العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 347-354

اللفظ بحقيقته، ويُصْرَف إلى المَجَاز تارةً بالنية، كما إذا قال: لا أدخل دار زيْدٍ، وقال: أردتُّ ما يسكنه، فيُقْبَلُ في الحلف بالله، ولا يقبل في الحُكْم، إذا حلف بالطلاق والعتاق، وذكر ابنُ الصَّبَّاغ وغيره -رحمهم الله- تارةً يكون المجاز متَعارفاً، وكون الحقيقةِ بعيدةً، ومثَّله القاضي الحُسَيْن بما إذا حلَف، لا يأكل من هذه الشجرة، تُحْمَل اليمينُ على الأكْل من ثمرتها, ولا تُحْمَلُ على الأوراق والأغصان، فإن كانتِ الحقيقةُ متعارفَةً، حُمِلَت اليمين علَيْها كما إذا قال: لا اَكل من هذه الشاة، تحمل اليمين على الأكل مِنْ لحمها، فلا يحنث بالأكْلِ من لبنها ومن لحم نتاجها.
ذكر القاضي ابنُ كج -رحمه الله- أنه إذا قال: والله لا دخلْتُ الدار، واللهِ لا دخلْتُ الدارَ، ونوى التأكيد، فهو يمين واحد، وإن نوى بالثاني يميناً أخرَى، وأطلق، فيلزمه بالحِنْث كفارةٌ أو كفارتانِ؟ فيه وجهان، وأنه لو قال: واللهِ، لا دخلْتُ الدارَ، لا دخلْتُ الدار، ولم يُعِدِ اسم الله، فهو يمين واحدةٌ، إن نوى التأكيد، وكذا إن أطلق على الظاهر، وإن نوى الاستئناف، قال: عندي أن الجواب كذلك، وجعله أبو الحُسَيْن علَى وجهين عن الحُلَيْمَّي: أن اليمين المعقودة على المملِوكِ المضافِ يعتمد المالك دون المملوك، والمعقودُ علَى غير المملوك المضافِ دُونَ المضاف إليه، فإذا حلف، لا يكلِّم عَبيدَ فلان، ولا عَبْدَ له، ثم ملك عبيداً فكلمهم، يحنث، ولو حلف؛ لا يكلِّم بنيه، ولا ابن له، ثم ولد له بنونَ، فكلَّمهم، لا يحنث؛ لأنهم لم يكونوا موجودِيَن يوم حلَفَ، حلف لا يكلم الناس ذكر ابنُ الصَّبَّاغ وغيرُه -رحمهم الله- أنه يحنث إذا كلَّم واحداٌ، كما إذا قال: لا آكل الخُبْزَ، يحنث بما أكل من الخبز.
ولو حلف لا يكلِّم ناساً ذكر بعض الأصحاب -رحمهم الله- أن اليمين ينصرف إلى ثلاثة، ويوافق الأوَّلُ ما في كتب أصحاب أبي حنيفة أنَّ لفظ الجمع، إذا دخله لامُ التَّعْرِيف، كان للجِنْس حتَّى إذا قال: إن تزَّوجْتُ النساء أو اشترَيْتُ العبيد، فامرأتي طالقٌ، وقع الطلاق بتزوُّج امراة واحدةٍ وشراءِ عَبْدٍ واحدٍ، ولفظ "الناس" لفظ جمعٌ ويوافق الثاني ما ذكروا أنه لو قال: إن تزوجْتُ نساءً أو اشتريت عبيداً، حُمِل على ثلاثة.
