ ذَلِكَ وإن طال عكوفه، لكن لو خرج من المسجد، ثم عاد لزمه استئناف النية، سَواء خرج لِقَضَاءِ الحَاجَةِ أو لِغَيْرِهِ، فإن مَا مضى عبادةٌ تامة.
والثاني: اعتكاف جديد.
وقال في "التتمة": فلو أنه عزم عند خروجه أن يقضي حاجته ويعود كانت هذه العزيمة قائمة مقام النية، ولك أن تقول: اقتران النية بأول العبادة شرط فكيف يحصل الاكتفاء بالعزيمة السَّابقة على العود؟ 21 وإن عين زماناً، كما إذا نوى اعتكاف يومٍ أو شهر فهل يحتاج إلى تَجْدِيد النِّية إذا خرج وعاد؟ نقل في الكتاب فيه ثلاثة أقوال، وسماها في "الوسيط" وجوهاً، وهو الموافق لإيراد الأئمة -رحمهم الله- وهي حاصل ما ذكروه في الطرق.
أحدها: أنه لا حاجة إلى تجديد النية؛ لأن النية شَمَلت جميع المدة بالتعيين.
والثاني: أنه إن لم تطل مُدَّة الخروج فلا حاجة إلى التَّجْدِيد، وإن طالت فلا بد منه؛ لتعذر البناء، ولا فرق على هذا بين أن يكون الخروجُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ أو لغيره.
والثالث: أنه إن أخرج لقضاء الحاجة لم يجب التَّجديد؛ لأنه لا بد مِنْهُ فهو كالمستثنى عن النية، وإن خرج لَغَرَضٍ آخر فلا بد من التَّجْدِيدِ لِقَطْعِهِ الاعتكاف، ولا فرق على هذا بين أن يطول الزمان، أو لا يطول.
وهذا الثالث أظهر الوجوه، وزاد صاحب "التهذيب" في التفصيل فقال: إن خرج لأمر يقطع التتابع في الاعتكاف المتتابع فلا بد من تجديد النية، وإن خرج لِأَمْرٍ لا يقطعه نظر إن لم يكن مِنْهُ بُدٌّ كقضاء الحاجة والاغتسال عند الاحتلام فلا حاجة إلى التَّجْدِيد، وإن كان منه بُدٌّ أَوْ طال الزَّمان ففي التجديد وجهان، وهذه الاختلافات مضطردة فيما إذا نوى مدة لتطوع الاعتكاف، وفيما إذا نذر أياماً ولم يشترط فيها التتابع ثم دخل المعتكف على قصد الوَفَاء بالنذر أما إذا شرط التّتابع، أو كانت المُدَّة المَنْذُورَة متَوَاصِلة في نَفْسِها فسيأتي حكم التجديد فيها.
الثانية: لَوْ نَوَى الخُروجَ مِنَ الاعْتِكَافِ ففي بُطْلاَنِ الاعتكاف الخلاف المذكور في بطلان الصّوم بنية الخروج، والأظهر: أنه لا يبطل، وأفتى بعض المتأخرين ببطلان الاعتكاف؛ لأن مصلحته تعظيم الله تعالى كالصلاة وهي تختل بنقض النِّية، ومصلحة الصَّوْمِ قهر النَّفس وهي لا تفوت بنية الخروج.

الجزء: 3 - الصفحة: 258

قال الغزالي

: الثَّالِثُ: المُعْتَكِفُ

وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ عَاقِلٍ لَيْسَ بِجُنُبٍ وَلاَ حَائِضِ فَيَصِحُّ اعْتِكَافُ الصَّبِيّ وَالرَّقِيقِ، وَالسُّكْرُ وَالرِّدَّةُ إِذَا قَارَنَا الابْتِدَاءَ مَنَعَا الصِّحَّةَ، وَإِنْ طَرَأَ فالرِّدَّةُ تُفْسِدُ وَالسُّكْرُ لاَ يُفْسِدُ كَالإغْمَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا يُفْسِدَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا لاَ يُفْسِدَانِ، وَالْحَيْضُ مَهْمَا طَرَأَ قَطَعَ، وَالجَنَابَةُ إِنْ طَرَأَتْ بِاحْتِلاَمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الغُسْلِ وَلاَ يَلْزَمُهُ الغُسْلُ فِي المَسْجِدِ وَإِنْ أَمْكَنَ.
قال الرافعي: شرط في المعتكف أن يكون مُسْلِماً عاقلاً نَقِيًّا عَنِ الْجَنَابَةِ، وَالْحَيْضِ.
والكلام فيمن يدخل في هذا الضبط ومن يخرج عنه.
فمن الداخلين فيه الصّبي، والرقيق، والمرأة المزوّجة، فيصح اعتكافهم، كما يصح صَوْمُهُم وصلاتهم، لكن لا يجوز للعبد أن يعتكفُ بغير إذن سيدهِ 22، لأن منفعته مستحقة للسَّيد، ولا المرأة المزوجة أن تعتكف بغير إذن زوجها؛ لأن الزوج يستحق الاستمتاع بها، وإن اعتكفا بغير إذنٍ، كان للسيد إخراج العبد، وللزَّوْجِ إخراج الزَّوجة، وكذلك لو اعتكفا بإذنهما تطوعاً فإنه لا يلزم بالشروع.
وقال مالك ليس لهما الإخراج إذا أَذِنا، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- في الزوج، وساعدنا في السَّيد، ولو نذرا اعتكافاً، نظر إن نذراه بغير إذن فلهما المنع من الشروع فيه، فإن أذِنَا في الشُّروع وكان الزمان مُتَعَيَّناً أو غير متعين ولكن شرطَا التتابع لم يجز لهما الرجوع، وإن لم يشرطا التتابع فلهما الرجوع في أظهر الوجهين.
وإن نذرا بالإذن، نظر إن تعلق بزمان مُعَيَّن فلهما الشروع فيه بغير إذن، وإلا لم يشرعا فيه إلا بإذن، وإذا شَرَعَا بالإذن لم يكن لهما المَنْعُ من الإتمام، هكذا أورده أئمتنا العراقيون، وهو مبني على أن النذر المُعَلَّق إذا شرع فيه لَزِمَ إتمامه، وفيه خلاف قَدَّمْنَاه،

الجزء: 3 - الصفحة: 259

ويستوي في جميع ما ذكرناه القِنّ، والمُدَبَّر، وأمّ الوَلَدِ.
وأما المكاتب فله أن يعتكف بغير إذن السَّيد على أصح الوجهين، ومَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ونصفه رقيق كالرقيق إن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة، وإن كانت فهو في نوبة نفسه كالحر، وفي نوبة السيد كالرقيق، وأما من يخرج عنه فباعتبار الإسلام والعقل يخرج الكافر والمجنون، والسكران، والمغمى عليه، فلا يصح منهم الاعتكاف إذ لا نية لهم.
ولو ارتد في أثناء اعتكافِهِ، فالمنقول عن نَصِّه في "الأم" أنه لا يبطل اعتكافه، بل يبنى إِذا عَادَ إِلَى الإسْلاَم، ونَصَّ أنه لو سكر في اعتكافه، ثم أفاق يستأنف، وهذا حكم بِبُطْلاَن الاعتكاف، وللأصحاب فيهما طريقان: أحدهما: تقرير النَّصَّيْنِ.
والفرق أن السَّكْرَان مَمْنُوعٌ مِنَ المَسْجِدِ، قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ 23 أي: موضع الصلاة، فإذا شرب المُسْكِر، وَسَكِر، فقد أخرج نفسه عن أَهْلِيَّةِ اللُّبْثِ في المسجد، فنزل ذلك منزلة خروجه منه، والمُرْتَدْ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنَ المَسْجِد؛ بل يجوز استتابته فيه، وتمكينه من الدخول لاستماع القرآن ونحوه، فلم يجعل الارتداد متضمناً بطلان الاعتكاف، واختار أصْحَاب الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ هذا الطَّرِيق، وذكروا أنه المذهب، وسلم غيرهم ذلك في السَّكْرَان، ونازعوهم في عدم تَأْثِير الرِّدَّة على ما سيأتي.
وأصحهما: التَّسْوِية بين الرِّدَّة والسُّكْرِ، وفي كيفيتها طريقان: أحدهما: أنهما على قولين: أحدهما: أنهما لا يُبْطِلاَنِ الاعْتِكَافِ.
أما الرِّدَّة فلما سبق.
وأما السُّكْرُ، فلأنه ليس فيه إلا تناول مُحَرَّم، وذلك لا ينافي الإعتكاف.
والثاني: أنهما يبطلان الإعتكاف أما السكر فلما سبق، وأما الردة فلخروج المُرْتَدّ عن أهلية العِبَادة.
وأصحهما: الجَزْمُ فِي الصورتين، وفي كيفته طرق.
أحدها: أنه لا يبطل الإعتكاف بواحدٍ مِنْهُمَا، وكلامه في السَّكْرَانِ محمول على مَا إِذا خرج من المَسْجِدِ، أو أخرج لاقامة الحَدّ عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 260

