العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 267-306

................... = ووجهة الظاهرية: أن الآية مطلقة، فهي شاملة للحر والعبد على السواء، فتقييدها بأحد النوعين بخصوصه تقييد بلا دليل، فيكون باطلاً.
ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل رأينا أن مذهب الجمهور الراجح، لما سبق من التعليل، وَأَمَّا قول المخالف: إن الآية مطلقة، الخ، فيجاب عنه: بأن المقيد هو ما قصده الشارع من شرع الكفارة، وذلك محقق في غير الرقيق، ويؤيد هذا قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ تَحِلُّ صَدَقَةٌ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سِوَى" وهذا غني بكسبه، أَو بإنفاق سيده عليه، فهو خارج عن النص، ويرد على أبي حنيفة أنه في حالة إحاطة الدين برقبته وكسبه، إذا كان لمصلحة السيد كان السيد مخيَّراً بين سداده، أو بيع العبد لسداده، وأما إذا كان مَنْشَؤُهُ مصلحة الرفيق، فإن الدائن هو الذي أهمل في مصلحة نفسه، كما يرد على من قال: إنه يعطى في حال غيبة السيد، وعجزه عن الْكَسْبِ بأن نفقته كنفقة الزوجة تكون عن طريق القرض بأمر القاضي، حتى يحضر السيد.
"هل للزوجة دفع كفارتها لزوجها أو ولدها": مَذْهَبُ الشَّافِعيَّةِ والمالكية، وأبي يُوسَفَ، ومحمد بن الحنفية: أنه يجوز للمرأة إعطاء كفارتها لزوجها، أو ولدها الفقيرين؛ لان النص، وهو قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يشملهما؛ ولأن إعطاءها إياهما يجمع بين الصلة والصدقة، وذلك أفضل من إعطاء الغير.
يدل لذلك ما روي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمر امرأة ابن مسعود أن تدفع صدقتها لزوجها، وولدها لما أعلمته عليه الصلاة والسلام باستحقاقهما للصدقة، فأخبرها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن لها أجرين.
والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول أبي حنيفة: أن المرأة لا يجوز لها ذلك.
ووجهتهم في ذلك: أن بين الزوجين صلة في المنافع واشتراطاً في الانتفاع، فدفعها إليه يوجب انتفاعها بما دفعته بعوده إليها، فكأنها لم تكفر.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن الْحَقَّ مع الجمهور؛ لان النص شامل لهما,ولم يوجد ما يخصصه، كما أن إعطاء الزوج الفقير يصون عليه ماء وجهه عن الذُّلُّ بسؤال الغير، وأما القول بأن ما تعطيه الزوجة لزوجها يرجع إليها.. الخ، فلا يضر؛ لان ذلك عَادَ إليها بعد أن ملكه الزوج، وليست نفقة الزوج واجبة عليها، حتى يقال: إنها قد انتفعت بهذا الإِعطاء.
"النوع الثالث": تحرير الرقبة: هذا هو النوع الثالث من أنوع كفارة اليمين المخيَّر فيها، وهو الْمُشَارُ إليه بقوله تعالى عاطفاً على الإِطعام، والكسوة: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ والمقصود من تحرير الرقبة: جعل الرقيق المملوك حُرّاً طليقًا ولقد أطلق الله تعالى في هذه الآية الرقبة، ولم يقيدها بِوَصْفِ الايمَانِ، كما قيدها به في كفارة القتل، فكان ذلك منشأً لاختلاف الفقهاء في إجزاء عتق الرقبة الكافرة في كفارة اليمين.
المذاهب: ذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد في مشهور مذهبه، والأوزاعي: إلى أن عتق الرقبة الكافرة في كفارة اليمين لا يجزئ، ولا تسقط الكفَّارة به.
وذهب الإِمام أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وعطاء، وأبو ثور إلى أن ذلك مجزئ، ومسقط للكفارة، وهو رواية عن الإمام أَحْمَدَ.
احتج الجمهور بما رواه مسلم، والنَّسَائِيُّ عن معاوية بن الحكم قال: كانت لي جارية فَأتيت النبيَّ =

........................ = -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ: عليَّ رقبة.
أفأعتقها فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَينَ اللهُ؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ فقال: مَنْ أَنَا؟ فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ.
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اعْتِقهَا فَإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ".
ووجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَخَّرَ الجواب عن السائل، حتى علم ما عليه تلك الرقبة من الإِيمان أو الكفر، فلما تأكد له إيمانها أجابه -صلى الله عليه وسلم- بأن يعتقها، وقال له: "فَإنَّهَا مُؤمِنَةٌ"، فلو لم يكن وصف الإِيمان له دخل في إجزاء العتق، لما كان لهذا التأخير فائدة، ومثل ذلك يجلُّ عنه مقام الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
وأيضاً فإنه عليه الصلاة والسلام علَّق عتقها على الإِيمان، وتعليق ذلك يدل على أن الإِيمان علَّة الإِجزاء؛ لأن تعلُّق الحكم بالمشتق مؤذن بأن مبدأ الاشتقاق علة فيه.
وقالوا: إن الرقبة في الآية، وان كانت مطلقة غير مقيدة بوصف الإِيمان إلا أن هذا الحديث يصلح أن يكون مقيداً لها، فيكون المقصود من الرقبة فيها: هي الرقبة المؤمنة أو يقال: إن كفارة اليمين قد اتحد الحكم فيها مع كفارة القتل، ففي كل وجب عتق رقبة، واختلف سببهما إذ كفارة اليمين سببها اليمين، وكفارة القتل سببها القتل، والمطلق والمقيد متى اتحد حكمهما حمل المطلق على المقيد، وان اختلف سببهما متى وجدت علَّة جامعة بينهما، فتكون الرقبة في كفارة اليمين، مَحْمُولَةً على الرقبة في كفارة القتل، فتقيد بالإِيمان، كما قيدت به في كفارة القتل؛ لأن العلة التي تجمعهما: هي حرمة السبب.
واحتج الإِمام أبو حنيفة، ومن معه بان الآية غير مقيدة، فهي شاملة للرقبة المؤمنة، وللرقبة الكافرة، والمطلق يجب بقاؤه على إطلاقه، حتى يرد من الشرع ما يقيده، ولم يرد ما يقيد الرقبة بالإِيمان هَاهُنَا، فكانت باقية على إطلاقها، فعتق الكافرة مجزئ كعتق المسلمة، وليس حمل المَطلق على المقيد عند اتحاد الحكم مع اختلاف السبب أمراً متفقاً عليه، بل نحن لا نقول به.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن مذهب الجمهور هو الراجح؛ لأن الحديث المتقدم مقيد للآية، فلم تبق على إطلاقها؛ ولأن الكفَّارة عبادة يُتقرب بها إِلى الله عَزَّ وَجَلَّ، فوجب أن تكون خاصة بأهل عبادته من المؤمنين كمال الزكاة، وذبائح النُّسُكِ.
نعم، إن الإِسلام دين الرحمة العامة، والصدقة فيه، حتى على الكفار غير المحاربين مستحبة، ولكن فرقاً بين الصدقة المطلقة، وبين العبادات المحددة المقيدة، فتكفير الذين إنما تُرْجَى بما في العتق من إعانة العتيق على طاعته تعالى، حتى من قال بِإجْزَاءِ الكافِرَة لا يمكنه أن ينكر أن الاحتياط في إِبراء الذمة إِنما هو بإعتاق الرقبة المؤمنة، فتقديم "المجمع عليه المتيقن إجزاؤه أولى بالاعتبار من الظنون المختلف فيه.
ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة إِلى اشتراط ذلك، وعدم إجزاء الرقبة المعيبة عيباً يضر بالعمل، والكسب ضرراً بيناً؛ لأن المقصود من عتق الرقبة تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه في الحياة، وجعله غير عالة على غيره، وهذا إنما يتحقق في الرقبة السليمة دون المعيبة، إذ عتقها يوجب أن تكون عالة على المجتمع بعد أن كانت عالة على الفرد، ولا يصلح أن يكون ذلك مقصودًا للشارع.
وذهبت الظاهرية إلى إجزاء ذلك؛ لأن شرط السلامة من العيوب غير معتبر عندهم.
=

................ = ووجهتهم في ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿أَو تَحْرِيرُ رَقبَةٍ﴾ حيث إنها لم تفرق بين الرقبة المعيبة، والرقبة السليمة، ولم يوجد ما يقيد هذا الإطلاق من كتاب أو سنة.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن قول الجمهور: هو الراجح لما تقدم؛ ولأن العتق نوع كفارة، فلا يجزئ فيه ما يقع عليه الاسم، كالإطعام، فإنه لا يجزئ أن يطعم مسوساً ولا عفناً، وإن كان يسمى إطعامًا، فالمراد من الرقبة الرقبة الكاملة والمعيب ليس بكامل، فيجب المصير إلى التقييد مراعاة للمصلحة العامة؛ لأن الفرض من إعتاقه، أن يكون عضواً عاملاً في المجتمع الإِنساني، فيكمل به بِنَاءُ الإِنْسَانيَّةِ.
واتفق الفقهاء جميعاً على أن عتق الرقبة يجب أن يكون خالصاً للكفارة، فلا يجزئ العتق عن الكفارة في مقابلة عوض يأخذه المكفر من العبد، كما لا يجزئ عتق الرقبة المشتراة على شرط العتق لأن ذلك عتق في مقابلة عوض إذ البائع لما تساهل في الثمن في نظير هذا العتق فكأنه ترك جزءاً منه في مقابلة.
ولا فرق في إجزاء عتق الرقبة بين أن تكون الرقبة مملوكة له أو مملوكة لغيره واشتراها بنية الكفارة.
غير أن للعلماء اختلافاً في إجزاء بعض الرقاب المملوكة أو المشتراة نذكرها فيما يأتي: أم الولد: جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة على عدم إجزاء عتقها في الكفارة.
لأن عتقها مستحق بسبب آخر فلم يكن العتق خالصاً للكفارة، بل كانت كالعبد المشترى بشرط العتق.
وذهب أهل الظاهر وعثمان البتي وأحمد في رواية عنه إلى أن عتقها مجزئ في الكفارة لأن الله تعالى يقول: ﴿أَو تَحْرِيرُ رَقبَةٍ﴾ وذلك شامل لأم الولد وغيرها.
ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نرى أن الحق هو ما ذهب إليه الجمهور, لأن الشارع يريد أن تتخلص هذه الرقابة من ذل العبودية.
وما دام هناك سبب تتخلص به أم الولد من الرق غير سبب الكفارة فلا داعي لأن يضاف سبب آخر إليه ولنبحث عن رقبة أخرى ليس فيها ما يوجب تحريرها وبمنّ عليها بالعتق تكثيرا للنفوس المحررة.
المدبر: ذهبت الشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وجماعة من الفقهاء: إلى أن المدبر يصح عتقه في الكفارة؛ لأنه رقبة من الرقاب، وقد قال تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ ولأنه عبد كامل المنفعة لا عوض في عتقه، فجاز عتقه كالقنِّ.
وذهبت المالكية، والحنفية، والأوزاعي وجماعة من العلماء: إلى أن عتقه في الكفارة ليس بمجزئ؛ لأن عتقه مستحق بسبب آخر، فكان كأم الولد.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن الحق مع من يقول بعدم الإجزاء؛ لأن إلحاقه بأم الولد أولى من إلحاقه بالقنِّ؛ لأن كلاً منهما استحق العتق بسبب غير سبب الكفارة، وجواز بيعه لا يلزم منه إجزاء التكفير به، على أن بعض العلماء يقول بصحة بيع أم الولد، ومع ذلك لا يجوز إعتاقها عن الكفارة.
"المكاتب": =

............... = ذهبت الشافعية، والمالكية، وأحمد في رواية عنه إلى أن المكاتب لا يجزئ عتقه في الكفارة مطلقاً أدى شيئاً من نجوم الكتابة، أم لا؛ لأن الكتابة لازمة من جهة السيد، فلا يملك إبطالها، فكان عتقه كأم الولد؛ ولأن عتقه مستحق بسبب آخر، فكان كالعبد المشترى بشرط العتق.
وذهبت الحنفية، والأوزاعي، وأحمد في مشهور مذهبه: إِلى التفصيل فيقولون: "إِنْ أَدَّى شَيْئاً مِنْ نُجُومِ الكتَابةِ لَمْ يَجْزُ عِتْقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِ شَيْئاً مِنْهَا أَجْزَأَ عِتقُهُ فِيْهَا".
ووجهتهم في ذلك: أنه عند أداء بعض النجوم يكون عتقه كعتق العبد الذي ثبتت حرية بعضه، وذلك لا يجوز.
أما في الحالة الثانية: فيكون رقبة كاملة الملك لم يحصل عوض في مقابلة عتقها، فيجوز عتقه، كالعبد القنِّ.
وذهب أبو ثور وأحمد في رواية ثالثة: إلى إجزاء عتقه في الكفَّارة مطلقاً أدى شيئاً من مال الكتابة أم لا؛ لأنه لم يخرج عن كونه رقيقاً مابقي عليه درهم.
لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "الْمَكَاتِبُ عَبْدُ، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرهَمٌ" والله تعالى يقول: ﴿أَو تَحْرِيرُ رَقبَةٍ﴾ وهي شاملة له.
وبالنظر في وجهة.
كل نرى أن الحق مع من يقول: بعدم إجزاء عتقه في الكفارة مطلقاً؛ لأن المكاتب قد أحرز نفسه، وماله بالكتابة، فصار كالحر؛ ولأن عتقه قد وجد له سبب، وهو الكتابة، فهو بصدد أن يكون حُراً، فعلينا أن نبحث عن رقبة أخرى لا سبب للحرية فيها، فنعتقها لنكثر من الرقاب الأحرار، والقول بأنه عبد ما بقي عليه درهم: لا يقضي بجواز عتقه في الكفارة إذ غاية ما يفيده هذا القول إنه ما لم يسدد نجوم الكتابة لا يصير كامل الحرية، وفرق بين الأمرين.
النوع الرابع: الصيام: الخصلة الرابعة من خصال كفارة اليمين: هي صيام ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، والعلماء متفقون على أن تلك الخَصْلَةَ لا ينتقل إليها المكفر إلا بعد العجز عن الخصال السابقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.
لكنهم مختلفون في شيء آخر وراء هذا وهو: هل يجب التتابع في صوم تلك الأيام الثلاثة بحيث لا يتخللها فطر أو لا يجب ذلك فِيهِ خِلاَفٌ.
ذهبت الشافعية في الراجح من مذهبهم، والمالكية، والظاهرية، وأحمد في رواية عنه: إلى عدم اشتراط التتابع محتجين بأنه صوم نزل به القرآن غير مقيد بالتتابع، فجاز متفرقًا ومتتابعًا؛ لانه لم يوجد من السنّة دَلِيلٌ ثَابِتٌ يصح أن يقيد به هذا الاِطلاق، فالتقييد بالتتابع تَقْييدٌ.
بلا دليل.
وذهبت الحنفية، وأحمد في مشهور مذهبه، والثَّورِيُّ، وأبو عبيد: إلى اشتراط التتابع محتجين بقراءة أُبَيِّ، وابن مسعود "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَات" قائلين: إن ثبت القرآن بهذا كان حجة ووجب حمل المطلق على المقيد؛ لأن القرآن يفسِّر بعضه بعضاً، وإن لم تثبت القرآنية بهذا، فلا يخرج ذلك عن أن يكون رواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمعها ابن مسعود، وأبي منه، فلها حكم الحديث المرفوع، وهو حجة، فيقيد به مطلق الكتاب، وَأيَّاً ما كان، فالتتابع ثابت بهذا، فلا يصح التفريق في الصِّيَام.
ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نجد أن القول بالتتابع هو الراجح؛ لأن القائلين بعدم التتابع قد =