في كتب أصحاب أبي حنيفةَ -رحمهم الله- أن المَعْرِفَةَ لا تدْخُل تحت النكرة لمغايرتها، فإذا قال: لا يدخُلُ داري واحدٌ أو لا يَلْبَسُ قميصي، دخل فيه غَيْرُ الحالف، ولم يدخل الحالف؛ لأنه صار مُعْتَرِفاً بإضافة الدار والقميص إلَى نفسه، وذكر؛ لو عرف نفسه بإضافة الفعْل، كما إذا قال: لا أُلْبِسُ هذا القميصَ أحداً أو عرف غيره بإضافة الفعل إليه، فقال: لا يدخل دارَ فلانٍ أحدٌ، ولا يلبس قميصَه، لم يدخلِ المضافُ إليه؛ لأنه صارُ معَرَّفاً، وكذا لو قَالَ: لا يقطع هذه اليد أحدٌ، وأشار إلَى يده، لم يدخل هو؛

لأنه متصلٌ به، فصارُ معرفاً، وقد يتوقَّف في هذه الصور الأخيرة، والسابق إلى الفَهْم مما قبلها ما ذكروه، ويجوز أن يخرج الصور الأولَى على الخلاف في أنَّ المخاطب، هل يندرج تحت الخطاب؟.
وفيها أن كلمة "أو" إذا دخلت بين نفيين، اقتضت انتفاءهما، كما قال تعالَى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمَاً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] وإذا دخلَتْ بين إثباتين، اقتضت ثبوت أحدهما، فإذا قال: لا أدخل هذه الدار أو حذف "لا" أدخل هذه الدار، فأيتهما دخل، حنث، ولو قال: لأدخلن هذه الدار أو هذه الدار الأخْرَى، يَبَرُّ بدخول واحدةٍ منهما، ولو قال: لا أدْخُلُ هذه الدار أبداً أو لا أدخل هذه الأخْرَى اليوم, فمضى اليوم، ولم يدخل واحدةً منهما، يحنث؛ لأن عدَم دخول الأولَى أبداً شرْطٌ للبِرِّ، وعدم دخول الثانية في ذلك اليَوْمِ شرطُ الحِنْثِ، فإذا وُجِدَ شرطُ الحنث، حنث، ويشبه أن يُقالَ: إذا دخلَتْ بين نفيين، كَفَى للبر ألا يدخل واحدةً منهما, ولا يضرُّ دخول الأخرَى كما أنها إذا دخلَتْ بين إِثباتين، كفي للبر أن يدخل واحدةً منهما, ولا يضر ألا يدخل الأخرَى، وإذا قال: لا أدخل هذه الدار أبداً أو لأدخلَنَّ الدار الأخْرَى اليوم، فإنْ دخل الأخرَى اليوم، بَرَّ، وإن لم يدخلها اليوم، ولم يدخُلِ الأخرى أبداً يبَرَّ أيضاً، وفي "الإِقْناع" للماوردِيِّ أنه إذا قال: أكلْتُ خبزاً أو لحماً يرجع إلَى إرادته منهما، فيتعلق اليمين به.
والفصُل الثاني: "في الفُرُوع".
حلف؛ لا يدخل هذه، وأشار إلى دارٍ، فانهدمت، حَنِث بدخول عَرْصَتِها, ولو قال: لا أدخل هذه الدار، فانهدمت، يُنْظر؛ إن بقي أصولُ الحيطان والرسُوم، حَنِثَ بدخولها، وإن صارتْ فضاءً، فدخلها, لم يحْنَثْ على المشهور، وجعله الإِمامُ على الوجهين، فيما إذا قال: لا آكُلُ هذه الحنطة، فأكل دقيقَها أو خبزها، وكذا لو قال: لا أدخل داراً، فدخل عرصة كانت داراً، وكذا لو حلف على لَفْظِ البيت، وقال أبو حنيفة في الدار المعينة: يحنث، إذا دخل عرصتها، ووافقَنا في الدار المطْلَقَة في البيت، وقال أحمد: يحنث في الدار والبيت، إذا كانا معينَيْنِ، ولو جعلت الدار مسجداً أو بستاناً أو حماماً، لم يحنث بدخوله، ولو أُعِيدَتِ الدارُ بغير الآلة الأولَى، فدخلها, لم يَحْنَث، وإن أُعِيدَتْ بتلك الآلة، فوجهان.
