الكتاب لسيبويهباب ما ينتصب من المصادر لأنه حال

باب ما ينتصب من المصادر لأنه حال

وقع فيه الأمرُ فانتَصب لأنه موقوعٌ فيه الأمرُ

وذلك قولك: قَتلتُهَ صَبْراً، ولقَيتُه فُجاءةً ومفاجأةً، وكفاحاً ومكافحةً، ولقيته عِيانًا، وكلّمتُه مُشافَهةً، وأتيتُه رَكْضاً وعَدْواً ومَشْياً، وأخذتُ ذلك عنه سَمْعاً وسَماعاً.
وليس كلُّ مصدرٍ وإنْ كان فى القياس مثلَ ما مضى من هذا الباب يوُضَعُ هذا الموضعَ؛ لأنّ المصدر ههنا فى موضع فاعِلٍ إذا كان حالاً.

ألا ترى أنه لا يَحسن أَتانا سُرْعَةً ولا أَتانْا رُجْلةً، كما أنّه ليس كلُّ مصدر يُستعمل فى بابِ سَقْيًا وحَمْداً.
واطَّرد فى هذا البابُ الذى قبله لأنَّ المصدر هناك ليس فى موضع فاعِلٍ.
ومثل ذلك قول الشاعر، وهو زُهير بن أبى سُلْمَى: فَلأْياً بَلأْىٍ مَا حَمَلْنا وَليدَنا ... على ظَهْرِ مَحْبوكٍ ظِماءٍ مَفاصِلُه كأنّه يقول: حَمَلْنا " وليدنَا " لأياً بلأى، كأَنّه يقول: " حملناه " جَهْداً بعد جهد.
هذا لا يتكلم به ولكنه تمثيل.
ومثلُه قول الراجز: ومَنْهَلٍ وَردتُه التقاطَا " أى فجاءةً ".

واعلمْ أنَّ هذا البابَ أتاه النصبُ كما أتَى البابَ الأوّلَ، ولكنَّ هذا جوابٌ لقوله: كيف لقيتَه؟ كما كان الأوّلُ جوابا لقوله: لمه؟

وهذا ما جاء منه في الألف واللام

وذلك قولك: أَرْسَلَها العِراكَ.
قال لبيدُ بن رَبيعةَ: فأَرْسَلَها العِراكَ ولم يَذُدْها ... ولم يُشْفِقْ على نَغَصِ الدَّخالِ كأَنّه قال: اعتراكاً.
وليس كلُّ المصادر فى هذا الباب يدخله الألف واللام، كما أنه ليس كل مصدر فى باب الحمدَ لله، والعَجَبَ لك، تَدخله الألفُ واللام، وإنَّما شُبّه بهذا حيث كان مصدراً وكان غَير الاسم الأوّل.

وهذا ما جاء منه مضافا معرفة

ً وذلك قولك: طلبتَه جَهْدَك، كأَنّه قال: اجتهادا.
وكذلك طلبَته طاقَتَك.
وليس كلُّ مصدرٍ يضاف، كما أنَّه ليس كلُّ مصدر تَدخله الألفُ واللام فى هذا الباب.
وأمَّا فعلتُه طاقتى فلا تُجْعَلُ نكرة، كما أَنّ مَعاذَ اللهِ لا تُجْعَلُ نكرةً.
ومثل ذلك: فَعَلَه رَأْىَ عَيْنِى، وسَمْعَ أُذُنِى قال ذاك.
وإن قلت: سَمْعاً جاز، إذا لم تَخْتَصَّ نفسَك، ولكنَّه كقولك: أخذتُه عنه سَماعاً.

هذا باب ما جُعل من الأسماء مصدراً

كالمضاف فى الباب الذى يَليه وذلك قولك: مررتُ به وَحْدَه، ومررتُ بهم وَحْدَهم، ومررتُ برجل وَحْدَه.
ومثل ذلك فى لغة أهل الحجاز: مررتُ بهم ثلاثَتهم وأربعتَهم، وكذلك إلى العَشَرَة.

