الكتاب لسيبويهبابٌ يُختار فيه أن تكون المصادرُ مبتدأة

بابٌ يُختار فيه أن تكون المصادرُ مبتدأة

مبنياً عليها ما بعدها وما أشبه المصادر من الأسماء والصفات وذلك قولك: الحمدُ لله، والعَجَبُ لك، والوَيلُ لك، والتُّرابُ لك، والخَيْبةُ لك.
وإنّما استحبّوا الرفعَ فيه لأنَّه صار معرفةً وهو خَبَرٌ فقَوىَ فى الابتداء، بمنزلة عبد الله والرجل الذي تَعلم، لأنَّ الابتداءَ إنَّما هو خَبَرٌ، وأَحسنْه إذا اجتمع نكرة ومعرفة أن يبتدئ بالأعرف؛ وهو أصل الكلام.

ولو قلت: رجلٌ ذاهبٌ لم يَحسن حتَّى تعرفه بشيء فتقولَ: راكبٌ من بنى فلان سائرٌ.
وتَبيعُ الدارَ فتقولُ: حدٌّ منها كذا وحدٌّ منها كذا، فأصلُ الابتداء للمعرفةِ.
فلما أدخلتَ فيه الألف واللام وكان خبراً حَسُنَ الابتداءُ، وضَعُفَ الابتداءُ بالنكرة إلاَّ أن يكون فيه معنى المنصوب.
وليس كلُّ حرف يُصْنَعُ به ذاك، كما أنّه ليس كلُّ حرفٍ يَدخل فيه الألفُ واللام من هذا الباب.
لو قلت: السَّقْىُ لك والرَّعْىُ لك، لم يجز.
واعلم أنَّ الحمدُ لله وإن ابتدأتَه ففيه معنى المنصوب، وهو بدل من اللفظ بقولك: أَحمَدُ الله.
وأما قوله: شيء ما جاءَ بك، فإِنه يَحسُن وإن لم يكن على فعل مضمَرٍ، لأنّ فِيهِ معنى ما جاء بك إلا شيء.
ومثلُه مَثَلٌ للعرب: " شرٌّ أهَرَّ ذا ناب ". وقد ابتُدئَ فى الكلام على غير ذا المعنى وعلى غير ما فيه معنى المنصوبِ وليس بالأصل، قالوا فى مَثَلٍ: " أَمْتٌ فى الحجر لا فيكَ ". ومن العرب من يَنصب بالألف واللام، من ذلك قولك: الحمدَ لله، فينصبها عامَّةُ بنى تميم وناسٌ من العرب كثير.

وسمعِنا العرب الموثوقَ بهم يقولون: التُّرابَ لك والعَجَب لك.
فتفسيرُ نصبِ هذا كتفسيره حيث كان نكرةً، كأَنّك قلت: حمداً وعجباً، ثم جئت بلَكَ لتبيَّن مَنْ تَعنى، ولم تَجعله مبنيًّا عليه فتبَتدئَهُ.

هذا بابٌ من النكرة

يَجرى مجرى ما فيه الألفُ واللام من المصادر والأسماء

وذلك قولك: سلامٌ عليك ولَبَّيْك، وخيرٌ بين يديك، ووَيْلٌ لك، ووَيْحٌ لك، ووَيْسٌ لك، ووَيلةٌ لك، وعَوْلةٌ لك، وخيْرٌ له، وشرٌّ له، و " لعنة الله على الظالمين ". فهذه الحروف كلها مبتدأ مبنىٌّ عليها ما بعدها، والمعنى فيهنَّ أنّك ابتدأ شيئاً قد ثَبَتَ عندك، ولَسْتَ فى حال حديثك تعمل في إثباتها وتزجيتها، وفيها ذلك المعنى، كما أنّ حسبُك فيها معنى النهى، وكما أنّ رحمةُ الله عليه فيه معنى رَحِمَه اللهُ.
فهذا المعنى فيها، ولم تجعل بمنزلة الحروف التي إذا ذكرته كنتَ فى حال ذكرك إيّاها تَعملُ فى إثباتها وتزجيتها، كما أنَّهم لم يجعلوا سَقْياً ورعيا بمنزلة هذه الحروف، فإنما تجريها كما أجرت العرب، وتضعها في المواضع التى وُضعن فيها، ولا تُدْخِلَنَّ فيها ما لم يُدخِلوا من الحروف.
ألا أترى أنَّك لو قلت: طَعاماً لك وشَراباً لك ومالاً لك، تريد معنى سَقْياً، أو معنى المرفوعِ الذى فيه معنى الدعاءِ لم يجز، لأنَّه لم يُستعمَل هذا الكلامُ كما استُعمل ما قبله.
فهذا يدلك ويبصرك أنه ينبغي لك أن تجري هذا الحروفَ كما أجرتِ

العربُ وأَنْ تَعْنِىَ ما عَنَوْا " بها ". فكما لم يجز أن يكون كلُّ حرف بمنزلة المنصوب الذى أنت فى حال ذكرك أياه تَعملُ فى إثباته وتزجيته، ولم يجز لك أن تَجعل المنصوبَ بمنزلة المرفوع.
إلاّ أنَّ العرب ربَّما أجرتِ الحروفَ على الوجهينِ.
ومَثَلُ الرفع: " طُوبَى لَهُمْ وَحُسنُ مآبٍ "، يدلُّك على رفعها رفع حسن مآب.
وأمَّا قوله تعالى جدُّه: " ويل يومئذ للمكذبين " و " ويل للمطففين "، فإِنّه لا ينبغى أن تقول إنّه دعاءٌ ههنا، لأنّ الكلام بذلك قبيح، واللفظ " به " قبيحٌ، ولكنّ العبادَ إنَّما كُلَّموا بكلامهم، وجاء القرآنُ على لغتهم وعلى ما يَعنون، فكأَنَّه واللهُ أعلمُ قيل لهم: وَيلٌ لِلْمُطَفَّفِينَ، ووَيْلُ " يَوْمَئِذٍ " لِلمُكَذَّبِينَ، أى هؤلاءِ ممن وجب هذا القولُ لهم، لأنَّ هذا الكلامَ إنّما يقال لصاحب الشر والهلكلة، فقيل: هؤلاء ممن دخل فى الشرّ والهلكة ووجَبَ لهم هذا.
ومِثل ذلك " قوله تعالى ": " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ". فالعلمُ قد أتى من وراء ما يكون، ولكن اذهَبَا أنتما فى رَجائكما وطَمَعِكما ومبلغكما من العلم، وليس لهما أكثرُ من ذا ما لم يَعْلَما.

ومثله: " قاتلهم الله "، فإِنما أُجرى هذا على كلام العباد وبه أُنزل القرآنُ.
وتقول: وَيلٌ له وَيْلٌ طويلٌ، فإِنْ شئت جعلته بدلاً من المبتدإ الأوّل، وإن شئت جعلته صفةً له، وإن شئت قلت: وَيلٌ لك وَيْلاً طويلا، تجعلُ الويلَ الاخِرَ غيرَ مبدول ولا موصوف به، ولكنَّك تَجعله دائماً، أى ثَبَتَ لك الويلُ دائما.
ومن هذا الباب: فِداءٌ لك أبى وأمّى، وحِمى لك أبى، ووِقاءُ لك أمّى.
ولا تقول: عَولةٌ لك إلاَّ أن يكون قبلها وَيْلةٌ لك، ولا تقول: عَوْلٌ لك حتَّى تقول: وَيْلٌ لك؛ لأنّ ذا يتبع ذا، كما أنّ يَنُوءُك يَتْبَعُ يَسُوءُك ولا يكون ينوءُك مبتدأ.

واعلم أن بعض العرب يقول: وَيْلاً له وويلةً له، وعولةً لك، ويجريها مجرى خَيْبَةً.
من ذلك قول الشاعر، وهو جرير: كَسَا اللؤم تيماً خضرة في جولدها ... فَوْيلاً لتيمٍ من سرَابِيلها الخُضْرِ ويقول الرجل: يا وَيْلاهُ! فيقولُ الآخَر: وَيْلاً كَيْلاً! كأَنّه يقول: لك ما دعوتَ به وَيْلاً كَيْلاً.
يدلك على ذلك قولهم إذا قال يا ويلاه: نعم ويلا كيلاً، أي كذلك أمرك، أو لك الويل ويلا كيلا.
وهذا مشبَّة بقوله: ويل له وَيْلاً كَيْلاً.
وربَّما قالوا: يا ويلاً كيلاً، وإن شاء جعله على قوله: جَدْعاً وعقراً.

جارٍ التحميل