حلف لاَ يَشَمُّ الريحانِ، يحنث بشم الضيمران 1 دون الورد والبنفسج والْيَاسَمِينِ والنرجس والمرزنجوش والزعفران، ويُمكن أن يُقَالَ: هذا فيما إذا عرف الريحان، أما إذا قال: لا أَشَمُّ ريحاناً، فيحنث بها جميعاً، فلا يستبعد إطلاق اسم الرياحِينِ عليها،

ولو حلف؛ لا يَشَمُّ مشموماً، حَنِثَ بشم جميع ذلك، ولا يحْنَث بشم المسك والكافور والعُودِ والصَّنْدَل 1، ولو حلف؛ لا يَشُمُّ الوردَ والبِنَفْسَج، فشمهما بعد الجفاف، ففيه وجهان، ولا يحنث بشم دهنهما، خلافاً لأبي حنيفَة في دُهْنِ البنفسج، ولأحمد فيهما جميعاً.
حلف لا يستخدم فلاناً، فخدمه من غير أن يَطْلُبَ الحالفُ، لا يحنث؛ خلافاً لأبي حنيفةَ في عبْدِ نفسه.
حلف لا يتسرَّى ففيه ثلاثة أوجه عن ابنِ سُرَيْجٍ: أظهُرهما: وَيُحْكَى عن نصه في "الأم" أن التَسرِّيَ يَحْصُلُ بثلاثةِ أمورٍ: بسَتْرِ الجارية عن أعين الناس، والوطءِ والإِنزال.
والثاني: يكفي التستُّر والوطءُ وبه قال أبو حنيفة.
والثالث: يكفي الوطءُ، وبه قال أحمدُ.
حلف؛ لا يقرأ القرآن، فقرأ جُنُباً، حنث، وإن حلف؛ ليقرأنَّ، فقرأه جُنُباً بَرَّ، بخلافِ ما لو نذر أن يقرأ، فقرأ جنباً؛ لأن المقصود من النذر التقرُّبُ، والمعصية لا يَتقرَّب بها وإن حلف أن يقرأ، برَّ بالقراءة جُنُباً وإن عصى، وإن نذر أن يقرأ جنباً، لغا نذره.
في "فتاوى القَفَّال" وغيره -رحمهم الله- أنه إذا قال (بخدائي سوكَند خوردم كه با فلان سخن نكَويم) 2 فهو يمين؛ لأنه إذا اقتصر على قوله (بخداى) 3 كان يميناً، وقولُه (سوكَند بخداى اكَربخانه اندر شوم) 4 ولم يكن يميناً فإنه ترجمة قول القائل: بالله، إنْ دخلْتَ الدار، وليس هذا كلاماً تاماً في نفسه بخلاف ما إذا قال: (بخداى كى من بخانه اندر شوم) 5 وأنه لو قال: لا أصلِّي علَى هذا المصلى، ففرش عليه ثوباً، وصلى فوقه، فإن نوى أنه لا يباشره بقدميه وجبهته وثيابه، لم يحنث، وإلا، حَنث، كما لو قال: لا أصلِّي في هذا المسجد، فوقف على حصيرة وصلَّى، ولو علَّق به الطلاق، ثم قال:

أردتّ أني لا أباشره، دُيِّنَ، ولم يقبل في الحكم، وأنه إذا حلف؛ لا يكلم فلاناً شهراً، وهو في خلال شهر هلاليِّ، يحنث بثلاثين يوماً، وإن لم يَبْقَ منه إلا يومٌ، وإن حلف في خلال اليوم الأخير، وخرج الشهر بعده ناقصاً كفاه ذلك، وأنَّه إذا حلَفَ لا يكلِّم فلاناً، فولاَّه ظهره، وقال: يا فلانُ، افعل كذا، حَنِث، ولو أقبل على الجِدار، وقال: يا جدارُ، افعل كذا، لم يَحْنَث، وإن كان غَرَضُه إفهامَ ذلك الرَّجُل، وكذا لو أقبل عَلَى الجِدَارِ، ولم يقل: يا جدارُ، ولا يا فلانُ، وأنه لو حلف، لا يلبس ثوباً من غزلها، فرقع برقعة كِرْباس من غزلها، حنث، وعن أبي عاصم العبَّاديِّ: أنه لا يحنث، وتلك الرقعةُ تتبع الثوب 1. ولو تكوَّر بعمامة نسجت من غزلها، حَنِث، إن حلف بالعربية، وإن حلف بالفارسية، فلا، وإن الْتَحَفَ بلحاف من غزلها, لم يحنث 2، وأنه لو حَلَف؛ لا يفعل كذا، فجُنَّ، وفعله في حال جنونه، ففي الحنث قولان، وفي "المبتدأ" في الفقه للقاضي الرويانيِّ: أنه لو قال: لا أدخل حانوتَ فلانٍ، فدخل الحانوت الذي يعمل فيه، وهو مِلْكٌ لغيره، لا يحنث، هكذا قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- قال: والفتْوَى أنه يحنث؛ لأنه لا يراد به إلاَّ الذي يسْكُنُه، ويَعْمَلُ فيه.
