الكتاب لسيبويهباب استعمالهم علامة الإضمار

باب استعمالهم علامة الإضمار

الذي لا يقع موقع ما يضمر في الفعل إذا لم يقع موقعه

فمن ذلك قولهم: كيف أنت؟ وأين هو؟ من قبل أنك لا تقدر على التاء ههنا، ولا على الإضمار الذي في فعلَ.
ومثل ذلك: نحن وأنتم ذاهبون؛ لأنك لا تقدر هنا على التاء والميم التي في فعلتُم كما لا تقدر في الأول على التاء في فعلتَ.
وكذلك جاء عبد الله وأنت؛ لأنك لا تقدر على التاء التي تكون في الفعل.
وتقول: فيها أنتم، لأنك لا تقدر على التاء والميم التي في فعلتُم ها هنا.
وفيها هم قياما، بتلك المنزلة؛ لأنك لا تقدر هنا على الإضمار الذي في الفعل.
ومثل ذلك: أما الخبيث فأنت، وأما العاقل فهو؛ لأنك لا تقدر هنا على شيء مما ذكرنا.
وكذلك: كنا وأنتم ذاهبين، ومثل ذلك أهو هو.
وقال الله عز وجل: " كأنه هو وأوتينا العلم "؛ فوقع هو ها هنا لأنك لا تقدر على الإضمار الذي في فعلَ.
وقال الشاعر:

فكأَنَّها هي بعد غِبّ كلالِها ... أو أسفعُ الخدّيْن شاةُ إرانِ وتقول: ما جاء إلا أنا.
قال عمرو بن معدى كرب: قد علمَتْ سَلْمَى وجاراتُها ... ما قطَّر الفارِسَ إلاَّ أنا وكذلك هاأناذا، وها نحن أولاء، وها هو ذاك، وها هما ذانك، وها هم أولئك، وها أنت ذا، وها أنتما ذان، وها أنتم أولاء، وها أنتن أولاء، وها هنّ أولئك.

وإنما استُعملت هذه الحروف هنا لأنك لا تقدر على شيء من الحروف التي تكون علامة في الفعل، ولا على الإضمار الذي في فعلَ.
وزعم الخليل رحمه الله أن ها هنا هي التي مع ذا إذا قلت هذا، وإنما أرادوا أن يقولوا هذا أنت، ولكنهم جعلوا أنت بين ها وذا؛ وأرادوا أن يقولوا أنا هذا وهذا أنا، فقدموا ها وصارت أنا بينهما.
وزعم أبو الخطاب أن العرب الموثوقَ بهم يقولون: أنا هذا، وهذا أنا.
ومثل ما قال الخليل رحمه الله في هذا قول الشاعر: ونحن اقَتسمنا المالَ نِصْفينِ بيننا ... فقلتُ: لهم هذا لها ها وذالِيَا كأنه أراد أن يقول: وهذا لي، فصير الواو بين ها وذا.
وزعم أن مثل ذلك: إي ها الله ذا، إنما هو هذا.
وقد تكون ها في ها أنت ذا غير مقدمة، ولكنها تكون للتنبيه بمنزلتها في هذا؛ يدلك على هذا قوله عز وجل: " ها أنتم هؤلاء "

فلو كانت ها ها هنا هي التي تكون أولا إذا قلت هؤلاء، لم تُعَد ها ها هنا بعد أنتم.
وحدثنا يونس أيضا تصديقا لقول أبي الخطاب، أن العرب تقول: هذا أنت تقول كذا وكذا، لم يرِد بقوله هذا أنت، أن يعرفه نفسَه، كأنه يريد أن يعلمه أنه ليس غيره.
هذا محال، ولكنه أراد أن ينبهه، كأنه قال: الحاضرُ عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت.
وإن شئت لم تقدم ها في هذا الباب، قال تعالى: " ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسَكم ". ؟

جارٍ التحميل