العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 245-247

وجْهاً أنه لا بدَ له منه وضعَّفه، وإن كانتْ تحتاج إلَى ماءٍ يُسَاق إلَيْها, لزم تهيئته من عين أو نهرٍ أو غيرهما، فإذا هَيَّأْهُ، نُظِرَ، إن حفر لَهُ الطريقَ، ولم يبْقَ إلاَّ إجراءُ المَاءِ فيه، كَفَى، ولم يشترط الإجراء، ولا سَقْي، الأرْضِ، وإن لم يَحْفرْ بعْدُ فوجهان، وفي كلام الإمام أيضاً ما يدلُّ عَلَى أنَّ السَّقْيَ نفْسَه غيرُ مُحْتَاجٍ إلَيْه، وإنَّما الحاجةُ إلى ترتيْبِ ماءٍ يمكن السَّقْيُ منْه.
وأراضي الجبالِ الَّتي لا يمكن سوْقُ المَاءِ إلَيْها, ولا يصيبُها إلاَّ ماءُ السَّمَاءِ, مالَ صاحبُ "التقريب" إلى أنَّهُ لا مدخَل للإحياء فيها، وبه قال القَفَّالُ وبنى عليه أنَّا إذا وجدنا شيئاً من تلْك الأراضي في يد إنْسانٍ لم يُحْكَمْ بأنه مِلْكُه، ولا يجوزُ بيْعهُ وإجارَتُه، ومِنَ الأصحاب مَنْ قال: إنَّها تُمْلَكُ بالحراثة وجمعِ التراب على الأطرافِ، وكَمْ من مزرعةٍ تَسْتَغْنِي بالمَطَر عن سَوْق المَاءِ إليها، وهذا ما اختاره القاضي الحسين.
واعْلَمْ أنَّ هذا الخلاف والخلاف أنَّه يجوز إجَارةُ الأراضِي الَّتي لَيْسَ لها ماءٌ معلومٌ للزراعةِ قريبان مُسْتَمَدَّانِ من مأخَذٍ واحدٍ.
فإن قلْتَ: الخلاف في جواز الإجارةِ يَدُلُّ على أنَّ الأرْضَ مملوكةٌ، فكَيْف ينتظمُ اسْتمدادُهَا من أصْلٍ واحدٍ؟ فالجواب: أنَّ الخلافَ في جوازِ الإجَارة في الأراضي المملوكةِ الَّتي سِيقَ الماءُ إليها عنْد الإحياء، ومُلِكَتْ، ثم انقطع الماء بانكباسِ القَنَاة، وانهيارِ البئْرِ، لا في الأراضي التي لا يَنْسَاق الماءُ إليها بحال، وحينئذٍ ينتظم ما ذكَرْناه، وهل تشترط الزراعةُ لِحُصُولِ المِلكِ في المزْرَعَة؟ فيه وجهان: أَحَدُهُمَا: نعَمْ؛ لأنَّ الدَّارَ والزريبة لا تصيرُ مُحْياةً إلاَّ إذا حَصَلَ فيها عينُ مالِ المُحْييِ، وكذا المزرعة.
والثاني: لا, لأنَّ الزراعةَ استيقاءُ منفعةِ الأرض، واسْتيفاءُ المنفعة خارجٌ عن حدِّ الإحياء؛ ألا تَرَى أنَّهُ لا يُعْتَبَر في إحْياء الدَّار أنْ يَسْكُنَها.
ويُنْسَبُ الأول إلَى ظاهر النّصِّ، لكنَّ الثاني أَوْضَحُ، والأكثرون مائلُون إلَيْه حتى أنَّ القاضِيَ المَاوَرْدِيَّ غَلَّطَ من قال بغيره.
الرابعة: إذا قَصَدَ بُسْتَاناً أو كَرْماً، فلا بُدَّ من التَّحْوِيط، وكم يُحَوِّط؟ ردَّ القاضي ابن كج الأمْرَ فيه إلى العادة، وقال: إنْ كانت عادةُ البَلَد بناءَ لزم جدار البناءُ, وإن كانتْ عادتُهُمُ الحفر بالقَصَب والشَّوْك، وربَّما تركوه أيضاً كما بـ"البَصْرَة" و"قَزْوين" اعتبرت عادتهم، وحينئذ يكفي جَمْعُ التراب حوالَيْه؛ كالمزرعة، والقولُ في سَوْق التراب والماءِ إلَيْه على ما ذكرنا في المزْرَعَة، وهلْ يُعْتَبَرُ غرسُ الأشجار؟ أمَّا من اعْتبر الزَّرْعَ في المزْرَعة، اعتبر الغرس في البستان بطريق الأولَى.

وأمَّا الدين لم يَعْتَبِروا الزَّرْع، فإنهم اختلفوا في الغَرْسِ عَلى وجْهَيْن، ومعظمُهُمْ اعتبروُهُ، والفَرْقُ من ثلاثة أوجه: أحدُهَا: أنَّ اسْمَ المزْرَعَةَ يقع على البُقْعة قبْل الزِّراعة، واسم البستان لا يقع قبل الغرس.
والثاني: أنَّ الزَّرْع يَسْبِقُه [حَرْثُ الأرْضِ وتقليبُها] 1، مجازَ أنَّ يُقَامَ مقامَه، والغرس لا يَسْبِقُه شَيءٌ يُقَامُ مقامَه.
والثالث: أنَّ الغَرْسَ يدومُ، فالحق بأبنية الدارِ والزَّرْعَ بخلافه.
هذا شرح مسائل الكتاب، ويجوز أنَّ يُعْلَمَ قولُه: "وتَعْلِيقِ البَابِ وَتَسْقِيفِ البَعْضِ" بالواو؛ لما سبق.
وقوله: "في البُسْتَانِ يُحْتَاجُ مَعَ التَّحْوِيطِ، وَتَعْلِيقِ البَابِ إِلَى حَفْرِ الأَنْهَارِ" أراد حَفْرَ النهر إلى الماء الذي يسوقه إلَيْه من عينٍ أو نهر.
وفيما قدَّمنا يعرِّفُك أنَّهُ يجوزُ إعْلاَمُ قوله: "تَعْلِيقِ البَابَ إِلَى حَفْرِ الأَنْهَارِ، وَسَوْقِ المَاءِ إِلَيْهِ"، بالواو، ويجوزُ أيضاً أنْ يُعْلَمَ قولُه: "إلَى جَمْعِ التُّرَاب حَوَالَيْهِ في المَزْرَعَةِ" بالواو؛ لأنَّ الشَّيْخ أبا حامدٍ قال في التَّعْليق "وعنْدي إذا صارَتِ الأرضُ مزروعةً بماءٍ سبَقَ إلَيْها، فقد تَمَّ الإحياءُ، وإن لم يَجْمَعِ التّراب حوالَيْها، فاعْلَمْ أنَّ طُرُقَ الأَصْحَاب مُتَّفِقةٌ على أنَّ الإحْياء يختلفُ باختلافِ ما يقْصِدُه المحْيي من مسْكَنٍ، أو حظيرة وغيرهما.
وبحث الإمام فيه عن سَبَبَيْن لا بُدَّ منهما: أحدهُمَا: أنَّ القصْدَ إلى الإحْيَاء، هلْ، يعتبر؛ لحُصُول الملك فيه؟ وأجاب بأنَّ ما لا يفعله في العادة إلاَّ المتملِّك؛ كبناء الدُّور، واتِّخاذ البستان يُفيد الملك، فإن لم يوجَدْ منه قَصْد، وما يفعله المتملِّك وغيرُ المتملِّك؛ كحفر البئر في المَوَات، وكزراعة قطْعةٍ من المواتِ؛ اعتماداً على ماءِ السماء، فإِذا انضمَّ إلَيْه القصدُ، أفَادَ المِلْكَ، وإلاَّ، فوجهان، وما لاَ يَكْتَفِي به المتملِّكُ كتسوية موْضِع النزول، وتنقيته عَنِ الحجارة، لا يفيدُ التملُّكَ، وإن قصَدَه، وشبّه ذلك بالاصطياد، بنصب الأُحْبُولة في مدارج الصُّيود يفيد الملْكَ في الصيد، وإغلاقُ الباب إذا دَخَلَ الصَّيْدُ الدارَ على قصْدِ التَمَلُّكِ يفيد المِلْكَ، ودونَهُ وجهان، وتوحل الصيد في أرضه التي سقَاهَا لا يَقْتَضِي الملْكَ، وإن قَصَده.
والثاني: أنَّه إذا قَصَدَ نَوْعاً، وأتى بما يُمْلَكُ به نوعٌ آخرُ، ما الحكم؟ فأجاب بأنَّه

يفيدُ المِلْكَ، حتى إذا حَوَّط البقعة، يَمْلِكُها، وإن قَصَدَ المَسْكَنَ؛ لأنَّهُ مما يملك به الزَّرِيبَةَ، لو قصَدَها، والجواب عن البحث الأوَّل فمقبولٌ، لا يلزمُ منه مخالفةُ الأصحابِ، بل إنْ قَصَدَ شَيئًا، اعتبرنا في كلِّ مقصود ما فَصَّلوه، وإلاَّ، نَظَرْنا فيما أتى به، وحَكَمنا فيه بما ذكره، وأمَّا الجوابُ عن الثَّانِي، فمخالفةٌ صريحةٌ لما قالُوهُ؛ لما فيه من الاكتفاء بأدنَى العمارات أبداً.
فإذا حفر بئراً في المَوَاتِ؛ للتملُّك، لم يَحْصُل الإحياءُ ما لم يَصلْ إلى الماء، وإذا وصَلَ، كَفَى إن كانت الأرضُ صُلْبَةً، وإلاَّ، وجب أنَّ يُطْوَى، وفي "النهاية": أنَّه لا حاجةَ إلَيْه، وفي حفر القناة يَتِمُّ الإحْيَاءُ بخُروجِ المَاءِ وجريانه وإذا حَفَرَ نَهْراً ليَجْرِيَ الماءُ فيه عَلَى قَصْد التَّمَلُّكِ، فإذا انتهَتْ فُوَّهة النهر الذي يَحْفره إلى النَّهْرِ القديمِ، وجرَى فيه الماءُ، ملَكَه وكذا ذكره صاحبُ "التَّهذيب" وغَيْرُهُ.
وفي "التتمة" أنَّ المِلْكَ لا يتوقَّف على إجراء المَاءِ فيه؛ لأنَّه استيفاءُ منفعة؛ فالسكون في الدار (1).

فَرْعٌ:

سَقَى أرْضَه بماءِ غَيْرِه المملوكِ لَهُ فالغلة لصاحبِ البَذْر، وعليه قيمةُ الماء.
قال الحناطيّ: لو استَحَلَّ من صاحبِ المَاءِ، كان الطَّعَامُ أطْيَبَ 2.1

جارٍ التحميل