إذا قِيلَ له: كلَّم زيْداً اليوم، فقال: والله لا كلمته، فاليمين على الأبد إلا أن ينْوِيَ اليوم، فإن كان ذلك في الطلاق، وقال: أردت اليوم، لم يُقْبَلْ في الحكم 3. وعن أصحاب أبي حنيفة -رحمهم الله- أن اليمين ينعقِدُ على اليَوْم، وفي كتبهم: أنه لو قال: وسلطانِ اللهِ، فهو يمينٌ، إن أراد به القدرة، وإن أراد به المقَدور، فلا، وبه نقول، وأنه لو قال: ورحمةِ اللهِ وغَضَبِهِ، لم يكن يميناً، ويشبه أن يُقَالَ: إن أراد إرادةَ النِّعْمة، وإرادةَ العقوبة، فهو يمين، وإن أراد الفعل، فلا، وأنه لو حلف؛ ليَضْرِبَنَّ امرأته حتى يُغْشَى عليها، أو تبول، فهذا على الحقيقة، ولو قال: حتى أقتلها أو ترفع ميتةً، حمل على أشد الضرْبِ ويظهر علَى أصلنا الحَمْلُ على الحقيقة أيضاً، ولو حلف؛

ليضْرِبَنَّها في كلِّ حقٍّ وباطلٍ، فهذا على الشكاية بحق أو باطل، ويمكن أن يحمل على ما يوجد منها من حق وباطل، ولا يعتبر الشكاية، وأنه لو حَلَف، لا يدخل هَذه الخيمة، فقلعت، وضربت في موضع آخر، فدخلها، حنِث، ولو حلف؛ لا يجلس على هذه الأسطوانة أو الحائط فأعيد بناؤُهُمَا بعْد النقض، وجلس على المُعَاد، لم يحنث، وكذا لو حلف على مقص أو سكِّين أو سيف، فكسر وأُعِيدَتِ الصنعة، ولو نزع مسماراً لِمقَصّ ونصاب السكين، وأُعيدَ نصابٌ آخر، ومسمارٌ آخر، يحنث، ولو حلف لا يقرأ في هذا المُصْحَف، فحطه، ثم قلبت أوراقه، فقرأ فيه، حَنِث، ولو حلف، لا يدخل هذا المسجد، فزيد فيه، فدخل موضع الزيادة، لم يحْنَث، ولو حلَف؛ لايدخل مسْجِدَ بني فلان، فزِيدَ فيه، فدخل موضع الزيادة، حنث، ولو حلَفَ؛ لا يكتب بهذا القلم، فكسره، ثم براه، وكتب به لم يَحْنَث، وبأجوبتهم نُجِيب إلاَّ في هذه الصورة الأخِيرَة 1. وأنه لو حلف؛ لا يأكل من كسب فلان، فكسبه ما يمتلَّكه من المباحات، وبالعقود دون ما يرثه، ولو اكتسب فلانٌ شيئاً، ومات، فوَرِثَ منه، ثم أكل منه الحالِفُ، حنِث، ولو انتقل إلَى غيره بشراءٍ أو وصيةٍ، لم يحنث؛ لأن ما قبله غيره ولم يصر مكتسباً له، فيبقى مكتسباً للأوَّل، ويكونُ كما إذا قَالَ: مما زرع، فأكل مما زَرَعه، وباعه من غيره، يحنث، ولك ألاَّ تفرق بينهما، ويُشْترطُ لمكتسبه أن يكون باقياً في