وثانيها: أن السكر يبطله لامتداد زمانه، والرِّدَّة كذلك إن طال زَمَانُهَا، وإلا فيبنى، وكلامه في الردة محمول على حالة طُولِ الزمان.
وثالثها: ولم يورده إلا لإمام، وصَاحب الكتاب رحمهما الله أن الرِّدة تُبْطِلُ، لِأنها تفوت شرط العبادة، والسكر لا يبطل، كالنوم والإغماء، وهو خلاف النَّصين.
ورابعها: وهو الأصَح، ويحكى ذلك عن الرّبيع: أنهما جميعاً مُبْطِلان، فإن كل واحد منها أَشَد من الخروج من المسجد، فإذا كان ذلك مبطلاً للإعتكاف فهما أولى، وَنُّصه في الرِّدة مفروض فيما إذا لم يكن اعتكافه متتابعاً، وإذا عاد إلى الإسلام يبنى على ما مضى، لأن الردة لا تحبط العِبَادات السَّابقة عندنا، ونصه في السكر مفروض في الإعتكاف المتتابع، والله أعلم.
وأعرف في لفظ الكتاب شيئين: أحدهما: أنه يشعر بأن الخلاف في أن الرِّدَّة والسُّكْر هَلْ يخلان بالإعتكاف أم يستمر معهما بحالة؟ فإنه جعلهما مانعين من الصِّحة إبتداه، وفرض الخلاف في الفساد بعروضهما، وكلام الإمام كالمصرح بمثل ذلك، وليس هو بِمُسَاعَدٍ عليه، بل الأصحاب جعلوا الخَلاَف في أنه هل يبقى ما تَقَدَّم على الردة والسكر معتداً بِهِ حتى يبنى عليه، أمْ يَبْطُل حَتَّى يحتاجَ إِلىَ الاسْتِئنَافِ إذا كان الإعتكاف متتابعاً؟ فأما زمان الردة والسكر فالمفهوم من نَصّ الشافعي -رضي الله عنه- أنه لا اعتكاف فيه، فإن الكلام في أنه يبنى أو يستأنف إنما ينتظم عند حُصُولِ الاختِلال فِي الحَالِ، وقد نَصَّ أبو علي وغيره، على أن أيام الرِّدَّة غير محسوبة من الإعتكاف بلاَ شَك، إذ ليس للمرتد أهلية العبادة، ونقل صاحب "التهذيب" في احتساب زمان السُّكَرِ وجهين، وقال: المذهب المنع.
والثَّاني: أن إيراد الكتاب يقتضي تَرْجِيح الطريق الذي عَزَيْنَاه إلى رواية الإمام، وصاحب الكتاب، وقد صرح به في "الوسيط" ولم ير لغيرهما نقله فضلاً عن ترجيحه، ولو جُنَّ أو أغمى في عليه في خِلاَل الإعتكاف، فإن لم يخرج من المَسْجِدِ لم يبطل اعتكافهُ، لأنه معذور فيما عرض، وإن أخرج نظر إن لم يمكن حفظه في المسجد فكذلك، لِأنه لم يحصل الخروج باختياره، فأشبه ما لو حمل العَاقِلُ، وأُخْرِجَ مَكْرَهاً، وإن أمكن ولكن شق ففيه الخلاف الذي نذكره في المريض إذا خرج، قال في "التتمة": ولا يحسب زمان المجنون من الاعتكافِ، لأن العبادات البدنية لا تَصِح من المُجْنُون، وزمان الإغماء يحسب على المَذْهب، وفيه خلاف تحرجاً مما لو أغْمي عَلَى الصَّائِم.
وأما اعتبار النقاء من الجنابة والحيض فيخرج منه الحَائِض والجُنُب، فلا يصح منهما الإعتكاف، ومتى طرأ الحيض على المعتكفة فعليها الخُروجُ مِنَ المسْجِدِ، ولو مَكثَت لم يحسب من الإعتكاف، وهل يبطل ما سبق أم يجوز البَنَاء عليه في الإعتكاف المتتابع؟ وقد ذكره في الفصل الثالث.

الجزء: 3 - الصفحة: 261

ولو طرأت الجنابة نظر إن طرأت بِمَا يبطل الاعتكاف فلا يخفى الحكم، وإن طرأت بما لا يبطله كالاحتلام وبالجماع ناسياً والإنزال بالمباشرة فيما دون -الفرج، إذا قلنا: إنها لا تبطلُ فعليه أن يبادر إلى الغسلِ، كيلا يبطل تتابع اعتكافهِ، ثم إن لم يمكنه الغسل في المسجد فهو مضطر إلى الخروج، وإن أمكنه فيعذر في الخروج أيضاً، ولا يكلف الغسل في المسجد، فإن الخروج أقرب إلى المرؤة وصيانة حرمة المسجد.
وقوله: (والحيض مهما طرأ قطع) ليس المراد منه قطع التتابع، فالكلام فيه سيأتي، وإنما المراد أنه يقطع الاعتكاف في الحَال، وإذا كان كذلك فانقطاع الاعتكاف في الحال غير مخصوص بالحَيْض، بل زمان الجنابة أيضاً لا يحسب من الاعتكاف على الصَّحيح، فيه وجه حكاه صَاحِب "التهذيب" وضعفه، فلو قال: والحيض والجنابة إذا طَرَآ قطعاً، ثم ذكر حكم الاحتلام كان أحسن.

قال الغزالي

: (الرَّابعُ المُعْتَكَفُ فِيهِ)

وَهُوَ المَسْجِدُ وَيَسْتَوي فِيهِ سَائِرُ المَسَاجِدِ، وَالجَامِعُ أَوْلَي بِهِ، وَلاَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ المَرْأة فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الإعتكاف يختص بالمَسَاجد 24، ويستوى في الجواز جميعها كاستوائها في تحريم المُكْثِ الْمِجُنُب، وسائر الأحكام، ويدل عليه إطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ 25 وعَند أحمد: لا يصح الإعتكاف إلا في مَسْجِدِ تقام فيه الجَمَاعة، فأعلم قوله: (ويستوى فيه جميع المسجاد) بالألف، ويجوز أن يُعَلِّمَهُ بالواو أيضاً؛ لأن صاحب "المعتمد" ذكر أن الشَّيْخَ أَبا حَامِدِ حكى أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- أو ما في القديم إلى مثل مذهب الزّهرى، وهو إختصاص الإعتكاف بالمجسد الجامع، والمشهور الأول، والجامع أولى بالإعتكاف للخروج من الخلاف، ولكثرة الجماعة، ولئلا يحتاج إلى الخروج لِصَلاة الجمعة، وهذا أظهر المعاني عند الشَّافعي -رضي الله عنه- أو لا بد منه في ثبوت الأولوية؛ لأنه نص على أن المرأة والعَبد والمسافِرَ، يعتكفون حيث شاؤا أي: من المساجد؛ لأنه جمعة عليهم.
ولو إعتكف المرأة في مسجد بيتها، وهو المعتزل المهيأ للصلاة هل يصح؟ فيه قولان: الجديد وبه قال مالك وأحمد: لا؛ لأن ذلك الموضع ليس بمسجد في الحقيقة، فأشبه سائر المواضع، ويدل عليه "أَنَّ نِسَاءَ النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كُنَّ يَعْتَكِفْنِ فِي الْمَسْجِدِ 26 "، ولو جاز اعتكافهنِ في البيوت لأشبه

الجزء: 3 - الصفحة: 262

أن يلازمنها والقديم وبه قال أبو حنيفة: نعم، لِأنه مكان صلاتها كما أن المسجد مكان صلاة الرجال، وعلى هذا ففي جواز الاعتكاف فيه للرجل وجهان: وهو أولى بالمنع، ووجه الجواز أن نفل الرجل في البيت أفضل، والإعتكاف ملحق بالنوافل، وإذا قلنا بالجديد فكل امرأة يُكْرَه لها حضور الجماعات، يكره لها الخروج للإعتكاف، والتي لا يكره لها ذَاكَ لا يكره لَهَا هذا 27. قال الغزالي: (وَلَوْ عَيَّنَ مسْجِداً بِنذْرِهِ، فالصَّحِيحُ أَنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ يَتَعَيَّنُ، وَسَائِرَ المَسَاجِدِ لاَ تَتَعَيَّنُ، وَفِي المَسْجِدِ الأَقْصَي وَمَسْجِدِ المَدِينةِ قَوْلاَنِ، وقيل: إِنَّ الكُلَّ لاَ يَتَعَيَّنُ، وَقِيلَ: إِنَّ الكُلَّ يَتَعَيَّنُ، وَأَمَّا الزَّمَانُ فَالمَذْهَبُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ (و) كَمَا فِي الصَّوْمِ ثُمَّ يَقْضِي (و) عِنْدَ الفَوَاتِ.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل في تعيين مكان الاعتكاف وزمانه بالنذر.
أما المكان فإن عَيَّن المسجدَ الحرام، تعين لمزيد فضله، وتعاق النسك.
وأن عين مسجد المدينة، أو المسجد الأقصى فهل يتعين فيه قولان.
أظهرهما: وبه وقال: أحمد، نعم؛ لأنهما مسجدان ورد الشرع بشد الرحال إليهما، المَسْجِد الحرام.
والثاني: لا؛ لأنه لا يتعلق بهما نسك، فأشبها سائر المساجد، وذكر الإمامُ أن من الأصْحَابِ من خرج تعيين المَسْجِد الحَرامِ على هذين القولين.
وإن عين المَساجِدَ الثلاثة ففي التعيين وجهان.
وقال الكَرَخِي: قولان عن ابن سريج.
أظهرهما: أنه لا يتعين كما لو عَيَّنَهُ لِلصَّلاة.
والثاني: أنه يتعين؛ لأن الإعتكاف يختص بالمسجد بخلاف الصلاة لا تختص بالمَسْجِد فلا يتعين لها المسج.
واحتج لهذا الوجه بأن الشافعي -رضي الله عنه- قال: لو أوجب على نفسه اعتكافاً في مسجدٍ فانهدم إعتكف في موضع منه، فإن لم يقدر خرج، فإذا بُنِيَ المسجدُ رَجَع وبنى على اعتكافه.
ومن قال بالأول حمله على ما إذا كان المعينُ أحدَ المَسَاجِدِ الثلاثة، أو ما إذا لم يكن في تلك القربة مَسْجدٌ آخر، ومنهم من قطع بأن غير المَسَاجِد الثلاثة لا يتعين، ونفى الخلاف فيه.
وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أن في تعيين الجميع

