بابٌ منه يُضمِرون فيه الفِعْلَ لقبح الكلام
إذا حُمل آخِرُه على أوّله
وذلك قولك: مالك وزيدا، وما شأُنُك وعمراً.
فإِنَّما حدُّ الكلام ههنا: ما شأنك وشأن عمرو.
فإن حملت الكلام على الكاف المضمرة فهو قبيح، وإن حملتَه على الشأنِ لم يجزْ لأنّ الشأنَ ليس يَلتبس بعبدِ الله، إنّما يَلتبس به الرجُل المضمَرُ فى الشأْنِ.
فلما كان ذلك قبيحاً حملوه على الفعل، فقالوا: ما شأْنُك وزيدا، أى ما شأْنُك وتناولُك زيدا.
قال المسْكينُ الدارمىُّ:
فما لكَ والتلدُّدَ حَوْلَ نَجْدٍ ... وقد غَصَّتْ تِهامةُ بالرَّجالِ وقال: وما لكُم والفَرْطَ لا تقربوه ... وقد خِلْتُه أَدْنَى مَرَدٍّ لعاقِلِ ويدلّك أيضاً على قبحه إذا حمل على الشأنِ، أنّك إذا قلت: ما شأنُك وما عبدُ الله، لم يكن كحُسْنِ ما جَرْمٌ وما ذاك السَّوِيقً، لأنك تُوهِمُ أنّ الشأنَ هو الذى يَلتبس بزيد، " وإنّما يَلتبس شأنُ الرجل بشأن زيد ". ومن أراد ذلك فهو ملغز تارك لكلام الناس الذي يَسبق إلى أفْئِدتِهم.
فإِذا أَظهر الاسمَ فقال: ما شأنُ عبدِ الله وأخيه يَشْتِمُه فليس إلاّ الجرُّ، لأنه قد حسن أن تَحْمِلَ الكلام على عبد الله، لأنّ المظهَر المجرورَ يُحملُ عليه المجرورُ.
وسمعنا بعد العرب يقول: ما شأن عبد الله والعبر يشتمها.
وسمعنا أيضاً من العرب الموثوق بهم مَنْ يقول: ما شأَنُ قيس والبُرَّ تَسْرِقُه.
لمّا أظهروا الاسمَ حسُن عندهم أن يَحملوا عليه الكلامَ الآخِرَ.
فإِذا أضمرتَ فكأَنّك قلتَ: ما شأنُك وملابسةٌ زيداً، أو وملابستُك زيدا، فكان أن يكون زيدٌ على فِعْلٍ وتكونَ الملابسةُ على الشأن، لأن الشأن معه ملابسةٌ له، أحسنَ من أن يُجْرُوا المظهَرَ على المضمَرِ.
فإن أظهرتَ " الاسمَ فى الجرّ " عَمِلَ عَمَلَ كَيْفَ فى الرفع.
ومَنْ قال: ما أنت وزيداً، قال: ما شأنُ عبدِ الله وزيدا.
كأَنه قال: ما كان شأنُ عبدِ الله وزيدا، وحمله على كانَ لأنّ كان تقع ههنا.
والرفعُ أجودُ وأكثر " فى: ما أنت وزيدٌ "، والجر فى قولك: ما شأنُ عبدِ الله وزيدٍ، أحسنُ وأجودُ، كأَنه قال: ما شأنُ عبدِ الله وشأنُ زيدٍ ومَن
نصب فى: ما أنت وزيداً أيضاً قال: ما لزيدٍ وأخاه، كأَنه قال: ما لزيدٍ وأخاه، كأنّه قال: ما كانَ شأنُ زيدٍ وأخاه؛ لأنه يَقع فى هذا المعنى ههنا، فكأَنّه قد كان تكلَّم به.
ومن ثَمَّ قالوا: حسبُك وزيداً؛ لمّا كان فيه معنى كَفاك، وقبح أن يَحملوه على المضمَر، نَوَوُا الفعل، كأَنّه قال: حسبُك ويُحْسِبُ أخاك درهمٌ.
وكذلك: كَفْيُك، " وقَدكَ، وقَطْكَ ".
وأمّا وَيْلاً له وأخاه، وويْلَه وأباه، فانتَصب على معنى الفعلِ الذى نصبهَ، كأنك قلت: ألزمه الله ويله وأباه، فانتصب على معنى الفعل الذى نصبه، فلمّا كان كذلك - وإن كان لا يَظْهَرُ - حَمَلَه على المعنى.
وإن قلتَ: ويلٌ له وأَباه نصبتَ لأنّ فيه ذلك المعنى، كما أنّ حسبُك يرتفع بالابتداءِ وفيه معنى كفاك.
وهو نحو مررتُ به وأبَاه، وإن كان أَقْوَى، لأنَّك ذكرتَ الفعلَ، كأَنك قلت: ولقيتُ أباه.
وأما هذا لك وأباك، فقبيح " أن تنصبالأب "، لأنه لم يذكر فعلاً ولا حرفاً في معنى فعل حتى يصير كأنه قد تكلم بالفعل.