ملكه، وقد يتردَّد فيما يدْخُل في ملكه باحتطاب عبده 2 وقبوله الهبة والوصية، فيجوز أن يلْحق بما يدخل في ملكه إرثاً، ويجوز أن يُقَالَ: يملك العبد أو إمساكه اكتساب لما يستفيده، ويجوز أن يفرق بين أن يكون العبدُ مُكْتَسَباً أو موروثاً، وأن الحلواء كل حلو ليس في جنسه حامضٌ نحو الخبيص، والعسل والسكر، دون العنب والإِجّاص 3 والرُّمَّان، والأشبه أن يشترط في إطلاق الحلو أن يكون معمولاً، وأن يخرج معه العسل

والسكر، فالحلو غير الحلواء 1، وأن الشواء يقع على اللحم خاصَّةً ولا يدخل فيه السَّمك المَشْوِيُّ، وهذا كما أن اسْمَ اللحم لا يقع على السَّمك، وأن الطبيخ يَقَع على اللحم، يجعل في الماء، ويطبخ، وعلَى مرقته، وعن بعضهم أنَّه يقع علَى الشحم أيضاً، ولو طبخ أرز أو عدس بودك 2، فهو طبيخ، ولو طبخ بزَيْتٍ أو سمنٍ، فليس بطبيخ 3، وذكر أبو الحسنِ العباديُّ في "الرقم": أنه إذا حلف؛ لا يأكُل المرق، فهو ما يطبخ باللحم أيَّ لحم كان، لا ما يطبخ بالكَرِش والبطون، والشحم على وجهين، وإنْ حلف؛ لا يأكل المطبوخ، يَحْنَث بما يطبخ بالنار، أو أعلى، ولا يحنث بالمشوِيِّ الطباهجة 4 مشوية، ويحتمل غيره.
وأن الغداء من طلوع الفجر إلى الزوال، والعشاء من الزوال إلَى نصف الليل، والسحور ما بين نصف الليل إلَى طلوع الفجر، ومقدار الغداء والعشاء أن يأكل أكثر من نصف الشبع، ولو حلف لَيَأْتِيَنَّهُ غدوَةً، فهذا بعد طلوع الفجر إلَى نصف النهار، والضحوة بعد طلوع الشمس من الساعة التي يحلُّ فيها الصلاة إلَى نصف النهار، والصباح ما بعد طلوع الشمْسِ إلى ارتفاع الضحى، وقد يتوقف في كون العشاء من الزَّوَال وفي مقْدَار الغداء والعشاء، وفي امتداد الغدوة إلَى نصف النهار، وفي أن الضَّحْوة من الساعة الَّتي تَحِلُّ فيها لا صلاة.
وأنه، لو حلف؛ لا يكلم فلاناً، فنبهه من النوم، حنث، وينبغي أن يُفْرَقَ بين أن يكون عالماً أو جاهلاً، وأنه لو قال: لا أكلمه اليومَ ولا غداً، لم تدخل الليلة المتخلِّلة في اليمين، ولو قال: لا أُكَلِّمُه اليوم وغداً، دخلت، والوجه التسوية بينهما, ولو قال: لا أُكَلِّمُه اليوم وسنة أو شهراً فعليه أن يدع الكلام في ذلك اليوم، كلَّما دار في السنة أو الشهر.