قَال الغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّانِي فِي الكَفَّارَةِ: وَهُوَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامُ عَشَرَةَ أَمْدَادٍ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ، فَإِنْ عَجَزَ فَصَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَلاَ يَجِبُ التَّتَابُعُ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: كفارة اليمين 1 تختصُّ باشتمالها على تخيير في الابتداء وترتيب في الانتهاء، فيخيَّر الحالِفُ أولاً بين أن يُطْعم عشرةَ مساكين، وبين أن يكْسُوهم وبين أن يُعْتِق رقبة؛ على ما قال تعالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ من أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُنمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة﴾ [المائدة: 89] فإن اختار الطعام، أطعم كلَّ واحدٍ مُداً والقول في جنس الطعام وكيفية إخراجه ومَنْ يُصْرَف إلَيْه، وامتناع إخراج القيمة، وصرف الأمداد العشرة إلى بعْض العَشَرة، وسائر المسائل على ما سبق في "الكفارات"، وإن اختار الكِسْوة، كساهم على ما سنَذْكر، وإن اختار الإعتاق، فلتكن الرقبةُ بالصفات المذكررة في "الكفارات" ولو أطعم بعض العشرة، وكسَا البعض، فلا يجوز؛ خِلافاً لأبي حنيفة وأحمد، ويُروَى مثلُه عن مالك -رحمهم الله-.
لنا: أن التخيير للخِصالِ المذكورةِ ينفي التمكُّن من غيرها، والتفريقُ غيرها وأيضاً، فإنه لا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويُطْعم أو يكسُو خمسةً، فكذلك هاهنا, ولو أطعم عشَرةً، وكسا عشرَةً، وأعتق رقبَةً، أو أطعم ثلاثين مسكيناً عن ثلاثِ كفاراتٍ، ولم يعيِّن، أجزأه, بناءً على ما مرَّ أن تعيين النية في الكفَّارات لا يشترط، فإن عجز عن الخصال الثلاث جميعاً، صام ثلاثةَ أيام عَلَى ما قال تعالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَصِيَامُ ثَلَاثةِ أَيَّام﴾ [البقرة: 196]، والقول فيما يحصل به العجْز قد تبَّين في"كتاب الكفَّارات" ومن له أن يأخذ سهم الفقراء، أو المساكين من الزكوات أو من الكفارات يُكَفِّر بالصوم؛ لأنه من جملة الفقراء في الأخذ، فكذلك في الإِعطاء، وقد يملك نصابًا ولا يفي دخْلُه = حملوا المطلق في تحرير الرقبة على المقيد فيها في كفارة القتل، حتى أوجبوا اعتبار وصف الإيمان في الرقبة مع أن السبب فيهما مختلف، وليس لهم مستند في ذلك إلا أن كلا من الكفارتين تجمعهما علة واحدة هي: حرمة السبب، وهذه العلة بذاتها موجودة في الصوم في كفارة اليمين.
وقراءة أُبَيِّ، وابن مسعود: "فَصِيَامُ ثَلاثةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ".
فهذه القراءة، وِان لم تثبت قرآنية هذا اللفظ؛ لأن القرآن لا يثبت بالآحاد إلاَّ أنها رواية عن صحابي سمعها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا ينبغي أن يَتَقَوَّلَ عليه ما لم يقله؛ لأنه يعرف حَقَّ المعرفة معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتعَمِّداً، فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" فتكون مقيدة للآية.
فقول من قال: إن الآية مطلقة، ولم يرد ما يقيدها لا يقبل بعد البيان السابق، وخصوصاً إذا أمكن حمل المطلق هَاهُنَا على المقيد في كفارة القتل، أو الظهار، ولا مانع منه.

بخَرْجِه، فعليه إخراج الزكاة وله أخذها، والفرق بين البابين أنا لو أسقطنا الزكاة لخلا النصاب عن الزكاة؛ بلا بدل، وللتكفيرُ بالمال بدلٌ، وهو الصوم، وهل يُشْترط التتابع في الأيام الثلاثة؟ فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن الآية مطْلَقةً غير مقيَّدة بالتتابع، وبهذا قال مالكٌ.
والثاني: نعم؛ حملاً للمطْلَق على المقيَّد في آية الظهار والقتل، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمدُ واختاره المُزنيّ -رحمهم الله- ومن قال بالأوَّل، قال: هذه الكفارات بُنِيت على التخفيف؛ ألا ترى إلى قلة عدد الأمداد والأيَّام، وإلى إثبات التخيير، فلا يلزم من اعتبار التتابع هناك الاعتبار هاهنا، والقول الثاني أصحُّ عند صاحب "التهذيب" لكن المحامليّ في آخرين رجَّحوا الأول، وهو المذكور في الكتاب، وذكر الإِمام؛ أنه الجديد، وإذا قلْنا باعتبار التتابع، فالإِفطار في اليوم الثاني أو الثالثِ بعُذْر المرض، أو السَّفَر على الخلاف المذكور في كفارة الظهار، ولو أفطرت المرأة بعُذْر الحَيْض، فقد قيل: لا ينقطع التتابع، كما في صوم الشهرين، وقيل: يقطع بالانقطاع؛ لأن تبْعِيد الأيَّام الثلاثة عن الحيضِ ممكنٌ بخلاف الشهرين، وقيل: الحيض هاهنا كالمرض هناك، ففي قطعه التتابُعَ قولان: والظاهر: أنه يَقْطع التتابعُ، وإذا كانت المرأةُ ممَّن لم يحضْ، فشرعت في الصوم، فابتدأها الحيضُ، اتجه التسوية بينه وبين المرض، وقال أحمدُ: الحيضُ لا يقطع التتابعَ، وقد ذكرنا طَرفاً من هذه المسألة في "الكفارات".
ويجوز أن يُعلَمَ قوله في الكتاب "عشرة أمداد لعشرة مساكين" بالحاء؛ لما ذكرنا في الكفارات أن عند أبي حنيفة: وظيفةُ كلِّ مسكين، إن أخرج البُرَّ، نصْفُ صاع، وإن أخرج التمْرَ والشعيرَ، فصاعٌ، وبالألف؛ لأن عند أحمد: لكُلِّ مسكين من البرِّ مُدٌّ ومن التمر والشعير مُدَّان.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَكْفِي فِي الكِسْوَةِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ إِزَارٌ أَوْ سَرَاوِيلُ أَوْ قَمِيصٌ، وَيَكْفِي مَا يُوَارِي الرَّضِيعَ إِذَا أَخذ الوَليُّ لَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ القَدْرُ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ المَخِيطُ وَلاَ الجَدِيدُ بَلْ يُجْزِئُ المُسْتَعْمَل إِلاَّ إِذَا تَخَرَّقَ بِالاسْتِعْمَالِ أَوْ قَارَبَ الانْمِحَاقَ، وَيَجُوزُ مِنَ الصُّوفِ وَالكَتَّانِ وَالكِرْبَاسِ وَالإِبْرَيْسَمِ، وَفِي الدِّرْعِ وَجْهَانِ، وَفِي الشَّمْشَقِ وَالقَلَنْسُوَةِ والخُفِّ وَجْهَانِ فالظَّاهِرُ مِنَ الطَّريقَينِ أَنَّ النَّعْلَ كَالشَّمْشقَ لاَ كالمِنْطَقَةِ فَإنَّها لاَ تُجْزِئُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا اختار المكفِّر الكِسْوةَ، وجب فيها التمليك، كما في الطعام، ولا يشترط أن يُعطِيَ كلَّ مسكين دست ثوب، بل يكفي ثوبٌ واحدٌ من قميصٍ، أو

سراويل، أو عمامة، أو جبة، أو قباء، أو مُقَنَّعة، أو إزار أو رداء، أو طَيْلَسَان؛ لأن الاسم يقع على جميع ذلك، وبهذا قال أبو حنيفة، فيما رَوَى بعض الأصحاب، وفي شرْح الصيدلانِّي؛ أن أبا حنيفة -رحمه الله- قال: لا بدَّ من ثوبٍ سابغٍ من دراعة أو جبة، أو إزار، مع رداءٍ، ولا يجزئ الإزار وحْده، والسراويل وحده، وحَكَى القاضي ابن كج: أن أبا حنيفة قال: يَجزئ السراويل، ولا تُجْزئ العمامة، وعند مالكٍ وأحمد: يشترط أن يكون المُعْطَى ساتراً للعورة، وتصح فيه الصلاةُ، فيختلف الحال بذكررة الأخْذ وأنوثته، حتى يجزئ الإزار الواحدُ، إن كان الآخذ ذكراً، ولا يجزئ إن كان أنثَى، ويُحْكَى هذا قولاً عن القديم 1، وعن رواية البويطِيِّ أيضاً، ويمكن أن يُعْلَم؛ لما بينا قوله في الكتاب "إزارٌ أو سراويلُ" بالحاء والميم والألف والواو.
ولو كان المأخوذ صغيراً يكفي للصغير والرضيع دون الكبير، نُظِر، إن أخذه الوليُّ للصغير، جاز، فإنَّ صَرْفَ طعام الكفارة وكسوتها للصغارِ جائزٌ، كما في الزكاة، ويتولَّى الوليُّ الأخذ، وإن أخذه الصغير لنفسه، فوجهان: أحدهما: وهو اختيار الشيخ أبي محمد: أنه لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿أو كِسْوَتُهُم﴾ [المائدة: 89] فأضاف الكسوة إلى مَنْ يَكْتَسِي، وأيضاً، فإن الخرقة الصغيرة تَوَارِي ابْنَ ساعةٍ، ويبعد كل البُعْد أن يكتفي المكفِّر بعَشْرِ خِرَقٍ يعطيها عَشَرةً من الرجال.
وأظهرهما: الجواز، وبه قال القاضي الحسين -رحمه الله- ولا يُشْترط أن يَكتسي الآخِذُ بما يتسلَّمه، ولذلك يجوز أن يعطِيَ الرجال كسوةَ النساء، وبالعكس، ولا يُشترط المَخِيط، بل يجوز إعطاء الكِرْبَاس، ويُسْتحب أن يكون جديدًا خامًا كان أو مقصوراً، فإن كان مستعملاً، نُظِر، إن تخرَّق أو ذهبَتْ قوته بمقاربة الانمحاق، لم يجز؛ لأنه مَعَيبٌ، كالطعام المُسَوِّس، وإن لم ينته إلى ذلك الحدِّ، فيجوز، كالطعام العتيق، كالمرقع لا يجزئ إن وقع للخَرْق والبِلَى، وإن خِيط في الابتداء مرقعاً للزينة وغيره، أجزأه ولو كسا مسكيناً ثوباً لطيفاً مهلهل النَّسْجِ غَيْرَ بالٍ في جنسه، لكنْ مثْلُه، إذا لُبس، لا يدوم إلا بقَدْر ما يدوم الثوب البالي، قال الإِمام: يظهر أن يقول: لا يُجْزئ لضعْف المنفعة فيه.
وأما الجنْس، فيجزئ المتَّخَذ من الصوف، والشَّعْر، والقطن، والكَتَّان والقَزِّ والإِبْرَيْسَم، ولا فرق بين أن يكونَ المدفوعُ إليه رجلاً، لا يحلُّ له لُبْسه، أو امرأةً لأنه

يجوز أن يدفع إلى الرجل كسوةَ المرأةِ، وفي "المهذب" وجهٌ: أنه لا يجزئ، إنْ كان المدفوعُ إليه رجلاً، ولا فرق في كل جنس بين الجيِّدِ والرديءْ، والمتوسِّط، ويتبع الاسم، وعن القاضي الحُسَين: أنه لو قِيلَ باعتبار الكسوة الغالبة في أهل البلدة، كالطعام، لم يَبْعُد، وفي الدرع وجهان: أحدهما: أنه يجزئ؛ لأنها ملبوسةٌ محيطةٌ بالبدن، ولذلك تجب الفدية على المُحْرِم بلبسها.
وأظهرهما: المنع؛ لأن المتَّبَع فيما نحْن فيه اسمُ الكِسْوة، ولا يُسَمَّى الدرع كسوةً، وإن كانت ملبوسةً، وأُجْرِي الوجهان في الشَّمْشَق، وهو المكَعَّب، وفي القَلَنْسُوة، قال الإمامُ: وسبب الاختلاف إطلاق اسم اللبس وامتناع اسم الكسوة، ويُحْكَى عن أبي إسَحاق: إجزاء الْقَلَنْسُوة، واحتج له بما رُوِيَ أن عِمْرَانَ بن حصين -رضي الله عنه- سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِذَا قَدِمَ وَفْدٌ عَلَى الأَمِيرِ, فَأَعْطَاهُمْ قَلَنْسُوَة، قِيلَ: قَدْ كَسَاهُمْ 1 وأجريا أيضاً في الخف والتُّبَّانِ، وهو: سراويلٌ قصيرةٌ لا تبلغ الرُّكبة، والظاهر في الكلِّ المنْعُ، وقطع به بعضهُم في الخُفِّ، وفي النعل طريقان: أشبههما: على ما ذكر الإِمام وصاحبُ الكتاب -رحمهما الله-: إجراء الخلاف.
والثاني: القطعُ بالمنع، كما في المِنْطَقَةِ والخَاتَم، وليكن الجَوْرَبُ كالنعْل، ولا تجزئ التِّكَّةُ وفي "جمع الجوامع" للرويانيِّ إجراء الخلاف فيها، وذكر الصيدلانيُّ، أن القميص من اللبد يجزئ في اللبد الذي جرت العادة بلْبِسهِ؛ لغالب الناس أو لِنَا دِرِهِمْ 2. قَالَ الْغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي المُلْتَزِمِ، وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ حَنِثَ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْداً مُسْلماً كَانَ أَوْ كَافِرًا بَقِيَ حَيّاً أَوْ مَاتَ لَكِنَّ العَبْدَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلاَّ الصَّوْمُ لأَنَّهُ لاَ يَمْلِكِ بِالتَّمْلِيكِ (و)، وَلِلسَّيِّدِ المَنْعُ مِنْهُ لأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَوِيّاً بِحَيْثُ لاَ تَمْتَنِعُ الخِدْمَةُ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ وَيَكْسُو بَعْدَ مَوْتِهِ إِذْ لاَ رِقَّ بَعْدَ المَوْتِ، وَفِي الإِعْتَاقِ عَنْهُ وَجْهَانِ.

قَالَ الرافعِي: كل مكلَّف حنثَ في يمينه 1، لزمته الكفارة، يستوي فيه الحرُّ،

والعبدُ، والمسلِمُ، والكافِرُ، وعن أبي حنيفة: أن يمين الكافِرِ لا ينعقد، واحتج الأصحابُ -رحمهم الله- بأنه مكلَّف قاصدٌ إلى اليمين، فينعقد؛ كالمسلم، وكما أنَّ على الحالفِ الحانِثِ إخراجَ الكفَّارة في حياته، فلو مات قبل الإِخراج، تخرج من تركته، هذا هو القول الجُمَلِّي، وفي العبد والميّت مسائلُ تقع في فصلين: أحدهما: في العبْد، ويكفر عن اليمين وغيْرها بالصوم؛ لأنه لا يملك على الصحيح، فلا يُتصوَّر منه الإعتاق والإطعام، وإعطاء الكسوة، وإن قلْنا: إنه يملك بتمليك السيد، فإن أطلق التمليك، لم يمكنه إخراج الكفارة بغَيْر إذن السيد، وإن ملكه الطعام أو الكسوة للإخراج في الكفَّارة أو ملَّكه ثم أذن له، فيكفر بالإِطعام أو بالكسوة، وقد ذكَرْنا ذلك، وبيَّنَّا أنه، لو ملكه عبداً ليعتقه عن الكفَّارة، لم يقع عن الكفارة، على الظاهر من المَذْهب، وبَنَاه الإِمام -رحمه الله- على أنَّه، لو ملَّكه عبداً فأذن له في إعتاقه مُتبرعاً لمن يكون الولاء، إذا أعتقه؟ وفيه قولان: = خامساً: ألا يكون الحالف على شخص بأنه لا يفعل -كذا هو المكره له على فعله.
سادسًا: ألا تكون يمينه لا أفعله طائعاً ولا مكرهاً وجهة الشافعية ومن معهم قوله -صلى الله عليه وسلم- "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس على مقهور يمين".
وجه الدلالة من الحديثين ظاهر، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر في الحديث الأول بأن النسيان والإكراه قد وضعها عن الأمة.
أي أنه لا إثم فيهما على المكره، ونفي الإثم يوجب نفي الكفارة لأَن الشأن فيها أن تكون لذهاب الإِثم.
وأخبر في الحديث الثاني أن المقهور لي عليه يمين وهذا نص في المطلوب؛ لأن الكفارة إنما تكون عن وجود يمين معتبرة وحيث لا اعتبار ليمين المكره فلا كفارة فيها.
ووجهة الحنفية والمالكية ما روي من قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث جدِّهنَّ جد وهزلهن جد.. الخ" وعدَّ من جملة الثلاث اليمين.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتبر اليمين من الهازل وهو الذي لم يقصد ما حلف عليه وجعلها كيمين الجاد الذي وجد منه القصد فتكون يمين المكره والمخطئ أولى بالاعتبار لوجود القصد عندهما فتكون موجبة للكفارة كغيرهما.
وأيضاً فإن حقيقة فعل خلاف ما حلف عليه لم تنعدم بالإِكراه ولا بالنسيان بل توجد بها، وتحقق الفعل هو الشرط المعتبر في الكفارة وقد وجد فتوجد الكفارة.
ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نجد أن قول الفريق الأول القائل بالاشتراط هو الراجح لأن استدلال الحنفية يضعفه ما صرح به في بعض الروايات من تفسير اليمين بأنها اليمين بالعتق أو الرجعة، فقد ورد في بعض روايات الحديث ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتق وفي بعضها "الرجعة" بدل العتق والمطلق يحمل على المقيد فيكون المعنى اليمين بالعتق.
كما أن قولهم إن الشرط في الكفارة هو حصول خلاف المحلوف عليه وقد تحقق استدلال بمحل النزاع، فإن الخصم يقول لهم: إن الشرط تحققه على وجه خاص ولم يوجد ذلك الوجه الخاص.
ويرد على الحنفية خاصة بأن هذا قياس في الأسباب وهم لا يقولون به.

