الكتاب لسيبويهصفحات 281-296

باب من الفعل سمى الفعل فيه بأسماء

صفحات 281-296

فى كلامهم واستعمل، وتُرك ذكرُ الفعل لِما كان قبل ذلك من الكلام، كأَنّه قال: أََعْطِنى كِلَيْهما وتَمْراً.
ومن ذلك قولهم: " كلَّ شيء ولا هذا " و " كل شيء ولا شتيمة حر "، أي ائت كل شيء ولا تَرتكِبْ شتيمةَ حُرٍّ، فحذف لكثرة استعمالهم إيّاه، فأُجرى مُجرى: ولا زَعَماتِك.
ومن العرب من يقول: " كِلاهما وتمراً "، كأَنه قال: كلاهما لي ثابتان وزدني تمراً.
و " كل شيء ولا شتيمة حر ". كأنه قال: كل شيء أَمَمٌ ولا شتيمةَ حُرٍّ، وتَرك ذكرَ الفعل بعد لا، لما ذكرتُ لك، ولأنه يَستدلٌ بقوله: كل شيء، أنَّه يَنهاه.
ومن العرب من يرفع الديارَ، كأَنَّه يقول: تلك ديارُ فلانة.
وقال الشاعر: اعتادَ قَلْبَك مِنْ سَلْمَى عَوائدُه ... وهاج أَهواءَك المكنونةَ الطَّلَلُ رَبعٌ قَواءٌ أَذاعَ المُعْصِراتُ به ... وكلُّ حَيرانَ سارٍ ماؤُه خَضِلُ

كأَنه قال: وذاك رَبْعٌ، أو هو رَبعٌ، " رَفَعَه على ذا وما أشبهَه، سمعناه ممّن يرويه عن العرب ". ومثله " لعمر بن أبي ربيعةَ ": هل تَعْرِفُ اليومَ رَسْمَ الدّارِ والطَّلَلاَ ... كما عرفتَ بجَفْنِ الصَّيقَلِ الخِلَلاَ دارٌ لَمَروةَ إذْ أهْلِى وأهلُهُمُ ... بالكانِسّيِة نَرعَى اللَّهْوَ والغَزَلاَ فإِذا رفعتَ فالذى فى نفسك ما أظهرتَ، وإذا نصبت فالذى فى نفسك غيرُ ما أظهرتَ.
ومما يَنتصب فى هذا الباب على إضمار الفعل المتروك إظهارُه: " انتهوا خيرا لكم "، و " وَراءَك أَوْسَعَ لك "، وحَسْبُك خيراً لك، إذا كنتَ تأمر.
ومن ذلك قول " الشاعر، وهو " ابن أبى ربيعةَ:

فَواعِدِيه سَرْحَتَىْ مالِكٍ ... أَوِ الرُّبَا بينهما أَسهَلاَ وإنَّما نصبتَ خيراً لك وأَوسَعَ لك، لأنَّك حين قلت: " انْتَه " فأنت تريد أن تخْرِجَه من أَمْرٍ وتُدخِلَه فى آخرَ.
وقال الخليل: كأَنَّك تحملُه على ذلك المعنى، كأَنّك قلت: انْتَهِ وادخَّلْ فيما هو خيرٌ لك، فنصبتَه لأنَّك قد عرفتَ أنّك إذا قلت له: انْتَهِ، أنَّك تحمله على أمرٍ آخَرَ، فلذلك انتَصب، وحذَفوا الفعل لكثرة استعمالِهم إيَّاه فى الكلام، ولعلم المخاطَب أَنّه محمولٌ على أمرٍ حين قال له: انتَهِ، فصار بدلاً من

قوله: ائت خيراً " لك "، وادْخُلْ فيما هو خير لك.
ونظير ذلك من الكلام قوله: انْتَهِ يا فلانُ أَمْراً قاصِداً.
فإنما قلت: انته وائت أمراً قاصدا، إلاَّ أنَّ هذا يجوز لك فيه إظهارُ الفعل، فإِنَّما ذكرتُ لك ذا لامثَّلَ لك الأوّلَ به، لأنَّه قد كَثُرَ فى كلامهم حتّى صار بمنزلة المَثلِ، فَحُذِفَ كحذفهم: ما أريت كاليومِ رَجُلا.
ومثل ذلك قول القُطامِىّ: فكَرَّتْ تَبْتَغِيه فوافقتْه ... على دَمِهِ ومَصْرَعِه السَّباعَا