ولو قال في يوم السبت لا أُكلِّمُه اليوم، يعني في السبت عشرة أيام، فاليمين على سبتين، وكذا لو قال: ولا أكلِّمُه يوم السبت يومين، ولو حلف؛ لا يكلِّم فلاناً الشتاء، فأوَّلُ ذلك إذا لَبِسَ الناسُ الحشْوَ والفراء، وآخره إذا ألقوها في البلد الذي حلف فيه، والصيف على خلاف ذلك، والربيعُ آخر الشتاء ومستقبل الصيف إلى أن ييبس العشب،

والخريفُ فصلٌ بين الشتاء والصيف، والظاهرُ عنْدنا حَمْلُهَا عَلَى المُدَدِ المعلومة، ولو قال: أُكَلِّمُه يوماً ولا يومَيْنِ، فاليمين على يومين، فلو كلمه في اليوم الثالث لا يحنث، وهذا ما أورده أبو الحَسَنِ العباديُّ؛ قال: ولو قال يوماً ويومين، فاليمين على ثلاثة أيام؛ لأنه عطف مبتدأ، وأنه لو حلف؛ لا يكلِّم فلاناً وفلاناً أو فلاناً يحنث بكلامِ الثالث، أو كلام الأولَيْنِ، ولكن يجوز أن يريد ألاَّ يكلَم الأول، ولا أحد الآخرين، وحينئذٍ، فيَحْنَثُ بكلام الأول، أو بكلام أحد الآخَرْينِ، وينبغي أن يراجَعَ.
ولو قال: لا أكلم فلاناً أو فلاناً، وفلاناً يحنث بكلام الأول أو كلام الآخرين، لكن يجوز أن يريد أنه لا يكلِّم الثالث، ولا يكلِّم أحدَ الآخرين، وحينئذٍ، فيحنث بكلام الثالث، أو بكلام أحد الأولين، وأنه لو حلف؛ لا يساكنُهُ في الدنيا، ذكر أصحابنا وجهَيْنِ في أنه إذا نوى ألا يسكن هو، والمحلوفُ عليه في البلدة، هل يُحْمَلُ اليمين علَى ما نوى؟ وجه المنع أن ذلك ليس 1 بمساكنة، وإذا نوَى مَا لاَ يُطَابِقُ اللفظ، لم تعمل النية بمجرَّدها، وقاسُوهُ علَى ما إذا قال: لا أساكِنُهُ، وزعم أنه أراد المساكنة في إقليم، وأنه لو حلف ليهدِمَنَّ هذه الدار، فهدم سُقُوفَهَا، بَرَّ، ويجوز أن يُقَالَ: ينبغي أَلاَّ يبقى ما يسمَّى داراً، ولو حلف ليهدِمَنَّ هذا الحائط، أو لينقضنَّه فهذا علَى أن يهدمَ حتى لا يبقَى منه شيء يُسمَّى حائطاً، والكسر لا يعتبر فيه ما يزيل اسم الحائط، وأنه لو حلَفَ، لا يرتكب حراماً، فهو الزنَا، فإن كان الحالف خَصِيّاً أو مجْبِوباً، فعلى القُبْلَةِ الحَرَامِ ونحوها, ولو حلَفَ، لا يطأ امرأةً وطئاً حراماً، فوطئ امرأته، وهي حائضٌ أو مظاهرٌ منها, لا يحنث، ولا نساعدهم في المسألتَيْنِ.
في فتاوى الفقيه أبي اللَّيْث: أن قوله "حقاً أفعل كذا" ليس بيمين عند بعضهم، كقوله"صدْقاً" وقال آخرون: هو يمين، فإنَّ الحقَّ هو الله تعالَى، فكأنه قال الله أفعل كذا، وينبغي أن يجعل كنايةً، ويُراجع، وأن بعضَهم سُئِلَ عن قَصَّار ذهب من حانوته ثَوْبٌ، فَتَّهَم أجيراً له، وقال: (تومر ازيان كردى) 2 فقال (من ترا زيان كردم) 3 وحلف عليه، وكان قد أخذ الثوب، وهو لغير القصار، فقال: أخشى أن يحنث؛ لأن مراد القصار الخيانة فيما في يده لا حَقِيقَةُ المِلْك، وقد يوجَّه أيضاً بأنَّ أخذ الثوْب من حانوته إِضرارٌ به؛ لأنه يسوء الظن به، ويقع في معرض التهم، واللفْظُ مطلَقٌ للإِضرار لا الاِضرار في المملوك، وأن بعضهم قال: إذا حلف؛ ألاَّ يأكل من مالِ فلانٍ، ثم تناهدا هذا، فأكل الحالفُ من ذلك، قال: لا يحنث؛ لأنه أكل في عرف الناس من مالِ نفسه، ولينظر، أكان مالُ فلان مخلوطاً بماله، فأكل منه أو أكل من مال فلانٍ خاصَّةً،

فالمشاهدان تارةً يخلطان، وتارةً يتناوبان على احتضار الطعام، وينجَزُّ النظر إلَى أن الضيف يأكُلُ مالَ الُمضِيفِ أو يملك ما يتناوله.