أحدهما: أنه للسيد، فإن إثبات الولاء للعَبْد متعذِّر؛ لتعلُّق الولاءِ والإِرث به، وقصور حال العبْد عنهما.
والثاني: أنه يوقَفُ، إن عُتق العبد المعتِق، تبين أن الولاء له، وإن مات رقيقاً، فهو للسيد، وذكر صاحبُ "التقريب" قولاً أن الولاء للعَبْد وإذا لم يبعد ثبوت الملك، لم يبعد ثبوت الولاء، فعلى هذا القَوْل، إذا أذْن السيد له في الإِعتاق عن الكفارة، وقع عنْها وثبَت له الولاء، وقد ذكرنا ذلك في "الكفارات" ويُرْوَى ذلكَ عن أحمدَ -رحمه الله- وإن جعلْنا الولاء للسيِّد، فلمن يقع العتق؟ قال الإِمام: ينقدح فيه وجهان من كلام الأصحاب -رحمهم الله-.
أظهرُهما: أنه يقع للسيد, وكأن المِلْك يَنقَلِب إليه، لانصراف الولاء إليه.
والثاني: أنه يقع عن العبد، ويجزئه عن الكفارة، والتعذُّر يختص بالولاء، وهذا قول حكاه الشيخ أبو محمد -رحمه الله-، وإن قلْنا بالتوقف في الولاء، فقد قيل: يجزئ الإعتاف عن الكفارة، وهذا ما أسندناه إلى القفَّال هناك، ورأى الصيدلانيُّ أن يوقَفَ الوقَوع عن الكفارة؛ تبعاً للولاء، وهذا ما ذكره القاضي الحسين، وقَطَع به، وإذا قلْنا في هذه التفاريع: إن العتْق يقع عن الكفارة، فلو أَذِنَ السيد لعبده في الإعتاق في كفارة مرتَّبة، فهل للعَبْدِ ألاَّ يكفر بالمال، ويصوم؟ قال الإِمام -رحمه الله-: فيه احتمال عندنا من جهة أنَّ ملكه ضعيفٌ، والعبد ليس مُوسِراً به؛ ولذلك كانت نفقته على زوجته نفقةَ المُعْسِرِين، وإن ملَّكه السيد مالاً جمًّا، ويجوز أن يُقَالَ: ليس له ذلك؛ لتمكنه من الإِعتاق.
ولو أعتق الكاتَبُ عن كفارته بإذن السيد، ونفذنا تصرفاته، إذا صدر عن إذن السيد، قال الصيدلانيُّ: الذي ذكره الأصحاب -رحمهم الله- أَنَّ ذمته تبرأ عن الكفارة، والذي عندي فيه: أن الأمر موقوف؛ لأنه قد يعْجز، فيَرِقُّ، وحينئذ، فيكون الولاء موقوفاً، وإذا كان الولاء موقوفاً، وجب وقف الكفَّارة، ولو كفَّر السيد عنه بالإِطعام، أو الكسوة، أو الإِعتاق بإذنه، فهو على الخلاف في أنه، هل يملك بالتمليك بتفريعه وإذا كَفَّر بالصوم، فيستقل به، ولا يحتاج إلى إذْن السيد، وفيه تفصيلٌ وخلافٌ مذكوران في "الكفَّارات" وحيث يحتاج إلى الإِذْن، فللسيد منع الجارية من الصوم، لئلا يَفُوتَه الاستمتاعُ، والكفَّارة على التراخِي، وكذا له منع العبد، إذا كان يَضْعُف عن الخدمة بالصوم أو يناله ضَرَرٌ، وإلا، فوجهان: أحدهما: أن له المَنْعَ أيضاً؛ لأنه ينقص نشاطه.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه ليس له ذلك؛ لأنه لا يتضرر به، وذكر على هذا أنه لا يمنعه من صَوْمِ التطوُّعِ في مثل هذه الحالة، ولا من صلاة التطوُّع في

غير زمان الخدْمة، كما لا يمنعه من الذِّكْر وقراءة القرآن في ترداده، وحيث يحتاج إلى الإذن، فلو صام من غير إذْنِ، اعتد به، كما لو صلَّى الجمعة من غيْر إذنه، هذا كلُّه في حياة العبد، أما إذا مات، وعليه كفارةُ يمين، فللسيد أن يكفِّر عنه بالإِطعام أو الكسوة، وإن قلْنا: إن العبد لا يملك بالتمليك؛ لأن التكفير عنه في الحياة يتضمَّن دخوله في مِلْكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك، وليس للسيد ملْكٌ محقَّق، وأيضاً، فإن الرقَّ لا يبقى بعد الموت، فهو والحرُّ سواء، هذا ظاهر المذْهَب قال الإِمام -رحمه الله-: ويتطرق إليه احتمالٌ؛ الوجه ذكرناه في "الكفارات" فيما إذا أعتق العبد، وعليه كفارة، فأراد أن يكفِّر بالمال، وقلْنا: إن الاعتبار بحالة الوجوب؛ أنه لا يجوز؛ لأنه لم يكن أهلاً للتكفيرِ بالمال، حينئذٍ، وإذا قلْنا: بالظاهر، فهل يجزئ إعتاقه عنه؟ فيه وجهان: أصحُّهما: وهو المذكور في "التهذيب" المنع؛ لما ذكرنا من إشكال الولاء.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: والمَيِّتُ يَعْتِقُ عَنْهُ وَارِثُهُ مِنْ مَالِهِ فِي الكَفَّارَةِ المُرَتَّبَةِ، وَفِي المُخَيَّر يُطْعِمُ ويَكْسُو، وَفِي الإِعْتَاقِ وَجْهَانِ، وَالأَجْنَبِيُّ لاَ يُعْتِقُ عَنْهُ مُتَبَرِّعاً، وَفِي الإِطْعَامِ وَالكُسْوَةِ وَجْهَانِ، وَالوَارِثُ يَتَبَرَّعُ بِغَيْرِ الْعِتْقِ، وَفِي العِتْقِ وَجْهَانِ، وَفِي صَوْمِ الوَلِيِّ عَنْهُ خِلاَفٌ، وَصَوْمُ الأجْنَبِّي بِغَيْرِ إِذْنٍ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وَأَوْلَى بِالمَنْعِ، وَلَوْ أَوْصَى فِي الكَفَّارَةِ المُخَيَّرةِ بالعِتْقِ وَزَادَ قِيمَةُ العَبْدِ عَلَى الطَّعاِم فَفِي وَجْهٍ يُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وَفِي وَجْهٍ منَ الثُّلُثِ: وَفِي وَجْهٍ قُدِّرَ قِيمَةُ الطَّعَامِ مِنْ رَأْسِ المَالِ والزِّيَادَةُ مِنَ الثُّلُثِ.
قال الرَّاِفعِيُّ: الفْصلُ الثَّاني في الميِّت: مَنْ مات وعليه كفَّارة, أُخْرِجت من تركته، أوصى بها أو لم يوص، وسبيلُها سبيل الديون، هذا هو المذهب، وذكرنا في "كتاب الوصية" وجهاً آخر: أَنه، إن أوصى بها، أُخْرِجت من الثلث، وإلا، لم يُخْرَجَ ووجهاً أنَّها تَخْرُج من الثلث، وإن لم يوصِ، وعند أبي حنيفة: حقوق الله تعالَى تَسْقُط بالموت، وقد قدَّمناه، وعندنا: إذا وفَّت التركة بما على الميت من حقوق الله تعالَى وحقوق الاَدميين، قُضِيَتْ جميعاً، وإلا تعلَّق بعضُها بالعين، وبعضُها بالذمة، فيقدَّم ما يتعلَّق بالعين سواءٌ اجتمع النوعان أو تجرد أحدهما، وإن اجتمع النوعان، والكلُّ يتعلق بالعين أو بالذِّمَّة، فيقدم حقُّ الله تعالَى، أو حق الآدميّ أو يتساويان؟ فيه أقوال ذكرناهما في مواضعَ، ولا تجري هذه الأقوال ذي المحْجُور عليه بالفَلَس، إذا اجتمعت حقوقُ الله تعالَى وحقوق الآدميين بل تُقدَّم حقوق الآدميِّين وتؤخر حقوق الله تعالَى ما دام حيّاً، إذا عرفت ذلك، فإن كانت الكفارة مرتبةً، فيعتق الوارث خلافةً عن المورِّث، ويعتق الوصيُّ أيضاً بحق الإِيصاء، ويكونُ الولاء للميت، فإنْ تعذَّر الإِعتاق، فيُطْعِم من

التركة، وإن كانت كفارة تجير فيكفر بالإِطعام والكسوة من التركة وفي الإعتاق وجهان مذكوران في "كتاب الوصية".
والأَصَحُّ: الجواز أيضاً، واللازم ما هو أقلُّ قيمة من الخصال، وإذا لم تكن تركة، فيتبرع الأجنبيُّ بالإطعام أو الكسوة عنه مِنْ مال نفسه، ففيه وجهان ذكرناهما في "الوصية" أيضاً.
والأظهر: الجواز، وجوازه في حقِّ الوارث أظهرُ، وفيه وجه أيضاً؛ لبعد العادات عن النيابة، وفي تبرع الأجنبى بالإِعتاق في الكفارة المخيَّرة طريقان: أحدهما: طرد الوجهين.
والثاني: القطْعُ بالمنع، والظاهرُ المنع، وهو المذكور في الكتاب هاهنا، ووجِّه بمعنيين: أحدُهما: أن التكفير بغير الإعتاق متيَسِّر، فلا يُعْدَل إلى الإعتاق؛ لما فيه من عسر إثبات الولاء.
والثاني: أن فيه إضراراً بأقارب الميِّت من حيث إنَّهم يؤاخذون بجناية معتقه، فيمنع منه الأجنبيُّ وإن كان المعتق وارثاً، فوجهان بناء على المعيين، إن قلْنا بالأول، لم يجز، وإن قلنا بالثاني، فيجوز، وفي الكفارة المرتَّبة للوارث أن يتبرَّع بالإعتاق، وفي الأجنبي وجهان بناءً على المعنيين، إن قلْنا بالأول، فيجوز، وهو الأظهر، وإذ قلنا بالثاني، فلا، وهذه المسائل قد سبَقَتْ مشروحة في "الوصية" وقد أوردها أو أكثرَهَا في الكتاب هناك، وكرَّر بعضها هاهنا على زيادة أو نقصان فيها.
وقوله "وفي صوم الولِّي عنه خلاف" يعني إذا مات، وفي ذمته صومٌ عن كفارة وغيرها، هل يقضي الوليُّ عنه؟ فيه قولان: الجديدُ؛ المنعُ، والمسألة مذكورةٌ في "كتاب الصوم" ثم "الوصية" ثم في "الكفارات" ثم في هذا الكتاب.
ولو أمر أجنبياً يأن يصوم عنه صار بسبب الإذن كالوارث حتى يصوم عنه على القديم، ولو استقل به الأجنبيُّ، فوجهان؛ تفريعًا عليه، وقد ذكرناهما في "الصوم" والظاهرُ المنع، وإذا أوصَى بأن يعتق عنه في كفارةٍ مخيرَةٍ، وزادت قيمة العبْد على قيمة الطعام والكسوة، ففيه ثلاثة أوجه؛ أضعفها: أنه يتعيَّن الإعتاق، وتُحْسَب قيمة العبد من رأس المال؛ لأنه أخذ ما يجب الكفارة.
والثاني: أن قيمة العبد تُحْسَب من الثلث؛ لأن براءة الذمَّة تحْصُل بما دونها، فعلى هذا، إن وَفَّى الثلث بقيمة عبد يجزئ، أعتق عنه، وإلا بطَلت الوصية، وعُدِل إلى الإِطعام والكسوة.
والثالث: أن قدر قيمة أقلها قيمة تحسب من رأس المال، والزيادةُ إلى تمامِ قيمةِ

العبْد تُحْسَب من الثلث، فإن وفَّي ثلث الباقي مضموماً إلى الأقلِّ المحْسُوب من رأس المال بقيمة عبدٍ، أُعْتِقَ عنه، وإلا، بطَلت الوصية، وعُدِل إلى الإِطعام أوِ الكسوة، وذلك مثل أن تكونَ الترِكَة أربعين، وقيمةُ أقلِّها قيمةُ عشرةٍ، وهي مع ثلث الباقي عشرون، فإذا وجد بالعشرين رقبةً، نفذنا الوصية، ولو كانت التركةُ مائَتَيْن وثمانين، وقيمةُ الأقلِّ عشرةً، والعشرةُ مع ثلث الباقِي مائةٌ، ووجدنا بالمائة رقبةً مجزئيةً، تنفذ الوصية، وهذا الوجه أقيس عند الأئمة، وبه قال ابن سُرَيْج وأبو إسحاق، وشبَّهوا المسألة بما إذا أوصى أن يحُجَّ عنه من دويرة أهله، ولم يفِ الثلث به، لكن أمكن ضمُّ ما يجب من رأس المال، وهو قيمة حجِّة من الميقات إلى ثلثُ الباقي، وفي المبلغان بحجة من دويرة أهله، فإنه يُضَمُّ وينفذ الوصية، والأصحُّ، وظاهر النص: أن الثلث، إذا لم يَفِ بقيمة العبد بتمامها، تَبْطُل الوصية بالعتق، ووجَّهُوه بأن العتق، أو الإِطعام، أو الكسوة جنسان مختلفان، فلا يُعتبر أحدُهما من رأس المال، والآخر من الثلث؛ لما فيه من الجمع بين الجنسين؛ بخلاف الحج؛ فإنه عبادة واحدةٌ على أن في طريقة الصيدلانيِّ تخريجَ الوجهين، في مسألة الحج، واعلم أن الوصية بالعِتْق في الكفارة المخيَّرة، أوردها صاحبُ الكتابِ في "باب الوصية" على الاختصار، وأتَيْنا هناك بطَرَف من شرْحِها، وتامِه ما بيناه هاهنا والله الموفق.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ونِصْفُهُ عَبْدٌ يُكَفِّرُ بِالمَالِ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ كَالعَبْدِ لاَ يُكَفِّرُ إلاَّ بِالصَّوْمِ.
قَالَ الرافِعِيُّ: من بعضه حرٌّ وبعْضُه رقيقٌ، إن كان مُعْسِراً يُكفِّر بالصوم، وإن كان له مالٌ، فوجهان، وإن شئت، قلتَ: قولان؛ منصوصٌ ومخرَّجٌ: المنصوص، وهو الظاهر من المذهب: أنه لا يكفِّر بالصوم؛ لأنه واجِدٌ لما يتقدَّم على الصوم، وإنما يُكفِّر بالصوم العاجِزُ عنه، وهذا كما أنه إذا وجد ثمن الماء، لا يجوز أن يُصلِّي بالتيمم، وإذا وجد ثمن الثوب، لا يجوز له أن يُصلِّي عارياً، كالحر، وخرَّج المُزَنِيُّ: أنه يُكفِّر بالصوم، ويُقال: إن ابن سُرَيج -رحمه الله- صَوَّبَه، وساعده، ووُجِّه بأنه ناقصٌ بالرق، وبأن الأداء بحسب اللزوم، واللزومُ يكفي جملته، فكذا الأداء، وحينئذٍ فيكون مخرَّجاً عن بَعْضِيَّةِ الرقيق مالاً, فإن قلْنا بالأول، فيطعم ويكسو.
والمشهور: أنه لا يعتق 1؛ لأنه يَسْتَعْقِبُ الولاء المتضمِّن للولاية والإِرثِ، وهو

ليس من أهلْهما، ذكر الصيدلانيٌّ: أن في تكفيره بالعِتْق قولين كالقولين في المكاتَب، إذا أَعْتَقَ بإذْن السَّيِّد عن كفَّارته (1)، وظاهر لفْظ الكتاب، وهو قوله: "يُكَفِّرُ بالمَاَلِ" يوافق قول الجواز.

الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَقَعَ به الحِنْثُ

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيُتْبَعُ فِيهِ مُوجِبُ الألْفَاظِ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ: النَّوْعُ الأَوَّلُ: مَا يتَعَلَّقُ بُدُخُولِ الدَّارِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ بِصُعُودِ السَّطْحِ، ولَوْ حَلَفَ عَلَى الخُرُوجَ لَمْ يَبَرَّ أَيْضاً بالصُّعُودِ (و)، وَيَحْنَثُ بِدُخُولَ الدِّهْلِيزِ (و)، وَلاَ يَحْنَثُ بِدُخُولِ (و) الطَّاقِ خَارجَ البَيْتِ، وَلَوْ قَالَ: لاَ أَدْخُلُ وَهُوَ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْمَقَامِ (ح)، وَلَوْ قَالَ: لاَ أَرْكَبُ وَهُوَ رَاكِبٌ أَوْ لاَ أَلْبَسُ وَهُوَ لاَبِسٌ حِنَثَ بِالاسْتِدَامَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأصل المرجُوع إليه في البِرِّ والحِنْث اتِّبَاعُ موجِب اللفظ الذي تعلَّقت اليمين به، وقد يتطرَّق إليه التقييد والتخصيص بنيةٍ تقترن به أو باصطلاح خاصٍّ، أو قرينة أخرَى، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- والصور التي تدخل في ترجمة الباب لا تتناهى، لكن الشافعيَّ -رضي الله عنه- والأصحاب -رضي الله عنهم- تكلَّموا في أنواعَ تَغْلِب ويكثر استعمالُها، وغيرها يُقاس عليها: النوع الأول: الدخول والمساكنة وفيه مسائل: إحداها: إذا حلف، لا يدخلُ الدار، فالكلام فيه من وجوه: أحدها: يَحْنَثُ بالحصُول في عرصة الدار، وفي أبنيتها من البيوت والغُرَف وغيرها,ولو صَعِد سطْحَها، إما بالتسلُّق أو بأن جاء من دار الجارِ، لم يَحْنَثْ، إن لم يكن السطح محوطاً، ولا عليه سترَةٌ، فإن كان، فوجهان: أظهرهُما: وهو ظاهر النص: أن الجواب كذلك، ويؤيده أنه لو حَصل على بعْض جدران الدار، لم يَحْنَثْ.
والثاني: يحْنَثُ؛ لإِحاطة حيطان الدار بِه، ولهذا لو صَلَّى، على سطح الكعبة، وهو على هذه الهيئة، تصح صلاته، وقال أبو حنيفة وأحمدُ 2 يحنث سواءٌ كان محوطاً أو لم يكن، وسلم أبو حنيفة: أنه لو كان فوق الدار حُجرةٌ بابُهَا خارج الدار، فدخلها، لا يحنَثُ، وليعلَم؛ لما ذكرنا قوله في الكتاب "لم يحنث بصعود السطح" بالحاء والألف والواو؛ لإِطلاقه الجواب، وإذا قلْنا بالحنث فيما إذا كان محوطاً، فذلك، إذا كان1

التحويطُ من الجوانب الأربعة، فإن كان من جانبٍ واحدٍ، لم يؤثر، وإن كان من جانبَيْن أو ثلاثةٍ، فقد ذُكِر فيه خلافٌ مرتَّب لما ذكر في "الوسيط": أن الحالف على ألاَّ يدخل، لا يَحْنث برقِّي السطح، قال: إلا أن يكون مسقفاً، وهذا لأنه، إذا كان مسقفاً، كان طبقة أخرَى من الدار، وهكذا يحْنَث، مهْما كان التسقيف في البعْض، إذا كان يصعد إليه من الدار، فإنه من أبنية الدار، ولو حلف على الخروج من الدار، فهل يَبَرُّ بصعود السطح؟ حَكَى أبو الحسن العباديُّ وغيره -رحمهم الله- فيه وجهين: أحدُهُما: وهو المذكور في الكتاب، وبه قال الشيخ أبو محمد: -أنه لا يُبَرُّ؛ لأنه لا يعد خارجاً أيضاً، حتى يفارق السطْح، ويجوز ألاَّ يُعَدَّ داخلاً ولا خارجاً، كما أن مَنْ دخل ببعض بدنه أو أخرج ببعْضه، لا يحْنَث في يمين الدخول أو الخروج.
وأشبههما: ويُحْكَى عن القاضي الحُسَيْن: أنه يَبَرُّ؛ لأنه يَصْدُق أن يُقَال: إنَّه ليس في الدار، وإذا لم يكن في الدار، كان خارجاً من الدار، ويؤيده أن ابن الصبَّاغ حَكَى عن الأصحاب -رحمهم الله- أنه، لو حلف أنه لا يخرج من الدار، فصَعِد السطح، يَحْنَث، ولا يخفى أنه يُنْظَر في طرف الخروج أيضاً إلى كون السَّطْح محوطاً أو غَيْرَ مَحُوطٍ، والحالف على ألا يدخل، هل يحنث بدخول الطاق المعقودِ خارجَ البَابِ؟ فيه وجهان: أصحُّهما: وهو المذكور في الكتاب: المَنْعُ؛ لأنه لا يُقَالُ: إنه دخل الدار.
والثاني: يَحْنَثُ؛ لأنه من الدار؛ ألا ترى أنه يدخل في بيعها, ولو دخل في الدهليز خَلْف الباب أو بين البابين، حَنِث؛ لأنه من الدار، ومَنْ جاوز الباب، عُدَّ داخلاً، وحَكَى الفورانيُّ نصاً للشافعيِّ -رضي الله عنه- على أنَّ داخلَ الدهليزِ لا يحنث، وحملوه على الطاق خارج الباب، لكن أشار الإِمام إلى إثباته قولاً، وقال: لا يبعد أن يقال: دخل الدهليزَ، ولم يدخل الدارَ، فيجوز أَن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب "ويحنث بدخول الدهليز" ونزل صاحب "التتمة" الدرب المختصَّ بالدار أمام الباب، إذا كان داخلاً في حد الدار ولم يكن في أولها بابٌ منزلة الطَّاقِ، قال: فإن كان علَيْه بابٌ، فهو من الدار 1 مسقفاً كان أو لم يكُنْ.
الثاني: لو كان عند الحلف في الدار، فلم يخرج، لم يحنَثْ بالإِقامة؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى دخولاً، وعن "الأم" قول آخرُ: إنه يحنَثُ؛ لأن استدامة الدخول في حكم الابتداء؛ ألا ترى أنه لو دخل دارًا مغصوبةً، ولم يَعْلَمْ بحالها، ثم علم، فلم يخرج أَثِمَ، وأنكر القاضي أبو الطيب في "المجرَّد"، أن يكون هذا قولاً للشافعيِّ -رضي الله عنه

  • وقال: إنَّه حكاه في "الأم" عن مذهب غيره، نعم، هو وجه للأصْحاب، ويُحْكَى ذلك عن أبي إسحاق، واختيار أبي الحسين بن القَطَّان -رحمهم الله- وكيف ما كان، فالصحيح الأوَّلُ، وهو منصوص حرملة، والمذكرر في الكتاب وكذا لو حلف، لا يخرج، وهو خارجٌ، لا يحنث بترك الدخولُ 1، وإنما يحنث، إذا دَخَل، ثم خرج، ولو حَلف، لا يتزوَّج، وهو متزوِّج، أَوْ لاَ يتطهَّر، وهو متطهِّر، أو لا يَتوضَّأ، وهو متوضِّئ، فاستدام النكاحَ والطهارةَ والوضوءَ، لا يحنث، ولو حلَف، لا يلْبَس، وهو لابسٌ، فلم ينزع، أو لا يركَبُ، وهو راكبٌ، فلم ينْزِلْ، حَنِث بالاستدامة، والفرق أن استدامة اللبس والركوب تُسمى لُبْسًا وركوباً؛ ألا ترى أنه يصح أن يُقال: لَبسْتُ شهراً، وَرَكِبْتُ ليلةً، ولا يصح أن يُقال: دخلْتُ شهْراً، وتزوَّجتُ شهراً، وإنما يُقَالُ: سكنْتُ أو أقمتُ شهراً أو دخلْتُ منْذُ شهر، وأيضاً فإذا قِيلَ له: انْزَعِ الثوبَ، حَسُن أن يقول: حتى ألبسه ساعةً، وإذا قيل: أنزل الدابة، حسن أن يقول: حتى أركَبَ قدْر ما ركِبْتُ، وفي الدخول لا يصحُّ أن يقول: حتى أدخل ساعة، ولو حنِثَ باستدامة اللبس، ثم حَلَف أَلاَّ يلبس، فاستدام، لزمته كفارةٌ أخرَى؛ لأن اليمين الأوَّل، انحلت بالاستدامة الأولَى، وهذه يمين أخرَى، وقد حنِثَ فيها، واستدامة القيامِ والقعودِ قيامٌ وقعودٌ، وكذا استدامة استقبالِ القبلةِ واستدامةُ التطيُّبِ هل هو تطيُّبٌ؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لا، وكذلكِ لو تطيَّب، ثم أحرم، واستدام، لم تلزم إلفدية وذُكِر وجهان أيضاً فيما لو حَلَف ألاَّ يطأ، وهو في خلال الوطء، فلم ينزع، أو ألاَّ يصوم، وهو شارع في الصوم، أو أَلاَّ يصلي، وهو في الصلاة، ويصوَّر ذلك فيما إذا حلَف ناسياً للصلاة، فإن اليمين ينعقد، قال في "التهذيب": لو حلف ألاَّ يغصب، لم يحنث باستدامة المغصوب في يده، ولو حلَف أَلاَّ يسافر، وهو في السفر، فوقف أو أخذ في العَود، في الحال، لم يَحْنَث، وإن سار على وجهه، حَنِثَ، وكان التصوير فيما إذا حَلَف على الامتناع عن ذلك السفَر، وإلا، فهو في العود مسافر أيضاً.

الثالث: الحالف على أَلاَّ يدخل الدار، يَحْنَث بالحُصول فيها، سواءٌ دخلها من الباب أو من ثقب في بعْض الجُدْران، أو كان في الدار نَهْرٌ جار، فطَرَح نفْسَه في الماء، حتى حمله أو سبح أو رَكِب سفينةً، فدخلت السفينةُ الدار ونزل من السطْحِ، وفيما إذا نزل من السطْح وجهٌ آخَرُ، والصورةُ مذكورةٌ في الكتاب من بعْدُ، وسواءٌ دخَلَها راكباً أو ماشياً، ولو أدخل في الدار يده أو رأسه أو إحْدَى رِجْلَيْه، لم يَحْنَث، وكذا لو مدَّ رجليه، فادخلها الدار، وهو قاعد خارجَها، وإنما يحنث، إذا وضعها في الدار، واعتمد عليها أو حَصَلَ في الدار، متعلِّقًا بشيْء، وإن حَلَف أَلاَّ يخرج، لم يحنث بإخراج اليد والرْجل، ولا بإخراج الرِّجْلَيْن، وهو قاعد في الدار، ولو كان في الدار شجرةٌ منتشرةُ الأغصان، فتعلق ببعضها، فإن حصل في محاذاة البنيان، حَنِث، وإن حَصَل في محاذاة سُتْرة السطْح، ففيه الوجهان، وإن كان أعلَى من ذلك، لم يحنث وعن أصحاب أبي حنيفةَ: أنه، لو كان بحيث، لو سقط، سَقَط في الدار، حَنِث.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أَدْخُلُ بَيتاً حَنِثَ بَيْتِ الشَّعْرِ وَالجِلْدِ وَالخَيْمَةِ إِنْ كَانَ بَدَوِّياً، وَفِي البَلَدِيِّ وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا أنَّه يُرَاعَى عُرْفُ وَاضِعِ اللِّسَانِ أَوْ عُرف الحَالِفِ وَفَهْمُهُ، وَلَوْ قَالَ: (درخانه نشوم) لَمْ يَحْنَثْ بَيْتِ الشِّعْرِ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ هَذَا العَرْفُ فِي الفَارِسِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الثانية: إذا حَلَف، لا يدخلُ ولا يسْكُن بيتاً، قاسم البيت يقع على المبْنَى من الطين، والآجُرِّ، والمَدَرِ، والحَجَرِ، وعلى المتَّخَذ من الخَشَب، والشَّعْر، والصُّوف، والجِلْد، وأنواع الخيام، فيُنْظَرُ، إن نوى نوعًا منْها، حُمِلت اليمين عليه، وإن أطلق، حَنِث بأي بيت كان، إن كان الحالف بدويًا؛ لأن الكل بيتٌ عنده، وإن كان من أهل الأمصار والقرى، فوجهان: أحدهما: يُنْسَب إلى ابن سُرَيْج: أنه لا يَحْنَثُ ببيت الشَّعْر وأنواع الخيام؛ لأن المتعارف عليها عندهم، والمفهوم من اسم البيت هو المبنَى، وبهذا قال أبو حنيفة.
وأصحهُّما: وهو ظاهر النص: أنه يحْنَثُ أيضاً، واختلف في تعليله، فقيل؛ إنما يحنث؛ لأن أهل البادية يُسَمُّون بيت الشَّعْر ونحوه بيتًا، وإذا تبين هذا العُرْف عندهم، ثَبَت عنْد سائر الناس، ولذلك يقول: مَنْ حَلَف، لا يأكُل الخبز، يحنث بالمُتَّخَذ من الأرز، وإن كان الحالف مما لا يتعارفه، واعترض عليه بأنَّ منْ حَلَف ببغداد وغيرها أَلاَّ يركب دابة، لا يحنث بركوب الجمل 1، وإن كان أهل مصر يسمونه دابةً، ولو كان

ثبوت العُرْف عند قوم يقتضي التعميم، لَحَنِثَ وفي مسألة الخبز، لم يكن الحِنْثُ بهذا السبب، بل المتَّخَذ مَن الأرز يُسمَّى خبزاً في جميع البلاد ثم أهل بلد يطْلِقون اسم الخبز على ما يجدونه عندهم، وقيل: إنما يحنث؛ لأن المتَّخَذ من الشَّعْر والجِلّد يُسمَّى بيتاً في الشَرْع، قال الله تعالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَام بُيُوتاً﴾ [النحل: 80] واعتُرِضَ علَيْه بأنه لا يَحْنَثُ بدخول المساجِدِ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- مع أن الله تعالَى سماها بيوتاً، فقال عزَّ اسْمُهُ ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] والأصح أنه، إنما يحنث؛ لأن اسم البيت يقع على جميعها في اللغة، فحُمِلَ اللفظ على حقيقته، واعترض عليه بأنا ترَكْنا الحقيقة للعُرْف فيما إذا حَلَف لا يأكل البيض، فقْلنا لا يحنَثُ 1 يَأْكل بَيْض السَّمكَّ؛ لأن العرْف خصَّص اللفظ بما يزايل بائِضُهُ في حياته، وفيما إذا حلف لا يأكل الرؤوس، فقلنا: لا يحنث بأكل رؤوس العصافير والسموك؛ للعُرْفُ، وأجيب عنه بأن هناك عَرَفَنْا عُرْفًا مستمراً على خلاف اللغة، فإنهم لا يطلقون اسم البيض على بَيْض السَّمَك، وإن كثرت عنْدهم، ولا اسم الرؤوس المشوية على رؤوس الطير والسمك مع كثرتها، وأما اسم البيت، فلا يستعملونه في المُتَّخَذِ من الشَّعْر والجلْد ونحوهما, ولا يفهمونها، من اللفظ عند إلاستعمال؛ لِفَقْدها أو قلتها عنْدهم، فلم يتحقَّق عُرْفاً على خلافِ اللغةِ، وكان ذلك كمسألة خُبْز الأرز، وفي المسألة وجهٌ ثالثٌ؛ وهو أن القرويَّ، إن كانت قريته قريبةً من البادية، يَحْنَث بدخول بيت الشعر والخيام؛ لاختلاط بعضهم ببَعْض، وفهمهم، معنى اللفظ عند الاستعمال وإن كانت بعيدةً، لم يحْنَث.
وقوله في الكتاب "مأخذهما أنه يُرَاعَى عُرْفُ واضِع اللسانِ أو عرف الحالِفِ وفهْمُه" قد يسلم أن في اللفْظ عرفاً بخلاف وضع اللغة، وكَلامُ الأئمة ينازعُ فيه على ما بيَّناه، ولو قال بالفارسية: (درخانه نشوم) 2 فعن القفَّال: إنه لا يحنَثُ بيت الشَّعْر والخيام؛ لأن العَجَم لا يِطْلِقون هذا الاسم عليها، بل على المبنى، وعلى هذا أجْرَى الإِمام وصَاحبُ الكتاب والرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله-، وقد يُقال بالفارسية: (خانه توكَمان) 3 لكن يعني به الجلد لا فَرْدٌ من الأفراد، وفي "التتمة" وجهٌ آخر: أنه لا فرْق فيه بين العربية والفارسيةِ، ويكون الحكم على ما سبق، ولا يحنث بدخول الكعبة، والمساجد، والبِيَع، والكَنَائِسِ، وبيوت الحَمَّام، والمغارة في الجبل؛ لأنها ليست للإيواء والسُّكْنَى، واسمُ البيت لا يقع عليها، إلا بضَرْب تقييد، كما يُقال: الكعبةُ بيت اللهَ أو البيتُ الحرامُ، وحَكَى صاحِبُ "التتمة" وجهَاً: إنه يَحْنَث بدخول الكعبة