الجزء: 3 - الصفحة: 263

خلافاً كما ذكره في الكتاب، وليس قوله: (وقيل الكل لا يتعين) محمولاً على طريقةٍ قاطعةٍ بنفسي التعين في الكُلِّ، فإنه لاصَائِرَ إليه في المسجد الحَرَام.
ولا قوله: (وقيل الكل يتعين) محمولاً على طريقة قاطعة بالتعيين في الُكلِّ، فإنه لم ينقلها أحد في غير المساجد الثلاثة، ولكن الطريقة المذكورة أولاً قاطعة بالتعين في المَسْجِد الحرام، وبعدم التعين فيما سوى المَسَاجِدِ الثلاثة، فالغرض من قوله (قيل وقيل) بيان أن كل واحد من القطعين قد نازع فيه بعض الأصحاب، ومتى حكمنا بالتعيين فإذا عَيَّنَ المسجد الحرام لم يقم غيره مقامة، وإن عَيَّن مَسْجِدَ المدينة لم يقم غيره مقامه إلا المسجد الحرام، وإن عين المسجد الأقصى لم يقم غيره مقامَة، إلا المسجد الحَرَام، ومسجد المدينة، وإن حكمنا بِعَدَمِ التعين، فليس له الخُروُج بعد الشروع لينتقل إلى مسجدٍ آخر، لكن وكان ينقل في خروجه لقضاء الحاجة إلى مسجد آخر على مثل تلك المسافة، أو أقرب كان له ذلك في أصَحِّ الوجهين.
وأما الزمان ففي تعيينه بالتعيين وجهان: أحدهما: وهو المذهب: أنه يتعين حتى لا يجوز التقديم عليه، ولو تأخر كان ذلك قضاء الفائت.
والثاني: لا يتعين كما لا يتعين في نذر الطَّلاة والصدقة، والوجهان جَارِيان بِعَيْنِهما، فيما إذا عين زمان الصوم، وقد ذكرهما في الكتاب في النذور، وسيأتي شَرْحُه عليهما -إن شاء الله- وهذا الكلام يعرفك أن قوله: (فالمذهب أنه يتعين كما في الصوم) ليس كقياس التعين في الوجه الذي هو المذهب على التعين في الصَّوْمِ، فإن الخلاف فيهما وَاحدِ، وإنما الغرض تشبيه الخِلاَفِ بالخِلاَفِ.

قال الغزالي

: (الفَصْلُ الثَّانيِ فِي حُكْمِ النَّذْرِ)

وَالنَّظَرُ فِي ثَلاَثةِ أمُور

: (الأَوَّلُ) فِي التَّتَابعُ

فَإذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهراً يَلْزَمْهُ (و) التَّتابع إِلاَّ إِذَا شَرَطَ، وَلَوْ قَالَ: يَوْماً لم يَخُزْ تَفْريِقُ السَّاعَاتِ عَلَى الأَيَّامِ فِي أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، واِذَا قَالَ: أَعْتَكِفُ هَذَا الشَّهْرَ لَمْ يَفْسَدْ أَوَّلُهُ بِفَسَادِ أخِرِهِ، وَلاَ يِلْزَمُ التَّتَابعُ فِي قَضَائِهِ، لأنَّ التَّتَابُعَ وَقَعَ ضَرُوَرةَ لاَ بِقَصْدِهِ، بِل لَوْ صَرَّحَ وَقَالَ: أَعْتَكِفُ هَذَا الشَّهْرِ مُتَتَابِعاً لَمْ يَلْزَمِ التَّتَابُع فِي القَضَاءِ عَلَى أَحِد الوَجْهَين إِذِ التَّتَابُعُ وَقَعَ ضَرورَةٌ فَلاَ أَثَرَ لِلَفْظِهِ.
قال الرَّافِعيُّ: الاعتكاف المنذور يمتاز عن غير المنذور منه بأمورٍ رَاجِعَةٍ إلى كيفية لفظ الناذر والتزامه، ومقصود الفَصْلِ الثَّانِي الكلام في ثلاثة أمور منها.
أحدهما: في التَّتَابع.

الجزء: 3 - الصفحة: 264

من نذر اعتكافا لم يخل إما أن يطلق أو يقدر مُدَّة، فإن أطلق فقد ذكرنا ما يلزمه.
وما يستحب له، وإن قَدَّرَ مُدَّة فأما أن يُطْلِقَهَا أَو يُعَيِّنُهَا.
الحالة الأولى: أن يطلقها فينظر إن آشترط التتابع لزمه، كما اشترط التتابع في الصَّوم، وإن لم يشترطه بل قال: على شهر أو عشرة أيام لم يلزمه التتابع كما في نظره من الصَّوُمِ، وخرج ابن سُرَيْجٍ قولاً: أنه يلزم، وبه قال مالك، وأبو حنيفه، وأحمد -رحمهم الله- كما لو حلف ألا يكلم زيداً شهراً يكون متتابعاً، وظاهر المذهب الأولى وهو المذكور في الكتاب، ولكن يستحب رعاية التتابع، وعلى هذا فلو لم يتعرض له لفظاً، ولكن نواة بقلبه فهل يلزمه؟ فيه وجهان: قال صاحب "التهذيب" وغيره: أصحهما: أنه لا يَلْزمه، كما لو نذر أصل الإعتكاف بقلبه، ولو شرط التفرق فهل يخرج عن العهدة بالمتتابع؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ لأنه أفضل كما لو عَيَّن غير المسجد الحَرَام، ويخرج عن العهدة بالإعتكاف في المسجد الحرام، ولو نذر اعتكاف يَوْمِ فهل يجوز تفريق السَّاعات على الأيام؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، تِنزيلاً للساعات من اليوم منزلة الأيَّامِ مِنَ الشَّهر.
أصحهما: وبه قال أبو إسْحَاقَ والأكثرون: لا، لأنَّ المفهومَ مِنْ لفظ اليْوم المتصل، وقد حُكِي عن الخَلِيلِ أن اليوم اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس.
ولو دخل المجسد في أثناء النهار وخرج بعد الغروب ثم عاد قبيل طلوع الفجر ومكث إلى مثل ذلك الوقت فهو على هذين الوجهين ولو لم يخرج بالليل فجواب الأكثرين أنه يجزئه، سواء جوزنا التفريق أو منعناه، لحصول التواصل بالبيتوته في المسجد.
وعن أبي إِسْحَاق أنه لا يجزئه تفريعاً على الوجه الثاني؛ لأنه لم بات بَيْوم متواصل الساعات الليلة ليست من اليوم، فلا فرق بين أن يخرج منها عن المَسْجِد أولاً يخرج، وهذا هو الوجه.
ولو قال في أثناء النهار: لله على أن أعتكف يوماً من هذا الوقت فقد أطبق حماة المذهب على أنه يلزمه دخول المعتكف من ذلك الوَقْت إلى مثله من اليوم الثاني، ولا يجوز أن يخرج بالليل ليتحقق التتابع، وفيه توقف من جهة المعنى؛ لأن الملتزم يوم، والبَعْضَان يوم وليلة، والليلة المتخللة ليست من اليوم، فلا تمنع التتابع بينهما، كما أنها لا تمنع وصف اليومين الكَامِلَيْنِ بالتتابع، والقِيَاس أن يجعل فائدة التقيد في هذه الصُّورة القَطْع يجواز التَّفْرِيق لا غير، ثم حكى الإمامُ تَفريعاً على جَوازِ تفريق السَّاعاتِ عن الأصحاب أنه يكفيه سَاعَات أقصر الأيام؛ لأنه لو اعتكف أقصر الأيام جاز، ثم قال: إن فرق على ساعات أقصر الأيام في سنين فالأمر كذلك، وإن اعتكف في أَيَّامٍ متباينة في الطُّول والقصر فينبغي أن ينسب اعتكافه في كل يوم

الجزء: 3 - الصفحة: 265

بالجزئية إليه إن كان ثُلُثًا فقد خرج عن ثُلُثِ ما عليه، وعلى هذا القياس، نظراً إلى اليوم الذي يوقع فيه الإعتكاف، ولهذا لو اعتكف بقدر سَاعَات أقصر الأيام من يوم طَويِل لَم يْكفِه، وهذ الذي ذكره مُسْتَدْرَكٌ حسَنٌ، وقد أجاب عنه بما لا يشفى والله أعلم.
الحالة الثانية: أن يعين المدة المقدرة، كما لو نذر أن يعتكف عَشْرَة أيام من الآن، أو هذه العشرة أو شهر رمضان، أو هذا الشَّهر فعلية الوَفَاء، ولو أفْسدَ آخره بالخروج بغير عُذْرٍ أو بسبب آخر لم يلزمه الاستئناف، ولو فاته الجميع لم يلزمه التتابع في القَضَاء، لأن التتابع فيه كان خمن حَقّ الوَقْتِ، وضروراته لا أنه وقع مقصوداً فأشبه التتابع في صَوْمِ رمضان، وهذا إذا لم يتعرض للتتابع، أما إذا صَرَّح به فقال: أعتكف هذه العشرة، أو هذا الشَّهر متتابعاً، فهل يلزمه الاستئناف إذا أفسد آخره؟ وهل يجب التتابع في قضائه عند الفوات؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لِأن التَّتَابع وَاقِعٌ ضرورة فَلاَ أثر لِلَفْظِه وتصريحه.
وأصحهما: نعم؛ لأن تَصْرِيحَهُ بِهِ يَدُلُّ على قصْدِه إياه، ويجوز أن يكون ذلك مقصوراً من تعيين الزَّمان.
وأعلم قوله: في الكتاب: (لم يفسد أوله آخره) بالألفِ، لأن في رواية عن أحمد يفسد وَيجِب الاسُتِئْنَافُ.

