الكتاب لسيبويهباب الوقف عند النون الخفيفة

باب الوقف عند النون الخفيفة

اعلم أنَّه إذا كان الحرف الذي قبلها مفتوحا ثم وقفت جعلت مكانها ألفا كما فعلت ذلك في الأسماء المنصرفة حين وقفت؛ وذلك لأنَّ النون الخفيفة والتنوين من موضعٍ واحد، وهما حرفان زائدان، والنون الخفيفة ساكنة كما أنَّ التنوين ساكن، وهي علامة توكيد كما أنَّ التنوين علامة المتمكن، فلمَّا كانت كذلك أجريت مجراها في الوقف، وذلك قولك: اضربا: إذا أمرت الواحد وأردت الخفيفة، وهذا تفسير الخليل.
وإذا وقفت عندها وقد أذهبت علامة الإضمار التي تذهب إذا كان بعدها ألفٌ خفيفة أو ألف ولام رددتها الألف التي في هذا: هذا مثنًّنى

كما ترى إذا سكتَّ، وذلك قولك للمرأة وأنت تريد الخفيفة: اضربي وللجميع: اضربوا وارموا، وللمرأة: ارمي واعزي.
فهذا تفسير الخليل، وهو قول العرب ويونس.
وقال الخليل: إذا كان ما قبلها مكسوراً أو مضموماً ثم وقفت عندها لم تجعل مكانها ياء ولا واوا، وذلك قولك للمرأة وأنت تريد الخفيفة: اخشي، وللجميع وأنت تريد النون الخفيفة: اخشوا.
وقال: هو بمنزلة التنوين إذا كان ما قبله مجرورا أو مرفوعا.
وأما يونس فيقول: اخشيي واخشووا، يزيد الياء والواو بدلاً من النون الخفيفة من أجل الضمة والكسرة.
فقال الخليل: لا أرى ذاك إلاَّ على قول من قال: هذا عمرو، ومررت بعمري.
وقول العرب على قول الخليل.
وإذا وقفت عند النون الخفيفة في فعل مرتفع لجميع رددت النون التي تثبت في الرفع، وذلك قولك وأنت تريد الخفيفة: هل تضربين، وهل تضربون، وهل تضربان.
ولا تقول: هل تضربونا، فتجريها مجرى التي تثبت مع الخفيفة التي في الصلة.

وينبغي لمن قال بقول يونس في اخشيي واخشووا إذا أردت أراد الخفيفة أن ييقول: هل تضربوا، يجعل الواو مكان الخفيفة كما فعل ذلك في اخشيي؛ لأنَّ ما قبلها في الوصل مرتفع إذا كان الفعل للجمع ومنكسر إذا كان للمؤنث، ولا يرد النون مع ما هو بدل من الخفيفة كما لم تثبت في الصلة، فإنما ينبغي لمن قال بذا أن يجريها مجراها في المجزوم؛ لأنَّ نون الجميع ذاهبةٌ في الوصل كما تذهب في المجزوم، وفعل الاثنين المرتفع بمنزلة فعل الجميع المرتفع.
فأما الثقيلة فلا تتغير في الوقف لأنها لا تشبه التنوين.
وإذا كان بعد الخفيفة ألف ولام، أو ألف الوصل، ذهبتكما تذهب واو يقل لالتقاء الساكنين.
ولم يجعلوها كالتنوين هنا، فرقوا بين الاسم والفعل، وكان في الاسم أقوى لأن الاسم أقوى من الفعل وأشد تمكناً.
هذا باب النون الثقيلة والخفيفة في فعل الاثنين وفعل جميع النساء فإذا أدخلت الثقيلة في فعل الاثنين ثبتت الألف التي قبلها، وذلك قولك لا تفعلان ذلك، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون.
وتقول: افعلانِّ ذلك، وهل تفعلانِّ ذلك.
فنون الرفع تذهب ها هنا

كما ذهبت في فعل الجميع وإنما تثبت الألف ههنا في كلامهم؛ لأنه قد يكون بعد الألف حرف ساكن إذا كان مدغما في حرف من موضعه وكان الآخر لازما للأول، ولم يكن لحاق الآخر بعد استقرار الأول في الكلام، وذلك نحو قولك: رادٌ، وأراد.
فالدال الآخرة لم تلحق الأولى ولم تكن الأولى في شيء يكون كلاماً بها والآخرة ليست بعدها ولكنهما يقعان جميعا وكذلك الثقيلة هما نونان تقعان معاً ليست تلحق الآخرة الأولى بعدما يستقر كلاماً.
فالخفيفة في الكلام على حدةٍ.
والثقيلة على حدةٍ، ولأن تكون الخفيفة حذف عنها المتحرَّك أشبه؛ لأنَّ الثقيلة في الكلام أكثر، ولكنَّا جعلناها على حدةٍ لأنَّها في الوقف كالتنوين، وتذهب إذا كان بعدها ألف خفيفة

أو ألف ولام، كما تذهب لالتقاء الساكنين ما لم يحذف عنه شيء.
ولو كانت بمنزلة نون لكن وأن وكأن التي حذفت عنها المتحركة لكانت مثلها في الوقف.
والألف الخفيفة والألف واللام، فإنما النون الثقيلة بمنزلة باء قبَّ وطاء قطُّ.
وليس حرفٌ ساكن في هذه الصِّفة إلا بعد ألفٍ أو حرف لين كالألف، وذلك نحو: تمودَّ الثوب وتضربيني، تريد المرأة.
وتكون في ياء أصيمَّ، وليس مثل هذه الواو والياء لأنَّ حركة ما قبلهنّ منهن، كما أ، َّ ما قبل الألف مفتوح.
وقد أجازوه في مثل ياء أصيم لأنه حرف لين.
وقال الخليل: إذا أردت الخفيفة في فعل الاثنين كان بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة في فعل الاثنين، في الوصل والوقف؛ لأنه لا يكون بعد الألف حرف ساكنٌ ليس بمدغم.
ولا تحذف الألف، فيلتبس فعل الواحد والاثنين.
وذلك قولك: اضربا وأنت تريد النون، وكذلك لو قلت: اضرباني واضربا نعمان لا تردَّن الخفيفة.
ولا تقل ذا موضع إدغام فأردَّها؛ لأنَّها قد تثبت مدغمة.
والردُّ خطأ ههنا إذا كان محذوفا في الوصل والوقف إذا لم تتبعه كلاما.
وكيف ترده وأنت لو جمعت هذه النون إلى نون ثانية لاعتلَّت وأدغمت، وخذفت في قول بعض العرب، فإذا كفوا مؤنثها لم يكونوا ليردوها إلى ما يستثقلون.
ولو قلت ذا لقلت: اضربا نُّعمان؛ لأنَّ النون تدغم في النون.

ولو قلت ذا لقلت: اضربان ابا كما في قول من لم يهمز؛ لأنَّ ذا موضعٌ لم يمتنع فيه الساكن من التحريك، فتردها إذا وثقت بالتحريك كما رددتها حيث وثقت بالإدغام، فلا ترد في شيء من هذا، لأنك جئت به إلى شيء قد لزمه الحذف.
ألا ترى أنكَّ لو لم تخف اللبس فحذفت الألف لم تردها، فكذلك لا ترد النون.
ولو قلت ذا لقلت جيثونيِّ في قولك: جيؤنى؛ لأنَّ الواو قد ئبتت وبعدها ساكن مدغم، ولقلت: جيؤو نعمَّان.
والنون لا ترد ههنا، كما لا ترد في الوصل والوقف هذه الواو في نحو ما ذكرنا.
وذلك انكَّ تقول للجميع: جيؤنَّ زيداً، تريد الثقيلة، ولا تردها في الوقف ولا في الوصل.
وإن أردت الخفيفة في فعل الاثنين المرتفع قلت: هل تضربان زيداً، لأنكَّ قد أمنت النونّ الخفية وإنمَّا أذهبت النون لأنها لا تثبت مع النون الرفع، فإذا بقيت نون الرفع لم تثبت بعدها النون الخفيفة فلماَّ أمنوها ثبتت نون الرفع في الصلة كما ثبتت نون الرفع في فعل جميع في الوقف ورددت نون الجميع كما رددت ياء اضرب وواو اضربوا حين أمنت البدل من الخفيفة في الوقت.
وإذا أدخلت الثقيلة في فعل جميع النساء قلت: اضربنانَِّ يا نسوة، وهل تضربنانِّ ولتضربنانِّ، فإنمَّا ألحقت هذه الألف كراهية النونات، فأرادوا أن يفصلوا لالتقائها كما حذفوا نون الجميع للنوَّنات ولم يحذفوا نون النِّساء كراهية أن يلتبس فعلهن وفعل الواحد.
وكسرت الثقيلة ههنا لأنهَّا بعد

ألفٍ زائدة فجعلت بمنزلة نون الاثنين حيث كانت كذلك.
وهي في ما سوى ذلك مفتوحة؛ لأنهَّما حرفان الأوّل منهم ساكن، ففتحت كما فتحت نون أين.
وإذا أردت الخفيفة في فعل جميع النساء قلت في الوقف والوصل: اضربن زيدا، ولضربن زيداً، ويكون بمنزلته إذا لم ترد الخفيفة، وتحذف الألف التي في قولك: اضربنانِّ لأنِّها ليست باسم كألف اضربا، وإنمَّا جئت بها كراهية النونات، فلمِّا أمنت النون لم تحتج إليها فتركتها كما أثبِّت نون الاثبين في الرفع إذا أمنت النون، وذلك لأنهَّا لم تكن لتثبت مع نون الجميع التقائهما، ولا بعد الألف، كما لم تثبت في الاثنين، فلمَّا استغنوا عنها تركوها.
وأما يونس وناسٌ من النحويين فيقولون: اضربان زيدا واضربنان زيداً.
فهذا لم تقله العرب، وليس له نظيرا في كلامها.
ولا يقع بعد الألف ساكنٌ إلا أن يدغم.
ويقولون في الوقف: اضربا واضربنا فيمدون، وهو القياس قولهم، لأنهَّا تصير ألفاً، فإذا اجتمعت ألفان مد الحرف، وإذا وقع بعدها ألف ولام أو ألف موصلة جعلوها همزة مخففَّة وفتحوها، وإنمَّا القياس في قولهم أن يقولوا اضرب الرَّجل، كما تقول بغير الخفيفة إذا كان بعدها ألف وصلٍ أو ألف

ولام ذهبت، فينبغي لهم أن يذهبوها لذا، ثم تذهب الألف كما تذهب الألف وأنت تريد النون في الواحد إذا وقفت فقلت: اضربا ثم قلت: اضرب الرجل؛ لأنَّهم إذا قالوا: اضربان زيدا فقد جعلوها بمنزلتها في اضربن زيدا، فينبغي لهم أن يجرؤا عليها هناك ما يجري عليها في الواحد.

جارٍ التحميل