......................... = وأما بأخبار طبيب مسلم عدل عالم بذلك له مضطر إلى التداوي بها فتكون مباحة له إنقاذاً لنفسه من مخالب الأمراض الفتاكة.
وأما السنة فما استدل به المانعون منها، وقالوا في توجيهها: ليس في واحد منها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكره جواباً لمضطر إلى التداوي بها، فتحمل على التداوي بها في غير حال الضرورة.
جمعاً بين الأدلة.
وأما المعقول فقالوا إن المضطر إلى التداوي بها كالمغصوص المضطر إلى شربها فكما أبيحت للثاني تباح للأول.
وقالوا أيضاً:
يباح التداوي بها للمضطر إليه كما يباح لأكل الميتة ونحوها ورد على المانعين في السنة أنه ليس في واحد منها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكره جواباً لمضطر إلى العلاج بها فهي محمولة ابتداء على حال الاختيار فحسب، ولو سلمنا حملها على العموم لكانت مخصصة بنص الكتاب الذي أباح المحرم للاضطرار ومنه التداوي بالخمر.
وأجيب بأن الظاهر من الأحاديث حملها على العموم ولا قرينة تعين حملها على حال دون أخرى، ولا معارضة بين عموم الأحاديث وعموم الإِباحة المأخوذة من نص الكتاب في حال الاضطرار لأن الإباحة المستثناة عامة وأحاديث النهي عن التداوي بالخمر خاصة، فيعمل بعموم الإباحة المستفادة من الآية فيما عدا ما أخرجه الدليل الخاص من حرمة التداوي بها عملاً بالنصيّن.
هذا على فرض تحقق الضرورة إلى العلاج بالخمر، وقد ثبت طبياً أنه لا ضرورة إلى العلاج بها ألبتة فانه يوجد من الأدوية الطاهرة أو النجسة ما يغني عنها أو يزيد في تأثير العلاج.
يقول الدكتور محمد جعفر في مذكرته تدبير الصحة "ليس في عالم الطب داء أو عارض يصح أن يعالج بالكحول إلا وهناك مواد أخرى كثيرة تؤديه دون أن تضر بالجسم فمثلاً قد يستعمل الكونياك أو الكحول كمنبه في حالات الهبوط، ولكن هناك من العقاقير ما يفضله في هذا الأثر كالقهوة والشاي وجوهرهما الفعال أفضل من الخمر، وكذلك "الأستركنين" والأدرينالين والكافور والأثير والنوشادر وغيرها.
مما يعرفه كل طبيب".
وقال الدكتور "ملر" الأسكتلنديا "الخمر لا يشفي شيئاً".
وقال الدكتور"جون سون" الإنكليزي "إن الخمر ليس ضرورياً ألبتة ليستعمل دواء".
وقال الدكتور "كيلوج الأمريكي" في كتابه اليد الطبي "إن الناس يتعاطون الخمر لأمراض مختلفة فإذا كان ما يقولون حقاً فأضرار الخمر أشد تلك الأمراض فتكاً بالجسم فكيف بها إذا كانت لا تشفى منها شيئاً، فإن تجارب الأطباء أثبتت أنها لا تترك أثراً في النسيج، والأثر الحقيقي إنما يكون في النسيج".
وقال الدكتور "سمث الانكليزي": "إن الخمر يخسر بسببها الجسم جزءاً من الحرارة ويزيد ذلك الفقد كلما كان الإِنسان مريضاً، ومن العجيب أن سيدنا محمداً -صلى الله عليه وسلم- أثبت ضرر الخمر في الحديث الصحيح فقد جاء في صحيح مسلم مع شرح الإِمام النووي أن طارق بن سويد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال إنني أصنعها للدواء فقال الوسول -صلى الله عليه وسلم- إنه ليس بدواء ولكنه داء، أليس ذلك مقتضى العلم الحديث.
وقال إن الخمر يسبب للجسم خسارة جزء من الحرارة وقد منعت الدولة الأمريكية الخمر نباتاً بناءً على أمر الأطباء وعلى الاستكشاف الحديث الذي أقنعهم بأن الخمر لا شفاء فيها وهذا الكشف معجزة إسلامية".
