الكتاب لسيبويهباب ما تكون فيه أنت وأنا ونحن

باب ما تكون فيه أنت وأنا ونحن

وهو وهى وهم وهن وأنتن وهما وأنتما وأنتم وصفا

اعلم أن هذه الحروف كلها تكون وصفاً للمجرور والمرفوع والمنصوب للمضمرين، وذلك قولك: مررتُ بك أنت، ورأيتُك أنت، وانطلقْتَ أنت.
وليس وصفا بمنزلة الطويل إذا قلت مررتُ بزيدٍ الطويل، ولكنه بمنزلة نفسه إذا قلت مررتُ به نفسه وأتاني هو نفسه، ورأيتُه هو نفسَه.
وإنما تريد بهنّ ما تريد بالنفس إذا قلت: مررتُ به هو هو، ومررت به نفسِه ولست تريد أن تحليه بصفة ولا قرابة كأخيك، ولكن النحويين صار ذا عندهم صفة لأن حاله كحال الموصوف كما أن حال الطويل وأخيك

في الصفة بمنزلة الموصوف في الإجراء، لأنه يلحقها ما يلحق الموصوفَ من الإعراب.
واعلم أن هذه الحروف لا تكون وصفا للمظهر، كراهيةَ أن يصفوا المظهر بالمضمَر، كما كرهوا أن يكون أجمعون ونفسُه معطوفا على النكرة في قولهم: مررتُ برجلٍ نفسِه ومررتُ بقوم أجمعين.
فإن أردت أن تجعل مضمَراً بدلا من مضمَر قلت: رأيتُك إياك، ورأيتُه إياه.
فإن أردت أن تبدل من المرفوع قلت: فعلتَ أنت، وفعل هو.
فأنت وهو وأخواتهما نظائر إياه في النصب.
واعلم أن هذا المضمَر يجوز أن يكون بدلا من المظهر، وليس بمنزلته في أن يكون وصفا له؛ لأن الوصف تابع للاسم مثلُ قولك: رأيت عبدَ الله أبا زيد.
فأما البدل فمنفرد كأنك قلت: زيدا رأيت أو رأيت زيدا ثم قلت إياه رأيت.
وكذلك أنت وهو وأخواتُهما في الرفع.

واعلم أنه قبيح أن تقول مررتُ به وبزيدٍ هما، كما قبُح أن تصف المظهر والمضمَر بما لا يكون إلا وصفا للمظهر.
ألا ترى أنه قبيح أن تقول: مررتُ بزيدٍ وبه الظريفين.
وإن أراد البدل قال: مررتُ به وبزيدٍ بهما؛ لابد من الباء الثانية في البدل.
؟

هذا باب من البدل أيضا

وذلك قولك: رأيتُه إياه نفسَه، وضربتُه إياه قائما.
وليس هذا بمنزلة قولك: أظنه هو خيرا منك، من قبل أن هذا موضع فصل، والمضمَر والمظهر في الفصل سواء.
ألا ترى أنك تقول رأيت زيدا هو خيرا منك، وقال الله عز وجل: " ويرى الذين أوتوا العلم الذي أُنزلَ إليك من ربك هو الحق ". وإنما يكون الفصل في الأفعال التي الأسماء بعدها بمنزلتها في الابتداء.
فأما ضربتُ وقتلتُ ونحوهما فإن الأسماء بعدها بمنزلة المبني على المبتدإ، وإنما تذكر قائما بعد ما يستغنى الكلام ويكتفى، وينتصب على أنه حال، فصار هذا كقولك: رأيته إياه يوم الجمعة.
فأما نفسه حين قلت: رأيته إياه نفسه، فوصفٌ بمنزلة هو، وإياه بدل، وإنما ذكرتهما توكيدا، كقوله جل ذكره: " فسجد الملائكة كلهم أجمعون "؛ إلا أن إياه بدلٌ والنفس وصف، كأنك قلت: رأيت الرجلَ زيدا نفسه، وزيد بدل ونفسه على الاسم.
وإنما ذكرت هذا للتمثيل.
وإنما

كان الفصل في أظن ونحوها لأنه موضع يلزم فيه الخبر، وهو ألزم له من التوكيد؛ لأنه لا يجد منه بدا.
وإنما فصل لأنك إذا قلت كان زيدٌ الظريف، فقد يجوز أن تريد بالظريف نعتا لزيد، فإذا جئت بهو أعلمت أنها متضمنة للخبر.
وإنما فصل لما لابد له منه، ونفسه يجزئ من إيا، كما تُجزئ منه الصفة؛ لأنك جئت بها توكيدا وتوضيحا، فصارت كالصفة.
ويدلك على بُعده أنك لا تقول أنت إياك خيرٌ منه.
فإن قلت أظنه خيرا منه، جاز أن تقول إياه؛ لأن هذا ليس موضع فصل، واستغنى الكلام، فصار كقولك: ضربتُه إياه.
وكان الخليل يقول: هى عربية: إنك إياك خيرٌ منه.
فإذا قلت إنك فيها إياك، فهو مثل أظنه خيرا منه، يجوز أن تقول: إياك.
ونظير إيا في الرفع أنت وأخواتُها.

واعلم أنها في الفعل أقوى منها في إن وأخواتها.
ويدلك على أن الفصل كالصفة، أنه لا يستقيم أظنه هو إياه خيرا منك إذا كان أحدهما لم يكن الآخر، لأن أحدهما يُجزئ من الآخر؛ لأن الفصل هو كالصفة، والصفة كالفصل.
وكذلك أظنه إياه هو خيرا منه؛ لأن الفصل يجزئ من التوكيد، والتوكيد منه.
؟

جارٍ التحميل