قال الغزالي

: (الثَّانِي فِي اسْتِتْبَاعِ اللَّيَالِي)

فَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ دَخَلَتِ اللَّيَالِي فِيهِ وَيَكْفِيهِ شَهْرٌ بالأَهِلَّةِ، وَلَو نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَمْ تَدْخُلِ اللَّيْلَةُ، وَلَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّام فَفِي اللَّيَالِي المُتَخَللةَ ثَلاَثة أَوْجُهٍ، وَفِي الثالِثِ تَدْخُلُ إِنْ نَذَرَ التَّتَابُع وإِلاَّ فَلاَ، وإِذَا نَذَرَ العُشْرَ الأَخَيَر فَنَقَصَ الهَلاَلُ كَفَاهُ التِّسْعَ.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصود هذا النظر بيان أن الليالي متى تلزم إذا ينص عليها، ويقاس به الأيام إذا لم ينص عليها، وفيه صور.
إحدهما: لو نذر اعْتِكَافَ شَهْرٍ لزمه الأيام والليالي؛ لأن الشَّهْرَ عبارةٌ عن الجَمِيع إلا أن يقول أيَّام شَهْرٍ، أو نهار هذا الشهر، فلا تلزمة الليالي، وكذا لو قال: ليالي هذا الشهر لا تلزم الأيام، ولو لم يتلفظ بتقييد ولا آستثناء، ولكن نوى بقلبه ففيه وجهان: أصحهما: وبه قبل أبو حنيفة: أنه لا يؤثر، ذكره في "التهذيب"، ثم إذا أطلق الشَّهر فدخل المسجد قبل الاستهلاك كفاه ذلك الشَّهر خرج ناقصاً أو كاملا، وإن دخل في أثناء الشهر استكمل بالعدد.
الثانية: لو نذر اعتكافَ يَوْمٍ لم يلزمه ضَمُّ الليلة إليه إلا أن ينوي، فحينئذ يلزمه؛

الجزء: 3 - الصفحة: 266

لأن اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته، وحكى الحَنَّاطي قولاً أنه يدخل اللَّيْل في هذَا النَّذْرِ إلا أن ينوي يوماً بلا ليلة، فيجوز أن يرقم قوله في الكتاب: (لم تدخل الليلة) بالواو لذلك، ولو نذر اعتكاف يومين ففي لزوم اللَّيلَة معهما ثلاثة أوجه.
أحدهما: لا تلزم إلا إذا نَوَاها لِمَا سبق أن اليوم عِبَارة عَمَا بين طُلوع الفَجْرِ وغُروبِ الشَّمْسِ.
والثاني: تلزم إلا أن يريد بَيَاضَ النَّهار؛ لأنها ليلة تتخلل نهار الاعتكاف فأشبه ما لو نذر اعتكاف العشر.
والثالث: إن نوى التّتابع أو قيد به لفظاً لزمت ليحصل التواصل، وإلا فلا، وهذا أرجع عند الأكْثَرِين، بل لم يذكروا خلافاً في لزومها إذا قيد بالتتابع، وذكر صاحب "المهذب" وآخرون أن الأول أَظْهَر، والوجه التَّوسط إن كان المراد من التتابع تَوَالِي اليومين فالحقُّ ما ذكره صاحب "المهذب" وإن كان المراد تواصل الإعتكاف فالحق ما ذكره الأكثرون، ولو نذر اعتكاف ليلتين ففي النهار المتخلل بينها هذا الخلاف، ولو نذر أيام ثلاثة أيام أو عشرة أو ثلاثين يوماً، ففي لزوم الليالي المتخللة الوجوه الثلاثة.
وأشار الشيخ أبُو مُحمد وطائفة إلى طريقة قاطعة بأن نذر اليومين لا يستتبع شيئاً من الليَّالي، والخلاق في الثَّلاثة فصاعداً، وحكى عن القفَّالِ في توجيهه أن العرب إذا أطلقت اليومين عنت مجرد النَّهَار، وإذا أطلقت الأيام عنتها بلياليها، وهذا الفرق غَيْر معلوم من أهل اللّسان والله أعلم.
وإنما قال (ففي الليالي المتخللة بينها) على أن الخلاق مخصوص بما بين الأيام المنذورة من الليالي، وهي تنقص عن عدد الأيام بواحد أبداً، ولا خلاق في أن الليالي لا تلزم بعدد الأيام، فإذا نذر يومين لم يلزم ليلتان بِحَالٍ، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة -رحمهم الله-: يلزم ليلتان، وقياس ما نقله الحَنَّاطى في اليوم الواحد مثله فعرفه.
الثالثة: لو نذر العشر الأخير من بعض الشّهور دخل فيه الأيام واليالي، وتكون الَّليالي هاهنا بعدد الأيام كما في نذر الشَّهر، وقد مر في اعتكاف العَشْرِ الأواخر من رمضان أنه متى يدخل المسجد ويخرج عن العهدة؟ إذا استهل الهلال كان الشهر كاملاً أو ناقصا؛ لأن الاسم يقع على ما بين العشرين إلى آخر الشهر، ولو نذر أن يعتكف عشرة من آخر الشهر ودخل المسجد آخر اليوم العشرين، أو قبيل الحادي والعشرين فنقص الشهر لزمه قضاء يوم، لأنه جرد القصد إلى العشرة، وفي دخول الليالي ما حكيناه من الخلاف.
فرع: إذا نذر أن يعتكف اليوم الذي يقدم فيه فلان فَقَدِمَ لَيْلاً لم يلزمه شيء، وإن قدم نَهَاراً لزمه اعتكاف بقية النَّهَار، وهل عليه قضاء ما مضى منه؟ فيه قولان أصحهما

الجزء: 3 - الصفحة: 267

وهو ظاهر نَصّه في "المختصر": لا؛ لأن الوُجوبَ ثبت من حين القدوم.
والثاني: نعم؛ لأنا نتبين بقدومه أن ذلك اليوم من أوله يوم القدوم وبهذا قال المزنى، وابن الحداد، وعلى هذا فيعتكف بَقِيَّة اليوم، ويقضي بِقَدْرِ مَا مَضى من يوم آخر، ولا يخلى الوقت عن العِبَادة بقدر الإمْكَان.
وقال المُزِنَى؛ الأولى أن أن يستأنف اعتكاف يوم ليكون اعتكافه موصولاً، ولو كان النَّاذِرُ وقت القُدُوم مريضاً، أو محبومساً قضى عند زوال العذر أما ما بقى من النهار أو يوماً كاملاً على اختلاف القولين، وعن القاضي أبي حامد وصاحب "الإفصاح" أنه لا شيء عليه؛ لعجزه وقت الوُجوبِ كما لو نذرت المرأة صَومَ يوم بعينه فحاضت فيه.

قال الغزالي

: (الثَّالِثُ فِي الاسْتِثْنَاءِ)

فَإذَا قَالَ: أَعْتَكِفُ شَهْراً مُتَتَابِعاً أَخْرُجُ إِلاَّ لِعيِادَةِ زَيْدٍ لم يَجُزِ الخُروُجُ لَغْيِرِهَ، وَلَوْ قَالَ: لا أَخْرُجُ إِلاَّ لشُغْلِ يَعِنُّ لِي جَازَ (م و) الخُروُجُ لِكُلِّ شُغْلِ دِينَيِّ أَوْ دُنْيَوِي لاَ كَالنَّظَّارَةِ وَالتَّنَزُّهِ، وَلَوْ قَالَ: أتَصَدَّقُ بِهَذِهِ الدَّرِاهِمِ إِلاَّ أَنْ أحْتَاجَ إِليْها، فالأَظْهَرُ صِحَّةُ الشَّرْطِ، وَلَوْ قَالَ: إِلاَّ أَنْ يَبْدُوَ لي فَالأَظْهَرُ فَسَادُ الشَّرْطِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا نذر بصفة التتابع شرط الخروج منه إن عرض عارضٌ صح شرطهِ، لأن الإعتكاف إنما يلزمة بالْتِزَامه، فيجب بِحَسَبِ الالْتِزَام، وعن صاحب "التقريب" والحناطي حكاية قول آخر: أنه لا يصح؛ لأنه شرط يخالف مقتضى الإعتكاف المتتابع فيلغى كما لو شرط المعتكف أن يخرج للجماع، وفيما علق عن الشَّيْخِ أبي محمد أن بالأول قال أبو حنيفة، وبالثَّانى قال مالك، وعن أحمد روايتان كالقولين فإن قلنا بالأول وهو الصَّحِيح المشهور، فينظر أن عين نوعًا فقال؛ لا أخرج إلا لعيادة المرضى، أو عين ما هو أخص منه فقال: لا أخرج إلا لعيادة زيد، أو لتشييع جنَازَتِهِ إن مات خَرَج لِمَا عَيَّنَهُ دون غيره من الأَشْغَال، وإن كان أهَمَّ مِنْهُ وإن أطلق وقال: لا أخرج إِلاَّ لِشُغْل يَعِنُّ لِي أو لعارض كَانَ لَهُ أن يخرج لِكُلِّ شُغْلٍ ديني كَحُضُورِ الجُمُعَةِ، وعيادة المَرْضَى، وصلاة الجَنَازة، أو دنيوي كلقاء السُّلطان، واقتضاء الغَرِيم، ولا يبطل التَّتَابع بشيء من ذلك، ويشترط في الشُّغْلِ الدُّنيوي أن يكون مباحاً، ونقل وجه عن "الحاوي" أنه لا يشترط، ولا عبرة بالنظارة والنزهة، فإن ذلك لا يعد من الأَشغال ولا يغتنى به، ولو قال: إن عرض عَارِض قطعت الاعتكاف فالحكم كما لو شرط الخروج، إلا أن في شرط الخروج يلزمه العود عند قضاء تِلْكَ الحَاجَةِ، وفيما إذا قصد القَطْع لا يلزمه ذلك، وكذا لو قال: على أن أعتكف رَمَضَان إلا أن أمرض أو

