وَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ
البَابُ الأَوَّلُ فِي نَفْسِ اليَمِينِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ مَا يَحْتَمِلُ المُخَالَفَةَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَتِهِ مَاضِياً كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلاً إلاَّ فِي مَعْرِضِ اللَّغْوِ وَالمُنَاشدَةِ فَيجِبُ الكَفَّارَةُ فِي اليَمِينِ الغَمُوسِ وَإِنْ كَانَ الفِعْلُ مَاضِيًا، وَلاَ يَجِبُ فِي اللَّغْوِ وَهُوَ قَوْلُ العَرَبِ لاَ وَاللهِ وَبَلَى وَاللهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ تَحْقِيقٍ، وَلاَ يَجِبُ بِالْمُنَاشَدَةِ وَهُوَ أَنْ يُقْسِمَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجِبُ إِذَا قَالَ عَقِيبَهُ: إنْ شَاءَ اللهُ.
قَالَ الرَّافِعِي: الأصل في الأيمان آياتُ الكِتاب؛ كقوله تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] وقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: 22] وقوله ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] والسنةُ؛ كما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "واللهِ، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" 1 وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان كَثِيرًا ما يَحْلِفُ، فيقول: "لاَ وَمُقلِّب الْقُلُوبِ" 2 ورُوِي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا اجتهد في يمينه قال "وَالَّذِي نَفْسُ أَبي الْقَاسِمِ بِيَدْهِ، أَوْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ" 3 والإجماعُ؛ فإن الأَمَّةَ مطبقةٌ على انعقاد اليمين، وتعلُّق الكفَّارة بالحنث فيها, ولما كانت دلالة الكتاب والسنةِ والإِجماعِ متعاضدةً على أن لليمين انعقادًا، وأن لها، إذا انعقدت
براً أو حنثاً، ولحقتها كفارةٌ، فكان كلامُ الكتاب، دَائِرًا على ثلاثةِ أمورٍ؛ وهي اليمين والكفَّارة والحنث، عَقَدَ لكلِّ واحدٍ منْها بابًا وضمنها مقصود الكتاب.
الباب الأول في نفس اليمين، وللأئمة عباراتٌ في حقيقة 1 اليمين:
أحدُها: قال الإِمام: اليمينُ: تحقيق الشيء وتقريرُه بذكر الله تعالَى أو باسْم من أسمائه، أو بصفة من صفات ذاته نفيًا أو إثباتًا في الماضي وإقدامًا وإحجامًا في المستقبل، فقولُ الرجُل "والله، لا أدخلُ الدارَ" تقرر به نفْيُ الدخول، وقوله: "دَخَلْتُ" تقرر به الدخولُ.
وقوله: "والله، لأَدْخُلَنَّ" وقوله: "واللهِ، لا أدْخُلُ" تقرر به الإِقدام والإِحجام، وقد يعترض عليه من وجوه:
أحدُها: أن قولنا "الله" اسْمٌ من أسماء الله تعالى وقوله: "بذكر الله" يدخل في قوله "باسم من أسمائه".
والثاني: قوله "تحقيق الشيء وتقريره" يدخل فيه الماضي والمستقبل، فلا حاجة إلى ذكر الماضي والمستقبل بقوله: "نفيًا أو إثباتاً في الماضي" إلى آخره.
والثالث: إذا ذكر الماضي والمستقبل، فلا حاجة إلى يمين الماضي عن المستقبل بلفظتي النفي والإثبات في الماضي، والإقدام والاِحجام في المستقبل، بل كان بسبيل من الاقتصار على النَّفْي والإِثبات، في المَاضي والمستقبل جميعاً.
والرابع: الإقدام والإحجام يختصان بالأفعال الاختيارية، واليمينُ لا تختص بها مثْلُ أن يقول: والله، لا تَطْلُعُ الشمس غدًا، أو تطلع من المغرب.
والثانية: قال في الكتاب "وهي عبارة عن تحقيق ما يحتمل المخالفة بذكر اسم الله تعالَى أو صفته ماضيًا كان أو مستقبلاً إلا في معرض اللغو والمناشدة" ويرد عليه الوجه الثاني فإن قولَه "ما يحتمل المخالفة" يشمل الماضي والمستقبل، وأيضاً، فقوله: "في معرض اللغو والمناشدة" لا حاجةَ إليه، أمَّا اللغو: فلأنه يشبه أن يُقَال: لغو اليمين يمينٌ، لكن لا تتعلَّق به الكفَّارة، ويدل عليه قولُه تعالى: ﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] أثبت اليمين مع اللَّغْو، وأما المناشدة فلا تُحقَّق المناشدة بذكر اسم اللهِ تعالَى، وإنما يسأل من غير التحقيق، فيخرج بقوله "تحقيق ما يحتمل المخالفة" صورة المناشدة.
والثالثة: قال صاحبُ "التهذيب": "اليمين هي تحقيق الأمر أو توكيدُه بذكر اسم من أسماء الله تعالَى أو صفة من صفاته" وهذا سليم عن الوجوه السابقة، لكن يشبه أن
يُقَالَ: ذكر اسم الله أو صفة من صفاته لا يكونُ قَيْدًا في حقيقة اليمين؛ ألا ترى أنه يُقَالُ: حلَفْتُ باللهِ، وحلَفْتُ بغير الله، وفي الخَبَرِ "لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائكُمْ" 1.
وقوله في الكتاب على الأثر "فتجب الكفَّارة" إلى آخره يُشْعر بأن المقصودَ ضبطُ اليمين التي تتعلق بها الكفَّارة لا حقيقة مجرَّد اليمين.
ثم تتعلق بالضبط المذكور صورٌ يشتمل الفصْلُ عليها:
إحداها: تنعقد اليمينُ على الماضي، كما تنعقد على المستقبل، فإن كان كاذبًا، وهو عالم بالحال، فهي اليمين الغموس، سُمِّيت به لأنها تَغْمِس صاحِبُها في الإِثم أو في النار، وهي من الكبائر؛ رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الْكَبَائِرُ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتلُ النَّفسِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوسُ" 2 وتجبُ الكفارةُ بها، وتعلُّق الإِثم لا يمنع وجوبَ الكفَّارة، كما أن الظِّهَارَ منْكَرٌ من القول وزور، ويتعلَّق به الكفَّارة، وإن كان جاهلاً، ففي وجوب الكفارةِ قولان، كما لو فعل المحلوف عليه ناسياً، وقال أبو حنيفة ومالكٌ وأحمدُ -رحمهم الله-: لا يجب الكفَّارة باليمين الغَمُوس.
لنا: قولهُ تعالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89] الآيةَ تعم الماضي والمستقبل؛ لأن لفظ اليمين يقع عليها؛ ألا تَرَى أن الحُكَّامَ يحلفون على الماضي أبداً، وقال -صلى الله عليه وسلم- "واليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" 3 وأيْضاً، فإنَّه حَلِفٌ باللهِ تعالى، وهو مختار، لكنه كاذبٌ، فصار كما لو حلف على المستقبل.
الثانية: من سبق لسانه إلى كلمة اليمينِ بلا قصدٍ؛ كقوله في حالة غضبٍ، أو احتداد لَجَاج أو عجلةٍ أو صلَةِ كَلاَم: لا والله، وبلى والله، لم ينعقدْ يمينهُ، ولم تتعلَّق به الكفَّارة؛ لقوله تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ رُوِيَ عن عائشةَ -رضي
الله عنها- موقوفاً ومرفوعًا: "أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ قَوْلُ الإِنْسَانِ: لاَ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ" 1 ولو كان يحلفُ بالله على شيء، فيسبق لسانه إلى غيره، فهو في معنى لَغْو اليمين أيضاً، وإذا حلف وقال: لم أقصد اليمين، صدِّق، وفي الطلاق والعَتَاق والإِيلاء، لا يصدَّق في الظاهر، لتعلُّق حق الغير به، وقال الإِمام -رحمه الله-: في الفرق جرت العادة بإجراء ألفاظ اليمين من غير قصْدٍ، وما جرت بإجراء ألفاظ الطلاق، فدعواه أنه لم يقصد يُخَالِفُ الظاهر، قال: وفي اليمين أيضاً، لو اقترن باللفظ ما يدل على قصده، لا يُقْبل قوله على خلاف الظاهر 2.
ويجوز أن يُعلَم قولهُ في الكتاب "وهو قول العرب" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفةَ: لَغْوُ اليمين هو أن يحلِفَ على أمرٍ ماضٍ يظنه كذلك، فيتبَّينُ، خلافه، وبالميم؛ لأن أصحابنا -رحمهم الله- رَوَوْا عن مالكِ: أن لغو اليمين هو اليمينُ الغَمُوسُ، وبالألف: لأن عند أحمدَ روايتين فيه:
أحدهُما: كقولنا.
والثانية: كقول أبي حنيفةَ.
الثالثة: إذا قال لغيره: أسألُكَ باللهِ، أو أقسم عليك باللهِ، أو أقسمت عليك بالله، لتَفَعْلَنَّ كذا، فإن قصد به الشفاعة والمناشدة تقريباً للغرض، لم يكنْ ذلك يمينًا، وإن قصد القائل عَقْد اليمين عليه، لم يكن ذلك يميناً، لا في حقه ولا في حق القائل، أَمَّا في حقِّه؛ فلأنه لم يوجَدْ منْه لفْظ ولا قصد، وأمَّا في حقِّ القائل؛ فلأن اللفظ ليس صريحًا في القسم، وهو قصد عقْد اليمين على غيره، لا على نفسه، وإن قصد عقد اليمين على نفسه، كان يمينًا، كأنه قال: أسألك، ثم حَلَف أنه يفعل، والإِنسانُ قد يحلف على فعْل نفسه، وقد يَحْلِفُ على فعْل غيره، لا على نفسه وفي كتاب القاضي ابن كج وجهٌ عن ابن أبي هريرة -رحمهما الله-: أنه لا يكونُ يميناً، وإن قصد وهو ضعيف، قال في "التهذيب": ويُستحبُّ للمخاطب إبراره في قسمه؛ لِمَا رُوِيَ عن البراء
ابن عازب -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَرَ بِسَبْعٍ بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، واتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشَمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلامِ، وإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِبْرارِ الْقَسَم، وَنَصْرِ المَظْلُوَم" 1 فإن لم يفعل، وحنث الحالف، لزمته الكفَّارة، وعن أحمد -رحمه الله- أن الكفارة تكون على المُقْسَم عليه، وإن أطلق اللفظ ولم يقصد شيئاً، فهو محمولٌ على المناشدة 2.
الرابعة: يجوز تعقيب اليمين بكلمة الاستثناء، وهي "إن شَاءَ الله" رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "وَاللهِ، لأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثَلاَثاً"، ثم قال في الثالثة "إِنْ شَاءَ اللهُ" 3 وإذا عقب اليمين بها, لم يَحْنَثْ بالفعل المحلوف عليه، ولم تلزمه الكفَّارة، لما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ" 4 لأنه علَّق الفعل على مشيئة الله تعالى، وهي غير معلومة، وهل نقول: اليمين منعقدة؟ منْهم من قال: نعم، لكن المشيئة غير معلومة، فلا يحكم بالحنث، وهكذا نقَلَ القاضي الرويانيُّ -رحمه الله- ومنْهم مَنْ يطلق القول بأنها غيْر منعقدةٍ، وهكذا نقل صاحِبُ "التهذيب".
ويُشترط أن يتلفَّظ بكلمة الاستثناء، فلو نوى بقلبه "إن شاء الله" لم تغنه نيته، ولم يندفع الحنث والكفارة، وأن يكون قاصدًا إلى التلفُّظ بها، فلو سبق لسانُه إليها عن غير قصد، لم يعتد بها، ووجه بأنَّ اليمين من أصلها يعتبر فيها القصدُ، فكذلك يعتبر في
الاستثناء الواقع فيها، وأن تكونَ كلمةُ الاستثناء متصلةً باليمين، لا يتخلَّلها كلام ولا سكوت، إلا أن يسكت سكتة تذكر أو تنفُّسٍ، عَلَى ما بَيَنَّاهُ في "الطلاق".
وعن أبي حنيفة: أن سكتة التنفس تمنع تأثير الاستثناء، رواه القاضي ابنُ كج، وأن يكون عازمًا على الكلمة من ابتداء اليمين، فلو حلف، ثم بدا له أن يستثني، فأتى بلفظ الاستثناء، لم يُعتدَّ به، وإن كان موصولاً باليمين، وإن قصد الاستثناء في خلال اليمين، واستثنى على الاتصال، ففيه وجهان، ذكرناهما في كتاب "الطلاق"، وممن صحَّح هذا الاستثناء الداركيُّ والقاضيان أبو الطَّيب والرويانيُّ -رحمهم الله- وممن لم يصحِّحه أبو الحسن بن المرزُبَان والقاضي ابن كج -رحمهم الله- ولو قال: إن شاء الله، واللهِ، لأَفْعَلَنَّ، أو لا أفعل كذا، صحَّ الاستثناء، وكذا لو قدَّم كلمة الاستثناء في الطلاق والعتاق، ولا فَرْق بين التقديم والتأخير، وكذا لو قال: لفلانٍ علي إلا عشرة دراهم مائةُ درهم، وفي هذه الصورة وجه آخر في كتاب القاضي ابن كج وعن القاضي أبي الطيب: أنه لو قال: إنْ شَاءَ اللهُ، أنْتِ طالقٌ، وعبدِي حُرٌّ، لا يقع الطلاق، ولم تحْصُل الحرية، وكذا لو قال: إن شاء الله، أنتِ طالقٌ، عبْدِي حرٌّ، من غير واو؛ لأن حرف العطف قد يحذف مع إرادة العطف، ومحمد من هذا القبيل قولُنا: "التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ" وليكن هذا فيما إذا نوى صرفَ الاستثناء إليهما جميعاً، فإن أطلق، فيشبه أن يجيء خلاف في أنه يختص بالجملة الأولَى أو ينصرف إليهما جميعاً، ولو قال: أنت طالقٌ وعبدي حر إن شاء الله، فيجيء خلاف في أنه يختص بالجملة الثانية، أو ينْصَرف إليهما 1.
ولو قال 1 عبدي حُرٌّ إن شاء الله، وامرأَتِي طَالِقُ، ونوى صرفَ الاستثناء إليهما جميعاً قال القاضي ابنُ كج: يصح، وكما يجوز أن يكونَ الاستثناء متقدمًا، ومتأخرًا، يجوز أن يكون متوسِّطًا، ولو قال: والله، لأفعلن كذا، إن لم 2 يشأ الله أو إلا أن يشاء الله، ففيه خلافٌ كما سبق في قوله: "أنت طالقٌ، إن لم يشاء الله أو إلا أن يشاء الله" والأصحُّ عند القاضي ابن كج في قوله: "إلا أن يشاء الله" أنه استثناء كقوله "إن شاء الله" والذي ذكر إبراهيم المروزي فيما علَّق عنه: أنه إذا قال: واللهِ، لأفعلنَّ كذا، إلا أن يشاء الله، فإن فعل، بَرَّ في يمينه، وإن لم يفعل، حَنِثَ؛ لأن الحنث مُوجودٌ وشرطَ منع الحنث مشكوكٌ فيه، ولو قال: والله، لا أفعل كذا إلا أن يشاء الله، فإن فعل، بَرَّ في يمينه، وإن لم يفعَلْ حنث لما ذكرنا 3.
فَرْعٌ: إذا قال: واللهِ، لأدخلن هذه الدار اليوم، إلا أن يشاء زيد يعني إلا أن يشاء ألا أدخلها، فقد عقد اليمين على الدخول في الحال، وأثبت التخلُّص عنها بطريقين:
أحدُهما: أن يدخل.
والثاني: أن يشاء زيْدٌ أَلاَّ يدخلها، فإن دخلها في ذلك اليوم، بَرَّ، سواءٌ شاء زيد أم لا، وإن لم يدخلْها، فإن شاء زيد أَلاَّ يدخلها، بَرَّ أيضاً، وإن شاء أن يدخلها، حَنِث، وكذا لو لم يعرف مشيئته بأن مات أو أغمي عليه، حتى مضى اليوم، يحْنَث، هكذا نقله المُزَنِيُّ عن النص، لو قال: والله، لا أدخل إلا أن يشاء زيد أن أدخل، فان لم يدخُلْ، بَرَّ في يمينه، وإن دخل، وقد شاء فلان دخولَه قبل أن يدخل، فكذلك يَبَرُّ، وإن كان قد شاء أَلاَّ يدخل، حَنِث، ولا تغني مشيئة الدخُول بعد ذلك، وإن لم تعرف مشيئته، فرواية الربيع: أنه لا يحنث، والجوابان مختلفان والصورتان متشابهتان، لا فرق بينهما إلا أنَّ اليمينَّ في إحداهما معقودةٌ على الإِثبات، وفي الأخرَى على النفي، ومعلومٌ أن ذلك لا يقتضي اختلاف الجواب، وللأصحاب -رحمهم الله- فيهما طريقان: = إلى الجميع، ثم قال وأما الثاني مخالف لكلام الأصوليين فإنهم صوروا المسألة بالاستثناء المتعقب للجمل نعم صرح القفَّال في فتاويه بعود الصفة إلى الجميع مع المتقدم فكذا في الاستثناء.
وأما الثالث فمعلوم من قوله وهذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما جميعاً فإن أطلق فيشبه تخريجه على الخلاف، ثم قال: وأما الرابع: فيمنع منه أن الإِمام فخر الدين نقل في المحصول الإجماع على عوده في الكل وأن الخلاف فيما عدا الاستثناء بالمشيئة.
انتهى.
أحدهُما: القطعُ بأنه يحنث، ثم من هؤلاء، مَنْ حمل مرويَّ الربيع على ما إذا لم يَحْصُل اليأس عن معرفة مشيئته، ومنهم مَنْ قال: إنَّه مرجوعٌ عنه، لكن الربيعَ لم يتحقَّقه.
والثاني: أن فيهما قَولَيْن بالنقل والتخريج:
أظهرهُما: أنه يحنث؛ لأن اليمين معقودةٌ على الدخول أو تركه، ومخالفة المحلوف عليه تقتضي الحنث إلا أن مشيئة زَيْد مخرجةٌ له عن الحنث، فإذا لم يعلم حصولها، ثبت الحنث.
والثاني: لا يحنث؛ لأن الأصل براءةُ الذمَّة، وقد شككنا في حصول الحنث، كشكنا في حُصُول المشيئة، فلا نوجب الكفَّارة بالشكِّ، واعلم أن الصورة الثانية مذكورةٌ في الكتاب في آخر "كتاب الإيمان" ونعودُ إليها -إن شاء الله تعالى-.
ولو قال: واللهِ، لأدخلن، إن شاء فلانٌ أن أدخلَها، فههنا اليمين معلَّقةٌ بالمشيئة، فلا ينعقد قبل المشيئة، ولا حكم للدخول، فإذا حصلت المشيئة، انعقدت اليمين، فإن دخل، بَرَّ، وإلا، حنث، ويُنْظر؛ أَقَيَّدَ الدخول بزمان أو أَطْلَق، وعند الإِطلاق عمره وقت الدخول، فإن مات، حكمنا بالحنث قبيل الموت، وإن شاء فلان ألا يدخل أو لم يشأ شيئاً أو لم تُعرفْ مشيئته، فلا حنث؛ لأن اليمين لم تنعقد، وكذلك لو قال: والله، لا أدخل هذه الدار إن شاء فلان ألا أدخلها، فإنما ينعقد يمينه، إذا شاء فلان ألا يدخلها، والله أعلم.
وقوله في الكتاب "وهو قول العرب" يجوز أن يعلم مع الحاء والميم والألف بالواو؛ لأن في كتاب ابنِ جج أنَّ ابنَ سُرَيْجٍ قال: يُحْتمِل أن يكونَ لغْوُ اليمين عند الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- عبارةً عما إذا حلف على شيْءٍ يظنه، فتبين خلافه؛ لأنه قال: وجماع اللغْوِ الخطأُ، ولا يخفى أن لَغْو اليمين لا يختص بالعرب.
وقوله: "وهو قول العرب" كان سببه أن لغْو اليمين في كلام العَرَب أكثر وقوعًا.
وقوله: "ولا يَجِبُ بالمناشدة" يُقال نَاشَدهُ أي: ذكره الله، ونَشَدتُّكَ الله، أي: سألتُك باللهِ، أَنْشُدُ نَشْدًا كأنك ذكرته إياه، فنشد أي تذكَّر، وقيل: نَشَدتُّكَ الله، أي: سألتك بالله ترفْعَ نَشِيدي أي صَوْتِي، ويسمى طالب الضالَّة ناشدًا؛ لرفعه الصوْتَ بالطَّلَب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: بِاللهِ وَتَاللهِ وَوَاللهِ فَالْكُلُّ صَرِيحٌ، وَلَوْ قَالَ: اللهِ لأَفْعَلَنَّ كَانَ يَمِينًا، وَلَوْ قَالَ: اللهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَلَوْ حَلَفَ بِمَخْلُوقٍ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ أَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَريْءٌ مِنَ اللهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَقَوْلُهُ بِاللهِ وَبِالرَّحْمنِ
وَبِالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَمَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ اللهِ صَرِيحٌ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدتُّ باللهِ وَثَقْتُ بِاللهِ ثُمَّ ابْتَدَأْتُ لأَفْعَلَنَّ لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا، وَفِي التَّدَيّنِ خِلاَفٌ، وَلَوْ قَالَ: بِالجَبَّارِ وَالرَّحِيمِ وَالحَقِّ وَالعَلِيمِ وَالحَكِيمِ وَمَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ اللهِ أَيْضًا فَهُوَ كِنَايَةٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَحَقّ اللهِ وَحُرمَةِ اللهِ، وَلَوْ قَالَ: وَقُدْرَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ وَكَلاَمِهِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِذْ يرَادُ بالقُدْرَةِ المَقْدُورُ، وَهَذَا الوَجْهُ فِي قَوْلِهِ وَجَلاَلِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ أَبْعَدُ، وَلَوْ قَالَ: بِلَّهِ عَلَى قَصْدِ التَّلْبِيسِ وَهِيَ الرُّطُوبَةُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ نَوَى اليَمِينَ انْعَقَدَ وَحُمِلَ حَذْفُ الأَلَفِ عَلَى اللَّحْنِ، وَلَوْ قَالَ: بِالشيءِ وَالمَوْجودِ وَأَرَادَ بِهِ الإلهَ سبْحَانَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَكَذَا كُلُّ مَا لاَ تَعْظِيمَ فِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن القيود التي يشتمل الضابط المذكور عليها قولهُ: "بذكْرِ الله أو صِفَتِهِ" ويخرج به صورتان:
إحداهما: الحلف بالمخلوق مكروهٌ؛ كالنبيِّ والكعْبة وجبريل والصحابة والآل؛ رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلاَ بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلاَ تَحْلِفُوا إِلاَّ بِاللهِ" 1 وأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخطَّاب -رضي الله عنه- وَهوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ فَسَمِعَهُ يَحْلِفُ بأبيهِ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أوْ لِيَصْمُتْ" 2 قال عمر -رضي الله عنه- "فَمَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا وَلاَ آثَرًا" أي: حاكيًا عن غيري، قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- وأخشَى أن يكونَ الحَلِفُ بغيْرِ اللهِ معصيةً، قال الأصحاب -رحمهم الله-: أي محرمًا مأثومًا به وأشار إلى التردُّد فيه، قال الإِمام: الأصح القطْعُ بأنه ليس بمحرم والاقتصار على الكراهية، ومن حَلَف بغير الله، لمَ ينعقد يمينه، ولم تتعلَّق الكفَّارة بالحنث فيه خلافاً لأحمدَ في الحَلِفِ بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- خاصةً.
لنا: القياسُ على ما سلمه، قال لأصحاب: ولو أن الحالف بغَيْر الله تعالَى اعتقد في المحْلُوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالَى كَفَر، وعلى ذلك يحمل ما رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ، فَقَدْ كَفَر" 3 ويُروَى "فَقَدْ أَشْرَكَ" 4 ولو سَبقَ لسانهُ
إليه من غير قصد، لم يوصف بالكراهة، ويكون بمثابة لَغْوِ اليمين؛ وعلى ذلك يُحْمَلُ ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابيِّ الذي قال: "لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ: أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ، إنْ صَدَقَ" 1 وإلى هذا المعنى يرجع قول من قال: إنه وقع صلةً في الكلام.
الثانية: إذا قال: إن فعلتُ كذا، فأنا يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءْ من الله تعالى، أو من رسوله، أو من الكعبة، أو من الإِسلام، أو مستحلِّ الخمر والميتة، لم يكن ذلك يميناً، ولم تجب الكفَّارة بالحنث فيه، خلافاً لأبي حنيفة وأحمدَ -رحمهما الله- واحتج الأصحاب بأنه قولٌ عَرِبِيٌّ عن اسم الله تعالى وصفته، فلا ينعقد اليمين به، كما لو قال والسماءِ والأرضِ، ولَعَمْرِي وأبي، وبأن المحلوف حرامٌ، فلا ينعقد به اليمينُ، كما لو قال: إن فعلتُ كذا، فأنا زانٍ أو سارقٌ، وربما خُرِّج الخلافُ على حقيقة اليمين، فعندنا يُعتبر فيه ذكر الله تعالَى، ولم يُوْجَدْ عند أبي حنيفة أنَّ اليمين هي تحقيقُ الوعيد بما يكفر بضده، فقول القائل: واللهِ، لأَفعلن كذا، يتضمن تَعْظيمَ الله تعالَى، والإنسانُ يَكْفُر بضدِّه، وقوله: إن فعلتُ كذا، فأنا يهوديٌّ، يتضمن تعظيمَ الإِسلام وإبعاد النفسِ عن التهوُّد، وضدُّه الرغبة في التهود والرضا به وهو كفر، هذا إذا قصدَ القائل تبعيد النفس عن ذلك، فأما من قال ذلك على قَصْد الرضا بالتهوُّد وما في معناه، إذا فعل ذلك الفعْل، فهو كافرٌ في الحال 2, ثم الكلام في القيد المذكور يتعلَّق بفصلين: = كفر وأشرك، قال البيهقي: لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر، قلت: قد رواه شعبة عن منصور عنه، قال كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش عن سعد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر.
أحدهُما: قال أهل اللسان: حُرُوفُ القَسَم ثلاثةٌ، وهي الباء والواو والتاء، قالوا: والأصل الباء، وهي من صِلَةِ الحلِف أو الإقسام، فكان الحالف يقول: حلَفْتُ، أو أقسمت، أو يآلَيْتُ بالله، ثم لما أكثر الاستعمال، وفُهِم المقصود، حُذِفَ الفعل، ويلي الباء الواوُ، وآية قُصُورها عن الباء أن الباء تدْخُل على المُضمَر، كما تدخل على المُظْهَر؛ نقول: بِكَ وَبِهِ، لأفْعَلَنَّ كذا، بخلاف الواو، ويلي الواوَ الباءُ، وقد تقام الباء مُقَام الواو، كما في تُخْمة، وهي من الوَخَامة، وتُرَاث، وهو من قولهم وَرِثَ، وآية قصورها: أنها لا تدخل من الأسماء إلا على الله 1، كما قال تعالَى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ﴾ [يوسف: 85] وقال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] ولا تدخل على سائر الأسماء، فإذا قال: تَاللهِ، لأفعلن كذا، فإن نوى اليمين، فلا شك أنه يمين على ذلك الفعل، وإن أطلق، فكذلك؛ لاشتهار الصيغة في الحلف عرفاً وشرعاً، وإن نوى غير اليمين؛ بأن قال: أردتُّ وثِقْتُ بالله أو اعتصمت بالله، أو أستعين بالله، أو أُومِنُ، ثم ابتدأت: لأفْعَلَنَّ، فالذي أورده أصحابُنا العراقيون -رحمهم الله- وعليه جرى صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرُهم -رحمهم الله- أنه لا يكون يمينًا، وتصير النية صارفةً إلى المحلِّ المذكور؛ لاحتماله، واستبعد الإِمامُ ما ذكروه، وعدَّه زللاً منهم، أو خللاً من ناسخ، ونُقِلَ أنه لو نوى غير اليمين، وادعى التورية 2، لم يُقبل ذلك فيما يتعلَّق بحق الآدميين، كما في صورة الإِيلاء، وهل يُقْبل فيما بينه وبين الله تعالَى؟.
عن القاضي الحُسَيْن: القطعُ بأنه لا يُقْبلُ أيضاً، وعن الشيخ أبي محمَّد الفوراني أن فيه وجهين:
أحدُهُمَا: القبولُ، كما لو قال لزوجته: أنتِ طالقٌ وزعم أنه أراد طلاقًا من وثاق، فإنه يَديَّنُ، وبل أولَى؛ لأن الطلاق أسرعُ نفوذًا.
والثاني: المنعُ؛ لأن الكفَّارة تتعلَّق باللفظ المحترم الذي أظهره ثم خالفه، وإظهار ما يخالف اللفظ لا يسقط ما ذكرناه من إظهار اللفظ ومخالفته، وحَكَى القاضي ابن كج:
أن من الأصحاب مَنْ لم يفرِّق بين قول الحالف: تالله، وبين قوله: بالله، هذا يقتضي إثباتَ الخلاف في كونه يميناً عند الإِطلاق، كما ستعْرِفه في قوله: تالله، والأكثرون جَرَوْا على ما قدَّمناه، وأشار جماعة في قوله: واللهِ، لأفْعَلَنَّ 1 إلى أنه يمين بكل حال، ولكن الأشبه أنه كقوله: بالله، وقد يقول المتلفِّظ به: أردت؛ واللهُ المستعان، ثم ابتدأت بـ"لأفعلن"، وليس في ذلك إلا لحنٌ في الإعراب، وسيأتي له نظائر، وأما إذا قال: تالله، لأفعلن، وليس في ذلك كذا، فالمنصوص هاهنا وفي "الإِيلاء": أنه يمين، وعن نصه في "القَسَامة": أنه ليس بيمين، وفيه طرق للأصحاب:
أحدها: إثبات قولين في المسألة:
أحدهما: أنه يمين؛ لأنَّه مستعمل في القرآن والعرف لليمين، فصار كقوله: باللهُ ووالله.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّه لم يَشْتَهِر اشتهار الباء والواو، ولا يَعْرِفُ القسمَ به كثيرٌ من الناس.
والثاني: أنه ليس بيمين في "القسامة"، وهو يمين في غيرها، وفرقوا من وجهين:
أحدهِما: أنه يُثْبِت في القسامة حقًّا لنفسه من قصاص له ودية، فلا يُقْنَع منه إلا بلفظ قويٍّ مشهور في اليمين وفي الإيلاء وسائر الأيمان، وذكْرُهُ الامتناعَ من الفعل أو الإِقدام عليه يدلُّ على قصد اليمين.
والثالث: وهو الأظهر، وبه قال أبو الطَّيب وأبو حفص وأبو إسحاق -رحمهم الله- القطع بأنه يمينٌ، وذكرنا لما نقل عن القسامة تنزيلين:
أحدهما: أنه وقع في الرواية تصحيفٌ، وإنما ذكر الشَّافعي -رضي الله عنه- ذلك في الباء المنقوطة باثنتين من تحْتها يدل عليه؛ أنه علَّل، فقال: لأنَّهُ دعاء، ثم منْهم من ينزل إيراده على أنه أراد ما إذا قال: يالله على النداء، ومنهم مَنْ قال: أراد يَالَلَّهِ، بفتح اللام، وقال: أراد دعاء الاستغاثة، وهذا أشبهُ وأقرب إلى التصحيف.
والثاني: حمله على ما إذا قال القاضي: قل: بالله، فقال: تالله، فلا يُحسب ذلك؛ لأن الحَلِفَ ينبغي أن يكونَ على وفْق التحليف؛ ولذلك نقول: لو قال: قل: بالله، فقال: بالرحمن، لا يُحسب يمينُه، وعلى عكسه، لو قال: قل: تالله، فقال: بالله، فعن القَفَّال، أنه يكون يميناً؛ لأنه أبلغُ وأكثرُ استعمالاً في اليمين، ولو قال: قل: بالله، فقال: واللهِ، قال الإِمامُ؛ فيه تَرَدُّدٌ؛ لأن الباء والواو لا تكادان تتقاربان في مجرى
الكلام، ولا يمتنع ألا يحنث؛ للمخالفة، وهذا المعنى يجيء في الصورة المنقولة عن القفَّال، واعلم أن الخلافَ المذكورَ فيما إذا قال: تالله، ولم يقصد اليمين ولا غَيْرَ اليمين، فأمَّا إذا نوى به غير اليمين، فإنه لا يكونُ يميناً بلا خلاف، كذلك ذكره العراقيون، والقاضي الرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله- 1.
وعلى هذا، فقولُهُ في الكتاب "فالكلُّ صريح" معناه أنه يُؤثِّر من غير نية ويجوز إعلامه بالواو؛ لما تبين، وقد يفيد صريح الطلاق والعتاق بما يُؤثِّرُ فيهما، وان نوى غيرَهما, ولا يمكن أن في حمل لفظُ الصريحِ على مثله هاهنا.
ولو قال: واللهُ، بالرفع، فهو يمينٌ سواءٌ نغَّمَه، أو لَمْ ينغمه، والخطأ في الإعراب لا يمنعُ انعقادَ اليمينِ، وكذا لو قال: واللهَ، نصب الهاء، ذكره في "البيان" وحُكِيَ عن القفَّال في قوله "واللهُ" بالرفع: أنه لا يكون يميناً إلا أن ينوي به اليمين، ولو حذف حرف القسم، فقال: اللهِ، لأفعلنَّ كذا، ونوى اليمين، فهو يمين، وكذا لو نصب أو رفع، ويحتج له بما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال، في حديث رَكَانَةَ: "الله، مَا أَرَدَتِّ إِلاَّ وَاحِدةً" 2 رواه صاحبُ "البيانِ" بالرفع والقاضي الرُّويانيُّ بالجر، ورُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لابن مسعود -رضي الله عنه-: "اللهَ، قَتَلْتَ أَبَا جَهْلٍ" بالنصب، وإن أطلق، فالمشهور في الرفع أنه لا يكونُ يمينًا، وان كان يحتمل اليمين، فيحتمل ابتداء الكلام أيضاً، فلا يكونُ يميناً إلا بالنية، وفي "البيان" وجهٌ أنَّه لا يكون يميناً، كما سنذكر -إن شاء الله تعالى- في النصب والجر، وفي النصب والجرِّ وجهان:
أظهَرُهما: أنه لا يكونُ يمينًا، أيضاً، ووجِّه بأن العادة لم تستمر بالحلف، كذلك، ولا يعرفه إلا خواصّ الناس.
والثاني: أنه يمينٌ، وبه قال أحمدُ، وحكاه ابنُ الصَّبَّاغ عن أبي جعفرِ الاستراباذيِّ، ورواه القاضي الرويانيُّ في "البحر" عن أبي جعفر الترمذيِّ -رحمهم الله- ووجِّه بأن حروف القسم تظهر تارةً، وتحذف أخرَى ويقتصر على إضمارها، وبهذا أجاب صاحبُ الكتاب -رحمه الله- هاهنا وفي "الوسيط" في صورة الجرِّ، والأول أرجح عند المعظم، منهم صاحب الشامل وصاحب"التهذيب" وصاحب "التتمة" -رحمهم الله-، والخلافُ على ما تبيَّن حاصلٌ في الأحوال الثلاث، لكنَّ الجَرَّ أولاها بأن يكونَ يميناً؛ لإِشعاره
بالصلة الخافضة، ويليه النصب، وربما يقال: إنَّه نصب بنزع الخافض، ويليه الرفع، وبحَسَب هذه المراتب، قد يرتب الخلافُ على الخلافِ، ولو قال: "بلّه" 1 فشدد اللام وحذف الألف بعدها، فهو غَيْرُ ذاكر لاسم الله تعالَى، ولا حالفِ، فإن البلَّةَ هي الرطوبةُ، ولكن إن نوى بما ذكره اليمينَ بالله تعالَى؛ فعن الشيخ أبي محمد: أنه يكونُ يمينًا ويحمل حذف الألف على اللَّحْنِ 2، وبهذا أخذ صاحبُ الكتابِ والإمامُ -رحمهما الله- وعضَّده بأن الكلمة تجري كذلك على أَلْسِنَةِ العوامِّ والخواصِّ، وقد يَستجير العرب حذف الألف في الوقْف؛ لأن الوقف يقتضي إسكانَ الهاء، وإذا اجتمع ساكنان في الوقْف، جاز أن يحذف أحدُهُما، وقوله في الكتاب "على قصد التلبيس وهي الرطوبة" هذا التفسير غيرُ محتاج إليه بل إذا لم يقصد اليمين، لا يكونُ ما أتى به يمينًا، وإن لم يقصد التلبيس، ولم يرد الرطوية.
الفصل الثاني: للأصحاب في ضبط ما يُحْلَفُ به طريقان:
أحدهما: وهي أقرب إلى سياق "المختصر": أن اليمين لا ينعقد إلا إذا حَلَف باللهِ أو باسْمٍ من أسمائه أو صفة من صفاته، وأرادوا بالقسم الأولِ أن يذكر ما يفهم منْه ذاتُ الله تعالى فلا يَحْتَمِلُ غيره منْ غيْرِ أن يأتي باسمٍ مفردٍ أو مضافٍ من أسمائه الحسنَى؛
كقوله: والذي أعبده أو أسْجُدُ له أو أصلِّي له، أو الذي فالِقِ الحبة، أو نفْسِي بيده، أو مقلب القلوب، ينعقد يمينه، سواءٌ أطلق، وقصد البارئ تعالى أو غيره، وإذا قال: قصدت غيره، لم يقبل ظاهرًا، وكذا لا يُقْبل فيما بينه وبين الله تعالَى على المشهور، وذُكِر فيه وجهٌ ضعيفٌ.
وأما القسم الثاني: وهو الحَلِفُ بالأسماء، ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يختص بالله تعالَى، ولا يُطْلقُ في حق غيره، كالله والإِلَهِ، والرَّحْمن، وربِّ العالمين، ومالك يوم الدين، وخالِقِ الخلْقِ، والحيِّ الذي لا يموت، والأولِ الذي ليس قبله شيءٌ، والواحدِ الذي ليس كمثله شيْء، فحكْمُ الحِلفِ به حكْمُ الحلف بالقِسْم الأول، وفي كتاب القاضي ابن كج: أن الحلف بالأسماء ليس بصريح إلاَّ باسم واحد، وهو الله، وهذا غريبٌ، ومحمد الإِمام -رحمه الله- الخالق، والرازق من هذا النوع، ألحقهما الأكثرون بالرحيم وسائر ما يذكر في النوع الثاني؛ لأنهما يُطْلَقَان في حق غير الله تعالَى، يُقال: فلان خالق الكَذِب، وقال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17] ورازق الجيش وقال تعالَى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: 5] وصاحب الكتاب اتبع فيه الإِمام، فليعلم الاسمان بالواو، وليعرفِ الحال فيهما.
والنوعُ الثاني: ما يُطلق في حقِّ الله تعالَى، وفي حق غَيْره، لكنَّ الغالبَ استعمالُه في حقِّ الله تعالَى، وأن يقيد في حق غيره بضَرْبٍ من التقييد، كالرحيم، والجهار، والحق، والرب، والمتكبر، والقادر، والقاهر فإنْ حلف باسم منها وأطلق وأراد به الله تعالَى، فهو يمين، وإن أراد به غيره، لم يكن يمينًا؛ لأنه قد يُسْتعملُ في حقِّ غيره، فيُقال: فلانٌ رحيمُ القلب، وجبَّارٌ، ورب إبل، ومتكبرٌ وقادرٌ على هذا، وقاهر لفلان، ويجوز أن يعلَم قولُه و"الرحيم" بالواو؛ لأن القاضي ابنْ كَج كأنه جعله كالرحمن، وعدَّه في النوع الأول، وكذلك حكاه القاضي الرويانيُّ عن القاضي الطبري، وغلط فيه.
وأن يعلم قوله "فهو كناية" لأن ابنَ كج رَوَى عن بعض التصانيف أن الحلِفَ بأي اسم كان من الأسماء التسْعة والتسعين التي ورد بها الخَبَرُ لا فرق بين بعضها وبعض.
والنوع الثالث: ما يطلق في حق الله تعالَى وفي حق غيره، ولا يَغْلِبُ استعمالُه في أحد الطرفين كالشيء، والموجود، والمؤمْن، والكريم 1 وما أشبهها، فلا يكون يمينًا، إن نوى به غير الله تعالَى، أو أطلق، فإن نوى الله تعالَى، فالذي أورده صاحبا "التهذيب"
و"المهذب" -رحمهما الله- وغيرهما: أنه يكونُ يمينًا؛ لاحتمال اللفظ، وضمَّنه النية، وفي شرح الموفَّق بن طاهر: أن صاحبَ "التقرِيب" وأبا يعقوب حكياه عن شيوخ الأصحاب -رحمهم الله- وقطَعُوا به، والأظهر، وبه أجاب الشيخ أبو حامد وابن الصبَّاغ والعراقيون وتابعهم الإِمام وصاحبُ الكتاب -رحمهم الله- أنه لا يكون يمينًا، ووجَّهوه بأن اليمين إنما تنعقد إذا حَلَف باسم معظَّم والأسامي التي تطلق في حق الخالق والمخلوق إطلاقًا واحداً ليس لها حرمةٌ ولا عظمة، فلا ينعقد بها اليمين 1، واعلم أن صاحبَ التهذيب عدَّ السميع، والبصير من النوع الثاني، ويشبه أن يكونا من هذا النوع، وأن صاحبَ الكَتاب عَدَّ الحكيم والعليم من النوع الثاني، ويشبه أن يُعَدَّا من هذا النوع أيضاً، ويدل عليه أن "العالِم" في "التهذيب" يندرج في هذا النوع، والله أعلم.
والقسم الثالث: الحلف بالصفات، ونتكلم في صور منها على الأثر، هذه طريقة في الضبط.
والثانية: وهي أقصدُ: أن اليمين، إنما تنعقد، إذا حلف الحالف بما مفهومه ذاتُ الله تعالَى أو صفةٌ من صفاته، ويندرج في الأول القسمانِ الأولان في ذلك القِسْم، وأما الكلام في الصورة المتعلقة بالصفات.
فمنها: إذا قال: وحق 2 اللهِ، لأفعلنَّ كذا، فقد حَكَى الإِمام فيه وجهين متصورة منهما، والمذكور في الكتاب: أنه كناية فلا يكونُ يميناً إلا إذا انضمَّت إليه النِّيَّةُ؛ لأن حق الله تعالى يُطْلق على العبادات التي أَمَرَ بها ويُطلَقُ بمعنى استحقاقه الألوهية والعَظمة، والتَّعَالي، فلا يصير يميناً إلا بالنية، ويُروَى هذا عن أبي حنيفة، وعن المُزنِّي في "مسائله المنثورة" ورواه شارح "مختصر الجويني" من أبي إسحاق:
وأظهرهما: وهو المنصوص، والذي يوجد للجمهور -رحمهم الله- أنه يمين، وإن أطلقه، ولم يكن له نيةٌ، وإنما ينصرف عن اليمين، إذا نوى فيه غير اليمين، وبه قال مالك وأحمدُ -رحمهما الله-، أما كونه يمينًا عند الإِطلاق، فقد وُجِّهَ بطريقين:
أشهَرُهُمَا: أنه غلب استعماله في اليمين، فتصير هذه الغلبة قرينةً صارفةً للفظ إلى معنى استحقاق الألوهية والعَظَمَة.
والثاني: في "البيان": أن أبا جعفر الاستراباذيَّ -رحمه الله- قال: حقُّ الله تعالَى هو القرآن، قال الله تعالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: 51] يعني: القرآن، والحلِفُ بالقرآن يمينٌ في صورة الإِطلاق، فكذلك ما نحن فيه، وأما انصرافه عن اليمين، إذا نوى به غير اليمين؛ فلاحتمال اللفظ له، وفي "التتمة": أنه لو قال: وحقُّ اللهِ، بالرفع، ونوى اليمين، فهو يمين، وإن أطلق، فلا، وإن قاله بالنصب، وأطلق، فوجهان وقد سَبَق نظير هذا في الحلف باسم الله، والذي أجاب به في "التهذيب": المنع في صورة النصب أيضاً، ولو قال: وحرمة الله، ففي النهاية حكايةُ طريقَيْن فيه:
أحدهما: أنه، كما لو قال: وحقِّ الله، وحرمةِ اللهِ؛ خلافَ ما أجاب به في الكتاب.
ومنها: لو قال: وقدرةِ الله، وعلم اللهِ، ومشيئةِ اللهِ، وسَمْعِ اللهِ، وبصَرِ اللهِ، فهذه صفات قديمة، فإذا قصد الحالفُ بها اليمين أو أطلَقَ، انعقدت يمينه، ولو قال: أردتُّ بالعلم المعلومَ وبالقدرةِ المقدور، قُبِلَ، ولم يكن يمينًا؛ لأن اللفظَ مُحْتَمِلٌ، كذلك يُقال في الدعاء: اغفر عِلْمَكَ فينا، أَي: معلومك، ويُقال: انظر إلى قدرةِ اللهِ تعالَى أي مَقْدُورِهِ، فيكون كما لو قال: ومعلومِ اللهِ ومقدورِ اللهِ وخَلْقِ اللهِ ورزقِهِ، وذلك ليس بيمين، وبمثله أجاب الإمامُ في إحياءِ اللهِ، ولو قال: وعظمةِ الله، وكبرياءِ الله، وعزته، وجلالهِ، وبقائهِ، فالحكَمُ كما في العلّم والقدْرة، ولم يفرقوا بين الصفات المعنوية الزائدة على الذات وغيرها، هذا هو المذْهَبِ الظاهرُ، ونُقِلَ الإِمامُ وراءه وجهين:
أحدهُما: إن الحَلِفَ بهذه الصفاتَ نازِلٌ منزلةَ قوله "بالله" بالرحمن، ونحوهما حتى لو قال: أردت به غير اليمين، لا يقبل ظاهراً.
والثاني: إن أراد غير اليمين، يُقبل في العلْم والقدرة؛ للاحتمال المذكور، ولا يُقبل في الجلال والكبرياء والعظمة؛ إذ لا يتخيل فيها مثلُ ذلك الاحتمال، وضعف هذا الوجه الفارق، فقال: قد يقول الإنسان عاينت كبرياء الله وعظمته، ويريد مثل ذلك، وعند أبي حنيفة قولٌ القائلِ "وعلمَ الله" ليس يمينًا، وقوله "وقدرة الله" يمينٌ، ولو قال: أردتُّ غير اليمين، لم يُقْبَلُ، وعن أحمد: القدرة مثله.
ومنها: لو قال: وكلام وكتاب اللهِ، انعقدت اليمين، كما لو حلف بالعلْم والقدْرة وبمثله أجاب صاحبُ "التهذيب" فيما إذا قال: وكتاب الله وقرآنِ الله، وإبراهيم المَرُوْزي -رحمه الله- فيما لو قال: والقرآنِ، وإنما هو مثبتٌ في المصْحَف، وقال الشيخ أبو سعد المتوَلّي في "التتمة": إذا حلف بالمُصْحَف، فإن قال: وحرمةِ ما هو مكتوبٌ فيه، فهو يمين، وكذا لو قال: وحرمةِ هذا المصْحَف؛ لأن احترامه؛ لما هو مكتوب فيه،
وإن أراد الرّقَّ والجلْدَ، لم يكن يمينًا 1 وإذا قال: والقرآنِ، وأراد غير اليمين، لم يكن يمينًا وقد يراد بالقرآن الخُطْبة والصلاةُ، وعند أبي حنيفةَ: قولُ القائل "وكلام اللهِ" ليس بيمين بحال، وتكلَّموا في سببه، قيل؛ لأن القرآن عنده مخلوقٌ وقِيلَ: لم يقل بخلِق القرآن، لكن قال: لا نعهَدُ الحلف به.
وقوله في الكتاب "فهو كناية على أحد الوجهين" لم يكن تفسير الكناية هاهنا بما يتوقَّف تأثيره على النية، بخلاف قوله قبله "فهو كناية" لأن الحلف بالصفات يمينٌ عند الإِطلاق، ولا يَتوقَّف على النية، ولا يوجد فيه خلافٌ في كتب الأصحاب -رحمهم الله- ويصح تفسيرها هاهنا بأنه ينصرف عن اليمين بالنية، وهو الوجه المشهور ويجيء فيه ما رواه الإِمام -رحمه الله- وقولهُ "وهنا الوجه في قوله: وجلالِ اللهِ، وعظمتِهِ، وكبريائِهِ" يعد إشارةٌ إلى الوجه الفارق بينها وبين العلْم والقدرة، ويجوز أن يعلَمَ قوله: "فهو كناية" بالحاء والألف؛ لما حكينا من مذهب أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- أن اللفظ لا ينصرفُ عن اليمين بالنية في قوله: "وقدرة الله".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أُقْسِمُ أَوْ أَحْلِفُ بِاللهِ أَوْ أَقْسَمْتُ بِاللهِ وَنَوىَ الوَعْدَ أَوِ الإخْبَارَ قُبِلَ، وَمُطْلَقةُ يُنَزَّلُ عَلَى اليَمِينَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَشْهَدُ، وَفِي لُزُومِ الكَفَّارَةِ بِهِ عَلَى المُلاَعِنِ وَجْهَانِ كَمَا فِي الإِيَلاءِ، وَكذَلِكَ قَوْلُهُ وَأيْمُ اللهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ صَرِيحٌ، وَقَوْلُهُ: لَعْمرُ اللهِ كِنَايَةٌ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ مسألتان:
إحداهما: إذا قال: أقسم بالله، أو أحلف بالله أو أقسمت بالله، أو حلفت بالله، فله أحوال:
أحداها: أن يقول أردتْ بالأولِ الوعدَ بالحَلِف، وبالثاني الإِخبارَ عن حلفٍ ماضٍ، فيُقْبل في الباطن، وأما في الظاهر، فإن علم أن له يمينًا ماضيةً، قُبل قولُه: إني أردتها بأقسَمْتُ بلا خلاف، وإلا، فالنص أنه يُقْبَلُ قوله أيضاً في إرادة الوعْد أو الإخبار عن الماضي، فقال في "الإِيلاء": إذا قال: أقسمتُ باللهِ، لا وَطِئْتُكِ، ثم قال أردتُّ يمينًا
في زمانٍ ماضٍ، لم يُقبل قوله، وفيها ثلاث طرقٍ للأصحاب -رحمهم الله-:
أشهرها: أن في الإِيلاء وسائر الأيمان قولَيْن بالنقل والتخريج:
أحدهما: أنه لا يُقْبل قولهُ؛ لأن قول القائل: أقسمت بالله أو أُقْسِم باللهِ إنشاء يمينِ في العُرْف، والشرع، فلا يُقبل منه صرْفُه إلى الماضي، كما أن قوله: "أنت طالق" لِمَا كان إنشاءَ طلاقٍ لم يُقْبَل قوله إذا قال: أردت طلاقًا سابقًا.
وأصحُّهُما: وهو المذكور في الكتاب: القبول؛ لظهور الاحتمال.
والثاني: القطعُ بالمنع، وحمل ما ذكر هاهنا على القبول الباطِنِ.
والثالث: تقرير النَصَّيْن، والفرق أن الإيلاء متعلِّق حقِّ المرأة، وحقوق الآدميين ممَّا يضايَقُ فيه، وسائر الأيمان الحكْمُ فيها بالكفارة، وهي حقُّ الله تعالَى.
والثانية: أن يقول: أردت اليمين؛ فيكون يمينًا لا محالة.
الثالثة: أن يطلِقَ، فلا ينوي شيئاً، وهل يكون يمينًا، والحالة هذه؟.
أطلق مطلقون؛ منْهم أبو يعقوب الأبيوردي فيه خلافاً، ثم منْهم من يقول: وجهان، ومنهم من يقول: قولان، ويوجَّه المنْعُ بأن صلاحية "أقسمْتُ" للماضي، "وأُقْسِم" للمستقبل ظاهرةٌ فلم يأت بلفظ صريح في الإِنشاء، ويوجه كونه يمينًا بأن العُرْف مُطَّرِدٌ باستعمال اللفظين في إنشاء اليمين، وذكر جماعة في كيفية تولُّد هذا الخلافٍ، منْهم القاضي ابنُ كج وأبو بكر الطوسيُّ -رحمهما الله- أن ظاهر نصه في "الأيمان" أنه ليس بيمين عند الإِطلاق، ونص في "الإيلاء" على أنه يمينٌ، فتصرف فيهما متصرِّفون بالنقل والتخريج، وفَرَق فارِقُون بمثَل ما سَبَقَ في الحالة الأُولَى، والأصحُّ من الخلاف عند الإِمام أنه ليس بيمين، وبه أجاب الصيدلانيُّ، وعند المعْظَمِ: أنه يمينٌ، ولم يتعرض كثيرون لحكاية الخلاف فيه، وعن بعض الأصحاب: أنه لا فرْقَ بين قوله: "أقسمت" فلم يجعله صريحاً عند الإِطلاق، وبين قوله: "أقسم" فجعله صريحًا، وهو ضعيف 1.
الثانية: إذا قال: أشهدُ بالله أو شهدِتُّ بالله، فإن نوى اليمين، فهو يمين، وقد ورد الشرع بهذه اللفظة بمعنى اليمين؛ قال تعالَى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1] والمراد نَحْلِفُ، ولذلك قال تعالى على الأَثَرِ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 2] وإن أراد غير اليمين، فلا يكون يمينًا، وهذا قد يكون لإِرادة غير القسم؛ بأن يريد الإِيمان بالله تعالَى والشهادة بوحدانيته، وقد يكون لإِرادة الوعد
والإخبار عن الماضِي مع إرادة القَسَم، كما ذكرنا في قوله: "أقسم باللهِ وأقسمت" وإن أطلَق، ففيه طُرقٌ:
أشهرها 1: أن في كونه يمينًا وجهين: وجهُ كونِهِ يمينًا ورود الشرع بالشهادة بمعنى القَسَم؛ قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] واللعان يمينٌ، ووجه المنع: أنَّه لم يطرد به عرف اللغة ولا الشَّرعِ، ويحتمل أن يريد؛ أشهد بوحدانية الله تعالَى، ثم يبتدئ؛ لأفعلَنَّ كذا، على هذا ينطبق كلامُ الكتاب؛ فإنه قال في "أقسم أو أقسمت": "إن مطلقه ينزل على اليمين على أحد الوجهين"، ثم قال: "وكذلك قوله: أشهد" فأشعر العطْفُ بطرد الوجهين، لكنهم رجَّحوا هاهنا الوجه المذاهب إلى أنه ليْس بيمين، لتردُّد الصيغة بخلاف صنيعهم في قوله: "أُقْسِم وأقسمْتُ".
والثاني: عن أبي إسحاق: القطع بأنه يمينٌ.
والثالث: عن أبي الطيب بن سلمة: القطْع بأنه ليس بيمين، ونسبه الإِمام إلى العراقيين.
ولو قال: أعزم بالله أو عزمت بالله، لأفعلن، لم يكن ذلك يميناً، ولا ورد الشرع به، لكن، إن نوى به اليمين، فهو يمين؛ لاحتمال أن يريد الإِخبار عن عزمه، والحَلِف على المعزوم عليه.
ولو قال: أُقْسِم، أو أقسمْتُ، أو أحلفُ، أو حلَفْتُ أو أَشْهَد أو شَهِدتُّ أو أعزِمُ أو عزمْتُ، لأفعلَنَّ كذا, ولم يقل: بالله، لم يكن يميناً سواء نوى اليمين أم لا؛ لأنه لم يحلفْ باسمِ الله تعالَى ولا صفة من صفاته، وعند أبي حنيفة: هو يمين، إذا نوى اليمين أو أطلَقَ، وعند مالك: إن نوى اليمين، فهو يمين، وإن أطلق، فلا، وعن أحمد روايتان كمذهبهما.
ثم في المسألة فروعٌ تتعلَّق باللعان؛ وهو أن الملاعن، إذا قال في لعانه: أشهد باللهِ، وكان كاذبًا، هل تلزمه الكفَّارةُ؟ فيه وجهان عن رواية صاحبِ "التقريب":
الأظْهَرُ: الوجُوبُ، وقرب الإِمام الخلافَ من الخلاف في أن المولَى هل تلزمه الكفَّارة إذا وطئ، ووجه الشبه أن الإيلاء لاقتضائه الفراقَ وإفضائه إليه جعل في قول خارجاً عن الأيمان المحضة، فكذلك اللعان؛ لاقتضائه الفراق، وذكر أن التصوير فيما إذا زعم أنه قصد اليمين أو أطْلَق، وجعل مطلقه يميناً، قال: ويمكن أن يجيء الخلاف، وإن قصد غير اليمين؛ لأن ألفاظ اللعان معروضةٌ عليه في مجْلسِ الحُكمٍ، ولا أثر للتورية في الأيمان الجارية في مجلس الحكم، ولك أن تقول: إنما لا يؤثِّر القصد والتورية في الأيمان المعروضة في مجْلس الحُكْم في الأحكامِ الظاهرةِ، والكفَّارةُ حكْمٌ
بينه وبين الله تعالَى، فيشبه أن يُقَال: لا يلزمه، إذا لم يقصد اليمين.
الثالثة: إذا قال: وَايْمُ الله، لأفعلنَّ كذا، أو وَايْمَنُ اللهِ، فإن نوى به اليمين، فهو يمين، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "وَايْمُ اللهِ، إِنَّهُ لَخَلِيقٌ بِالإِمَارَةِ" 1 وإنْ أطلق، ولم يَنْوِ 2 شيئاً، فوجهان:
أحدهما: أنه يمينُ، لكثرة استعماله في اللغة يميناً، وقد ذكر أن أصل "ايْمُ اللهِ" "ايْمُنُ اللهْ" وأن الأيمن جمع اليمين، وأن التقدير: وَايْمُنُ الله قسمي، فكأنه قال: حلفت بالله.
وأظهرُهما: المنعُ؛ لأنه لا يعرفه ولا يستعمله إلا خواصُّ الناس، ولذلك قال الأصحاب: لو قال: لاَهَا الله 3، ولم يُردِ اليمينَ، لا يكون يمينًا، وإن كان يستعمل يمينًا في اللُّغَة؛ لعدم اشتهاره 4 ويعبر عن الوجه الأول بأنه صريحٌ، وعن الثاني بأنه كنايةٌ.
فقوله في الكتاب وَقِيلَ: إنَّه صريحٌ كالمستغنى عنه: لأن الظاهر من قوله وكذلك قوله "وايمُ الله" رد العطف إلى الوجهين السابقين في قوله "ومطلقة يَنْزِل على اليمين على أحد الوجهين".
الرابعة: إذا قال: لعَمْرُ اللهِ، لأفعلنَّ كذا، فإن أراد به اليمينَ، فهو يمين، والمراد منه البقاءُ والحياةُ، وهو قريب من العُمر لكنه في هذا الموضع لم يجئْ إلا مفتوح العَيْن، ونذكر أن المعنى لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي أو ما أقسم به، وإن لم ينوِ شيئاً، وأطلق، ففيه وجهان:
أظهرهُما: أنه ليس بيمينٍ؛ لأنه كما يُطلق بمعنى البقاء، يُطْلِق بمعنى العبادات والمفروضات.
والثاني: أنه يمين؛ لاشتهاره في اليمين لغةً، وبهذا قال أبو حنيفةَ وأحمدُ، وبه قال ابن سُرَيْجٍ -رحمهم الله- في جوابات الجامع الصغير، وأبو الطيب بن سلمة، واختاره صاحبُ "الإفصاح" 1، ومما يناسب هذه الصورةَ، إذا قال: عليَّ عهدُ اللهِ وميثاقُه وأمانَتُه وكفالَتُه، لأفعلن كذا، فإن أراد اليمينَ، فهو يمين، والمراد من عهده استحقاقه لإيجاب ما أوجب علينا وتعبَّدنا به، وإن أراد غير اليمين، لم يكن يميناً، والمراد العبادات التي أُمرنا بها، وإذا أطلق، فعلى وجهين:
عن أبي إسحاق: أنه يمين؛ للعادة الغالبة، وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ -رحمهما الله- والأظهر خُلافه؛ لِتردُّد اللفظ، وبالعبادات فُسِّرت الأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: 72] وإذا أراد اليمين بهذه الألفاظ فتنعقد يمين واحدة، والجمع بين الألفاظ تأكيدٌ، كما لو قال: واللهِ الرحمنِ الرحيمِ، ولا يتعلَّق بالحنث إلا كفارةٌ واحدةٌ، وقال مالكٌ: يتعلق بكلِّ لفظٍ كفارةٌ، ولك أن تقول: إن قصد بكلِّ لفظٍ يمينًا، فليكن كما لو حلف على الفعْل الواحد مراراً 2.
ولو قال: وعهدِ الله وميثاقِ الله وأمانةِ اللهِ، قال في "التتمة" إن نوى به اليمين، فهو يمين، وإن أطلق فلا؛ خلافاً لأحمدَ، وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أن العهد والأمانة يمينٌ، بخلاف الميثاق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلاَةٌ لَزِمَهُ الوَفَاءُ عَلَى قَوْلٍ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ شَفِىَ اللهُ مَرِيضِي أَوْ ذَكرَ حُصُولَ نِعْمَةٍ أَوْ دَفعَ بَلِيَّةٍ، وَعَلَى قَوْلٍ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لأَنَّ مَقْصُودَهُ المَنْعُ وَيَجْرِي فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ امْتِنَاعُهُ، وَعَلَى قَوْلٍ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الوَفَاءِ وَالكَفَّارَةِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ فَعَلَيَّ نَذْرٌ فَهُوَ كَقَوْلهِ عَلَيَّ عِبَادَةُ إِنْ أَوْجَبْنَا الوَفَاءَ وَعَلَيْهِ تَعِيْنُ عِبَادَة يَلْزَمُ مِثْلُهَا بِالنَّذْرِ، وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى القَوْلِ الآخَرِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: فَعَلَيَّ يَمِينٌ فَهُوَ لَغْوٌ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَوْ قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ فَهُوَ لَغْوٌ، وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أتصَدَّقَ، وَقِيلَ: هُوَ كَجَعْلِ الشَّاةِ ضَحِيَّةً فَتَصِيرُ صَدَقَةً وَالظَّاهِرُ أَنَّه لَغْوُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: صورة الفرْع أن يمنع نفْسه مِن فعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك، وهذا التصوير قد يُقالُ له: يمين الغضَب واللَّجَاج، ويُجْعل قسيمًا لسائر الأيمان، بصيغته المشهورة، وكذلك جعل صاحبُ الكتابِ الباب في "الوَسيط" فصْلين:
أحدهما: في صيغ الإيمانِ الصرائحِ منْها والكنايات.
والثاني: في يمين الغَضَب واللَّجَاج، وهو ما رسمه فرعًا هاهنا، وقد يُقال له: نذر الغَضَب واللَّجَاج، ويُجعل قسيمًا لنذر التبررة وهو التزام القربة، إما ابتداءً أو معلَّقًا بنعمة يبغيها أو بزوال نقمة يرجو كشْفَها, وله الكتاب المفردُ التالِي لـ"كِتَابِ الأيمان"، وربما سُمِّيَ يمين الغلق ونذر الغلق، إذا عرفت ذلك، فهذا قال: إن كلمتُ فلاناً أو أكلتُ كذا أو دخلت الدار أو إن لم أخرج من البلد، فلله عليَّ صوم شهر أو صلاةٌ أو حجٌ، أو إعتاق رقبة ثم إنَّه كَلَّمه أو أكل أو دخل، أو خرج، فقد رُوِيَ فيما يلزمه ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنه يلزمه الوفاء بما التزم؛ لأنه التزم عبادة في مقابلة شرط، فتلزمه عند وجود الشرط، كما لو قال: إن شَفَى اللهُ مَرِيضِي، أو رزقَنِي ولداً، فلله عليَّ كذا.
والثاني: أن عليه كفارةَ يمينٍ؛ لما رُوِيَ عن عقبة بنِ عامر -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيمِين" 1 وعن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها سُئِلَتْ عمن جعل ماله في رتاج الكَعْبَة، إنَّ كَلَّمَ ذَا قَرَابَةِ لَهُ، فَقَالَتْ "يكَفِّرُ مَا يُكَفِّرُ اليَمِينَ" والمعنى فيه أن المقصود إذا قال: إنْ كلَّمتُ فلانًا، فعلَّي كذا، منع النفس منه، ومن قوله: إن لم أخرج من البلد، حمل النفس على الخروج، فكأن كاليمين في غرض المنع والحَمْلِ، فيكون موجبه موجب اليمين.
والثالث: وبه قال أحمد -رحمه الله-: إنه يتخيَّر بين الوفاء بما التزم وبين أن يُكفِّر كفارةً يمينٍ؛ لأنه يشبه النذْر من حيْثُ إنَّهُ التزم قربةً، واليمينُ من حيث إنَّ مقصودَه مقصودِ اليمين، فلا سبيل إلى الجَمْع بين موجبيهما, ولا إلى تعطيلهما، فوجب التخيير، هذا هو الطريق المعتد، والأقوال معزيَّةٌ إلى نصوص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في مواضعَ وصور مختلفة، ويُقال: إن قول التخيير مخرَّجٌ غيرُ منصوص، ثم إيراد العراقيين من الأصحاب يقتضي أن يكونَ المذهبُ التخييرَ، لكن الأصحَّ على ما ذكر صاحبُ "التَهْذيب" وإبراهيمُ المروزي والموفَّق بن طاهر وغيرهم -رحمهم الله-: وجوبُ الكفارة، ووراء ذلك طُرُقٌ:
أحدها: القطعُ بالتخيير.
والثاني: عن العبَّادي: نفي التخيير، والاقتصار على القولَيْن الأَوَّلَيْن.
والثالث: الاقتصار على التخيير، ووجوبُ الكفَّارة، ونفْيُ القول الأول.
والرابع: الاقتصار على التخيير، ووجوب الوفاء، ونفي القول الثاني؛ وهو وجوب الكفارة، وهذا يوافق ما حكاه الصيدلانيُّ وغيرة عن القفَّال؛ وهو أنه كان يذكر قولَي الوفاء والتخيير، ولا يذكر قول وجوب الكفَّارة، ولكن رُوِيَ أن أبا الربيع لا يلاقي قال: سَمِعْتُ الحُلَيْمِيَّ -رحمه الله- يَقُوْلُ فِي نَذْرِ اللَّجَاج: يتعيَّن عليه كفَّارةُ اليمينِ، قلت: منصوصُ الشَّافعي -رضي الله عنه- هُوَ؟ قال: نعم، فلما رجعتُ إلى مرو حكيتُه للقَفَّال، فلم يصدِّقني، ثم إنه طالع الكتب تلْك الليلة، فلما جلس في الغدِ للدَّرْس قال: أسهرتْنِي البارحةَ، قد طالعت الكتب فالمسألة منصوصة، كما قال الحُلَيْمِيُّ فلعل ما يُنسب إلى القفَّال، كان قبل هذه الحكاية.
ويجوز أن يُعلَم لهذه الطرق قوله في الكتاب "علَى قول" أولاً وثانياً وثالثاً بالواو.
وعن أبي حنيفة ثلاثُ روايات كالأقوال، لكن الأشهر والمختار عند أصحابه قولُ وجوب الوفاءِ، فليعلَم الآخران بالحاء، وليعلَم الأولان بالألف: لما مرَّ.
التفريع: إن قلْنا بوجوب الكفَّارة، فلو وفَّى بما التزم، فهل تَسقط الكفَّارة؟ في "شرح مختصر الجُوَيْنِيِّ" -رحمه الله- ذكَرَ وجهين فيه، والظاهِرُ: المنعُ، فإن كان الملتَزَم من جنْس ما يتأذى به الكفارةُ، فالزيادة، على قدْر الكفَّارة تقع تطوُّعًا، وإنْ قلنا: يتخير، فلا فرق بين الحجِّ والعمرة وبين سائر العبادات، وخرج قول أنه يلزم الوفاء بهما، بخلاف سائر العباداتِ؛ لعظم أمرهما، كما يلزمان بالشرْع.
وإذا كان قد التزم على وجْه اللَّجَاجِ إعتاق عبد بعينه، فإن قلنا: عليه الوفاءُ بما التزم، أعتقه كيف كان، وإن قلْنا: عليه كفارةُ يمينٍ، فإن كانت بحيث تجزئ عن الكفَّارة، فله أن يعتق غيره، وأن يعتقه أو يُطْعِم أو يكْسُوَ، وإن كانت بحيث لا تجزئ، واختار الإعتاق، أعتق غيره وإن قلْنا: يتخير، فإن اختار الوفاء، أعتقه كيف كان، وإن اختار التكفير، اعتبر في إعتاقه صفاتُ الأجزاء، وإن كان قد التزم إعتاقَ عبيده، فإن أوجبنا الوفَاءَ أعتقهم، وإن أوجبْنا كفارةَ اليَمين، أعتق واحداً.
ولو قال: إن فعلتُ كذا، فعبدي حُرٌّ، نزل العتقُ إذا فعلَه بلا خلافٍ.
ولو قال: إن فعلتُ كذا، فعليَّ أو فلِلَّه عليَّ نذْرٌ، فالحكاية عن النص: أنه يلزمه كفارة يمين، وبهذا أجاب صاحبُ "التهذيب" وإبراهيمُ المروزي -رحمهم الله- واحتج له بما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" 1 وعن القاضي الحُسَيْن
وغيرِه: أن هذا مفرَّعٌ على قول وجوب الكفارة؛ أما إذا أوجبنا الوفاءَ، فيلزمه قربة من القُرَب، والتعيين إليه، وليكن ما يعينه مما يلزم بالنذر، وعلى قول التخيير يتخير بين ما ذكرنا، وبين الكفَّارة.
وقوله في الكتاب "وإن فرعنا على القول الآخر" يعني قول وجوب الكفَّارة.
ولو قال: إن فعلْتُ كذا، فعليَّ كفارة يمين فالواجب كفارة يمين عَلى 1 الأقوال كلِّها.
ولو قال: فعلَيَّ يمين أو فللَّه عليَّ يمين، فالظاهر أنه لغو، فإنه لم يأتِ بنذر ولا بصيغة اليمين، وليست اليمينُ مما يلزم في الذمة، وفيه وجه؛ أنه يلزمه كفارةُ يمين، إذا فعله، ويُجْعل اليمين التي هي سببُ الكفارةِ عبارةً عن المسبب، قال الإِمام -رحمه الله-: وعلى هذا، فالوجه أن يُجْعل كنايةً، ويرجع إلى نيته.
ولو قال: نذرت لله، لأفعلن كذا، فإن نوى اليمين، فهو يمين، وإنْ أطلق، ففيه وجهان، أوردهما الفورانيُّ وصاحبُ "التهذيب" وأجريا فيما لو قال (ازخداى يزيرختم) 2، وينبغي أن يجعل هذا نَذْرًا، أو ينظر في الملتَزَم؛ أهو طاعةٌ أم لا؟ ويجري في كل قسم حكمه.
وعن الشيخ أبي محمد: أن صاحبَ الغَلَق، إذا ذكر أجناساً من القُرَب مثْل أن يقول: إن دخلْتُ الدار، فلله علي حَجٌّ وعتقٌ وصدقةٌ، فيحتمل أن يعدد ذلك الكفَّارة، إذا قلْنا تجب الكفَّارة، والظاهرُ الاتحاد، فإنا، إذا لم نوجب الوفاءَ، فلا نظر إلى الملتَزَم تعدَّد أو اتَّحَدَ.
وفي "التهذيب": أنه لو قال ابتداءً: للهِ عليَّ أن أدخل الدار اليوم، فالمذهب أنه يمين، وعليه كفارة اليمين إن لم يدخل، وكذا لو قال لامرأته: إن دخلتُ الدار، فلله عليَّ أن أطلقك، فهو كقوله: إن دخلتُ الدار فوالله لأطلقنَّك، حتَّى لو مات أحدهما قبل التطليق، يلزمه كفارة يمين، ولو قال: إن دخلتُ الدارَ، فلله عليَّ أن آكل الخبز، فدخل الدار، فالمذهب أن عليه كفارةَ اليمين، وفيه وجهٌ: أن ذلك لغْوٌ لا يجب به شيء، ولك أن تقول: الملتَزَمُ في هذه الصور فعلٌ مباحٌ، والصيغةُ صيغةُ نذرٍ، وسيأتي في "كتاب النذر" القولُ فيما إذا نَذَر مباحاً.
وإذا قال الرجل ابتداءً: مالِي صدقةٌ أو في سبيلِ اللهِ، فعن القاضي الحُسَيْن: أنه لغو؛ لأنه لم يَأْتِ بصيغة التزام، وهذا ما أورده صاحبُ الكتاب أظهر، وقال في "التتمة": إن كان المفهوم من اللفظ في عُرفْهم معنى النذر أو نواه، فهو كما لو قال:
عليَّ أن أتصدق بمالي، أو أنفقه في سبيل الله، وإلا، فلا حكْمَ له، وعن الشيخ أبي محمَّد -رحمه الله-: فيه وجهان:
أحدهما: أنه كما لو قال: عليَّ أن أتصدَّق بمالي، فيلزمه التصدُّق.
والثاني: أن ماله يصير بهذه اللفظة صدَقةً، كما لو قال: جعلت هذه الشاة ضحيَّةً وخرَّج الإمامُ وصاحبُ الكتاب -رحمهم الله- على هذا الوجْهِ ما إذا قال: إن فعلتُ كذا فما لي، صدقةٌ، والمعتمد الذي نقله الجمهورُ -رحمهم الله- ونص عليه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- أنه إذا قال: إن كلَّمتُ فلاناً أو فعلْتُ كذا، فمالي صدقةٌ، فهو بمثابة قوله: فعليَّ أن أتصدَّق بمالي أو بجميع مالٍ؛ لأنه الذي يسبق إلى الفَهْم من هذه اللفظة، وحينئذٍ، فطريق الوفاء أن يتصدَّق بجميع أمواله، وإذا قال: في سبيل اللهِ، يتصدَّق بجميع أمواله على الغُزَاة، كما لو قال: إن شفَى اللهُ مريضي، أو رجع غائِبِي، فلله عليَّ التصدُّق بجميع مالٍ، فشُفِي، وقال أبو حنيفة: عليه أن يتصدَّق بأمواله الزكاتية دون غيرها، فإن لم يكن له إلا المالُ الزكاتيُّ، أمسكَ قدْر النفقة، فإذا أيسر، أخرج بدَلَه، وقال مالكٌ: يلزمه أن يتصدَّق بثلث ماله، ويكفيه ذلك، وهذه رواية عن أحمد -رحمه الله-.
واعلمْ أن الصيغة قد تتردَّد، ويحتمل نذر التبرُّر ونذْر اللَّجَاجِ، والرجوع فيه إلى قصد الشخْص وإرادته، وفرَقُوا بينهما بأنه في نذْر التبرُّر يرغب في السبَبِ، وهو شفاء المريض مثلاً بالتزام المسبَّب، وهو القربة المسمَّاة، وفي نذْر اللَّجاج يرغب عن السبب؛ لكراهية الملتَزَم، وذكر الأصحاب في ضبطه: أن الفعل إما طاعةٌ أو معصيةٌ، أو مباحٌ، والالتزام في كل واحد منهما تارةً يعلَّق بالإِثبات، وأخرَى بالنفي، أمَّا في الطاعة، ففي طرف الإثبات يتصوَّر نذر التبرر؛ بأن يقول: إن صليتُ، فلله عليَّ صوم يوم، أي: إن وفقني الله للصلاةِ، صمْتُ، فإذا وفَّق لها, لزمه الصوم، ونذْرُ اللَّجاج؛ بأن يُقال له صلِّ، فيقول لا أصلِّي، وإن صلَّيتْ فعلي صومٌ أو عِتْقٌ، ففيما يلزمه، إذا صلى الأقوال، وفي طرف النفي لا يتصوَّر نذر التبرُّر؛ لأنه لا برَّ في ترك الطاعة ويدخُله نذْر اللَّجاج؛ بأن يمنع من الصلاة، فيقول: إن لم أصلِّ، فلله عليَّ كذا، فإذ لم يصلِّ، ففيما يلزمه الأقوال، وأما المعصيةُ، ففي طرف النْفِي يتصوَّر نذر التبرر؛ بأن يقول: إن لم أشرب الخمر، فعلَيَّ كذا، يريد؛ إن عصمني الله عنه ونذر اللجاج؛ بأن يمنع من شربها، فيقول: إن لم أشرْب، فلله عليَّ عتق أو صدقة وفي طرف الإِثبات، لا يتصوَّر إلا نذْر اللَّجاج؛ بأن يؤمر بالشرب، فيقول: إن شربت فلِلَّه عليَّ كَذا، وأما المباحُ فيُتصور في طرفي النفْي والإِثبات فيه النوعان معاً، فالتبرُّر في الإثبات مثل أن يقول: إن أكلتُ كذا، فلله على صوم، يريد إن يسَّره الله لِي، ونذر اللَجاج بأن يؤمر بأكله،
فيقول: إن أكلتُ، فلله عليَّ كذا، والتبرر بالنفّي؛ بأن يقول: إن لم اكُلُ كذا، فعليَّ صومٌ، يريد؛ إن أعانني الله على كَسْرِ شهوتي، فتركته، وهذا واللجاج؛ بأن يمنع من الأكل؛ فيقول: إن لم آكُلْ، فللَّهِ عليَّ كذا، وفي "الوسيط" أن من الأصحاب -رحمهم الله- من منع التبرُّر في المباحات، لماذا قال: إن رأيتُ فلانًا، فلله عليَّ صوم أو حجٌّ، فإن أراد؛ إن رزقني الله رؤيته، فهو نذْر تبرُّر وإن ذَكَرَهُ لكراهته رؤيته، فهو نذْر لجاج.
فرعان:
الأول: لا فرق في جميع ذلك بين أن يقول: فعلَّيَّ كذا، وبين أن يقول: فلله عليَّ، وفي وجه: إذا لم يذكر الله، لم يلزمه شيء.
والثاني: لو قال: أيمان البيعة لازمةٌ لي، فقد ذكر الأصحاب -رحمهم الله- أن البيعة في زمان رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كانتْ بالمصافحةِ، فلما وُلِّيَ الحجاجُ، رتَّبها على أيمان تشتمل على ذكْر اسمِ الله تعالَى، وعلى الطلاق والعَتَاق والحَجِّ وصدقةِ المال، فإن لم يرد القائل الأيمان التي رتَّبها الحجَّاجُ، لم يلزمه شيء، وإن أرادها، نُظر؛ إن قال: فطلاقها وعتاقها، انعقدت يمينه بهما, ولا حاجة إلى النية، وإن لم يصرح بذكرهما ونواهما، فكذلك؛ لأنهما ينعقدان بالكناية مع النية، ولا تنعقد اليمين بالله تعالَى على ما بيَّنَّا نظائره.
البَابُ الثَّانِي فِي الكَفَّارَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي السَّبَبِ وَالكَيْفِيَّةِ وَالمُلْتَزَمِ، أَمَا السَّبَبُ فَهُوَ اليَمِينُ (ح) وَلَكِنْ يُوجَبُ عِنْدَ الحِنْثِ، وَفَائِدَتَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا (ح) بَعْدَ اليَمِينَ عَلَى الحِنْثِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الكَفَّارَةُ صَوْمًا أَوْ كَانَ الحِنْثُ مَحْظُورًا فَفِيهِمَا وَجْهَانِ، وَيَجُوزُ كَفَّارَةُ القَتْلَ بَيْنَ الجَرْحِ وَالمَوْتِ، وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالعَوْدِ، وَالْحَنِثُ لاَ يَحْرُمُ بِاليَمِينِ لَكِنَّ الأوْلَى أَلاَّ يَحْنَثَ إلاَّ أَنْ يَكُونَ الخَيْرُ فِي الحِنْثِ، وَقِيْلَ: الأولَىَ أن يَحْنَثَ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النظر في الكفَّارة في ثلاثَة أمورٍ، في سبب وجوبِها، وفي كيفيتِهَا في نَفْسها، وفيمن تَلْزَمُه.
أما الأول، فقد نقل جماعة من الأصحاب، منْهم القاضي الرويانيُّ وجهين في أن سبب الكفارة 1 ماذا؟ أحدهما: أن سبَبها اليمينُ، إلا أنها توجَبُ عند الحنث، كما
........................ = الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} الآية.
بين الله سبحانه وتعالى أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها وأن اليمين المنعقدة فيها المؤاخذة وهي الكفَّارة فكان ذلك دليلاً على مشروعية الكفَّارة عند الحنث في اليمين.
وأما السنة: فما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفِّر عن يمينك" فأنت تراه -صلى الله عليه وسلم- بين أن الحالف إذا أراد أن يفعل ما حلف على عدم فعله لأن المصلحة في فعله له ذلك وعليه أن يكفر عن يمينه.
فأفاد أن الكفارة في اليمين مشروعة عند الحنث فيها.
وأما الإِجماع: فقد اتفقت كلمة المسلمين سلفًا وخلفاً على أن الكفَّارة في اليمين بالله مشروعة ولا نعلم من يخالف في ذلك.
واختلفت كلمة العلماء في سبب كفارة اليمين.
فمنهم من قال: "إن السبب هو الحنث، وأما اليمين فسبب بعد الحنث، وشرط قبله للانعقاد وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه وداود الظاهري.
ومنهم من قال: "إن السبب هو اليمين، وأما الحنث فشرط أو سبب، وعليه المالكية والشافعية والحنابلة وربيعة والأوزاعي".
ثم اختلفوا بعد ذلك في نوع اليمين التي هي سبب أو شرط في الكفارة ومن المتفق عليه بين العلماء: أن الكفارة لا تجب في كل يمين، فإن الأيمان منها ما هو يمين بالطلاق أو العتاق، ومنها ما هو يمين بالله -تعالى- وهي المشروعة؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفوا بِآبَائِكِمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمَتْ"
ويقول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرِحمن بن سمرة "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غِيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ".
من هذين الحديثين وأمثالهما: يعلم أن اليمين التي تشرع فيها الكفارة: هي اليمين بالله -تعالى-، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جعل اليمين المعتبرة هي اليمين بالله -تعالى- كما هو مقتضى الحديث الأول.
ثم قال لعبد الرحمن بن سمرة "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا... الخ" فعلم من ذلك: أن الكفّارة إنَّمَا تكون في اليمين المشروعة له والمعتبرة عندهم، وهي اليمين بالله -تعالى- فلا كفّارة في غيرها، كاليمين بالطلاق أو العتاق، وإنما فيها تنفيذ ما حلف به، وهو الطلاق أو العتق، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.
غير أن اليمين بالله -تعالى- منها ما هو يَمينُ لَغْوٍ، وما هو يمين منعقدة كما تقدم.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا كفّارة، في يمين اللّغو، سواء تعلقت بالماضي أو بالحال أو بالاستقبال؛ لقوله -تعالى-: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ...﴾ الآية فقد فسر -سبحانه وتعالى- المؤاخذة بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.. الآية، فعلم من ذلك: أن المؤاخذة المنفية في اللغو هي الكفارة، وذلك يفيد بظاهره أن يمين اللغْوِ لا كفَّارة فيها من غير تفصيل.
وقالت المالكية: "إن تَعَلّقت بغير المستقبل، فلا كفَّارة فيها، وإن تعلّقت به، ففيها الكفَّارة، لشبهها باليمين المنعقدة من حيث إن فيها انتهاكًا لِحُرْمَةِ التعظيم بحلفه على ما يجهله من غير أن يتثبت في ذلك.
وقد اختلفوا في تفسير اللغو:
فمنهم من قال: هو ما جرى على لسان الحالف من غير قصد "كَلاَّ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ، وهم =
..................... = الشافعية ورواية عن أبي حنيفة، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة -رضي الله عنهم- والشعبي وعكرمة وعطاء والقاسم وغيرهم، وسواء تعلق عندهم بالماضي أو بالمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ...﴾ الآية يقال: "لَغَا يَلْغُو، وَلَغَا يَلْغَا إِذا تكلّم بما لا حقيقة له، ولا قصد له فيه، وقد ذكر في التفسير هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد، كقوله: "لاَ وَاللهِ، وَبَلَى وَالله" قال الأزهري: اللغو في كلام العرب على وجهين:
أحدهما: فضول الكلام، وباطله الذي يجري على غير عقد.
والثاني: ما كان فيه رفث وفحش ومأثم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: ما يؤثم.
وقالت عائشة -رضي الله عنها- إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَعْنِي فِي اللَّغْو في الْيَمِين"، هُوَ كَلاَمُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: "لاَ وَاللهِ وَبَلَى وَاللهِ"، أخرجه أبو داود، ورواه الزهريّ وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول عن عطاء عن عائشة موقوفًا.
وقالت المالكية: هو الحلف على شيء يعتقده الحالف "أي: يغلب على ظنِّه فيظهر له خلافه"، وهو مذهب الحنفية.
وحجتهم في ذلك: "أن قوماً تَرَاجعوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهم يرمون بحضرته، فحلف أحَدُهُمْ لقَدْ أَصَبْتَ وَأَخْطَأتَ يِا فلان، فهذا الأَمْرُ بخلاف ذلك.
فقال الرجل: حَنَثَ يَا رَسُولُ اللهِ.
فقال -صلى الله عليه وسلم-.
أَيْمَانُ الرَّمَاةَ لَغْوٌ لاَ حَنَثَ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ"، فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يمين من حلف، وهو ظانه أن الأمر على ما حلف، فهذا هو بخلافه يمين لغو لا كفّارة فيها، وذلك مفيد أن لغو اليمين هو ما تقدم.
وقالت الحنابلة: هو ما جرى على اللسان من غير قصد أو الحلف على شيء يعتقده، فيظهر له خلافه، ودليلهم ما تقدم للشافعية والمالكية والحنفية.
وإذا نظرنا إلى دليل كل وجدنا أن اللغو الذي ينبغي أن يعتبر هو: ما جرى على اللِّسان من غير قصد فقط.
لأن هذا هو معنى اللغو في اللغة، والألفاظ تحمل على معانيها اللغوية، ما لم يرد عن الشرع ما يحملها على خلافه، ولم يرد عنه ما يُخَالِفُ ذلك، بل وَرَدَ ما يعضده فقد أَجَابَتْ عائشة -رضي الله عنها- حِينَمَا سُئِلَتْ عَنِ اللَّغْوِ في اليمين بأنه هو كلام الرجل في بيته.
"لاَ وَاللهِ وَبَلَى والله"، ووافقها على ذلك كثير من الصحابة والتابعين، فإن كان هذا القول قالته عن سماع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فالحجة فيه واضحة، وإن كان قولاً منها، فهو تفسير لصحابي يعرف معاني الألفاظ اللغوية، والمعاني الشرعية، وقوله مقبول.
وأما حديث الرّماة: فقد قال الحافظ فيه: أنه لا يثبت؛ لأنه من مراسيل الحسن، وهو ممن لا تعتبر مراسيله؛ لأنه كان لا يتحرى الثقة.
اليمين المنعقدة: الناظر في الآية الكريمة ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ...﴾ الآية يرى أن اليمين قسمان لا ثالث لهما فما خرج من اللغو دخل في الانعقاد وتثبت فيه الكفَّارة سواء تعلق بالماضي أو بالحال أو بالاستقبال وإلى هذا ذهب الشافعي ولذا جعل اليمين الغموس يميناً منعقدة وأثبت فيها الكفارة من غير تفصيل.
ووجهته في ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الأيمان قسمين: لغوا ومنعقدة وما سوى اللغو منعقدة وفيها الكفارة بقوله سبحانه {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ =
....................... =مَسَاكِينَ...} الآية.
وبقول عائشة: أيمان اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاح.
والحديث الذي لا يعقد عليه القلب.
وأيمان الكفارة كل يمين حلف على وجه من الأمر في غضب أو غيره ليفعلنَّ أو ليتركنَّ فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة فالآية الكريمة تعم الماضي والمستقبل وتعلق الإِثم لا يمنع الكفارة كما أن الظهار منكر من القول وزور وتتعلق به الكفَّارة.
وقالت الأئمة الثلاثة الأيمان ثلاثة: لغو ومنعقدة وهو الحلف على أمر مستقبل ليفعلنَّ أو ليتركن، وغموس، وهو ما كان الحالف بها عالماً بكذبه فيما حلف عليه.
فقالت الحنفية والحنابلة لا كفارة فيها سواء تعلقت بالماضي أو بالحال لقوله -صلى الله عليه وسلم- "خمس من الكبائر لا كفارة لهن.
الإِشراك بالله تعالى، والفرار من الزحف وبهت المؤمن، وقتل المسلم بغير حق، والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم".
وقالت المالكية اليمين الغموس إن تعلقت بالحال أو الاستقبال ففيها الكفارة ولعل وجهتهم في ذلك أن اليمين عند تعلقها بالماضي يكون الكذب فيها محققًا والذنب فيها عظيماً فتصير أكبر من أن تعمل فيها الكفَّارة.
أما عند تعلقها بالحال أو بالاستقبال فيكون الأمر على خلاف هذا فتصبح قريبة من اليمين المنعقدة وتأخذ حكمها فتعمل فيها الكفارة.
وبالنظر في أدلة كل نرى أن القول بعدم الكفارة من غير توبة في يمين الغموس هو الراجح لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبر بصريح العبارة بأنه لا كفارة فيها.
وأما استدلال الشافعية بشمول الآية لها مطلقاً لغير ظاهر لما تقدم من الحديث وأما تفرقة المالكية في اليمين الغموس بين الماضي والحال والمستقبل فدعوى يعوزها الدليل ويردها قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- "خمس من الكبائر لا كفارة فيها.. الخ" وعد منها اليمين الغموس لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يفرق في الغموس بين الماضي وغيره فالتوبة مسقطة لحق العبد والكفارة دمشق المولى سبحانه.
في اليمين هل هو اليمين فقط والحنث يكون شرطأ في وجوبها وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء منهم مالك والشافعي وأحمد وربيعة والأوزاعي وابن حزم.
أو السبب هو الحنث واليمين شرط لانعقاد السبب سببًا وإلى ذلك ذهب أصحاب الرأي منهم الإِمام الأعظم أبو حنيفة وأصحابه وداود الظاهري.
وقَد تفرع على هذا الخلاف جواز تقديم الكفارة على الحنث وعدم جواز ذلك، فجمهور العلماء لما قالوا إن اليمين سبب للكفارة والحنث شرط فيها أجازوا تقديم الكفَّارة على الحنث لأن تقديم الشيء على شرطه بعد حصول سببه أمر معروف في الشرع ومعهود فيه ألا ترى أن الزكاة يجوز تقويمها على الحول بعد وجود سببها وهو ملك النصاب.
وأما أصحاب الرأي الثاني القائلين بأن السبب هو الحنث واليمين شرط فلم يجيزوا تقديم الكفَّارة على الحنث لأن تقديم الشيء على سببه لا يجوز وهم يرون أن الحنث هو سبب الكفارة لا شرط فيها ولكل وجهة نذكرها فيما يأتي:
يرى الجمهور أن الكفَّارة أضيفت إلى اليمين في لسان الشرع وأهل اللغة والعرف فالله تعالى يقول: ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾.
وأهل اللغة والعرف يقولون كفارة اليمين لا كفارة الحنث والإضافة تقتضي أن يكون المضاف إليه سبباً للمضاف متى كان المضاف حكماً شرعيًا أو متعلق حكم شرعي ولا شك أن المضاف هاهنا =
...................... = متعلق الحكم الشرعي لأن الكفارة متعلق الحكم الشرعي الذي هو الوجوب فتكون الإِضافة دليلاً على أن اليمين هي سبب الكفَّارة ومتى ثبت ذلك جاز تقويم الكفارة على الحنث لأن تقويم الشيء على شرطه بعد حصول سببه لا مانع منه شرعاً.
يويد ذلك ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير".
وبما رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفَّرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" أو أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني فأنت ترى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الأول يقول لعبد الرحمن: فكفِّر عن يمينك ثم أثبت الذي هو خير.
وهذا يفيد بظاهره أنه يجب تقديم الكفارة عن الحنث ولا يصح تأخيرها إلى ما بعد الحنث ولكن هذا الظاهر مصروف عن ظاهره بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي موسى الأشعري "إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني، فإن قوله عليه الصلاة والسلام هذا يدل على جواز تقديم الكفارة على الحنث كما يدل على جواز تقديم الحنث على الكفَّارة.
ويؤخذ من الحديثين معاً أن الكفارة تجوز قبل الحنث ويعده، فمن منع تقديمها على الحنث يكون محجوجًا بهذه الأحاديث كما يكون مججوجًا بها من منع التكفير بالصوم وهم الشافعية لاستدلالهم بهذه الروايات في البعض دون البعض.
وجهة أصحاب الرأي.
ووجهة أصحاب الرأي ومن ذهب مذهبهم أن الكفارة قد أضيفت إلى اليمين وتلك الإضافة من إضافة الشيء إلى شرطه لا إلى سببه كإضافة الكفارة إلى الإِحرام في قولنا كفارة الإحرام، وإضافة الصدقة إلى الفطر في قولنا صدقة الفطر.
وإضافة الشيء إلى شرط وإن كانت مجازية لأن الأصل إضافة الشيء إلى سببه إلا أنه يجب المصير إلى المجاز هاهنا لأن القرينة تمنع من جعل اليمين سببًا للكفارة إذ لو كانت سببًا لها لكانت مفضية إليها إذ السبب ما أفضى إلى المسبب مع أن اليمين لم تفض إلى الكفَّارة لأنها منعقدة للبر مانعة من الحنث محرمة له فكيف تكون سببًا له ولهذا لا تجب الكفارة إلا بعد انتقاض تركيب اليمين بالحنث ويستحيل أن يقال في شيء إنه سبب لحكم لا يثبت ذلك الحكم إلا بعد انتقاضه فتعين أن يكون الحنث هو السبب ولو كانت اليمين هي السبب لأفضت إليها في كل يمين ولا قائل بذلك بخلاف الحنث.
ويؤيد ذلك أن الكفَّارة إنما شرعت لستر الجناية غالبًا والجناية لم تحصل باليمين وإنما حصلت بالحنث فناسب أن تقع بعده لتستر تلك الجناية التي حصلت به ويرد ذلك بأن اليمين سبب إذا لم يفقد الشرط وهو الحنث لأن فقد الشرط مانع ودعواهم أن السبب هو الحنث يتأتى فيه هذا لأنه ليس دائماً مفضيًا، وإذا كان الافضاء في الجملة كافيًا فهو موجود في اليمين.
ويرد أيضاً بأننا ما دمنا متفقين على أن تقديم الشيء على سببه لا يجوز، وأن تقديمه على شرطه بعد حصول سببه لا مانع منه شرعاً لا يصح بعد هذا أن يقال: إن إضافة الكفَّارة من إضافة الشيء إلى شرط حتى يكون الحنث سببًا وإلا لاقتضى منع تقديم الكفَّارة على الحنث مع أن الأحاديث المتقدمة ظاهرة وواضحة في جواز تقديمها عليه وقولهم إن الكفارة شرعت لستر الجناية الخ إن دل فإنما يدل على أفضلية تأخير الكفارة على الحنث لا على منع تقديمها عليه وفرق بين الأمرين.
=
يوجَب ملْك النصاب في الزكاة عند إنقضاء الحَوْل، كان من قال به جَعَل الحِنْث شرطاً، واحتج له بأن الكفارة منسوبة إلى اليمين؛ على ما قال تعالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] فتكون اليمينُ سبباً لها، ككفارة الوقاع، وكما يُقال: حَدُّ الزنا وحدُّ الشرب، وهذا ما أورده في الكتاب.
وأظهُرهما: عند عامة الأصحاب -رحمهم الله-: أن السببَ اليمينُ والحِنْثُ جميعاً: لأنه لو كان السببُ مجرَّدَ اليمين، لوجبت الكفارة، وإن لم يوجد الحِنْث، وعن أبي حنيفةَ: أن السببَ الحِنْثُ، واليمينُ سببٌ لتحريم الحِنْث، وهذا كما أن الإحرام يُحَرِّم الوطء واللبس، والوطء يوجب الكفارة، فيجوز أن يُعلَم؛ لما ذكرنا قوله في الكتاب أما السبب فهو اليمين بالحاء والواو، وإذا تقرَّر ذلك، ففي الفصل مسألتان:
أحدهما: يجوز تقديم الكفارة على الحِنث، وبه قال مالك وأحمد؛ خلافاً لأبي حنيفةَ -رحمهم الله-.
لنا: ما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لعبْدِ الرحْمن بْنِ سُمرَة: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَىَ يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفُرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" وأيضاً 1 فإن الكفارة حقٌّ مالي يتعلَّق بسببين، فجاز تعجيله بعْد وجود أحد السببين، كتعجيل الزكاة بعْد وجوب النِّصَاب، والأَوْلَى أن يُؤخِّر التكفير عن الحِنْث للخروج عن الخلاف، هذا إذا كان يكفر بغير الصوم ولم يكن الحِنْث بارتكاب محظور، فأما إن كان يكفر بالصوم، فظاهر المذهب: أنه لا يجوز قبل الحنث؛ لأن الصوم عبادة بدنية، والعبادات البدنية لا تقدَّم على الوقت، إذا لم يكن حاجة ماسَّةٌ؛ كالصلاة وصوم شهر رمضان، وأيضاً، فإن الصوم إنما يجوز التكفيرُ به عند العجْز عن جميع الخِصَال المالية، وإنما يتحقَّق العجْز بعد الوجوب، وفيه وجْهٌ: أنه يجوز التكفير به قبل الحِنْث كسائر الخصال، وفي "شرح مختصر الجويني": أن أبا زيدٍ حكاه قولاً عن القديم، وبه قال مالك، ويُروَى مثلُه عن أحمدَ -رحمهما الله- وقد يحتج له بظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم- "فَلُيْكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمْ ليَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" وان كان الحِنثُ بارتكاب محظور؛ بأن حلف ألاَّ يشرب الخمر، فهل يجزئه = على أننا نقول من قدم الكفارة على الحنث كان في فعله خلاف ما حلف عليه غير شارع في معصية.
إذ بالكفارة صار الفعل مباحاً له، ومن أخر الكفارة على الحنث كان شارعًا في معصية وقد يدركه الموت قبل أن يفعل الكفارة فلا يزول أثر المعصية عنه، وهذا مما يرجح جواز تقديم الكفارة على الحنث ولعل هذا هو السر في أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يقدم في حديثه فعل الكفارة على الحنث وبذلك يترجح مذهب الجمهور القائلين بجواز تقديم الكفارة على الحنث.
وأن السبب هو اليمين.
التكفير قبل أن يشرب؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابنُ القاصِّ: المنعُ؛ لأنه يتطرَّق به إلى ارتكاب محظور، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: يجوز؟ لوجود أحد السببين، والتكفيرُ لا يتعلَّق به استباحةٌ ولا تحريمٌ، بل المحلوف عليه محظورٌ قبل اليمين وبعدها، وقبل التكفير وبعده، ولا أثر لهما فيه، وهذا أقيس وأظهر عند الشيخ أبي حامد والإِمام الرويانيِّ وغيرهم -رحمهم الله-.
ولو قال: أعتقتُ هذا العبد عن كفارة يميني, إذا حنثتُ عُتِقَ العبْدُ عن كفارة؛ إذا حَنِثَ بخلاف ما إذا قال: أعتقته عن الكفَّارة، أو إذا حلفت، لا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه قَدَّم التعليق على اليمين، وفي الصورة السابقة، قدَّمه على الحِنْث، ولو قال: إذا حَنِثْتُ في يمين غداً، فهو حرٌّ عن كفارتي، فإن حَنِث غدًا، عتق عن الكفَّارة، وإلا، لم يُعْتَق؛ لأن المعلَّق عليه لم يوجد.
ولو قال: أعتقته عن كفارة يميني، إن حنِثْت، ثم بان أنه حَنِث، عُتِق عن الكفَّارة، وإلا، لم يُعْتَق، ولو قال: أعتقته عن كفارة يميني، وإن حلَفْت، وحنِثْت، فبان حالفاً، قال صاحب "التهذيب": وجب أَلاَّ يجوز؛ لأنه شاكٌّ في اليمين، وفي الصورة السابقة الشكُّ في الحنث، والتكفيرُ قبل الحنث جائزٌ، وعلى قياسه؛ لو قال: هو حرٌّ عن ظهاري، إن ظاهرت، فبان أنه ظاهر وجب ألا يجوز.
ولو أعتق عبداً عن الكفَّارة قبل الحنث، ثم ارتد العبد، أو مات قبل الحنث، لم يُجْزِه عن الكفارة، كما لو عجَّل الزكاة، فارتد المدفوع إليه، قبل تمام الحول، وتغيُّر الحال في التكْفير قبل الحنث كهو في تعجيل الزكاة، قال صاحب "التهذيب": ويحتمل أن يجري في ارتداد 1 العتيق وموته، كما لو ماتت الشاةُ المعجَّلة قبل الحول.
ويتعلَّق بالمسألة صوَرٌ:
أحدها: الظاهر، وهو المذكور في الكتاب: أنه يجوز تقديم كفَّارة القتل على الزهوق بعْد حصول الجَرْح، وتقديم جزاء الصيد على الزُّهوق بعد جرح الصيد وعن الشيخ أبي عليٍّ وغيره -رحمهم الله-: أن من الأصحاب مَنْ خرَّجه على الخلاف في تقديم الكفارة على الحِنْث المحظور؛ لأن سراية فعْله بمنزلة فِعْله، وهو محظور، قال الإِمام -رحمه الله-: وهذا لا اتجاه له؛ لأن الزهوق ليس بفعل مقدورٍ له، حتى يوصَفَ بالحظْر، وقياس ما ذكره الشيخ: أن يُقال: لو حلَفَ، لا يَقْتُلُ فلاناً، فجَرحَه، وكفَّر عن
اليمين قبل حصول الزهوق، ففي الأجزاء الوجهان، قال: وهو بعيدٌ، وإذا قلنا بجواز التقديم، فذلك في الإِعتاق، وأما الصوم، فلا يقدَّم على الظاهر، كما سبق، وجوز أبو حنيفة -رحمه الله- تقديمَ كفَّارةِ القتْل وجزاء الصيد على الزهوق بالصوم وغير الصوم، ولا يجوز تقديم كفَّارة القتْل على الجرح بحال، وعن أبي الطيب بن سلمة إثباتُ احتمالٍ فيه تنزيلاً للعصمْة وتحريم القتْل منزلةَ أحد السببين، وحَكَى القاضي ابن كج في جزاء الصيْد أيضًا وجْهاً: أنه يجوز تقديمه على جرح الصيد، ووجهاً آخر أنه إن كان يقتله مختاراً بلا ضرورة، لم يجز التقديم، وإن اضطره الصيد إليه، فيجوز.
الثانية: التكفير عن الظِّهَار بالمالِ بعْد الظهار وقَبْل العَوْدِ جائز؛ لأن الظهار أحد السَّبَبَيْنِ، والكفارة منسوبة إليه، كما أنها منسوبة إلى اليمين، ومنْهم مَنْ جعله على الخلاف فيما إذا كان الحِنْثُ محظوراً، قال في "التتمة": لأن وطئها بعد الظهار حرامٌ، فهو بالتكفير يستبيح محظوراً والمذهب الأول؛ لأن العَوْد ليس بحرام؛ حتى يُقالَ يتطرَّق بالتكفير إلى الحرام، بخلاف ما إذا كان الحِنْثُ مَحظوراً، ويصور التكفير قبل العوْد وبعْد الظهار فيما إذا ظاهر عن الرجعية، ثم كفر ثم راجعها، وفيما إذا ظاهر عن امرأته، ثم طلَّقها طلاقاً رجعياً، ثم كفَّر، ثم راجع أو طلاقاً بائناً، وكفر، ثم نكحها، وقيل: يعود الحنث، وفيما إذا ظاهر ظهاراً مؤقتاً، وقلْنا: إنه يصح مؤقتاً، وكفَّر 1 ثم صار عائداً بالوطء، وفيما إذا ظاهر وارتدَّت الزوجة عقيب الظهار، فكَفَّر، ثم عاد إلى الإِسلام، وصار عائداً، فأَمَّا، إذا ظاهر وأعتق على الاتصال عن ظهاره، فليس هذا تكَفيراً قبل العَوْد، وإنما هو تكفير مع العَوْد؛ لأنه بالاشتغال بالإِعتاق عائد، والحكمُ الإِجزاء أيْضاً.
الثالث: لا يجوز تقديمُ الكفارة في شهْر رمضان وفي الحج على الوقاع، ووجه ذلك بان الصوم ليس سبباً لوجوب الكفارة، ولا الإِحرام؛ لأنهما يحرمان الوقاع 2 وما يحرم شيئاً لا يكون سبباً لما يحله بارتكاب ذلك المحرَّم، فالتكفير قبل الوقاع يكون تكفيراً قبل وجوب السبب، واليمينُ لا يحرِّم الحِنْثَ، وتحقيق الفرْق أن تلك الكفَّارة لا تُنْسَب إلى الصوم والإحرام، وهذه تنسب إلى اليمين، وفي، "النهاية" وجْهٌ في جواز التقديم غريبٌ، والظاهر الأول، وكذلك لا يجوز تقديم فدية الحَلْق والتطيب ولبس المَخِيط عليها، فإن وجد سببٌ يجوِّزها؛ بأن كان في رأسه أذىً، ويحتاج إلى التطيب؛ لمرض، أو إلى لُبْس المَخِيط لشدَّة البرد، ففي جواز التقديم وجهان، والظاهِرُ: الجواز.
الرابعة: يجوز تعْجيل المنذور، إذا كان مالياً، كما إذا قال: إن شفى الله مريضِي، أو رد غائبي، فلله عليَّ أن أعتق عبداً أو أتصدَّق بكذا يجوز تقديم الإِعتاق والصدَّقة على الشِّفَاء ورجوع الغائِبِ، وفي فتاوى القفَّال ما ينازع فيه.
الخامسة: الحامِلُ والمرضِعُ، إذا شرعتا في الصوم، ثم أرادتا الإِفْطار وأخرجتا الفدية قَبْل الإِفطار، ففي إجزائها وجهان:
أظهرهما: الإِجزاء؛ وعلى هذا، ففي جواز تعجيل الفدية لسائِر الأيام وجهان؛ بناءً على الخلاف في تعجيل زكاةِ عامَيْن.
وقولُه في الكتاب "وفائدته أنه يجوز تقديمها على الحِنْث بعد اليمين" إشارةٌ إلى ما ذكر الأصحاب أنَّ الخلافَ بَيْنَنَا وبين أبي حنيفة في جواز تقديم الكفَّارة على الحنث مبنيٌّ على أن اليمين عنْدنا سبب للكفارة، والحقُّ المالي يجوز إخراجه بعد وجوب سببه أو أحد سببيه، كما تُعجَّل الزكاة على الحَوْل بعد كمال النصاب، وعنده السببُ الحِنْث، والتقديمُ على السبَبِ لا يجوز، كما لا يجوز تقديم الزكاةِ على النصابِ، وكفارةِ الوقاعِ على الوِقَاع.
المسألة الثانية: الأيمانُ مكروهةٌ، إلا إذا كانت في طاعةٍ؛ كالبيعة على الجهاد، كما قال -صلى الله عليه وسلم -: "وَاللهِ لأغَزُوَنَّ, قرَيشاً" 1 ويستثنى أيضاً الأيمان الواقعةُ في الدعاوَى، إذا كانت صادقةً فإنها لا تكره 2.
والتفصيل أنه، إن حلَف على فعْلِ مفروضٍ، أو تركِ محظورٍ، فهذه يمينُ طاعةٍ، والإِقامة عليها واجبةٌ، والحِنْثُ معصية وإن حلف على تركِ مفروضٍ أو فعلِ محظورٍ، فهذه يمينُ معصية ويجب عليه أن يُحْنِثَ نفسه، ويُكفِّر، وإن حَلفَ على فعْل محبوب؛ كصلاةِ التطوُّع وصدقة التطوع، فالإقامة عليه الطاعةٌ والمخالفةِ مكروهةٌ إن حلف على ترْك محبُوب، فهو مكروه، والإقامةَ عليه مكروهةٌ، ويُستحبُّ أن يُحَنِّثَ نفسه، وفي مثله نَزَل قوله تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: 22] الآية وعدَّ الشيخ أبو حامد وجماعةٌ من هذا القبيل ما إذا حَلَف، إلاَّ يأكل طَيِّباً ولا يلبس ناعماً، وقال: اليمين عليه مكروهةٌ, لقوله تعالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] وفيه وجة آخر اختاره أبو الطيب: أنَّهَا يمينُ طاعةٍ؛ لما
رُويَ عن عمر -رضي الله عنه- أنَّه قِيلَ لَهُ: لَو لَيَّنتْ طَعَامَكَ وَشَرَابَكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: لأَقْوَام ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ 1 واختيارُ السلَفِ خشونةَ العيشِ معروفٌ، وقال صاحبُ "الشامل": يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس، وقصودهم وفراغهم للعبادة، واشتغالهم بالضيق والسعة وهذا أصوب، وإن حَلَف على مباح لا يتعلَّق به مثل هذا الغرض؛ كدخول دار، وأكل طعام، ولبس ثوب، وتركها، فله أن يقيم عليه، وأن يُحَنِّثُ نفْسَه، وأيهما أولَى؟ فيه ثلاثة أوجه:
الأوْلَى: عند ابن الصباغ وغيره: أن الوفاء أولَى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] وأيضاً، فلما فيه من تعظيم اسْمِ الله تعالَى، وهذا ما يقتضي نظمْ الكتابِ ترجيحه، وبه قال أبو علي الطبريُّ.
والثاني: أن الحنث أولَى؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ [البقرة: 57] ولينتفع المساكين بإخراج الكفارة.
والثالث: أنه يتخير بين الوفاء والحنِثْ، ولا ترجيح، كما كان قبل اليمين، وإذا تأملت هذا التفصيل عرفْتَ أن اليمين لا يغيِّر حال المحلوف عليه عما كان؛ وجوباً وحظْراً وإباحَةً، وعند أبي حنيفة: اليمين يحرِّم الحِنْث؛ فمن حلف إلاَّ يفعل، حَرُمَ عليه الفعل، ومن حَلَف أن يَفْعل، وجب عليه الفعل، قال الرويانيُّ وغيره: ووافَقَنا أن اليمين لا تبيح الشْيء الذي كان حراماً، وحَلَف أن يفعله، ولا يسقط الوجوب فيما كان واجباً، إذا حَلَف ألا يفعله، ومنهم مَنْ عمَّم تأثير اليمين أصله أصلْه، وقال: إذا حلف ألاَّ يصلِّي، تحرم الصلاة عليه بحُكْم اليمين مع وجُوبها شرعاً، واحتج الأصحابُ -رحمهم الله- بِمَا رُويَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" ولو كان الحنث حرامًا؛ لَمَا أَمَرَ به، وعنْ أبي موسى الأشعريِّ -رضي الله عنه أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ أحَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، إلاَّ أتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وتَحَلَلْتُ عَنْ يَمِينِي" 2
............ = الأنواع الثلاثة، وأيها فعل سقطت به الكفارة.
وواحد منها على الترتيب وهو صوم ثلاثة أيام بمعنى أن الحانث لا ينتقل إلى الصوم إلا بعد ثبوت عجزه عن الأمور الثلاثة قبله وهذا ما يفيده عطف الأنواع الثلاثة الأولى بعضها على بعض "بأو" التي تفيد التخيير وعطف النوع الرابع على الأنواع الثلاثة "بالفاء" المفيدة للترتيب وهذا قدر متفق عليه بين العلماء لانعلم فيهم من يخالف في ذلك.
النوع الأول: الإطعام: اتفقت كلمة الفقهاء على أن الإِطعام في هذه الكفارة مقدر، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم، هل هو مقدَّر بالشرع أو بالعُرْفِ؟ ومن قال: إنه مقدر بالشَّرْع اختلفوا فيما بينهم في المقدار الذي يعطى للمسكين الواحد، فمنهم من قال: يعطى المسكين نصف صَاعٍ، أعني: مُدَّينِ من الْبُرِّ، أو صاعاً كاملاً، أعني: أربعة أمداد من غيره كصدقة الفطر، وهم أصحاب الرأي، ومنهم الإِمام أبو حنيفة، وأصحابه.
ومنهم من قال يعطى مُدّاً واحداً من أي صَنْفٍ كان لا فرق بين البُرِّ والشَّعِيرِ وغيرهما، وهو قول أبي هُرَيرَةَ وابن عمر، وزيد بن ثابت، والشَّافِعِىِّ وأصحابه، والإِمام مالك.
غير أن المالكية يقولون: ينبغي إذا كان المكفِّر بغير المدينة أن يزيد على المد ثلثه، أو نصفه، فيعطى المسكين مداً وثلث مُدٍّ، أو مداً ونصف مُدٍّ، وقالوا في كفارة الظهار: يزيد ثلثا مدٍّ.
ومنهم من قال: يعطى مداً إذا كان الطعام بُرَّاً، ومدَّين كاملين، إذا كان الطعام من غيره كالتمر، والشعير، وهو الإِمام أحمد.
منشأ الاختلاف:
ومنشأ اختلافهم هذا اختلاف الأحاديث الواردة في تقدير الكفارات الأخرى، وأخذ كل واحد منهم ما ثبت عنده منها، واطمانت إليه نَفْسُهُ.
الأدلة:
استدل الحنفية بما رواه الطبراني من حديث أوس بن الصامت أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "فَأطْعِمْ سِتِّين مِسْكِيناً ثَلاَثِينَ صَاعَاً" قال: لا أملك ذلك إِلا أن تعينني، فاعأنه النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بخَمْسَةَ عَشْرَ صَاعاً، وأعانه الناس، حتى بلغ ذلك المقدار، وفي بعض الروايات أن هذا المقدار كان من الطعام "أي البر".
وروى أحمد وأبو داود من حديث سلمة بن صخر البياضي أن النبي -صلى لله عليه وسلم- له: "فَأَطْعِمْ وسْقاً مِنَ تَمْر بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِيناً" قال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما أملك لنا طعاماً، قَالَ: فَانْطَلِق إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةٍ بَنِي زُرَيقٍ فليدفعها إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيْتِهَا".
من هذين الحديثين أخذ الحنفية مذهبم المتقدم؛ لأن الإطعام في كفارة اليمين مقدر بالإطعام في غيره من الكفارات الأخرى، وقد ثبت في حديث أوس أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمره بأن يطعَم الستين مسكيناً ثلاثين صاعاً، وثبت عندهم أن الطعام كان من البر، فاقتضى ذلك أن كل مسكين له نصف صاع، وذلك مقدر بمُدَّينِ.
وثبت في حديث سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بأن يطعم ستين مسكياً وسقاً من التَّمْرِ وَالْوَسْقُ مِقْدَارَهُ: ستون صاعاً، فيكون للمسكين الواحد صاع أعني أربعة أمداد، وبذلك تم لهم أن =
............ = الواجب في كفارة اليمين من الطعام نصف صاع من البر لكل مسكين، وصاع من غيره كالتمر ونحوه؛ لأنها أقل منزلة من البر، ولا تفاوت بينها عندهم.
وروى أبو داود بإسناده من حديث أوس بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشْرَ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكيناً" فهذه الرواية تثبت أن الطعام كان من الشعير، وأن المقدار الذي أعطي للمساكين خمسة عشر صاعاً، فيكون للمسكين الواحد مد من الشعير، ومن هذا أخذ الشَّافِعِيُّ، ومالك -رضي الله عنهما- مذهبيهما؛ لأنه لا فرق عندهما بين الشعير وغيره من باقي الأصناف، والإِطعام في كفارة اليمين مقدر عندهما بالإِطعام في غيرها من الكفارات.
واستدل الحنابلة بما رواه الإِمام أحمد عن إسماعيل قال: حَدَّثَنَا أيوب عن أبي يزيد الْمَدَنِيِّ قال: جاءت امرَأَةٌ من بني بياضة بنصف وسقٍ من شعير، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لِلْمُظَاهِرِ: "أَطْعِمْ هَذَا فَإِنَّ مدَّى شَعِيرٍ مَكَانَ مُدّ بُرٍّ".
وورد في حديث أوس بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إني سأعينه بعرق من تمر، فقالت امرأته يا رسول الله إني سأعينه بعرق آخر قال: أحسنت اذهبي، فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك.
قال سلمة بن عبد الرحمن: والعرق: زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعاً من هذين الحديثين أخذ الإِمام أحمد بن حنبل مَذْهَبَهُ وهو ظاهر، فإن الحديث الأول أمر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- المُظَاهِرَ بأن يطعم نصف الوسق من الشعير أعني ثلاثين صاعاً منه ستين مسكيناً فيكون لكل مسكين نصف صاع من الشعير، أعني: مُدّين، وغير الشعير ما عدا البرَّ كالشعير، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث نفسه: "فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدّ بُرٍّ"، وهذا يقضي بان الواجب من البر مُدّ وَاحِدٍ، والحديث الثَّانِي يفيد أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر امرأة أوس بان تتصدق بمجموع ما أعطته، وما أعطاه -صلى الله عليه وسلم- وهما العرقان، ومقدارهما ثلاثون صاعاً من التمر على الستين مسكيناً، ثم ترجع إلى زوجها، وذلك يقضي بان المسكين الواحد له نصف صاع من هذا المقدار.
النوع الثاني: من الأنواع المخيَّر فيها في كفارة اليمين، هي كسوة عشرة مساكين، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
و"مقدار ما يعطى منها لكل مسكين".
اتفقت كلمة الفقهاء على أن المكفر إذا أعطى لكل مسكين من العشرة ثوبين فأكثر كفاه ذلك، وسقطت عنه الكفارة.
ولكنهم اختلفوا في أقل ما يعطاه المسكين الواحد فَذَهَبَ الشَّافعي -رضي الله عنه-، وجمهور أهل الظاهر إلى أن أقل ما يعطاه المسكين الواحد هو ما يطلق عليه اسم الكسوة، كالمنديل، أو العِمَامَةِ، أو الإِزار، ولا يشترط أن يكون صالحاً للمعطي، بل جائز أن يعطي ما يصلح للكبير للصغير، وما للرجل للمرأة وبالعكس، كما لا يشترط أن يكون جديداً.
وذهب الإِمام مالك، وأصحابه إلى أن المجزئ من ذلك ثوب تصح فيه الصَّلاَةُ، فإن كان المسكين رجلاً وجب أن يعطى ثوباً يستر جميع البدن، وإن كان امرأة وجب أن تعطى ثوباً تستر به جميع بدنها، وخماراً تغطي به رأسها، وفي ذلك يقول مالك في الموطأ: "أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة أنه إن كسا الرجال كساهم ثوباً ثوباً، وإن كسا النساء كساهم ثوبين ثوبين درعاً وخماراً وذلك أدنى ما يجزئ كُلاً في صلاته" وليس بلازم أن يكون الثوب، أو =
............ = ما معه جديداً، بل يكفي أن يكون صالحاً للبس، كما أنه ليس بلازم أن يكون المسكين كبيراً.
بل الصغير والكبير في الكسرة سواء.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن المجزئ من ذلك هو ما يستر البدن، ويسمى به الشخص مكتسياً، وذلك كالقميص، أو الإزار السابخ، أو القباء، أو الكساء أو الملحفة، وخالفهما الإِمام مُحَمَّدُ حيث قال: يجزئ من ذلك ثوب تصح فيه الصلاة للرجل والمرأة، فيجوز عنده السراويل للرجل؛ لأنه يسمى لابساً شرعاً ولا يجزئ عندهما؛ لأن لابسه لا يسمى مكتسياً عُرْفاً.
وذهب الإِمام أحمد إلى أن المجزئ من ذلك ثوب يصح للرجل أن يُصَلِّيَ فيه، وللمرأة درع وخمار، وقال: لا يجزئ إزار وحده أو سروال.
ووجهة الشَّافِعِيُّ، ومن معه في ذلك أن النَّصِّ ورد مطلقاً "أَوْ كِسْوَتُهُمْ" من غير أن يقيد بشيء، فوجب أن يحمل على ما يسمى كسوة عرفاً، والعرف يطلق على ما ذكر كسوة، فكان معتبراً في إسقاط الكفارة، ويؤيد ذلك قول عمران بن حصين -رضي الله عنه- لمن سأله عن قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ لو أن وفداً قدموا على أميركم هذا، فكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا.
ووجهه مالك: أن الآية وإن كانت مطلقة، ولم يرد فيها تقييد بشيء إلا أن ذلك يجب أن يعتبر بما عرف عن الشرع في الكساء، وأدلى ما تقدر به كساء الصلاة؛ لأن في ذلك سد الخلة المحتاج، ودفعاً لحاجتهم في الصلاة وزاد الحنابلة على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "لاَ يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوبِ الْوَاحِدِ لَيسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ".
وقالوا: لا يجزئ أقل ما يصدق عليه اسم الكسوة أن الكسوة أحد أنواع الكفارة، فلا يجزئ فيه الإقل، كالإطعام، والأعتاق؛ ولأن لابسى ما لا يستر العورة لا يسمى مكتسياً، وإنما يسمى عُرْيَاناً، وَأَثَرُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَينِ ضَعِيفٌ.
ونحن إذا نظرنا إلى أن المولى -سبحانه وتعالى- لم يقيد الكسرة بكونها من أوسط ما يكسوا به أهله، ولم يرد في السنة ما يفيد كساءً خاصاً رأينا أن ذلك يجب أن يوكل إلى العرف، كما هو رأي الحنفية، ولا شك أن العرف يختلف باختلاف الْبُلْدَانِ، والأزمان، والفصول، فَالْمُكَفِّرُ متى اختار أن يكفر بالكسوة، وَجَبَ عليه أن يراعي الوسط الذي هو فيه، ويفعل ما يناسب هذا الوسط، وما يتفق، والزمن الذي يعيش فيه، ولا يُقَالُ: إن ذلك يوجب تشديداً على المكفر؛ لأنا نقول: المكفر مخيَّر في هذا، وفي غيره، فاختياره هذا بخصوصه، دليل على أنه لا حَرَجَ عليهِ فيه.
و"الصفات المعتبرة فيمن يعطي من الإِطعام والكسوة".
اتفق الفقهاء على أن وصف المسكنة والاحتياج لا بدّ منه فيمن يعطي من الكفَّارة لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ كما اتفقوا على أن المعطي من الكفارة يجب ألا يكون قريباً للرسول -صلى الله عليه وسلم- قرابة خاصة بان يكون هاشمياً فقط، أو هاشمياً ومطلبياً على الخلاف في ذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن هذه الصدقات أوساخ الناس فلا تحل لمحمد ولا لآل محمد".
كما اتفقوا على أن من يعطى كذلك يجب ألا تكون نفقته واجبة على المكفر وإلا كان الدفع إليه عبثاً لأنه راجح إليه.
=
................. = واختلفوا في صفات أخرى نذكرها فيما يأتي:
"الإِسلام".
جمهور الفقهاء ومنهم مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة على اعتبار الإِسلام شرطاً في المعطي فلا يجوز دفعها لكافر.
وقال غيرهم وهم: الإِمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وهو مذهب الحنفية وأهل الظاهر أن الإِسلام ليس شرطاً فيه، فالكافر عندهم يجوز أن يعطى من الكفارة طعاماً وكسوة.
ووجهة الجمهور:
أولاً: أن الكفَّارة شرعت للتقرب بها إلى الله تعالى فهي عبادة والعبادة يجب أن تختص باهلها وأهل العبادة هم المؤمنون لا الكافرون.
وثانياً: أن الحربيين لا يعطون من الكفَّارة اتفاقاً لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ في الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
فغير الحربي لا يعطى منها كذلك لان صفة الكفر تجمع بينهم.
ووجهة أبي حنيفة ومن ذهب مذهبه أن الله تعالى أطلق المساكين في الآية ولم يقيدهم بوصف الإِسلام فوجب بقاء المطلق على إطلاقه لعدم ما يدل على التقييد ولولا أن الحربي خرج بالآية السابقة لقلنا إنه يعطى من الكفارة، وخروج أحد أنواع الكفار لوجود ما يخرجه لا يعتبر مخرجاً لغيره.
ونحن إذا نظرنا إلى أن الكفارة إنما شرعت لتكون قرباناً يتقرب به العبد إلى ربه رجاء أن يقبله ويغفر له ما فرط منه من الذنب، وأن ذلك إنما يكون بدفع تلك الأشياء المشروعة لمن يرجى منه خير وينتظر منه دعوة مقبولة عند الله، وأن ذلك إنما يتوفر في المسلم لا في الكافر.
رأينا أن قول من قال باشتراط الإِسلام فيمن يعطى من الكفارة قول له وجاهته.
ومن السهل أن يرد على وجهة المخالف بان الآية وإن كانت مطلقة إلا أنها مقيدة بما يقصده الشرع من تشريعه وبما عرف عن مال الزكاة، فإن الذي يعطى منه هو المسلم لا الكافر.
الحرية:
اتفقت كلمة الفقهاء على أن عبد المكفر لا يعطى من كفارة سيده لا طعاماً، ولا كسوة؛ لأن ذلك راجع إليه، فيكون الدفع إليه عبثاً.
واختلفوا في إعطاء رقيق الغير من الكفارة.
فذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف في غير غيبة السيد، وعجز العبد عن الكسب، ومحمد، وأبو حنيفة في غير من أحاط الدين برقبته، وكسبه إلى أنه لا يعطى من الكفارة؛ لأن الحرية شرط في المعطي.
وذهب غيرهم إلى أنه يعطى منها، والحرية ليست شرطاً فيه إذا، وجدت صفة المسكنة، وهو قول الظاهرية.
وجهة الجمهور: أن المقصود من الإِطعام والكسوة سد خلَّة المحتاج، والرقيق خلَّة مسدودة بوجوب نفقته على سيده، فَدَفْعُ الكفارة إليه لا يحقق المقصود منها، فيكون غير مشروع.
=