والمساجد؛ لقوله تعالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: 26] وقوله تعالَى: {في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) [النور: 36]، وفي "الرقم": أن ابن سُرَيْج خرَّج في جميع ذلك لنفسْه قولاً، وعن أحمد -رحمه الله- أنه يحْنَث بالمسجد وبيْت الحمَّام، ولو دخل دهليز دارٍ أو صَحْنها أو صُفَتَها، فالأظهر عند الأصحاب: أنَّه لا يحْنَث؛ لأنه لا يُقال: دخَل البيت، وإنما وقَفَ في الدِّهْليز والصُّفَّةِ، وعن القاضي أبي الطيب: والميلُ إلى أنه يَحْنَثُ، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن جميع الدار بيت للإِيواء 1. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أَسْكُنُ هَذِه الدَّارَ فَمَكَثَ سَاعَةً حَنِثَ (ح) وَإِنْ كَانَ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَ أَهْلَهُ وَمَكَثَ، وَلَوْ خَرَجَ وَتَرَكَ أَهْلَهُ بُرّ، وَلَوْ انْتَهَض لِنَقْلِ الأَمْتِعَةِ كَمَا يَعْتَادُ فَفِيهِ وَجْهَان.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الثَالثَة: إذا حلف على أَلاَّ يسكن في هذه الدار أو لا يقيم فيها، وهو عند الحَلِف في الدار، فمكث فيها ساعةً فصاعداً من غير عُذْر، حَنِث 2, لأن استدامة السُّكْنَى بمثابة الابتداء؛ ولذلك يُقال: سكنتُ الدارَ شهراً كما يقال: لبستُ شهرًا 3 وعن مالكٍ: أنه لا يَحْنَث، إذا أقام دون يوم وليلة، ونسب الإِمام هذا المذهب إلى أبي حنيفة، ولا يكاد يثبت، ولا فرق إذا مكث بين أن يُخْرِجَ أَهْلَه، وَيبْعَث متاعَه، وبين أَلاَّ يفعل ذلك؛ لأنه حلَف عَلَى سكنى نفْسِه، لا على أهله ومتاعه، وعند أبي حنيفة: إذا نقل متاعه، لم يحْنَث بالمُكْث، ولو خرج وترك أهله هناك ومتاعه، لم يحنَث، وعند أبي حنيفة وأحمَدَ -رحمهما الله- يحنث، وعند مالكٍ: يُعْتَبَر نقل العيال دون المال، قال الرويانيُّ: وعلى هذا، إذا حلف لا يَسْكُن داراً، فانتقل إليه بنفسه، ولم ينقل أهله وماله، يحنث عنْدنا، وعند مالك: لا يحنث حتى ينتقل إلَيْها مع أهله وعياله، وعند أبي حنيفَة: حتى ينتقل إليه ابن فسه وأهله وماله، واحتج الشافعيُّ -رضي الله عنه- لاعتبار الانتقال بالبدن بان المسافر يَقْصُر، وإن خلَّف أهله ومتاعه في بَلَدٍ، وبأنَّ من انتقل إلى مكة، وخلّف أهله وماله ببلد آخر، كان من حاضِرِي المسجدِ الحرامِ، حتى لا يلزمَهُ الدمُ، إذا تمتَّع، وعلى ضده، من أقام بغير مكة، وخلَّف بها أهله وماله، لم يكن من الحاضرين، حتى يلزمه الدمُ، إذا تمتَّع، ثم قال في "الأم" أنا منتقل من مكة إلى مصر ببدني، وبها أهلي وولدي ومالي وكتبي.

ولو مكث بعُذْر؛ بأن أُغْلِق عليه الباب أَو مُنِعَ من الخروج أو خَافَ على نَفْسِه أو ماله لو خرج، أو كان مريضاً أو زَمِناً، لا يقدر على الخروج، ولم يجد من يخرجه، لم يحنث، وإن مرض، وعجز بعد الحَلِف، من الحنث الخلافُ في حِنْث المُكْرَه، وقد تخرج سائر الصوَرِ على ذلك الخلافِ، وإن وجد المريضُ من يُخرِجُه، فينبغي أن يأمره بإخراجه، فإن لم يفعل، حَنِث، وإن مكث الحالف مشتغلاً بأسباب الخروج، بأن انتهض لجمع المتاع ويأمر أهله بالخروج، وبلُبْس ثوب الخروج، فهل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: ويُنْسَب إلى العراقيين: نعم؛ لأنه أقام فيها مع التمكُّن من الخروج.
وأرجحُّهما: عند كثير من المعتبرين -رحمهم الله- وربما لم يذْكُروا سواه: المنع، وبه قال أبو حنيفةَ والقَفَّال -رحمهما الله-؛ لأن المشتغل بأسباب الخروج لا يُعَدُّ ساكناً في الدار، ويؤيده ما ذكروا؛ أنه لو خَرَج في الحال، ثم عاد، لِنَقْل متاع، أو زيارةٍ، أو عيادة مريض، أو عمارةٍ، لا يَحْنَث؛ لأنه فارقها في الحال وبمجرَّد العَوْد، لا يصير ساكنًا ولو احتاج إلى أن يبيت فيها ليلةً لحفْظ المتاع، ففيه احتمالان للقاضي ابن كج: والأصح: عنده: أنه لا يَحْنثَ، ولو خرج في الحال، ثم اجتاز بها بأن دخل من باب، وخرجَ من باب، فعن تعليقة القاضي الحُسَيْن: أن الصحيح أنه لا يَحْنَث؛ لأن الذي وجد عبورٌ لا سُكْنَى، فإن تردَّد فيها ساعةً بلا غرض حَنِث.
ولك أن تقول: قوله: "لا أسكن" إن كان المرادُ؛ لا أمكث، فهذا ظاهرٌ، وإن كان المرادُ؛ لا أتخذها مَسْكناً، فإذا دخلها مجتازاً أو تردَّد فيها ساعةً، فينبغي ألاَّ يحنث؛ لاْنها لا تصير مسكناً بذلك، وقد يخطر مثل هذا التفصيل في أول المسألة، ويُقال: إن أراد ألاَّ يتخذها مسكناً، فهَّلا قيل، إذا قصد التحوُّل عنها: خرجَتْ عن كَوْنِها مسكناً فينبغي ألاَّ يحنث بالمُكْث ساعةً، لكن يجوز أن يُقال: إنها، إذا كانت مسكناً، لا، يخرج بمجرَّد النية عن المسكينة، كما أن المقيم لا يصيرُ مسافراً بمجرَّد النية، وفي "التَهذيب": أنه لو عاد مريضاً مارًّا، يعني في خروجه، لم يحنث، وإن قَعَد عنْده، حَنِث، ولو خرج في الحال، ثم دخل أو كان خارجاً حين حلف، ثم دخل، لا يحنث بالدخول، ما لم يمْكُث، فإن مكث حنث، إلا أن يشتغل بحَمْل متاع كما في الابتداء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أُسَاكِنُ فُلاَناً وَفَارَقَهُ فُلاَنٌ لَمْ يحْنَثْ، وَإِنْ كَانَا فِي خَانٍ وَانْفَرَدَ بِبَيْتٍ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوِ انْفَرَدَ بِبَيْتِ فِي دَارٍ يَحْنَثُ، وَلَوِ انْفَرَدَ بِحُجْرَةٍ مِنْ دَارِ طَرِيقُهَا عَلَى الدَّارِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ كَانَا فِي دَارٍ فَانْتَهَضَ لِبِنَاءِ الجِدَارِ حَنِثِ بِالْمُكْثِ عَلَى الصَّحِيحِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الرابعة: في الحلف علَى المساكنة، وأول ما نذْكُره فيها بيان المُسَاكنة؛ قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: المساكنة أن يكُونَا في بيت أو بيتَيْن حجْرَتُهما واحدةٌ، ومدخَلُهما واحدٌ، قال الشيخ أبو حامد: أراد بالحجرة الصَّحْن، فإن أقام كلُّ واحد في دارٍ، فلا مساكنة، سواءٌ كانت الداران كبيرتَيْن أو صغيرتَيْن أو إحداهما كبيرةً والأخرَى صغيرةً؛ كحجرة لطيفة بجنب دارٍ سواء كانتا في دربٍ نافذٍ أو غيرِ نافذٍ، ولو سكنا في بيتَينْ من خانٍ واحدٍ كبيرٍ أو صغيرٍ، فالذي ذكره أكثر الأصحاب من العِراقِيين وغيرهم -رحمهم الله- أنه لا مساكنة أيضاً، سواء كان البيتان متلاصفين أو متفرقين؛ لأنَّ الخان مبنيٌّ لسكنَى قوم، وبيوتُها تفْرَد بأبوابٍ ومغاليقَ، فهو كالدرب، وهي كالدور في الدَّرب، وحَكَى الإِمامُ وصاحِبُ "التهذيب" وغيرُهما فيه وجهاً آخرَ: أن الخان بناءٌ واحدٌ، وفي البيتين من الدرب الكبير 1 وجهان أيضاً.
والأظهرُ: أنه لا مساكنة، وينبغي أن يرتَّب الوجهان في الدار الكبيرة على الوجهين في الخان؛ لأن الدار تُعدُّ مسكنا واحداً لواحد، والخان يُبنَى لسكْنَى جماعة ويُرْوَى نحو من هذا عن الحسين الطبري في "عدته" ويشبه ألا يشترط في الخان أن يكون على كل بيت منها بابٌ وغَلَقٌ، كالدور في الدَّرْب، ويشترط في بيوت الدار الكبيرة أن يكون على كل بيت منها بابٌ وغَلَق، فإن لم يكونا أو سَكَنَا في صفتين منْها أو في بيت وصُفَّة، فهما مساكنان في العادة، وكان اشتراكهما في الصَّحْن الجامِعِ للبيتين في الباب المدخولِ منْه مع تمكُّن كل واحدٍ منهما من دُخول بيْت الآخر، جُعِل كالاشتراك في المَسْكَن.
ولو أقاما في بيتين من دار صغيرة، فهما مساكنان، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بابٌ وغَلَقٌ لمقارنتهما وكونهما في الأصل مسكناً واحداً، بخلاف الخان الصغير، هكذا فَصَّل أكثرهم، ومنهم من أطلق وجهَيْن في بيتي الدار من غَيْر نَظَرِ إلى الصِّغَر والكِبَر، والرأي الأصحِّ حصول المساكنة، وبهذا أجاب في الكتاب، إذا قِيلَ به، فلو كان أحدهما في الدار، والآخَرُ في حجْرة منفردة المرافق، وبابُها في الدارِ، فوجهان والأصح: أنه لا مساكنة، وهو الذي أورده صاحبُ "التهذيب" في حجرتين منفردَتَي المرافق في الدار، والمرافقُ المُسْتَحَمُّ والمَطْبَخ والمرقَى وغيرها، والحُجْرة في الخان لَم يذكر فيها خلافٌ، وإن كان الممرُّ في الخان، إذا تقرَّر ذلك، فإذا قال: والله، لا أساكن فلاناً، فإما أن يقيد المساكنة ببَعْض المواضع لفظاً بأن يقول في هذا البيت أو في هذه الدار أو لا يقيِّد: الحالة الأُولَى: أن يقيد، فيحنث بمساكنتهما في ذلك الموضع، وإن كانا فيه عند الحَلِف، ففارقه فلان أو فارق الحالفُ فلاناً، لم يحْنَث، الحالف، وإن مَكَثا فيه بلا

عذر، حَنِث، فإنَّ استدامِة المساكنةِ مساكنةٌ؛ ألا ترى أنه يَصِحُّ أن يُقال: ساكنتُ فلاناً شهراً، وإن بُنِيَ بينهما حائلٌ من طين، أو غيره، ولكل واحد من الجانبين مدخَلٌ أو أحدثا مدخلاً، فوجهان: أحدهما: لا يحنَثْ؛ لاشتغاله برفع المساكنة، وهذا ما رجحه في "التهذيب".
وأصحهما: عند الجمهور: الحنث؛ لحصول المساكنة إلى أن يتم البناء من غَيْر ضرورة، فإن خرج أحدهما في الحال، فبنى الجدارَ، ثم عاد، لم يحنَثِ الحالفُ، ولا يخفى أنه لا بأسَ، والحالة هذه، بالمساكنة في موضع آخر.
والثانية: ألاَّ يقيِّدها لفظاً، فيُنظر؛ إن نوى موضعاً معيناً من البَيْت أو الدار أو الدرب أو المحلَّة، أو البلَّد، فالمشهور أن اليمين محمولةٌ على ما نَوَى، وفي طريقة الصيدلانيِّ: أنهما إنْ كانا يسْكُنان بيتاً واحداً من دار متَّحِدة المرافِقِ، فأراد أنه لا يساكنه في ذلك البيتِ، حملت اليمين على ما أراد، أما إذا لم يكن كذلك ولا جرى ذكْرُ تلْك المساكنة مثْل أن يقول صاحبه: سَاكنِّي في هذا البيت، فلا يُقبل قولُه، وتحمل اليمينُ على الدار، وحَكَى الفورانيُّ في البلد وجهاً: أن اللَّفْظَ لا ينزل عليه؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى مساكنةً، وقيل: يجيء ذلك الوجه في المحلَّة، وإن لم يَنْوِ موضعاً معيناً، وأطلق المساكنة إطلاقاً، حَنِثَ بالمساكنة في أي موضع كان، وقد بيَّنَّا أن المساكنة أين تحْصُل وفي "التتمة" رواية قولٍ ضعيفٍ: أنه إذا حلَف ألاَّ يساكن فلاناً، وأطلق، وكلُّ واحد منهما في دارٍ وحجرةٍ مفردةٍ، فيحمل اليمين على الاجتماع الحاصل، فإن كانتا في دَرْبٍ واحدٍ، فلا بدّ من مفارقة أحدهما الدَّرْب، وإن كانتا في محلَّة، فلا بدّ من مفارقة أحدهما المحلَّةَ، وإن كانا عند الحَلِف في بيتين من خَانٍ، فعلى الصحيح؛ لا مساكنة ولا حاجة إلى مفارقة أحدهما الخان، وعلى الوجه الآخر: لا بدّ وأن يفارقه أحدهما، وإن كانا في بيتٍ واحدٍ من الخانِ، فيكفي أن يفارق أحدُهما ذلك البيتَ أو يَجب مفارقةُ الخان؟ فيه هذا الخلافُ، ثم سواء نوى موضعاً معيناً، أو نزل اللفظ على إطلاقه، فالقول في أن استدامة المساكنةِ كالمساكنةِ، وفيما إذ بُنَي بينهما حائلٌ؛ على ما مَرَّ في الحالة الأولَى، والاعتبار بالانتقال بالبَدَنِ دون الأهْلِ والمالِ؛ على ما مَرَّ في المسألة السابقة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّانِي: أَلْفَاظُ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ: فَإِذَا قَالَ: لاَ أَشْرَبُ مَاءَ هَذِهِ الإِدَاوَاتِ لَمْ يَحْنَثْ إِلاَّ بِالْجَمِيعِ، وَلَوْ قَالَ: لأَشْرَبَنَّ لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِالْجَمِيعِ، وَلَوْ قَالَ: لأَشْرِبَنَّ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ لِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ فِي الحَالِ لِعُسْرِ البِرِّ، وَقِيلَ: يَبِرُّ بُشُربِ البَعْضِ هَهُنَا، وَلَوْ قَالَ: لأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ غَداً فَفِي لُزُومِ الكَفَّارَةِ قَبْلَ الغَدِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ:

