العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةصفحات 525-564

الكتاب، وإذا عرفنا أصلاً فنحن أغنياء عن إعادته في إفراد المسائل ويقرب من ذلك لفظ الشاهدين في قوله "فليظهره بشاهدين" نعم يمكن أن يشار به إلى أنه لا بُدَّ من البينة، ولا سبيل إلَى تحليف الخصم عَلَى عدالتهم، كما بيَّنَّاه، والله أعْلَم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعُ: لَوْ كَانَ فِي البَلَدِ قَاضِيَانِ وَجَوَّزْنَا ذَلِكَ فَقَالَ أَحَدُهِمَا لِلآخَرِ: سَمِعْتُ البَيِّنَةَ فَاَقْضِ فَجَوَازُ القَضَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ نَقْلٌ لِلشَّهَادَةِ أوْ حُكْمٌ فَإنْ قُلْنَا: إنَّهُ نَقْلٌ فَكَيْفَ يُقْبَلُ مَعَ حُضُورِ الأَصْلِ فَالظَّاهِرُ أنَّهُ حُكْمٌ وَلَوْ كَانَ نَقْلاً لَمَا اكْتَفَى بَقَوْلِ وَاحدٍ عِنْدَ الغَيْبَةِ لَكِنَّهُ حُكْمٌ بِقِيَامِ البَيِّنَةِ فَقَطْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أنَّ الحكم المُبْرَم ينهيه القاضِي إِلى القاضي تارةً بالكتاب والشهادة، وتارةً بالمشافهة كذلك سماع البينة يفرض فيه الطريقان، فلما تكلَّم لسماع البينة عقد هذا الفرعْ ليتكلَّم في المشافهة به، فإِذا نادَى قاضٍ من طرف ولايته قاضياً آخر في طرفِ ولايته أنِّي سمعتُ البينة بكذا أو جوَّزنا في بلد قاضيين، فقال أحدهما للآخر: هل للآخر أن يحكم بني الأِمام وصاحب الكتاب ذلك على أن سماع البينة وإنهاء الحال إلَى القاضِي الآخر نقل الشهادة الشهود، كنقل الفروعِ شهادة الأصول أو حكم بقيام البينة وفيه جوابان ووجه: أولهما: بأنه، لو كان حكماً، لما افتقر إلى تسمية الشهود.
وثانيهما: بأنه لو كان نقلاً لما كفى ناقل واحدٍ، وقد اكتفينا بالقاضي المُنْهِي، فعلى الأول؛ لا يجوز للمقول له الحكم، كما لا يجوز الحكم بشهادة الفروع مَعَ حُضُور الأصُول، وعلى الآخر؛ يجوز كما في الحكم المبرم، وهذا أظهر عند الإِمام والمصنِّف، لكن عامة الأصحاب مَنَعُوا، وقالوا أيضاً: كتاب السماع، إِنَّما يقبل إِذا كانت المسافةُ بَيْن الكاتب وبين الذي بلغه الكتاب بَحَيْثُ يقبل في مثلها الشهادة على الشهادة، وهي مسافة القصر، وأما ما فوق مسافة العدوى على اختلاف سيأتي في موْضِعه، أما إِذ كانت المسافةُ دونَهَا، فلا يقبل، وهذا ما نصَّ عليه في "عيون المسائل" ويخالف الكتاب بالحكم المبرم حَيْثُ يقبل قربت المسافة أم بعدت، وفرقوا بأن الحكم هناك قد تم وليس بعده إِلا الاستيفاء، وسماعُ البينة بخلافه، فإنه إِذا لم تبعد المسافة ولم يعتبر إِحْضَار الشهود عند القاضي الآخر، ووجدتُ في نسختين مِنْ "أمالي" أبي الفرج السرخسيِّ عكس ما أورده الجمهور، وهو أن "كتاب السماع" يقبل مع قُرْب المسافة وبعدها، وكتاب الحُكْم لا يُقبل، إِلا إِذا بعدت المسافة، وهو غلط ناقل أو ناسخ، وليس وجهاً آخر، وإِذا قال الحاكم لخليفته: اسْمَعْ دعْوَى فلان وبينته، ولا تحكم حتى تعرفني، ففعل، هل للحاكم أن يحكم به، القياس أنه كإنهاء أحد القاضيَيْن

في البلد إِلى آخر؛ لإمكان حضور الشهود عنده، لكن الأشبه هاهنا أَنَّ لهُ الحُكْمَ؛ لأنه تجويز الاستخلاف للاستعانة بالخليفة، وذلك يقتضي الاعتداد بسماعه بخلاف سماع القاضي المستقل، وبهذا أجاب أبو العباس الرويانيُّ في "الجُرْجَانِيَّات" عَلَى تلَوُّم فيه.
وقوله في الكتاب: "فقال أحدهما للآخر: سمعتُ البينة فاقض كلمة "فاقض" ليست بشرط في صور المسائل، إذا جوزنا القضاء للمنقول إلَيْه، فيكتَفَى بقوله: "سمعت البينة"، لكن يستفاد من قوله: "فاقْضِ" تعديل الشهود، واستغناء المنقول إليه عن البحث.
وقوله: "لما اكتفى بواحد عند الغَيْب" يعني إِذا كان بينهما مسافةٌ، وكان لإِنهاء بالكتاب وقوله: "ولكن حكم بقيام البينة فقط" هذا اللفظ إنما يتوجه إذا سمع وعدل، فأما إذا اقتصر على السماع، فينبغي أن يقال: إنه حكم بالشهادة، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّكْنُ الرَّابعُ: المَحْكُومُ بِهِ: وَذَلِكَ لاَ يخْفَى فِي الدَّيْنِ وَالعَقَارِ الَّذِي يُمْكِنُ تَعْرِيفُة بِالحَدِّ، أَمَّا العَبْدُ وَالفَرَسُ وَمَا يَتَمَيَّز بِعَلامَةٍ فَإِنْ كَانَ غَائِباً فَفِي الحُكْمِ عَلَى غَيْبَتِهِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أنَّهُ يَجُوز التَّعْرِيفُ بِالحِلْيَةِ كَالمَحْكُومَ عَلَيْهِ وَالثَّانِي: أنَّهُ كَالكرْبَاسِ وَسَائِرِ الأَمْتِعَةِ فَيَتَعلَّقُ الحُكْمُ بِقيمَتِهِ، وَبَجِبُ ذِكْرُ القِيمَةِ، وَلاَ يَجِبُ ذِكُرُ الصِّفَاتِ، وَلاَ بَأْسَ لَوْ ذَكرَهَا فِي الكِتَابِ، أمَّا قيمَةُ العَقَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالعَيْنِ لاَ يَجِبُ ذِكْرُ قِيمَتِهِ عَلَى الأَصَحِّ وَالثَّالِثُ: أنَّهُ يَسْمَعُ البَيِّنَةَ وَلاَ يَقْضِي بَلْ يَكْتُبُ بَالسَّمَاعِ إِلَى القَاضِي الآخَرِ، وَفَائِدَتُهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَيْنَ العَبْدِ الموْصُوفِ إِلَيْهِ لِيَحْمِلَهُ إِلَى بَلَدِ الشّهُودِ لِيُعَيِّنُوهُ بِالإِشَارَةِ، وَيَلْزَمُهُ كَفِيلٌ بِالبَدَنِ لِيَأْخُذَ العَبْدُ مِنْ صَاحِبِ اليَدِ، وَفِي وَجْهٍ لاَ يَكْفِي ذَلِكَ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ العَبْدَ وَيَضَمْنَ عَنْهُ الثَّمَنَ ضَامِنٌ، فَإنْ ثَبَتَ مَلْكُهُ فِيهِ بَانَ بُطْلاَنُ الشِّرَاءِ، وَفِي وَجْهٍ يَلْزَمُ تَسْلِيمُ القِيمَةِ فِي الحَالِ لِلحَيْلُولَةِ ثُمَّ يَسْتَردُّ لَوْ ثَبَتَ مِلْكُهُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود هذا الفصل الكلام في الحكم بالشيء الغائب بالغيبة؛ لأن القاضي يحتاج إلى مكاتبة قاضٍ آخَرَ؛ لغيبة المدعَى عليه تارةً، ولغَيْبَةِ المدَّعِي أُخْرَى، واعلم أن الحضور والغيبة، إنما يعتبران الأعْيَانَ، فأما إذا كانت الدعوى في نكاح أو طلاق أو رجعة أو إِثبات وكالة، فلا يوصف المدَّعِي بغيبة ولا حضور، وكذلك إذا كان المُدَّعَى دَيْناً، ومهما ادَّعَى عَيْناً، فإن كانت حاضرةً مشاراً إِليها، فيسلم إِلى المدَّعِي، إِذا تمت حجته، دمِان كانت غائبة، فينظر، أهي غائبةٌ عن البلد أم غائبة عن مجلس الحُكْم دون البلد.
الحالةُ الأولَى: إذا كانت غائبةً عن البلد، فهي إِما عين يؤمن فيها الاشتباه

والاختلاط؛ كالعقار والعبد والفَرَسِ المعروفين، وإما غيرها أما القسم الأول، فالقاضي يسمع البينة عليه، ويحكم ويكتب إِلى قاضي بلد ذلك المال، ليسلمه إِلى المدعي، ويعتمد في العقار عَلَى ذكر البقعة والسكة والحدود، وينبغي أن يتعرَّض لحدوده الأربعة، ولا يجوز الاقتصار عَلَى حدين أو ثلاثة كذلك ذكره ابنُ القاصِّ في أدب القاضي، ولا يجب التعرُّض للقيمة عَلَى أصح الوجهين؛ لحصول التمييز دونه.
وأما القسم الثاني كغير المعروف من العبيد والدوابِّ وغيرها، فهل تسمع البينة على عينها، وهي غائبة فيه قولان أحدهما: تسمع كما يسمع الخصم اعتماداً على الحِلْيَة والصفة؛ لأنه قد يحتاج إِلى إِثباته في الغيبة، فأشبه العقار.
والثاني المنع؛ لكثرة الاشتباه فيه والصفاتِ، والحلي تتشابه أيضاً، وبهذا قال أبو حنيفة والمزنيُّ -رحمهما الله- ورجح طائفةٌ من الأصحاب، منْهم أبو الفرج الزاز، والأول اختيار الكرابيسيِّ والإِصطخريِّ، ورجحه ابن القاصِّ، وأبو عليِّ الطبريُّ، وبه أجاب القَفَّال في "الفتاوى": وإذا قلنا به، فهل نحكم للمدعِي بما أقام البينةَ عليه؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، كما في العقار.
وأصحهما: المنع؛ لأنَّ الحكم مع الجهالة، وخَطَر الاشتباه بعيدٌ، وإذا ترك الترتيب حصلَتْ ثلاثة أقوال لا يسمع البينة علَيْها، ولا يحكم.
تسمع ويحكم.
تسمع ولا يحكم، هذه طريقةُ عامَّةِ الأَصْحابِ، وطردوها في جميع المنقولات التي لا تعرف، وقال الإِمام وصاحب الكتاب: ما لا يؤمن فيه الاشتباه والاختلاط ضربان: أحدهما: ما لا يمكن تعريفه وتمييزه بالصِّفَات.
والثاني: كالرقيق والدواب ومَا لاَ يمكن لكثرة أمثاله كالكرباس، وجعلا الضرب الأول عَلَى الأقوال الثلاثة، وقَطَعَا في الكرباس ونَحْوِه؛ بأنه لا ترتبط الدعْوَى والحكم بالعين.
التفريع: إن قلْنَا تسمع البيِّنة، فينبغي أن يبالغ المدعي في الوصف بما يمكن من الاستقصاء والتعرض للثبات والشامات، وبم يضبط بعد ذكر الجنس والنوع؟ حكى القاضي أبو سعد الهرويُّ وغيره فيه قولَيْن: أحدهما: أنه يتعرَّض للأوصاف التي يعسر ذكرها في السلم.
والثاني: أنه يتعرَّض للقيمة، ويستغني بها عن ذكر الصفات، قالوا: والصحيح أن الرُّكْن في تعريفِ ذواتِ الأمثال ذكرُ الصفات، وذكرُ القيمةِ مستحبٌّ، وفي تعريف ذوات

القيم الركْنُ القيمة، وذكر الصفات مستحبٌّ وأما الإِمام وصاحب الكتاب، فإنهما لَمَّا ذكرا على طريقتهما أنَّ في الكرباس ونحوه لا يرتبط الدعْوَى بالعين، قَالاَ: لا بدّ من ذكر القيمة، فإِنها التي ترتبط الدعوى والبينةُ والحُكْم بها، فيدعي كرباساً قيمته عشرةُ دراهمَ مثلاً، وكذلك في العبد، إِذا لم تسمع البينة على عينه، هذا ما أراد بقوله في الكتاب "فيتعلق الحكم بقيمته" ويجب ذكر القيمة، ولو بحث عن قولهما، بأن الدعوى والحكم والبينة ترتبط بالقيمة دون العَيْن، لولَّد البحثُ إشكالاً صعباً؛ لأنَّ العين، إنْ تلفت، فالمطالبةُ بالمثل أو القيمة دعْوَى الدَّيْن، وليس ذلك مما نَحْنُ فيه في شيء، وما دامت العَيْنُ باقيةً، فالمدَّعِي لا يَسْتَحِقُّ القيمةَ، فكيف يطلبها، وكيف يحكم القاضي بها، وإن كان المراد أنَّه يدعي قدر القيمة من المال في يده، ويحكم له بذلك من غير تعيْينٍ، فهذا شيء لا عَهْدَ به، دمِان كان المرادُ أنه يعتمد في طلب العين والحكم بها، ذكر القيمة دون الصفات والحلي، فهذا ذهاب إِلى أنَّه يسمع الدعوى بالعَيْن، ويحكم بها، لكن اعتماداً على القيمة دون الصفة، وذلك لا يلائم نظم الكتاب وسياقه، والله أعلم، وذكرنا بناءً على طريقتهما أوصاف السلم، لا يكتفي بها في الدعوى بحَالٍ؛ لأنَّ المقصود هاهنا التعيين فيراعي ما كان أفصح 1 إليه والمسلم فيه دَينُ فيحترز فيه عن الاستقصاء المُؤَدَّي إلى عِزَّةِ الوجود ثم يكتب القاضي إلى قاضي بلد المال بما جرى عنده من مُجَرَّد قيام البينة، أو مع الحكم إِنْ جَوَّزنا الحكم المبرم، فإن أظهر الخصم هناك عبداً آخر بالاسم والصفات المذكورة في يده أو في يد غيره، وقد صار القضاء مُبهماً وانقطعت الطُلْبَةُ في الحال كما سبق بيانه في المحكوم عليه وإن لم يأتِ بمدفع فإن كان الكتاب كتاب حكم على قولنا بتجويزه فيحلف المدَّعِي أن هذا المال هو الذي شهد به شهوده عند القاضي فلان ويسلم إليه كذلك ذكره ابن القاصِّ في "أدب القضاء" وإن كان كتاب سماع البينة فينتزع المكتوب إليه المال ويبعث به إلى بلد المكاتب ليشهد الشهود على عَينهِ وفي طريقه قولان أشهرهما وهو الذي أورده ابنُ الصبَّاغ وغيرهُ أنه يُسلمه إلى المدعي ويأخذ منه كفيلاً لَبَرَتِه وقأل أبو الحسن العبَّادي: يكفله قيمة المال فإن ذهب إلى القاضي الكاتب وشهد الشهود على عينه وَسُلِّم له كتب القاضي بذلك لِيَبْرَأَ الكفيل وإلا فعلى المدعي الرد ومُؤْنَتِهِ وتُختم العين عند تسليمها إليه بختم لازم حتى لو كان المُدَّعَى عبداً فتجعل في عنقه قَلاَدة ويختم عليها والمقصود من الختمِ ألا يبدل المأخوذ بما لا يستريب الشهود في أنه له وَأَخْذُ الكفيلِ خَتْمٌ والخَتْمُ ليس بختْمٍ كذلك حكى المتلقي عن أبي بكر الأرغِياني الإِمام وعلى هذا القول لو كانت المدعوة في جارية فقد أطلق في الإِبانة وجهين في أنه هل يَبعث المكتوب إليه بها إلى الكاتب ومنهم من

قال لا فَرْقَ بينها وبين العبد وقيل لا يسلمهِا إلى المدعي ولكن إلى أَمِينٍ في الرفقة وهذا حسن 1 ثم المفهوم من كلام الجمهور أنَّ الشُّهودَ إِنْ شَهِدوا على عينه عند القاضي الكاتب فيسلمها إلى المدعي.
وقد تم الحكم له، ثم تكتب لإبراء الوكيل على ما ذكرنا، في "الفروق" للشيخ أبي محمَّد: أنه يختم على رقبته ختماً ثانياً، ويكتب أني حكمتُ به لفلان، ويسلمه إِلى المكتوب إِليه، حتى يرده إِلى القاضي الثاني، فيقرأ الكتاب، ويطلق الكفيل، ويسلِّم العبد إِلى المدعي.
والقول الثاني: أن القاضي بعد الانتزاع يبيعه للمدَّعي، ويقبض الثمن، ويضعه عند عدل، ويكفله بالثمن، فإِن سلم للمدَّعي بشهادة الشهود عَلَى عينه عند القاضي الكاتب كتب برد الثمن أو براءة الكفيل وبأن بطلان البيع، وإلا، فالبيع صحيحٌ، ويسلم الثمن إِلى المدعى عليه، وهذا بيعٌ يتولاه القاضي للمصْلَحَة، كما يبيع الضوالَّ، وحكى الفوارنيُّ بدَلَ هذا القوْلِ أنه يُسلِّم إلَيْه المال، ويأخذ القيمة، فيدفعها إِلى المدعَى عليه، للحيلولة بينه وبيق ما يزعمه ملكَاً له، ثم هذه القيمةُ مستردَّةٌ، سواءٌ ثبت أنَّ المال للمدعِي أو لم يثبتْ، أما إِذا ثبت، فظاهرٌ، وأما إِذا لم يثبُتْ، فلأنَّا أخذناها للحيلولة، فإِذا ارتدَّ المال إِلى المدعَى عليه، فلا بدّ من ردِّ القيمة، وبعدُ، فلنتكلَّم في لفظ الكتاب قوله: "الركن الرابع: المحكوم به" لفظ المحكوم به، وِإن شمل الحاضِرَ والغائِبَ، وما لا يوصف بحضور ولا غيبة، كالدَّيْن وحدِّ القذف، لكن الغرض هاهنا الكلام في المحكوم به للغائب، فكذلك قال: لا يَخْفَى في الدَّيْن.
وقوله: "والعقار الذي يمكن تعريفه بالحدِّ" يعني: أنه، وإن كان ببلد آخر، يجوز الحكم به لتعيّنه وتميُّزه بالحدود.
وقوله "أما العبد والفرس وما يتميز بعلامة" قصد بقوله "وما يتميز بعلامة" تقييد الأقوال المذكورة ببَعْض المنقولات، وهي التي تتميز بالصفاتِ والعلاماتِ والأنساب دون التي تتشابه ولا تتميز بعلامةٍ واسمٍ ونسبٍ، عَلَى ما حكيناه عن نقله ونقل الإِمامُ.
وقوله "ففي الحكم عَلَى غيبته ثلاثة أقوال" الأقوال الثلاثة لا تجري في الحكم وحْده، وِإنما تحصل إِذا أخذنا سماع البينة، والحكم معاً، حتى يفرق بينهما في الثالث فإِذَنْ اللفظ يفتقر إِلَى إضمار.
وقوله: "والثاني: أنه كالكرباس وسائر الأمتعة" بني هذا على طريقته القاطعة؛ بأن

الكرباس ونحوه لا يسمع البينة عليه، ولا يحكم به، وهو غائبٌ، فجعله مقيساً عليه، لأحد الأقوال في العبد والفرس، ثم بين حينئذٍ أن الحكم يتعلق بالقيمة، فيجب ذكْرُها، وعاد إِلى العقار فبين أن العقار، وأن العبد والفرس على القَوْل الأوَّل لا يحتاج إلى ذكر قيمتها عَلَى أصحِّ الوجهين.
وقوله: "وفي وجه لا يكفي ذلك" التعبير عن هذا الخلاف بالقول أكثر منه بالوجْه.
وقوله: "ثم يسترد لو ثبت ملكه" عرفت أنها تسترد، وان لم يثبت الملك، إذا ارتفعت الحيلولة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أمَّا إِذَا كَانَ المَحْكُومُ عَلَيْهِ حَاضِراً وَالعَبْدُ حَاضِرٌ وَلَمْ يَحْضُرْه المُدَّعَى عَلَيْهِ طُولبَ بِإِحْضَارِهِ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ عَلَى الصِّفَةِ، وَإِنْ عَرَفَ القَاضِي العَبْدَ حَكَمَ بِهِ دُونَ الإِحْضَارِ، وَإنْ أَنْكَرَ وُجُودَ مِثْلِ هَذَا العَبْدِ فِي يَدِهِ فَعَلَى المُدَّعِي بَيِّنةٌ عَلَى أنَّهُ فِي يَدِهِ، فَإِنْ أَقَامَ أَوْ حَلَفَ بَعْدَ نُكُولٍ اسْتَفَادَ بِهِ حَبْسَهُ إِلَى أَنْ يحْضِرَهُ وَيَتَخَلَّدَ عَلَيْهِ الحَبْسُ فَلاَ يَتَخَلَّصَ إِلاَّ بِإحْضَارِهِ أَوْ دَعْوَى التَّلَفِ حَتَّى تُقْبَلَ مِنْهُ القِيمَةُ، وَتُقْبَلُ دَعْوَى التَّلَفِ لِلضَّرُورَةِ كَيْلاَ يَتَخَلَّدَ الحَبْسُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى أنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِهِ هَذَا العَبْدُ المَوْصُوفُ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ بَطَلَ الدَّعْوَى فَسَبِيلُ المُدَّعِي إِذَا عَلِمَ أنَّهُ يَحْلِفُ أَنْ يُحَوِّلَ الدَّعْوَى إِلَى القِيمَةَ فَإنَّ ذَلِكَ يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الصِّفَةِ، فَلَوْ قَالَ: أَدَّعِي عَبْداً قِيْمَتُهُ عَشَرَةٌ فَإمَّا أَنْ يَرُدَّ العَيْنَ أَوْ القِيمَةِ فَفِي صِحَّةِ الدَّعْوَى مَعَ التَّرَدُّدِ وَجْهَانِ، وَاصْطَلَحَ القُضَاةُ عَلَى قَبُولِهَا لِلحَاجَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالة الثانية: إذا كانت العين المدَّعاةُ غائبةً عن مجلس الحُكْم دون البلد، فإن كان الخصم حاضرًا، فيؤمر بإِحضارها؛ ليقيم البَيِّنَةَ على عينها، ولا تسمع البينة على الصفة، هذا هو الجواب في فتاوى القَفَّال؛ تشبيهاً بها إِذا كان المدَّعَى عليه حاضرًا في البلد، لا تسمع الشهادة، وهو غائب عن مجلس الحكم، واعلم أن في هذه الصورة المشبه بها خلافاً سيأتي من بَعْدُ، ويشبه أن يجيء ذلك الخلافُ هاهنا أيضاً، فإِن جاء انتظم أن يرتب، فيقال: إن لم تسمع البينة علَى العين الغائبة عَنِ البلد اعتماداً على الصفة، فَأوْلَى ألا تسمع، إذا كانت حاضرة ويؤمر بإِحضارها وان سمعناها هناك فهاهنا وجهان ثم إنما يؤمر بإحضار ما يمكن إِحضاره بتيسر، أما ما لا يمكن إِحضاره؛ كالعقار فيحدُّه المدعي، ويقيم البينة عليه بتلك الحدود، فإن قال الشهود: نعرف العقار بعينه، ولا نعرف الحدود، بعث القاضي من يسمع البينة على عينه أو حضر بنفسه، فإِن كان المشار إليه بالحدود المذكورة في الدعْوَى، حكم، وإلا لم يحكم، ولو كان العقار معروفاً لا يشتبه، فلا حاجة إِلى التحديد وأما ما يعسر إِحضاره، كالشيء الثقيل، وما أثبت في الأرض أو ركب في الجدار، وأورث قلعه ضرراً، فيصفه المدَّعِي، ويحضر

القاضي عنده، أو يبعث من يسمع الشهادة عَلَى عينه، وإن لم يكن وصفه حضر القاضي عنْده أو يبعث لسماع الدعوَى على عينه، وذكر صاحب الكتاب هاهنا وفي "الوسيط" أن العبد المدعي، لو كان يعرفه القاضي، حكم به دون الإِحضار، وجعل هذه الصورة كالمستثناة عن صورة وجوب الإِحضار، وهذا إذا كان المراد منه العَبْدَ المعروف بَيْن الناس، فهو واضحٌ، كما ذكر في العقار المعروف بين الناس، وفي العبد المشهورِ الغائب عن البلَدِ، فأما الذي يختص القاضي بمعرفته، فإن كان عالماً يصدْقِ المدَّعِي، وحكمَ بناءً علَى علمه؛ تفريعاً عَلَى جواز القضاء بالعلْم، فهو مرتَّبٌ أيضاً، أما إِذا كان يحكم بالبينة فالبينة تقُومُ على الصفة، فإذا لم تسمع البينة علَى الصفة، وجَبَ أن يمتنع الحكم والله أعلم، وذكر في "الوسيط" أيضاً: أنه لا يلزم إِحضار الكرباس ونحوه؛ لأنه يتماثل، وإِن حضر، وهذا إِشعار بأن الكرباس الحاضر لا يُمْكِن توجيه الدعْوَى والبينة عَلَى عينه، ولا شك في بُعْد هذا الكلام، ومتى قلْنا، يلزم الإحضار، فذلك إِذا اعترف المدعَى عليه باشتمالِ يده عَلَى مثل تلْكَ العين، فإِن أنكر اشتمال يده على عينٍ بالصِّفة المذكورةِ فالقَوْلُ قولُهِ مع يمينه، فإِن حلف، كان للمدعي أن يدَّعي القيمة عليه، لاحتمال أنها هلكت، قاله صاحب "التهذيب" وغيره، وإِن نكل، حلف المدعي، أو أقام البينة، إِن أنكر، ويكلَّف إِحضاره، وحبس، ولا يطلق إِلاَّ بالإحضار أو بأن يدعي التَّلفَ، وتؤخذ منْه القيمةُ، وتقبل منه دعوى التلَف، وإن كان على خلافِ قوله الأول ضرورةَ أنه قد يكون صادقاً، ولو لم يقبل قولُهُ ليتخلد عليه الحبس، وفي كلام بعض الأصحاب: أنه لا يطلق إلا بإحضاره أو بأن يقيم بينته على التلف، وإذا لم يدر المستحق أن العين باقيةٌ ليطالبَ بها أو تالفة ليطالب بقيمتها وادَّعَى على التردُّد، وقال: غُصِب مني كذا، فإِن كان باقياً، فعليه ردُّه، دمِان كان تالفاً فقيمته ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا تسمع هذه الدعوى؛ لأنها غير جازمة، بل يدعي العين، ويحلف عليها، ثم ينشئ دعوى القيمة، ويحلف علَيْها ويُحْكَى هذا عن القاضي الحُسَيْن.
وأولاهما: وعَلَيْه اصطلاح القضاة: أنها تُسْمَع؛ للحاجةِ، وعَلَى هذا، فيحلف على أنه لا يلزمه رد العين، ولا قيمتها، ويجري الوجهان فيما إِذا سلم ثوباً إِلى دلاَّل ليبيعه، فطالبه به، فجحد، فلم يدر صاحب الثوب أنه باعه ليطالبه بالقيمة أو هو باقٍ ليطالبه بالعين، فعلى الوجْهِ الأول: يدعي العين في دعوى، ويدَّعِي القيمة في أخرى والثمن في أخرى وعلى الثاني؛ يدعي عليه ردَّ الثوب أو ثمنه، إِن باع وأخذ ثمنه أو قيمته، ويحلف الخصم يميناً واحدةً؛ بأنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته، وقد ذكر هذه الصورةَ في الكتاب في "الدعاوَى والبيِّنات" وجميع ما ذكرنا فيما إِذا كان الخَصْمُ حاضرًا، فإِن كان غائباً، والمال في البلد، كما وصفنا، فيحضر مجلس الحكم أيضاً، ويؤخذ ممن في يده ليشهد الشهود عَلَى عينه.

وقوله في الكتاب "طولب بإِحضاره بعد قيام الحجة على الصفة" هذا التقييد غيرُ مساعدٍ عليه، بل الحجة على الصفة، والحالةُ هذه، غير مسموعة، وإنما تسمع عَلَى عينه على ما في "فتاوى" القَفَّال، وقد صرَّح بعض من دَرَس على الإِمام بأنه يلزم المدَّعَى عليه الإِحضارُ قبل تمام البينة، كما يلزمه الحضور بنَفْسِه.
وقوله "وإن حلف أنه ليس في يده هَذَا العبدُ الموصوفُ" إِلى قوله: "فإِن ذلك يثبت بالشهادة على الصفة" قد يفهم منْه أن دعوى العين، إِذا لم تمش، بطَلَت دعواه بالكلية، فالجزم إِذا عرف أن المدعى علَيْه لا يبالي باليمين، ولم يكن له يمينه أن يدعي القيمة من الابتداء، لكنَّا بيَّنَّا أنَّه، إِذا انقطعت دعْوَى العَيْن، كان له أن يدَّعِيَ القيمة، ولا يسقط طلبه بالكلية، فليكنْ معنى الكلام أنَّه إذا لم يجد بينة، وعرف أن الخصم يحلف، فلا فائدة في دعْوَى اليمين 1 فليعرض عنْها، وليدع القيمة.
وقوله "فإن القيمة تثبت بالشهادة على الصفة" إِن كان المراد منْه أنه إِذا شهد الشهود على أنه غصب منه عبداً مثلاً بصفةِ كَيْتَ وكَيْتَ، ثم فرض تلف العبد، يستحق المشهود له بتلك الشهادة قيمتَهُ عَلَى تلك الصفة 2، فهذا صحيحٌ، وقد حكاه صاحب "العدة" ولكن طلب القيمة من غير أنْ يعلم موته، فيه إِشكالٌ علَى ما مرَّ.
فَرْعٌ: لو كان الخصمُ حاضراً، والمدَّعِي ببلدة أخرَى، فقياس ما في الفصل السابق أنَّا، إِن قلْنا: تسمع البينة بالمال الغائب، فيحكم به القاضِي عليه، وِإن لم نجور إلا السماع فإِذا سمع البينة أمر بنقل المدعَي إلى مجلسه، ليشهد الشهودُ عَلَى عينه، كما يفعله القاضِي المكتوبُ إِلَيْه عند غَيْبَة الخَصْم والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: لَوْ أَحْضَرَ العَبْدَ الغَائِبَ فَلَمْ يَثْبُتُ مِلْكُ المُدَّعِي فَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ الإِحْضَارِ وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ وَلاَ يُغْرَّمُ مَنْفَعَةَ العَبْدِ الَّتِى تَعَطَّلتْ كَمَا لاَ يُغَرَّمُ مَنْفَعَةَ المَحْكُومِ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ هَذَا لِلحَاجَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا أَن المُدَّعِي، إِن كان في البلد يُكلَّف المدعَى عليه إِحضاره، وإن كان غائباً عن البلد يبعثه القاضي المكتوب إِليه على يدَى المدَّعِي، ولم يقل: إنه يكلف المدعي عليه الإحضار، كان الفرق بُعْد الشقة وكثرة المشقة كما يكلِّف الحضور هناك، ولا يكلف هاهنا، إذا عرف ذلك، فحيث يؤمر المُدَّعِي بالاِحضار، قال في التهذيب: إن ثبت أنه للمدعي فمؤنة الإِحضار عليه، وإلا، فعلى المدَّعِي مؤنة الإِحضار

والرد جميعاً، وحيث يبعثه القاضي المكتوب إِليه إِلى بلد الكاتب ولم يثبت أنه للمُدَّعِي، فعليه ردُّه إِلى موضعه بمؤناته، وتستقر عليه مؤنة الإِحضار إن تحملها من عنده، وإِن ثبت أنه له، فقياسُ ما حكَيْنا عن "التهذيب": أنه يرجع بمُؤنة الإحضار على المُدَّعَى عليه، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي أنَّ القاضي ينفق على النَّقْل من بيت المال، فإِن لَمْ يكنْ في بيت المَالِ شيءٌ، استقرض، فإن ثبت كون المال للمدَّعَى عليه، رد الفرض لظهور تعدِّيه، وإلا، كلف المدعي ردّه، لظهور تعديه، وذكر أصحابُنَا العراقيُّون وصاحب "التهذيب" وغيرهم أنه، إِذا نقل المدَّعِي المالَ إلى بلد القاضي الكاتب، ولم يثبت كونه له يجب على المدعِي مع مؤْنَةِ الردِّ أجرةُ المثل لمدة الحيلولة، ولم يتعرَّضوا لذلك في مدة تعطل المنفعة، إذا أحضر المدعَى عليه، وهو في البلد، فأفهم سكوتُهُم عنْه أنَّهم سامحوا به في هذه الحالة، ولم يوجبوا الأجرة، وعلى هذا المفهومِ جَرَى في الكتاب، فقال: "ولا يلزم منفعة العبد التي تعطلت" وليحمل ما ذكره على إِحضار المدعَى عليه العبد الغائب عن مجلس الحكم دون البلد خاصَّةً؛ لأنه، لو أجرى على إِطلاقه، لكان ما ذكره مخالفاً لكلام الأصحاب في الغائب عن البلد، وسببُ احتمالِ تعطُّلِ المنفعةِ توقيرُ مجلس القاضي واقتضاءُ مصلحة الإيالة تركَ المضايقة في حُضُوره، وسَبَبُ الفَرْقِ بين الحالتين زيادةُ الضَّرَرِ هناك.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّكَنُ الخَامِسُ: المَحُكُومُ عَلَيْهِ: وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ غَائِباً فَوْقَ مسَافَةِ العَدْوَى، فَإِنْ كَانَ فِي البَلَدِ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يَجُوزُ سَمَاعُ البَيِّنَةِ دُونَ حُضُورِهِ، وَإِنْ تَوَارَى أَوْ تَعَذَّرَ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ كَالغَائِبِ، وَمَهْمَا غَابَ إِلَى مَسَافَةِ العَدْوَى وَلَمْ يَكُنْ فِي مَوْضِعِهِ حَاكِمٌ جَازَ لِلقَاضِي إِحْضَارُهُ وَلَكِنْ بَعْدَ إِقَامَةِ البَيِّنَةِ، أَمَّا بِمُجرَّدِ الدَّعْوَى فَلاَ، وَإِنْ كَانَ لِلغَائِبِ مَالٌ فِي البَلَدِ وَجَبَ التَّوِفْيَةُ مِنْهُ، وَهَلْ يُطَالَبُ بِكَفِيلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الفصل يشير إلى ثلاثِ قَوَاعِدَ: إحداها: الأصل ألاَّ يسمع القاضي البينة، ولا يحكم إِلا بحضرة الخصم، أمَّا أَلاَّ يسمع البينة؛ فَلَيَأْمَنَ من خطأ الشُّهود في المشهود عليه، وليَطْعَنَ فيه الخَصْمُ، إن وجد مطْعَناً، وليمتنعوا، إن كانوا كذبة؛ حياءً منه أو خوفاً، وأما ألا يحكم، فَلِيأْتِيَ بمدْفَعٍ، إِن وجده، إِلاَّ أَن هذا الأَصلَ قد يُتْرك لأَسبابٍ تقتضيه، وتفصيلها أنْ يقالَ: إِذا لم يكن الخصم حاضرًا في مجلس الحُكْم، فإما أن يكون في البلد أو لا يكون، إن كان في البلد، نُظِرَ؛ إِن كان ظاهراً يَتَأتَّى إِحضاره، فأصح الوجهَيْن، وقطَع به بعضُهم أنه لا يجوز سماع الدعْوَى والبينة عَلَيْه؛ لأن أمر القضاء مبنيٌّ على الفصل بأقرب الطرق ولو أحضر، ربما أَقر، فأغْنَى عن سماع البينة والنَّظَرِ فيها.

والثاني: الجواز؛ لأنه، إِما منكر، فهذا سماع بينة عَلَى المنكر، أو مقرٌّ، فيؤكد البينة إِقراره، وعلى هذا، فهل يحكم عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كالغائب، لَمَّا سمع عليه البينة، حَكَم.
وأصحهما: المنع، بل يجب إِحضاره، ليأتِيَ بمطْعَنِ، إِن أمكنه، بخلاف الغائب عن البلد، فإن انتظاره يطُولُ، وأجرى الخلاف في الحاضر في مجلس الحُكْم، هل يسمع البينة عليه، ويحكم من غير سؤاله ومراجعته، والمنع هاهنا أظهر وأولَى، ولو كان يتعذَّر إِحضاره بان كان متوارياً أو متعذراً متغلباً فيجوز سماع الدعوى والبينة، والحكم عليه، وإلاَّ، اتخذ الناس التوارِيَ والامتناع ذريعةً إِلى إِبطال الحُقُوق، وعن القاضي الحُسَيْن، وجْهٌ آخر: أنه لا يجوز ولا يلحق الامتناع بالعَجْز، كما لا يلحق منع الثمن بالعَجْز في ثبوت حَقِّ الفسخ للبائع، د اِن لم يكن في البلد، نُظِر؛ إِن غاب إلَى مسافةٍ بعيدةٍ، جاز الحكم عليه، كما سبق، وإِن كانت قريبةً، فهو كالحاضر في البلد، وبم يضبط القرب والمُعْدُ؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّ المسافة البعيدة هي الَّتِي تقْصَر فيها الصلاةُ، والقريبةُ ما دونها.
وأرجحهما: على ما ذكره صاحب الكتاب: أن المسافة التي يتمكَّن المنكر إِليها من الرُّجُوع إِلى مسكنه ليلاً قريبةٌ، وتُسمَّى، هذه مسافةَ العَدْوَى، فإِن زادتْ، فهي بعيدةٌ، وللقاضي أن يحكم على مَنْ غاب إذا عاد إليها؛ لأن في إِحضاره مفارقة الأَهْلِ بالليل.
وقوله في الكتاب "المحكوم عليه وشرطه أن يكون غائباً فوق مسافة العَدْوَى" المراد: المحكوم عليه الغائبُ؛ إِذ الغيبة ليستْ شرطاً في المحكوم علَيْه مطلقاً، بل الحكم على الحاضِرٍ أجودُ منْه على الغائب، لكن البابَ مِنْ أصله معقودٌ في القضاء على الغائِبِ، فأراد أن يبيّن أن الغَيْبَة المجوزة للقضاء أيةُ غيبةٍ هي.
ويجوز أن يُعْلَم قوله: "فإن كان في البلد فالصحيح" يجوز إِعلام لفظ "الصحيح" بالواو؛ لطريقة مَنْ قَطَع بالمنع، وقد حكاها القاضي ابن كج وغيره.
وقوله في المتواري والمتعذر، "الصحيح أنه يقضي عليه كالغائب" يمكن أن يستفاد من التشبيه والإِلحاق بالغائب؛ أنه يحلف المدَّعِي، كما يحلف المدعي على الغائب، وقد صرَّح به بعضُهم، وفي "العدة": أنه لا يحلف هاهنا لأن الخصم قادِرٌ على الحضور، ولو كان للمتمرِّد وكيلٌ نصبه بنفسه، فهل يتوقَّف التحليف على طلبه؟ فيه جوابان لأبي العباس الرويانيِّ؛ لأن الاحتياط، والحالة هذه، من وظيفة الوكيل، وكذا لو كان الغائبُ وكيلاً.

الثانية: من أتَى القاضي مُسْتَعْدِياً عَلَى خصمه؛ ليحضره، فخصمه، إِما أن يكون في البلد أو خارجه: الحالة الأولَى: إذا كان في البلد، وكان ظاهراً يمكنُ إِحضاره، وجب إِحضاره 1، وقال مالك: إِن كان من أهل المروءات، لم يُحْضِرْه، إِلا أن يعرف بينهم معاملةً؛ صيانةً له عن الابتذال، وعن ابن سُرَيْجٍ: أنَّه يحضر ذوي المروءات في داره لا في مجلس الحكم، والمذهب: أنه لا فرق، ثم الإحضار قد يكون بختم من طِينٍ رطبٍ أو غيره يدفعه إِلى المُدَّعِي؛ ليعرضه على الخصمَ وليكن مكتوباً علَيْه؛ أجِبِ القاضِيَ فَلاناً، وقد يكون بمحْضَرِ من الأعوان المرتَّبين على باب القاضي، ويكون مؤنته على الطالب، إِن لم يرزقوا من بيت المال، وإِن بعث بالخَتْم، فلم يجب بعث العون إِليه، وإذا ثبت عند القاضي امتناعه من غير عذر أو سوء أدب بكسر الختم ونحوه، واستعان على إِحضاره بأعوان السلطان، فإِذا حضر عَزَّره على ما يراه، ويكون مؤنة المُحْضِر، والحالةُ هذه، على المطلوب لامتناعه، وفي "الجرجانيات" وجه آخر: أنها على المدَّعِي أيضاً، فإِن استخْفَى، بعث من ينادى على باب دَارِه، أنَّه، إِن لم يحضُرْ إِلى ثلاثٍ، سمَّر باب داره أو ختم عليه، فإِن لم يحضر بعد الَثلاث، وسال المُدَّعِي التسميرَ أو الختم، أجابه إِليه، وينبغي أن يتقرَّر عنده؛ أن الدار دارُهُ، دماِذا عرف له موضع، قال ابن القاصِّ: يبعث القاضي نفَراً من النسوة والصبيان يهجمون عليه على هذا الترتيب، ويفتشونه، ومتى كان للمطلوب عُذْرٌ مانعٌ من الحُضُور، لم يكلِّفْه الحضور، بل يبعث إِليه من يحكم بينه وبين خصمه، أو يأمره بنَصْب وكيلِ التخاصم عنه، فإن دعت الحاجةُ إلَى تكليفه، بعث إِلَيْه من يحلفه، والعُذْر كالمرض وحَبْسِ الظالم والخَوْفِ منه، وفي كون المرأة المخدرة خلافٌ سيأتي.
الحالة الثانية: إذا كان خارجَ البلدِ فينظر، إن كان خارجاً عن محلِّ ولاية القاضي، لم يكن له أن يحضره، وإِن كان في محلِّ ولايته، فإن كان له في ذلك الموضع نائبٌ، لم يحضره، بل يسمع البينة، ويكتب إِليه، وحَكَى أَبو العباس الرويانيُّ وجهاً: أنه يلزم إِحضاره، إِذا طلب الخصم، وهذا قضية إِيراد صاحب "التهذيب" فيما أذا كان المطلوبُ عَلَى مسافة العدْوَى، وبه أجاب في "العدة" وفي أمالي أبي الفرج السرخسيِّ؛ يخير القاضي بيْنَ أن يحضر المطلوب، وبين أن يسمع البينة، ويكتب إلى نائبه، وإِن لم يكن هناك نائبٌ، فثلاثة أوجه:

أحدها: وبه أجاب أصحابنا العراقيون: أنه يحضره، قَرُبَتِ المسافةُ أمْ بعُدَتْ، نعم، له أن يبعث إلى بلدِ المطلوبِ مَنْ يحكم بينه وبين المستعْدِي.
والثاني: إِن كان على ما دُونَ مسافة القَصْر أحضره، فَإِنْ زادت، فلا.
والثالث: إِن كان على مسافَةِ العَدْوَى، أحضره، وإِن زادت، فلا، وهذا أظهر عنْد الإِمام، وهو الذي أورده في الكتاب، فقال "ومهما غاب إلى مسافة العَدْوَى" فقيد الحَكم بمسافَةِ العدْوَى وقوله: "ولم يكن في موضعه حاكم" يجوز إِعلامه بالواو؛ لما عرفْتَ أَنَّ في وجهٍ يحْضر، وإن كان هناك حاكمٌ، لماِن قلنا: إن كان هناك حاكمٌ، فكذلك لا يحضره، إذا كان هناك من يتوسَّط، ويصلح بينهما؛ بان يكتب إليه أن يتوسط، ويصلح، فإِن تعذَّر عليه، فحينئذ يحضره، وحيث قلْنا: يحضر الخارج عن البَلدِ، فقد ذكر الإِمام وصاحب الكتاب، أنه إنما يحضر، إذا أقام المدَّعِي بينةً عَلَى ما يدعيه، فإنه قد لا يكون له حجَّةٌ، ويتضرر الخَصْمُ بالإِحضار، وبه أجاب في "العدة" لكن قد لا يكون له حجة ويريد تحليفه، فلعله ينزجر، ولم يتعرض الأكثرون، لما ذكراه، ولكن قالُوا: يبحث القاضي عن دعواه وعن جهتها، فقد يريد مطالبته بما لا يعقده كالذمِّيِّ يريد إحضار المسلم للمطالبة بضمان الخمر التي أراقها عليه.
بخلاف الحاضر في البلد لا يحتاج في إِحضاره إِلَى تقديم البحث؛ لأنه ليس في الحُضُور هناك مؤْنَةٌ ومشَقَّةٌ شديدةٌ.
فَرْعٌ: لو كان الاستعداء على امرأةٍ خارجةٍ عن البلد، هل يحضرها 1، وهي عورة، وهل يُشْترط أن يكون الطريقُ آمناً، ومعها نسوةٌ ثقاتٌ، وهل على القاضي أنْ يبعث إِلَيْها محرماً لها؛ لتحضر معه، قال أبو العبَّاس الرويانيُّ: كل ذلك على وجهين: الأصح: أنه يبعث إِلَيْها مَحْرماً أو نسوةً ثقاتٍ كما في الحَجِّ.
الثالثة: إِذا ثبت على الغائب دَيْنٌ، وله مال 2 حاضر، فعلى القاضي توفيةُ الدَّيْن

منه، إذا طلبه المدَّعي، وإِذا وفَّى، هل يطالب المدَّعِي بكفيل؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الغائب قد يكون لَهُ مَدْفَع، إذا حضر، فيحتاط له.
وأظهرهما: المنع؛ لأن الحكم قديمٌ في الحال، والأصلُ عَدَمُ الدفع.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فُرُوعٌ: الأَوَّلُ: فِي القَضَاءِ عَلَى الغَائِبِ فِي العُقُوبَاتِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يُقْبَلُ كِتَابُ القَاضِي إِلَى القَاضِي وَلاَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي عُقُوبةٍ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي القِصَاصِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنَ الحُدُودِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بَيَّنَّا أن القضاء على الغَائِب جائزٌ، وذلك في غير العقوبات، وأما العقوبات، فما كان حقاً لله تعالَى؛ كحد الزنا والشرب وقطع الطريق فقولان: أحدهما: الجواز أيضاً، كما في الأموال، ويكتب القاضي إِلى قاضي بلدِ المشهودِ علَيْه؛ ليأخذه بالحَقِّ.
وأصحهما: المنعُ؛ لمعنيين: أحدهما: أن الحدودَ يُسْعَى في دَرْئِهَا، ولا يُوسَّع بابها.
والثاني: أنَّ حقوقَ الله تعالَى، يبنَى على المساهلة؛ لاستغنائه، وحقوق العبادِ علَى المضايقة والتشْديد؛ لاحتياجهم، وأما حقُّ الآدميِّ؛ كالقصاص وحد القذف فالصَّحيح المنصوص الجوازُ، وفيه قول مخرَّجٌ من حدودِ الله تعالَى وقد يرتب، فيقال: إن جوَّزنا في حقِّ الله تعالَى، ففي حقِّ الآدميِّ أولَى، وإن منعنا هناك، فههنا قولان؛ بناءً على المعنيين، إِن قلنا؛ المنع هناك؛ لأن الحدود يسعى في درئها، وندفع بالشبهة، فكذلك هاهنا، وإِن قلنا: لأن حدود الله تعالَى مبنيةٌ على المساهلة، فهذا المعنى مفقودٌ هاهنا، فيجوز، وإِذا أخذت مطلق العقوبة، وتركت الترتيب، قلتَ: في القضاء على الغائب في العقوبات ثلاثة أقوال؛ ثالثها الفرْقُ، وكذلك أورد صاحب الكتاب في "باب الشهادة" والخلاف في الشهادة على الشهادة مع كتاب القاضي إِلى القاضي هاهنا، وأعاد ذكر كتاب القاضي إلى القاضي مع الشهادة على الشهادة في بابها، ولو اقتصر على ذِكْر كلِّ واحد منهما في موضعه أو عَلَى ذكرهما جميعاً في موضع، لكَفَى، ولا فرق في كتاب القاضي إِلى القاضي بين "كتاب الحكم" و"كتاب النقل" في كلام الجُمْهُور، وفي "الإبانة" للفورانيِّ: أن الخلاف في "كتاب النقل" فأما "كتاب الحكم" فإنه يقبل في حقِّ اللهَ تعالَى، وفي حقِّ الآدميِّ قولاً واحداً والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: لَوْ عُزِلَ القَاضِي بَعْدَ سَمَاعِ البَيِّنَةِ ثُمَّ وُلِّيَ وَجَبَ الاسْتِعَادَةُ، وَلوْ خَرَجَ مِنْ وِلاَيَتِهِ ثُمَّ عَادَ فَفِي الاسْتِعَادَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا سمع القاضي بينته، فعُزِلَ، ثم وُلِّي، لم يحكم بالسماع الأول؛

لبطلانه بالعزل، بل يجب الاستعادة 1، ولو خرج من محلِّ ولايته، ثم عاد فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لعروض ما يمنع الحكم.
وأظهرهما: أن له أنْ يحكم به، ولا حاجةَ إِلَى الاستعادة؛ لأن ولايته باقيةٌ، وإنَّما فقد شرط نفوذ الحكم، ولهذا إِذا عاد، لم يحتج إِلَى توليةٍ جديدةٍ، وهذا الفرع لا اخْتِصَاص له بالقضاء علَى الغائب.
ولو سمع القاضي الشهادةَ عَلَى الغائِبِ وقدَّم الغائب قبل أن يحكم، لم تجب الاستعادة، ولكنه يخير به ويمكَّن من الجرح، ولو قدم الغائب بعد الحكْم، فهو على حجته في إِقامة البينة على القضاء والإِبراء، وفي القدح في الشهود، ولكن لا بدّ وأن يُؤَرِّخَ الجارح فسقه بيوم الشهادة؛ لأنه إِذا أطلق، أمْكَنَ حدوثه بعْدَ الحكم، وبلوغ الصبي بَعْدَ سماع البينة علَيْه أو بعد الحكم كقُدُوم الغائب.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: المُخَدَّرَةُ لاَ تحْضُرُ مَجْلِسَ الحُكْمِ للِتَّحْلِيفَ بَلْ يَبعَثُ إلَيْهَا القَاضِي مَنْ يُحَلِّفُهَا، وَفِيهِ وَجهْ آخَرُ يُلْزِمُهَا الحُضُورَ، وَقِيلَ المُخَدَّرَةُ هِيَ الَّتي لاَ تَخْرُجُ أَصْلاً إِلاَّ لِلضَّرُورَة، وَقِيلَ: هِيَ الَّتي لاَ تَخْرُجُ إِلَى الحَمَّامِ وَإِلَى العَزَاءِ وَالزِّيَارَاتِ إلاَّ نَادِراً.
قَالَ الرَّافِعيُّ: المرأة المخدَّرة، هل تُكلَّف حضُورَ مجلِس الحكْمِ؟ فيه وجهان: أحدهما: ويحكى عن القفَّال: نعم، كسائر الناس ولا اعتبار بالتخْدِير، ولهذا لو حضر يشهدون على امرأة، فقالوا: نشْهَدُ عَلَى عينها، ولا نعرف نسبها، فإن القاضي يأمرها بكَشْفِ الوجه، ومعلومٌ أن هذا أعظم علَيْها من مجرَّد الخروج وعلى هذا؛ لو حضر القاضي دارها؛ ليحكم بينها وبين خصمها أو بعث من يحكم، كان للخَصْم أن يمنع من دخول دارها، ويطلب إِخراجها.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: أنها لا تكلَّف الحضور؛ كالمريض، وسبيل القاضي في حقّها كما سبق في المريض، واستشهدوا لهذا الوجْهِ بقوله -صلى الله عليه وسلم- في قصة العَسِيفِ "واغْدُ يا أُنَيْس عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإنَ اعْتَرَفَتْ، فَأرْجُمْهَا" 2 بعث إِليها، ولم يحضرها، وعلى هذا؛ قال في "الشامل": إِذا حضر دارها من بعثه القاضي، تكلَّمت من وراء الستر، إِن اعترف الخصم بأنها خصمه أو شهد اثنان من محارمها؛ أنها هي التي ادَّعَى علَيْها، وإلاَّ تلفَّقت بإزار، وخرجت من السِّتْرَ وَمِنَ المخدرة لا شك أن التي لا

تخرج أصلاً إلاَّ لضرورة فهي مخدَّرة، وأما التي لا تخرج إلاَّ نادراً لعزاءٍ أو زيارةٍ أو حمامٍ، هل هي مخدَّرةٌ؟ فيه وجهان: أشبههما: ويحكى عن القاضي الحُسَيْن: نعم، ويكفي أنه لا تصير مبتذلة بكثرة الخروج للحاجَاتِ المتكرِّرة، كشراء الخبز والقطن وبيع الغزل ونحْوها، ومنْهم مَنْ لم يجعل الخروج إلى الحمام بالليل مبطلاً للتخدير.
وقوله في الكتاب "والمخدرة لا تحضر مجلس الحكم للتحليف" تخصيص التحليف بالذكْر كأنه لامتناع النيابة فيه، فأما ما عدا ذلك، فيقنع بالتوكيل فيه من المخدَّرة وغيرها.
وقوله "وقيل المخدرة هي التي لا تخرج أصلاً إِلاَّ لضرورة" هذا يَحْصُرُ التخديرَ فيه على هذا الوجه، وقوله بعده "وقيل: هي التي لا تخرج إِلَى العزاء والزياراتِ إلاَّ نادراً" لا يمكن حمله على الحصر؛ فإِنَّ التي يندر خروجُهَا إِذا كانت مخدَّرةً، فالتي لا تخرج أصلاً أولَى أَنْ تكونَ مخدَّرةً، وإِنما المقصود أنَّ التي يندر خروجها للعزاء والزيارات مخدَّرة أيضاً، ولو أكثرت الخروج لذلك، بَطَل التخدير كالمبتذلة بالخُرُوج للحاجات المتكرِّرة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: لَيْسَ لِلقَاضِي أَنْ يُزوِّجَ امْرَأَةً خَارِجَةً عَنْ مَحَلِّ وِلاَيَتِهِ إلاَّ إِذَا دَخَلَتْ وِلاَيَتَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَصرَّفَ فِي مَالٍ حَاضِرٍ لِيَتِيم غَائِبٍ عَنْ وِلاَيَتِه، لَكِنْ إِذَا أَشْرَفَ عَلَى الهَلاَكِ كَمَا يفْعَلُ فِي مَالِ كُلِّ غَائِبٍ فَهَل لَهُ نَصْبُ القَيِّمِ في ذَلِكَ المَالِ؟ فيهِ تَرَدُّدُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القاضي يزوج مَنْ لاَ وَلِيَّ لها في مَحَلِّ ولايته من البلديَّات والغربيات، ولا يزوج امرأة خارجةً عن محل ولايته، هاِن رضيت، ولا يكفي حضور الخاطب فإن الولاية عليها لا تتعلق بذلك الخَاطِبِ، بخلاف ما لو حكَم الحاضرُ على الغائب؛ لأن المدَّعِيَ حاضرٌ، والحكم يتعلَّق به، وبخلاف ما لو كان ليتيمٍ غائبٍ عن محلِّ ولايته مالٌ حاضرٌ، فإنه يتصرف فيه؛ لأنَّ الولاية عليه ترتبطُ بماله، ثم تصرفه في مال اليتيم الغائب يكون بالحفْظِ والتعهُّد، وإذا أشرف على الهلاك، أتَى بما يقتضيه الحال بشَرْط الغبطة اللائقة، وهذا سيله في مال كلِّ غائب أشرف على الهلاك، فلو كان حيواناً، وخيف عليه الهلاك يبيعه وإِن حصلت الصيانة بالإِجارة، اقتصر عليها، وهل له أن يتصرَّف في مال اليتيم الغائب للاستنماء، وأن ينصب قيِّماً كذلك؟ فيه وجهان: عن القاضي الحُسَيْن: لا؛ أن نصب القيِّم يرتبط بالمالِ والمالكِ جميعاً، فلو جاز النصب لحضور المال، جاز لقاضي بلد اليتيم النصب لحضُورِ المالك، وحينئذٍ تتمانع تصرفاتهما، قال في "الوسيط": والأَوْلَى أن يلاحظ مكان اليتيم دون المال.

وقوله في الكتاب "لكن إِذا أشرف على الهلاك" أشار به إلى أنه إِنما يتصرف في مال اليتيمِ الغائبِ بالحفْظ والصيانة عن الهلاك، وهل يتصرَّف للتجارة وطلب الفائدة كما يتصرَّف في أموال اليتامى الحاضرين؟ فيه وجهان، كما في نصب القيم لهذا الغَرَضِ، ويجوز نصبه للحفْظِ والصيانة بلا خلاف 1، ويجوز للقاضي إقراضُ مالِ الغائبِ؛ ليقطع عنه غَرَرَ الغبية، ويخصه بذمَّة ملي، يحكى ذلك عن صاحب "التلخيص" وهو مَوافقٌ لما مر في "باب الحجر" أنَّ له أنْ يُقْرِضُ مال الصبي لكن ذكرنا هناك أَنَّ غير القاضي أباً كان أو غيره؛ لا يقرض مال الصبيِّ 2 إِلاَّ لضرورة نهب وغيره، وعن صاحب "التلخيص": أنه جوز للأبِ ما جوَّزه للقاضي، فهذا وجهٌ آخر، وأما ما لا يتعيَّن له مالك، وحصل اليأس عن معرفته، ذكر بعضهم أن له أن يبيعه، ويصرف ثمنه إِلَى المصالح، وأَنَّ له أنْ يحفظه 3، واعْلَمْ أنَّ الفرْعَ الثالث والرابع لا اختصاصَ لهُمَا بالبَابِ، كما ذكرنا في الفَرْع الثاني، وهذا آخرِ شرْحِ الباب، ويدخل فيه مسائلُ أُخَرُ نورد مَنْها ما الحاجةُ إِلَيْهِ أهمُّ، والله المُوَفِّق.
"كتاب قاضي أهل البَغْي" مقبولٌ ككتاب قاضي أهْل العدل، وعن القديم قولٌ أنَّه لا يقبل 4 كتاب أهل البغْي، وأطلق بعضهم؟ أنَّه لا يجوز للقاضي أنْ يكتب كتاباً في غير محلِّ ولايته، ويستمر على أصْل الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- ما ذكره ابْنُ القاصِّ، وهو أنَّه لا يحكم، ولا يشهد في غيَر محَلِّ ولايته، فأما الكتاب، فلا بأس به، وإِذا حكم القاضي بينة رجل أقامها وكيلُ رجلٍ في وجهِ وكيلٍ آخر، ثم حضر المدعَى عليه، وقال: كنْت: عزلتُ وكيلِي قَبْل أن أقَمْتَ البينة في وجهه، لم ينفعه؛ لأن القضاء علَى الغائِبِ جائزٌ، ولو حضر المدعِي، وقال: كنتُ عزلْتُ وكيلي، وقلْنا: إِن الوكيل ينعزل قبل بَلوغ الخَبَر لم يصحَّ الحكم؛ لأن القضاء للغائب غير جائز، وشهود الكتاب الحكمي إِذا أرادوا التخلف في الطريق، نُظِر؛ إن كانوا يتخلفون في موضع فيه قاضٍ وشهود، فحامل الكتاب إِما أن يُشْهِد عَلَى كلِّ واحدٍ منْهم شاهدَيْن يحضران معَه، ويشهدان عند القاضي الذي يقْصِده، وإِما أن يعرض الكتاب عَلَى قاضي البلد الذي يتخلفون فيه؛ ليشهدوا به عنْده، فيضمنه، ويكتب به إِلى القاضي الذي يَقْصِده، وإِن

أرادوا التخلف حيْثُ لا قاضي ولا شهود، قال فى "التهذيب": ليس لهم ذلك، بَلْ عليهم الخروجُ إلَى موضع فيه قاضٍ وشهودٌ، فإن طلبوا أجرة الخروج، إِليه، فليس إلاَّ نفقتهم وكراء دوابِّهم بخلاف ما لو طلبوا أكثر من ذلك عند ابتداء الخروج من بلد القاضي الكاتب؛ حيث لا يكلَّفون الخروج والقناعة به؛ لأن هناك يمكن إِشهاد غيرهم، وهاهنا حامل الكتاب مضطر إِليهم، لماِذا لزم المكتوب إليه الخصم، وطالب أن يكتب له كتاباً بقبض الحقِّ، هل على القاضي إِجابته؟ فيه وجهان، قال الإصطخريُّ: نعم؛ كيلا يطالب به مرةٍ أخرَى، وبهذا أجاب أبو الفرج الزاز، وقال أكثرهم، لا؛ فإن الحاكم إِنما يطالب بإلزام ما حكم به وثبت عنده، ويكفي للاحتياط والاستيثاق إشهادُ المدعِي عَلَى قبْضِ الحقِّ، ولو طالبه بتسليم الكتاب الذي ثبت الحق به، لم يلزمْهُ دفْعُه، إِليه، وكذا من له كتاب بدَيْنٍ فاستوفاه، أو بعقار فباعه، لا يلزمه دفعُه إِلى المستوفَى منه، وإلَى المشتري؛ لأنه ملكه، ولأنه قد يظهر استحقاقٌ فيحتاج إليه.
والله أعلم.

البَابُ الرَّابِعُ فِي القِسْمَةِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهِيَ إِنْ كَانَتْ بِالإِجْبَارِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ العَدَدُ فِي القَاسِمِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَالمُقوِّمُ يُشْتَرَطُ فِيهِ العَدَدُ، وَلَيْسَ لِلقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بالتَّقْوِيمِ بِبَصِيرَةِ نَفْسِهِ وَإِنْ قُلْنا: يَقْضِي بِعِلْمِهِ لأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْمِينِ وَيَحْكُمُ بِالعَدَالَةِ بِبَصِيرَةِ نَفْسهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحاجة داعيةٌ إلى تجويز القسمة 1 بَيَّنَةٌ وذلك؛ لأنه قد يتبرَّم الشركاء أو بعضهُم بالمشاركة، ويريدون الاستبداد بالتصرُّف، وفي كتاب الله تعالَى جدُّه ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: 8] الآية، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُقَسِّم الغنائِمَ بين الغانمين، ثم القسمة قد يتولاَّها الشركاء بأنفسهم، وقد يتولاَّها غيرْهم، وهو إما منصوبُ الإِمام أو منصوبُهم، ويشترط في منصوب الإِمام الحريَّة، والعدالة 2،

والتكليف، والذكورة؛ لأنه ملتزمٌ؛ كالحاكم من حيثُ إن الحاكم ينْظُر في الحُجَّة، ويجتهد، ثم يلزم بالحكم والقاسم يجتهد مساحةً وتقديراً، ثم يلزم بالإِقراع، ويشترط أن يكونَ عالماً بالمساحة، والحساب، وحَكَى أبو الفرج الزاز وجهَيْنِ 1 في أنَّه، هل يشترط أن يحسن التقويم؛ لأن في أنواع القسمة ما يُحْتَاجُ إليه، ولا يُشْتَرَطُ في منصوب الشركاء العدالةُ والحريةُ، فإنه وكيل من جهتهم 2، كذلك أطلقوه، وينبغي أن يكون توكيلُ العَبْدِ في القِسْمة على الَخلاف في توكيله في البَيْع والشراء، ولو حكَّم الشركاءُ رجلاً يقسم بينهم، قال أصحابُنا العراقيون، هل هو على القولَيْن في التحكيم إن جوزناه فالذي حكموه كمنصوب القاضي، ومهما كان في سَهْم المصالح من بيت المال مالٌ يتفرَّع كمؤنة القاسمين، فعلى الإِمام أن ينصب بها في كل بلدٍ قاسماً، فإن لم يحصل الكفاية بواحدٍ، زاد بحسب الحاجة، وإن لم يكُنْ فيه مالٌ أو لم يتفرَّع لهذه الجهة، فقد ذكرنا في آدابِ اِلقاضِي أنه لا يعين حينئذٍ قساماً؛ لئلا يغالي في الأجرة، وأيضاً كيلا يغرَّه بعض الشركاء، فيحِيفَ، بل يدع الناس ليستأجروا من شاءوا، وإذا لم يكن في القسمة تقويم فيكفي قاسم واحد أم لا بُدَّ من اثنين؟ فيه قولان ووجِّهَا بأنَّ منصب القاسم منصب الحاكم أو منصب الشاهد، والأصحّ الأوَّلُ، ولم يُجِبِ المُعْظَم إلا به، وقطع به قاطعون، وإن كان فيها =القسمة وهذا قضية كلام جماعة حيث جعلوه خليفة القاضي.
وقال الجرجاني في الشافي؛ يفارق منصوب الحاكم الحاكم في أربعة أشاء أن الحاكم يجب أن يكون مجتهداً في أحكام الشرع كلها ولا يلزم في حق القاسم أكثر من أن يكون مجتهداً فيما إليه من أحكام القسمة.
والثاني: أن يكون القاسم عارفاً بالحساب بخلاف الحاكم أي على الصحيح.
والثالث: أن الحاكم يكون واحداً وذكر التفصيل السابق عن العراقيين في القسام.
والرابع: أن للحاكم أخذ الرزق من بيت المال دون الأجرة لأن عمله مجهول كالإِمام، وللقاسم أخذ الرزق من بيت المال وأخذ الأجرة منه لأن عمله معلوم فجاز أخذ الأجرة عليه أيضاً كبناء القناطر والمساجد واعتبر الماوردي والبغوي وغيرهما أن يكون قليل الطمع نزه النفس حتى لا يرتشي فيما يلي ويخون.
انتهى ما أردته من كلام الأذرعي.

تقويمٌ، فلا بدّ من العدد أن يشترط العدد في المقوِّم، ويجوز أن ينصب الإِمام قاسماً، ويجعَله حاكماً في التقوبم، فيعتمد في التقويم قول عَدْلَيْنِ، ويُقَسِّم بنفسه، وهل للقاضي أن يحكم ببصيرة نفسه في التقويم؟ حكَى في "الوسيط" فيه طريقين: أحدَهما: أنه على القولين في أن القاضي، هَلْ يقضي بعلمه.
والثاني: القطع بالمنع؛ لأن التقويم تخمينٌ مجرَّدٌ، وللأولين أن يقولوا: إنه، وإن كان تخميناً، فلا يبْعُدُ أن يقام ظنُّه مقام الشهادة المبنية على الظنِّ، كما أُقِيمَ علْمُهُ مُقَامَ الشهادة المبنية على العلْم، وأيضاً قد مرَّ أن القاضي يعتمد في عدالة الشهود على بصيرة نفسه، ومعلوم أن المستَنَدَ فيه الظن، والطريق الثاني هو المذكور في الكتاب، والأول أشبه، وهو اختيار الإِمام، فيما أظن.
وقوله في الكتاب "وهي إن كانت بالإجبار فهل يُشْتَرَطُ العدد في القاسِمِ؟ فيه قولان" يجوز أن يعلم لفظ "القولين" بالواو؛ لقطع من قَطَع بالاكتفاء، بواحد، وتخصيصُ القولَيْنِ بقسمة الإِجبار لم يتعرَّض له في "الوسيط" بل أطلقهما إطلاقاً، وكذلك قول القاضي الرويانِّي، فيمكن أن يُقَالَ: أشار بهذا التقييد إلى أن الشركاء لو فوَّضُوا القسمة إلى واحدٍ بالتراضِي، جاز لا محالة؛ لأنه وكيل من قبلهم.
وقوله: "وليس للقاضي أن يقضي بالتقويم بصيرة نفسه" معلم بالواو، للطريق الآخر.
وقوله: "ويحكم بالعدالة ببصيرة نفسه" هذا قد سبق ذكره في موضعه، وكأنه أعاد لينبِّه عَلَى بُعْدِه عن الحكم بالتقويم ببصيرة نفسه على الطريقة الَّتِي ذكرناها، فإنه لا يقضي بالتقويم ببصيرة نفسه، وإن قلْنا: إنه يقضي بعلمه، وفي العدالة يقضي ببصيرة نفسه، وإن قلنا إنه لا يقضي بعلمه، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَأجْرَةُ القَسَّامِ الرُّؤوسي عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ أَوْ عَلَى عَدَدِ فِيهَ قَوْلاَنِ كَالشُّفْعَةِ، وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ قَطْعاً، وَإِذَا كَانَ القَسَّامُ يُقَسِّمُ بِرِضَا الشُّرَكَاءِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ أَنْ يَتْفرَدَ بِاسْتِئْجَارِهِ فَيَجِبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا سَمَّى فِي الإِجَارَةِ، وَتَجِبُ فِي حِصَّةِ الطِّفْلِ إِذَا طُولِبَ بِالقِسْمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غِبْطَةٌ لَكِنَّ القَيِّمِ لاَ يَطْلُبَ القِسْمَةَ إلاَّ عِنْدَ الغِبْطَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ذكرنا أن القاسم المنصوب من جهة الإِمام يدر رزقه علَيْه من بيْتِ المال 1، وفي شرح "مختصر الجُوَيْنيِّ" وجه عن أبي إسحاقَ: أنه لا يدر من بيت المال لأنه لا يحتاج إلى تفريغِ النفْسِ لهذا العمل، بخلاف القاضي، والمذهبُ المشهورُ هو

الأول، وإذا لم يكف مؤنته من بيت المال، فأجرته على الشُّرَكَاء، سواءٌ طلب جميعُهُمُ القسمةَ أو بَعْضُهم دون بعض، وعن أبي حنيفةَ الأجْرةُ على الطالب خاصَّةً، حَكَى القاضي ابن كج وجْهاً مثله عن ابن القَطَّان وغيره 1، والظاهر الأولُ، ثم يُنْظَر؛ إن استأجر الشركاء قاسماً وسمَّوْا له أجرةٌ، وأطلقوا، فتلك الأجرة تتوزَّع عَلَى قدر الحصص أو يكون على عدد الرؤوس؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على القولين كما في الشفعة.
أصحُّهُمَا: وبه قال أحمد: أنها تتوزَّع على قدر الحصص؛ لأنها من مؤنات المِلْك، فأشبهت النفقة.
والثاني: على عدد الرؤوس 2، وبه قال أبو حنيفة، ويُحْكَى عن مالك أيضاً؛ لأن عمله في الحساب والمساحة يقع لهم جميعاً، وقد يكون الحسابُ في الجزء القليل أغمض، وأيضاً، فإن قلة النصب توجِبُ كثرة العمل؛ لأن القسمة تقَعُ بحسب أقل الأجزاء 3، وإن لم تجب على من قَلَّ نصيبه زيادةٌ، فلا أقل من التساوِي.
والطريق الثاني: القطْعُ بالقول الأول بخلاف الشفعة؛ لأن أصل الشَّرِكَةِ سَبَبٌ للأخذ بالشفعة، وقد اشتركا في أصل الشُّفْعَة، وهاهنا الأجرةُ في مقابلة العَمَلِ، والعمل فيمن يزاد نصيبه أكثر بالكيل في المكيلات، والوزن في الموزونات، وعلَى هذا الخلاف ما إذا استأجروا القاسم استئجاراً فاسداً، فقسم أن أجرة المثل كيف توزَّع؟ وكذلك إذا أمروا قاسماً، فقسم، ولم يذكروا أجرةً، إذا حكمنا بوجوب أجرة المثل في مثل ذلك، ويَطَّرِدُ هذا الخلاف في قسمة الإِجبار، إذا أمر القاضي قاسماً، فقسم، ولو استأجروا قاسمًا وسمَّى كلُّ واحد منهم أجرةً، التزمها، على كلِّ واحدٍ منهم ما التزم، وانقطع النظر عن الحصص والرؤوس جميعاً، وهذا واضحٌ إن فرض اجتماعهم على الاستئجار بأن قالوا: استأجرناك، لتقسم بيننا كذا بدينارٍ على فلان ودينارَيْنِ عَلَى فلان، ووكَّلوا وكيلاً يعقد لَهُمْ، كذلك وإن فُرِضَتْ عقودٌ مترتبةٌ، فقد ذكروا فيه إشكالاً وهو أن الشركاء، إذا كانوا ثلاثةً، فعقد واحدٌ لإِفراز نصيبه، ثم الثاني كذلك، فعلى القسام إفراز

النصيبَيْن، فإذا أفرزهما تميَّز نصيب الثالث، فعقد الثالث إذن استئجارٌ على عمل مستحقٍّ على الأَجير، وأجاب القاضي الحُسَيْن بأن إفراز النصيبَيْنِ من غير عَمَلٍ في نصيب الثالث بالمساحة والتخطي فيه ممَّا لا يتأتى، فيقع استئجار الثالث على ذلك، ولم يرْتَضِ الإِمامُ هذه المفاوَضَةَ سُؤَالاً وجواباً؛ لأنهما جميعاً مبنيان عَلَى تجويز استقلال بعض الشركاء باستئجار القسام؛ لإِفراز نصيبه، ولا سبيل إِليه؛ لأن إفراز نصيبه لا يمكن إلاَّ بالتصرُّف في نصيب الآخرين؛ تردُّداً وتقديراً، ولا سبيل إليه إلاَّ برضَاهم، نعم يجوز أن ينفردَ واحدٌ منْهم برضا الباقِيَن، فيكون أصيلاً ووكيلاً، ولا حاجَةَ إِلَى عقد الباقين، وحينئذٍ، إن فصل ما على كلِّ واحد منهم بالتراضِي فذاك، وإن أطلق، عاد الخلاف في كيفية التوزيع، وإلَى هذا أشار في الكتاب بقوله: "وإذا كان القسَّام يقسم برضا الشركاء، فليس لواحدٍ أن ينفرد باستئجاره، يعني: إن كانت القسمةُ بالإِجبار أمْكَنَ أن يتصرف القسام في نصيب الممتنع بأمر القاضي، فأما إذا لم يكن إجبارٌ، فلا بدّ من اتفاق الجميع، وإذا اتَّفَقُوا، فعَلَى كلِّ واحدٍ ما سمَّى عليه، فإن أطلقوا، فعلى الخلاف.
هذه مسألة والمسالةُ الثانية من الفصل، إذا كان أحد الشريكَيْنِ طفلاً، نُظِرَ؛ إن كان في القسمة غِبْطةٌ له، فعلى الوليِّ طلب القسمة وبذل الحصة من الأجْرَةِ من مال الطفل، وإن لم يكنْ فيها غبْطَةٌ، فلا يطلبها، وإن طَلَبَها الشريك الآخَرُ، أُجِيبَ، إن قلنا: الأجرة على الطالب خاصَّةً فذاك، وإن قلْنا: على الكل، فهاهنا وجهان: أحدهما: وبه أجاب في "العدة": أنها على الطالب أيضاً؛ لأن أخْذَ الأجْرَةِ من مالِ الطِّفْل، ولا غبطة، إجحافٌ لا يحتمله الصبيُّ.
وأصحُّهُمَا: أن حصة الصبيِّ تُؤْخَذُ من ماله؛ لأن الإِجابة إلى القسمة واجبةٌ، والأجرة من المؤنات التابعة لها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاعْلَمُ: أَنَّ الإِجْبَارَ إِنَّمَا يَجْرِي فِي قِسْمَةِ الإِفْرَازِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ قَابِلاً للْقِسْمَةِ إِلَى أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِبَةِ الصَّفَاتِ وَيَبْقَى الانْتِفَاعُ كَذَوَاتِ الأَمْثَالِ أَوْ كَالكِرْبَاسِ وَالأرْضِ وَكَيْفِيَّةُ قِسْمَةِ الأَرْضِ: أَنْ تُقَسَّمَ بِالأَجْزَاءِ بِحَسَبِ أَقَلِّ الأَجْزَاءِ، فَإِنْ كَانَ الأرْضُ بَيْنَ ثَلاَثةٍ لِوَاحِدٍ نِصْفُهَا وَلآخَرَ ثُلُثُهَا وَلآخَرَ سُدُسُهَا قُسِّمَ بِسِتَّةِ أجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ في المِسَاحَةِ وَيَكْتُبُ أَسَامِيَ المُلاَّكِ عَلَى ثَلاَثِ رِقَاعِ ويُدْرِجُهَا فِي بَنَادِقَ مُتَسَاوَبةِ يُخْرِجُهَا مَنْ لاَ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَيَقِفُ القَسَّامُ عَلَى طَرَفِ الأَرْضِ فَإذَا خَرَجَ مثَلاً اسْمُ صَاحِبِ النِّصْفِ سُلِّمَ إِلَيْهِ الجُزْءُ الأَوَّلُ وَمَا يَلِيهِ إِلَى تَمَامِ النِّصْفِ، ثُمَّ يَخْرُجُ اسْمُ الآخَرِ كَذَلِكَ، أمَّا الطَّاحُونَةُ وَالحَمَّامُ وَمَا لاَ يَبْقَى مُنْتَفَعاً بِهِ لاَ يُجْبِرُ فِيهَا عَلَى القِسْمَةِ، وَلَوْ مَلَكَ مَنْ دَارِ عَشْراً لاَ يَصْلُحَ لِلْمَسْكَنِ لَوْ أَفْرَزَ فَطَلَبَ القِسْمَةَ فَلاَ يُجَابُ علَى الأَصَحِّ وَلَوْ طَلَبَ صَاحِبُهُ

لَزَمَتْهُ الإِجَابَةُ عَلَى الأَطْهَر المَنْفَعَةُ بَعْدَ القِسْمَةِ إِنْ أُحْدِثَ مُسْتَوْقَدٌ وَبِئْرٌ فَفِي الإِجْبَارِ وَجْهَانِ: قَالَ الرَّافِعِيُّ: مسائل الباب مختلطة غير مهذبة الترتيب، فإن احتجنا كذلك إلى تقديم وتأخير، فلا تُنْكِرْهُ، واعلم أن العَيْنَ المشتَركةٍ، إِما أنْ يَعْظُمَ الضرَرُ في قسْمتها، أوْ لاَ يعظم.
الحالة الأولى: إذا عظم الضرر في القسمة، وطلب أحدُهُما القسْمةَ، وامتنع الآخرُ، فلا يجبر الممتنع وفي ضبط الضرر المانع في القسمة، ثلاثة أوجه أسلفناها في "باب الشفعة" فلا يكسر الجوهرُ النفيسُ، ولا يقطع الثَّوْبُ الرفيع، ولا يُقسَّم زَوْجَا الخُفِّ بِمَصْرَاعَا الباب، إن طلبه أحدُهُمَا، كان تراضَى الشركاء بالقسمة في مثل ذلك، والتمسوها من القاضي، فإن كانت المنفعةُ تَبْطُل بالكلية، لم يجبْهم، ويمنعَهُم من أن يقتسموا بأنفسهم أيضاً؛ لأنه سفه، كان كان لا تبطل المنفعة بالكلية؛ كالسيف يكسر، فلا يُجِيبُهُمْ أيضاً في أصح الوجهين، ولكن لا يمنعهم من أن يقتسموا بأنفسهم، وما تُبْطُلُ القسمةُ منفعَتَهُ المقصودة منه؛ كالطاحونة والحمام الصغيرَيْن 1، إذا امتنع أحد الشريكَيْن من قسمته، لا يجبر عليها في أظهر الوجوه المشار إلَيْها، وهو المذكور في الكتاب، وقال مالك: يُجْبَر، فإن كانا كبيرَيْنِ، وأمكن أن يَجْعَل الطاحونة طاحونتين، والحمَّام حمامَيْنِ، فيجبر الممتنع، فإن كان يحتاج إلَى إحداث مستوقد أو بئْرٍ، فوجهان: أحدهما: أنه لا يجبر الممتنع؛ لتعطل المنفعة إلَى إحداث ما يحتاج إلَيْهِ.
وأشبههما: الإِجبارُ؛ ليتيسر التدارك 2 بأمر مرتَّب.
وإن تضرَّر أحد الشريكَيْن بالقسمة دون الآخر كدار بَيْنَ اثنين لأحَدِهِمَا عُشْرُها، وللآخر باقيها، ولو قسمت، لم يصلح العشر للمسكن، فإن طلب صاحبُ العُشْر القسمة، فوجهان: أَحَدُهُما: وبه قال أبو حنيفة: أنه يجبر الآخر ليتميَّز ملكه.
وأصحُّهُمَا: المنْعُ؛ لأنَّهُ مضيِّع لماله متعنِّت، كان طلب الآخر القسمة، فوجهان، نسبهما العباديُّ إلى ابْنِ سُرَيْجٍ.

أحدُهُما: أنه لا يُجْبَرُ صاحبُ العُشْرِ للضَّرَرِ الذي يلحقه.
وأصحُّهُمَا: الاِجبار؛ لأن الطالب ينتفع بالقسمة، وضرر صاحب العُشْرِ لا ينشأ من مجرَّد القسمة، بل سببه قلة نصيبه وقال ابنُ أبي لَيْلَى وأحمدُ يُبَاعُ العيْنُ ويقسَّم الثمن بينهما، لما فيه من الضرر؛ كالجوهرة المشتركة 1. ولو كان نصْفُ الدَّارِ لواحدٍ، والنصفُ بيْنَ خمسة، فطلب صاحبُ النصف إفراز نصيبه، أُجِيبَ إلَيْه، والباقون، إنْ اختاروا القسمة قُسم، وإن لم يصلح العشر للمسكن؛ لأن في القسْمة فائدةً لبَعْضِ الشركاء، وإن استمروا على الشيوع، جاز، ثم لو طلب أحَدُهم القسْمَة بعْد ذلك، لم يجبر الآخرون؛ لأن هذه القسمة تضر الجَمِيع، ولو طلب الخمسة إفراز النصْفِ، ليكون بينهم شائعاً، أُجِيبوا إلَيه ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره.
وكذا لو كان بين عَشَرةٍ، وطلب خمسةٌ منْهم القسمة، ليكون النصف بينهم يُجَابُون.
الحالة الثانية: إذا لم يعْظُمْ ضررُ القِسْمة، فإما أن يقسم المشترك من غَيْر ردٍّ من أحد الشريكَيْن أو الشركاء أو يقسم بردِّ، فإِن قسم من غير ردِّ، فإِما أن يقسم باعتبار الأجزاء، ويُسمَّى "قسمة المشابهات" أو باعتبار القيمة وتُسَمَّى "قسمة التعديل" فهذه ثلاثةُ أنواعٍ: الأول: قسمة المشابهات، وإنما يجري في الحبوب والأدهان والدراهم وسائر المثليات، وفي الدار المُتَّفِقَة الأبنية، والأرض المتشابهة الأجزاء، وما في معناها، فيعدل الأنْصِبَاء في المكيلات، والموزونات بالكيل والوزن والأرض المتشابهة الأجزاء تجَزَّأُ أجزاءً متساويةً بعدد الأنصباء، إن كانت متساويةً، كما إذا كانَتْ بين ثلاثةٍ أثلاثاً، فيجعل ثلاثة أجزاء متساويةً، ثم يُؤْخَذُ ثلاث رقاع متساويةٍ، ويُكْتَبُ عَلَى كل واحدةٍ اسْمُ شَرِيكٍ من الشُّرَكاء أو جُزْءٍ من الأجزاء، ويُميَّز بعضُها عن بعض بحدِّ أو جهةٍ أو غيرها، ويُدْرَجُ في بنادقَ متساويةٍ وزناً وشَكْلاً، إما من طين يُجفَّف أو من شمع، وتُجعلُ في حجر من لم يحضر الكتابة والإِدراج، فإن كان صبياً أو أعجمياً كان أولَى، ثم يُؤْمَرُ بإخراجِ رقعةٍ على الجزء الأوَّل، إن كُتِبَ في الرقاع أسماءُ الشركاء، فمن خرج اسمه يأخذه، ثم يُؤْمَرُ بإخراج رقعة على الجزء الذي يلي الأول، فَمَن خرج اسمُهُ في الآخرين، أخذه، وتعيَّن الثالث للثالث وإن كُتِبَ في الرقاع أسماءُ الأجزاء أُخْرِجت رقعةٌ باسم زَيْدٍ ثم أُخْرَى باسم عمرو وتعين الثالث للثالث، ويعيَّن من يبتدئ به من الشركاء والأجزاء منوطٌ بنظر القسَّام، فيقف أولاً على أي طرفٍ شاءَ، ويُسمِّي أيَّ شريك شاء،

وإن كانت الأنصباء مختلفةً، كما إذا كان لزيْدٍ نِصْفٌ، ولعمرو ثلثٌ، ولثالثٍ سدسٌ فيجزئ القسام الأرض عَلَى أقل السهام، وهو سدس؛ لأنه ينادي به القليل والكثير، فيجعلها ستةَ أجزاءٍ، ثم نص الشافعيُّ -رضي الله عنه- أنه يثبِت أسماء الشركاء في رقاع، ويُخرج الرقاع على الأجزاء، وقال في العتق: يُكْتَبُ على رقعتين رقٌّ، وعلى رقعة حريةٌ، ويخرج على أسماء العبيد، ولم يقل: ويُكْتَبُ أسماء العبيد، وفيها طريقان للأصحاب: أحدهُما: أنها على قولَيْن بالنقل والتخريج، ففي قول: يُثبتُ أسماءَ الشركاء والعبيد، وفي الثاني: يثبت الأجزاءَ هاهنا، والرق والحرية هناك، وعامتهم فَرَقُوا، وقالوا: في العتق يسلك ما شاء من الطريقَيْن، وهاهنا لا يثبت الأجزاء على الرقاع؛ لأنه لو أثبتها وأخرج الرقاع على الأسماء، فَرُبَّمَا يخرج لصاحب السُّدُس الجزء الثاني أو الخامِسُ، فيفرق ملك مَنْ له النصفُ والثلُثُ أيضاً، قال في "المهذَّب": لو جعلْنا ذلك، ربَّما خرج السهمُ الرابع لصاحب النصف، فيقول: آخذه وسهْمَيْنِ قبله، ويقول الآخران: بل خُذْهُ وسهمين بعْده، فيقضي إلى التنازع، وهذا الخلاف في الجواز أو الأولويَّة؟ وعبارةُ كثيرٍ من شيوخنا تُشْعِر بوضع الخلاف في الجوازِ، وذكر طائفةٌ منهم الإِمامُ وصاحِبُ الكتابِ -رحمهما الله- أنه في الأولويَّة، وهو الأولَى، وسنوضح ما يحصل به الاحتراز عن تفريق الملك، وأما ما ذكره في "المهذَّب" فيجوز أن يُقَالَ: لا يبالَى برأي الشركاء، بل يتبع نظر القسام، كما في الجزء المبتدأ به، واسم الشريك المبتدأ به، فإن أثبت أسماءَ الشركاءِ، فمن تأمل: يثبت أسماءهُمْ عَلَى ثلاثِ رقاعٍ، ويأمر بإخراج رقعةٍ على الجزء الأول، فإن خرج اسمُ صاحب السُّدُس، أخذه، وأخرجت رقعة على الجزء الثاني، فإن خرج اسم عمرو أخذه، وأخذ الجزءَ الثالث معه، وتعيَّنت الثالثة الباقية لزيد، كان خرج اسمُ زَيْدٍ، أخذ الثاني والثالث والرابع، وتعيَّن الآخران لعمرو وإان خرج أولاً اسم عمرو، أخذ الأول، والثاني، ثم تُخْرَجُ رقعة على الجزء الثالث، فإن خرج اسْمُ الثالث، أخذه، وتعيَّنت الثالثة الباقية لزيد، وإن خرج اسم زيدٍ، أخذ مع الرابع والخامس، وتعين السادسُ للثالِثِ، كان خرج أولاً اسم زيْدٍ، أخذ الأوَّل والثاني والثالث، ثم يخرج رقعة على الرابع، فإن خرج اسمُ الثالث، أخذه، وتعيَّن الآخران لعمرو، وإن خرج اسم عمرو، أخذ الرابع والخامس، وتعيَّن السادس للثالث، ومن قائلٍ: يثبت أسماءَهم في ستِّ رقاع، اسم زيد في ثلاث، واسم عمروٍ في اثنين، واسم الثالث في واحدة، ويخرج على ما ذكرنا، وليس في هذا إلا أن اسم زيد يكون أسْرع خروجاً، لكن سرعة الخروج لا توجب حَيْفاً؛ لأن السهامَ متساويةٌ، فالوجْهُ تجويزُ كلِّ واحد من الطريقَيْنِ، وإن أثبت الأجزاء في الرقاع، فلا بدّ من إثباتها من ست رقاع، وحينئذٍ فالتفريقُ المحذور لازم، وإنما يلزم إذا خرج أولاً اسمُ صاحب السُّدُس، وهو مستغنٍ عنه، بأن يبدأ باسم صاحبِ النِّصْف، فإن خرج الأول باسمه، فله الأول

والثاني والثالث، وإن خرج الثاني، فكذلك يُعْطَى مع الثاني ما قبله وما بعده، وإن خرج الثالث، ففي "شرح مختصر الجُوَيْنِّي": أنه يَتوقَّف فيه، ويخرج لصاحب الثلث، فإن خرج للأول، فله الأول، والثاني، ولصاحب النصف الثالث، واللذان بعده وكذا لو خرج الثاني، وإن خرج الخامس، فله الخامس والسادسُ، ثم أهمل الكلام هكذا، ولم يستوعب باقي الاحتمالات وكان يجوز أن يُقَالَ: إذا خرج لصاحبِ النصْفِ الثالث، فله الثالثُ واللذان قبله، وإن خرج الرابع، فله الرابع واللذان قبله، ويتعيَّن الأول لصاحب السُّدُس، وإن خرج الخامس، فله الخامس واللذان قبله، ويتعيَّن السادس لصاحب السدس، وإن خرج السادسُ، فله السادِسُ واللذان قبله، وإذا أخذ زيْدٌ حقَّهُ، يتعيَّن حق الآخرين، فيخرج رقعة أخرَى باسم أحد الآخرين، فلا يقع تفريق عَلَى أنه يمكن أن يُقَالَ: يبدأ باسم صاحب السُّدس، فإن خرج باسم الجزء الأول دفع الأول إليه، وإن خرج السادس، دفع إليه السادس، ثم يخرج باسم أحد الآخرين، فلا يقع تفريق، وإن خرج له الثالث، دفع إليه، وتعيَّن الأول والثاني لصاحب الثلث، والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف، وإن خرج له الرابعُ دفع إليه، وتعيَّن الخامس والسادس لصاحب الثلث والثلاثة الأولَى لصاحب النصف.
ويمكن أن يبدأ باسم صاحب الثلث، فإن خرج له الأول أو الثاني، دفع إليه الأول والثاني، وإن خرج الخامس أو السادس، دفع إليه الخامس والسادس، ثم يخرج باسم أحد الآخرين، وإن خرج الثالث، فله الثالث والثاني، وتعين الأول لصاحب السدس، والثلاثة الأخيرة لصاحب النصف، وإن خرج الرابع، فله الرابع والخامس، وتعيَّن السادس لصاحب السدس، والثلاثة الأولَى لصاحب النصف.
ولك أن تَقْتَصِرَ عَلَى ثلاث رقاعٍ، وتكتبَ في إِحداها الأوَّلَ والثانِيَ والثالثَ والرابع، وفي الثانيةِ الثانِيَ والثالثَ والرابعَ والخامِسَ، وفي الثالثةِ الثالِثَ والرابعَ والخامِسَ والسادِسَ، ويخرجها على أسمائهم، فإن خرجت الأولَى أولاً لِزَيْدٍ صاحب النصف الثانية، أو الثالثة لعمرو صاحب الثلث، فلزيدٍ الأولُ والثانِي والثالثُ، ولعمرو، الرابعُ والخامسُ، وللآخَرِ السادسُ، وكذا الحكْمُ، لو خرجت الثالثةُ أولاً لعمرو، فإنه لا يمكن أن يُعْطَى الثالث والرابع؛ لأنه يتفرَّق ملك زيد، فيُعْطَى الرابع والخامس، وحينئذٍ، فيتعين السادس للثالث، والثلاثة الأولَى لزيد، وإن خرجت الأولَى لزيد، ثم الثانية أو الثالثة للثالث، فلزيدٍ الأولُ والثاني والثالث والرابع، ولعمرو الخامسُ والسادسُ، وإن خرجتِ الثانيةُ لزيدٍ أوَّلاً، فله الثاني والثالث والرابع، ويتعيَّن الأول والثالث والخامس والسادس لعمرو، وكذا لو خرجتِ الأولَى للثالث، ثم الثانية لعمرو؛ لأنه لا يمكن أن يُعطَى الثالث والرابع، وكذا لو خرجت الأولَى للثالث، والثانية لزيد، وإن خرجت الأولَى لعمرو، والثانية أو الثالثة لزيدٍ، فلعمروٍ الأولُ والثاني، ولزيدٍ الثالثُ

والرابع والخامسُ، ويتعيَّن السادسُ للثالثِ، وإن خرجتِ الأولَى، لعمرو، والثانية للثالث، فلعمرو الأولُ والثاني، والثالثُ للثالث، ولزيدٍ الثلاثةُ الأخيرة وإن خرجت الأُولَى للثالث، ثم الثانيةُ لعمرو، ثم الثالثة لزيدٍ، فللثالث الأولُ، ولعمرو الثانِي والثالثُ، ولزيدٍ الثلاثةُ الأخيرةُ، وضابط هذه الطريقة أن يُعْطَى مَنْ خرجت رقعةٌ باسمه قَدْرَ حقه، فيما فيها الأول، فالأول فإن تعذَّر، فهما بعد الأول للأقرب فالأقرب، والغرض قد يَحْصُلُ بإخراج رقعةٍ واحدةٍ، وقد يحتاج إلَى رقعتين، وهو الأغلب كما تفصل وكما يجوز القسمة بالرقاع المدرجة في البنادق، ويجوز بالأقلام والعِصِيِّ ونحوها، وإذا أثبت صورة القسمة، فمتى امتع أحد الشركاء من نوع القسمة الذي نحْنُ فيه، وهو قسمة المتشابهات، فيجبر عليها سواءٌ كانتِ الأنصباءُ متساويةً أو متفاوتةً، ونقل القاضي ابنُ كج عن أبي الحُسَيْن، عن ابن أبي هُرَيْرة أنه لا إجْبَارَ عنْد تفاوُتِ الأنصباء، لأنَّه لا يمْكِنُ أن يدفع إلَى صاحب السُّدُسِ الجزء الثاني ولا الجزء الخامس ولا إلى صاحب الثالث والرابع وإنما يَحْصُلُ الإجبار، إذا استوى الشركَاءُ في احتمال أخذ كل واحدٍ من الأجزاء، والمذهب الأوَّلُ.
وقوله في الكتاب "إن الإِجبار إنَّمَا يجري في قسمة الإفراز أراد بقسمة الإفراز هاهنا قسمة المتشابهات، وفي كونها إفرازاً أو بيعاً خلاف سيَأتِي من بعد، لكنَّ صاحبَ الكتاب رأَى الأصحَّ أنَّهَا إفرازٌ عَلَى ما نص عليه في "كتاب الرَّهْن" فسمَّاها "قسمة الإِفراز" لذلك.
وقوله: "ويبقى الانتفاع" أشار به إلى أن الإِجبار مشروطٌ ببقاء المنفعة بعد القسمة، ليخرج الطاحونة والحمَّام الصغرين عَلَى ما فَصله آخراً.
وقوله: "أو كالكرباس والأرض" يعني: الأرض المتشابهة الأجزاء.
وقوله: "بِحَسَبِ أقل الأجزاء" يعني أقل الأنصباء إذا كانت متفاوتةً.
وقوله: "وتُكْتَبُ أسامي المُلاَّك" يمكن إعلامه بالواو، لما مرَّ أن في طريقه يثبت الأجزاء في الرقاع، وكذا قوله "على ثلاث رقاع" لقول من قال: إنه يثبتها في ست رقاع، وكيفيَّةُ إدراج الرقاعِ وإخراجِها علَى الوجه المذكور لا يختصُّ بقسمة المتشابهات، بل هي في قسمة التعديل، إذا عُدِّلَتِ الأجزاءِ بالقيمة كذلك وقوله في مسألة الطاحونة والحمَّام "لا يجبر" معْلَمٌ بالميم والواو.
وقوله: "فلا يجاب" معلم بالحاء والميم، والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: إِذا ادَّعَى غَلَطاً فِي قِسْمَةِ الإِجْبَارِ لَمْ يُسْمَعْ عَلَى قَسَّامِ القَاضِي دعْوَاهُ وَلاَ تَتَوجَّهُ اليَمِينُ، لَكِنْ إِنْ أَقَامَ البَيِّنَةَ أُعِيدَتِ القِسْمَةُ، وَإِنْ كَانَ قِسْمَةُ التَّرَاضِي وَقُلْنَا: إِنَّهُ بَيْعٌ وَجَرَى لَفْظُ مِلْكٍ فَلاَ يَنْفَعُهُ الغَلَطُ بَلْ هُوَ كَالغَبْنِ لاَ يُوجِبُ؛ النَّقْضَ، وَفِيهِ

وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يُنْقَضُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ إِفْرَازِ فَتَوجَّهُ اليَمِينُ وَيُنْقَضُ عِنْدَ قيَامِ البيِّنَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قسم قَسَّام القاضي بالإِجبار، ثم ادَّعى أحد الشريكين غلَطاً أو حَيْفاً، نُظِرَ؛ إن لم يبيِّن ما يزعم به الحَيْف أو الغَلَط، ثم يُلتفتْ إِلَى قوله، وان بيَّنَه، لم يُمكَّن من تحليف القَسَّام، كما لا يُحلَّف القاضي عَلَى أنه لم يَظْلِم، والشاهِدُ عَلَى أنه لم يكْذِب، ولكن إذا لو أقام بينته، سُمِعَتْ ونُقِضَتِ القسمة، كما لو قامتِ البينةُ عَلَى ظلم القاضي، وكذب الشهود، وقال الشيخ أبو حامد وغيرُه: وطريقه أن يحضر قاسمَيْن حاذقَيْن؛ لينظرا ويمسحا؛ ليعرفا الحال ويشهدا، وألحق أبو الفرج السرخسيُّ بقيام البينة ما إذا عرف أنه يستحقُّ ألف ذراع، ومسح ما أخذه، فهذا هو تسعمائة ولو لم تقُمْ حجة، وأراد تحليف الشريك، مُكِّن منه، فإن نكَلَ، حلَف المدعي، ونقضت القسمة، ولو حلف بعض الشركاء، ونكل بعضُهم، فحلف المدعي، لنكول بعضهم، قال في "الوسيط" تنقض القسمة في حقِّ الناكلين دون الحالفين، ولا يطالب الشريك بإقامة البينة عَلَى أن القسمة الجارية عادلةٌ؛ اكتفاءً بأن الظاهر الصواب، وفي كتاب القاضي ابنِ كج: أن أبا الحُسَيْن ذكر أن ابْنَ أبي هريرةَ حَكَى قولاً أنَّ علَى الشريك البيِّنةَ عَلَى أنها عادلةٌ، وأنَّ مدعي الغلط لا يحتاج إلى البينة، وأن أبا إسحاقَ فصَّل؛ فقال: إن قال مدَّعى الغلط: إن القَسَّام الذي قسَّم لا يحسن القسمة ولا يعرف المساحة والحساب، فالأصل ما يقوله وعلى صاحب البينة، وإن قال: إنَّهُ سها، فعليه البينة، ولو اعترف القَسَّام بالغلط أو الحيْف، فإن صدقه الشركاء، نُقِضَتِ القسمةُ، وإلا، لم يُنْقَضْ، وعليه ردُّ الأجرة، قال فى "التهذيب": وهو كما لو قال القاضي: غلطت في الحكم أو تعمَّدت الحيف، فإن صدقه المحكومُ له، استرد المال، وإلا، لم يستردَّ، على القاضي الغرم، وأما إذا جرتِ القسمةُ بالتراضي، فإن نَصَبَا قَسَّاماً أو اقتسما بأنفسهما، ثم ادعَى على أحدهما غلطاً، فإن لم نعتبر الرضا بعد خروج القرعة، فالحكم كما إذا ادَّعى الغلط في قسمة الإِجبار، وان اعتبرناه وتراضيا بغد خروج القرعة، ففي الكتاب أنه مبنيٌّ على أن القسمة بيع أو إفراز حق؟ إن قلنا: إنَّهَا إفراز حق فالإِفراز لا يتحقَّق مع التفاوت، فتنقض القسمة، إن قامت على البينة، ويحلف الخصم، إن لم تقُمْ، وان قلنا: بيعٌ، فوجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك؛ لأنهما تراضَيَا لاعتقادهما أنَّها قسمة عَدْلٍ.
وأظهَرُهُمَا: أنه لا فائدة لهَذِهِ الدعْوَى، ولا أثر للغلط وإن تحقَّق كما لا أثر للعين في البيع والشراء، وهذا ما أجاب به أكثرهم؛ كأنهم اقتصروا على الجواب الأرجح.
وقوله في الكتاب "وجرى لفظ ملك" ظاهره يشعر باعتبار لفظ البيع أو التمليك، ويقرب منه عبارته في "الوسيط": "لكنا إذا جعلْنا القسْمة بيعاً لا يُشْتَرط لفْظُ البَيْعِ والتمليكِ" وذلك يرجع إلى ما حكينا من اعتبار الرضا بعد خروج القرْعة، ويتبين ما لكل واحدٍ من الشريكين والله أعلم.

قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ ظَهَرَ دَيْنٌ بَعْدَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ نُقِضَتْ إلاَّ إِذَا وَفَّوْا بِالدَّيْنِ، وَقيلَ: إنَّهُ يَتَبَيَّنُ البُطْلاَنَ بِكلِّ حَالٍ، وَلَوِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ المَالِ شَائِعاً انْتَقَضَ فِي المُسْتَحَقِّ دُونَ البَاقِي، وَقِيْلَ يَنْتَقَضُ لِتفُرُقِ الصِّفَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قسمت التركة بين الورثة، ثم ظهر دَيْنٌ، فإن جعلنا القسمة إفراز حق فهي صحيحة، ثم يباع الأنصباء في الدين، كان جعلناها بَيْعاً، فقد ذكرنا في "كتاب الرَّهْن" وجهين في بيع الوارث التركة قَبْلَ قضاء الدَّيْن، وبيَّنَّا أنه لو تصرف ولا دَيْنَ ظاهراً، ثم ظهر دين، فالأظهر صحَّة التصرف، ففي القسمة ذلك الوجهان، إن رجَّحنا البيع، فالقسمة الجارية صحيحةٌ، فإن وفوا الدَّيْن، استمرت، وإلا نُقِضَت، وبيعت التركة في الدَّيْن، كان لم تصحَّح، فالقسمة باطلةٌ، ولو جرت قسمة، ثم استحق بعض المقوم، فإما أن يُسْتَحَقَّ جزءٌ شائعٌ أو شيءٌ معيَّنٌ، إن استحق جزءٌ شائعٌ كالثلث، فتَبْطُل القسمة في المستحَقِّ، وفي الباقي طريقان، قال ابن أبي هريرة: إنَّه علَى الخلاف في تفريق الصفْقَة، ففي قول: يبطل فيه أيضاً، وفي قول: يصحٍ، ويثبت الخيار، وهذا ما أورده في الكتاب، وبه أخذ أكثرهم، وقال أبو إسحاق: تبطل القسمة قولاً واحداً، إذ المقصود من القسمة تمييز الحقوق، وإذا ظهر الاستحقاق كانَ المستحقُّ شريكَ كل واحدٍ منهم فَلاَ يحصُلُ التمييز، وأيضاً، فقَدْ بَانَ أَنَّ المستحِقَّ شريكٌ وانفراد بعض الشركاء بالقسمةِ ممتنعٌ، وبهذا أجاب القاضي الرُّوَيانِيُّ في "الحلية" كان استُحِقَّ شيءٌ معين، نُظِرَ، إِن اخْتَصَّ المُسْتَحِقُّ بنصيب أحدهما أو كان المُسْتَحَقُّ من نصيب أحدهما أكثر، بَطَلَتِ القسمة؛ لأنَّ ما يبقى لكل واحدٍ لا يكونُ قدْرَ حقِّه بل يحتاجُ أحدهما إلى الرجوع على الآخر وتعُودُ الإشاعةُ، كان كان المُسْتحَقَّانِ متماثلَيْنِ، بَقِيَتِ القسمةُ في الباقي وفيه وجه آخر: أنَّهَا تبطُلُ لِمَعْنى التفريق، ولو ظهرتْ وصيَّة بعْد قسمة التركة، فَإنْ كانت مُرْسَلَةَ، فكما لو ظهر دَيْن في التركة، وإن كان بجزءٍ شائع أوْ معين، فعلَى ما ذكرنا، في الاستحقاق، واعلم أَنَّ ظهورَ الدَّيْنِ والاستحقاق لا يختص بقسمة المتشابهات وكذلك دَعْوَى الغلط على ما تبيَّن في الفصل السابق، ولو أورد هذه الصورةَ بعْدَ عَدَّ أنواع القسمة كُلِّهَا، لكان أحسن والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَمَّا قِسْمَةَ التَّعْدِيلِ: فَفِي الإجْبَارِ عَلَيْهَا وَجْهَانٍ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّفَ عَلَى ثَلاَثةَ بَنِينَ ثَلاَثةَ أعْبُدٍ مُتَسَاوِي القِيمَةِ أَوْ عَبْداً وَطَاحُونَةً وَحَمَّاماً أَوْ أَقْمِشَةً يُمْكِنُ تَعْدِيلُ سِهَامِهَا بِالقِيمَةِ، أَمَّا إِذَا خَلَّفَ قِطَعَ أَرْضٍ يَقْبَلُ قِسْمَةَ الإِفْرَازِ فَلاَ يُجْبَرُ فِيهَا عَلَى قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ أَصْلاً، وَلَوْ كَانَ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ عَرَصَةٌ وَالثُّلُثُ بالمِسَاحَةِ نُصِّفُ بِالقِيمَةِ لِقُرْبَهِ مِنَ المَاءِ فَيُجْبَرُ عَلَيْهِ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى ذَلِكَ، وَالدَّارُ المُخْتَلِفَة الأَبْنِيةِ مِنْ جَمْلَةِ قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ، وَاللَّبِنَاتُ المُخْتَلِفَةُ القَوَالِبِ كَذَلِكَ، فَإِنْ تَسَاوَتَ القَوَالِبُ فَيُجْبَرُ.

قَالَ الرَّافِعيُّ: النَّوعَ الثاني: قسمة التعديل والشيء الذي تُعَدَّلُ سهامهُ بالقيمةِ ينْقَسِمُ إلى ما يُعَدُّ شيئاً واحداً وإلَى ما يُعَدُّ شيْئين فَصَاعداً.
القِسمُ الأَوَّلُ: ما يُعَدُّ شيئاً واحداً؛ كالأرض التي تختلفُ قِيمَةُ أجزائها؛ لاختلافها في مدة الإِنبات وفي القُرْب من الماءَ والبعد منه أو في أنَّ بعضها يُسقَى من النهر، وبعضَها من النضح؛ فيكونُ ثلثُها لِجَوْدَتِهِ بِالقيمة مثْلَ ثلثها مثلاً فيُجْعَلُ هذا سهماً وهذا سَهْماً، إن كانتْ بينهما بِالسَّويَّةِ، فإِن اختلفتْ الأنصباءُ، كنصفٍ وثُلثٍ وسُدُسٍ؛ فيجعل ستة أسهم بالقيمة دون المساحة، وإِذَا طلب أحد الشريكَيْن القسْمَةَ، فهل يُجابُ إلَيْه، ويُجْبَرُ الممتنع؟ فيه قَوْلاَنِ: أحَدُهُمَا: نعم؛ إلحاقاً للتَّساوِي في القيمة بِالتساوِي في الأجزاء.
والثاني: لا؛ لاختلاف الأغراض والمنافع، وإذا قلْنا بالإجبار، فأجرة القسَّام توزَّع بحَسَب الشركة في الأصل أو بحسب المأخُوذِ قلَّةً وكثرةً؟ فيه وجهان: أقريهما الثاني: لأنَّ العمَلَ في الكثير أكثر، واعلَمْ أن الخلاف في الإجبار كما أنه يجْرِي فيما إذا كان اختلاف الأجزاء لاخْتِلافِ الصفات يَجْرِي فيما إذا كان 1 الاختلاف لاختلاف، الجنس؛ كالبستان الذي بعْضُه نخيلٌ، وبعضُه كَرْمٌ، والدَّارُ المبنيُّ بعضُها بالآجُرِّ، وبعضُها بالخشب والطين، فإنَّ صاحبَ "التهذيب" رجَّح من القولَيْن منع الإِجبار؛ لكنّ أصحابنا العراقيين وغيرَهم رجَّحوا الإجبار، ولو لم يقل بذلك؛ لامتنع الإجبار في البُسْتان المشتمل على الأشْجَار المختلفة، وفي الدار المشتملة على الحِيطَان والأجذاع والأبواب، وهو شأن البساتين والدُّورِ غالباً، وينجرُّ ذلك إلى ألاَّ يثبت فيها الشُّفْعة؛ كالطَّاحونة والحمَّام، ومعلومٌ بعده وأنه يشبه أن يكونَ الخلافُ في الإجْبار مخصوصاً بما إذا لم يمكنُ قسمةُ الجيِّد وحْده، وقسْمةُ الرديءْ وحْده، وإن لم يكن الخلاف مخصوصاً به فان أمكن أن يُقَسَّم كلُّ واحد منْهما وحْده، فلا يُجْبر على قسمة التعديل، كما لو كانا شريكَيْن في أرضَيْن، يمكنُ قسْمةُ كلِّ واحدةٍ منهما بالأجزاء لا يَجْرِي الإِجبارُ على التعديل.
القسمُ الثاني: ما يُعدُّ شَيئَينِ فصاعِداً، ولنتكلمْ في العَقَار ثم في غيره.
أما العَقَارُ، فإذا اشتركا في دارَيْن 2 أو في حانوتَيْن مُتَسَاوِينَ، القيمَةِ، وطلب أحدُهُما القسمةَ بأنْ يجعل لهذا داراً، ولهذا داراً، لم يُجْبر صاحبُه، سواءٌ تجاوز

الحانوتان والدارُ أو تباعدَا؛ لشدَّة اختلاف الأغراض باختلاف المحال والأبنية، فيلحقان بالجنسَيْن المختلفَيْن، وعن مالكٍ: أنه يُجْبَرُ عند المتجاوز، وعن أبي حنيفةَ: أنه يُجْبَرُ، إن كان إحدى الدارَينْ حجرةً للأخرَى، وفي "الرقْم" للعباديِّ وجْه: أنه يُجبر عمن غير فرْقٍ بين التجاوُر والتباعُد، ولو كانت بينهما دكاكِينُ صغارٌ متلاصقةٌ، لا يَحْتَمِلُ آحادُها القسمةَ، ويقَالُ لها العضايدُ، وطلب أحدهُما أن يقسم هل يجبر الممتنع فيه وجهان: أحدُهما: لا، كالدُّور، وكما لو كانت متفرقة.
وأصحُّهُما: على ما ذكره القاضي الرويانيُّ وغيره: نعم، للحاجة، فينزَّل منزلة الجدار المشتمل على البُيُوت والمساكن، هكذا صوَّر هذه الصورةَ أكْثَرُ ناقليها، وهو القديم، وصوَّر صاحبُ "المهذب" فيما إذا احْتَمَلَتْ كلُّ واحدة منْهما القسمةَ، وحَكَى وجهَيْن فيما إذا طلب أحدُهما قسمتها أعياناً، والآخرُ قسمة كلِّ واحدة منْهما، يُجاب الأول؛ إلحاقاً لها بالدَّار المشتملة على البيوت، والثاني؛ إلْحاقاً لَهَا بالدّوْرَ، وأما الأقرحة 1، إن كانَتْ متفرقة، فهي كالدُّور، كان كانت متجاورةً، ففي "الشامل"، أن أبا إسحاق نَزَّلها منزلة القراح الواحدِ المختلِف الأجْزاء وأنَّ غيره قال: إنما يكون القراح الواحدِ، إذا اتحد المشِّرْب والطريق، فإن تعذر، فهو كما لو تفرَّقت، وهذا أشبه بكلامِ الشافعيِّ -رضي الله عنه-.
وأما غَيْرُ العَقَار، فهذا اشتركا في عَبِيدٍ أو دواب أو أشجار أو ثياب، فإما أن يكون من نوعٍ واحدٍ أو لا يكون.
الحالةُ الأولَى: إذَا كانت من نوعٍ واحدٍ، وأمكن التسوية بين الشريكَيْن عدداً أو قيمة كعبدين متساوي القيمة بين اثنين، وكثلاث دوابَّ متساويةِ القيمةِ بين ثلاثة فظاهر المذهب: أنه يُجْبَرُ على صحة قسمتها أعياناً، ويُكْتَفى بالتساوِي في القيمة بخلافِ الدُّور، لشدَّة اختلاف الأغراض فِيها، وعن أبي عليٍّ بن خيران وابن أبي هريرة: أنها كالدُّور، وحَكَى ابنُ الصَّبَّاغ القَطْعَ في العبيد بجواز الإجْبار، كما جزَّأ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- العبيدَ الستة الَّذين أعْتَقَهُمُ الأنصاريُّ -رضي الله عنه- في مرضِهِ ثلاثةَ أجزاءٍ 2، وخصَّ الخلافَ بغَيْر العبيد، وعن أبي حنيفة أنه لا إجْبَار في العبيد ولا في الخيل والإبل، وإنْ لم يمْكِنِ التسوية في العدَدِ؛ كثلاثة أعبد من اثْنَينِ علَى السواء؛ أحدُهم يساويَ الآخَرْين في القيمة، فإِن قلنا بالإِجبار عنْد إمكان التسوية، فهاهنا قولان: يُنْظَر في أحدهما إلَى

تعادل القيمة، وفي الثاني إلى اختلاف العَدَد وتفاوتِ الأغراض بذلك، وهذان القولان كالقولَيْن في الأرض المختلفة الأجزاء؛ لإِلحاقنا الأعيان المتماثلة بالأرْض المتشابهة الأجزاء، فإن كانت الشركةُ لا ترتفعُ إلاَّ عنْ بعْض الأعيانِ؛ كعبدَيْنِ بَيْن اثْنَيْنِ، قيمةُ أحدِهِما مائةٌ، وقيمةُ الآخرِ مائتان وطلب أحدهما القيمةَ؛ ليختصَّ مَنْ خرجت له قرعة الخَسيس بالخسيس 1، ويكون له مع ذلك رُبُعُ النفيس، فهذا يترتَّب على الصورة السابقة، فإنْ قلنا: لا إجبار هناك فهاهنا أولَى، وإنْ قلنا بالإجبار هناك فهاهنا وجهان أو قولان، والأصَحُّ المنْعُ؛ لأنَّ الشركةَ لا ترتفعُ بالكلِّيَّةِ.
الحالةُ الثانيةُ: إذا لم يكُنِ الأعيان من نَوْعٍ واحدٍ بل كانت أنواعاً من جنْسٍ واحدٍ؛ كالعبد التركِّي مع الهنديِّ، وثوب الإبريسَم مَعَ الكَتَّانِ أو كانَتْ أجناساً مختلفةً، كالعَبد والثوب والحنطة والشعير والدابَّة والدار، فَطلب أحدهما أن يُقسِّم أنواعاً وأجناساً، فلا يُجْبَرُ الآخر، وإنما يُقَسَّم كذلك، إذا تراضَيَا، ولو اختلفتِ الأنواعُ، وتعذَّر التمييز، كالتمر الجيد مع الرديء، فلا قسمة إلاَّ بالتراضي، هذا ما أورده الجمهور، وقَطعوا به وأجْرَى أبو الفرج السرخسيُّ عند اختلافِ النَّوْع الخلافَ في الإجْبار، وزاد الإمامُ وصاحبُ الكتاب فأجْرَيَاه عند اختلاف الجِنْس، والصحيحُ الأول.
ونعود الآن إلَى ما يتعلَّق بلفظ الكتاب.
قوله: "وهي أن يحلف على ثلاثٍ بيْنِ ثلاثةِ أعبْدُ" لا يخفى أن هذا لَيْسَ تفسيراً لقسْمةِ التعديلِ، وإنما هو مذكورٌ عَلَى سبيل التمثيل.
وقوله: "أو عبَداً" أو طاحونة وحماماً ينبغي أن يُعْلَمَ بالواو؛ لأنَّه عَدَّ هذه الصورةَ من قسمة التعديل مع اختلاف الجنْسِ فيها، والمشهورُ خلافُه، كما عرَفْتَ.
وقوله: "أما إذا خلف قطع أرض يقبل قسمة الإفراز فلا يُجبر فيها على قسمة التعديل" يمكن إعلامُهُ بالواو؛ لأن الفورانيَّ أشار فيه إلَى خلافٍ، وهو كما حكَيْناه عن رواية العبَّاديَّ في الدارَيْن.
وقوله: "وإن كان بين شريكين عَرَصَةٌ، والثُّلُثُ بالمساحةِ نُصِّفَ بالقيمة، لقُرْبهِ من الماء؛ فيُجْبَر، ولا يُنْظَر إلَى ذلك" أراد به أنه يجبر على هذه القسمة 2 ولا يُخُرَّج على الخلاف السابق، وهكذا ذكره في "الوسيط" لكنَّه غيرُ مسلَّم؛ بَلِ المفهوم من كلام الأصحاب تصريحاً وتلويحاً، أن هذه الصورة من قسمة التعديل.
وقوله: "والدار المختلفة الأبنية" مِنْ جُمْلة قسْمَة التعْدِيل اختلافُ الأبنية، إن كان

لاختلاف المبْنَى به، كالآجر مع اللَبن، فلا كَلاَم في أنَّ قِسْمَتَها من جمْلَةِ قِسْمةِ التَّعْدِيل، وإن كان لاختلاف هيئات البناء وأشكالها، وسعتها، وضيقها، فعَنْ بعْضِهِم أنَّ الجواب كذلك، قال الأِمام: إذا كَانَ في شَرْقيِّ الدار صفة وبيت، وكذلك في غرْبها وتأتيَّ تبعُّضُ العَرَصة، فقد اشْتمل كلُّ حصة عَلَى مِثْل ما اشتملَتْ عليه الأخْرَى، فيجوز أنْ يُقَالَ يجري الإِجبار عَلَى مثل هذه القسمة، ولا يختلفُ الأمر باختلافِ الجِهَةِ فاغتفر تماثلُ الحصتَيْن في الأبنية، ومنْهم من قطَع بالإِجْبار مع اختلاف أشْكَال الأبنيةِ وهيئاتها، والقياس الأول.
وقوله: "واللبنات المختلفة القوالب كذلك" يعني أنَّه إذا اختلفت القوالبُ تختلف الأغراضُ، فيجيء الإِجْبار على القسْمَة، وفيه الخلاف، أما إذا تساوَتْ، كانَتْ كالمتشابهات، فيُجْبَر فيه على القسمة.
فَرْعٌ: دارٌ بين اثْنَيْنْ، لها علُوٌّ وسفل، فطلب أحدُهُما قسمتها علواً وسفلاً، أجْبِر الآخر عنْد الإمكان، وإن طلب أَحدُهُما أنْ يُجْعَلَ العُلُّو لواحدٍ، والسفلُ لآخر، لم يُجْبَر عليه، هكذا أطلقوه، ووجَّهُوه بأن العُلَّو تابعٌ، والسَّفل متبوع، فلا يجوز أن يجعل أحد النصيبين تابعاً، والآخر متبوعاً، وبأن العُلوَّ مع السفل كدارَيْنه متلاصقتَيْن؛ لأن كل واحدٍ منْهما يَصْلُح أن يُتَّخذ مسكناً، ويجوز أن يُقَالَ: "إن لم تكن القسمة سفلاً وعلواً، يجعل السَّفَل لأحدهما، والعُلوّ للآخر من جمْلة قسْمة التعديل، وإنْ طلب أحدهما أن يقسم السَّفَل بينهما، ويترك العُلوّ على الإِشاعةِ، لم يُجْبَر الآخر عليه؛ لأنهما قد يقسمان العُلوَّ بعد ذلك، فيقَعُ ما فوق نَصِيبِ هذا من السَّفَل لذلك.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: أمَّا قِسْمَةُ الرَّدَّ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّفَ عَبْدَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا أَلْفٌ وَقِيمَةُ الآخَرِ سِتُّمَائَةٍ فَلوْ رَدَّ آخِذُ النَّفِيسِ مَائَتَيْنِ اسْتَوَيَا وَلاَ إجْبَارَ عَلَى هَذَا أَصْلاً، وَلَوْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالخَسِيسِ وَخُمْسِ النَّفِيسِ لِتَزُولَ الشَّرِكَةُ عَنْ أَحَدِ العَبْدَيْنِ اسْتَوَيَا وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لاَ يُجبَرُ عَلَيْهِ؛ لأنَّ أَصْلَ الشَّرِكَةِ قَائِمٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ كَقِسْمَةِ التَّعْدِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النوعُ الثَّالِثُ قسمةُ الردِّ، وصورتُها أن يكون في أحدِ جانِبَي الأرضِ بئر أو شجر أو في الدارِ بيْتٌ لا يمكنُ قسمتُه، فتضبط قيمة ما اختص به ذلك الجانبُ، فتقسم الأرضُ والدارُ عَلَى أنه يَرُدَّ مَنْ يأخذُ الجانبَ الذي فيه البئرُ، أو الشجرُ، أو البيتُ، تلْك القيمةَ، وهذا لا إجبار عليه؛ لأنه دخَلَه ما لاَ شَرِكَةَ فيه، وكذلك لو كان بينهما عبدانِ بالسوية، وقيمةُ أحدهما ألْفٌ، وقيمةُ الآخَرِ ستُّمائةِ واقتسما عَلَى أن يردَّ آخذ النَّفِيس مِائتَيْنِ، استويا، هذَا هو المشْهُور، وفي "أمالي" أبي الفرج أن من أصحابنا من خَرَّج قولاً مأخوذاً من الخلاف فيما إذا كان بَيْنَهما عبدان، قيمةُ أحدهما ألْفٌ، وقيمةُ

الآخرِ ستُّمائةٍ، فطلب صاحب أحدهما القسْمَةَ، ليخلُصَ الخسيس 1 لأحدهما، وهذه الصورةُ هي التي ذكرَها صاحِبُ الكتاب في الأثر، وقد أدْرَجْناها في الفَصْل السَّابِق، وحاصِلُ ما فيها طريقانِ، كما في الكتاب: أحدهما: القطْع بأنَّه لا إجْبَار.
وثانيهما: أنَّه على الخلافِ في قسْمة التَّعْديل، لكنَّ إطلاق القْولِ بالترْجِيح بعيدٌ؛ لأنه لا ردَّ في تلْكَ الصُّورة، ولا تصرُّف إلا في المشتَرَكِ بخلاف ما نَحْنُ فيه، ولو لَمْ يكن ردٌّ، ونزل ما فيه الفصْل على الإِشَاعَةِ، فالصورةُ كالصّورة، وكذلك قال بعضْ المتلقَّين عن الإِمام: لا يجري الإِجبارُ في قدْر الردِّ، والمثل في الباقي إلى المَنْع، فأشار إلَى تخصيصِ الخِلاَف بما وراء قدْرِ الرَّدِّ، وإذا حَصَل التَّراضِي عَلَى قسْمة الرَّدِّ، فيجوز أن يتَّفِقا عَلَى مَنْ يأخُذ النَّفِيس، ويَرُدُّ ويجوز أن يُحَكَّمَا القُرْعة، ليرُدَّ من خرج له النَّفِيسُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ثُمَّ قِسْمَةُ المتَشَابِهَاتِ بَيْعٌ أَوْ إفْرَازُ حَقَّ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ قِسْمَةَ التَّعْدِيلَ بَيْعٌ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ، ثُمَّ بَجِبُ الرِّضَا حَيْثُ لاَ يُجْبَرُ، وَيَكفِي قَوْلُهُ: رُضِيتُ بَعْدَ خُرُوجِ القُرْعَةِ، وَالرِّضَا قَبْلَهُ هَلْ يَكْفِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ قَوْلهِ رَضِيتُ مَا لَمْ يَقُلْ: رَضِيتُ بِالقِسْمَةِ أَوْ قَاسَمْتُ إِنْ قُلْنَا إنَّهُ بَيْعُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل قاعدتان: إحداهما: قسمة المتشابهات إفرازُ حقٍّ أو بيع؟ فيه قولان: أحدُهما: وبه قال أحمد: أنها إفرازُ حقٍّ؛ لأنَّها لو كانَتْ بيعاً، لَمَا دخَلَها الإِجْبَار، وفي الإِجْبَارِ الاعتمادُ على القُرْعة، ومعنى قولِنا: "إفراز" أن القسمة تبيِّن أن ما خرج لكلِّ واحدٍ منْهما هو الذي ملَكَه.
والثاني: أنَّهَا بَيْع؛ لأنه ما مِنْ جزءٍ من المال إلاَّ، وكَانَ مشتركا بَيْنَهُما، فإذَا اقْتَسَمَا، فكأنَّهُ باعَ كُلُّ واحدٍ منْهما ما كان له في حصَّةِ صاحبه في بما في حصَّته، وما الأصحُّ من القولَينْ وما محلُّهما.
أمَّا الأصحُّ، فقدْ ذكر صاحبُ "التهذيب" وآخرون: أن الأصَحَّ كونُها بيعاً، واعتذر عن دخول الإِجْبَار فيها بالحاجَةِ الداعية إلَيْه، وذلك لا يُخْرِجُها عَنْ كونها بَيْعاً، كما أن الحاكِمَ يبِيعُ مال المدْيُون قهراً وإجباراً، وذكر صاحبُ الكتابِ في "باب الرهْن": أن

الأصحَّ جَعْلُها إفْرازاً ويوافِقُه جوابُ الأصحاب في مسائِلَ متفرِّقَة تتفرَّع على القولَيْن 1، وذكر في "العدة" أن الفتوَى عليه، وأما المحلُّ، ففيه طريقان: أحدُهُما: أن القولَيْن فيما إذا جرَتْ هذه القسْمةُ بالإجبار، أما إذا جرتْ بالتراضِي، فهي بَيْعٌ لا محالة.
والثاني: أنَّهما مطَّرِدان، إن جرتْ بالتراضي أو بالإِجبار، أو حَكَى الطريقَيْن صاحبُ "التهذيب".
وقال: الأصحُّ الأولُ 2، واعلم أنَّ القَوْل بأنَّ القسمةَ بيْعٌ لا يُمْكِنُ إجراؤُه عَلَى إطلاقه؛ لأن النصْفَ الأيمن الذي يأخذُهُ زيْدٌ كما أنه لمْ يكنْ كلُّهُ لزيدٍ، حتى يُقَالَ: القسمة إفرازٌ، والنصفُ الأيسر لم يكن كلُّه له، حتَّى يُقَالَ: إنه باعَه من عمرو بل النصْفُ الذي أخَذَه، كان نصُفُه له، ونصْفُه لصاحِبه، فالقسمةُ إفرازٌ، فيما كان له فيه، وبَيْعٌ فيما كان لصاحِبِهِ، وأما قسْمَةُ التعْدِيلِ، ففيها طريقان: أحدُهُمَا: طرْدُ القولَيْنِ، وهو قضيَّةُ إيرادِ صاحب "المهذب" وأبي الحَسَنُ العبَّادِّي أيضاً.
والثاني: القطْع بأنَّها بيْعٌ، وهو الأصحُّ عند صاحبِ الكتابِ، وحَكَى الصيدلانيُّ

الطريقَيْن عن القفَّال الثاني منهما حفْظاً، والأولُ عن كتابه ويُشْبه أن يكونا مبنيَّيْنَ عَلَى قسمة التعديل، هل يُجْبَرُ عليها، إن قلْنا: نعم، ففيها القولان، وإن قلنا: لا، فهي بيْعٌ، وخصَّص في "الوسيط" الطريقَيْن 1 بقولنا: إنَّ قسمة التعديل يُجْبَرُ عليها، وقال: إذا لم نَقُلْ بالإجبار، فهي بيع لا محالة، وأما قسْمةُ الردِّ، فهي بيع على المشهور، وقيل: هي بيعٌ فيَ القدْرِ الذي يقابل المردودَ، ويجيء فيما وراءه الخلافُ في قسمة التعديل.
التفريع: إنْ جعلْنا القِسْمةَ بيعًا، فاَقتسما شَيْئاً من أموالِ الرِّبَا، وجب التقابض في المجْلِس، ولم يجُزْ قسمة المَكِيلِ بالوزْن، والموزُونُ، بالمكيل، ولم يجُزْ قسمةُ الرُّطَبُ والعنب وما أثَّرت فيه النارُ فيه بتعقيدِ الأجزاء، وإنْ جعلْناها إفْرازاً، فالحكُم بخلافه ويجوز قسمة الجَصِّ، والنّورة بالكيل، والوزنِ، علَى القولَيْن، ولا تقسَّم الثمار على رؤوس الأشجار بالخَرْص، إن جعلْناها بيعاً كما لا تُباع خَرْصاً، كان قلْنا: إفرازٌ، فإن كانت ثمرةُ غيرِ النخل والكرم، جازَتِ القسمةُ خَرْصًا، كما يجُوزُ خَرْصُها للفقراء، وإنْ كانتْ بينهما، أرضٌ مزروعةٌ، فأراد قسمةَ الأرْض وحْدها، جاز، وإنْ طَلَبها أحدُهُما أُجْبِر الآخرُ، ويجيء، عَلَى قولنا: إن القسمة بيعٌ، وجهٌ مذكورٌ في البيع، وإن أراد قسمة الأرض وما فيها، لم يجز إن اشتد الحب أمَّا إذا جعلناها إفرازاً، وكذا لو كان بَذْراً، لم ينبت بعْدُ، وإن كان فصيلاً، فيجوز؛ لأنَّه معلومٌ مشاهدٌ، وإنْ أراد قسمةَ ما فيها وحْده، فكذلك الحكْمُ، إن لم يثبت بعْدُ، ولو اشتد الحبَّ، لم يجز، وإنْ كان فصيلاً فيجُوزُ وإن طلب أحدهما قسمة الأرض وما فيها أو قسْمَةَ ما فيها وحْده، وامتنع الآخر، والحالُ حالُ جوازِ القسمة بالتراضي، فالذي ذكره الشيخُ أبو حامد: أنه لا يُجْبرُ الآخر، وعلَى ذلك جرَى صاحبُ "المهذب" و"التهذيب" ولم يوجِّهوه بشيْء يُقْنِع.
ولو اقتسم الشريكانِ، ثم تقايلا، فإنْ جعلنا القسمة بيعًا، صحَّت الإِقالة، وعاد الشيوع، وإلا، فهِيَ لاغيةٌ.
وقسمة الملْكِ عن الوقف لا تجُوز، إن جعلناها بيعا وإن جعلناها إفرازاً، فيجوز، قال القاضي الرويانيّ: وهو الاختيار 2 وقسمةُ الوقف بين الموقوف عليهم، لا تجوزُ على القولَيْنِ لِمَا فيها من تغْيير شَرْط الواقف، وفيه وجه على قَوْل الإفراز؛ لأنه قدْ يشرف على البَوَار، ويريد بعضُهم العمارة، فيبقى غرضُ الواقِف في المعمور، وهذا الوجه حكاه القاضي ابن كج عَنْ أبي الحُسَيْن وحْده، وخصَّصه بقولنا إِن الملْكَ في

الوقْف للموقُوف عليه ثم قال إِن انقرض البَطْنُ الأول، وصار الوقفْ للثاني، انتقضت القسمة.
القاعدةُ الثانيةُ: قسمة الإجْبار لا يُعْتبر فيها الرضا، لا عند خروجِ القُرعْة ولا بعد خُروجها، ولو تراضَى الشركاء بقاسِم يَقْسِمُ بينهما، فهلْ يعتبر التراضِي بعْد خروج القرعة أم يكفي الرضا الأولُ؟ فيه قولان كالقولَيْن فيما إذا حكَّما رجلاً، فحكم بينهما والذي يميل إليه كلام المعتبرين: أنَّه يُعْتبر، وذَكروا أنه المنصُوص، وبه أجاب الشيخ أبو حامد فيما إذا اقْتَسَما، وفي قسْمة الردِّ لا بدّ من الرضَا بعْد خروج القُرْعةُ كما في الابتداء، وعن الإصطخرِّي وجْه: أنه يلزمُ بخُرُوج القُرْعة، وإذا اعتبرنا الرضا بعْد خروج القُرْعة، فصيغته أن يقولا: رَضينا بهذه القسمة، أو بما أخرجتْه القرعة، أو بما جَرَى، ولا يُشْتَرط لفظُ البيع وإن جعلْنا القسمة بيعاً، هذا هو الظاهرُ، وفيه وجهان آخران، بناءً على أن القسمة بيع.
أحدُهُما: أنه لا بدَّ من لفظ البَيْعِ أو التمليك.
والثاني: أنه لا يَكْفِي قولُهُما "رَضِينا بما جرى، أو بهذا" بل لا بدَّ من أن يتلفَّظ بالقسمة، بأن يقولا: "تقاسَمْنا أو رَضِينا بهذه القسْمة" ليؤدَّي معنى التمليك والتملك 1، وهذا الثاني هو الذي أورده بقوله في الكتاب ولا يكفي مجرَّدُ قوله: "رَضِيتُ" ما لم يُقْل: "رضيتُ بالقسمة" إلى آخره.
وقوله من قبل "ويكفي قوله: رَضِيتُ بعد خروج القُرْعَة" هو الوجه الظاهر وبينهما مسألةٌ متخلِّلة، وقد يقتضي ظاهرُ نَظْم الكتاب الاكتفاءَ بالرضا بَعْد خروج القُرْعة، والاستغناء به عن الرِّضَا قبله، وهذا الظاهرُ غيْرُ معمول به، بل حَيْثُ يجبُ الرضا، فلا بدَّ منه في الابتداء، والخلافُ في أنه، هل يعتبر في الانتهاءِ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَرْعَانِ: الأَوَّلُ: القَنَاةُ وَالحَمَّامَ وَمَا لاَ يَقْبَلُ القِسْمَةَ تَجْرِي فِيهَا المُهَايَأَةُ وَلَكِنْ لاَ يُجْبَرُ (و) عَلَيْهَا وَلاَ تَلْزَمُ بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ فِي الحَالِ أَمْ يَصْبِرُ إِلَى أَنْ يَسْتَوْفِي نَوْبَتَهُ ثُمَّ يَرْجَعِ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإن جَوَّرْنَا غُرِّمَ قِيمَةَ مَا استوفْاهُ، وَلَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكاء وَأَصَرُّوا تَرَكْنَاهُم وَلَمْ نَبعْ عَلَيْهِمُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أن الأعيان تُقَسَّم، فالمنافعُ تقسَّم، وطريقُ قسمتها المهايأَةُ مُيَاوَمَةً أو مُشَاهَرَةً، أو مُسَانَهَةً، فإن كانتِ العَيْنُ قابلةً للقِسْمة، فلا إجبار فيها على المهايأَة بها بحالٍ، وكذا لو طلَبَ أحدُهما أن يَزْرَع هذا بعْضَ الأرض، وهذا بعْضَها أو

يسكن هذا بعض الدار، وهذا بعضها من غير أن تُقَسّم الأرض، وامتنع الآخر فلا يُجْبَرُ الممتنع عليه، كان لم تكنِ العيْنُ قابلةً للقسمة كالقناة، والحمَّام، والعبد، والبهيمة، فإن اتفق الشريكانِ في منافَعَها على المهايأة، فذاك، وقد يتفقان على من البداية، وقد يتنازعانِ، فتَحْكُمُ القرعة، وإن طلبها أحدُهُما، وامتنع الآخر، فوجهان: أحدهُما، ويُحْكَى عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أنه يجبر الممتنعُ كما في قسمة الأعيان، ولئلا يُعَطَّل الشريك على الشريك المال بحاجاً، وعَلَى هذا، فالحكْمُ فيمَنْ يبدأ به القُرْعة، ويجوز أن يكون الحكْمُ في قدرْ النَّوْبة كذلك.
وأصحُّهُما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يُجْبَرُ؛ لأن بالمهايأة، يُعَجَّل حقُّ أحدهما، ويتأخَّر حقَّ الآخر بخلافِ قسْمة الأعيان، وأيضاً فالاشتمال في الأصْل يقتضي الاشْتِرَاك في المنفعة، وانفراد أحدهما بالمَنْفعة مع الاشتراك في الأصْل، لا يكون إلاَّ عَلَى سبيل المعاوَضَةِ، والمعاوَضَاتُ بعيدةٌ عن الإِجبار، د إذا رضينا بالمهأياة ثم رجَعِ المبتدئ بالانتفاع قبل استيفاء توبته، مُكِّن، فإنْ مضتْ مدَّةٌ لمثلها أجرةٌ، غُرِّمَ نصْف أجْرَةِ المثل، وإن رجع بعد استيفاء نوبته، فوجهان، إن قلْنا: لا إجبار على المهايأة، فيُمَكَّن، ويُغَرَّم نصف الأجرة، وإن قلْنا بالإِجبار، فلا يُمَكَّن ويستوفي الآخر نوبته، وإنِ استوفى الأول نوبته، وامتنع الآخر من أن ينتفع ويستوفي نويته، فإن قلْنا بالإجبار، فهو مضيعٌ حقَّ نفسه، ولا أُجرَةَ له، وإنْ قلنا: لا إجبار، فله ذلك، ويأخذ من الَأول نصف أجرة المثل، وكذا لو انهدَمَتِ الدار أو ماتَ العبْدُ بعْد نوبة الأوَّلِ، فللآخر عليه نصْفُ أجرة المثل، وإذا لم نقُلْ بالإجبار وأصرَّا على النزاع في المهايأة، فهل يبيع القاضِي عليهما؛ قطعاً للنزاع؟ فيه وجهان: أصحُّهُمَا: وهو المذكورُ في الكتاب: أنه لا يبيع؛ لأنَّهما كاملانِ مطْلقا التصرف، لا حقَّ لغيرهما عليهما، وعلَى هذا؛ فما الذي يَفْعَل؟ ذكر في "الوسيط" أنه يتركهما إلى أن يصْطَلِحَا، وهذا يُشْعِر بأنه لا يؤجّر عليهما والذي أورده القاضي ابنُ كج وصاحبُ "التهذيب"؛ أنه يؤخِّره ويوزِّع الأجرة عليهما ولو استأجر اثنان أرضاً، فطلب أحدُهما المهايأة، وامتنع الآخَرُ، وجب أن يعُودَ الخلاف في الإِجبار، وإن أراد قسمتها، ففي فتاوى القاضي الحُسَيْن: أنها جائزةٌ على قول ابْنِ سُرَيْجٍ، ثم إذا اقتسما، وَحَدَثَ بنصيب أحدُهُما عيْبٌ؛، فله الفسخ، قال: وينبغي أن يُقَالَ لشريكه: الفسخ أيضاً، ولو طلب أحدُهُمَا هذه القسمة، وامتغ الآخر، هل يُجْبَرُ، جعله على وجهَيْن، وإذا جرتِ المهايأةُ في العبْد المُشْترك بين المالكين أو في العَبْد الذي بعْضُه حرٌّ بينه وبين مالك الباقِي، فالأَكساب، العامَّة والمؤن العامة تدْخُل في المهايأة، وفي الأكساب النادرة كما يقبله بالهِبَة والوَصِيَّة، والمؤن النادرة كأجرة الطبيب والفَصَّاد والحَجَّام خلاف ذكرناه في غَيْر موضع، والأظْهَرُ دخولُها أيضاً، وينبغِي أنْ يدخُلَ في الكسوة إلَى قدْر النوبة حتَّى يبقى

عَلَى الاشتراك، إن جَرَتِ المهايأة مياومةً، ولا يجوزُ المهايأة في الحيوان اللَّبُون، ليحلب هذا يوماً، وهذا يوماً، وفي الشَّجَر المثمرة ليكون ثمرها لهذا عاماً، ولهذا عاماً؛ لما فيها من الزِّيَادة والنُّقْصان 1، وقوله في الكتاب "ولكن لا يُجْبَرُ علَيْها" إلَى أن قال: "إلا أن يَستوفِيَ نوبته ثم يرجع فيه وجهان" يقتضي إثبات وجهَيْن في الرُّجُوع بعد استيفاء النَّوْبَة مع الحُكْم بأنه لا إجبار في الابتداء، وهو محتملٌ حملاً له على وفاءٍ وتسويةٍ بَيْن الشريكَيْن الأشهر الاقتصار، علي بناء الوجْهَيْن، والله أعْلَم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّانِي: لَوْ تَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ وَالْتَمَسُوا الْقِسْمَةَ مِنَ القَاضِي وَلاَ بَيِّنَة لَهُمْ عَلَى الْملْكِ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يَجِبُ وَيَكْتُبُ أَنَّهُ قُسِّمِ بِقَوْلهِمْ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّهُ لا يَجِبُ (ح) بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جماعةٌ في أيديهم دار أو أرض تقدَّموا إلى القاضِى فطَلَبوا قسْمَتَها بينهم، فإِن أقاموا بيِّنةُ على أنَّها ملْكُهُمْ، أجابهم إلى القسمة، هذا هو المشهورُ والمَنْصُوصَ، واعترض ابنُ سُرَيْجٍ فقال: إنما تقامُ البينةُ، وتُسْمع على خصمٍ، ولا خصم هاهنا، وأجاب ابنُ أبِي هريرة بأنَّ القسمة تتَضمَّن الحُكْم لهم بالمِلْك، وقد يكون لهم خصْمٌ غائبٌ، فيسمع البينة؛ ليحكم لهم عليه، وإنْ لم يُقِيمُوا بينةً، فطريقان: أظْهَرْهُما: أن المسألة على قولَيْن: أحدُهُمَا: أنه لا يجيبهم إلى القِسْمة؛ لأنَّها قد تكُونُ في أيديهم بإجارةٍ وإعارةٍ، فإذا قسمها بينهم، لم يُؤْمَن أن يدعوا ملْكَها محتجِّين بقسمة القاضِي 2. والثاني: يجيبهم، وبه قال أحمدُ اكتفاءً بدلالة اليَدِ على المِلْك، لكنْ يكتب في الذِّكْر، ويشهد أنَّه، إنَّما قسم بقولهم: لئلا يتمسَّكوا بقسمته.
الطريق الثاني: وبه قال أبو الطيِّب بن سلمة: القطْعُ بالقول الأول، وإذا أثبتنا القولَيْن، فما الأظهر منْهما، ذكر الإمامُ وصاحبُ الكتاب أنَّ الثاني أصحُّ، وإليه ميل ابنِ

سقطت، وإن عُتِقَتْ أخذ بها.
وإن وَلَدَتْ بعدما عَجَزَتْ، ورُقَّتْ، فلا شَيْءَ لها، وكذا لو وَلَدَتْ بعدما عُتِقَتْ؛ لأن حين يقدر تقومه ليس بكَسْبِ مكاتبه.
وقوله في الكتاب: "أو بعد العتق" في بعض النسخ: "أو (1) بعد الموت السيد"؛ فإنها تعتق بِمَوْتِهِ من جهة أنها مُسْتَوْلَدَةٌ، ثم لا ترتفِع الكِتَابَةُ بِإيلاَدِهَا، بل هي مُسْتَوْلَدَةٌ ومُكَاتَبَةٌ.
فإن عَجَزَتْ ثم مات السَّيِّدُ، عتقت عن الاسْتِيلاَدِ، والأولاد الحَادِثُونَ بعد الاسْتِيلاَدِ بالنِّكَاحِ أو الزِّنَا يَتْبَعُونَهَا، والحَاصِلُونَ قبل الاستيلاد أَرِقاءُ للسيد.
فإن (2) مات السَّيِّدُ قبل عَجْزِهَا عُتِقَتْ.
قال في"التهذيب":ويتبعها أكْسَابُهَا، ويُعْتَقُ عن الكتابة أو الاستيلاد فيه وجهان: أصحهما: عن الكتابة؛ كما لو أعتق السَّيِّدُ المُكَاتَبَ، أو أَبْرَأَهُ عن النجوم وعلى هذا: فالأولاد الحَادِثُونَ بعد الكِتَابَةِ، وقبل الاسْتِيلاَدِ؛ هل يَتْبَعُونَهَا؟ فيه الخلاف السابق.
والثاني: أنها تُعْتَقُ عن الاسْتِيلاَدِ؛ لانه آكَدُ.
وأجرى هذا الخلاف فيما إذا عَلَّقَ عِتْقَ المُكَاتَبِ بِصِفَةٍ، ووجدت [الصفة] (3) قبل أَدَاءِ النُّجُومِ، وفيما إذا تَقَدَّمَ الاسْتِيلاَدُ على الكتابة.
قال فى "التهذيب": وإذا اسْتَوْلَدَ، ثم كاتب، وأَدَّت النجوم، فالأَكْسَابُ الحَاصِلَةُ بعد الكتابة تَتْبَعُهَا، والحَاصِلَةُ قبل الكِتَابَةِ للسيد، والأولاد الحَاصِلُونَ بعد الاسْتيِلاَدِ يَتْبَعُونَهَا، وهذا مَبْنِيٌّ على أن الكتابة المُسْتَوْلَدَةِ جائزة، وفيه خِلاَفٌ قد تَقَدَّمَ.

"

فرعان

": أحدهما: ليس للسَّيِّدِ وَطْءُ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ، أومكاتبته، فإن وَطئَهَا فلا حَدَّ عليه؛ للشُّبْهَةِ؛ فإنه يملك سيدها، ويلزمه المَهْرُ للمكاتب او المكاتبة، فإن أكْسَابَهَا لسَيِّدِهَا وَالمَهْرُ مِنْ أَكْسَابِهَا.
وإن أَوْلَدَهَا فَالوَلَدَ حُرٌّ نَسِيبٌ، وتصير الأَمَةُ مُسْتَوْلَدَةً له.
قال في "الشامل": ويجب عليه قِيمَتُهَا لسَيِّدِهَا؛ لأنها ملكه، ولا يجب عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنها وَضَعَتْهُ في مِلْكِهِ.
ويجي فيه الخِلاَفُ الذى 4 سبق.
والثانى: للسيد وَطْءُ بِنْتِ المُكَاتَبَةِ، إن لم يثبت حُكْمُ الكتابة في ولد المُكَاتَبَةِ،123

وإن أَثْبَتْنَاهُ، فليس له وطؤها، ولكن لا حَدَّ عليه، والمَهْرُ يُبْنَى علي الخلاف الذي سبق 1 في الكَسْبِ؛ إنه قلنا: إنه يُصْرَفُ إلى السَّيِّدِ في الحال؛ فلا مَهْرَ عليه.
وإن قلنا: إنه لِلْأُمِّ فكذلك المَهْرُ، وإن قلنا بالتَّوَقُّفِ؛ فينفق منه علينا ويُوقَفُ البَاقِي، فإن عتقت بِعِتْقِ الأُمِّ، فهو لها؛ وإن عَجَزَتْ فهو للسَّيِّدِ.
وإن أَوْلَدَهَا صارت مُسْتَوْلَدَةً، والولد حُرٌّ نَسِيبٌ، ولا يجب عليه قيمة المُسْتَوْلَدَةِ لأمها؛ لأن الأُمَّ لا تملكها، وإنما يَثْبُتُ لها حَقُّ العِتْقِ بِعِتْقِ الأم، وقد تَأَكَّدَ ذلك بِالاسْتِيلاَدِ.
هكذا ذكر ابْنُ الصَّبَّاغِ، وقد سبق 2 في مِثْلِهَا قولان، في أنه: هل تجب القِيمَةُ للأُمِّ؟ فينبغي أن يكون هَاهُنَا كذلك.
قال في "التهذيب": ويبقى حُكْمُ الكِتَابَةِ فيها حتى تعتق بعتق الأم، ويكون الكَسْبُ لها إذا 3 جعلنا حَقَّ العيْنِ فيها لِلْأُمِّ.
فإن مات السَّيِّدُ، عتقت البِنْتُ بِمَوْتِهِ، وتؤخذ القِيمَةُ من تَرِكَتِهِ للأم، إذا جعلنا الحَقَّ لها، كما في القَتْل، وقِيمَةُ الوَلَدِ على ما ذكرنا في وَلَدِ المكاتب ويَتَعَلَّقُ بالفَضْلِ مسألة طويلة الذَّيْلِ، أفرد لها في "المختصر" بابًا صالحاً، وهي: القَوْلُ في الأَمَةِ المُشْتَرَكَةِ، إذا كَاتَبَهَا مَالِكَاهَا مَعاً، ثم وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا، فحكم الحَدِّ، والتَّعْزِيرِ، وَلُزُومُ المَهْرِ على الوَاطِئِ، كما ذكرنا في المَالِكِ الواحد.
ثم إن لم يحل عليها نَجْمٌ، فلها المَهْرُ في الحال، وإن حَلَّ فإن كان مَعَهَا مِثْلُ المَهْرِ فيدفعه إلى الَّذِي لم يطأ، وفي المَهْرِ، ونَصِيبِ الواطئ من النَّجْم الذي حَلَّ الخِلاَفُ في التَّقَاصِّ.
وإن لم يكن مَعَهَا شَيْءٌ آخر, فنصف النَّجْمِ لِلْوَاطِئِ، مع المَهْرِ، على الخلاف في التَّقَاصِّ، والنِّصْفُ الآخر يُدْفَعُ إلى الذي لم يَطَأْ.
وإن عُتِقَتِ المُكَاتَبَةُ قبل أخذ المَهْر، وصَيْرُورَتِهِ قِصَاصاً، أَخَذَتْهُ.
وإن عجزت بعد أَخْذِهِ، فإن بَقِيَ فهو للسَّيِّدِ، وإن تَلِفَ، فقد تَلِفَ في 4 ملكهما.
وإن عَجَزَتْ قبل أَخْذِهِ؛ فإن كان في يَدِهَا بِقَدْرِ المَهْرِ، مال أخذه الذي لم يَطَأَهَا، وبَرئَتْ ذِمَّةُ الوَاطِئِ، وإن لم يَكُنْ معها شَيْءٌ، فللذي لم يَطَأْ أن يَأْخُذَ نِصْفَ المَهْر من الوَاطِئِ، لأنه وَطِئَ جَارِيَةً مشتركة بينهما، فإن أحْبَلَهَا نُظِرَ: إن ادَّعَى الاسْتِبْرَاءَ، وحَلَفَ عَلَيْهِ، وأتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أشهر، فصاعداً من وقت الاسْتِبْرَاءِ لم يَلْحَقْهُ، وهو كولد المكاتبة من الزوج، أو الزِّنَا، وقد مَرَّ حُكْمُهُ.

جارٍ التحميل