وأنه لو حلف؛ لا يزور فلاناً حيّاً وميِّتاً، فشيع جنازته، لا يحنث، وبه نقول.
وأنه لو حلف لا يصطاد، ما دَامَ الأمير في البلد، فخرج الأميرُ منْها، فاصطاد، ثُمَّ رجع الأمير، فاصطاد، لم يحنث؛ لأنه لَمَّا خرج من البلدة، سقَطَتِ اليمين، وأنَّ بعضهم قال: لو قال: بسم الله، لأفعلن كذا، فهو يمين، ولو قال: بصفة الله تعالَى، فلا؛ لأن الأول من أيمان الناس؛ ألا ترى أن القائل يقول: "بِسْمِ الَّذِي أُنْزِلَتِ مَنْ عِنْدِه السُّوَرُ ولك أن تقول: إذا قلنا الاسم هو المسمَّى، فالحلف بالله تعالَى، وكذا إن جَعَلَ الاسمَ صلةً، وإن أراد بالاسم التسميةَ، لم يكن يميناً، وقوله: "بصفة الله" يشبه أن يكون يميناً إلا أن يريد الوصف، وأنه لو حلف؛ لا يركب، فركب ظَهْرَ إنسانٍ، فعَبَرَ على النهر، يحنث، وأنه لو حلف؛ لا يفتح سراويله على امرأته، فإن أراد جِمَاعَها، فقد حلف على ترك المجامعة، فهو مولٍ، وإن لم يرد ذلك، فينبغي أن يفتح سراويله لبَوْلٍ أو غائطٍ، ثم يجامعها إن شاء، فإن فتحه للجماع، فلا يؤمن أن يحنث، وفي "الرقْم" لأبي الحسن العباديِّ: أنه لو حلف؛ لا يأكل الحلواء، حنث بالمتخذ من الفانيذ والسكر والعسل والدبس والقند 1، وفي اللوزينج والجوزينح 2 وجهان، وفي فتاوى صاحبِ الكتابِ: أنه لو حلف، لا يُدْخِلُ داره الصُّوفَ، فأدخل كبشاً عليه صوف، لم يَحْنَثْ، وكذا لو حلف؛ لا يُدْخِلَ بَيْضاً، فأدخل دجاجةً، فباضت في الحال وأنه لو حلف لا يدخل معه تحت سقف، فقعد تحت أزج 3، حَنِث، وأنه لو حلف؛ لا يفطر، فمطلق هذا ينصرف إلى الأكل والوقاع ونحوهما, ولا يحنث بالردَّة والجنون والحيض ودخول الليل، وعن القفَّال: أنه لو قال لغيره (بخداى كه من نكَدارم باتو ازاين، خانه بيرون فقام) شون 4 ذلك الغير؛ ليخرج، فإن لم يتعلَّق به، ولم يمنعه من الخروج حتَّى خرج، حَنِث، وإن تعلَّق به، فغلبه، وخرج، لم يحْنَث.
وإن في نذْرِ اللِّجَاج؛ لو كان الملْتَزَمُ صوْمَ ثلاثة أيام، وقلنا: الواجب عليه كفارةُ يمينٍ، وكان مُعْسِراً، فصامها بنيَّة ما التزم، لا بنية الكفَّارة، لا يجزئه عن الكفَّارة.

جارٍ التحميل