لأَشْرِبَنَّ مِنْ مَاءِ هذِهِ الإِدَاوَةِ وَلاَ مَاءَ فِيهَا لِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ فِي الحَالِ كَقَوْلِهِ: لأَقْتُلَنَّ فُلاَناً وَعَلِمَ أنَّهُ مَيِّتٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في النوْعِ مسائلٌ: إحداها: إذا حلَف، وقال: لا أشرب من ماءِ هذه الإدَاوَة أو الجَرَّة، حَنِث بما شرِبَ من مائها من قليل وكثير، ولو قال: لأشربَنْ من ماء هذه الإداوة، بَرَّ بما شرب من قليل وكثير، ولو قال: لا أشرب من ماء هذا النهر، أو لأشربَنَّ منْه، فالحكم كما في الإدَاوَة، ولو قال: لا أشربُ ماءَ هذه الإِدَاوَةِ، أو الجَرَّة، أو الجُبِّ، أو المصنع، أو غيرهَما مما يمكن استقاء مائه، وإن احتاج إلى مدة طويلة، فلا يحنث إلا بشُرْبِ جميعه، وما دام يبقى منْه شيءٌ، فلا حَنِث، قال في "شرح مختصر الجويني": سوَى البلل الذي يبقى في العادة، وقال مالك: يحنث بشُرْب البعْض، وبه قال أحمدُ -قدَّس اللهُ روحَه- في إحدى الروايتَيْن.
لنا: أن الماءَ معروفٌ بالإِضافة إلى الإِداوة، فتناول الجميع كما في طرف الإثبات، ولو قال: لأشربَنَّ ماء هذه الإداوة أو الجُبِّ، لم يبرَّ إلا بشرب الجميع، ولو قاَل: أشرب ماء هذا النَّهر، أو البَحْر أَو البئر العظيمة، فهل يحنث بشرب بعضه؟ فيه وجهان: أحدهما: ويُنْسَب إِلى ابن سريج، وابن أبي هريرة: نعم، وبه قال أبو حنيفة وأحمدُ -رحمهم الله- لأنه لا يمكن شُرْب الجميع، فينصرف اليمين إلى البعْض؛ ولأن مَنْ شرب من ماء دِجْلة، يُقال، في العرف: إنه شرب ماءِ دِجْلَةَ.
وأصحهُّما: المنع؛ على ما ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطَّيب والرويانيُّ، ونسبوه إلى عامة الأصحاب -رحمهم الله- ومنهم أبو إسحاق؛ لأن الحَلِف على الجميع، فصار كما لو قال: لا أشرب ماء هذه الإِدَاوَة، وقال القاضي أبو الطيب: يَنْبَغِي أن يُقالَ، على هذا: لا ينعقد يمينه، كما لو حَلَفَ، لا يصعد السماء؛ لأن الحِنْث فيه غير مُتصوَّر، ولو حلف، ليشربَنَّ ماء هذا النهْر أو البحْر، ففيه وجهان أيضاً: أحدهما: أن اليمين محمولةٌ على البعْضِ، فيبَرُّ بشرب بعْضه، وإن قلَّ.
وأظهرهما: أنه لا يبرُّ بشرب البعض، وهو حانثٌ؛ لعجزه عن شرب الجميع؛ وعلى هذا، فيلزمه الكفارة في الحال أو قبيل الموت؟ فيه وجهان: أحدهما: قُبَيْل الموت؛ لأن وقْت الشُّرْب غيرُ معيَّن.

وأشبهُّهما: وهو الذي أورده صاحبُ الكتاب والرويانيُّ -رحمهما الله-: في الحال؛ لأن العجز متحقِّق في الحال، والانتظار إنما يحْسُن فيما يُتوقَّع حصُولُه، وفي المسألة وجهٌ آخرُ: أن اليمين لا ينعقد أصلاً؛ لأن البِرَّ فيه غير متصوَّر، ولو حلف ليصعدَنَّ السماء، ففي انعقاد يمينه وجهان: أظهرهما: الانعقاد، وعلى هذا، فيحكم بالحِنْث في الحال أو قُبَيل الموت فيه الوجهان: ولو قال: لأصعدن السماء غداً، وفرَّعْنا على انعقاد اليمين، فيحصل الحنْث، ويجب الكفارة في الحال أو بعد مجْيء الغَدِ؟ فيه الوجهان، فيشبه أن يرجح هاهنا الثاني؛ لأن اليمين معقودة على الصُّعود غداً وعَلى هذا فهل يحنث قبيل غروب الشمس من الغد أو قبيل ذلك؟ فيه خلاف سيأتي في نظيره.
ولو حلف لا يصعد السماء، ففي انعقاد يمينه وجهان: أحدُهما: ينعقد، وإن لم يُتصوَّر الحنث، كما لو حَلَف، لقد فعل كذا أمس، وهو صادق.
وأصحُّهُما: على ما نقل في "التهذيب" المنْعُ؛ لأن الحنْثَ غير متصوَّر، بخلاف صورة الاستشهاد، فإن الحَلِفَ هناك يحتمل الكذب.
ولو قال: لأشربَنَّ ماء هذه الإِداوة، ولا ماء فيها، أو لأَقْتُلَنَّ فلاناً وهو ميت، ففي انعقاد اليمين وجهان: أحدهما: لا ينعقد؛ لأن البرَّ فيه غير متصوَّر.
وأشبهُّهما: الانعقاد، كما لو قال: فعلتُ أمسِ كذا، وهو كاذبٌ، فإنه ينعقد يمينه، وإن لم يتصوَّر فيها البِرُّ، وقد يُفْرَق بين ما لا يتصور فيه الحِنْثُ، فيرجَّح عدم الانعقاد، وبين ما لا يتصوَّر فيه البر، فيرجَّح فيه الانعقاد؛ بان امتناع الحِنْث لا يُخِلُّ بتعظيم اسم الله تعالَى وامتناع البِرِّ يخِلُّ ويهتك الحرمة، فيخرج إلى التكفير، وعلى الوجه الثاني، ينطق قولُه في الكتاب "لَزِمَتْهُ الكفار" وعلى هذا، فيلزم في الحال أو قبيل الموت؟ فيه الوجهان: الأشبه الأول: وهو المذكور في الكتاب، وأشار بعضُهم إلى تخصيص الخلافِ بما إذا قال: لأشربَنَّ ماء هذه الإِداوة، ولا ماء فيها، والقطعِ بوجوب الكفارة فيما إذا قال: لأقتلنَّ فلاناً، وهو يدري أنه ميِّتٌ، وفَرَقُوا بأنَّ شرب الماء، ولا ماء مُحَالٌ الذي نفسْه، فيلغو ذكْره، وفي قوله: لأقتلنَّ فلاناً، إحياؤُه مقدورٌ لله تعالَى ولو أُحْيِيَ، يُمكَّن من قتله، فليس المذكور محالاً في نفسه، وقد يُشْعِر بهذا سياق الكتاب، ولو قال:

لأقتلنَّ فلاناً، وهو يظنه حياً، فكان ميتاً ففي الكفارة خلافٌ؛ بناء على أن النسيان، هل يَدْفَع الحنث.
فروع: في "المجرَّد" للقاضي أبي الطيب: أن الأصحاب -رحمهم الله- قالوا: لو قال: واللهِ، لا آكُلُ خُبْزَ الكُوفة أو خُبْزَ بغدادَ، لا يحنث بأكل بعْضِهِ، إلا أن ينوي غير ذلك.
ولو قال: لأشربَنَّ ماء هذه الإِداوة، فانصبَّ قبل أن يشرب أو مات الحالفُ، نُظِر؛ إن كان بعد الإِمكان، حنث، وإن كان قبله، فعلى القولَيْن في أن المكْرَه، هل يَحْنَث ولو قال: لأشربَنَّ منه، فصبه في حوض، ثُم شرب منه من موضعٍ يُعلَمُ أنه وصَل إلَيْه بَرَّ، وإن حلف لا يشرب منْه، فصبه في حوض، ثُمَّ شرب منْه حَنِثَ، وكذا لو حَلَف, لا يشرب مِنْ لبِن هذه البقرة، فخلطه بلَبَنِ غيرها؛ بخلاف ما لو حَلَف؛ لا يأكل هذه التَّمْرة، فخلَطَها بُصْبَرَةٍ، لا يحنث، إلاَّ بأكْل جميع الصُّبْرَةِ، والفرق ظاهِرٌ.
ولو حلف؛ لا يَشْرَب ماءً فراتاً، أو من ماءٍ فراتٍ، فهو محمولٌ على المَاءِ العَذْبِ من أيِّ موضع كان ولو قال: مِنْ ماءِ الفراتِ، فهو محمولٌ على النهْرِ المَعْرُوفِ، ولو قال: لا أشرب ماء الفراتِ، أو لا أشرب مِنَ الفُرَاتِ، فسواء أخذ الماء بيَدِهِ، أو في إنَاءٍ فشَرِبَ أو كرع منه، يحنث.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا قال: لا أشرب من الفُرَاتِ، لم يحْنَث، إلا بأن يَكْرَع فيه، ولو قال: لا أشرب مِنْ هذه الجَرَّة، وغيرها مما يُعْتَادُ الشُّرْب، فجعل الماء منه في كوز، وشربه، لا يحنث، ولو قال: لا أشربُ مِنْ ماءِ نهرِ كذا، فشَرِبَ من ساقِيَةٍ كأخذ الماء من ذلك النَّهْر، أو شرب من بئْرٍ محفُورٍ بقُرْب النهر، بحيث يعلم أن ماءَهَا منْهُ، يحنث.
ولو قال: لا أشْرَبُ من نَهْرِ كذا, ولم يذْكُرِ الماء، فشرب من ساقيةٍ، تأخذ المَاءَ منه، ففيه وجهان: أشبهُّهما: أنَّه يحنَثُ، كَمَا لو أخَذَ في إناءٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لاَ آكُلُ اللَّحْمَ وَالْعِنَبَ لَمْ يَحْنَثْ إِلاَّ بِجَمْعِهِمَا، وَالوَاوُ العَاطِفَةُ تَجْعَلُ الْجَمِيعَ كَالشَّىْءِ الوَاحِدِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الثانية: إذا قال: لا آكل هذَيْن الرغيفَيْن، أو لا ألبس هذَيْن الثوبَيْن، لم يحْنَثُ إلاَّ بأكلهما، أو لُبْسِهِما, ولا فرق بين أن يلبسهما معاً، أو يلبس أحدهما وينزعه، ثم يلبس الآخر، وكذا، لو قال: لأَكُلَنَّ هذَيْن الرغيفَيْن، أو لألبَسنَّ هذَيْن الثوبَيْن، لم يَبَرَّ إلاَّ بأكلهما ولُبْسِهِما.

وقال مالك في طرف النفْي: يَحْنَثُ بأكْل أحَدِ الرغيفَيْن، ولُبْس أحد الثوبي، وهو رواية عن أحمد، وساعَدَنا في طَرَف الإِثبات.
ولو قال: لا أُكلِّمُ زَيداً وعَمْراً ولا آكل اللَّحْم والعِنَب، فلا يحْنَثُ إلا إذا أكلهما، أو آكلهما، إلا إذا نوى غيْرَ ذلك؛ لأنَّ الواوَ العاطفةَ تجْعَل الجميعَ كالشَّيْءِ الواحد، فكأنه قال: لا أكلهما ولا آكلهما.
ويعود فيه خلافُ مالك وأحْمَدَ، ولو قال: لا أُكَلِّم زيداً ولاَ عَمْراً، ولا آكُلُ اللَّحْم ولا العنب، فَيَحْنَث بكُلِّ واحدٍ منْهما، وهما يمينان، وبالحَنِث في أحدهما، لا تنحل الأخْرَى، كما لو قال واللهِ، لا أكلِّم زَيداً واللهِ لا أكلِّم عَمْراً، قال الصَّيْدَلاَنِيُّ -رحمه الله- بمثله، لو قال: لا أُكلِّم أحدهما، أو واحداً منهما, ولم يقصد واحداً بعَيْنه، فيحْنَث إذا كلَّم أحَدَهُما، وتنحلُّ اليمين، فلا يَحْنَث بأن يكلِّم الآخر، قال في "التتمة": وهكذا في الإثبات، لو قال: لألْبَسَنَّ هذا الثَّوْب، وهذا الثوب، فهما يمينان لوجود حرف العطفَ، ولكل واحد حكمهما وفي هذا توقُّف، ولو أوجب حرف العطف كوْنَهُما يمينَيْن، لا كما إذا قال: لا ألبسهما، لأوجب في قوله: لا أكلِّم زيداً وعمراً، ولا آكل اللَّحْم والعنب كَوْنَهُما يمينين، لا كما إذا قال: لا أكلِّم هذَيْن الرجلَيْن، أو لا آكل هذَيْن الطعامَيْن.
وقوله في الكتاب: "لا بجميعهما" يعْنِي جميع الأكْلِ لهما، لا أنْ يأكلهما معاً.
فَرْعٌ: إذا قال: لا آكل هذا الرغيفَ، لم يحْنَث بأكْلِ بعْضِه، وأُجْرِيَ فيه خلاف مالك وأحمد -رحمهما الله- ولو قال: لاَكُلَنَّهُ، لم يَبَرَّ إِلاَّ يأكْل الجميع، فحكَى الصيدلانيُّ أن أبا حنيفة قال في الصورة الأُولَى: إِذَا بَقِيَ فُتَاتُ جرت العادة بأن الناس يَدَعُونَه، ولا يتكلَّفون التقاطه، حَنِث، وعندنا: إذا بقي ما يمكن التقاطُه وأكله، لا يِحْنَث، كما لو قال: لا آكلُ ما عَلَى هذا الطبَقِ من التَّمْر، فأكل ما عليه إلا تمرةً، لا يَحْنَث.
وإنْ جرَتِ العادةُ باستبقاء بعضِ الطعامِ للاحتشام من استيفائه، أو لغير ذلك، ولو قال: لاَكُلَنَّ هذِه الرُّمَّانَة، فترك حبَّةً، لم يبرَّ، ولو قال: لا آكُلُها، فَتَرَك حَبَّةً، لم يحْنَث، وفي "التتمة": أن عند أبي حنيفة: إذا كان المتْرُوك أقلَّ من الثلث، كان كما لو أكل الكُلَّ في طرفَي النفي والإِثبات جميعاً، وقد ذَكْرنا التصوير في الطَّلاَق، لكن لم نذْكُر خلافَ أبي حنيفةَ -رحمه الله-.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ آكُلُ الرَّأْسَ لَمْ يَحْنَثْ بِرَأْسِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ، وَيحْنَثُ بِرَأْسِ الإِبِلِ وَالبَقَّرِ، وَلاَ يَحْنَثُ بِرَأْسِ الظِّبَاءِ إِلاَّ إِذَا اعْتِيدَ أَكْلُهُ فِي مَوضِعِ فَيَحْنَثُ مَنْ

حَلَفَ مِنْ أَهلِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، وَفِي غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ المَوْضِعِ وَجْهَانِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى البَيْضِ لَمْ يَحْنِثَ بِبَيْضِ السَّمَكِ وَالعُصْفُورِ، وَيحْنَثُ بِبَيْضِ النَّعَامِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الخَبْزِ لَمْ يَحْنَثْ بِخُبْزِ الأُرْزِ إِلاَّ بَطَبَرِسْتَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الثالثة: إذا حَلَف لا يأكل الرأس أو الرؤوس أو لا يَشْترَيِها، حُمِلَتِ اليمينُ على التي تُميَّز عن الأبدان وتشوى وتباع بانفرادها، وهي رؤوس الإِبل والبقر والغنم، وقال أبو حنيفة في رواية: لا يحنث برؤوس الإِبل، ورواه شارح "مختصر الجويني" قولاً لابن سُرَيْجٍ، واحتج الأصحاب -رحمهم الله- بأن أهل البادية الذين يعتادون أكل لحوم الإِبل، يفردون رؤوسهما أيضاً، وذكروا: أن ذلك يُعتَاد بالحجاز، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي: أن ابن أبي هريرة ذهب إلى أنه لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم.
وفي "الرَّقْم" للعبَّادِّي: في البلد الذي لا يُبَاعُ فيه إلا رؤوس الغنم، لا يحنث إلا بها، والظاهر الأول، وعن القفال: أنه لو قال بالفارسية (سربريان بخورم) 1 يحنث إلا برؤوس الغنم، ولا يكاد يتضح هذا، وإن أكل رأس طير، أو حوت أو ظبي أو صيد آخَرَ، لم يحنث؛ لأنها لا تُباَعُ مفردة، ولا يُفهَم من اللفظ عند الإِطلاق.
وفيه قول عن رواية صاحب "التقريب" والمذهب الأول، نعم، لو كان يُبَاعُ رؤوس الحيتان أو الصيود مفردةً في بلد، حصل الحنث بأكلها هناك، وفي غيرها من البلاد وجهان: في وجه: لا يحنث؛ لأن أهلها يعتادون أكلها، وبيعها مفردةً ولا يفهمونها عند الإِطلاق، ووُجِّه الثاني، بأَنَّ ما ثبت به العرف في موضع، ثبت في سائر المواضع؛ كما مر في مسألة خبز الأرز، وأيضاً: فالاسم شاملٌ، والعرف مختلف، والأول أرجح عند الشيخ أبي حامد والرويانيِّ.
والثاني: أقوى، وأقرب إلى ظاهر النص ويؤيده: أن رأس الإِبل لا يُعْتاد بيعه وأكله إلا في بعض المواضع والحنث يحصل به.
وذكر الشيخ أبو الفرج وجْهَيْنِ في أن الناحية التي ثبت فيها العرف، يعتبر نفس تلك الناحية، أو كون الحالف من أهل تلك الناحية؟ هذا عند الإِطلاق، قال في "التتمة": فإن كان مقصوده أَلاَّ يأكل ما يسمى رأساً، حَنِثَ بأكل رأس السمك والطير وغيرهما، وإن كان مقصوده نوعًا خاصاً، لم يحنث بأكل غيره.