ومثله قوله، " وهو ابن الرقيات ": لن تراها ولو تأمَّلتَ إلاّ ... ولها فى مَفارقِ الرَّأسِ طِيبَا وإنَّما نَصَبَ هذا لأنه حين قال وافقتْه " و " قال: لن تراها، فقد عُلِم أنّ الطَّيبَ والسَّباع قد دخلا فى الرُّؤْيِة والموافَقَةِ، وأنَّهما قد اشتَملا على ما بعدَهما فى المعنى.
ومثل ذلك قول ابن قميئة: تذكر أَرْضاً بها أهلُها ... أَخْوَالَها فيها وأََعْمامَها

لأنّ الأخوال والأَعمامَ قد دخلوا فى التذكُّرِ.
ومثل ذلك فيما زعم الخليل: إذا تَغَنَّى الحَمامُ الوُرقُ هَيَّجَنى ... ولو تغرَّبتُ عنها أُمَّ عَمّارِ قال الخليل رحمه الله: لمّا قال هَيّجنى عُرف أنّه قد كان ثَمَّ تَذَكُّرٌ لتَذكرةِ الحمام وتَهْيِيِجه، فأَلْقَى ذلك الذى قد عُرف منه على أمّ عمّارٍ، كأَنه قال: هيَّجنى فذكَّرنى أمَّ عمّار.
ومثل ذلك أيضاً قول الخليل رحمه الله، وهو قول أبى عمرو: ألا رَجُلَ إمّا زيداً وإمّا عمرا، لأنّه حين قال: أَلاَ رجلَ، فهو مُتَمَنٍّ شيئاً يَسألُه ويريده، فكأَنه قال: اللهمَّ اجعلْه زيداً أو عمراً، أو وفَّقْ لى زيدا أو عمرا.
وإن شاء أظهر فيه وفى جميع هذا الذى مُثّل به، وإن شاء اكتَفى فلم يذكر الفعلَ؛ لأنه قد عُرِف أنه مُتَمَنٍ سائلٌ شيئاً وطالبُه.
ومثل ذلك قول الشاعر، " وهو عبد بنى عبس ":

قد سالَمَ الحيّاتُ منه القَدَمَا ... الأُفْعُوانَ والشُّجاعَ الشجعما وذات قرنين ضموزاً ضرزما فإِنَّما نصب الأُفعُوانَ والشُّجاعَ لأنّه قد عُلم أنَّ القدم ههنا مسالِمةٌ كما أنها مسالَمَة، فَحمَل الكلامَ على أنّها مسالِمة.
ومثلُ هذا البيت إنشادُ بعضِهم، لأَوس بن حَجَر: تُواهِقُ رجلاها يداها ورَأْسُهُ ... لها قَتَبٌ خَلفَ الحقيبة رادِفُ

وإنشاد بعضهم للحارق بن نهيك: ليبك يزيد ضارع لخصومةومختبط مما تطيح الطوائح لما قال: ليبك يزيدُ، كان فيه معنى ليَبْكِ يزيدَ، كما كان فى القَدَمِ أنَّها مسالِمة، كأَنه قال: لِيَبْكِهِ ضارعٌ.
ومن ذلك قول عبد العزيز " الكلابىّ ": وَجَدْنا الصَّالحينَ لهم جزاءٌ ... وجَنّاتٍ وعَيناً سلسيلا لأنّ الوِجْدانَ مشتمِلٌ فى المعنى على الجزاء، فَحَمَلَ الآخِرَ على المعنى.
ولو نَصب الجزاءََ كما نَصب السَّباعَ لجاز.
وقال:

أَسْقَى الإِلهُ عُدُواتِ الوادى ... وجَوْفَة كلَّ مُلِثٍّ غادِى كلُّ أَجَشَّ حالِكِ السَّوادِ كأَنه قال: سقاها كلُّ أجشَّ، كما حُمل ضارعٌ لخصومة على ليبك يزيد، لأنه فيه معنى سقاها كلُّ أجشَّ.
ولا يجوز أن تقول: يَنتهِى خيراً له، ولا أَأَنتهِى خيراً لي؛ لأنك إذا نهيت فأنت تزيجه إلا أمر، وإذا أَخبرتَ أو استفهمت فأنت لست تريد شيئاً من ذلك، إنما تعلم خبراً أو تَسترشِدُ مُخْبِراً، وليس بمنزلة وافقته على دمِه ومَصرعِه السَّباعا؛ لأنّ السَّباعَ داخل فى معنى وافقته، كأَنه قال: وافقتِ السَّباعَ على مصرعِه، " والخيرُ والشرُّ لا يكون محمولاً على يَنتهى وشبهِه، لا تستطيع أن تقول: انَتهيتُ خيراً، كما تقول: قد أصبتُ خيرا ". وقد يجوز أن تقول: أَلاَ رَجُلَ إمّا زيدٌ وإمّا عمرو، كأَنه قيل له: من هذا المتمنَّى؟ فقال: زيدٌ أو عمروٌ.

ومثلُ: ليُبْكَ يزيدُ قراءة بعضهِم: " وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم "، رَفَع الشُّركاءَ على " مثل " ما رُفع عليه ضارِعٌ.

هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل

المتروك إظهارُه فى غير الأمر والنَّهى

وذلك قولك: أخذته بدرهم فصاعِداً، وأخذتُه بدرهم فزائدا.
حذفوا الفعَل لكثرة استعمالهم إيّاه، ولأنَّهم أمِنوا أن يكونَ على الباء، لو قلتَ: أخذتُه بصاعد كان قبيحا، لأنه صفة ولا تكون في موضع الاسم، كأنه قال: اخذته بدرهم فزاد الثمنُ صاعداً، أو فذهَبَ صاعِداً.
ولا يجوز أن تقول: وصاعدٍ، لأنَّك لا تريد أن تُخْبِرَ أنّ الدرهم مع صاعدٍ ثمنٌ لشيء، كقولك: بدرهمٍ وزيادةٍ، ولكنَّك أخبرت بأَدنى الثمن فجلته

أولاً، ثم قروت شيئاً بعد شيء لأَثمانٍ شتَّى.
فالواوُ لم تُرِدْ فيها هذا المعنى، ولم تلزم الواو الشيئين أَنْ يكون أحدُهما بعد الآخَر.
ألا ترى أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، لم يكن في هذا دليل أنك مررت بعمرو بعد زيد.
وصاعد بدل من زاد ويزيد.
وثم بمنزلة الفاءِ، تقول: ثُمَّ صاعداً، إلاّ أَنَّ الفاءَ أكثرُ فى كلامهم.
ومما يَنتصب فى غير الأمر والنهى على الفعل المتروك إظهارُه قولك: يا عبد الله، والنَّداءُ كلُّه.
وأَمّا يا زيدُ فله عِلَّةٌ ستراها فى باب النَّداء إن شاء الله تعالى، حذفوا الفعلَ لكثرة استعمالهم هذا فى الكلام، وصار يَا بدلا من اللَّفظ بالفعل، كأَنه قال: يَا، أُريدُ عبدَ الله، فحذَف أُريدُ وصارت يا بدلاً منها، لأنّك إذا قلت: يا فلانُ، علم أنك تريده.
ومما يدلك على أنّه يَنتصب على الفعل وأنّ يا صارت بدلا من اللفظ بالفعل، قولُ العرب: يا إيّاك، إنما قلتَ: يا إيّاك أَعْنى، ولكنَّهم حذفوا الفعلَ وصار يا وأَيَا وأَىْ بَدَلاً من اللفظ بالفعِل.
وزعم الخليل رحمه الله أنّه سمعَ بعضَ العرب يقول: يا أنت.
فزعَم أنهم جعلوه موضعَ المفرد.
وإن شئت قلت: يا فكان بمنزلة يا زيد، ثم تقول: إياك.
أى إيَّاكَ أعنى.
هذا قول الخليل رحمه الله فى الوجهين.