الجزء: 3 - الصفحة: 268

أسُافِر، فإذا مرض أو سافر فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ ولو نذر صَلاةً وشرط الخروج منها إن عَرَضَ عَارِضٌ أو صوماً وشرط الخروج منه إن جَاعَ، أو أُضِيف ففيه وجهان: أحدهما: وبه أجاب الأكثرونَ: أنه يِصَح هذا الشَّرط كما في الإعتكاف.
والثاني: لا يصح، ولا ينعقد النّذر ويخالف الإعتكاف؛ لأن ما يتقدم منه على الخروج عبادة، وبعض الصَّلاة، والصَّوم ليس بعبادة.
ولو فرض ذلك في الحَجّ انعقد النذر كما الإحرام المَشْروط، ولكن في جواز الخُروج القولان المَذْكُوران في كتاب "الحَجِّ" و"الصوم" و"الصلاة" أولى الخروج منهما عند أئمتنا العراقيين؛ لأنهما لا يلزمان بالشروع والالتزام مشروط، فإذا وجد العارض فلا يلزم، والحج يلزم بالشروع، وجعل الشَّيخ أبو محمد الحَجَّ أولى بجواز الخروج منه؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- "أَمَرَ ضباعَةَ بِالإهْلاَلِ بِشَرْطِ التَّحلُل 28، ولو نذر التَّصَدُّق بعشرة دراهم، أو بهذه الدارهم إلا إن تعرض حاجة ونحوها فعلى الوجهين، والأظهر صِحَّةُ الشَّرَطِ فإذا احتاج فلا شيء عليه، ولو قال في هذه القربات كلها إلا أن يبدو لي فوجهان.
أحدهما: أنه يصح الشَّرَط فلا شيء إذا بَدَا له كَشَرْطِ سَائِرِ العَوَارِضِ.
وأظهرهما: وبه قال الشيخ أبو محمدَ لا يصح؛ لأنه تعليق الأمر بمجرد الخيرة، وذلك يُنَاقِض معنى الالتزام.
فإن قلت: إِذَا لَمْ يَصِح يبطل الالتزام مِنْ أَصْلِهِ، أو يلغى الشرط ويصح الالتزام.
فالجواب: أن صاحب "التهذيب" حكم بعدم انعقاد النذر على قولنا: لا يصح شرط الخروج في الصَّوْمِ والصلاة، وروى الإمام وجهين في صورة تقارب هذه وهي ما إذا نذر اعتكافاً متتابعاً، وشرط الخروج مهما أَرَاد، قال هذا ضد التتابع فكأنه التزم التتابع ثم نفاه، ففي وجه يبطل الالتزام التتابع، وفي وجه يَلْزَم التتابع ويبطل الاستثناء، وشبه ذلك بشرائط فَاسِدة تقرن بالوقوف فإنا في مَسْلَك يبطل الشَّرط، وينفذ الوقف من أصله وفي مسلك يبطل الوقف من أصله والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ الزَّمَانُ المَصْرُوفُ إلَى غَرَضِ المُسْتَثْنِى يَجِبُ قَضَاؤُهُ إِلاَّ أَنْ يُعَيِّنَ الشَهْرَ فَيُحْمَلُ اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَى نُقْصَانِ الوَقْتِ لاَ عَلَى قَطْعِ التَّتَابُعِ فَقَطْ.
قال الرافعي: إذا شرط الخروج لغرض وصَّحَّحْنَاه فخرج لذلك الغرض هل يجب

الجزء: 3 - الصفحة: 269

تدارك الزمان المصروف إليه؟ بنظر إن نذر مُدَّة غيرَ معينة كَشَهْرٍ مُطْلَق، أو عشرة مُطْلَقَة فيجب التَّدارك ليتم المدة المنذورة، وتكون فائدة الشرط تنزيل ذلك الغرض مَنْزلة قَضَاء الحاجة في أن التتابع لا ينقطع به، وإن عين المدة فنذر اعتكاف هذه العشرة أو شهر رمضان فلا يجب التّدارك، لأنه لم ينذر إلا اعتكاف ما عدا ذلك الزَّمان من العشرة.
وقوله في (إلاَّ أن يعين الشهر) لا يخفى أن ذكر الشهر جرى على سبيل ضَرْب المثال للمدة المعينة، وقوله: (فيحتمل استثناؤه على نقصان الوقت لا على قطع التتابع فقط) معناه لا على نفي قَطْعِ التتابع فَحَذَفَ المُضَافَ وهو النفي هذا لا بد منه وهو مبين في "الوسيط" ثم الكلام بعد ذلك يحتمل من حيث اللفظ محملين.
أحدهما: أن الاستثناء محمول فيما إذا كانت المدة مطلقة على نَفْي قَطْعِ التتابع فقط، إذ لا ضرورة إلى حمله على نقصان المُدَّةِ كما سبق، وهو يقول: إذا كانت المدة معينة يحمل الاستثناء على نقصان الوقت لا على ما حمل عليه عند الإطلاق، وهو نفي قطع التتابع فقط.
والثاني: أن يقال: أراد به أنه لا يحمل عند التعيين على نَفْي قَطْعِ التَّتَابُعِ فقط بل عليه وعلى نُقْصَانِ الوَقْتِ، والوجه حمله على الأول، لأن الثاني يَقْتَضِي إفَادَته نفي قطع التَّتابع، وإنما يفيده أن لو كان التَّتابع مَرْعِيَّاً فيه ليقع الاستثناء صَائِناً له عن الانقطاع، وقد قدمنا أن التتابع غير مرعى عِنْدَ تَعَيّنِ الزَّمان، نعم لو فرض التعرض للتتابع مع تعيين الزَّمان، وفرعنا على أن التتابع حينئذ يكون مَرْعِيَّاً فينتظم المحمل الثاني أيضاً -والله أعلم-.

قال الغزالي

: الفَصْلُ الثَّالِث في قَوَاطِعِ التَّتَابُعِ

وَهُوَ انْقِطَاع شُرُوطِ الاعْتِكَافِ وَالخُرُوجُ بِكُلِّ البَدَن عَنْ كُلِّ المَسْجِدِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَوْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ أَذَّنَ عَلَى المَنَارَةِ وَبَابُهَا في المَسْجِدِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ بابها خَارجَ المَسْجِدِ وهَيَ مُلْتِصِقَةٌ بِحَريمِ المَسْجِدِ فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ، يفَرَّقُ في الثَّالِثِ بعُذْرِ المُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ دُونَ غَيْرِهِ.
قال الرافعي: الفصل معقود لبيان ما يقطع التتابع في الاعتكاف المتتابع ويخرج إلى الاستئناف وهو فيما ذكره حُجَّةُ الإِسْلاَم -رحمه الله- أمران.
أحدهما: انقطاع شروط الاعتكاف، والمفهوم من شروط الاعتكاف الأمور التي لا بد منها فيه كَكَفِّ النفس عن الجِمَاع، وعن مقدماته في قول، لكن فيه كلامان: أحدهما: أنه غير مجري على إطلاقهِ، لأن من شروط الاعتكاف النقاء عن الحيض، والجنابة، ومعلوم أن انقطاع هذا الشَّرْط بعروض الحيض والاحتلام لا يقطع التتابع.
والثاني: أن اللبث في المَسْجِدِ من الأمور التي لا بد منها في الاعتكاف، وإذا

الجزء: 3 - الصفحة: 270

خرج من المَسْجِدِ انقطع هذا الشَّرْط، فإذاً الخروج من المسجد داخل في انقطاع شُروط الاعتكاف، وقضية العَطْفِ ألا يدخل أحدهما في الآخر.
الأمر الثاني: الخروج بِكُلِّ البَدَنِ عَنْ كُلِّ المَسْجِدِ بغير عُذْرٍ، وفيه ثلاثة قيود: أحدها: كَوْنُ الخُرُوجِ بكل البَدَنِ والقصد به الاحتراز عما إذا أخرج يده، أو رأسه فلا يبطل اعتكافه؛ واحتجوا له بما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا فَتُرَجّلَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ وَهُوَ فَي المَسْجِدِ" 29. ولو أخرج إحدى رِجْلَيْهِ أو كِليْهِمَا وهو قاعدها مادَّهما فكذلك، وإن اعتمد عليهما فهو خارج.
الثاني: كون الخروج عَنْ كُلِّ المسجد والقصد به الاحتراز عما إذا صعد المنار للأذان وللمنارة حالتان: إحداهما: أن يكون بابها في المَسْجِد، أو في رحبته المتصلة به فلا بأس بِصُعُودِهَا للأذان وغيره كصعود سطح المسجد ودخول بيت منه؛ ولا فرق بين أن يكون في نَفْسِ المَسْجِدِ أو الرحبة؛ وبين أن تكون خارجة عن السمت البِنَاء وتربيعه، وأبدى الإمام -رحمه الله- احْتِمَالاً فيما إذا كانت خارجةً عن السمت قال: لأنها حينئذ لا تُعَدُّ مِنَ المَسْجِدِ، ولا يصح الاعتكاف فيها، وكلام الأئمة يُنَازع فيما وجه به الاحتمال.
والثانية: إلاَّ يكون بابها في المَسْجِدِ ولا في رحبته المُتَّصِلة به فهل يبطل اعتكاف المؤذن الرَّاتب بصعودها للأذان؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنه لا ضرورة إليه لإمكان الأذان على سَطْح المَسْجِدِ، فصار كما لو صعدها لغير الأذان، أو خرج إلى الأمير أو غيره ليعلمه بالصَّلاَةَ.
والثاني: لا؛ لمعنيين.
أحدهما: أنها مبنيةٌ لِلْمَسْجِد معدودةٌ من توابعه.
والثاني: أنه قد اعتاد صعودها للأذان والناس اسْتَأنَسُوا بصوته فيعذر فيه، ويجعل زمان الأذان مَسْتَثنىً عن اعتكافه، وهذا أوضح المعنيين؛ لأن المنارة وإن كانت معدودة من توابع المسجد فهو إلى أن يصل إليها مُنْفَصِل عن المسجد، ولو خرج إليها غير المؤذن الرَّاتب للأذان رتب حكمه على الرَّاتب إن أبطلنا اعتكافه به فهاهنا أولى، وإلا فيبنى على المعنيين.
إن قلنا بالثَّاني بطل وإن قلنا بالأول فلا، وإذا تركت الترتيب أطلقت ثلاثة أوجه كما في الكتاب.