وزعم الخليل رحمه الله أنه إذا نَصَبَ ثلاثَتهم فكأنَّه يقول: مررتُ بهؤلاءِ فقط، لم أُجاوِزْ هؤلاءِ.
كما أنّه إذا قال: وَحْدَه فإِنَّما يريد: مررتُ به فقط لم أُجاوِزْهُ.
وأمّا بنو تميم فُيجْرونه على الاسم الأوّل: إنْ كان جرًّا فجرًّا، وإن كان نصبا فنصباً، وإن كان رفعا فرفعا.
وزعم الخليل أنّ الّذين يُجرونه فكأَنّهم يريدون أن يَعُمُّوا، كقولك: مررتُ بهم كلَّهم، أى لم أَدَعْ منهم أحداً.
وزعم الخليل رحمه الله، حيث مثّلَ نَصْبَ وحدَه وخمستَهم، أنّه كقولك: أَفردتهم إفراداً.
فهذا تمثيل، ولكنه لم يُستعمل فى الكلام.
ومثل خمستَهم قول الشماخ: أتتني سليم قضها بقضيضها ... تمسح حولي بالبقيع سبالها كأَنّه قال: انقضاضَهم، " أى " انقضاضاً.
ومررتُ بهم قضهم بقضيضهم،

كأَنّه يقول: مررتُ بهم انقضاضاً.
فهذا تمثيل وإن لم يُتكلَّم به كما كان إفراداً تمثيلا.
وإنّما ذَكرنا الإِفرادَ فى وَحْدَه، والانقضاضَ فى قَضَّهم، لأنَّه إذا قال: قضَّهم فهو مشتق من في معنى الانقضاض، لأنّه كأَنه يقول: انقَضَّ آخرهم على أوّلِهم.
وكذلك وَحْدَه إنَّما هو من معنى التفرُّدِ، فكذلك أيضاً يكونُ خمستَهم نصباً إذا أردتَ معنى الانفراد، فإِنْ أردتَ أنَّك لم تَدَعْ منهم أحداً جررتَ، كما كان ذلك فى قَضَّهم.
وبعضُ العرب يَجعل قَضَّهم بمنزلة كلَّهم، يُجريه على الوجوه.

هذا باب

ما يجعل من الأسماء مصدراً

كالمصدر الذى فيه الألفُ واللامُ نحو العِراك

وهو قولك: مررتُ بهم الجَمَّاءَ الغَفيَر، والناسُ فيها الجَمَّاءَ الغفيَر.
فهذا يَنتصب كانتصاب العِراك.
وزعم الخليل رحمه الله أنّهم أدخلوا الألفَ واللام فى هذا الحرف وتَكلّموا به على نيَّةِ مالا تدخله الألفُ واللام، وهذا جُعل كقولك: مررتُ بهم قاطِبةّ

ومررتُ بهم طُراً، " أى جميعاً؛ إلاّ أنَّ هذا نكرةٌ لا يَدخله الألفُ واللام، كما أنَّه ليس كلُّ المصادرِ بمنزلة العِراك، كأَنّه قال: مررتُ بهم جميعاً.
فهذا تمثيلٌ وإن لم يُتكلّم به.
فصار طُراً " وقاطبة بمنزلة سُبْحانَ " اللهِ " فى بابه، لأنَّه لا يَتصرّف كما أنّ طُراً وقاطِبةً لا يَتصرّفان، وهما فى موضع المصدر، ولا يكونان معرفةً، ولو كانا صفةً لَجَرَيَا على الاسم أو بُنِيَا على الابتداءِ فلم يوجَدْ ذا فى الصفة.
وقد رأينا المصادرَ قد صُنع ذا بها لأنها لا تصرف، فشبه هذا بها.

جارٍ التحميل