ولو حلف؛ لا يأكل البيض، حُمِلَتِ اليمينُ على ما يزايل بائضه، وهي حية؛ لأنه الذي يفهم من البيض، فلا يحنث بأكل بيض الجراد والسمك؛ لأنه يخرج بعد الموت بشق البطن، ويدخل فيه بيض الدجاج والنعام والأوز، والعصافير.
وعن رواية المحاملي وجهُ: أنه لا يحنث إلا بيض الدجاج، وعن أبي إسحاق وجهٌ مخصص بالدجاج والأوز، قال الإِمام -رحمه الله-: الطريقةُ المَرْضِيَّة أنه لا يحنث إلا بما يُفْرَدُ بالأكل في العادة دون بيضَ العصافير والحمام ونحوها, ولا يحنث بأكل خصية الشاة، وإن حلف بالعجمية، وتسمى الخصية بالعجمية، "خاية"؛ لأنها لا تُفْهَمُ منه عند الإِطلاق 1. ذكره المتولِّي: ولو أُخْرِجَتِ البيضةُ، وهي منعقدةٌ من جوف الدجاجة، فأكلها، يحنث، ولو أُخْرِجَتْ بعد موتها، فأكلها، ففي "تعليقة المروزبين" -رحمهم الله- ذكر وجهين- 2 فيه.
وقوله في الكتاب "لم يحنث برأس الطير والسمك" مُعْلَمٌ بالواو؛ لما سبق ويجوز أن يُعْلَم بالألف؛ لأن عند أحمد؛ يحنث بأكل الرؤوس كلها، وبالميم؛ لأن بعض أصحاب أحمد حكى عن مالك -رحمه الله- مثله.
ولفظ "البقر" بالواو، "والإِبل" بالحاء والواو.
وقوله: "ولا يحنث برأس الظَّبْي إلى آخره"؛ يوهم تخصيص الاستثناء برأس الظبي، ولا يختص، بل الحكم في الظباء، والطيور والحيتان واحدٌ.
وكان الأحسن أن يجمع بينهما مقدمة على ذكر البقر، والإِبل أو مؤخرة.
وقوله: "وفي غير أهل ذلك الموضع" -في بعض النسخ- "وفي أهل غير ذلك الموضع" وهما صحيحان.
وقوله: "والعصفور" مُعْلَمُ، بالواو، وليُعَلَمْ أن الظاهر في المذهب خلافُ ما ذكره، لكنه جرى على ما ارتضاه الإِمام -رحمه الله-.
ولو حلف لا يأكل الخبز، حنِثَ بأكل أي خبز، كان يستوي فيه خبز البر والشعير والذرة والأرز والباقلاء؛ لأن الكل خبز، وإن لم يكن بعضها معهود بلده، كما لو

حلف: لا يلبس ثوباً، حنث بلُبْسِ أي ثوب كان، وإن لم يكن معهود بلده.
قال في "التتمة": ويحنث بخبز البلوط أيضاً، ويحنث بأكل الأقراص والرغفان، وخبز الملة والمشحم وغيره وسواءٌ أكله على هيئته أو جعله ثريداً، نعم، لو صار في المرقة كالحسو، فتحساه، لم يحنث وسواء ابتلعه [بعد المضغ، أو ابتلعه] على هيئته، ولو لم يبلعه لم يحنث، وسواء أدرك طعمه، أو لم يدركه، ولو أكل جوزينقا 1، ففيه وجهان في "التهذيب".
أحدهما: يحنث؛ لأنه لو نزع الحشو كان خبزاً.
والأشبه: خلافه 2 هذا على ما يوجد لعامة الأصحاب -رحمهم الله- على طبقاتهم، فيما إذا حلف؛ لا يأكل الخبز، ولم يفرقوا بين جنس وجنس، وهو المذهب، وقوله في الكتاب "لم يحنث، بخبز الأرز إلا بطبرستان" يخالف ذلك، وأحسبه قلّدَ فيه الإِمام -رحمه الله- ولم يحضرني الباب في كتابه فأراجعه، ونقل في "الوسيط" ما ذكره

عن الصَّيدلانيِّ، فقد راجعت طريقته، فلم أجد ما ادعاه، بل استشهد بالمسألة فيما إذا قال: لا أدخل بيتًا، وحكم فيها بحنث الطبريِّ والعراقيِّ، كما ذكره سائر الأصحاب -رحمهم الله- على ما تقدَّم، نعم في "تعليقة" أبي الفرج السرخسي ذِكْرُ وجهين في المسألة، ثم ينبغي أن تكون جيلان كطبرستان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ عَلَى اللَّحْمِ لَمْ يَحْنَث بِالشَّحْمِ، وَيَحْنَثُ بِالسَّمِينِ، وَفِي الألِيَّةِ وَالسَّنَامِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَحْنَثُ بَالأَمْعَاءِ وَالكَبِدِ وَالكِرْشِ، وَفِي القَلْبِ وَجْهَانَ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّمْنِ، وَفِي عَكْسِهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى السَّمْنِ لَمْ يَحْنَثْ بِالأَدْهَانِ، وَفِي عَكْسِهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الجَوْزَ حَنِثَ بِالهِنْدِيِّ، وَعَلَى التَّمْرِ لاَ يَحْنَثُ بِالهِنْدِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور؛ منها -إذا حلف-: لا يأكلَ اللَّحم أو لا يشتريه، لم يحنث بأكل شحم البطن، ولا يأكل شحم العين؛ لأنهما يخالفان اللحم اسمًا وصفةً، وهل يحنث بأكل شحم الظهر والجنب، وهو الأبيض الذي لا يخالطه الأحمر؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه شحم؛ لقوله تعالَى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146] وإذا كان شحمًا، كان كشحم البطن.
وأصحُّهما: وهو المذكور في الكتاب: أنَّه يحنث؛ لأنه لحم سمين، ألا تراه يحمر عند الهزال؟ ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب "لم يحنث بالشحم" بالحاء؛ لأن في "تعليقة" أبي حامد أن عند أبي حنيفة يَحْنَثُ بأكل الشحم؛ لأنه يُؤكل مع اللحم، ويقام مقامه، وبالميم؛ لأن بعض أصحاب أحمد -رحمه الله- حكى عن مالك -رحمه الله- مثله، وعلى عكسه لو حلف ألا بأكل الشحم، يحنث بأكل شحم البطن، ولا يحنث بأكل اللحم، وأكل شحم الظهر على الوجهين: الأصح: أنه لا يحنث، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي زيد: أن الحالف، إن كان عربيًا، فشحم الظهر شحم في حقه؛ لأنهم يعدونه شحمًا، وإن كان عجميَّاً، فهو لحم في حقِّه، وذكر في أكل شحم العين وجهان أيضًا.
ويتناول اليمينُ على اللحومِ لحومَ النعم والوحوش، والطيور المأكولة، وفيما لا يُؤْكل لحمه؛ كلحم الميتة والخنزير والذئب والحمار وغيرها وجهان عن ابن سُرَيْجٍ: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه يحنث بأكلها؛ لوقوع الاسم عليها، وإن كانت محرمة، كاللحم المغصوب.
والثاني: لا يحنث؛ لأن الحالف يقصد بيمينه الامتناع عما يُعْتَاد أكله؛ وأيضًا

قاسم اللحم يقع على المأكول شرعًا، كما أن البيع والنكاح يقعان على المشروع.
ورجَّح الشيخ أبو حامد والرويانيُّ الثاني، والقفالُ وغيره -رحمهم الله- الأوَّل 1. ولا يحنث بأكل السمك، خلافًا لمالك وأحمد -رحمهما الله-.
وفي "البيان": أن بعض أصحابنا الخراسانيين قال به، ووجه ظاهر المذهب بأن السَّمَك لا يُفْهَمُ من إطلاق لفظ اللحم، ولا يُسْتَعْمَلُ فيه في العرف، وإن سماه الله تعالَى لحمًا بقوله: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: 12] وشبه ذلك بما إِذا حلف لا يجلس في ضوء السراج، فجلس في ضوء الشمس، لا يحنث وإن سماها الله تعالَى سراجًا، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: 13] وبما إذا حلف: لا يعلق على وتد، فعلق على جبل، لا يحنث، وإن قال الله تعالَى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7] أو حلف: لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض، لا يحنث، وإن قال الله تعالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: 19] وهل يتناول اللحم الألْيَةَ؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنه نابت في اللحم، قريب من اللحم السمين.
وأصحُّهما: المنع؛ لمخالفته اللحم اسمًا وصفةً ولو حلف على الشحم، فوجهان أيضًا في تناول الألْيَةِ: أحدهما: نعم؛ لأنها تذوب كالشحم.
وأصحُّهما: المنع؛ لمخالفته اللحم اسمًا وصفةً، فعلى الظاهر، وليست الألية بلحم ولا شحم وسنام الإِبل كالألية، ولو حلف على الألية، لم يحنث بأكل السنام، وكذا بالعكس؛ ولو حلف على الدسم، تناول شحم الظهر والبطن والألية والسنام والأدهان كلها، وهل يتناول اللحمُ الأمعاءَ والطِّحَالَ والكرش والكبد والرئة، حتى يحنث بأكلها، وإذا حلف ألا يأكل اللحم؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لا، وهو المذكور في الكتاب.
والثاني: نعم؛ لأنها في حكم اللحم، وقد تُقام مقامه، وبه قال أبو حنيفة، ومنهم من قطع بالأول، ونفي الخلاف، وفي القلب وَجْهَان مذكوران في الكتاب: أصحُّهما: أنه لا يحنث أيضًا.
والثاني: يحنث، ووجه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً... " 2 الحديث، والمضغةُ: القطعة من اللحم.

وإلى هذا مال الصيدلانيُّ بأكل المخ، وقد يطرد فيه الخلاف، وفي لحم الرأس والخد واللسان والأكارع طريقان: أصحُّهما: أنه يحنث باكلها.
والثاني: طرد الوجهَيْن.
ولو حلف: لا يأكل ميتة، لم يحنث بأكل المذكاة، وإن حلها الموت؛ للعرف وإن أكل السَّمَك، فوجهان: في أحدهما: يحنث لقوله -صلى الله عليه وسلم- "أُحُلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ" 1. وفي الثاني: لا؛ للعُرْفِ.
قال في "التهذيب" لا يحنث، وهو المذهب، كما لو حلف؛ لا يأكل دمًا، لا يحنث بأكل الكبد والطحال.
ولو حلف: لا يأكل لحم البقر حنث بأكل الجاموس، ويحنث بأكل البقر الوحشيِّ على الأشهر، ونقل في "التهذيب" فيه وجهين، بناءً على الخلاف في أنه هل يُجْعَلُ جنسًا في الربا؟ ولو حلف: لا يركب الحمار، فركب حمارًا وحشيًا ففيه وجهان يتعلَّقان بالأصل المذكور، وأيضًا فالمعهود ركوب الحمارِ الأهليِّ؛ بخلاف الأكل، وقد سبق في "الربويات" ذكر وجهين في أن الجراد، هل هو من جنس اللحوم؟ ويمكن أن يخرج عليها؛ أنه هل يحنث بأكل الجراد إذا حلف: أَلاَّ يأكل اللحم؟.
ومنها: لو حلف: لا يأكل الزبد، لم يحنث بأكل السمن، ولو حلف: لا يأكل السمن، ففي أكل الزبد وجهان: أصحُّهما: أنه لا يحنث به أيضًا؛ لتفاوتهما في الاسم والصفات.
والثاني: أن الزبد سمن؛ لاشتماله عليه، وليس السمن زبدًا؛ لأن الزبد عبارة عن مجموع السمن وباقي المخيض.
وسواء حلف على الزبد أو السمن، فلا يحنث بأكل اللبن، واسم اللبن يتناول لبن الأنعام والصيد ويدخل فيه الحليب والرائب واللباء، والماست 2 والشيراز 3 والمخيض.

قال القاضي أبو الطَّيِّبِ: وتوقف بعضهم في الشيراز، ولا معنى له، وفي المخيض وجه، قال القاضي الرُّويانيُّ: يُحْتَمَلُ ألا يحنث إلا بالحليب؛ لأن الاسم في العُرْف لا يقع إلا عليه، لكن العرب تسمي الجميع لبنًا، والعرف مضطرب، ولو أكل الزبد، ففيه ثلاثة أوجه: أشبههما: وهو المذكور في "الشامل": أنه إن كان اللبن ظاهرًا فيه يحنث، وإن كان مُسْتَهْلَكًا فلا، ولا يحنث بأكل السمن؛ لأنه لا لبن فيه، ولا بالجبن والأقط والمصل.
وعن أبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطبري: أنه يحنث بجميع ما يُسِتَخْرَجُ من اللبن، وذكر: أن الجامد منْها لبن مجمَّدٌ، والظاهر الأول.
ومنها: لو حلف: لا يأكل السمن، لم يحنث بالأَدْهَان، ولو حلف؛ لا يأكل الدهن، فهل يحنث بأكل السمن؟ فيه وجهان: أصحُّهما: أنه لا يحنث أيضًا، وقد يوجه الثاني؛ بأن الدهن قد يعبر بها عن الدسومة ويقام مقامها؛ ألا ترى أنَّهُ يُقَالُ: في حب كذا دهنية؟ ولا توضع السمينة موضعها.
ولو قال بالفارسية: (روغن نخورم) 1، فعن القاضي الحسين وغيره: أنه يحنث بالأكل من كلِّ واحدٍ منهما.
ومنها: ذُكِرَ في الكتاب: أنه لو حلف؛ لا يأكل الجوز، يحنث بالجوز الهندي، ولو حلف؛ لا يأكل التمر، لا يحنث بالتمر الهندي، ويمكن أن يُفْرَقَ بأن الجوز الهنديَّ، وإن خالف الجوز المعروفَ في الشَّكْل، والصورة، ولكنه قريب منه في الطبع والطعم، والتمر الهندي يخالف التمر المعروف صورةً ولونًا وطبعًا وطعمًا، والذي ذكره في "التهذيب": أنه لا فرق بين الصورتَيْن، ولا يحنث بالهندي منهما، وكذا لو حلف؛ لا يأكل البطيخ، لا يحنث بالهنديِّ، أو لا يأكل الخيار، لا يحنث بهذا الذي يقال له خيار شنبر.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ لَمْ يَحْنَثْ بالشُّرْبِ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَلَوْ حَلَف لاَ يَأْكُلُ السُّكَّرَ فَوُضِعَ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى العِنَبِ لَمْ يَحْنَثْ بِعَصِيرِهِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى السَّمْنِ لَمْ يَحْنَثْ إِذَا جَعَلَهُ فِي عَصِيدَةٍ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَثَرٌ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَفِي الخَلَّ إِذا جَعَلَهُ فِي السِّكْبَاجِ وَجْهَانِ، وَالنَّصْ أنَّهُ لاَ يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَذُوقُ فَأَدْرَكَ طَعْمَهُ وَمَجَّهُ فَوَجْهَانِ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور أيضًا: منها: كما أن بأكل أجناس مختلفة الأسماء والصفات والآثار، كذلك الأفعال أجناسٌ مختلفةٌ لا يتناول بعضها بعضًا؛ فالشرب ليس، وكذا العكس، فإذا حلف لا يشرب، فأكل طعامًا، لم يحنث، أو لا يأكل، فشرب ماءً أو غيره، لم يحنث.
واللبن والخل وسائر المائعات، إذا حلف ألا يأكلها، فأكلها بخبز، حنث، ولو شربها، لم يحنث، وإن حلف ألا يشربها، فالحكم على العكس، ولو حلف: لا يأكل سويقًا، فاستقه أو تناوله بالملعقة أو بإصبع مبلولة، حنث، ولو ماثه في الماء، فشرب، حنث.
ولو حلف، لا يشرب السويق، فالحكم بالعكس، ولو كان السويق خاثرًا بحيث يُؤخَذُ منه بالملاعق، فتحسَّاه، فقد ذُكِرَ فيه اختلافُ وجْهٍ، والأشبه أنه ليس بِشُرْب، ولو قال: لا أطعم أو لا أتناول، دخل في اليمين الأكل والشرب معًا.
وبمثله حكموا فيما إذا قال بالفارسية (نخورم) 1 على أنه يُفْرَق بينهما، فيُقال: (طعام نخورد) 2 و (شراب بازخورد) 3. ومنها: إذا حلف لا يأكل السكر، انعقدت اليمين على عين السكر دون ما يُتَّخَذ منه، إلا إذا نوى، وكذا الحكم في العسل والتمر، ثم إن ابتلع السكر من غير مضغ، فقد أكله، كما لو ابتلع الخبز على هيئته، وإن مضغه، وازدرده ممضوغًا فكذلك، وإن وضعه في فمه، فذاب ونزل، ففيه وجهان: أحدهما: يحنث، كما لو مضغه.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" "والتتمة": المنع لأنه لا يُسَمَّى ذلك أكلاً للسكر.
ومنها: إذا حلف ألا يأكل العنب أو الرمان، لم يحنث بأكل عصيرها وشربه، ولو امتصهما، ورمى بالتفل، فكذلك؛ لأنه ليس يأكل.
ومنها: لو حلف، لا يأكل السمن، فأكله، وهو جامد، حنث، وإن كان ذائبًا، فشربه، لم يحنث، وفي "شرح مختصر الجوينيِّ" فيه وجه ضعيف، وإن أكله بخبز، وهو جامد، أو ذائب حنث، وقال الإِصطخريُّ: لا يحنث؛ لأنه لم يأكله وحده، بل أكله مع غيره، وشبهه بما إذا قال: لا آكل مما اشتراه زيد قال: يأكل مما اشتراه زيد

وعمرو، وإن جعله في عصيدة أو سويق، فعن نص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه يحنث، وعنه فيما إذا حلف؛ لا يأكل خلاًّ؛ فأكل السكباج 1، أنه لا يحنث.
فقال عامة الأصحاب: ليس ذلك باختلاف قول، ولكن إن كان السمن ظاهرًا في العصيدة والسويق؛ يُرَى جرمه، فيحنث، إذا أكله، وهذه الحالة هي التي أرادها بنصه في السمن، وكذا الحكم في الخل، إذا كان ظاهرًا بلونه وطعمه؛ بان أكل المرقة، وهي حامضة.
وإن كان السمن مستهلكًا في العصيدة، فأكلها، يحنث، وكذا الخل إذا كان مُسْتَهْلَكًا، وهذه الحالة هي التي أرادها بنصه في الخَلِّ.
فصور ذلك فيما إذا أكل لحم السِّكْبَاج أو ما كان فيه من السلق ونحوه، ومنهم من أثبت وجهين أو قولين؛ وعلى ذلك جرَى في الكتاب، ووجه المنع أن يُقَالَ: أكل العصيدة لا السمن، والسكباج لا الخل، ويجوز إعلام لفظ "الخلاف فيِ مسألة السمن" "والقولين في مسألة السكباج" بالواو.
ومنها: إذا حلف؛ لا يأكل أو لا يشرب، لم يحنث بالذوق بمجرده إن حلف: لا يذوق، فأكل أو شرب، حنث؛ لتضمنهما الذوق، وفيه وجه ضعيف.
وإن أدرك طعم الشيء بالمضغ والإِمساك في الفم، ثم مجه، ولم ينزل إلى حلقه، فهل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، كما لا يفطر الصائم به.
وأصحُّهما: الحنث؛ لأن الذوق عبارةٌ عن إدراك الطعم، وقد حصل.
ولو حلف: لا يأكل ولا يشرب ولا يذوق، فأوجره في حلقه، حتى حصل في جوفه، لم يحنث.
قال في "البيان": لو قال: لا أطعم كذا، ثم أوجره نفسه، حنث لأن معناه لا جعلته لي طعامًا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الفاكِهَةِ حَنِثَ بِالْعِنَبِ (ح) وَالرُّمَّانِ (ح)، وَلاَ يَحْنَثُ بِالقِثَّاءِ، وَفِي البِطِّيخِ تَرَدُّدٌ، وَيحْنَثُ بِيَابِسِ الفَوَاكِهِ، وَفِي اللَّبُوبِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حلف؛ لا يأكل الفاكهة، حنث بأكل العنب والرطب والرمان؛ لوقوع اسم الفاكهة عليها، والعطف في قوله تعالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] لتخصيصهما وتمييزهما كما في قوله تعالَى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] وقال أبو حنيفة: لا يحنث بها، ويحنث أيضًا بأكل التفاح

والسَّفَرْجَل والكُمَّثْرَى والمشمش والخوخ والإِجِّاص 1 والأترج والنارنج 2 والليمون والنبق والموز والتين.
ولا يحنث بالقِثَّاء، والخيار؛ فهي من الخضراوات؛ كالباذنجان والجزر، وفي البِطِّيخ وجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك.
وأصحُّهما: أنه يحنث؛ لأن لها نضحًا وإدراكًا؛ كالفواكه، وبهذا قال ابن سُرَيْجٍ.
ويتناول اسم الفاكهة الرَّطْب واليابس، كالتمر والزبيب والتين اليابس، ومعلق الخوخ والمشمش، وفي اللبوب كَلُبِّ الفستق والبندق وجهان: أقربهما: الحنث؛ فإنها تُعَدُّ من يابس الفواكه، هذا هو المشهور.
وذُكِرَ: أنه لو حلف، لا يأكل الثمار، اختصت اليمين بالرطب، ولم يتناول الثمرة الفواكه اليابس، وسَوَّى في "التتمة" بينهما؛ وقال: الفاكهة لا تتناول اليابسة كالثمرة، فإن كان هذا عن تحقيق، أحوج إلى إعلام قوله في الكتاب "ويحنث بيابس الفواكه" بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ الْبَيْضَ ثُمَّ حَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ مَمَّا فِي كُمِّ فُلاَنِ فَإِذَا هُوَ بَيْض فَاتَّخَذَ مِنْهُ النَّاطِفَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَدْ أَكَلَ مِمَّا فِي كُمِّهِ وَلَمْ يَأْكُلِ البَيْضَ فَيَبَرَّ فِي اليَمينَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حلف رجل؛ لا يأكل البيض، ثم استقبله رجل عرف أن في كمه مأكولاً، فحلف؛ ليأكلن ما في كمه، وكان ما فيه كمه بيضًا وأراد البر في اليمنَيْنِ، فيُقَالُ: إن القفال سُئِلَ عن هذه الصورة، وهو على المنبر، وطُلِبَتْ منه حيلة للبرِّ، فلم يحْضُرْه الجواب، فقال المسعوديُّ، وهو من أصحابه -رحمهم الله-: يُجْعَلُ ذلك البَيْضُ في الناطف 3، فيأكله الحالفُ، فيكون قد أكل ما في كمه، ولم يأكل البيض، فاستُحْسِنَ منه ذلك.

وقوله: "فاتخذ منه الناطف قد لا تُسْتَحْسَنُ هذه اللفظة، وإن كان المقصود معلومًا؛ لأن الناطف لا يتُخَّذ من البيض، بل منه ومن غيره، بل من غيره، ويُجْعَلُ البيض فيه، وقوله: "فأكل منه" هذا لا يكفي لحصول البِرِّ، بل ينبغي أن يأكله كلَّه.
فُرُوعٌ: يتعلَّق بهذا النوع، نذكر مقصودها على الإِيجاز: الرُّطَب ليس بثمر والعنب ليس بزبيب، وعصير التمر ليس بتمر، وكذا دبسه والسمسم ليس بشيرج، وكذا العكوس، والرطب ليس ببسر ولا بلح، والبسر ليس برطب ولا بلح، والبسر أعظم من البلح.
ولو حلف؛ لا يأكل الرطب، فأكل المنصف، نُظِرَ؛ إن كان النصف الذي أرطب حنث، وكذا لو كل الجميع، خلافًا للإِصطخريِّ، وأبي علي الطبرِّي -رحمهما الله- وإن أكل النصف الذي لم يرطب، لم يحنث.
ولو حلف؛ لا يأكل البسر، فأكل المنصف، ففيه هذا التفصيل، والحكم على العكس.
وان حلف؛ لا يأكل بسرة ولا رطبة، فأكل منصفة لم يحنث.
ولو حلف؛ لا يأكل طعامًا؛ تناول اللفظ القوت والأدم والفاكهة والحلوى، وفي الدواء 1 وجهان: ولو حلف؛ لا يأكل قوتًا، حنث بأكل ما يقتات من الحبوب، ويحنث بأكل التمر والزبيب واللحم، إن كان ممن يقتاتها، وفي غيرهم وجهان.
ولو حلف لا يأكل إدامًا، حنث بأكل ما يُؤتَدَمُ به، سواء كان مما يُصْطَبَغُ به؛ كالخل والدبس والشيرج والسمن والمربى، أو لا يُصْطبَغُ به؛ كاللحم والجبن والبقول والبصل والفجل والثمار.
وفي التمر وجْه، والملح أيضًا أدم، وفيه وجه، وعند أبي حنيفة، لا يحنث إلا بما يُصْطَبَغُ به واسم الماء يتناول العذب والملح ومياه الآبار، والأنهار، وعن الشيخ أبي حامد: في ماء البحر احتمالان، والظاهر: التناول، ولو حلف؛ لا يشرب الماء، لا يحنث بأكل الجمد والثلج، ويحنث إذا شرب من مائيهما، ولو حلف لا يأكل الجمد والثلج، لم يحنث بشرب مائهما، والثلج ليس بجمد، وكذا العكس، ولو حلف؛ لا يأكل مما طبخه فلان، فالاعتبار بالإيقاد إلى الإِدراك، بوضع القِدْر في التنوُّر بعد التسجير، فإن أوقد فلانٌ النار تَحْت القِدْرِ حتى أدرك، أو وضع القِدْر في التَّنُّور، فأكل منه، حنث، سواء وجد نَصْب القدر وتقطيع اللحم وصب الماء عليه وجمع التوابل وتسجير التنور منه أو من غيره.

ولو أوقد فلان تحته أو وضعها في التنور مع آخر، لم يحنث؛ لأنه لم ينفرد بالطبخ، وكذا لو أوقد هذا ساعةً وهذا ساعة، قال الإِمام -رحمه الله-: ولو جلس الحاذقُ بالطبخ على القرب، وكان يستخدم صَبِيًّا في الإيقاد ويستقل ويستكثر، فهذا فيه تردُّد؛ إذ يعزى الطبخ، والحالة هذه إلى الأستاذ، ولو قال: [لا] آكل مما خبزه فلان، فالاعتبار فيه بالإِلصاق بالتَّنُّور دون العجين وتسجير التَّنّور وتقطيع الرغفان وبسطها 1. قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي العُقُودِ: فَإِذَا حَلَفَ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ لاَ يَحْنَثُ بِمَا مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ رَجَعَ إِلَيهِ بِإقَالَةٍ أَوْ رَدّ بِعَيْبٍ أَوْ قِسْمَةٍ، وَمَا مَلَكَهُ بِالسَّلَم أَوِ الصُّلْحِ عَن الدَّيْنِ فَهُوَ كَالمُشْتَرَى، وَالمَأَخُوذُ بِالشُّفْعَةِ لَيْسَ بِمُشْتَرَى، وَلَوْ اشتَرَى زَيْدٌ وَعَمْرو فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ خَلَطَ مَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ بِمَا اشْتَرَاهُ عَمْرُو حَنِثَ إِذَا أَكَلَ مِنَ المُخْتَلِطِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في النوع مسائل: أحدها: إذا حلف؛ لا يأكل طعامًا اشتراه زيْدٌ، أو مِنْ طعام اشتراه زيدٌ، أو لا يلبسُ ثوبًا اشتراه زيد، لم يَحْنَثْ بما ملكه بهبةٍ، أو إرثٍ، أو وصيةٍ، أوَ رجَعَ إلَيْهِ بردِّ عيب، أو إقالةٍ، وإن جعلْنا الإِقالة بيعًا؛ لأنها لا تُسمَّى بيعًا في العُرْف والإِطْلاق، وكذا لا يحنث بما خلُص له بالقسمة مما كان بيْنَهُ وبين غيره، وإن جعلْنا القسمة بيعًا، ويحْنَثُ بما ملكه بالتولية والإشراك، وبما ملكه بالسَّلم؛ لأنها شراءٌ في الحقيقة والإِطْلاق يُقال: اشترى كذا في عقد التَّوْلِيَةِ، واشتراه سَلَمًا، وما صالح عليه زيدٌ، عن دَيْن، حكى الإِمام عن الصيدلانيِّ -رحمهما الله- أنه لا يحنثُ به، ورأى؛ أنه يحنث، وبه أجاب صاحبُ الكتاب -رحمه الله- والظَّاهر الأولُ؛ لما ذكرنا؛ أنه لا يُسمَّى شراءً في العُرف، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" و"التتمة" والرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله-.
ولو قال: لا أدخل دارًا اشتراها زيْدٌ، فلا يحنث بالدار التي ملَكَ بعْضَها بالشُّفْعة،

ولا يحْنَثُ بما اشتراه لزَيْدٍ وكيلُهُ، ويحْنَثُ بما اشتراه زيْدٌ لغيره، بوكالةٍ أو ولايةٍ، ولو اشتراه، ثم باعه من غيره، حَنِث؛ لأنه موصوفٌ بأنه اشتراه زيد؛ وكذا لو باع بعضه، فأكل منه الحالف، ولو أكل طعامًا اشتراه زيد وعمرو، لم يحنث؛ خلافًا لأبي حنيفة؛ وسلَّم أبو حنيفة أنه لو حلف؛ لا يلبس ما اشتراه زيد، فليس ثوبًا اشتراه زيْدٌ وعمرو؛ أنه لا يحنث.
أو حلف؛ لا يأكل من قِدْرٍ طبخها زيد، فأكل من قِدْرٍ طبخها زيد وعمرو، هذا ظاهر المذْهَب، وفيه وجهان آخران: أحدهما: موافقة أبي حَنِيْفَةَ؛ لأنه ما مِنْ جزءٍ منه إلا، وقَدْ ورَدَ علَيْه شراءُ زيدٍ، وهذا ما اختاره القاضي أبو الطيب.
والثاني: أنه إنْ أكل منه النصْفَ، فما دونه، لم يحْنَثْ، وإن أكل أكثر من الصف، حنث؛ لأنا نتحقق حيئنذٍ؛ أنه أكل مما اشتراه زيد.
ولم يَفْرِقِ الأكثرون -رحمهم الله- بين أن يقول: لا آكل من طعامٍ اشتراهُ زيد، وبين أن يقول: طعامًا اشتراه زيْدٌ وخصَّص في "التهذيب" حكاية الوجْهِ بما إذا قَالَ: مِنْ طعامٍ اشتراه زيْدٌ وأطلق القول بعَدَمِ الحِنْث، فيما إذا قال: طعامًا اشتراه زيْدٌ، قال: إلا أنْ يريد ألاَّ يأكل طعامه، أو مِنْ طعامه، فيحنث بالمشترك، ولو اشترى زيد طعامًا وغيره طعامًا، وخلَطَ أحدهما بالآخر، فأكل الحالِفُ من المخلوط، ففيه وجوه: أحدها: عن الإِصطخرِّي: أنه إن أكل النصْفَ فما دونه، لم يحنث وإن أكَلَ أكثر من النصف، حَنِثَ، وهذا عند استواء القدْرَينِ؛ لأنا حينئذ نتَحقَّق؛ أنه أكل ما اشتراه زيد، ويشبه ذلك بما إذا خلطت تمرة، وحلف ألاَّ ياكلها بتَمْرٍ كبيرٍ، فإنه لا يَحْنَثُ ما أبقى تمرة؛ فإنْ أكل الجميع، حَنِث؛ لأنا نتحقق حينئذٍ؛ أنه أكل المحْلُوف عليه.
وفي "الشَّامل" أن القاضي أبا الطيِّب اختار هذا الوجه.
وثانيهما: وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا يَحْنَث، وإنْ أكل الجميع؛ لأنه لا يمكن الإِشَارَةُ إلى شيء منْه بأنه اشتراه زيد، فصار كما اشتراه زيْدٌ مع غيره.
وأصحُّهما: وبه قال أبو إسحاق: أنه، إن أكل من المخلوط قليلاً، يمكن أن يكون ممَّا اشتراه الآخر، كالحبة، والحبتين من الحنطة والعشرة، والعشرين، لم يَحْنَثُ، وإن أكل قدرًا صالحًا، كالكف، والكفين، يحْنَث؛ لأنا نتحقَّق؛ أن فيه ما اشتراه زيد وإن لم يتعيَّن لنا.
وقوله في الكتاب "حنث، إذا أكل المخلوط" يقع ظاهره على الجميع، وإذا أكل جميع المختلط، يحنث باتفاق الوجه الأول والثالث الأصح، وينبغي أن يُعْلَمَ بالواو

جارٍ التحميل