الجزء: 3 - الصفحة: 271

الثالث: الفرق بين الرَّاتِبِ وَغَيْرهِ، قاله صاحب "التهذيب" وغيره: وهو الأَصَح.
وقوله: (ولو أذن على المنارة) التصوير في التأذين ينبه على أن الخروج إِلَيْهَا، وهي خارجةٌ عن المَسْجِدِ لغير الأَذَان لا يجوز بحال، لكنها إذا كَانت في المَسْجِدِ فلا فرق بين أن يَصْعَدَهَا للأذان أو غيره.
وقوله: (وإن كان بابها خارج المسجد، وهي ملتصقة بِحَرِيم المسجد ففيه ثلاثة أوجه) يشعر بتقييد الخلاف بما إذا كانت مُلْتَصِقَةً بِحَرِيمِ المَسْجِد، وفنَائِهِ، لكن الأكثرين لم يَشْتَرِطوا في صُورَةِ الخِلاَفِ سِوَى أن يكون بَابُها خَارجَ المَسْجِدِ كما قدمناه وزاد أبو القاسم الكَرَخِي فنقل الخلاف فيما إذا كانت في رحبة منفصلة عن المَسْجِد بينها وبين المسجد طريق.
واعلم: أنه لو اقتصر في الضابط المذكور على الخروج عن المسجد، وحذف لفظتي "الكل" لكان الغرض حَاصِلاً، فإن من أخرج بَعْضَ بدنه لا يسمى خَارجاً، ألا ترى أنه لو حلف أن لا يخرج من الدَّار فأخرج رأسه أو رجليه غير معتمد عليهما لَمْ يحنث، وكذا لا يقال: خرج من المسجد إلا إذا انفصل عن كله.
قال الغزالي: وَأَمَّا العُذْرُ فَعَلَى مَرَاتِبَ: (الأُولى) الخُرُوجُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ وَهُوَ لاَ يَضُرُّ، وَلاَ يَجِبُ قَضَاءُ تِلْكَ الأوْقَاتِ وَلاَ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ عِنْدَ العَوْدِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قُرْب الدَّارِ وَبُعْدِها (و) وَبَيْنَ أَنْ يَكْثُرَ الخُرُوجُ (و) لِقَضَاءِ الحاجة أو يَقِلَّ، وَلاَ بَأْسَ بِعِيَادَةِ المَرِيضِ فِي الطَّريِقِ مَنْ غَيِرْ تَعْرِيجٍ، وَلاَ بَأْسَ بِصَلاَةِ الجَنَازَةِ مِنْ غَيْرِ ازْوَارَ عَنِ الطَّرِيقِ، وَكَذَا كُلُّ وَقْفَةٍ في حَدِّ صَلاَةِ الجَنَازَةِ، وَإِنْ جَامَعَ في وَقْتِ قَضَاءِ الحَاجَةِ انْقَطَعَ التَّتَابُعُ (و).
قال الرافعي: القيد الثالث كون الخروج بِغَيْرِ عُذْرٍ، وقد رتب العذر على مراتب: إحداها: الخروج لقضاء الحاجة، فهو محتمل، روي عن عائشة -رضي الله عنها- "أَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الإنْسَانِ" 30 وفي معناه الخروج للاغتسال عند الاحتلام، وقد تقدم ذِكْرُه.
وهل يجوزُ الخروجُ لِلأْكْلِ؛ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: لا، لأن الأكل في المسجد ممكن.
والثاني: وبه قال أبو إسْحَاق: نعم؛ لأنه قد يستحيي منه، ويشق عليه، والأول أظهر عند الإمام وصاحب "التهذيب".

الجزء: 3 - الصفحة: 272

والثاني: أظهر عند الأكثرين، وحكاه الرَّويَانِي عن نَصِّه في "الإملاء" وفي عبارة "المختصر" ما يدل عليه، ولو عطش ولم يجد الماء في المَسْجِد فهو مَعْذُور في الخُرُوجِ، وإن وجده فَهَلْ له الخروج لِلشُّرْبِ؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، فإنه لا يستحي منه، ولا يعد تركه من المروءة بخلاف الأكْلِ، وقد أطلق في "التَّنْبِيهِ" القول بأن الخروج للأكل والشرب لا يَضُر، والوَجْهُ تأويله، ثم في الفَصْلِ مسَائِل: إحداها: أوقات الخروج لقضاء الحَاجَةِ لا يجب تَدَاركُها، وله مَأْخَذَانِ.
أحدهما: أن الاعتكاف مستمر في أوقات الخروج لقضاء الحاجة، ولذلك لو جَامَعَ في ذلك الوَقْتِ بطل اعتكافه على الصَّحِيح.
والثاني: أن زمان الخروج لقضاء الحَاجَةِ جُعِلَ كالمستثنى لفظاً عن المدة المنذورة، لأنه لا بُدَّ منه، وإذا فرغ وَعَادَ لم يحتج إلى تجديد النِّية أما على المأخذ الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن اشتراط التتابع في الابتداء رابطة تجمع ما سوى تلك الأوقات، ومنهم من قال: إن طال الزمان ففي لزوم التَّجْدِيدِ وَجْهَان، كما لو أراد البناء على الوُضوء بعد التفريق الكَثِير، ويجوز أن يعلم لهذا قوله: (ولا يجب تجديد النية) بالواو، فإنه أطْلَق الكلامَ إِطْلاَقاً.
الثانية: لو كان في المسجد سقاية لم يكلف قضاء الحاجة فيها، لما فيه من المَشَقَّة وسقوط المُرُوءة، وكذا لو كان في جِوَار المَسْجِدِ صديق له وأمكنه دخول داره، فإن فيه مع ذلك قبول منه، بل له الخروج إلى دَارِه إن كانت قريبةً أو بعيدةً غير متفاحشة البعد، فإن تفاحش بعدها فَفِيه وَجْهَان: أحدهما: يجوز أيضاً لما سبق، ولفظ الكتاب يوافق هذا الوَجْهَ لإِطْلاَقِهِ القول بأنه لا فرق بين قُرْبِ الدَّارِ وَبَعْدِهَا.
والثاني: المنع؛ لأنه قد يأْتيه البَوْلُ إلى أن يرجع فيبقى طول يومه في الذِّهاب، والمجيء إلا أن لاَ يَجِد في الطَّريق موضعاً لِلْفَراغ، أو كان لا يليق بحاله أن يدخل لِقَضَاء الحَاجَة غير دَارِه، ونقل الإمام فيما إذا كَثُر خروجه لعارض يقتضيه الوجهين أيضاً، وقال: من أئمتنا من نظر إلى جنس قضاء الحَاجَة، ومنهم من خصص عدم تأثيره بما إذا قرب الزَّمان وقصر، وبالأول أجاب صَاحِبَ الكِتَاب، وهو قضية إطلاق المعظم لكن فيما إذا تفاحش البعد وجه المنع أظهر عند أئمتنا العراقيين.
وذكر الرّويَانِي في "التجربة" أنه المذهب، ولو كانت له داران كل واحدة منهما بحيث يجوز الخروج إليها لو انفردت، وإحداهما أقرب، ففي جواز الخروج إلى الأخرى وَجْهَان:

الجزء: 3 - الصفحة: 273

أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: يجوز كما لو انفردت.
وأصحهما: لا يجوز للاستغناء عنه، ولا يشترط لجواز الخُروج إرْهَاق الطبيعة، وشدة الحَاجَة، وإذا خرج لم يكلف الإسراع، بل يمشي على سَجِيَّتِهِ المَعْهُودة 31. الثَّالثة: لا يجوز الخروج لعيادة المريض، ولا لصلاة الجنازة 32، ولو خرج لِقَضَاءِ الحَاجَةِ فعاد في الطريق مَرِيضاً نظر إن لم يقف ولا ازَّوَرَّ عن الطريق، بل اقتصر على السَّلاَم والسؤال فلا بأس، والوقف وأطال بطل اعْتكَافُه، وإن لم يطلُ ففيه وجهان مَنْقُولاَنِ في "التتمة" و"العدة"، والأصح أنه لا بأس به، وادعى الإمام إجماع الأصْحَاب عليه، ولو ازور عن الطريق قليلاً فعاده فقد جعلاه على هذين الوجهين، والأصح المَنْعُ لما فيه من إنشاء سَيْرٍ لُغَيْرِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، وقد روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ لاَ يَسْأَلُ عَلَى الْمَرِيضِ إِلاَّ مَارّاً في اعْتِكَافِهِ، وَلاَ تُعَرِّجُ عليه" 33 وإذا كان المريض فِي بَيْتٍ من الدَّارِ التي يدخلها لقضاء الحاجة فالعدول لعيادته قليل، وإن كان في دار أخرى فكثير، ولو خرج لقضاء الحَاجة فَصَلَّى في الطريق على جنازة فلا بأس إذا لم ينتظرها ولا ازور عن الطريق، وحكى صاحب "التتمة" فيه الوجهين؛ لأن في صَلاَة الجنازة يفتقر إلى الوَقْفَة.
وقال في "التهذيب": إن كانت متعينة فلا بأس، إلا فوجهان، والأظهر الأَوَّلُ، وجعل الإمام قَدْرَ صَلاَةِ الجنازة حَدَّ الوقفة اليسيرة، وتابعه المُصَنِّف واحتملاه لجميع الأغراض.
منها: أن يأكل لُقَماً إذا فرعنا على أنه لا يجوز الخُروجُ لِلأَكْلِ، لكن لو جامع في مروره بأن كان في هَوْدَج أو فرض ذلك في وقفة يسيرة ففي بطلان اعتكافه وجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتابَ: أنه يبطل، أما إذا قلنا باستمرار الاعتكاف في أوقات الخروج لقضاء الحاجة فظاهر، وأما إذا لم نقل به فلأن الجماع عظيم الوقع، فالاشتغال به أشد إعْرَاضَاً عَنِ العِبَادَةِ من إطالة الوقفة في عيادة مريض.
والثاني: أنه لا يبطل، لأنه غير مُعْتَكِفٍ في تلك الحالة ولم يصرف إليه زماناً، وإذا فرغ من قضاء الحَاجَةِ واستنجى لم يلزمه نَقْل الوضوء إلى المَسْجِدِ، بل يقع ذلك تابعاً، بخلاف ما إذا احْتَاج إلى الوضوء من غير قضاء الحاجة، كما لو قام من النَّوْمِ لا

الجزء: 3 - الصفحة: 274

يجوز له الخروج ليتوضأ في أظهَر الوجهين إذا أمكن الوضوء في المَسْجدُ.
وإذا وقفت على ما ذكرنا أعلمت قوله (من غير تَعْرِيج) بالواو والتعريج هو الوقوف، وكذا قوله: (ولا بأس بصلاة الجنازة) وقوله: (وكذا كل وقفة) وقوله: في مسألة الجماع: (انقطع التتابع).
قال الغزالي: (الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ) الخُرُوجُ بِعُذْرِ الحَيْضِ غَيْرُ قَاطِعٍ للتَّتَابُعِ إِلاَّ إِذَا قَصُرَتْ مُدَّةُ الاعْتِكَافِ وَأَمْكَنَ إيدَاعُهَا في أَيَّامِ الطُّهْرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا حاضت المعتكفة لَزِمَهَا الخُروجُ، وهل ينقطع تَتَابع اعتكافها؟ من كانت المُدَّة المنذورة طويلة لا تخلو عن الحَيْضِ غَالِباً، فلا ينقطع، بل تبنى إِذَا طهرت كما لو حاضت في صَوْمِ الشَّهْرَينِ عن الكفارة، وإن كانت بحيث تخلو عن الحَيْضِ فقد قال الإمام وصاحب الكتاب: فيه وجهان، وقال آخرون قولان: أحدهما: أنه لا ينقطع به التَّتابع، لأن جنس الحَيْضِ متكرر بالجبلة، فلا يؤثر في التَّتابع كقضاء الحاجة.
وأظهرهما: ينقطع، لأنها بسبيل من أن تشرع كما طهرت، وتودع الاعتكاف زمان الظهر، واستبعد بعض الشارحين عبارة الوجهين من صاحب الكتاب، لأنه ذكر في صورة الرتبة الثالثة قولين مرتبين على الحَيْضِ، ولا ينتظم ترتيب القولين على الوجهين، ولا شك أنه لو أطلق عبارة القولين لكان أحسن، لكن ينبغي أن يعلم أن الأمر فيه هَيِّنٌ من جهة المعنى من وجهين: أحدهما: أن الذي يستحق الاستبعاد ترتيب القولين المَنْصُوصَيْنِ على وَجْهَي الأَصْحَابِ، والقولان في تلك الصورة ليسا منصوصين، بل هما حَاصِلان من تَصَرُّف الأَصْحَاب كما سَتَعْرِفه، والوجهان في الحَيْضِ ليسا على معنى افتراق الأَصْحَابِ واختلافهم، وإنما هما مأخوذان من القولين في أَنه هل يبطل التّتابع بالحَيْضِ في صَوْمِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ إذا شرطنا فيه التتابع؟ ومثل هذا الخلاف قد يسمى قولاً، ويسمى وَجْهاً، فالحاصل ترتيب قولين من تصرف الأصحاب على قولين مثلهما.
والثاني: أن الذي يُسْتَبْعَدُ هو بناء القولين على الوجهين، فإن المبنى عليه ينبغي أن يكون أَقْدَمَ من المبنى، أما الترتيب فلا يعني به إلا أن أحد طَرَفِي الخِلاَفِ في صورةٍ أولى منه في صُورَةٍ أخرى، ولا بعد في أن يكون قول الانقطاع في تلك الصورة أولى من وجه الانقطاع في سورة الحَيْضِ، والمذكور في الكتاب هو الترتيب دُونَ البِنَاء.
قال الغزالي: (الرّتْبَةُ الثَّالِثَةُ الخُرُوجِ بالمَرَضِ أَوْ بِالنِّسْيَانِ أَوْ بِالإكْرَاهِ أَوْ لأَدَاءِ شَهَادَةٍ مُتَعَيِّنَةِ أَوْ تَمْكِينٍ مِنْ حَدٍّ أَوْ عِدَّةٍ فَفِيهِ قَوْلان مُرَتَبَان على الحَيْضِ، وَأَوْلى بِأنْ يَنْقَطِعَ التَّتابُعُ.
قال الرافعي: في هذه الرتبة صور.

الجزء: 3 - الصفحة: 275

إحداها: المرض العارض للمعتكف على ثلاثة أضرب: أحدها: المرض الخَفِيف الذي لا يشق معه المُقَامُ في المَسْجِد، كالصُّداع، والحُمَّى الخفيفة، فلا يجوز الخروج مِنَ المَسْجِد ولو خرج انقطع التتابع.
الثاني: المرض الذي يشق معه المقام في المَسْجد لحاجته إلى الفراش والخَادِم، وتردد الطَّبيبُ يُبِيح الخُروجَ، وإذا خرج فهل ينقطع التتابع؟ فيه قولان: أظهرهما: لا، لِدعاء الحَاجَةِ إليه، كالخروج لقضاء الحاجة.
والثاني: نعم، لأن المرض لا يغلب عروضه بخلاف قَضَاء الحَاجَةِ والحيض، فإنه يتكررَ غالِباً، فيجعل كالمستثنى لَفْظاً، والقول الأَوَّلُ منصوصٌ عليه في "المختصر"، والثاني مُخَرَّج، خَرَّجُوِه من أحد القولين، في أن المَرَضَ يقطع تتابع الصَّوْمِ في الكَفَّارة.
الثالث: المرض الذي يخاف منه تَلْوَيث المَسْجِد، كانطلاق البَطْن، وإدْرَارِ البَوْلِ، والجرح السَّائِلِ، فالمشهور أن الخروج لَهُ لا يقطع التَّتَابع لاضطراره إليه، كالخروج لِلْحَيْضِ، وحكى الإمام عن بعض الأصْحَاب طرد القولين فيه.
وإذا تأملت ذلك عرفت أن لفظ الكتاب وإن كان مطلقاً في حكاية الخلاف، فالضَّرْب الأول غَيْر مُراد منه، والثاني: مراد، وفي الثَّالِث الطَّرِيقان فهو على المَشْهُور غير مُرَاد أيضاً.
(الثانية): لو خرج ناسياً هَلْ ينقطع تَتَابُعُه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأن اللبس مأمور به، والنِّسيان ليس بعذر في تَرْكِ المَأْمُورَاتِ.
وأصحهما: لا، كما لا ينقطع بالجِمَاع نَاسِيًا، وكما لاَ يَبْطُل الصَّوْمُ بالأَكْلِ والجِمَاعِ نَاسِياً، واقتصر كثيرٌ من الأئمة على إيراد هذا الثَّاني، ومن أورد خلافاً عَبَّر عنه بالوجهين، ولفظ القولين في هذه الصُّورة مَحْمُول على أن الخِلاَف مُخَرَّجُ من الخِلاَف في المرض، ومثل ذلك قد يسمى قولاً على ما سبق، وفي عبارة الإمام ما يبين ذَلِكَ فإن قلنا بالوجه الثاني، فَذَلِكَ فيما إذَا تَذَكَّرَ عَلَى القُرْب، أما إذا طَالَ الزَّمَانُ، فقد قالَ في "التتمة": فيه وجهان كالوجهين في بُطْلاَن الصَّوْمِ بالأكْلِ الكَثيرِ نَاسِياً.
الثالثة: لو أكره حتى خرج ففيه قَوْلاَن كالقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ أكره وَهُوَ صَائِم، والذي أجاب به الجُمْهُور أنه لا ينقطع التتابع، ولو أخرجه السُّلْطَان ظُلْمًا في مصَادَرَةٍ وغيرها، أو خاف من ظَالِم فخرج واستتر فعلى القولين، لأنه لم يخرج بِدَاعية نَفْسِهِ، ولو أخرج لَحَقِّ توجه عليه وهو يماطل به بطل اعتكافه؛ لأن التَّقْصِير منه، ولو أخرج لإقامة حَدٍّ عليه فسيأتي، ولو حمل فأخرج لم يبطل اعتكافه؛ كما لو أوجر الصَّائم الطعام لا يَبْطُل صَوْمُه، ورأى الإمَامُ تَخْرِيجَه عَلَى الخلاف لحصول المفارقة عَنِ المَسْجِدِ بِعَارِضِ غير غالب.