ومن ذلك قول العرب: مَنْ أنتَ زيداً، فزعم يونسُ أنّه على قوله: مَنْ أنت تَذكُر زيداً، ولكنه كثر فى كلامهم واستُعمل واستغنوا عن إظهارِه، فإِنّه قد عُلم أنَّ زيداً ليس خبراً " ولا مبتدأ "، ولا مبنياًّ على مبتدإ، فلا بدَّ من أنْ يكونَ على الفعل، كأَنه قال: مَنْ أنتَ، معرَّفاً ذا الاسمَ، ولم يحمل زيداً على مَنْ ولا أنت.
ولا يكون مَنْ أنتَ زيداً إلاَّ جوابا، كأَنَّه لمّا قال: أنا زيدٌ، قال: فَمَنْ أنتَ ذاكِراً زيداً.
وبعضُهم يَرفع، وذلك قليل، كأَنه قال: مَنْ أنت كلامُك أو ذكرُك زيدٌ.
وإنَّما قَلَّ الرفعُ لأن إعمالَهم الفعلَ أحسنُ من أن يكون خبراً لمصدرٍ ليس له، ولكنه يجوز على سعة الكلام، وصار كالمثل الجارى، حتّى إنهم لَيسْألون الرجل عن غيره فيقولون للمسؤول: مَنْ أنتَ زيدا، كأَنّه يكِلّمُ الذى قال: أنا زيدٌ، أى أنت عندى بمنزلة الذى قال: أنا زيدٌ، فقيل له: من أنت زيداً، كما تقول للرجل: " أَطِرَّى إنّكِ ناعلةٌ واجمعى ". أى أنتَ عندى بمنزلة التى يقال لها هذا.

سمعنا رجُلا منهم يَذكر رجلا، فقال لرجل ساكتٍ لم يَذكْر ذلك الرجلَ: مَنْ أنتَ فلاناً.
ومن ذلك قول العرب: أَمّا أنتَ منطلقاً انطلقت معك، وأَمّا زيدٌ ذاهباً ذهبتُ معه.
وقال الشاعر، وهو عباس بن مِرداسٍ: أَبا خُراشَةَ أَمَّا أنتَ ذا نَفَرِ ... فإِنّ قومِىَ لم تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ فإِنَّما هى " أَنْ " ضُمَّت إليها " ما " وهى ما التوكيِد، ولزمتْ كراهيةَ أن يُجحفِوا بها لتكون عوضاً من ذَهابِ الفعل، كما كانت الهاءُ والألفُ عوضا

فى الزَّنادقة واليَمانِى من الياء.
ومثل أَنْ فى لزوم " ما " قولُهم إمَّا لاَ، فألزموها ما عوضاً.
وهذا أَحْرَى أن يُلزموا فيه إذْ كانوا يقولون: آثِراً ما، فيُلزِمُون ما، شبّهوها بما يَلزم من النُّونات فى لأفعلنَّ، واللامِ فى إن كان لَيَفعلُ، وإن كان ليس مثلَه، وإنَّما هو شاذٌ كنحوِ ما شُبّه بما ليس مثلَه، فلمّا كان قبيحّا عندهم أن يذكروا الاسمَ بعد أَنْ ويَبتدئوه بعدها كقُبْحِ كَىْ عبدُ الله يقولَ ذاك، حملوه على الفعلِ حتَّى صار كأَنّهم قالوا: إذ صرتَ منطلقا فأنا أَنطلِقُ " معك "، لأنَّها فى معنى إذْ فى هذا الموضع وإذ في معناها أيضاً في هذا الموضع، إلاّ أنّ إذ، لا يُحذَفُ معها الفعل.
و" أما " لا يُذْْكَرُ بعدها الفعلُ المضمَرُ، لأنَّه من المضمَرِ المتروكِ إظهارُه، حتَّى صار ساقطاً بمنزلة تركِهم ذلك فى النداء وفى مَنْ أنت زيداً.
فإن أظهرتَ الفعلَ قلت: إمَّا كنتَ منطلقاً انطلقتُ، إنّما تريد: إنْ كنتَ منطلقا انطلقتُ، فحذفُ الفعل لا يجوز ههنا كما لم يجز ثَمَّ إظهارُه؛ لأنَّ أمّا كثرتْ في كلامهم واستعملت حتَّى صارت كالمثل المستعمَل.
وليس كلُّ حرفٍ هكذا، كما أنَّه ليس كلُّ حرف بمنزلة لم أُبَلْ ولم يَكُ، ولكنهم حذفوا هذا لكثرته وللاستخفاف، فكذلك حذفوا الفعل من أَمّا.
ومثل ذلك قولهم: إمّا لاَ، فكأَنَّه يقول: افْعَلْ هذا إنْ كنتَ لا تَفْعَلْ

غيرَه، ولكنهم حذفوا " ذا " لكثرة استعمالهم إيّاه وتصرفُّهم حتى استغَنوا عنه بهذا.
ومن ذلك قولهم: مَرْحَباً، وأَهلاً، وإن تأتِنى فأَهْلَ اللَّيل والنهارِ.
وزعم الخليل رحمه الله حين مثّله، إنّه بمنزلة رَجُلٍ رأيتَه قد سدَّد سهمه فقلتَ: القِرطاسَ، أى أَصَبتَ القرطاسَ، أى أنت عندى ممن سيُصِيبُه.
وإن أَثْبتَ سهمَه قلت: القرطاسَ، أى قد استَحقَّ وقوعَه بالقرطاس.
فإنَّما رأَيتَ رجلاً قاصدا إلى مكانٍ أو طالبا أمرّا فقلتَ: مَرْحَباً وأَهْلاً، أى أدركتَ ذلك وأُصبتَ، فحذفوا الفعلَ لكثرة استعمالهم إيّاه، وكأَنّه صار بدلاً من رَحُبَتْ بلادُك وأَهِلَتْ، كما كان الحَذَرَ بَدَلا من احْذَرْ.
ويقول الرادُّ: وبكَ وأَهْلاً وسَهْلاً، وبك أَهْلاً.
فإذا قال: وبك وأهلاً، فكأَنّه قد لَفَظَ بمرحباً بك وأهلا.
وإذا قال: وبك أهلا فهو يقول: ولك الأَهْلُ إذا كان عندك الرُّحْبُ والسعةُ.
فإِذا رددتَ فإِنَّما تقول: أنت عندى ممّن يقال له هذا لو جئَتنى.
وإنَّما جئتَ ببك لنبين مَن تَعنى بعد ما قلتَ: مرحبّا، كما قلتَ: لك، بعد سَقْياً.
ومنهم من يَرفع فيجَعل ما يُضمِرُهُ هو ما أَظْهَرَ.
وقال طفيل الغنوي:

وبالسهب ميمون القبة قولُه ... لمُلتمِسِ المعروفِ: أَهْلٌ ومَرْحَبُ أى هذا أهلٌ ومرحبٌ.
وقال أبو الأسود: إذا جئتُ واباً له قال: مَرْحَباً ... أَلا مَرْحَبٌ واديكَ غير مَضِيقِ فاعرفْ فيما ذكرتُ لك أنّ الفِعْلَ يَجرى فى الأسماءِ على ثلاثة مَجارٍ: فِعْلٌ مُظْهَرٌ لا يَحسن إضمارُه، وفِعْلٌ مُضْمَرٌ مستعمَلٌ إظهارُه، وفِعْلٌ مُضمَرٌ متروكٌ إظهارُه.
فأَمّا الفعل الذى لا يَحسن إضمارُه فإنّه أَنْ تَنْتَهِىَ إلى رجل لم يكن فى ذِكْرِ ضَرْبٍ ولم يَخطُرِْ بباله، فتقول: زيدا.
فلا بدَّ له من أن تقول له:

اضربْ زيدا، وتقولَ له: قد ضربتَ زيدا.
أو يكون موضعاً يقبح أن يعرى من الفعل نحو أَنْ وقَدْ وما أَشبه ذلك.
وأمّا الموضعُ الذى يُضْمَرُ فيه وإظهارُه مستعمَلٌ، فنحوُ قولك: زيداً، لرجلٍ فى ذِكْرِ ضَرْبٍ، تريد: اضرب زيداً.
وأما الموضع الذي لا يستعمَل فيه الفعلُ المتروكُ إظهاره فمِن الباب الذى ذُكِرَ فيه إيّاك إلى الباب الذى آخِرُه ذكرُ مرحباً وأهلاً.
وسترى ذلك فيما يستقبل إن شاء الله.

جارٍ التحميل