والأرجح عند أكثر الأصحاب: أنه لا يَحِلّ الشرْبُ؛ لإِزالة العطش، وقد بيناه هناك، وإذا قيل بجوازه، فلو وجد خمراً وبولاً، يشرب البَوْل دون الخمر؛ لأن تحريمه أخفُّ، كما لو وَجَد بولاً وماءً نجساً يشرب الماء؛ لأن نجاسته طارئة، وأما سائر المحرمات، فيجوز التداوِي بها، وقد سبق ذكره في الكتاب في "الحدود"، وعلى ذلك ينزل ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- "أمَرَ الرَّهْطَ العُرَنِيِّينَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أبْوَالِ الإِبلِ وَأَلْبَانِهَا" 1 ووراءه وجهان، حكاه الرويانيُّ في "البحر".
أحدُهما: منع التداوي بها؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَا جُعِلَ شِفَاؤُكُمْ فِيْمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ" 2.
والثاني: منع التداوي بغير أبوال الإِبل، وفي كتاب القاضي ابن كج ذكر وجهين في جواز التبخر بالندّ 3 الذي فيه خمرٌ؛ لما يصعد منه من الدخان 4، وهذا قد سبق نظيره في "الطهارات".
قَالَ الغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: الأَوَّلُ: فِي جَوَازِ قَطْعِ فَلْذَةٍ مِنَ الفَخِذِ إِذَا لَمْ يكُنِ الخَوْفُ فِيهِ كَالخَوْفِ فِي الجُوْعِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَجُوزُ أنْ يَقْطَعَ مِنْ فَخِذِ غَيْرِهِ أصْلاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذَا أَراد المضطر أن يقطع فلقة من فخذه أو من عضو آخر ليأكلها، فإن كان الخَوْفُ فيه كالخوف في ترك الأكل أو أشد، لم يكن له قَطْعُها، وإن لم يكن خوفُ الهلاك فيه كالخوف في ترك الأكل، فوجهان:
أحدهما: لا يجوز القطْع، وهو اختيار صاحب "الإِفصاح" وجماعة؛ لأنه قَطَعَ فلقة من معصوم؛ فأشبه قَطْعَها من غيره، ولأنه قطْعُ لحْمِ حيٍّ قد يتولَّد منه الهلاك.
والثاني: ويُحْكَى عن ابن سريج وأبي إسحاق: أنه يجوز؛ لأنه إتلاف بعضٍ لاستبقاء الكل، فأشبه قطْعَ اليد بسبب الأكلة، ويشبه أن يكون هذا أظهر، وبه قال الشيخ أبو حامد وغيره، ورجح الرويانيُّ الأول، ولا يجوز أن يقطع فلقةً من غيره؛ إذ
ليس فيه إتلاف البعض لإبقاء الكل، وليس للغير أيضاً أن يقطع شيئاً من بدنه للمضطر، ثم موضع الخلاف ما إذا لم يجدْ شيئاً يأكُلُه، فإن وَجَدَه، لم يقطع شيئاً من نفسه بلا خلاف.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: إِذَا ظَفِرَ بِطَعَامِ مَنْ لَيْسَ مُضْطَراً فَيَطْلُبُهُ منْهُ فَإن مَنَعَهُ غَصَبَهُ، فَإِنْ دَفَعَهُ جَازَ لَهُ قَتْلُ المَالِكِ فِي الدَّفْعِ، فَإِنْ بَاعَهُ بثمن المَثْلِ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ، وَإِنْ بَاعَ بِأكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ فاشْتَرَاهُ لِلضَّرُورَة فَهُوَ كَشَرَاءِ المَصَادِرِ، وَالمَالِكُ لَوْ أَوْجَرَ المُضْطَرُّ طَعَامَهُ قَهْراً فَفِي اسْتِحْقَاقِ القِيمَةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وَجَدَ المضطر طعاماً حلالاً لغيره، فذلك الغير؛ إما أن يكون حاضراً أو غائباً.
الحالةُ الأولى: إذا كان حاضرًا فينظر؛ إن كان هو مضطراً إليه، فهو أولَى به، وليس للأول أخذه منه، إذا لم يفضل عن حاجته؛ إلا أن يكونَ غيرُ المالك نبياً، فيجب على المالِك بذلُه له، فإن آثر المالِكُ غيرُه على نفْسه، فقد أحسن، قال الله تعالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: 9] الآية، وإنما يُؤثر على نفسه المسلم.
أما الكافر، فلا يؤثره ذمياً كان أو حربياً، وكذا لا يؤثر بهيمةً على نفسه.
وإن لم يكن المالِك مضطراً إليه، فعليه إطعامُ المضطر مسلماً كان أو ذمياً أو مستأمناً، وكذا لو كان يحتاج إليه في ثاني الحال في أظهر الوجهين، وللمضطر أن يأخذه ويقاتلَه عليه، وإن أتى القتال على نفسه، فلا شيء عليه، وإن قَتَلَ المالكُ المضطرَّ في الدفْع عن طعامه، فعليه القِصاص، وإن مَنَعَ منه الطعامَ، فمات جوعاً، فلا ضمانَ عليه؛ لأنه لم يحدث منه فعلٌ مهلك، وقال في "الحاوي": ولو قيل: يضمن الدية، كان مذهباً؛ لأن الضرورة أثبتت له في ماله حقاً، فكأنه مَنَعَ منه طعامه، وكَمِ القدْرُ الذي يجب على المالِك بذْلُه، ويجوز للمضطر أخذه قهراً أو القتال عليه، أهو القدر الذي يسُدُّ الرمق أو القدْر المشبع؟ فيه قولان بناءً على القولين في القَدْر الذي يَحِلُّ له من الميتة، وهل يجب على المضطر الأخذ قهراً، أو القتال، فيه خلافٌ 1 مرتب
على الخلاف في أنه، هل يجب عليه الأكل من الميتة؟ وأولَى بألاَّ يجب؛ لأن عقل المالك ودية يبعثانه على الإِطعام، وهو واجب عليه، فجاز أن يجعل الأمر موكولاً إليه، ويكتفي به، وخصص في "التهذيب" الخلاف بما إذا لم يكن عليه خوفٌ في الأخذ قهراً، فإن كان فيه خوفٌ، لم يجب بلا خلاف، وإذا أوجبنا على مالِك الطعام بذْلَه، فعن "الحاوي" وجه أنه، يلزم بذله مجاناً، ولا شيء على المضطر، كما أنه يستبيح الميتة بلا شيء، والمذهبُ المشهور: أنه لا يلزمه البذل إلا بالعوض، وفَرَقُوا بينه وبين ما إذا خلُص مشرفاً على الهلاك بالوقوع في ماء أو نار؛ حيث لا يجب عليه أجرة المثل؛ بأن هناك يلزمه التخليص، كان لم يكن للمشرف على الهلاك مالٌ، ولا يجوز التأخير إلى تقدير الأجرة وتقريرها، وههنا بخلافه، وسوَّى القاضي أبو الطيَّب وغيرُه بينهما، فقالوا: إن احتمل الحال هناك موافقته على أجرة يبذلها أو يقبلها, لم يلزم تخليصه حتى يقبل الأجرة، كما في المضطر، كان لم يحتمل الحال التأخير في صورة المضطر، فأطعمه، لا يلزمه العوض؛ فلا فرق إذن، ثم إن بذل المالكُ الطعامَ مجاناً، فعليه قبولُه ويأكلُه إلى أن يَشبع، وإن بذله بالعوض، نُظِر، إن لم يقدر العوض، فعلق المضطر قيمةُ ما كل في ذلك المكان والزمان، وله أن يشبع، كان قدّر العوض، فإن لم يفرد له ما يأكله، فكذلك الجواب، وإن أفرده، فإن كان المقدَّر ثمن المثل، فالبيع صحيحٌ، وله أن يأخذه ما فضل عن الأكل، كان كان أكثرَ من ثمن المثل، والتزمه، ففيما يلزمه وجهان:
أحدُهما: المسمَّى؛ لأنه التزمه بعقد لازم.
والثاني: لا يلزمه إلا ثمن المثل في ذلك المكان والزمان؛ وتسقط الزيادة؛ لأن الضرورة ألجأتْهُ إلى التزام الزيادة، فهو كالمُكْرَهِ على قبولها، وهذا أظهر عند القاضي الرويانيِّ، وأقرب إلى المصلحة، والأول أصحُّ عند القاضي الطبريِّ، وأقيس، وتوسَّط أقضى القضاة الماورديُّ، فقال: إن كانت الزيادة لا تشق على المضطر؛ ليساره، فهو في قبُولها غير مكْرَه؛ فتلزمه، وإن كانت تشقُّ عليه؛ لإِعساره، فهو في قبولها مكره، فلا تلزمه، قال الأئمة: وينبغي للمضطر أن يَحتال وشعى في أخذه [منه] ببيع فاسد، حتى يخرج عن الخلاف، ولا يلزمه إلا القيمة، وقد يفهم إيرادهم تصحيح البيع، وجعل الخلاف فيما يلزم ثمناً، لكنَّ الوجْه نصب الخلاف في صحة العقْد؛ لمعنى الإكراه، إن جعل المضطر مكْرَهاً، وفي تعليقة الشيخ أبي حامد ما يبيِّن ذلك، وصرح به الإِمامُ، فقال: الشِّرَى بالثمن الغالي للضرورة، هل يجعله مكْرَهاً، حتى لا يصح الشرى فيه وجهان:
أقيسهما: المنعُ، ثم إنه أجرى الخلاف في صحة بيع المصادر من جهة السلطان
الجائر، إذا باع ماله للضرورة ودفع الضرر الذي يناله، وجعل صاحبَ الطعام بالامتناع عن البذل بثَمَن المثل كالمُصَادِر، والظاهر صحة المنع؛ لأنه لا إكراه على البيع، ومقصود الظالم المالُ من أي وجه كان، وبالصحة أجاب الشيخ إبراهيم المروزي، واحتج بها؛ لوجه لزوم المسمَّى في "مسألة المضطر"، ومهما بلغ المال بثمن المثل، ومع المضطر مالٌ، فعليه شراؤه وصرف ما معه إلى الثمن، حتى لو كان معه إزار، فعليه صرفه إليه، إذا لم يخف الهلاك من البرد ويصلي عَارِياً؛ لأن كشْفَ العورة أخفُّ، مِن أكل الميتة؛ ألا ترى أنه يجوز أخذ الطعام قهراً، ولا يجوز أخذ سائر العورة قهراً، وإن لم يكن معه مالٌ، فعليه التزامه في الذمَّة، سواء كان له مالٌ ذي موضع آخر أو لم يكن، وعلى المالِك، والحالة هذه البيعُ نسيئةً، وليس للمضطر الأخذُ قهراً، والمالكُ يبذل ثمن المثل، وإن باع بأكثر منه، فللمضطر ألاَّ يقبل ويأخذه قهراً أو يقاتِلَه عليه، فإن اشتراه بالزيادة مع إمكان الأخذ قهراً، فهو مختار في الالتزام، فيلزمه بلا خلاف، والخلافُ السابق فيما إذا عجز عن الأخذ قهراً، ولو أطعمه المالِكُ، ولم يصرِّح بالإِباحة، ففيه وجهان:
أصحهما: أنه لا عوض عليه، ويحمل على المسامحة المعتادة في الطعام، سيما في حق المضطر، ولو اختلفا، فقال المُطِعم: أطعمتك بِعِوَضٍ، وقال المضطر: بلا عوض، فالمصدَّق المُطْعم؛ لأنه أعرف بكيفية بذله، أو المضطر؛ لأن الأصل براءةُ ذمته؟ فيه وجهان؛ رُجِّح منهما الأول، فإذا أوجر المالِكُ طعامه المضطر قهراً أو أوجره، وهو مغمى عليه، فهل يستحق.
القيمة عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يطلب ولا تناول، وأحسنهما: نعم؛ لأنه خلصه عن الهلاك، فصار كما لو عَفَا عن القصاص، وأيضاً، ففيه تحريض على تدارك المضطرين، وكما يجب بذل المال؛ لإِبقاء الآدمي المعصوم، يجب بذله لإبقاء البهيمة المحترمة، وإن كانت مِلكاً للغيْر، ولا يجب البذل للحزبي والحربي والكلب العقور، ولو كان للرجل كلبٌ غيرُ عقور جائعٌ وشاةٌ، فعليه ذبح الشاة لإطعام الكلب، قال في "التهذيب"، وله أن يأكل من لحمها؛ لأنها ذُبحت للأكل 1، وقولَه في الكتاب "جاز له قتل المالِك في الدفع" يعني أنه لو صار مقتولاً، لا يقع قتلُه هدراً، ولا يجوز قصد قتله بحال.
وقوله: "لزمه شراؤه" يمكن أن يعلم بالواو؛ لقول من قال: إن على مالِك الطعام بذله مجاناً.
وفي قوله: "فهو كشراء المصادر" يعني، وفيه خلافٌ، وهو الذي حكيناه عن الإِمام، وجعل في "الوسيط" الخلاف قولين، ولا يكاد يُوجد ذلك لغيره، وقوله "كشرى المصادر" يريد الشَّرْىَ من المُصَادِر، ويجوز أن يُحْمل على شرى المصادر الشيء الذي يصادر على تحصيله، وفي بعض النسخ "كَبَيْع المُصَادِرِ" وهو الأظهر.
والحالة الثانية: إذا كان صاحب الطعام غائباً، فيجوز للمضطر تناوُل الطعام، ثم يغرم له، وفي وجوب التناول والقدر المتناول ما مضى من الخلاف.
وإن كان الطعام لصبي أو مجنون، والولي غائب، فكذلك، وإن كان حاضراً، فهو في مالهما ككامل الحال في ماله، وهذه إحدى الصور التي يجوز فيها بيع مال الصبي نسيئة، وجميع ما ذكرنا في الحالتين مفروض فيما إذا لم يجد إلاَّ طَعَامَ الغَيْرِ، فأما إذا وجد معه ميتة ونحوها، فحكمه ما سيأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل.
فروع: إذا استضاف مسلمٌ لا اضطرار به مسلماً، لم يجب عليه ضيافته، والأحاديث الواردة في الباب محمولةٌ له على الاستصحاب، وعن أحمدَ: أنها واجبةٌ.
ومَنْ مَرَّ بثمر الغير أو زرعه، لم يجز له الأكل، والأخذ بغير إذن صاحبه إلا أن يكونَ مضطراً، وعن أحمدَ روايةٌ: أنه يجوز الأكل من الثمار الرطبة في البستان الذي هو غير محوطٍ، ورُوِيَ عنه أنه ينادى ثلاثاً، فإن أجابه إنسان، وإلا أكل منه، ولا يزود معه شيئاً، وحكمُ الثمار الساقطة من الأشجار حكمُ غيره، إن كانت داخلَ الجِدار، وإن كانت خارجةً، فكذلك، إن لم تجر عادتهم بإباحتها، وإن جرت كما في النخيل بالكوفة، والبصرة، فقد حكى القاضي الرويانيُّ وجهين في أن العادة المطردة، هل تَجْري مَجْرَى الإِباحة؟.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: إِذَا وَجَدَ مَيْتَةً وَطَعَامَ الغَيْرِ قِيلَ المَيْتَة أَوْلَى، وَقِيلَ: الطَّعَامُ أَوْلَى، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، وَكَذَا الخِلاَفُ لَوْ وَجَدَ المُحْرَمُ الصَّيْدَ وَالمَيْتَةَ، وَلَوْ وَجَدَ لَحْمَ الصَّيْدِ فَهُوَ أوْلَى مِنَ المَيْتَةِ لأَنَّ تَحْرِيمَهُ خَاصٌّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا وجَد المضطر ميتة وطعام الغير، وهو غائب، ففيه ثلاثةٌ أوجه، ويُقال أقوال:
أصحها: أنه يأكل الميتةَ، ويدع طعام الغير، وبه قال أحمد؛ لأن الميتة محرمةٌ لحقِّ الله تعالى، وحقوق الله تعالى مَبْنَى أمرها على المسامحة، ولأن إباحة الميتة للمضطر منصوصٌ عليها، وجواز الأكل من مال الغير بغير إذنه يؤخذ من الاجتهاد؛ ولأنه لا يتعلَّق به ضمان واشتغال ذمة.
والثاني: ويُحْكَى عن أبي حنيفَة: أنه يأكل طعامَ الغير؛ لأنه قادرٌ على طعام حلال العين؛ فأشبه ما إذا كان المالِكُ حاضرًا وبذله.
والثالث: أنه يتخيَّر بينهما؛ لتعارض المعنيين، وأشار الإِمام إلى أخذ هذا الخلاف من الخلاف في اجتماع حقِّ الله تعالَى وحق الآدميِّ.
وإن كان صاحبُ الطعام حاضرًا، نظر؛ إن بذله بلا عوض، وجب على المضطر قَبولُه، وإن باعه بثمن المثل، وجب عليه الشرى، إن كان الثمن معه أو رضي المالِك بكونه في ذمته، وكذا إذا باع ما يتغابن الناس بمثله، وإن كان ببيع بزيادة كثيرة، فالذي أورده العراقيون والطبريون من أصحابنا وغيرهم: أنه لا يلزمه شراؤه، لكنه يُستحب، وإذا لم يلزمه الشرى، فهو كما لو لم يبذله المالِك أصلاً، وإذا لم يبذله، فلا يُقاتله عليه المضطر، إن كان يخاف من المقاتلة على نفسه، أو كان يخاف أن يَهْلك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف لضعف المالك وسهولة دفعه، فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائباً، وفي "التهذيب"؛ أنه يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة، ثم يجيء الخلاف في أن الواجب عليه المسمى أو ثمن المثل وذكر فيما إذا لم يبذل أصلاً: أن على قولنا؛ إن طعام الغير أولَى من الميتة؛ يجوز أن يُقال: إنَّه يقاتله عليه، ويأخذه منه قهراً.
وقوله في الكتاب "الميتة أولَى"، و"الطعام أولَى"، ليس على سبيل وصف أحد الجائزين بالأولوية، وإنما يعني أنها أو أنه أولَى بأن يتعين أو أنه أولَّى بالأكل، فيتعين له.
المسألةُ الثانيةُ: إذا اضطر المُحْرِم، ولم يجد إلا صيداً، فله ذبحه وأكله، وتلزمه الفدية، وإن وجد صيداً وميتة، فقولان:
أحدُهما: وهو اختيار المُزني: أنه يأكل الصيد؛ لأن تحريم الميتة آكد وأغلظ؛ لأنه يتأبد ويعم المُحْرِم وغيره، وتحريُم الصيد بخلافه.
وأظهرُهما: وبه قال أبو حنيفَة ومالكٌ: أنه يأكل الميتة؛ لأن في الصيد يحتاج إلى ارتكاب محظورَيْن؛ وهما القتل والأكل، وأيضاً، فإنه يلزمه الجزاء، ولا ضمان في الميتة، وأيضاً فإن استثناء الميتة عند الاضطرار منصوصٌ عليه، والصيد مستثنى في حالة الاضطرار بالاجتهاد، وكيف حال القولين وترتيبهُما، وعلام ينبنيان؟ فيه ثلاثُ طرق عن أبي إسحاقَ والقاضي أبي حامد: أنهما متأصلان بنفسهما، وعن ابن القاصِّ: بناؤهما على أن المُحْرِم، إذا ذَبَحَ الصيدَ، هل يصير ميتة؟ إن قلنا: نعم، وهو القول الجديد، فيدع الصيد ويأكل الميتة؛ لأن الذَّبْح محظورٌ في نفسه، وهو بعد الذبح كالميتة، وإن قلنا: لا فيأكل الصيد؛ لأنه طاهر ذكي، ويفدى كما يأكل طعام الغير، ويضمن وعن
أبوه علي بن أبي هريرة والطبري: أنا إن جعلناه ميتة، فيدع الصيد ويأكل الميتة بلا خلاف، وإن قلنا: لا يصير ميتة، فقولان، ولا يخفى توجيههما مما ذكرنا، وعلى هذه الطريقة جرى أكثر الأئمة، وعن القفَّال قول أو وجه ثالثٌ، وهو أنه يتخير بينهما، كما مرَّ في المسألة الأولى.
وقوله في الكتاب "وكذا الخلاف" يتضمن نقل الوجوه أو الأقوال الثلاثة جميعاً، ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن القاضي الطبري ذكر طريقة قاطعة؛ بأنَّه يأكل الميتة ويترك الصيد، كان وَجَدَ المُحْرِم لحم صيد ذُبِحَ وميتة، فإن ذبَحه حلال لنفسه، فهذا مضطر؛ وجد ميتة وطعام الغير، كان ذبحه المُحْرِم قبل الإِحرام، فهو واجد لطعام حلال لنفسه، وليس بمضطر، وإن ذبحه في حال الإِحرام أو ذبَحه مُحْرِم آخر، فإن لم نجعل ما ذبحه المحرم ميتةٌ، فلحم الصيد أولَى منه؛ لأنه طاهرٌ، ولا يتقدم الأكلَ محظُور آخر، ولأن تحريم الصيد يختص بالمُحْرِم، وتحريمُ الميتة عام، وقيل: الميتة أولَى، وقد توجه بما سبق أن استثناء الميتة عند إلاضطرار منصوص عليه، وإن جعلْناه ميتة، ففي تعليق الشيخ أبي حامد: أن الميتة أولَى؛ لأنه لا ضمان فيها بخلاف لحم الصيد؛ فإنه مضمون بالجزاء عند بعْض العلماء، وقال القاضي أبو الطيب؛ يتخير بينهما؛ لأن كل واحد منهما ميتةٌ، وهذا أظهر على ما ذكر في "العدة" والحاصِلُ منها ثلاثة أوجه: تقديم لحم الصيد، وتقديم الميتة، والتخيير، والجواب في الكتاب؛ تقديم لحم الصيد، وقضيةُ ما أتى الشرح عليه ترجيحُ التخيير، فاعرف ذلك، وأَعلِمُ قوله "فهو أولَى من الميتة" بالواو.
وإن وجد المحرم صيداً وطعام الغير، فيَذْبح الصيد ويأكله، أو يأكل طعام الغير أو يتخيَّر؟ فيه ثلاثةً أوجهٍ أو أقوالٍ، سواءٌ جعلنا ما يذبحه ميتة أو لم نجعلْه ميتةً، لكنه قد يختلف التوجيه.
كان وجد صيداً وطعام الغير ميتةً، فيأكل الصيد أو الميتة أو طعام الغير أو يتخيَّر بينهما؟ وفيه أربعة أوجه أو أقوال لا يخْفَى توجيهها بما سبق، وزاد الإِمام ثلاثة أوجهٍ أُخَرَ:
أحدها: أنه يترك الصيد، ويتخيَّر بين طعام الغير والميتة.
والثاني: يترك طعام الصيد، ويتخيَّر بين الصيد والميتة.
والثالث: يترك الميتة، ويتخيَّر بين الصيد وطعام الغير والله أعلم.
ونختم الكتاب بفروع منثورة.
إذا لم نجعل ما يذبحه المُحْرِم ميتةً، فهل على المضطر قيمة ما يأكل منه؟ فيه
وجهان؛ بناءً على القولين في أن، هل يستقر للمحرم ملكه على الصيد.
ولو وجد ميتتين؛ إحداهمَا من جنس ما يؤكل كالشاة، والأخرَى مما لا يُؤْكَل؛ كالذئب، فيتخيَّر أو يأكل مما يُؤكل جنسه؟ فيه وجهان، ويَجْرِي مثلهما فيما إذا كانت إحداهما طاهرة في الحياة والأخرَى نجسةً، وليس للعاصي بسَفَره أكلُ الميتة، حتى يَتُوبَ، وفيه وجهٌ آخرُ، وقد سبقت المسألة في "صلاة المسافر".
وعن نص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- أن المريضَ إذا وَجَدَ مع غيره طعاماً يضرُّه ويزيد في مرضه، يجوز له تركه وأكل الميتة، ويلزم مثله فيما إذا كان الطعامُ له، وعُدَّ هذا من وجوه الضرورة، وكذلك التداوي على ما سبق، والكلامُ في الانتفاع بالنجاسات قد سبق في "كتاب الطهارة".
ولو تنجَّس الخُفُّ بخرزه بشعر الخنزير، فغُسِلَ سبعًا؛ إحداهن بالتراب، طَهُرَ ظاهره دون باطنه، وهو موضع الخرز، ويُقال: إن الشيخ أبا زيد كان يصلِّي مع الخفِّ النوافلَ دون الفرائض، فراجعه القَفَّال فيه، فقال: إن الأمر إذا ضاق اتسع، وأشار به إلى كثرة النوافل 1.
وفي تعليقة إبراهيم المَرْوزيِّ: أنه إن وردت أخبار في النهي عن الطين الذي يُؤْكل، ولا يثبت شيء منها، وينبغي أن يُحْكَم بالتحريم، إذا ظهرت المضرة فيه 2، وإن لم تثبت الأخبار، ويُكْرَه أن يأكل من الطعام الحلال فوق الشَّبَع وَيقْذَرَ الطعامَ، ويُستحب أن يأكل الأكل من أسفل الصحفة لا من أعلاها، وأن يقول بعد الفراغ؛ الْحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيراً طَيِّباً مُبَارَكاً، [وبالله التوفيق].