الجزء: 3 - الصفحة: 276

الرَّابعة: إذا دُعيِ لأداء شَهَادَةِ فَخَرجَ لَهَا، نظر إن لم يكن متعيناً لأدائها انقطع تتابع اعتكافه، سواء كان مُتَعَيِّناً عند التَّحَمُّل، أو لم يكن، لأنه ليس له الخروج والحالة هذه لحصول الاستغناء عنه، وإن كان متعيناً لم يخل إما أن يكون متبرعاً عند التحمل أو يكون متعيناً، فإن كان متبرعاً فقد نَصَّ في "المختصر" على أنه ينقطع اعتكافه، وفي المَرْأَة إذا خَرَجَتْ لِلْعَدَّة أنه لا ينقطع بل تبنى، واختلف الأصحاب على طريقين.
أحدهما: وبه قال ابن سَريج: أنهما على قولين بالنقل والتخريج، ولا يخفى تَوجِيههما مِمَّا سَبَقَ في الصوّر، وبعضهم يُطْلِقُ في المَسْألةِ وجهين بدَلاً عن القولين، والثاني وبه قال أبو إِسْحَاقَ: تقرير النَّصَّيْنِ.
والفرق أن التَّحَمُّل إنما يكون للأداء، فإذا تحمل باختياره فَقَدْ ألجأ نفسه إلى الأداء، والنكاح لا يتأثر للعِدَّة على أن المرأة إلى النِّكَاحِ أَحْوَج منه إلى التَّحَمُّل، لتعلق مَصَالِحَها به، وظاهر المَذْهَبِ في كُلِّ واحدة من الصورتين ما نَصَّ عليه، وإن كَانَ متعيناً عند التحمل أيضاً فهو مرتب على مَا إِذَا لم يكن متعيناً، إن قلنا: لا ينقطع ثم هاهنا أولى، وإن قلنا: ينقطع فهاهنا وجهان، والفرق أنه لم يتحمل بِدَاعِيَتِهِ واختياره.
الخامسة: لو أخرج لإقامة حد عليه، نظر إن ثبت بإقراره انقطع اعتكافه، وإن ثبت ببينه فحاصل ما ذكره الأئمة فيه طَرِيقان كالطريقين فيما لو خَرَجَ لأداء الشَّهَادَةِ، إلا أن المنقول عن النَّصِّ هاهنا أنه لا ينقطع، واقتصر على الجَواب عليه كثير من أَئِمتنا العراقيين، والفرق بينه وبين مسألة الشَّهَادة أن الشهادة إنما تتحمل لتؤدي، فاختياره للتَّحمل اختيار للأداء، والجريمة الموجبة للحد لا يرتكبها المُجْرِم ليقام عليه الحد، فلم يجعل اختياره للسبب اختيارًا له، السادسة: لو لزم المعتكفة في خلال اعتكافها عدة بطلاق، أو وفاة فعليها الخروج لتعتد في مَسْكَنِهَا، وإذا خرجت فيبطل اعتكافها، أم تبنى بعد انقضاء العدة؟ فيه الطريقان المذكوران في مسألة الشهادة، والأَصحُّ البِنَاء.
وإن كان اعتكافها بإذن الزَّوج، وقد عَيَّنَ مُدَّةً فهل يلزمها العَوْدُ إلى المَسْكَنِ عِنْدَ الطَّلاَقِ، أو في الوفاة قبل اسْتِكْمَالِهَا؟ فيه قولان يذكران في العدة فإن قلنا: لا، فخرجت بَطَل اعتكافها بِلاَ خِلاَف، هذا بيان الصور التي نظمها في سْلِك الواحد، ويجوز أن يعلم قوله: (فقولان) بالواو؛ لأنه أجاب فيهما جميعاً على طريقة طرد الخلاف، وفي الصور الثلاث الأخيرة طريقة نافية للخلاف على ما بَيَّنَاهَا.
وأما ما ذكر من ترتيب الخِلاَف في هذه الصُّورة على الخِلاَف في الحَيْض، أولوية الانقطاع فوجهه أن الحَيْضَ متكرر بحكم الجبلة شبيه بِقَضَاء الحَاجَةِ، وهذه الأُمُورُ عَارِضَةٌ لا تنتظم، ورتب الإمام مع ذلك بعض هذه الصور على بعض، فجعل صورة

الجزء: 3 - الصفحة: 277

الشَّهادة مرتبة على المرض، وهي أولى بالانقطاع لسبق التَّحَمُّل منه، وصورة الإخراج للحد مُرَتَّبَةٌ على الشَّهادة، وهي أولى بالانقطاع لِكَوْنِ السَّبَبِ الجَالِبِ للإخراج مَعْصِية -والله أعلم-.
ويقرب من هذه المَسَائِل صورتان.
إحداهما: يجب الخُروُج لِصَلاَةِ الجُمُعَة وإذا خرج هل يبطل اعتكافه؟ في قولان: ويقال وجهان: إحداهما: وبه قال أبو حنيفة: لا، لأنه لاَ بُدَّ من ذلك كَقَضَاءِ الحَاجَةِ.
وأصَحُّهُمَا: وبه قال مالك: نَعْم، لسهولة الاحتراز عن هذا الخروج بأن يعتكف في الجَامِع، وعلى هذا لو كان اعتكافه المنذور أقل من أسبوع ابتداء من أول الأسبوع أَيْنَ شاء من المَسَاجِدِ، أو في الجامع متى شاء، وإن كان أكثر من أسبوع، فيجب أن يبتدئ به في الجَامِع، حتى لا يحتاج إلى الخروج للجُمُعَةِ، فإن كان قد عين غير الجامع، وقلنا بالتعين فلا يخرج عن نَذْرِهِ إلا أن يمرض فتسقط عنه الجمعة، أو بأن يتركها عاصياً ويدوم على اعتكافه.
الثانية: إذا أحرم المعتكف نظر أن أمكنه إتمام الاعتكاف ثم الخروج لزمه ذلك، وإن خاف فوت الحَجِّ خرج إلى الحَجِّ وبطل اعتِكَافهُ، فإذا فرغ استأنف ووجهه بين.
قال الغزالي: ثُمَّ مَهْمَا لَمْ يَنقَطِعْ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الأَوْقَاتِ المَصْرُوفةِ إِلَى هَذِهِ الأَعْذَارِ، وفي لُزُومِ تَجْدِيد النِّيَّةِ عنْدَ العَوْدِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: كل ما يقطع التَّتابع يجوج إلى الاستئناف بنية مجددة، وكل عذر لم نجعله قَاطِعاً فكما فرغ منه يجب عليه أن يعود ويبنى، فلو أخر انقطع التتابع وَتَعذَّرَ البِنَاء، ولا بد من قَضَاءِ الأَوقَات المَصْرُوفة إلى ما عَدَا قضَاءِ الحَاجَةِ من الأَعْذَارِ فإنه غير معتكف فيها، وإنما لم يجب قضاء أوقات قضاء الحَاجَةِ لما قدمناه، وهل يجب تجديد النية عند العود.
أما إذا خرج لقضاء حاجة، فقد مَرَّ وفي معناه ما لا بُدَّ منه كالخروج للاغتسال، وألحق به الأذان إذا جَوَّزنا الخُرُوجَ لَهُ أمَّاله مِنْهُ بُدُّ ففيه وجهان: أحدهما: أنه يجب، لأنه خرج عن العبادة بما عرض.
وأظهرهما: لا؛ لشمول النيّة جَمِيع المُدَّة.
وأجرى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ الخلاف فيما إذا خَرَج لغرض استثناه ثم عاد.
ولو عين مدة ولم يتعرض للتتابع ثم جَامَعَ أو خرج من غير عُذْرٍ فسد اعتكافه ثم عاد ليتم الباقي، فقد أجرى الخِلاف في وجوب التِّجْدِيد.

الجزء: 3 - الصفحة: 278

قال الإمام: لكن المذهب هاهنا وجوب التَّجْدِيدِ 34، لأن هذه عبادة مستقلة مُنْفَصِلة عما مضى، فإن خطر ببالك أن القول في تجديد النّية قد تعرض له هاهنا وفي ركن النية، وذكره في الرتبة الأولى أيضاً، وتوهمت في كلامه تِكْرارٌ فنذكر ما بينا أنه أراد بما ذكره في ركن النية الكلام في الاعتكاف المتطوع به، واعرف أن المذكور هاهنا مخصوص بأعْذَارِ الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ في الاعْتِكَافِ المَنْذُورِ بِشَرْطِ التَّتَابُع، وَالْمَذْكُورُ فِي الرتبة الأولى مَخْصُوصٌ بقضاء الحَاجَةِ في هذا النَّوعِ من الاعْتِكَافِ، فإذاً لا تِكْرَار.
نعم، لو ذكرها مجموعة في موضع وَاحدٍ لاستفاد به اختصاراً، وكان الذِّهْنُ أضبط لها -والله أعلم-.

الجزء: 3 - الصفحة: 279

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل